Полный текст (2 128 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا -.
أما بعد: فإني لما رأيت كتاب «الهداية شرح البداية» على مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله تعالى -، من أجل الكتب المصنفة في مذهبه ومن أغزرها نفعًا، وأكثرها فوائد، وأشهرها بين الأصحاب، يعتمدون عليه في الحكم والإفتاء.
قد شرحه جماعة منهم، وكتبوا عليه الحواشي، وألقوا منها الدروس، وحفظه بعضهم مع طوله على الحفظ؛ وما ذاك إلا لحسن لفظه وصحة
стр. 2
نقله للمذهب.
ورأيت فيه حال مطالعتي له مواضع مُشْكِلة، أحببت أن أنبه عليها، وأفردها بالكتابة في هذا الكتاب؛ لاحتمال أن يظهر في وقت آخر أجوبة عنها فأعلقها إن شاء الله تعالى.
وهي ثلاثة أنواع: نوع على لفظ المصنف، ونوع على تعليله، ونوع على نفس الحكم، مع إقراري بتعظيم شأن مصنفه -رحمه الله تعالى -، وشأن من تقدم من علمائنا -رحمهم الله تعالى -.
﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءُوف رحيم﴾.
وسميته «كتاب التنبيه على مشكلات الهداية»، ليطابق الاسم المعنى المطلوب. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 3
كتاب الطهارة
قوله: (ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ إذ لولاها لاستوعبت الوظيفة الكل، وفي باب الصوم لمد الحكم إليها، إذ الاسم ينطلق على الإمساك ساعة).
رد المصنف بهذا التعليل على زفر -رحمه الله تعالى -. وفيه نظر؛ لأنه لو حلف لا يكلم زيدًا إلى رمضان لا يدخل رمضان في اليمين، مع أنه لولا
стр. 4
الغاية لكانت اليمين متأبدة، ولم يجعل ذكر الغاية مسقطًا لما وراءها.
ويحكى عن جواهر زاده أنه قال: لا وجه ليخرج هذا النقض إلا المنع على رواية الحسن عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى -يعني أن رمضان يدخل على هذه الرواية، فيكون كالمرافق سواء. وذلك أنه لما رأى قوة الإيراد احتال لدفعه بحيلة ضعيفة. ولأن اليد المطلقة في الشرع، والعرف، واللغة -
стр. 5
على خلاف في نقل اللغة -إلى الرسغ؛ فكان ذكر المرافق لمد الحكم إليها لا لإسقاط ما وراءها، بدليل قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وإنما تقطع يد السارق من الزند. ولأن السنة للمتوضئ أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاثًا، وذاك إلى الرسغ، والأمر به من الشارع مطلق.
ولأن الدية الواجبة في اليد تجب بقطعها من الرسغ ولهذا لو قطعت من نصف الساعد أو من المرفق، أو من الإبط؛ ففي الزائد حكومة عدل. وإنما
стр. 6
تجب دية اليد بقطع أصابعها لأنها هي الأصل فيها، لا لأنها هي اليد، كما في حشفة الذكر وحلمة الثدي.
ولأنه قد صح أن النبي ﷺ -مسح يديه في التيمم إلى الرسغ، والأمر به مطلق.
وإنما قال أبو حنيفة ﵀: إن المسح فيه إلى المرفقين لما ذكر له من الدليل في باب التيمم.
وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 7
وفي العرف، إذا قيل: اغسل يديك، أو غسل فلان يديه لا يفهم منه إلا إلى الرسغ.
وفي "المحكم" لابن سيده في اللغة: واليد الكف.
وقال أبو إسحاق: اليد من أطراف الأصابع إلى الكف.
ولأن المغيا هو الغسل لا محله، وهو من أطراف الأصابع إلى المرفق؛/ فمن أين جاء إسقاط ما بين المرفق والإبط؟! وأقوى من هذا الدليل أن الغاية لما كان منها ما لا يدخل كما في نحو: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، ومنها ما يدخل كما في: قرأت القرآن من أوله إلى آخره، كان حكمها مجملاً
стр. 8
تبينه القرائن. والحكم هنا قد بينه ﷺ -بفعله، فإنه: "توضأ وأدار الماء على مرفقيه".
وفي حديث آخر: "فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين".
