← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وإذا كانت طاعته ﷺ ، الاستقلالية، ثابتة له بنص كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإجماع الأمة (١) فتلك الطاعة لرسول الله ﷺ هى عين الطاعة والتوحيد الخالص لله ، إلا أن أعداء عصمته ﷺ يرون أن فى تلك الطاعة تأليه لرسول الله وشرك بربه. فإلى بيان شبهتهم فى ذلك والرد عليها المطلب الرابع: شبهة أن طاعة رسول الله ﷺ تأليه وشرك والرد عليها ... بلغت جراءة أعداء السنة النبوية على القرآن الكريم، وعلى نبى الإسلام سيدنا محمد ﷺ ، بإفكهم أن الآيات والأحاديث التى تربط بين طاعة الله، وطاعة رسوله، هى صورة من صور تأليه الرسول، وهذا هو الكفر بعينه فى نظرهم.

стр. 562

.. يقول صالح الوردانى: "ومن أقوى الأدلة التى يستند عليها الفقهاء فى ربط الكتاب بالسنة، وربط السنة بالكتاب، قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٢) وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيدا﴾ (٣) ثم يقول معقباً: "إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله فى أمر الحكم والأمر والنهى، وهو ما يريد تأكيده الفقهاء، فهذا هو الكفر بعينه، إذ معنى هذا الكلام أن الرسول يشارك الله فى خاصية الألوهية. وهذا يعنى: أن الرسول قد منح صفة من صفات الله، وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه، وهذا ما قالته اليهود فى عزير، والنصارى فى عيسى" (٤) . ... ولم يقف إفكهم عند هذا الحد، إذ زعموا أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ يعنى البداية لتأليهه.

стр. 563

.. يقول أحمد صبحى منصور: "أولى حقائق الإسلام، أنه ليس فيه إيمان بشخص وإنما الإيمان بالوحي الذى نزل على شخص النبى، وليس بشخص النبى البشرى يقول تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد﴾ (١) لم يقل آمنوا بمحمد، وإنما آمنوا بما نزل على محمد، أى: الإيمان بالوحي أى: بالقرآن الذى يكون فيه محمد نفسه أول المؤمنين به، أما الإيمان بشخص محمد فذلك يعنى البداية لتأليهه" (٢) . ... ولأن أعداء النبوة ينكرون الإيمان بشخصه الكريم ﷺ ، زعموا أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله، بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، يعد شركاً صارخاً على حد زعم رشاد خليفة فى قوله: "لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد" حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً" (٣) ويذهب محمد نجيب إلى أن فى تكرار الشهادة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيه تفريق بين رسل الله (٤) ولو قلنا بهذا على ما حدثنى بذلك بعضهم: لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله... وهكذا وهو أمر يطول أهـ. ... ويجاب عن ما سبق بما يلى:

стр. 564

إجمالاً أقول: زعمهم أن طاعة رسول الله ﷺ فى أوامره ونواهيه، وما يحله وما يحرمه فى سنته، تأليه له، بمنحه صفة من صفات الله ، وهى التشريع. هذا الزعم رد على رب العزة كلامه. ... فالله : ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ (١) فإذا أمرنا ربنا فى كتابه بطاعة واتباع نبيه ﷺ ، وربط بين طاعته وطاعة نبيه تارة، وأفردها أخرى، وجعل طاعته ﷺ من طاعته ، وإذا أقامه مقام نفسه المقدسة فى بيعة المسلمين وإذا أمرنا باتباعه فى كل ما آتانا به، ونهانا عنه، من حلال وحرام. فلا يصح من مخلوق أن يرد كلامه ، أو أن يقول: هذا إشراك لرسول الله مع ربه فى التشريع! ... وكذلك إذا أمرنا المولى بالإيمان بشخص نبيه ﷺ وتعظيمه وتوقيره ونصرته، والإيمان بما أنزل عليه من وحى الله تعالى كتاباً وسنة. فلا يصح أن نرد على الله كلامه ونقول هذا شرك! ... وهذا إجمال وإليك التفصيل:

стр. 565

أولاً: أمر رب العزة عباده بطاعة نبيه ﷺ طاعة مطلقة مستقلة، بمقتضى عصمته له، وربط تلك الطاعة بطاعته تارة، وأفردها تارة أخرى، ليدل على أن طاعته ﷺ طاعة له سبحانه فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (١) وقال: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢) وقال: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (٣) وطاعته ﷺ فى الآيات السابقة طاعة مطلقة فى سنته المطهرة، حتى ولو كانت السنة زائدة على ما فى كتاب الله ، لأنه ﵊ له حق التشريع بدلالة الآيات السابقة، وبقوله تعالى: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم﴾ (٤) فقوله: "يحل، ويحرم، ويضع" من خصائص المشرع الحقيقى الواجب طاعته؛ ولكن مرد هذا التشريع فى حقيقة الأمر إلى الله . ... فرسول الله لا يشرع من عند نفسه، وإنما يشرع حسب ما يريه الله تعالى ويوحيه إليه على ما سبق تفصيله فى نهاية المطلب الثانى (٥) فهل نسلم بكلام الله تعالى؛ أم نرده ونقول هذا شرك؟. ... وإذا كانت طاعته ﷺ مستقلة عن طاعة الله ، كما فى الآيات السابقة وغيرها من الآيات التى تكرر فيها الفعل "أطيعوا" مع الرسول فمن الذى أعطاه هذه المنزلة والمكانة؛ أليس ربه ؟ فهل نرد هذه المكانة والمنزلة ونقول هذا شرك؟.

