وقوله ﷺ : "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم" (١) .
عن أنس بن مالك رضى الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعهن فى البيوت. فسأل أصحاب النبى ﷺ ، النبى ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء فى المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ (٢) فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: "ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه" (٣) قال الإمام ابن تيميه (٤) : "فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أنه خالفهم فى عامة أمورهم، حتى قالوا: "ما يريد أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه" (٥) .
стр. 457
فهذا إقرار من اليهود عليهم لعائن الله، بمخالفة النبى ﷺ لما كانوا عليه من شعائر حتى اشتهر ذلك بينهم، ألا يكفى ذلك برهاناً ساطعاً على بطلان قول المستشرقين: أنه كيف شعائر الإسلام لتتفق مع شعائر اليهود؟ (١) .
أولم يكفهم أنه ﷺ ، أخرج اليهود أذلاء حقيرين من المدينة، وأجلاهم عنها لما نقضوا عهودهم معه، وأبى عليهم أن يساكنوه فى بلد واحد؟ (٢) وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ﴿هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر﴾ (٣) أما وقف المستشرقون على الآيات والأحاديث العديدة الذامة لليهود الهاتكة لستورهم؟ أفى ذلك أيضاً دلالة على أن النبى كان يتقرب منهم ويتزلف لهم لكسبهم وإرضائهم؟.
стр. 458
إن النبى ﷺ ، منذ أن بعث وحمل رسالة الإسلام، نسخ الأديان السابقة، وأبطل شرعيتها، فلا نجاة لأحد من الخلق يهودياً كان أو نصرانياً إلا بالتزام شرعه، والسير على نهجه، وهو القائل ﷺ : "والذى نفس محمد بيده، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (١) .
والحديث هنا بياناً وتأكيداً لقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعاً الذى له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ (٢) .
فلا بقاء لدين مع دينه ﷺ ، ولا شريعة مع شريعته، بل دينه هو الحاكم والمهيمن على كل الأديان. قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ (٣) .
سابعاً: ما زعموه من إرجاع كثير من شعائر الإسلام إلى اليهودية أو النصرانية، أو الاثنين معاً، زعم باطل لما يلى:
стр. 459
أ- لأن استدلالهم بصوم عاشوراء على موافقة اليهود فيه، بناء على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "قدم النبى ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر بصيامه" (١) . فعلة الموافقة الواردة فى الحديث هى التى بنى عليها المستشرقون شبهتهم السابقة، ويجاب بالآتى:
١- لقد ثبت أن النبى ﷺ ، كان يصوم عاشوراء فى الجاهلية قبل قدومه المدينة، ويدل على ذلك قول عائشة رضى الله عنها: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ ، يصومه، فلما قدم المدينة، صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" (٢) .
стр. 460
وفى رواية: "وكان يوم تستر فيه الكعبة" (١) فدل بهذا على أنه ﷺ ، لم يصمه موافقة لليهود واقتداء بهم، وإنما صامه وأمر بصيامه تقريراً لتعظيمه وتأكيداً، وأخبر ﷺ أنه وأمته أحق بموسى من اليهود، فإذا صامه موسى شكراً لله، كنا أحق أن نقتدى به من اليهود، لاسيما إذا قلنا: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالفه شرعنا (٢) .
٢- إن النبى ﷺ ، بين نوع مخالفة لليهود فى صيام عاشوراء، عندما شرع صيام يوم قبله، أو بعده، فعن ابن عباس قال: حين صام رسول الله ﷺ ، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله. إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله ﷺ : "فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع" قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفى رسول الله ﷺ " (٣) وعنه أيضاً مرفوعاً: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" (٤) فدل ذلك على مخالفته لهم فى صيامه.
стр. 461
ب- وأما زعمهم أن المؤمنين كانوا لا يصلون فى مكة إلا مرتين فى اليوم، ثم أدخلت صلاة ثالثة عندما ذهبوا إلى المدينة على غرار اليهودية، فهو زعم فى وهن خيط العنكبوت، إذ الصلوات الخمس فرضت بمكة ليلة الإسراء، حين عرج بالنبى ﷺ ، إلى السماء، ولا خلاف بين أهل العلم، وأهل السير فى ذلك (١) .
... وهذا الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة، التى وردت فى صفة الإسراء والمعراج فى الصحيحين وغيرهما، من أحاديث جماعة من الصحابة رضى الله عنهم (٢) وفى أحدها قوله ﷺ : "فلم أزل أرجع بين ربى ﵎، وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة" (٣) .
جـ- وأما زعمهم أنه جعل الجمعة، يوم صلاة عامة، على غرار السبت عند اليهود، فهو أيضاً قول مخالف للصواب، لأن الله سبحانه شرع لعباده المؤمنين الاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ (٤) .
стр. 462
.. وقد ثبت أن الله أمر الأمم السابقة بتعظيمه، فضلوا عنه، واختار اليهود السبت، والنصارى الأحد، وفضل الله هذه الأمة بيوم الجمعة لفضيلته (١) فعن أبى هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق (٢) ففى الحديث ذم لأهل الكتابين، على تفريطهم فى يوم الجمعة، ثم شرع ﷺ ، صيام يوم السبت ويوم الأحد مخالفة لهما، كما جاء فى حديث أم سلمة رضى الله عنها، قالت: "كان رسول ﷺ ، يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام، ويقول: إنهما عيد المشركين، فأنا أحب أن أخالفهم" (٣) .
... قال الحافظ ابن حجر:: "يوم السبت عيد عند اليهود، والأحد عيد عند النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامها" (٤) .
стр. 463
.. بعد هذا يتضح لك، أن وحى الله تعالى (كتاباً وسنة) والذى بلغه رسول الله ﷺ ، بعصمة الله له، لم يكن مأخوذاً من اليهودية أو النصرانية، وإنما هو وحى مستقل، لم يتأثر بغيره، وبالتالى دين الإسلام، دين قائم بذاته، متميز عن غيره، وإذا وجد تشابه بين نسك إسلامى، وبين عمل سابق منسوب إلى شريعة اليهود أو النصارى. دل ذلك على أن أصل الدين الذى جاء به رسل الله واحد. لقوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (١) وبياناً لذلك وتأكيداً له، قال ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم فى الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٢) والمراد بـ (إخوة لعلات) الذين أمهاتهم مختلفة، وأبوهم واحد. أراد أن إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة (٣) أهـ.