وحكى أبو هريرة وضوء رسول الله ﷺ ، فغسل يديه حتى أشرع في العضدين، ورجليه حتى أشرع في الساقين، رواه مسلم بمعناه. ولم يرو عنه خلاف ذلك.
ولأنه هو الذي فهمه الصحابة ﵃، ولم يحك عنهم فيه اختلاف، وإنما حكي الخلاف عمن بعدهم.
стр. 9
ولأن الصلاة وجبت في ذمته، والطهارة شرط سقوطها، ولا تسقط بالشك.
قوله: (والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة ﵁: "أن النبي ﷺ -أتى سباطة قوم فبال وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفيه").
قال السروجي ﵀ -في شرحه: عن حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ -أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على خفيه"، وليس فيه ذكر المسح على الناصية، أخرجه مسلم.
وفي حديث المغيرة بن شعبة، في بعض طرقه، أنه ﵇: "كان في سفر فتوضأ ومسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين". رواه مسلم.
وفي أكثر طرقه: المسح على الخفين دون الناصية، وليس فيه "سباطة
стр. 10
قوم". فهذا الذي ذكره القدوري مركب من حديثين، فقد جعلهما حديثًا واحدًا ونسبه إلى المغيرة. انتهى.
والحديث روي كله عن المغيرة لكن من طريقين، وظاهر كلام المصنف أنه من طريق واحدة. ولم يكمل المصنف أيضًا حديث المغيرة؛ فإنه قال فيه: "وكمل على العمامة"، فلا يدل على الاكتفاء بالناصية. وسيأتي الكلام في
стр. 11
ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (والكتاب مجمل فالتحق بيانًا له).
دعوى الإجمال مشكلة، ولم يدع الإجمال من الأصحاب إلا من رجح أن المفروض مقدار الناصية، وأما من رجح أن المفروض قدر ثلاثة أصابع، وقالوا: لأنه أكثر ما هو الأصل في آلة المسح، وهو رواية هشام عن أبي حنيفة ﵀، قالوا: وهو ظاهر الرواية.
ومن رجح أنه مقدر بالربع وقالوا: إن الربع يقوم مقام الكل فليس الكتاب عندهم مجملاً، وهم أكثر الأصحاب، أو كثير منهم.
стр. 12
ومن قال بوجوب مسح الرأس كله كما هو المشهور عن مالك، وأحمد -رحمهما الله -، أو مسح أكثره ويعفى عن القليل منه كما روي عنهما أيضًا، قال: قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ نظير قوله في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. لفظ المسح في الموضعين، وحرف الباء فيهما، وإذا كانت آية التيمم لا تدل على مسح البعض مع أنه بدل عن الموضوع، وهو مسح بالتراب، فكيف يدل على ذلك آية الوضوء مع كون الوضوء هو الأصل، والمسح فيه بالماء؟.
وما قرر به دعوى الإجمال من أن العلماء اختلفوا في مقدار الممسوح
стр. 13
من الرأس، فاختلافهم فيه يدل على إجماله لا يصح؛ لأن ما قاله الشافعي ﵀ -لم يكن على وجه التقدير؛ بل لأن هذا أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح، كما في تقدير الركوع والسجود عندكم، وإن كان الشافعي وغيره قد قدروهما بقدر تسبيحة ونحو ذلك، ولم تجعلوا الأمر بالركوع والسجود مجملاً.
والعكس أولى؛ لأن محل المسح وهو الرأس له نهاية، ولا كذلك طول الركوع والسجود. وإذا كان الأقل غير مراد يصار إلى تعميم الرأس بالمسح، وإلى تقدير الركوع والسجود لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ،
стр. 14
وعدم ثبوت الاقتصار على مسح/ الناصية أو أقل منه، أو الأقل في الركوع والسجود. ولو كان ذلك مجزئًا لفعله النبي ﷺ -ولو مرة تبيينًا للجواز.
ولأنه إذا سلم وجوب الاستيعاب في مسح التيمم، أو العفو عن ترك القليل فيه كان في مسح الوضوء أولى.
ولا يقال: التيمم وجب فيه الاستيعاب لأنه بدل عن غسل الوجه واليدين، والاستيعاب فيه واجب؛ لأن البدل إنما يقوم مقام المبدل في حكمه لا في وصفه. ألا ترى أن المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين، ولا يجب فيه الاستيعاب مع وجوبه في الرجلين. وأيضًا فالسنة المستفيضة من عمل
стр. 15
النبي ﷺ -الاستيعاب، وأما حديث المغيرة ففيه: "وكمل على العمامة".