стр. 566

.. وإذا قال ربنا مراراً ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين طاعته ، وطاعة رسوله ﷺ تأليه له ﵊، فيرد على رب العزة كلامه؟!! وإذا قال ربنا : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (١) وإذا قال سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ (٢) . ... فهل يصح من مخلوق بعد ذلك أن يزعم أن الربط بين مبايعته ، ومبايعة رسوله ﷺ شرك؟ أو أن الربط بين محبته سبحانه ومحبة نبيه ومصطفاه شرك؟!. ... إن قائل الآيات السابقة فى وجوب محبته ﷺ هو القائل: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ (٣) فهل جعل محبة نبيه ﷺ ومتابعته نداً؟ أم جعلها شرطاً لمحبة الله، وعلامة على صدق من يزعم محبته ؟.

стр. 567

.. قال الحسن البصرى وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله﴾ فتأمل كيف أوقع طاعته ومتابعته ﷺ بين قطرى محبة العباد، ومحبة الله للعباد، وجعل تلك المتابعة شرطاً لمحبة الله لهم، مما يستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم، بدون طاعتهم ومتابعتهم لرسول الله ﷺ . فهذه الآية الكريمة: حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس على الطريقة النبوية، فإنه كاذب فى دعواه فى نفس الأمر، حتى يتبع شرع الله ، وسنة نبيه ﷺ فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله، ويعلم أن هذا الاتباع عين التوحيد الخالص لله ، كما دل على ذلك ما روى أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض الكفار: "إن محمداً يريد أن نتخذه حناناً (١) كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٢)

стр. 568

فقرن طاعته بطاعته ﷺ رغماً لهم (١) والمعنى إلصاقاً لأنوفهم بالتراب جزاءاً لأنفتهم من متابعته ﷺ ، وجزاءاً لإفكهم بأن طاعته ﷺ شرك ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (٢) وأقول لهم: الربط بين طاعة الله وطاعة رسوله هو عين التوحيد الخالص: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ (٣) . ثانياً: إنكار أعداء النبوة الإيمان بشخص النبى ﷺ واستدلالهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ (٤) هذه الآية الكريمة حجة عليهم، وتفضحهم فى كل ما يأفكون. لأن مما أنزل على محمد وهو الحق من ربنا قوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (٥) وقوله سبحانه: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ (٦) وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (٧) . ... وهم بهذه الآيات يكفرون؛ إذ ينكرون على ما سبق أن يكون لرسول الله ﷺ تبياناً للقرآن، وهو الحكمة، وهى السنة كما قال علماء الأمة، وينكرون أن يكون له ﷺ طاعة فى هذه السنة. ... وإذا كانوا هنا يزعمون بأنه لا يوجد فى الإسلام إيمان بشخص النبى محمد ﷺ فالآية التى استدلوا بها على زعمهم ترد عليهم حيث أطلقت ﴿وآمنوا بما نزل على محمد﴾ وما أنزل على محمد آيات كريمات تصرح بالإيمان بشخصه الكريم، منها ما يلى:

стр. 569

قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله﴾ (١) . وقوله سبحانه: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته﴾ (٢) . وقوله : ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ (٣) . ومعلوم أن الإيمان بالله يعنى: الإيمان بذاته المقدسة، وبكتابه العزيز، وطاعته فى كل ما أمرنا به فى كتابه. وكذلك الإيمان برسول الله ﷺ : يعنى: الإيمان بشخصه الكريم وبكل ما جاء به من عند ربه من كتاب وسنة وطاعته فى ذلك.

стр. 570

ويؤيد أن الإيمان فى الآيات السابقة مراداً به شخصه ﷺ ما جاء فى القرآن الكريم من الأمر بتعظيمه وتوقيره ﷺ نحو قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾ (٢) فقوله: "وتعزروه" أى: تعظموه وتجلوه (٣) والتعظيم والإجلال والتوقير والنصرة، تشمل فى المقدمة شخصه الكريم. بدليل ما جاء فى القرآن الكريم أيضاً من تعظيم رب العزة لنبيه بنداءه وخطابه باللقب المشعر بالتعظيم بالنبوة والرسالة دون غيره من الأنبياء (٤) وكذلك أمره عباده بالأدب مع رسوله بعدم التقديم بين يديه أو رفع صوتهم على صوته (٥) وتحذيرهم من الانصراف من مجلسه قبل استئذانه، أو ندائه باسمه (محمد) كما ينادى بعضهم بعضاً (٦)

