← Сира

Сира · id 1824

رد شبهات حول عصمة النبى صلى الله عليه وسلم

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (808 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢- وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: اختصم إلى النبى ﷺ رجلان. فوقعت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ماله عنده شئ. فنزل جبريل على النبى ﷺ ، فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه، وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله أو شهادته" (١) . ... فتأمل دلالة الحديث على حكم رسول الله ﷺ باجتهاده فى أموال الناس، وتأمل كيف أن الحكم فى المسألة الواردة فى الحديث لا بينة فيه، ويتوقف حكمها على يمين أحدهما، فحلف وكان كاذباً فى حقيقة الأمر، فحكم له رسول الله ﷺ بالناقة – التى سرقها – إذ لا بينة مع المدعى ملكيتها.

стр. 597

.. وحكمه ﷺ للحالف – كاذباً فى حقيقة الأمر – لا حرج عليه ﷺ فى ذلك؛ بناء على الأصل فى الفصل فى الأحكام (البينة على المدعى، واليمين على من أنكر) كما قال ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم، لا دعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه" (١) ولكن تأمل كيف أن الله لا يرضى لنبيه ﷺ إلا أن يكون حكمه الاجتهادى مطابقاً للواقع، ونفس الأمر، ظاهراً وباطناً؛ فنبهه جبريل ﵇ قبل صدور الحكم. فبان بذلك بطلان ما زعمه بعض الشذاذ أن اجتهاد رسول الله ﷺ يخل بعصمته. ٣- ومن اجتهاداته ﷺ المعصوم فيها اجتهاده فى غزوة بدر الكبرى، وكان ذلك فى ثلاثة مواضع: أحدها: فى الإقدام على المعركة، وثانيها: فى موضع نزول جيشه فى بدر، وثالثها: فى شأن الأسرى.

стр. 598

أما الموضع الأول: الاستشارة فى القتال، فكانت عندما "خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد" (١) عندئذ استشار أصحابه فى مواجهتهم فعن أنس بن مالك؛ أن رسول الله شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان. قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه. ثم تكلم عمر فأعرض عنه. فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد؟ يا رسول الله! والذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها. ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد (٢) لفعلنا" (٣) فسر النبى ﷺ بذلك ودعى له بخير، غير أنه ﵊ لم يقنعه قول المهاجرين، لأن قتالهم معه أمر لا يشك فيه، فقد باعوا أنفسهم لله وخرجوا من ديارهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم ونصرة نبيهم.

стр. 599

.. لكن الأنصار لم يكونوا كذلك، إذ إنما عاهدوا رسول الله ﷺ على نصرته فى مدينتهم وديارهم، أما وهو فى بدر فذلك ما لم تقتضه نصوص المعاهدة، فأراد ﷺ استشارتهم فيما هو محدق به وبهم من الخطر، ليكتشف رأيهم فيما يعد خارجاً عن بنود المعاهدة، فكرر طلب الاستشارة قائلاً: "أشيروا على أيها الناس" ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل. فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. ... فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم" (١) . ... وهكذا تمخضت المشاورة هذه برأى صائب سديد، وافقت ما قدره الله تعالى، لنبيه وعباده المؤمنين، واراه إياه، حتى كأنه يرى نتيجة ما هو قادم عليه رأى العين.

стр. 600

.. ويشهد بصحة هذه المشاورة، وأنها وافقت ما قدره الله تعالى قوله تعالى: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ (١) . الموضع الثانى: الاستشارة فى المنزل، فعندما نزل النبى ﷺ على أقرب ماء من بدر وعرض الأمر على الصحابة، فجاء الحباب بن المنذر (٢) وقال: يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل؛ أمنزلاً انزلكه الله تعالى ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأى والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نتأتى أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل فنشرب ولا يشربون، فقال النبى ﷺ : "لقد أشرت بالرأى" (٣) .

стр. 601

.. وهذه المشاورة وافقت ما قدره الله تعالى، بدليل ما جاء فى مغازى الأموى، أن حباب بن المنذر لما أشار على النبى ﷺ بتغير مكان نزوله يوم بدر؛ ورجع النبى ﷺ إلى رأيه، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ ، فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن الرأى ما أشار به الحباب بن المنذر" (١) أليس فى ذلك أعظم دليل على أن اجتهاده ﷺ معصوم فيه، بدلاله مراقبة الوحي لهذا الاجتهاد، حيث وافق مراد الله تعالى فجاء الإقرار؟!. الموضع الثالث: الاستشارة فى شأن الأسرى، فقد انجلت المعركة عن قتل سبعين وأسر سبعين، فضلاً عن الغنائم الكثيرة، وكانت الأسرى أمراً ذى بال، استدعى أن يجمع له الرأى ويفكر فى أمره، لعددهم الكبير، وما يترتب على الإقدام فى شأنهم من نفع للإسلام والمسلمين. ...