والله تعالى أعلى وأعلم
المطلب الرابع: فرية الغرانيق والرد عليها
... تشبث بعض المستشرقين وأبواقهم المقلدون لهم بما ذكره بعض كتاب السيرة النبوية، وجماعة من المفسرين، وطوائف من المحدثين فى كتبهم، بأقصوصة "الغرانيق" وألصقوها بهجرة الحبشة، وجعلوها سبباً لعودة المهاجرين الأولين إلى مكة.
... وهى أقصوصة مختلقة، باطلة فى أصلها وفصلها، وأكذوبة خبيثة فى جذورها وأغصانها، واتخذ أعداء الإسلام منها سلاحاً للطعن فى عصمة رسول الله ﷺ ، من تسلط الشيطان عليه، وعصمته فى بلاغه لوحى الله تعالى.
стр. 464
.. ورغم أن علماء المسلمين قديماً وحديثاً بينوا بأوضح ما يكون البيان زيفها وبطلانها؛ إلا أنك تجد من ينتصر لهذه الفرية، ويطبل لها ويزمر من المستشرقين والمبشرين (١) وكذا أبواقهم المقلدون لهم الذين زادوا على أعداء الإسلام الطعن فى رواة السنة الشريفة والكذب عليهم بأنهم يصححون هذه الأكذوبة.
... يقول نيازى عز الدين (٢) : "بعد نزول الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ (٣) ألقى الشيطان نتيجة لتمنى الرسول ﷺ ، ألا ينزل الله تعالى ما يغضب قومه من قريش، لأنه كان يطمع بإسلام بعض وجهائهم، فألقى الشيطان فى أمنية الرسول وفى ذهنه بعض الكلمات، فاعتقد أنها من الوحي، فطلب من كتبه الوحي تسجيله وكتابته فى نص القرآن الكريم (٤) وكانت كما يلى: "أفرأيتم اللات والعزى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فسر القرشيون من المشركين بذلك، وسجدوا مع الرسول فى الصلاة، ولكن بعد فترة نزل جبريل، وعاتب الرسول، وصحح الآية، ناسخاً ما ألقى الشيطان" (٥) .
стр. 465
.. ويكرر فى موضع آخر الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ ، فى البلاغ، وفى عصمته من الشرك، ومن تسلط الشيطان عليه، بتفسير آيات النهى عن الشرك، والنهى عن اتخاذ إله آخر مع الله ، بأنها خطاب من الله لرسوله مرة ثانية عن قصة الغرانيق، وكأن حال لسانه يقول: قصة الغرانيق صحيحة، وبصحتها أشرك رسول الله، واتخذ إلهاً آخر، وتأمل كلامه بعد أن سبقه بذكر الآيات التالية قوله تعالى: ﴿ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾ (٢) يقول: "فمن معانى الآيات ... يتبين أن الله تعالى يكلم الرسول مرة أخرى عن قصة الغرانيق، وأن شفاعتهن لترجى، ويوضح له كيف ألقاها الشيطان إلى لسانه، فأدخلها الرسول خطأ فى القرآن، إلى أن أتى جبريل، ونبهه على الموضوع، فنسخ تلك الآيات وأتى بدلاً عنها بخير منها: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى. ألكم الذكر وله الآنثى﴾ (٣) وبين الله تعالى أسباب ذلك فى الآية: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٤) .
стр. 466
.. ويحاول بعض الشيعة الطعن فى السنة النبوية وأهلها، وعلى رأسهم الإمام البخارى وصحيحه بإيهام القارئ أن فرية الغرانيق موجودة فى صحيح البخارى. إذ يقول جعفر مرتضى العاملى بعد أن ذكر فرية الغرانيق قال: "وأضاف البخارى سجود الإنس والجن إلى مجموع المسلمين والمشركين..." (١) ويكذب أحمد حجازى السقا (٢) قائلاً: "فما تقول فى قصة الغرانيق المروية فى كتب الصحاح" (٣) ولم يبين لنا ما هى كتب الصحاح التى روت تلك الفرية؟!.
... ويجاب عن هذه الفرية، وما اشتملت عليه من افتراءات أخرى بما يلى:
أولاً: إن هذه الأقصوصة المختلقة تنافى ما هو مقطوع به من عصمة رسول الله ﷺ ، فى عقيدته من الشرك والشك والضلال والغفلة، وعصمته من تسلط الشيطان عليه، وكذا عصمته من الخطأ والسهو فى أمر التبليغ، وهو ما قام عليه إجماع الأمة، والأدلة القطعية من الكتاب والسنة، والسيرة العطرة، على ما سبق تفصيله (٤) .
ثانياً: قيام الأدلة القطعية من القرآن الكريم على بطلانها ، وأقرب دليل يشير إلى فساد هذه القصة ما يلى:
стр. 467
١- ما ذكره رب العزة فى أول سورة النجم، مؤكداً بالقسم على عصمة نبيه ﷺ ، فى تبليغ وحيه، وأنه لا يخرج كلامه عن الحق، قال تعالى: ﴿والنجم إلى هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى﴾ (١) فكيف ينتظم هذا مع ذكر فى نفس السورة من نطقيه ﷺ عن الهوى؟ بل وترديده ما يلقيه إليه الشيطان، على أنه آيات قرآنية إلهية؟! هذا مع قوله تعالى: ﴿ولو تقول عليه بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ (٢) . فها هو يتقول عليه، ولا يفعل به شيئاً؟ هل يعقل هذا؟!.
... وإذا كانت هذه الآيات من سورة الحاقة، قد نزلت بعد سورة النجم، فإن ذلك لا يضر؛ مادامت الآية تعطى قاعدة كلية، ولا تشير إلى قضية خارجية خاصة، والقاعدة الكلية هنا: عصمته ﷺ فيما يبلغ عن ربه .
٢- ما جاء فى نفس السورة بعد الموضع الذى زعموا أنه ذكرت فيه الفرية من ذم أصنام المشركين "مناة، واللات، والعزى" والإنكار على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وأن التمسك بعبادتها أوهام وظنون. قال تعالى: ﴿إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ (٣) .
... فلو أن القصة صحيحة لما كان هناك تناسب بينها، وبين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظم مفككاً، والكلام متناقضاً. وكيف يطمئن إلى هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، وأصحاب عقول لا يخفى عليها مثل هذا، ولاسيما أعداؤه الذين يلتمسون له العثرات والزلات.