стр. 571

وتحريم إيذائه (١) . أليس فى كل هذه الآداب الربانية دليل على أن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ ، وتعظيمه وتوقيره من حقائق الإسلام؟ أليس فى هذه الآداب الربانية ما يصفع المتنبئ الكذاب رشاد خليفة فى زعمه إن تعظيمه وتوقيره... ﷺ شركاً صارخاً؟ (٢) . إن الإيمان بشخص رسول الله ﷺ وتعظيمه وإجلاله، والتأدب معه بالآداب الربانية السابقة، كان عليه سلفنا الصالح، وقد شهد بذلك عروة بن مسعود الثقفى (٣) وهو يومئذ لم يسلم بعد، وكان مندوب قريش للتفاوض فى شأن دخول النبى ﷺ مكة فى غزوة الحديبية، فرأى من تعظيم وتوقير للنبى ﷺ فى قلوب الصحابة وجوارحهم ما أذهله، حتى عاد إلى قريش وقال لهم: "أى قوم، والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له..." (٤) .

стр. 572

فهكذا صور هذا الرجل تعظيم الصحابة الكرام رضى الله عنهم لنبيهم المصطفى ﷺ بهذه الألفاظ الجزلة النابعة من بالغ تأثره بذلك المظهر العظيم من مظاهر التعظيم والتبرك بآثاره ﷺ وقد برهن على مدلول هذا الخبر أيضاً، ما قاله عمرو بن العاص رضى الله عنه (١) قال: "ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ، ولا أجل فى عينى منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينى منه إجلالاً له، ولو شئت أن أصفه ما أطقت؛ لأنى لم أكن أملأ عينى منه" (٢) وهكذا كان الصحابة الكرام رضى الله عنهم يعبرون عن تعظيمهم وإجلالهم وتوقيرهم لرسول الله ﷺ ، بأعمالهم وأقوالهم. ثالثاً: وأخيراً زعمهم أن تكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، فيه تفريق بين رسل الله ، ولو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله... الخ وهو أمر يطول. ... فهذا من جهلهم بكتاب الله الذى يتسترون نفاقاً بعباءته. فالقرآن الكريم يصرح بأن الله أخذ العهد والميثاق على الأنبياء السابقين بأن يؤمنوا بشخص رسول الله ﷺ ويؤمنوا بنبوته وينصروه إن خرج وهم أحياء، فلما أقروا بذلك أشهدهم عليه، والله خير الشاهدين. قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به. ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (٣) .

стр. 573

قال على بن أبى طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمداً وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه" (١) . وهذا يعنى أنه ﷺ نبى الأنبياء، ولو قدر لواحد من هؤلاء الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى عيسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام، الحياة، وبعث المصطفى ﷺ ، لما وسعه إلا اتباعه، يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة، فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله ﷺ : فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله، من غضب الله، ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله ﷺ : "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى" (٢)

стр. 574

ومن هنا كان سلام الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج، بقولهم: مرحباً بالنبى الصالح، والأخ الصالح (١) وهو اعتراف منهم بنبوته ﷺ ، ولذا كان إمامهم فى الصلاة ببيت المقدس كما قال ﷺ : "ثم دخلت بيت المقدس، فجمع لى الأنبياء ﵈ فقدمنى جبريل حتى أممتهم" (٢) وكل هذا يوضح أن إعلان وتكرار شهادة أن محمداً رسول الله بجانب شهادة أن لا إله إلا الله، هو إيمان بكل الأنبياء، وأنه لو وجد واحد من الأنبياء السابقين لوجب عليه أن يشهد بتلك الشهادة (أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذلك تنفيذا للعهد والميثاق الذى أخذه الله على سائر أنبياءه ورسله، وهذا يعنى أن ذكر اسمه ﷺ فى الشهادة هو ذكر لكل الأنبياء، وشهادة فى نفس الوقت بأنهم رسل الله تعالى، بما يغنى عن تكرار ذكرهم أهـ. والله تعالى أعلى وأعلم

стр. 575

الباب الثالث: عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده ودفع الشبهات ... ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: عصمته ﷺ فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية. ويشتمل على مبحثين: ... المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ . ... المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة. الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة ليست كلها وحى والرد عليها. الفصل الأول: عصمته ﷺ فى اجتهاده كما يصورها القرآن الكريم والسنة النبوية ... ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ . المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية. المبحث الأول: التعريف بالاجتهاد، وحكمته فى حقه ﷺ أولاً: التعريف بالاجتهاد: أ- من حيث اللغة: ... مأخوذ من الجهد، وهو المشقة والطاقة، فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه مالا مشقة فيه.