стр. 602

وذلك ما جعل النبى ﷺ يستشير ذوى الرأى والحجا من أصحابه فى الأمر الذى يصنعه بهم من قتل أو من أو فداء، فقال ﷺ : لأبى بكر وعمر: "ما ترون فى هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا نبى الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قال: فقلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذى رأى أبو بكر، ولكنى أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنى من فلان (نسيب لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، قال: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، قال: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله! أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله ﷺ : "ابكى للذى عرض على أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجر" شجرة قريبة من نبى الله ﷺ وأنزل الله : ﴿ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم﴾ (١) فأحل الله الغنيمة لهم" (٢) .

стр. 603

.. وفى نزول هذه الآيات دليل على مراقبة الوحي لما يجتهد فيه رسول الله ﷺ وفى ذلك شاهد على عصمته ﷺ فى اجتهاده؛ حيث جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده ﷺ مع التنبيه على ما ينبغى (١) . ٤- ومن اجتهاداته ﷺ التى عصم فيها وجاء الوحي بإقرارها ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت: أن أمى نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: فاقضوا الذى له فإن الله أحق بالوفاء" (٢) . ... ووجه الاستدلال بالحديث أنه ﷺ اجتهد فى إجابة السائلة واعتبر دين الله بدين العباد، وذلك بيان بطريق القياس، ولم يأت ما يخالف ذلك مما يدل على أن اجتهاده ﷺ وافق مراد الله فصار إقراراً. ... وبهذا الإقرار صار اجتهاده ﷺ حجة على العباد لعصمة الله له فيه، وبحكمه ﷺ (قضاء الدين عن الميت) قالت الأمة، وأجمعت عليه (٣) . ٥- ومن هذا النوع أيضاً أجابته ﷺ عمر بن الخطاب حين قبل عمر امرأته وهو صائم؛ فظن أنه فعل أمراً عظيماً.

стр. 604

.. فعن عمر رضى الله عنه قال: "هششت (١) فقبلت وأنا صائم، فجئت رسول الله ﷺ ، فقلت: إنى صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم. قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء؟ قلت: إذاً لا يضر. قال: ففيم! " (٢) أى: ففيم تسأل (٣) قال الخطابى: "فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته (٤) ووجه الاستدلال بالحديث اجتهاده ﷺ فى قياس القبلة على المضمضة فى عدم الأثر على الصوم، ولم يأت ما يخالف ذلك، فصار إقراراً من الوحي بعصمته ﷺ فيما اجتهد فيه. ٦- وعن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة فى المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذى صنعتم، ولم يمنعنى من الخروج إليكم إلا إنى خشيت أن تفرض عليكم، وذلك فى رمضان" (٥) .

стр. 605

.. ووجه الاستدلال منه على عصمته فى اجتهاده ﷺ أنه توقع أن يترتب على المواظبة على صلاة الليل جماعة فرضها عليهم، كما هى واجبة عليه ﷺ ، لأن الأصل فى الشرع المساواة بين النبى ﷺ وبين أمته فى العبادة مالم يدل دليل على الخصوصية، فأداه اجتهاده ﵊ بسبب رحمته بهم إلى عدم الخروج إليهم والصلاة بهم خشية أن تفرض عليهم فيعجزوا عنها (١) وبما أنه لم يرد دليل على الفرضية، فهو بمنزلة الإقرار من رب العزة لما اجتهد فيه ﷺ ؛ حيث وافق مراد الله بعدم الفرضية، وهو دليلنا على عصمته ﷺ فى اجتهاده. ٧- وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ فى بعث فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما بالنار" ثم قال ﷺ : حين أردنا الخروج: إنى أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما" (٢) . ... إن قوله: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً فاحرقوهما" كان هذا الأمر منه أولاً اجتهاداً، ثم عدل عنه باجتهاد آخر؛ وعلله ﷺ بقوله: "النار لا يعذب بها إلا الله". ... وقد استدل بالحديث الحافظ ابن حجر على: "جواز الحكم بالشئ اجتهاداً ثم الرجوع عنه" (٣) وفى الرجوع واستمرار الحكم على ذلك، وعدم ورود ما يخالفه عنه ﷺ هو بمنزلة الإقرار من الله تعالى على هذا الحكم النهائى الذى رجع فيه رسول الله ﷺ . وهو دليل عصمته فى اجتهاده.