стр. 468
.. فلو أن ما روى كان واقعاً لشغب عليه المعادون له، ولارتد الضعفاء من المؤمنين، ولثارت ثائرة مكة، ولاتخذ منه اليهود بعد الهجرة متكئاً يستندون إليه فى الطعن على النبى ﷺ ، والتشكيك فى عصمته، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن.
٣- إن بعض الروايات الواردة فى القصة ذكرت أن فيها نزل قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً﴾ (١) .
... وهاتان الآيتان، حتى لو لم تكونا سبب النزول، فهما تردان القصة؛ لأن الله ذكر أنهم كادوا يفتنونه، ولولا أن ثبته لكاد أن يركن إليهم، ومفاداه أن الفتنة لم تقع، وأن الله عصمه وثبته حتى لم يكن يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلاً عن الركون. فالأسلوب القرآنى جاء على أبلغ ما يكون فى تنزيه ساحته ﷺ عن ذلك، وهم يرون فى أخبارهم الواهية، أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم، وهذا ينافى ما تدل عليه الآية، وهو توهين للخبر لو صح، فكيف ولا صحة له؟ (٢) .
٤- وقال تعالى: ﴿قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصاً له دينى. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ (٣) . وتأمل الأسلوب الإنكارى التوبيخى فى قوله ﴿فاعبدوا ما شئتم﴾ وهى أشد من مجرد مدح الأصنام.
стр. 469
.. فكل هذه الآيات وغيرها مما سبق ذكره فى مواضع عصمته ﷺ (١) مما يكذب هذه القصة، ويظهر زيفها ووضعها على رسول الله ﷺ .
ثالثاً: مخالفة القصة لحقائق تاريخ السيرة العطرة ، إذ أن سورة النجم تحمل الحديث عن المعراج، وكان المعراج بعد السنة العاشرة من البعثة باتفاق، أما قصة الغرانيق هذه فإن رواياتها تبين أنها كانت فى السنة الخامسة للبعثة، إبان الهجرة الأولى للحبشة، فى رمضان منها؛ وهذا مما يؤكد بطلان تلك المرويات، ويحقق كذبها ووضعها على رسول الله ﷺ . يضاف إلى ذلك أن الرسول ﷺ قبل إسلام عمر رضى الله عنه، ما كان يصلى عند الكعبة جهاراً نهاراً آمناً أذى المشركين له، حتى كانوا ربما مدوا أيديهم إليه، وإنما كان يصلى إذا خلا المسجد منهم، وعمر رضى الله عنه قد أسلم فى السنة السادسة، وهذه فى الخامسة، وبذلك يبطل هذا القول، وهو صلاته بحضورهم على هذه الهيئة. ومن المعلوم أن معاداتهم لرسول الله ﷺ ، كانت أعظم من يقروا بهذا القدر من القراءة، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر؛ فكيف أجمعوا على أنه عظم آلهتهم حتى خروا سجداً دون أن يتحققوا ذلك منه ﷺ (٢) .
стр. 470
رابعاً: ذهب جماهير علماء الأمة من المحدثين ، ومن المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول إلى إنكار القصة، والجزم بوضعها واختلاقها (١) وإليك نماذج من أقوالهم:
стр. 471
قال القاضى عياض: "إن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، المولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم... ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين التابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها، ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث ابن عباس (١) وضعفه الأئمة أيضاً. ثم نقل القاضى عن الحافظ البزار قوله: "هذا الحديث – أى فرية الغرانيق – لا نعلمه يروى عن النبى ﷺ ، بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد وهو: "يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن جبير: فيما أحسبه". وضعفه الإمام البزار بما يلى:
تفرد أمية بن خالد بنقل هذا الحديث مسنداً عن شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وغير أمية بن خالد يرويه مرسلاً عن سعيد بن جبير عن النبى ﷺ ، ومن غير ذكر ابن عباس.
وقوع الشك فى حديث شعبة، فسعيد بن جبير، وإن كان معتمداً لكن تردد أن النبى ﷺ ، كان بمكة فى هذه القضية، أو بغيرها.
رواية الكلبى لهذا الحديث عن أبى صالح عن ابن عباس، مضعفة أيضاً بأن الكلبى غير ثقة، وأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس، ففيها انقطاع، والمنقطع من أقسام الضعيف (٢) فلا يحتج به (٣) .
стр. 472
قال القاضى عياض: "فقد بين لك أبو بكر البزار ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوزه ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه الذى لا يوثق به ولا حقيقة معه" (١) .
قلت: وفى ذلك رد على قول الإمام السيوطى فى رواية ابن عباس الموصولة، بأن إسنادها جيد (٢) زد على ذلك ما نقله القاضى عن القاضى بكر بن العلاء المالكى فى بيانه لضعف القصة من حديث ضعف سندها واضطراب متنها بقوله: "لقد بلى الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون، مع ضعف نقلته واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته: فقائل يقول إنه فى الصلاة، وآخر يقول: قالها فى نادى قومه، حيث أنزلت عليه السورة؛ وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبى ﷺ لما عرضها على جبريل، قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبى ﷺ قرأها؛ فلما بلغ النبى ﷺ ذلك قال: والله ما هكذا نزلت؛ إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" (٣) .
وقال الإمام الرازى: "أهل التحقيق قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، ونقل عن الحافظ ابن خزيمة، أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من الزنادقة، وصنف فيه كتاباً، كما حكى عن الإمام البيهقى قوله: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعون فيهم" (٤) .
стр. 473
وقال الإمام ابن حزم: "وأما الحديث الذى فيه "وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" (١) .
وقال فضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون بعد أن فند الروايات التى ذكرها الإمام السيوطى فى تفسيره، وأجاد فى الرد عليها بما يغنى عن ذكره قال: "ليس فى روايات فرية الغرانيق، رواية قط متصلة الإسناد على وجه الصحة، ولم يذكر فى جميع الروايات صحابى قط على وجه موثق، وما ذكر فيه باسم ابن عباس، فكلها ضعيفة واهية خلا رواية سعيد بن جبير على الشك فى إسنادها إلى الحبر ابن عباس، والشك يوهيها" (٢) .