стр. 576

.. قال الرازى (١) هو فى اللغة عبارة عن استفراغ الوسع فى أى فعل كان، يقال: استفرغ وسعه فى حمل الثقيل، ولا يقال: استفرغ وسعه فى حمل النواة (٢) ومنه حديث معاذ رضى الله عنه حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، وقال له ﷺ : "كيف تقضى إذا عرض لك قضاء" قال: أقضى بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد فى كتاب الله" قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد فى سنة رسول الله ﷺ ، ولا فى كتاب الله؟ " قال: اجتهد رأى ولا آلوا، فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: الحمد الذى وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله" (٣)

стр. 577

ب- معناه الاصطلاحى: ... اختلفت عبارات الأصوليين فى تعريف الاجتهاد اصطلاحاً، اختلافاً يرجع إلى معنى واحد، وهو: بذل الفقيه الوسع، فى تحصيل الأحكام الشرعية الظنية من أدلتها التفصيلية (١) وبهذا تظهر العلاقة بين المعنى اللغوى والاصطلاحى وهى: استفراغ الوسع فى تحصيل شئ. ... قال ابن الأثير: والمراد به رد القضية التى تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولم يرد الرأى الذى يراه من قبل نفسه، من غير حمل على كتاب أو سنة (٢) . ... وإذا نظرنا فى المعنى الاصطلاحى رأيناه ينصب على اجتهادات فقهاء الأمة بجميع مداركها من النظر فى النصوص كتاباً وسنة، وفى القياس والإجماع وغيرهما من مدارك الاجتهاد. ... واجتهاده ﷺ لا يحتاج إلى النظر فى النصوص من الجهات التى احتاج إليها علماء أمته، لأن النصوص جميعها بينة له ﷺ من جميع هذه الجهات وغيرها. ... وأما ما يظهر فى بعض اجتهاداته ﷺ أنه من قبيل القياس، فالحمل فيه لتقريب فهم الحادثة المسئول عنها أو المخبر بها، ولفتح باب الاجتهاد لعلماء أمته ﷺ المؤهلين له، لا لاستنباط الحكم بالنظر فى النصوص (٣) .

стр. 578

.. وبالجملة: فالقسم الثانى من الوحي الإلهى إلى رسول الله ﷺ (الوحي التوفيقى) أو (الوحي الباطنى) على حد تعبير الأحناف (١) وهو: ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى، فإن وافق قوله أو فعله مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر رسول الله ﷺ ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح، أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك (٢) . ... وهذا أهم ما يفرق به بين اجتهاد النبى ﷺ ، واجتهاد علماء أمته أن اجتهاده ﷺ محروس بوحى الله تعالى، فلا يقر على خطأ ومن هنا فهو حجة فى الدين ويحرم مخالفته، وليس كذلك اجتهاد علماء أمته. اللهم إذا كان اجتهاد علماء الأمة فى عصر من العصور وأجمعوا عليه فيحرم مخالفته. ... قال الإمام الغزالى (٣) : "دل الدليل من الإجماع على تحريم مخالفة اجتهاده ﷺ ، كما دل على تحريم مخالفة الأمة كافة، وكما دل على تحريم مخالفة اجتهاد الإمام الأعظم والحاكم، لأن صلاح الخلق فى اتباع رأى الإمام والحاكم وكافة الأمة، فكذلك النبى ﷺ " (٤) . ثانياً: الحكمة فى اجتهاد رسول الله ﷺ :

стр. 579

.. أمر المولى نبيه ﷺ ، بالاجتهاد فى قوله تعالى: ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ (١) ووجه الاستدلال بالآية: أن المشاورة إنما تكون فيما حكم فيه بطريق الاجتهاد، إذ لا مشاورة فيما نزل به وحى (٢) . ... ولا ريب أن الأمر بالمشاورة أمر له بالاجتهاد لاستظهار آراء من معه من المؤمنين ليختار منها باجتهاده ما يراه ﷺ موافقاً للمصلحة، وهذا هو الاجتهاد المطلوب. ... وقول من قال أن الآية واردة فى الحروب؛ لا يمنع من ثبوت الاجتهاد له ﷺ بها (٣) إذ الحروب جهاد فى سبيل الله، وهى أحكام شرعية فالاجتهاد فيها يقتضى جواز الاجتهاد فى غيرها إذ لا فارق. ... وهنا يرد سؤال: ... إذا كان أى نبى عندما يجتهد عرضة لأن يصيب وأن يخطئ، فلماذا يكلهم الله إلى الاجتهاد الذى قد يخطئون فيه؟ ولماذا لا يسعفهم بالوحي الذى يفصل فى الأمور والقضايا ولا يحوجهم إلى الاجتهاد؟. والجواب: ... أن الله حكماً فى أن يترك الرسل يجتهدون، ثم ينبههم ويعاتبهم إذا أخطأوا؛ أبين بعضها بالنسبة لنبينا محمد ﷺ على النحو التالى: الحكمة الأولى: ... إقامة الدليل على بشرية الرسول ﷺ وعبوديته، وأنه مع كونه رسولاً، لم يتجاوز أن يكون عبداً يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون؛ ولكنه لا يقر على خطأ.