стр. 606

.. وبعد: فهذه نماذج من الأحاديث التى تدل على اجتهاده ﷺ فى الشريعة الإسلامية، وعصمة الله تعالى له فيها؛ إما بالإقرار إذا وافق اجتهاده مراده ، وإما بالتصويب والإرشاد إذا خالف اجتهاده مراده تعالى. ... وفى كلا الأمرين (الإقرار والتصويب) هو بمنزلة الوحي الإلهى يصير حجة على العباد إلى يوم الدين؛ ويحرم مخالفته خلافاً لمن أجاز ذلك، وزعم أن خطأ رسول الله ﷺ فى اجتهاده دليل على أنه يجوز الاجتهاد فى نفس الأحكام التى اجتهد فيها ومخالفته! (١) . ... ونعم أقول: إن بعض اجتهاداته ﷺ لم تصادف الصواب؛ ولكن أين حكم الله تعالى فى الأمر الذى اجتهد فيه ﷺ ولم يصب؟! إن ما يصدر عن النبى ﷺ من اجتهاد - على ما تقرر سابقاً فى أكثر من موضع، إما أن يوافق حكم الله أولاً. ... فإن وافق حكم الله على لسان نبيه ﷺ ، فهو كما أخبر به ﵊، وإن لم يوافق حكم الله عدله إلى حكمه جلا جلاله. وإذن تصبح الأحكام الدينية التى حكم بها رسول الله اجتهاداً أحكام الله فى النهاية، وقبل لقائه الرفيق الأعلى، وتصير تلك الأحكام حجة إجماعاً بلا شك (٢) ويشهد لصحة ما سبق إجماع الأمة على عصمته ﷺ فى اجتهاده، فإلى بيان ذلك.

стр. 607

ثالثاً: إجماع الأمة على عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده: ... لقد كان معلوماً لدى صحابة رسول الله ﷺ أن الوحي قريب جداً من رسول الله ﷺ ، ومنهم، وأنه لن يترك أمراً مخالفاً يمر، فما قاله ﵊ باجتهاده دون وحى، فإنما هو من الإسلام وإلا جاء الوحي. يشهد لذلك ما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل" قال سفيان – أحد رجال إسناد هذا الحديث – موضحاً كلام جابر: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن" (١) .

стр. 608

قال فضيلة الدكتور عبد المهدى عبد القادر: "ويظهر لى من كلام جابر هذا أن جابراً استدل على شرعية العزل بتقرير الله (١) وعليه فجابر يرى أن الوحي لا يقتصر على مراقبة رسول الله ﷺ ، وإنما يراقب الأمة كلها، فأيما فعل فعلوه مخالفاً الإسلام نبه الوحي عليه، وأيما فعل فعلوه زمن الوحي وأقرهم عليه الوحي فهو من الإسلام" (٢) وهذا هو الذى يفيده أيضاً ما رواه ابن سعد فى الطبقات عن الواقدى عن شيوخه قال: قد قتل مجذر بن ذياد، سويد بن الصامت، فى وقعة التقيا فيها فى الجاهلية. فظفر المجذر بسويد فقتله، وذلك قبل الإسلام. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد (٣) ومجذر بن زياد (٤) وشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب مجذراً ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه. ... فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه، فضرب عنقه. فلما رجع رسول الله ﷺ من حمراء الأسد، أتاه جبريل، فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذر بن زياد غيلة، وأمره أن يقتله... الحديث" (٥) . ... قال ابن الأثير: اتفق أهل النقل على أن الحارث بن سويد هو الذى قتل المجذر بن زياد. فقتله النبى ﷺ (٦) .

стр. 609

.. وهذا الاتفاق الذى نقله ابن الأثير، يقتضى الحكم بصحة الحديث وإن لم يكن إسناده على شرط الصحة، كما تقرر فى علم الحديث (١) وهو ما ذكره السيوطى فى حكمه على هذا الحديث فى كتابه الباهر فى حكم النبى ﷺ بالباطن والظاهر (٢) . ... هذا ودلالة الحديث على مراقبة الوحي للأمة واضحة بإخبار جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ بأن الحارث قتل مجذر غيلة، وأمره أن يقتله وهذه المراقبة للأمة كانوا على يقين بها، وهذا هو الذى يفيده حديث ابن عمر رضى الله عنه قال: "كنا نتقى الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبى ﷺ هيبة أن ينزل فينا شئ، فلما توفى النبى ﷺ تكلمنا وانبسطنا" (٣) ومنه حديث عمر حينما سأل رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يجبه. فقال – أى عمر – ثكلتك أمك يا عمر، ثم قال: وخشيت أن ينزل فى قرآن" (٤) .

стр. 610

.. ومنه حديث سلمة بن صخر البياضى (١) إذ أتى زوجته فى رمضان فقال لقومه: امشوا معى إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: لا والله لا نمشى معك، ما نأمن أن ينزل فيك القرآن، أو أن يكون فيك من رسول الله ﷺ مقالة يلزمنا عارها ... الحديث (٢) . ... ومن إنكار الوحي عليهم حديث زيد بن خالد الجهنى (٣) قال: صلى بنا رسول الله ﷺ : صلاة الصبح بالحديبية فى إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى، كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بى، مؤمن بالكواكب" (٤) .