خامساً: القصة لم يخرجها أصحاب الكتب الصحاح:
... فرية الغرانيق لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة كالسنن الأربعة، ومسند الإمام أحمد، كما زعم كذباً بعض أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة (٣) والذى رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس: "أن النبى ﷺ قرأن النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون، والجن، والإنس" وفى رواية للبخارى أيضاً عن ابن مسعود قال: "أول سورة أنزلت فيها سجدة "والنجم" قال: فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف" (٤) .
стр. 474
.. فأنت ترى هنا أن البخارى اقتصر على هذا الجزء الصحيح من القصة، وليس فيه البتة فرية الغرانيق! فأين هذا مما يزعمه بعض الرافضة من إيهام القارئ أن فرية الغرانيق ذكرها الإمام البخارى فى صحيحه؟! (١) .
سادساً: سؤال بعضهم:
"كيف سجد المشركون عند نهاية السورة لقوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾ (٢) مع أنهم يرفضون السجود لله؟ قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً﴾ (٣) .
فالجواب:
... إن سجود أهل الشرك كان لما سمعوه من أسرار البلاغة الفائقة، والفصاحة البالغة، وعيون الكلم، الجوامع لأنواع من الوعيد والإنكار، والتهديد والإنذار، وقد كان العربى يسمع القرآن فيخر له ساجداً (٤) .
... يقول الأستاذ سيد قطب: "سجود المشركين كان لاعتبارين:
الاعتبار الأول: كامن فى ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن. ولهذه الإيقاعات المزلزلة فى سياق هذه السورة... خصوصاً إذا كان القارئ هو سيدنا رسول الله ﷺ ، الذى تلقى هذا القرآن مباشرة من مصدره، وعاشه وعاش به، وأحبه حتى لكان يثقل خطاه إذا سمع، من يرتله داخل داره، ويقف إلى جانب الباب يسمع له حتى ينتهى.
... وفى هذه السورة بالذات كان يعيش لحظات عاشها فى الملأ الأعلى، وعاشها مع الروح الأمين، وهو يراه على صورته الأولى.
والاعتبار الثانى: أن أولئك المشركين لم تكن قلوبهم ناجية من الرعشة والرجفة، وهم يستمعون إلى سيدنا محمد ﷺ . إنما كان العناد المصطنع هو الذى يحول بينهم وبين الإذعان.
стр. 475
.. ومثل هؤلاء إذا استمعوا إلى سورة النجم من رسول الله ﷺ فأقرب ما يحتمل أن تصادف قلوبهم لحظة الاستجابة التى لا يملكون أنفسهم إذاءها، وأن يأخذوا بسلطان هذا القرآن؛ فيسجدوا مع الساجدين بلا غرانيق ولا غيرها من روايات المفترين" (١) .
... قلت: فسجودهم كان معجزة لرسول الله ﷺ ، بقهر المشركين، وإجبارهم على السجود، كما قال : ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ (٢) وكما ألقى سحرة فرعون ساجدين لما رأوا معجزة سيدنا موسى ﵇، تلقف ما يأفكون، ألقى كفار قريش سجداً لمعجزة سيدنا رسول الله ﷺ ، وهى معجزة سيخر لها أهل الكفر إلى يوم الدين أهـ.
سابعاً: الرد على المثبتين للقصة:
... سبق التنويه على أن بعض المفسرين، والمحدثين، ذكروا قصة الغرانيق فى كتبهم، وقرروا قبول سندها، مع ردهم لما جاء فيها من مدح الأصنام "تلك الغرانيق العلا...الخ" وتأويلهم لها.
стр. 476
.. والجدير بالذكر هنا ما قاله الإمام ابن حجر، لأنه عالم متبحر محقق تابعه فى كلامه أئمة أعلام أيضاً (١) وكذلك لأن كلام الإمام اعتمد على الصناعة الحديثية، فاستحق التنويه والتعقيب بخلاف غيره (٢) قال الإمام ابن حجر بعد تصريحه القاطع فى الحكم على روايات القصة بالضعف والانقطاع قال: "لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين، أحدهما: ما أخرجه الطبرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والثانى: عن أبى العالية (٣) .
стр. 477
.. قال الحافظ: وقد تجرأ أبو بكر بن العربى كعادته فقال: ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها (١) وهو إطلاق مردود عليه، وكذا رد الحافظ كلام القاضى السابق ذكره، ثم قال: وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: "ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه ﷺ ، أن يزيد فى القرآن عمداً ما ليس منه، وكذا سهواً، إذا كان مغايراً لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" (٢) .
... والكلام مع الإمام الحافظ ابن حجر فيما قاله يجرى على وجوه:
الوجه الأول: يتعلق بروايات القصة والتى ساقها الحافظ ثم عقب عليها بقوله: "وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع" (٣) أى فلا تقوم به حجة، وهذا نص قاطع من ابن حجر يضاف إلى نصوص الأئمة السابق ذكرها، فى أن روايات هذه القصة ضعيفة السند، واهية المخرج، لا تصلح للاحتجاج بها، بما فى ذلك طريق ابن جبير على ما سبق.
стр. 478
الوجه الثانى: يتعلق بعصمة رسول الله ﷺ ، فى بلاغ وحى الله تعالى، وعدم الخطأ فيه، لا عمداً ولا سهواً، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وهى عصمة ثابتة له ﷺ ، بشهادة القرآن والسنة والتاريخ، وإجماع الأمة على ما سبق شرحه (١) وهو ما يتعارض مع ما جاء فى هذه القصة من تسلط الشيطان عليه، وإلقائه على لسان رسول الله ﷺ ، فى ثنايا تلاوته آيات الله المنزلة بالوحي، أخبث كلمات الكفر التى تشيد بالأوثان مدحاً وتعظيماً، وهو ما ينقض بنيان العصمة من أساسه؟.
الوجه الثالث: يتعلق بالثقة بوحى الله تعالى إلى رسله، فإذا فتح للشيطان أدنى منفذ للتسلط على رسل الله تعالى، وتلقينهم أخبث الكفر، دون أن ينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من ذلك، ويبلغوه إلى أممهم فيما يبلغونه عن الله تعالى، لم يبق للأمة ثقة فيما تسمع من رسولها، وهذا بلا شك، هدم لدعوات الرسل، وإبطال لرسالاتهم.