وعند الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث يجوز المسح على العمامة للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك؛ فمن توضأ ومسح بناصيته وكمل على العمامة أجزأه بذلك من غير عذر.
وعند مالك لا يجزئه ذلك إلا من عذر. ومن فعل ما جاءت به السنة من المسح بناصيته وعمامته أجزأه مع العذر بلا نزاع، وأجزأه بدون العذر
стр. 16
عند الثلاثة. ولم يصح عنه ﷺ -أنه اقتصر على بعض رأسه فقط.
وأما حديث أنس ﵁ -الذي رواه أبو داود: "رأيت رسول الله ﷺ -يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة"؛ فليس إسناده بالقوي.
стр. 17
ومقصود أنس أنه لم ينقض العمامة حتى يستوعب رأسه بالمس، ولم ينف التكميل على العمامة، وفي حديث المغيرة أثبت التكميل على العمامة، وهو أصح من حيث أنس.
قوله: (وهو حجة على الشافعي ﵀ -في التقدير بثلاث شعرات).
إنما يكون حديث المسح على الناصية حجة على الشافعي على الوجه الذي ذكره المصنف إذا سلمت دعوى الإجمال، ولم تثبت، وإلا فله أن يقول: ورد عنه ﷺ -المسح بالناصية، وورد عنه المسح على كل رأسه، فإذا لم يكن مسح كل رأسه حجة عليكم في الاكتفاء بما دونه، فكذلك لا يكون مسح الناصية حجة علي في الاكتفاء بما دونه.
قوله: (وفي بعض الروايات قدره أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد؛ لأنها أكثر ما هو الأصل في آلة المسح).
стр. 18
يرد على هذه الرواية أيضًا المسح في التيمم؛ فإن المذكور في مسح الرأس في الوضوء، وفي مسح الوجه واليدين في التيمم لفظ "المسح" وحرف "الباء"، فكيف ساغ التفريق بين الحكمين بما ذكر من غير نص؟.
قوله: (لقوله ﵊: "لا وضوء لمن لم يسم").
قال الأثرم: سمعت أحمد يقول: ليس في هذا حديث يثبت. وقال:
стр. 19
أنا لا آمره بالإعادة، وأرجو أن يجزئه الوضوء؛ لأ [نه] ليس فيه حديث أحكم به. ذكر ذلك عنه أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله تعالى -.
قوله في السواك: (والأصح أنه مستحب) مشكل!.
بل الأصح أنه سنة مؤكدة؛ لحث النبي ﵇ عليه -، ومواظبته عليه، وترغيبه فيه، وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة، حتى إنه ﷺ -قال: "أكثرت عليكم في السواك"، أخرجه البخاري. وقال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، رواه الجماعة.
стр. 20
والعجب من المصنف كيف يقول ذلك، وهو يقول قبله: وعند فقده يعالج بالإصبع؛ لأنه ﵊ -فعل ذلك. وهذا يدل على المواظبة من غير ترك؛ لأنه انتقل عند فقده إلى بدل، وهو الإصبع، وذلك يفيد الوجوب؛ فلا أقل من كونه سنة.
مع أنه لم يرد أنه كان ﵇ يعالج بالإصبع عند فقد السواك، وإنما ورد أنه ﵇ -قال: "يجزئ في السواك الأصابع"، رواه البيهقي من طرق، وقال: هو حديث ضعيف.
стр. 21
ولهذا اختلف في الاستياك بالإصبع؛ هل فاعله مصيب للسنة أم لا؟ على أقوال:
ثالثها: يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء.
رابعها: يصيب السنة إن لم يجد عودًا.
خامسها: إنه لا يصيب السنة مع وجود خرقة، فلا يجزئه مع وجود عود.
سادسها: إن كانت الإصبع خشنة أصاب السنة، وإلا فلا.
стр. 22
قوله: (وكيفيته أن يمضمض ثلاثًا، يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا ثم يستنشق. كذلك هو المحكيّ من وضوئه ﵊).