стр. 580

.. ويدل على هذه الحكمة ويشهد لها قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هى قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" (١) . الحكمة الثانية: ... البرهنة على أمانة الرسول ﷺ فى إبلاغ الرسالة، وعدم كتمانه شيئاً مما أنزل عليه من ربه، إذ لو كتم شيئاً لكتم آيات العتاب ما خالف فيه الأولى؛ يدل على ذلك ما روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: "لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً، لكتم هذه الآية: ﴿وإذا تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٢) . الحكمة الثالثة: ... تشجيع الأمة على الاجتهاد وإعمال الفكر فيما يعرض لها من قضايا وأحداث لا يجدون فيها نصوصاً، فإن الأحداث تتجدد، ولا تنتهى عند حد، فكيف يواجهها المسلمون ولا نصوص فيها؛ إذا لم يجتهدو ليتعرفوا على أحكامها؟ . الحكمة الرابعة:

стр. 581

.. رحمة للأمة بتأسيس أعظم قاعدة للحكم الإسلامى، وهى التزام الشورى، وترك الاستبداد. ويؤيد هذا ما جاء عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "لما نزلت ﴿وشاورهم فى الأمر﴾ قال رسول الله ﷺ : "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتى فمن استشار منهم لم يعدم راشداً، ومن تركها لم يعدم غياً" (١) . ... قال الإمام ابن جرير: "إن الله أمر نبيه ﷺ بمشورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام؛ البصيرة التى يؤمن عليها معها فتنة الشيطان، وتعريفاً منه أمته فى الأمور التى تقع بهم من بعده وحلها، ليقتدوا به فى ذلك عند النوازل التى تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه فى حياته ﷺ يفعله، فأما النبى ﷺ فإن الله تعالى كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله ﷺ فى ذلك على تصادق وتآخ للحق، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم" (٢) . ... ويؤيد ما سبق ما روى عن الحسن البصرى قال: "قد علم أنه ليس به إليهم حاجة، وربما قال: ليس له إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده" (٣) .

стр. 582

.. وقد غرس رسول الله ﷺ هذا المبدأ "الشورى" فى نفوس أصحابه حتى كان يشاورهم فى أمور الدين والدنيا (١) قال أبو هريرة رضى الله عنه: "ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ " (٢) وقد اقتفى أثره ﷺ الخلفاء الراشدون رضى الله عنهم وغيرهم ممن ولى أمر المسلمين بعده من صحابته الكرام وولاة المسلمين الأخيار، فكانوا لا يعدلون بالاستشارة فى أمور المسلمين النازلة بهم، كما قال الإمام البخارى: "وكانت الأئمة بعد النبى ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى ﷺ ، ثم ضرب البخارى أمثلة لذلك (٣) وهى كثيرة معلومة، لا مجال لذكرها هنا (٤)

стр. 583

.. وبعد أن فرغت من تعريف الاجتهاد، وحكمته فى حق رسول الله ﷺ ، فقد حان الوقت لبيان دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى. المبحث الثانى: دلائل عصمته ﷺ فى اجتهاده من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية ... اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية، جوازه وعدمه فى حقه، موضوع قديم أعطاه العلماء حقه فى البحث، وجمهور المحققين من العلماء؛ أن رسول الله ﷺ اجتهد فعلاً (١) . واجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا، إن وافق مراد الله تعالى، فالأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، وإن كان الأمر يحتاج إلى تصحيح أو توضيح أوحى الله تعالى إلى نبيه ﷺ بذلك. ... قال الإمام الشاطبى: "فاعلم أن النبى ﷺ مؤيد بالعصمة، معضود بالمعجزة الدالة على صدق ما قال وصحة ما بين، وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصوماً بلا خلاف، إما بأنه لا يخطئ البتة، وإما بأنه لا يقر على خطأ إن فرض، فما ظنك بغير ذلك؟ " (٢) والأدلة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده كثيرة يشهد بها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة.

стр. 584

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم على عصمته ﷺ فى اجتهاده: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (١) ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة فى موضعين: الأول: أن الله تعالى أمر فيها بطاعته سبحانه وطاعة رسوله، وطاعة الله تعالى إنما تكون بامتثال جميع ما نزل به وحيه تعالى على الرسول ﷺ ، وطاعة الرسول ﵊، إنما تكون بامتثال كل حكم يخبر به سواء كان عن وحى أو عن اجتهاد، وإلا لم يكن لتخصيص طاعة الرسول ﷺ بعد طاعة الله فائدة فى الذكر. وبالتالى فالأمر بطاعته دليل على عصمته فى اجتهاده. الثانى: أن الله تعالى أمر فى هذه الآية الكريمة المتنازعين فى شئ بالرد إلى الله وإلى الرسول. والرد إلى الله رد إلى وحيه المنزل على الرسول ﷺ سواء أكان متلو وهو القرآن، أم غير متلو وهو السنة. والرد إلى الرسول يقتضى أن يكون الأمر المردود إليه غير داخل فى الوحي وإلا لزم التكرار، والذى لا يدخل فى الوحي وتجب طاعة الرسول ﷺ فيه هو ما أمر به باجتهاده بدليل قوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ (٢) ووجه الاستدلال به أن الله تعالى قد سوى بين الرسول ﷺ وبين أولى الأمر - وهم العلماء - فى الاستنباط. فلو لم يكن الاجتهاد جائزاً للرسول ﷺ ، وتجب طاعته فيه لعصمته؛ لما كان الأمر بالرد أى فائدة!!. وقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ (٣) ووجه الاستدلال بالآية من ناحيتين:

стр. 585

الأولى: أن الله تعالى جعل الرسول ﷺ بالخيار فى الحكم بينهم، فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، أى أن الأمر مفوض إليه ﷺ ، فإن رأى – باجتهاده – مصلحة وحسن قبول منهم لحكمه حكم بينهم وإلا أعرض عنهم ولا ضرر عليه منهم. الثانية: أن تقييد أمره بالحكم بينهم (بالقسط) يشعر بزيادة تنبيهه ﷺ على تحرى الصواب فيما يحكم به، وهو دليل على أن الله تعالى أذن له أن يحكم بينهم باجتهاده، لأنه لو كان الحكم بالوحي لم يكن لهذا القيد فائدة بالنسبة للرسول ﷺ لأنه لا يحكم إلا بالقسط فدل ذلك على عصمته فى اجتهاده فيما يحكم فيه. وقوله سبحانه: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (١) . ووجه الاستدلال بالآية: أمر رب العزة عباده بتحكيم رسول الله ﷺ فى كل شأن من شئون حياتهم، وينقادوا لحكمه انقياداً مطلقاً لا معارضة فيه، وإلا فلا يستحقوا وصف الإيمان. وإذا كان حكم رسول الله ﷺ على ما سبق – من الآيات السابقة – يكون بوحى وباجتهاده؛ دل ذلك على عصمته فى اجتهاده، وإلا لما وجب التسليم لحكمه ﷺ تسليماً مطلقاً. والآية ترد قول الذين شذوا بتجويز الخطأ عليه ﷺ فى اجتهاده، وقد أشار التاج السبكى إلى رد هذا القول الشاذ بقوله: "والصواب أن اجتهاده ﵊ لا يخطئ" (٢) . وقوله : ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما آراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ (٣) .

стр. 586

فهذه الآية الكريمة احتج بها العلماء على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده؛ وأن هذا الحكم معصوم فيه، بدلالة قوله تعالى: ﴿بما أراك الله﴾ فإذا أقره رب العزة على اجتهاده فى حكمه فهو حكم الله فى النهاية. وفى الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضى الله عنها قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ فى مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : "إنكم تختصمون إلى، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن (١) بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتى بها إسطاماً (٢) فى عنقه يوم القيامة. فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقى لأخى فقال رسول الله ﷺ : "أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق، ثم استهما (٣) ثم ليحلل لك واحد منكما صاحبه" (٤) وفى رواية: "إنى إنما أقضى بينكم برأيى فيما لم ينزل على فيه" (٥) .

стр. 587

فتأمل قوله ﷺ : "أقضى بينكم برأيى... الخ" مع وصف رب العزة هذا الرأى بأنه من عنده فى قوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ وتأمل مع ذلك قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو على المنبر: "يا أيها الناس، إن الرأى إنما كان من رسول الله ﷺ مصيباً، لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف" (١) وهذا الكلام صريح فيما قررته من أنه ﷺ يحكم باجتهاده، وهو فى هذا الاجتهاد معصوم لا يخطئ فيه. وقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾ (٢) وأفرد الضمير فى قوله "ليحكم" لإفادة أن حكم الله ورسوله واحد. قال الأستاذ عبد الله الغمارى: "وفى الآية دليل على أن رسول الله ﷺ معصوم فى أحكامه الاجتهادية لا يخطئ فيها، لأن الله تعالى جعل حكم نبيه حكمه، والخطأ فى حقه تعالى محال. فما زعمه بعض مبتدعة هذا العصر من نسبة الخطأ إليه ﷺ فى بعض أحكامه الاجتهادية ضلال مبنى على جهل، لأن الخطأ الاجتهادى لا يقر عليه ﷺ ، إذ ينزل التنبيه وبعد التنبيه والتصحيح لا خطأ، وزاد بعضهم جهلاً وضلالة، فجوز مخالفة بعض قضاياه ﷺ الاجتهادية، إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا أدرى كيف خفيت عليه هذه الآية؟ وآية سورة النساء؟ (٣) وأى مصلحة تقتضى مخالفة حكمه؟ والقرآن ينفى الإيمان عمن لم يسلم له تسليماً" (٤) .

стр. 588

وقوله ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) . والشاهد فى الآية فى قوله: ﴿فأذن لمن شئت منهم﴾ حيث فوض رب العزة إلى رسوله ﷺ الأمر لمشيئته وإذنه ﷺ بعد وجوب استئذانهم قبل الانصراف عنه فى كل أمر يجتمعون عليه. وفى هذا التفويض من المولى عزوجل لرسوله ﷺ دليل على اجتهاده وعصمته فيه! ولو خالف الأولى فى اجتهاده ينزل التصحيح والتنبيه. وهو دليل عصمته فى اجتهاده. بدليل قوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾ (٢) . فظاهر الآية الكريمة يفيد: أنه ﷺ اجتهد بالأذن لبعض المنافقين فى التخلف عن الخروج إلى تبوك، وكان إذنه على خلاف الأولى فجاء التصحيح والتنبيه على ذلك؛ وهو دليل عصمته فى اجتهاده. وليس فى هذا الإذن ذنب ولا جريمة لسببين: أولهما: أن الله تعالى لم يتقدم إليه ﷺ فى ذلك بأمر ولا نهى.