стр. 611

.. وهكذا يتضح أن الوحي كان يراقب تصرفاته ﷺ ، ويراقب الأمة أيضاً. وفى كل ذلك دلالته على عصمته ﷺ فى اجتهاده. وعلى ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه؛ وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره فى أى باب كانت، وعن أى شئ وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد فى شئ منها، ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، وهل وقع عن وحى أو اجتهاد، وأيضاً فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله ﷺ معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرو فى شئ منها استدراكه ﷺ لغلط فى قول قاله، أو اعترافه بوهم فى شئ أخبر به، ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته ﷺ عما أشار به على الأنصار فى تلقيح النخل (١) وكان ذلك رأياً لا خبراً يعنى: فلا يدخله الصدق والكذب (٢) . قلت: وهذا الذى أدين الله تعالى به فى أخبار النبى ﷺ ، فقد كانت أقواله ﷺ وأفعاله كلها تشريعاً تقتضى المتابعة والاقتداء سواء كانت بوحى أو اجتهاد لعصمة رب العزة له فى أحواله ﷺ كلها.

стр. 612

.. أما زعم أعداء السنة المطهرة بأن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى، وذهاب بعض المسلمين إلى تقسيم السنة إلى قسمين سنة تشريعية ملزمة عامة ودائمة، وسنة غير تشريعية ولا ملزمة واستدلالهم على ذلك باجتهاد رسول الله ﷺ عموماً، وحديث تأبير النخل خصوصاً. فذلك منهم طعن فى عصمته ﷺ فى اجتهاده. فإلى تفصيل شبهتهم فى ذلك والرد عليها...

стр. 613

الفصل الثانى: شبهة أن اجتهاد رسول الله ﷺ يؤيد أن السنة المطهرة ليست كلها وحى والرد عليها ... سبق أن تقرر لك أن اجتهاد رسول الله ﷺ فى الشريعة الإسلامية لا يخل بعصمته فى أقواله وأفعاله وتقريراته، لأن وحى الله تعالى يراقبه؛ فإن أصاب فى اجتهاده لم يأت تنبيه، فدل على إقرار رب العزة له، وإن خالف اجتهاد الأولى نزل وحى الله تعالى بالتنبيه والتصويب لما هو أولى، وفى الإقرار والتنبيه؛ يصبح اجتهاده ﷺ ، وحى وحكم الله النهائى، حجة على العباد واجب الاتباع ويحرم مخالفته بالآيات والأحاديث السابقة الدالة على عصمته ﷺ فى اجتهاده وبإجماع الأمة. إلا أن بعض دعاة الفتنة وأدعياء العلم زعموا أن اجتهاد رسول الله ﷺ ليس من الوحي الإلهى. ويستدلون على ذلك بحديث المعصوم ﷺ ، الوارد فى قصة تأبير النخل بمختلف رواياته عن طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه قال: مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رؤوس النخل. فقال: ما صنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر فى الأنثى فيلقح، فقال رسول الله ﷺ "ما أظن يغنى ذلك شئ" قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنى إنما ظننت ظناً، فلا تؤاخذونى بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً، فخذوا به، فإنى لن أكذب على الله ". ... وفى حديث رافع بن خديج رضى الله عنه (١) قال: قال رسول الله ﷺ : إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر" قال عكرمة: أو نحو هذا.

стр. 614

.. وفى حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) وهذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذى يعلق عليه من شاء، ما شاء من أمور الشرع التى يراد التحلل منها، فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسى كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به، فليس من شأن الوحي أن يكون له فيها تشريع أو توجيه، فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة، وعقيدة بلا شريعة؛ وأراد آخرون أن يحذفوا النظام الاقتصادى كله من الإسلام كذلك، بسبب هذا الحديث الواحد. ... المهم: أن بعض الناس أراد أن يهدم بهذا الحديث الفرد كل ما حوت دواوين السنة الزاخرة، من أحاديث البيوع، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية. ... وكأن الرسول ﷺ قال هذا الحديث لينسخ به جميع أقواله وأعماله وتقريراته التى تكون السنة النبوية.