الوجه الرابع: يتعلق بالثقة بنبينا سيد الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ فى معرفته بأسلوب القرآن ومعانيه، معرفة لا تسمو عليها معرفة أحد، لأنه القيم على تمييز أسلوبه وروعة بيانه، والمثل الأعلى فى العلم بحقائقه الإيمانية، فإذا جاز أن يلقى إليه الشطان كلمات أخبث الكفر، فى أثناء تلاوته لآيات الله تعالى، الموطدة لدعائم التوحيد، وهدم الوثنية والشرك – كما تزعم أقصوصة الغرانيق – على سمع جموع المسلمين، والمشركين، ثم لا يتنبه لذلك، ولا يميز بين ما هو قرآن كريم من عند الله تعالى؛ وما هو كفر خبيث من إلقاء الشيطان، فماذا بقى لهذا الرسول الكريم من ثقة فى نفوس المؤمنين به؟.
стр. 479
.. فقول الحافظ ابن حجر بعد سوقه كلام القاضيين أبى بكر بن العربى، وعياض: وجمع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلاً. من أغرب قضايا العلم فى منهج الإسلام؛ فالأمر يتعلق بأقصوصة إذا سلمت كانت معولاً هداماً لأصل أصول الإسلام، بل أصل أصول الدين كله فى جميع رسالات الله تعالى إلى جميع أنبياءه ورسله، لأنها تطعن فى عصمة الأنبياء، وتقرر أن الشيطان صاحب سلطان عليهم، وهذه مزلقة لا ينتهى من يقع فيها إلا إلى هاويه لا قرار لها.
الوجه الخامس: أن قاعدة الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلت على أن موضوع الروايات له أصل ليست على عمومها، ففى باب العقائد لا يقبل إلا النص الصحيح المقطوع بصحته، وفى غير أبواب العقائد من الأحكام الفرعية، فإن هذه القاعدة مقيدة، كما قال المحدثون. بالضعف الذى يزيله ما يجبره، وذلك إذا كان الضعف ناشئاً عن ضعف حفظ الراوى، أما الضعف الذى لا يزول لقوته، وتقاعد الجابر عن جبره ومقاومته فلا وزن له، ولو جاء من سبعين طريقاً متباينة المخارج، وذلك كالضعف الذى ينشأ من كون الراوى متهماً بالكذب – كما فى بعض روايات أقصوصة الغرانيق التى جاءت من طريق الكلبى (١) وهو كذوب ولا تجوز الرواية عنه، ومثل ذلك كون الحديث شاذاً (٢) .
стр. 480
.. ثم قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها – أى من روايات قصة الغرانيق – على شرط الصحيح، وهى مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض.
... قلت: إن هذا التعميم فى الاحتجاج بالمرسل عند من يقول به، ومن لا يقول به غير مسلم، لأن الخلاف فى الاحتجاج بالمرسل إنما هو فى أحكام الفروع، ولا يمكن أن يكون جارياً فى أصول العقائد، لأنها لا تثبت إلا بدليل صحيح، والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين كما قال الإمام مسلم: "إن المرسل من الروايات فى أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" (١) وقال ابن الصلاح: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر، وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذى استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر" (٢) .
الوجه السادس: أن الأمام ابن حجر يرى فى القصة ما هو محال أن يقع من رسول الله ﷺ ، وهو الزيادة فى القرآن عمداً أو سهواً، بيد أنه لم يشأ أن يقف عند هذه النتيجة التى كانت أمراً طبيعياً يسوق إليها البحث العلمى، وينتهى بها إلى أن هذه الأقصوصة أكذوبة باطلة، ما كانت تستحق أن تجول ساحبة ذيولها فى ساحة سيرة سيد المرسلين محمد ﷺ ، ولكنه خضع لقواعد الصنعة فى غير محلها – حيث يمس الأمر العقائد – وراح يتشبث بالتأويل فيما رآه محالاً، وحكى من ضروب هذا التأويل أقوالاً كلها بعيدة عن نص روايات القصة. وحتى التأويل الذى استحسنه ورجحه بعض الأئمة، بالتأمل فيه ترى أنه غير مقبول، وترده نص روايات القصة (٣) .
стр. 481
.. انظر مثلاً: قول القاضى: "والذى يظهر ويترجح عند ابن العربى (١) وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبى ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلاً، ويفصل الآى تفصيلاً فى قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبى ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبى ﷺ وأشاعوها" (٢) .
... قلت: وهذا التأويل الراجح عند ابن العربى، وارتضاه الحافظ (٣) وغيره ممن تابعه قديماً وحديثاً، ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع القائل به فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على رسول الله ﷺ ، وعدم عصمته فيما يبلغ عن ربه ، حيث أن التسلط بالمحاكاة كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات الإلهية.
... وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذى نطق بهذا المنكر من القول فى أثناء سكوت النبى ﷺ ؛ فكيف لم يسمع ما حكاه الشيطان؟! وإذا كان سمعه فلم لم يبادر إلى الإنكار، والبيان فى مثل هذا واجب على الفور؟!.
... وإذا لم يسمع النبى! ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا فلم لم يبادروا إلى تنبيه الرسول ﷺ ؟!.
وأهون من هذا فى الإبطال وأشد فى الاستغراب ما ذكره موسى بن عقبة فى مغازيه، من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان بهذه المقالة فى أسماع المشركين!!.
стр. 482
.. فهل كان الشيطان يسر بها فى آذان المشركين دون المسلمين؟ ثم كيف يتفق هذا الذى اختاروه، وما روى من أن النبى ﷺ حزن حزناً شديداً، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا؟! (١) .
... فإذا كان هذا المستحسن عن بعض الأئمة ترده نفس الروايات الضعيفة، فمن باب أولى باقى التأويلات التى ذكر معظمها الإمام ابن حجر وردها كما ردها من سبقه من الأئمة (٢) .
معنى آية التمنى:
... وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الممحصة، فآية التمنى فى قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (٣) لا صلة لها بفرية الغرانيق لما يلى:
آية التمنى فى سورة الحج، وهى مدنية بالاتفاق، ولاسيما وأنه قد ورد فيها الأمر بالأذان فى الناس بالحج، والأمر بالقتال، والأمر بالجهاد، وذكر فيها الصد عن المسجدالحرام، وكل ذلك إنما كان بعد الهجرة، وبعضه أتى بعدها بعدة سنوات، وهذا يعنى أن هذه الآية قد نزلت بعد الغرانيق بسنوات عديدة، لأن قصة الغرانيق قد حصلت فى السنة الخامسة من البعثة، فكيف أخر الله تسلية وتهدئة خاطر الرسول ﷺ هذه السنين الطويلة؟!.