стр. 589

ثانيهما: أنه ﷺ أذن لهم اجتهاداً منه بناء على عموم آية النور من تفويضه بالإذن لمن شاء، فكيف ينسب إليه ذنب أو جريمة؟! بل لو فرض أنه أخطأ لكان مثاباً على اجتهاده غير مؤاخذ بخطئه، ولكنه ﷺ لم يخطئ، لأنه سلك ما هو الأوفق بخلقه العظيم من التيسير على أصحابه، والميل إلى ستر حالهم، وتفويض أمرهم إلى الله تعالى، ولكن الله تعالى أراد منه ﷺ أن يكون شديداً على المنافقين فهو كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ (١) فالإذن للمنافقين كان جائزاً بحسب عموم آية النور، ثم نسخ بهذه الآية. كما كان الاستغفار لهم والصلاة عليهم جائزين، ثم نسخا بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ (٢) وفاعل الحكم المنسوخ قبل نسخه لا يكون عاصياً، بل هو مثاب مبرور. ... ويؤيد ما سبق استفتاح الكلام بالعفو، ﴿عفا الله عنك﴾ والآية بحسب الأسلوب العربى، تفيد تكريم النبى وتعظيمه خلافاً لمن وهم ففهم منها عتابه أو تأنيبه، فيستوجب ما فهمه ذلك الواهم (٣) . وقوله سبحانه: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم﴾ (٤) إن هذه الآية تتحدث عن أمر رسول الله ﷺ للرماة يوم أحد الوارد فى قوله ﷺ : "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتنمونا قد غنمنا فلا تشركونا" (٥) .

стр. 590

إن هذا الأمر النبوى للرماة يوم أحد أمر اجتهادى منه ﷺ تقتضيه طبيعة المعركة يومها، وهو اجتهاد عصم فيه رسول الله ﷺ ، ووافق مراد الله تعالى بدليل عتاب المولى للرماة فى الآية السابقة، ووصفهم بالعصاة فى قوله : ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ (١) . وتأمل: ﴿وتنازعتم فى الأمر وعصيتم﴾ إنه تقرير لعصمة رسول الله ﷺ فى أمره الاجتهادى للرماة يوم أحد، ووصف المخالفين له ﷺ يومئذ بالعصيان، ولكن عفا الله عنهم: ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ٠

стр. 591

٨- وقوله : ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (١) . ووجه الاستدلال بالآية على عصمته ﷺ فى اجتهاده أنها تصرح على ما ورد فى الصحيح من أن أمر رسول الله ﷺ بحرق نخيل بنى النضير وقطعه كان باجتهاده، وهو اجتهاد أقره رب العزة حيث وصفه بإذنه فى وحى متلو، وأنزله جواباً لسؤال بعض الصحابة كما حاك فى صدورهم وأثر فيها؛ من حيث صواب وخطأ بعضهم فى قطع بعض النخيل وترك بعضه. فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: "اللينة النخلة، وليخزى الفاسقين قال: استنزلوهم من حصونهم قال: أمروا بقطع النخل فحاك فى صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول الله ﷺ ، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله : ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين﴾ (٢) فهل بعد ذلك شك فى اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية وعصمته فيه؟!.

стр. 592

.. نعم أقول: إن رسول الله ﷺ أذن له بالاجتهاد فى الشريعة الإسلامية واجتهد فعلاً، وأن اجتهاده فى بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحي بتصحيح الحكم والإرشاد إلى ما ينبغى. كما فى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم. قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم﴾ (١) . ... أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه بما ينبغى كما فى قوله تعالى: ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (٢) . أو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ وإقراره على ما سبق تفصيله قريباً فى الآيات السابقة. ... أما زعم الشيعة أن اجتهاد رسول الله ﷺ لا يجوز، فهو زعم مردود عليهم بما سبق من الأدلة القرآنية على اجتهاده ﷺ فى الدين والدنيا وعصمته فيه. ...

стр. 593

أما زعمهم بأن ما استدل به من الآيات التى تدل على اجتهاده تنسب إليه الخطأ والذنب وهو يخل بعصمته (١) فقد سبق الجواب عن هذه الآيات تفصيلياً بما لا يخل بعصمته ﷺ (٢) .

стр. 594

وأزيد هنا جواباً إجمالياً ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة قال: "ولسنا نرى مساساً بالعصمة النبوية من ناحية تلك الاجتهادات التى عوتب عليها رسول الله ﷺ فى القرآن، فالاجتهادات التى عوتب عليها فى القرآن ليست ذنوباً يمكن أن يكون صدورها من النبى ﷺ ، مناقضاً للعصمة التى يجب الإيمان بها فيه، وإنما هى خلاف لما هو الأولى فى علم الله المغيب عنه فيما لا وحى فيه. والعصمة الواجب الإيمان بها ليست هى التى تجعل النبى ﷺ يمتنع عليه أن يصدر منه أى فعل أو قول أو اجتهاد فى مختلف شئون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب، وخلاف الأولى الذى فى علم الله تعالى؛ والذى لا ينكشف له إلا بوحى، مما لا يمكن أن ينتفى عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة فى القرآن ولكنها التى تجعله يمتنع عن أى إثم أو جريمة أو فاحشة، أو مخالفة للقرآن قولاً وفعلاً، وعن كتم أى شئ أوحى به إليه، أو تحريفه وتبديله نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق فى الله الذى جعله أهلاً للاصطفاء الربانى" (١) أهـ.