стр. 615

.. وهذا الغلو من بعض الناس، هو الذى جعل عالماً كبيراً مثل المحدث الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر – ﵀ – يعلق على هذا الحديث فى مسند الإمام أحمد فيقول: "هذا الحديث مما طنطن به ملحدوا مصر، وصنائع أوروبة فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يطعنون به فى عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده، وأخذوا يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، فى المعاملات، وشئون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شئون الدنيا، ويتمسكون برواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) والله يعلم أنهم لا يؤمنون بأصل الدين، ولا بالألوهية، ولا بالرسالة، ولا يصدقون القرآن فى قرارة نفوسهم. ومن آمن منهم فإنما يؤمن لسانه ظاهراً، ويؤمن قلبه فيما يخيل إليه، لا عن ثقة وطمأنينة، ولكن تقليداً وخشية، فإذا ما جد الجد، وتعارضت الشريعة، الكتاب والسنة، مع ما درسوا فى مصر أو فى أوروبا، لم يترددوا فى المفاضلة، ولم يحجموا عن

стр. 616

الاختيار، وفضلوا ما أخذوه عن سادتهم، واختاروا ما أشربت قلوبهم، ثم ينسبون نفوسهم بعد ذلك أو ينسبهم الناس إلى الإسلام. ... والحديث واضح صريح، لا يعارض نصاً، ولا يعارض عصمته ﷺ فى اجتهاده، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة فى كل شأن، كما لا يدل على ما يزعمون أن السنة النبوية ليست كلها وحى. ... وإنما الحديث فى قصة تلقيح النخل أن قال لهم: "ما أظن ذلك يغنى شيئاً، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن فى ذلك سنة حتى يتوسع فى هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع" (١) أهـ. ... ومن اجتهاد النبى ﷺ ، وقوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ذهب بعض علماء المسلمين الأجلاء إلى عدم عصمة رسول الله ﷺ فى اجتهاده ؛ حيث ذهبوا إلى تقسيم السنة النبوية إلى قسمين: أ- سنة تشريعية ملزمة ودائمة. ب- وسنة غير تشريعية غير ملزمة ولا دائمة. ... وقصدوا بغير التشريع ثلاثة أنواع: ما سبيله سبيل الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشى والتزاور... الخ. ما سبيله سبيل التجاوب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذى ورد فى شئون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره. ما سبيله سبيل التدبير الإنسانى كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية ونحو ذلك. فهذه الأنواع الثلاثة ليس شرعاً يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشئون البشرية التى ليس مسلك الرسول ﷺ فيها تشريعاً ولا مصدر تشريع (٢) .

стр. 617

وبهذا التقسيم قال غير واحد من علماء المسلمين (١) وبالغ بعضهم حتى كاد يخرج قضايا المعاملات، والأحوال المدينة كلها من دائرة السنة التشريعية. حيث كان يرى أن كثيراً من أوامر الرسول ونواهيه فى المعاملات كان أساسها الاجتهاد لا الوحي (٢) حتى انتهى به هذا الاتجاه إلى أن حرم برأيه ما أحلته السنة النبوية؛ وما أجمع المسلمون – من جميع المذاهب والمدارس الفقهية – على حله. وذلك هو (بيع السلم) الذى رخص فيه النبى - صلى الله عليه

стр. 618

وسلم - لحاجة الناس إليه، بعد أن وضع له الضوابط اللازمة لمنع الغرر والنزاع ويسميه بعضهم (السلف) أيضاً وبه جاء الحديث، ومضى عليه عمل الأمة أكثر من خمسة عشر قرناً. فعن الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قدم النبى ﷺ المدينة، وهم يسلفون فى الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فى تمر، فليسلف فى كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (١) بل قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجله قد أحله الله فى كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (٢) وكلمة "أشهد" بمثابة القسم، فهذا رأى ترجمان القرآن. ولكن الدكتور عبد المنعم النمر قال عن السلم: "وهو بيع معدوم موصوف فى الذمة، ويسير عليه كثير من الناس فى الأرياف، مستغلين حاجات الزراع استغلالاً سيئاً، مما يجعلنا نميل إلى تحريمه. من أجل هذا الاستغلال الكريه المحرم فى الإسلام" (٣) . يقول الدكتور القرضاوى: "وكان أولى بالشيخ هنا أن يقتصر على تحريم الظلم والاستغلال، ولا يتعدى ذلك إلى تحريم التعامل الثابت بالسنة والإجماع" (٤) .

стр. 619

و الجواب: ... أقول كما قال فضيلة الدكتور موسى شاهين: "غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء باباً لم يخطر لهم على بال. ... القائلون بأن السنة تشريع وغير تشريع؛ قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصاً بالصناعات، والخبرات كالزراعة والطب، ولم يخطر ببالهم أن من سيأتى بعدهم سيستدل بتقسيمهم ليدخل المعاملات، وأحاديث البيع، والشراء، والإجارة، ويدخل ما قاله النبى ﷺ من أحاديث فى العادات، وشئون الاقتصاد، والسياسة، والإدارة والحرب، وغير ذلك فى السنة غير التشريعية، وهم من هذا القول برءاء!. ... أما ما جعلوه مما سبيله الحاجة البشرية، كالأكل والشرب والنوم... الخ من السنة غير التشريعية، فهذا الكلام على عمومه مرفوض، وفى حاجة إلى تحقيق فهل بيان المأكول والمشروب المحرم، والمكروه، والمباح، من السنة غير التشريعية؟.