стр. 483
إن آية التمنى ليس فيها دلالة على شئ من فرية الغرانيق من قريب أو بعيد، لولا ما افتراه الزنادقة من مراسيل واهية فى أسباب نزولها! وقد فسر آية التمنى كثير من جهابذة علماء الإسلام فى تفاسيرهم المتداولة بين الأمة، ولم يظهر لهم قط حاجة إلى إلصاق القصة بتفسير الآية، ومن هؤلاء المفسرين الجهابذة، أبو حيان فى تفسيره (البحر المحيط) (١) والشوكانى فى تفسيره (فتح القدير) (٢) وأبو بكر بن العربى فى (أحكام القرآن) (٣) على أن معنى الآية لا ينسجم مع مفاد الرواية، فإن التمنى هو: تشهى حصول أمر محبوب ومرغوب فيه (٤) فالرسول ﷺ إنما يتشهى ويتمنى ما يتناسب مع وظيفته كرسول، وأعظم أمنية لإنسان كهذا، هى ظهور الحق والهدى، وطمس الباطل، وكلمة الهوى، فيلقى الشيطان بغوايته للناس ما يشوش هذه الأمنية، ويكون فتنة للذين فى قلوبهم مرض، كما ألقى فيما بين أمة موسى من الغواية ما ألقى، فينسخ الله بنور الهدى غواية الشيطان، ويظهر الحق للعقول السليمة.
أما لو أردنا تطبيق الآية على ما يقولون: فإن المراد بالتمنى يكون هو القراءة والتلاوة، وهو معنى شاذ غريب، يخالف الوضع اللغوى، وظاهر اللفظ، أما الشعر المنقول عن حسان بن ثابت، كشاهد على ذلك، فمشكوك فى نسبته إليه (٥) .
стр. 484
وحتى لو قبلنا أن المراد بالتمنى هو التلاوة، فإن من الممكن أن يكون المراد من الآية هو: إعلام المولى لرسوله ﷺ ، بأن من أرسل قبله من الرسل كان إذا تلا ما يؤديه إلى قومه، حرفوا عليه، وزادوا فيما يقوله ونقصوا، كما فعلت اليهود والنصارى فى الكذب على أنبيائهم قال تعالى: ﴿ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (٢) وقال : ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ (٤) فأضاف ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره، ثم بين الله أنه يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه بشريعة نبيه ومصطفاه ﷺ ، تلك الشريعة التى تعهد رب العزة بحفظها فى قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٥) .
стр. 485
وفى هذه المعانى قال أبو حيان: "ذكر الله تعالى مسلاة لنبيه، باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء، وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم، متمنين لذلك، مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلا وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه، وبث ذلك إليهم، وإلقائه فى نفوسهم، كما أنه ﷺ كان من أحرص الناس على هدى قومه، وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث، يلقون لقومه، وللوافدين عليه شبهات يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية: ﴿والذين سعوا فى آياتنا معاجزين﴾ (١) وسعيهم بإلقاء الشبه فى قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه هو المغوى والمحرك شياطين الإنس للإغواء لما قال "لأغوينهم" ومعنى: ﴿فينسخ الله ما يلقى الشيطان﴾ يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس كما قال: ﴿ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا﴾ (٢) ﴿ثم يحكم الله آياته﴾ معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان﴾ من تلك الشبه وزخارف القول "فتنة" لمريض القلب ولقاسية، وليعلم من أوتى العلم أن ما تمنى الرسول والنبى من هداية قومه، وإيمانهم هو الحق. وهذه الآية ليس فيها إسناد شئ إلى رسول الله ﷺ ، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا" (٣) .
وصفوة القول: أن الذين أثبتوا القصة أجمعوا على رد معناها حيث جمعت بين ضعف السند والمتن، وقوة المعارض من القرآن الكريم، وتاريخ سيرته ﷺ العطرة، وإجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ من كل ما يخل بالتبليغ، وهذا كله يدعونا إلى أن نصدع بأن قصة الغرانيق مكذوبة، اختلقها الزنادقة الذين يريدون إفساد الدين، والطعن فى عصمة سيد الأنبياء وإمام المخلصين ﷺ .
وبعد:
стр. 486
.. فإن الناظر فيما ساقه القوم من شبهه – يلاحظ مدى تحير القوم، وترددهم واضطرابهم، فى تحديد المصدر الذى صدر عنه الوحي الذى جاء به رسول الله ﷺ .
... فانظر كم قلبوا من وجوه الرأى فى هذه المسالة؟ فمرة يقولون كذا، ومرة يقولون كذا، كما علمت فى المطالب السابقة. فإن شئت أن تطلع على هذه الصورة المضحكة من البلبلة الجدلية فاقرأ وصفها فى قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر﴾ (١) .
... فهذه الجملة القصيرة تمثل لك بما فيها من توالى حروف الإضراب مقدار ما أصابهم من الاضطراب فى رأسهم، وتريك صورة شاهد الزور إذا أحس بحرج موقفه، كيف ينقلب ذات اليمين وذات الشمال.
... وإذا كان أعداء الإسلام من المستشرقين يتحيرون ويضطربون فى تحديد مصدر الوحي، فأذيالهم وأبواقهم من أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة هم كذلك يتحيرون ويتناقضون؛ وهم يطعنون فى الوحي المنزل على رسول الله ﷺ .
فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى.
стр. 487
المبحث الثانى: شبهات أعداء السنة المطهرة حول الوحي الإلهى
والرد عليها
تمهيد:
... إذا كان أعداء السنة المطهرة، والسيرة العطرة يتظاهرون بإسلامهم وإيمانهم بكتاب الله ، فإنك تجدهم يعلنون فى صراحة الكفر بالشطر الثانى من الوحي الإلهى المنزل على رسول الله ﷺ ، وهو سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها.
... وهذا يبدوا واضحاً حين رسموا من خيالهم المريض صورة مزيفة لدور رسول الله ﷺ فى رسالته؛ وهى صورة إجمالية لا تخرج عن دور "ساعى البريد" إن صح التعبير فى جناب مقامه ﷺ الجليل.