стр. 595

ثانياً: الأدلة من السنة النبوية على عصمته ﷺ فى اجتهاده: ... اعتبر العلماء ما قاله رسول الله ﷺ باجتهاده مما يعلم أنه من شرع الله تعالى؛ من وحى السنة المطهرة، وسماه الأحناف بالوحي الباطنى (١) وعللوا ذلك بأنه ما كان الله ليترك خطأ يصدر من رسوله المبلغ عنه، مما يترتب عليه وقوع الأمة فيه اتباعاً. وإذا كانت الحكمة من إرسال الرسل أن لا تكون للناس على الله حجة ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاً يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) فإن ذلك يتم بعصمة المرسل من الوقوع فى أى خطأ، فإن كان اجتهاده صواباً أقره الوحي، وإن كان غير صواب نبهه الوحي. يدل على ذلك ما يلى: ١- عن أبى قتادة رضى الله عنه، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ ، أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، تكفر عنى خطاياى؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم. إن قتلت فى سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت فى سبيل الله، أتكفر عنى خطاياى؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبريل ﵇ قال له ذلك" (٣) . ... فتأمل كيف اجتهد رسول الله ﷺ فى الجواب عن سؤال فى الإسلام! وكيف أقره وحى الله؛ مع الاستدراك فى الجواب زيادة "الدين" على ما أجاب به رسول الله ﷺ ! وفى ذلك دلالته على جواز الاجتهاد لرسول الله ﷺ فى الإسلام وعصمته فيه.

стр. 596

٢- وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: اختصم إلى النبى ﷺ رجلان. فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ماله عنده شئ. فنزل جبريل على النبى ﷺ ، فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته" (١) . ... فتأمل دلالة الحديث على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده فى أموال الناس، وتأمل كيف أن الحكم فى المسألة الواردة فى الحديث لا بينة فيه، ويتوقف حكمها على يمين أحدهما، فحلف وكان كاذباً فى حقيقة الأمر، فحكم له رسول الله ﷺ بالناقة – التى سرقها – إذ لا بينة مع المدعى ملكيتها.

стр. 597

.. وحكمه ﷺ للحالف – كاذباً فى حقيقة الأمر – لا حرج عليه ﷺ فى ذلك؛ بناء على الأصل فى الفصل فى الأحكام (البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) كما قال ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم، لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه" (١) ولكن تأمل كيف أن الله لا يرضى لنبيه ﷺ إلا أن يكون حكمه الاجتهادى مطابقاً للواقع، ونفس الأمر، ظاهراً وباطناً؛ فنبهه جبريل ﵇ قبل صدور الحكم. فبان بذلك بطلان ما زعمه بعض الشذاذ أن اجتهاد رسول الله ﷺ يخل بعصمته. ٣- ومن اجتهاداته ﷺ المعصوم فيها اجتهاده فى غزوة بدر الكبرى، وكان ذلك فى ثلاثة مواضع: أحدها: فى الإقدام على المعركة، وثانيها: فى موضع نزول جيشه فى بدر، وثالثها: فى شأن الأسرى.

стр. 598

أما الموضع الأول: الاستشارة فى القتال، فكانت عندما "خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد" (١) عندئذ استشار أصحابه فى مواجهتهم فعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد (٢) لفعلنا" (٣) فسر النبى ﷺ بذلك ودعى له بخير، غير أنه ﵊ لم يقنعه قول المهاجرين، لأن قتالهم معه أمر لا يشك فيه، فقد باعوا أنفسهم لله وخرجوا من ديارهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم ونصرة نبيهم.

стр. 599

.. لكن الأنصار لم يكونوا كذلك، إذ إنما عاهدوا رسول الله ﷺ على نصرته فى مدينتهم وديارهم، أما وهو فى بدر فذلك ما لم تقتضه نصوص المعاهدة، فأراد ﷺ استشارتهم فيما هو محدق به وبهم من الخطر، ليكتشف رأيهم فيما يعد خارجاً عن بنود المعاهدة، فكرر طلب الاستشارة قائلاً: "أشيروا على أيها الناس" ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل. فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. ... فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم" (١) . ... وهكذا تمخضت المشاورة هذه برأى صائب سديد، وافقت ما قدره الله تعالى، لنبيه وعباده المؤمنين، واراه إياه، حتى كأنه يرى نتيجة ما هو قادم عليه رأى العين.

стр. 600

.. ويشهد بصحة هذه المشاورة، وأنها وافقت ما قدره الله تعالى قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (١) . الموضع الثانى: الاستشارة فى المنزل، فعندما نزل النبى ﷺ على أقرب ماء من بدر وعرض الأمر على الصحابة، فجاء الحباب بن المنذر (٢) وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلاً انزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأى والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نتأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون، فقال النبى ﷺ : "لقد أشرت بالرأى" (٣) .
следующие страницы →