стр. 620

.. هل حديث: "أحلت لكم ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (١) ، وحديث:"أكل الضب على مائدة رسول الله ﷺ " (٢) سنة غير تشريعية؟ اللهم لا. ... إن رسول الله ﷺ بمقتضى عصمته، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سنة تشريعية من حيث الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعاً من الحلال، وترك غيره يأكل نوعاً آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أكل وما لم يأكل مما له ينه عنه.

стр. 621

.. وأما الأوانى: فقد نهى ﷺ عن الأكل والشرب فى صحائف الذهب والفضة (١) وهذا تشريع قطعاً. أما أنه ﷺ أكل فى قصعة من الفخار، ونحن نأكل فى الأوانى الفاخرة غير الذهبية والفضية، فهذا من المباحات والإباحة تشريع (٢) . ... وأما الهيئة: فهناك هيئات مأمور بها، وهيئات منهى عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع. ... فقوله ﷺ : "يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٣) هيئة أكل مشروعة (٤) . و"نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس فى الإناء" (٥) هيئة ممنوعة شرعاً فى نفس الإناء، ومستحبة خارج الإناء (٦) .

стр. 622

.. أما أنه ﷺ أكل بأصابعه ويده؛ ونحن نأكل بالملاعق والشوك، والسكاكين، فهو من المباحات المشروعة. فماذا فى الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!!. ... إن قصدوا بالسنة غير التشريعية فى ذلك السنة غير الملزمة، وهى المباحات كان الخلاف بيننا لفظياً. وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهى عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مسلم. ... ومثال ذلك يقال فى الأفعال الجبلية التى وقعت منه ﷺ مما لا يخلو البشر عنه من حركة وسكون، على اختلاف أنواع الحركة المحتاج إليها بحكم العادة من قيام، وقعود، ونوم، وركوب، وسفر، وإقامة، وقيلولة تحت شجرة، أو فى بيت، وتناول مأكول ومشروب معلوم حله. ومن أمثلته: تتبعه ﷺ الأكل من جوانب الصحفة (١) . وأكله القثاء بالرطب (٢) وأنه ﷺ كان يحب الحلو البارد (٣)

стр. 623

وكان يحب الحلوى والعسل (١) وسائر ما روى عنه فى هيئة لباسه، وطعامه، وشرابه، ونومه، وكيفية مشيه، وجميع ما نقل عنه من شمائله ﷺ ، مما لم يظهر فيه قصد القربة. ... ومن ذلك ما كرهه عيافة لا شريعة، كتركه أكل الضب (٢) بخلاف تركه أكل الثوم والبصل والكراث، فيستحب التنزه عنه ما أمكن (٣) . ... ويلتحق بالجبلى: كل فعل فعله رسول الله ﷺ مما علمت إباحته شرعاً، إباحة مطلقة له ولأمته.

стр. 624

.. كما روى أنه ﷺ : أكل التمر (١) وشرب العسل (٢) واللبن (٣) ولبس جبة شامية ضيقة الكمين (٤) ودخل مكة وعليه عمامة سوداء (٥) . ... فهذا ونحوه لا دليل يدل على أنه يستحب للناس كافة أن يفعلوا مثله، بل إن فعلوا فلا بأس، وإن تركوا فلا بأس، ما لم يكن تركهم رغبة عما فعله ﷺ واستنكافاً، فمن رغب عن سنته وطريقته فليس منه.

стр. 625

.. والتحقيق: أنه من الخطأ أن نطلق هذا الإطلاق "السنة غير التشريعية" على ما سموه الحاجة البشرية أو الأفعال الجبلية، أو ما يصدر عنه ﷺ ، بوصفه إماماً ورئيساً للدولة المسلمة، أو بوصفه قاضياً فكل هذه الأمور التى أطلقوا عليها، سنة غير تشريعية، منها الواجب شرعاً، ومنها المحرم شرعاً، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، وحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعاً، كما سبقت الإشارة إليه قريباً. ... أما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألا تصادم نصاً من الكتاب أو السنة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص (١) . ... واعتقد كما قال الدكتور فتحى عبد الكريم. "أن القائلين بالسنة التشريعية، والسنة غير التشريعية قد فاتهم المعنى الدقيق للتشريع الإسلامى، حيث قصر بعضهم وصف التشريع على الواجب، والحرام، ونفاه عن المندوب والمكروه، والمباح، وأدخل بعضهم المندوب والمكروه فى التشريع، ونفاه عن المباح وحده" (٢) . ... وفى ذلك يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق – ﵀: "هذا وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه: أن يدعى بعضهم ظهوره، مع إجماع الأمة المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها. ولست أدرى: لم أخرجها هؤلاء؟! أأخرجوها: لأنها لا يتعلق بها حكم شرعى؟.