... إنهم يرون أن مهمة رسول الله ﷺ فى رسالته، قاصرة على بلاغ القرآن فقط، ومن هنا أنكروا سنته المطهرة، وسيرته العطرة الواردة فيها. وزعموا أن طاعته ﷺ ، محصورة فى كتاب الله فقط!.
... ولأنهم يتمسحون بظاهر الآيات القرآنية وجدوا أنفسهم فى مأزق من خلال عشرات الآيات التى تحض على طاعته ﷺ ، وتجعل طاعته من طاعة الله تعالى؛ فلم يعدموا لها تأويلاً، بزعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ ، فى القرآن تعنى الطاعة لكتاب الله ، ولم يكتفوا بهذا إذ زعموا أن القول بطاعة رسول الله ﷺ شرك وتأليه له، ومن يقول بها فقد كفر وأشرك بربه.
... وهم فى كل ما يأفكون يتسترون بعباءة القرآن الكريم حتى يقبل المسلمون كلامهم، ولكن أنى لهم هذا! وهم يفسرون آيات الله ، تفسيراً يخرجها عن معناها تماماً، وهو نتيجة طبيعية لعدم التزامهم بقواعد التفسير، وأصول الفكر الإسلامى.
... فإلى تفصيل شبهاتهم والرد عليها فى المطالب التالية.
стр. 488
المطلب الأول: شبهة أن مهمة رسول الله ﷺ قاصرة على بلاغ القرآن فقط
والرد عليها
... طعن أعداء السنة المطهرة، فى دور رسول الله ﷺ فى تبليغ الوحي، وحصروا بلاغه فى الرسالة، على تبليغ القرآن الكريم فقط، وقالوا هى مهمته الوحيدة، وعدوا القول بخلاف قولهم اتهام لرسول الله ﷺ ، بأنه فرط فى تبليغ الوحي.
... وجاءت أقوالهم فيما يفترون صريحة، وإليك نماذج منها:
قال رشاد خليفة (١) : "إن مهمة الرسول الوحيدة: هى تبليغ القرآن بدون أى تغيير، أو إضافة، أو اختزال، أو شرح" (٢) . وقال فى موضع آخر: "أمر محمد بتبليغ القرآن فقط بدون أى تغيير، وألا يختلق أى شئ آخر" ويقول: "محمد ممنوع من التفوه بأى تعاليم دينية سوى القرآن" (٣) .
ويقول محمد نجيب (٤) : "نسبة أى شئ للرسول غير القرآن طعن فى أمانة الرسول ﷺ " (٥) .
стр. 489
ويقول أحمد صبحى منصور: "إن إسناد قول ما للنبى وجعله حقيقة دينية هو اتهام للنبى بأنه فرط فى تبليغ الرسالة... بإيجاز كانت مهمة النبى مقتصرة على التبليغ دون الإفتاء والتشريع" (١) .
ويقول إسماعيل منصور (٢) : "إنه ليس لجبريل ﵇ فى القرآن الكريم دور إلا النقل الأمين فحسب، كما أنه ليس لمحمد فيه دور كذلك إلا البلاغ الصادق وحده. قال تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٤) .
стр. 490
ويقول جمال البنا (١) : "ونصوص القرآن الكريم واضحة، وصريحة، ومتعددة، وهى تحصر دور الرسول فى البلاغ، وكثيراً ما تأتى الإشارة إلى البلاغ بصيغة الحصر، ولكنها فى حالات أخرى تضيف إلى البلاغ صفة "المبين" قال تعالى: ﴿وإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ (٣) .
ويجاب عن هذه الشبهة بما يلى:
أولاً: لكل مسلم أن يعجب من جراءة هؤلاء الأدعياء الذين يتسترون بعباءة القرآن الكريم، فى جرأتهم وتطاولهم على الذات العليا من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
... إذ بعثة الرسول أو النبى، وتحديد دوره فى رسالته أمر لا يملك منه أحد شئ سوى الخالق ؛ وتلك بديهة لا يخالفها عاقل.
... فإذا جاء أعداء السنة المطهرة، وزعموا أن مهمة رسول الله ﷺ قاصرة على بلاغ القرآن فقط، وأن نسبة أى شئ إليه سوى القرآن يعنى الطعن فى أمانته، وأنه فرط فى تبليغ الرسالة، فقد تجرءوا وتطاولوا على ربهم. حاسبهم سبحانه بما يستحقون.
стр. 491
ثانياً: إذا كان أعداء السنة المطهرة والسيرة العطرة اتخذوا لأنفسهم شعار "القرآنيون" يستدلون به وحده على ما يزعمون؛ فهم يحرصون دائماً على الإيمان ببعض القرآن، والكفر ببعضه الآخر؛ حيث أنهم هنا فى افتراءاتهم يستدلون بظاهر وعموم بعض الآيات القرآنية التى تحث رسول الله ﷺ ، على البلاغ، وتركوا باقى نصوص القرآن الكريم التى تفصل حقيقة هذا البلاغ، وتفصل أيضاً باقى أدوار رسول الله ﷺ ، فى رسالته.
... وإليك شواهد من الآيات القرآنية ترد على افتراءاتهم، وتبين فى وضوح وجلاء أن دور رسول الله ﷺ فى رسالته ليس قاصراً على بلاغ القرآن الكريم فقط، وإنما بيان هذا الكتاب الكريم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتزكيتهم، والحكم بينهم فى كل شأن من شئون حياتهم، وما كل ذلك إلا بالسنة المطهرة، والسيرة العطرة التى ينكرونها.
قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (١) والبلاغ الذى أمر المولى به رسوله، هو الوظيفة الأولى له ﷺ وهو بلاغ عام وشامل لكل ما تحتاج إليه البشرية فى عاجلها وآجلها، ودنياها وأخراها، وقد وصل إلينا هذا البلاغ فى وحيين:
أحدهما: متلو وهو القرآن الكريم.
وثانيهما: غير متلو وهو السنة المطهرة.
... ويدل على عموم البلاغ، عموم الاسم الموصول "ما" فى الآية الكريمة، كما عمم من أراد تبليغهم، حيث حذف المفعول الأول لـ "بلغ" ليعم الخلق المرسل إليهم؛ والتقدير: بلغ جميع ما أنزل إليك من كتاب وسنة، من يحتاج إلى معرفته من أمر الدين الموحى به إليك (٢) .