стр. 626

.. وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكل فعل اختيارى من المكلف لابد أن يتعلق به حكم شرعى: من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة. ... وفعل النبى ﷺ الطبيعى مثل الفعل الطبيعى من غيره، فالأبد أن يكون قد تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة، ولا الحرمة، لعصمته ﷺ فى أحواله كلها، وليس الحكم الوجوب ولا الندب: لعدم القربة فيه. ... فلم يبق إلا الإباحة وهى حكم شرعى؛ فقد دل الفعل الطبيعى منه ﷺ على حكم شرعى، وهو الإباحة فى حقه، بل وفى حقنا أيضاً ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ (١) . ... ولقد أجمع الأصوليون فى باب أفعاله ﷺ على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة فى حقه ﷺ ، وفى حق أمته، وكل يحكى الاتفاق على ذلك عن الأئمة السابقين (٢) . أم أخرجوها: لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكماً شرعياً؟ وهذا لا يصح أيضاً: فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها – أى الإباحة – اللهم إلا فريقاً من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها؛ فهما منهم: أن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك (٣) وذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكماً شرعياً.

стр. 627

.. والجمهور ينكرون أن هذا المعنى ثابت قبل ورود الشرع، وأنه لا يسمى حكماً شرعياً. ولكنهم يقولون: ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية، إنما هى خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل. ولا شك أن هذا حكم شرعى؛ وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع. ولو التفت هذا الفريق إلى هذا المعنى لم ينازع فيه؛ فليس هناك خلاف حقيقى بينهما. ... فالإباحة حكم شرعى يحتاج إلى دليل؛ والفعل الطبيعى منه ﷺ يدل عليه. ونظرة واحدة فى باب أفعاله ﷺ فى أى كتاب من كتب أصول الفقه، ترشدك إلى الحق فى هذا الموضوع (١) . ... ويقول الإمام الشاطبى فى رده على من قال: "ترك المباح طاعة على كل حال". قال: "بل فعل المباح طاعة بإطلاق؛ لأن كل مباح ترك حرام. ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح، فقد شغل النفس به عن جميعها. وهذا الثانى أولى؛ لأن الكلية هنا تصح، ولا يصح أن يقال كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق، فظهر أن ما اعترض به لا ينهض دليلاً على أن ترك المباح طاعة" (٢) . قلت: ويشهد لهذا قول الإمام السرخسى فى أصوله: "ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ حرام، كما أن العمل بخلافه حرام" (٣) .

стр. 628

.. ومن هنا فكل ما ورد عن رسول الله ﷺ من أفعال لم تحصل منه على وجه القرب ، يستحب التأسى به فيها رجاء بركته مثل: أكله، وشربه، ولبسه، ومعاشرته نسائه، وجميع أفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، يستحب التأسى به فى جميع ذلك. لأن هذه الأفعال وإن لم تصدر من الرسول ﷺ قربه – إن صح التعبير – فهى فى نفسها قربة؛ نرجوا بفعلها التقرب إلى الله تعالى لما انطوى عليه فعلنا لها عن محبته التى حملنا عليها بقوله ﷺ : "لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين" (١) .

стр. 629

.. قال أبو شامة (١) : "ولهذا اعتنى الرواة بنقل تفاصيل أحواله فى ذلك كله، واقتدى أهل الدين والعلم من السلف، بسلوك طريقته فى ذلك، وترك التكلف فيما ينوبهم من حاجاتهم، حتى أنه لو قيل لأحدهم لا تركب الحمار، ولا تحلب الشاة، ولا تسلخها، ولا ترقع الثوب، ولا تخصف النعل، ولا تهنأ (٢) البعير، لقال: كيف لا أفعل ذلك وقد رأيت رسول الله ﷺ فعله، أو جاء عنه أنه فعله!! (٣) وقال أيضاً: "إن التأسى به ﷺ فى فعله المباح هو أدنى الدرجات فى استحباب المتابعة فيها، ولهذا أكثر المصنفين من الأصوليين لا يذكرون التأسى به فيها، وما ذكرناه أولى وأصح، وله سر. وهو: أن أصل الفعل وإن كان الإنسان مضطراً إليه، فمن حيث الحاجة لا يفعله تأسياً بالنبى ﷺ ، بل من حيث إيقاعه على هيئة مخصوصة نقلت عن النبى ﷺ ، أو استعمال شئ مخصوص، مع أنه يمكنه استعمال غيره.

стр. 630

.. والفقهاء أرباب المذاهب يستحبون من هذا النوع أشياء، وهو ما إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً، ذلك الشئ يقع على هيئات مختلفة وقد نقل عن الرسول ﷺ ، أنه أوقعه على بعض تلك الهيئات، فأهل العلم يستحبون أن يوقع على تلك الهيئة، نحو استحبابهم سلوك طريق المأزمين (١) والمبيت بذى طوى (٢) ودخول مكة من الثنية العليا، والخروج من الثنية السفلى (٣) ونزوله بالمحصب (٤) وكهيئة الأصابع فى التشهد (٥) .

стр. 631

.. وقالوا: يستحب أن لا ينقص فى الغسل من صاع، ولا فى الوضوء من مد، اقتداء برسول الله ﷺ (١) إلى أحكام كثيرة لا تحصى لمن تتبعها. ... فمتابعته ﷺ فى تلك الأفعال التى يكاد يقطع فيها بخلوها من القربة، كهيئة وضع أصابع اليد اليمنى فى التشهد، يستحب المحافظة عليها والأخذ بها ما أمكن، تدريباً للنفس على الجموح، وتمريناً لها على أخلاق صاحب الشرع، لتعتاد ذلك؛ فلا تخل بعده بشئ مما فيه قربة وإن خفيت. ... فإن النفس مهما سومحت فى اليسير تشوقت إلى المسامحة فيما فوقه. فهذا ونحوه هو الذى يظهر لى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يلاحظه ويراقبه، فأخذ نفسه بالمحافظة على جميع آثاره ﷺ قال نافع (٢) : "لو رأيت ابن عمر يتبع آثار رسول الله ﷺ لقلت هذا مجنون" (٣) .

стр. 632

.. قلت: و استحباب التأسى بأفعال رسول الله ﷺ الجبلية هو المختار والراجح عندى. ... ومستند هذا الاختيار علمنا بأن أصحاب رسول الله ﷺ لو اختلفوا فى حكم أمر حرام أو مباح، فنقل الناقل فى موضع اختلافهم فعلاً عن المصطفى ﷺ ، فهموا منه أنه لا حرج على الأمة فى فعل مثله (١) وجاحد هذا جاهل بمسالك المنقل على المعنى واللفظ (٢) .

стр. 633

.. وجميع المذاهب المنقولة فى هذه المسألة من الوجوب (١) والإباحة (٢) ضعيفة، وأشدها ضعفاً من ذهب إلى الحظر (٣) والوقف (٤) . ويؤيد هذا الضعف النص والإجماع. أما النص: فقد سبق ذكر الأدلة القرآنية التى حثت على التأسى برسول الله ﷺ ، واتباعه فى فعله على الوجه الذى كان عليه ﷺ ، من أجل الهداية والفلاح فى الدارين (٥) .

стр. 634

أما الإجماع: فهو ما علمناه من سيرة الصحابة رضى الله عنهم فى رجوعهم إلى أفعاله ﷺ وتقربهم وتأسيهم بها، والمحافظة عليها، وإن لم تلح فيها قربة، ولم يكن لهم توقف ولا تردد فى شئ منها. ... فعن سهل بن الربيع بن الحنظلية رضى الله عنه (١) قال: قال لنا رسول الله ﷺ نعم الرجل خريم الأسدى (٢) لولا طول جمته (٣) وإسبال إزاره (٤) فبلغ ذلك خريماً، فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه" (٥) . ... فتأمل كيف أسرع خريم فامتثل قول رسول الله ﷺ . ولم يقل: وماذا فى طول الشعر؟ ولم يقل: ماذا فى طول الإزار؟ لم يقل: سنة عادة أو سنة عبادة شأن الذين قى قلوبهم مرض، إنما عجل سريعاً فقصر شعره، ورفع إزاره (٦) .

стр. 635

.. فبطل بذلك قول الحظر والوقف، وثبت أنهم فهموا؛ أنهم شرع لهم مثل ذلك القول والفعل قربة، فبطل قول الإباحة، وترجح الندب. ويبطل قول الوجوب ما سبق فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه من خلع الصحابة رضى الله عنهم نعالهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه (١) فكان من كمال تأسيهم برسول الله أنهم فهموا من خلعه نعليه القربة فبادروا إلى متابعته، أو لم يفهموا قربه، واتبعوه على جارى عادتهم فى اتباعه والتأسى به، مع أنهم لم يعلموا أن ذلك صدر منه وجوباً أو ندباً أو إباحة، وهو عين مسألة النزاع مع من يشترط فى شرعية التأسى به ﷺ معرفة صفة فعله؛ فبطل قول الوقف. ... وأيضاً: لو كان الاقتداء به ﷺ فى فعله واجباً ما سألهم "ما حملكم إلقائكم نعالكم؟ " لعلمه بأنه يجب عليهم متابعة فعله، فبطل قول الوجوب. ... ثم إنه ﷺ لما سألهم لم فعلوا ذلك، ذكروا أن مستند فعلهم متابعته فى فعله، ولم ينكر عليهم الاستدلال به، فدل ذلك كله على ما سبق من ترجيح استحباب متابعته ﷺ فى فعله.
следующие страницы →