стр. 492
.. أما كون رسول الله ﷺ ، كما نص القرآن، ما عليه إلا البلاغ، والاستدلال بظاهر ذلك على حصر مهمته فى بلاغ القرآن فقط، فإن ذلك فهم غير مراد؛ لأن قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ (١) معناه نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، نحو قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ﴾ (٣) والمعنى: نفى الإكراه على الاعتقاد والإيمان، ففى العقيدة والتصديق القلبى، لا إكراه، أى ليس هناك إلا البلاغ، أما فى شريعة الدولة والسياسة والاجتماع والمعاملات، فهناك السلطان والثواب والعقاب، وليس هناك أدنى تناقض بين وقوف سلطان الرسول ﷺ ، فى العقيدة عند البلاغ؛ ﴿لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى﴾ (٤) وبين وجود ووجوب الطاعة المتميزة له، فى إطار بيان وتطبيق الوحي الإلهى... بل إن القرآن الكريم يجمع بين الأمرين فى الآية الواحدة. وتأمل قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ (٥) فالرسول الله ﷺ ، طاعة متميزة وسلطان وتشريع لإقامة الدين، والإقامة تطبيق وتجسيد، يزيد على مجرد البلاغ والتبليغ بدليل ما يلى:
قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٦) و"التبيين" هنا غير "التبليغ" الذى هو الوظيفة الأولى للنبى ﷺ ، ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (٧) .
стр. 493
و"التبيين" و"التبليغ" وظيفتان موضوعهما واحد هو "القرآن الكريم" عبر عنه فى آية "التبليغ" بهذا اللفظ: ﴿ما أنزل إليك﴾ وعبر عنه فى آية التبيين بلفظ مختلف: ﴿ما نزل إليهم﴾ وبينهما فروق لها دلالتها. مردها إلى الفرق بين الوظيفتين.
"فالتبليغ": تأدية النص، تأدية "ما أنزل" كما "أنزل" دون تغيير ما على الإطلاق، لا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير.
و"التبيين": إيضاح، وتفسير، وكشف لمراد الله من خطابه لعباده، كى يتسنى لهم إدراكه، وتطبيقه، والعمل به على وجه صحيح.
"والتبليغ": مسئولية "المبلغ" وهو المؤتمن عليها، وهذا سر التعبير: ﴿وأنزلنا إليك﴾ حيث عدى الفعل "أنزل" بـ "إلى" إلى ضمير النبى ﷺ المخاطب.
و"التبيين": مهمة، فرضتها حاجة الناس لفهم ما خوطبوا به وبلغوه، وإدراك دلالته الصحيحة، ليطبقوه تطبيقاً صحيحاً. ومن هنا كانت المخالفة فى العبارة ... "نزل إليهم" حيث عدى الفعل "نزل" بـ "إلى" مضافاً إلى الضمير "هم" أى الناس، وعدى الفعل: "لتبين" إلى الناس بـ "اللام" أن كانت حاجتهم إلى "التبيين" هى السبب والحكمة من ورائه، وهى توحى بقوة أن رسول الله ﷺ ، ليس بحاجة إلى ما احتاج إليه الناس من هذا التبيين، ولعمرى إنه لكذلك، فقد أوحى إليه بيانه وألهمه، فالتقى فى نفسه "البيان" و"المبين" معاً وأصبح مؤهلاً لأن يقوم بالوظيفتين: وظيفة البلاغ، ووظيفة التبيين على سواء!.
وكما أن محالاً أن يكتم رسول الله ﷺ ، شيئاً مما أمر بتبليغه، فمحال أن يترك شيئاً مما أمر بتبليغه دون أن يبينه، فكلا الأمرين: التبليغ والتبيين من صميم رسالته: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ ... ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ ٠
стр. 494
واختلاف الناس فى فهم القرآن ما بين مصيب ومخطئ... واختلافهم فى درجات الإصابة، ودرجات الخطأ... برهان بين على حاجتهم إلى "تبيين" لكتاب ربهم، ينهض به إمام الموقعين عن رب العالمين ... رسول الله الذى أنزل عليه هذا الكتاب.
هنا يقع قول الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) موقعاً يسد كل ثغرة، يحاول النفاذ منها من يرفض "سنة رسول الله" أو يهون من شأنها، أو يسعى للتشكيك فيها، وإسقاط حجيتها وإلزامها.
ويقع نفس الموقع قول النبى ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدرى؟ ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" (٢) .
وهنا لى أن أقرر: أن إنكار مهمة رسول الله ﷺ ، البيانية، أو رفضها أو التشكيك فيها ينطوى على رفض وتكذيب للقرآن نفسه؟ ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٣) .
كما ينطوى على الطعن فى عصمة رسول الله ﷺ ، فى بلاغ وحى الله تعالى، إليه، لأن ترك تبيين كلمة واحدة فى القرآن الكريم، تحتاج إلى تبيين دون أن يبينها تقصير، ككتمان حرف واحد مما أمر بتبليغه، ورسول الله ﷺ مبرأ من أن يخون فى التبليغ، أو يقصر فى التبيين.
стр. 495
فمن المتهم إذن: باتهام رسول الله ﷺ ، بأنه فرط فى تبليغ رسالته؟ من يؤمن بأن من مهمته فى رسالته البيان أم من ينكر ذلك؟!.
إن إنكار أعداء السنة المطهرة، لهذه المهمة، بحجة أن المولى تكفل بهذا البيان والتفصيل فى قوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ (٢) وقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ﴾ (٣) لا حجة لهم فى ذلك لما يلى:
أ- أن مجئ لفظ البيان فى جانب الله تعالى: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ ، ومجئ لفظ "التبيين" فى جانب رسول الله، ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ لا يفسر بأنه تنويع فى اللفظ، أو تفنن فى العبارة، وإنما هو قصد مقصود، وراءه دلالات يبحث عنها وهى: أن "بيان" الله للقرآن إنما هو لنبيه ﷺ ، ومصدره هو الله تعالى، ومستقبله رسول الله ﷺ ، وطريقه: الوحي فى صورة ما من صورة. أما "التبيين" فهو من رسول الله للناس، ومصدره رسول الله، ومستقبله المخاطبون بهذا القرآن، وطريقه إنما هو "اللغة" وليس "الوحي".