هذه الكيفية لم تثبت عن رسول الله ﷺ ، والثابت في كيفية المضمضة والاستنشاق ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد: "أن رسول الله ﷺ -تمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا".
وفي لفظ: "مضمض واستنشق، واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات".
ولم يجيء الفصل بين المضمضة والاستنشاق إلا في حديث/ طلحة بن
стр. 23
مصرف عن أبيه عن جده: "رأيت رسول الله ﷺ -يفصل بين المضمضة والاستنشاق". خرجه أبو داود، ولكن لا يدرى من طلحة عن أبيه عن جده؟!. ولم يثبت لجده صحبة. وينبغي أن يقال في المضمضة
стр. 24
والاستنشاق بأنهما سنة مؤكدة، أو واجب في الوضوء؛ لأن النبي ﵇ -واظب عليهما من غير ترك؛ ولهذا قال الإمام أحمد بفرضيتهما فيه.
قوله: (لقوله ﵊: "الأذنان من الرأس"، والمراد بيان الحكم دون الخلقة).
стр. 25
في استدلاله بهذا الحديث على الشافعي في أنه يأخذ لأذنيه ماء جديدًا نظر؛ فإن الحديث إنما يدل على أنهما ممسوحتان، وبه يقول الشافعي، ولا يدل على أنه لا يأخذ لهما ماء جديدًا.
قال الشافعي: وقد ورد أنه ﵊ -أخذ لأذنيه ماء جديدًا، فقلت به.
قوله: (وتخليل اللحية لأن النبي ﷺ -أمره جبريل بذلك).
عن أنس بن مالك ﵁: "أنه ﵇ -أخذ كفًا من ماء
стр. 26
فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته الكريمة، ثم قال: هكذا أمرني ربي". رواه أبو داود، وليس فيه ذكر جبريل.
قال أبو عمر بن عبد البر: روي عنه ﵇ -أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعاف. وقال الإمام أحمد وأبو زرعة: لم يثبت في تخليله اللحية حديث.
قوله: (وقيل: هو سنة عند أبي يوسف، جائز عندهما؛ لأن السنة
стр. 27
إكمال الفرض في محله، والداخل ليس بمحل له).
في تعليله نظر؛ لأن السنة لا يلزم أن تكون لإكمال الفرض في محله، كما في المضمضة، والاستنشاق، والسواك، والتسمية، وكم سنة منفصلة عن الفرض!.
قوله: (وتخليل الأصابع لقوله ﵊: "خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم").
رواه الدارقطني بمعناه وضعفه.
قوله: (وتكرار الغسل إلى الثلاث؛ لأن النبي ﷺ -توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به"، وتوضأ مرتين مرتين وقال: "هذا
стр. 28
وضوء من يضاعف له الأجر مرتين"، وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا. وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم").
стр. 29
ذكره السروجي في شرحه من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه إلى قوله: "ووضوء الأنبياء من قبلي". ثم قال أبو حاتم: عبد الرحيم متروك الحديث، وأبو [هـ] زيد العمي ضعيف، ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ .
وقال أبو زرعة: هو حديث واه ضعيف.
وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. ثم قال بعد ذلك بأسطر: وثبت في الصحيحين أنه ﵇ -قال: " [إن] أمتي يأتون غرًا محجلين من آثار الوضوء".
стр. 30
وقال أبو محمد الأصلي: هذا الحديث الثابت يدل على أن هذه الأمة مخصوصة بالوضوء من [بين] سائر الأمم؛ فلا يثبت أنه ﵇ -توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "وهذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي". وهو حديث لا يصح كما تقدم.
ثم قال بعد ذلك بأسطر: وحديث زيد العمي ليس فيه: "فقد تعدى وظلم". وحديث عمرو بن شعيب فيه: "فقد تعدى وظلم"، وليس
стр. 31
فيه "مرة مرة، ومرتين مرتين"، فالذي ذكره في الكتاب مركب من حديثين كما ترى. انتهى.
ولكن حديث عمرو بن شعيب فيه: "فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم"، هكذا في رواية أحمد، والنسائي، وابن ماجه، [وابن خزيمة].
وهو في رواية أبي داود: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء". وليس في رواية أحد ممن رواه: "أو نقص" غير أبي داود، وقد تكلم فيه مسلم وغيره.
стр. 32
ووضوء النبي ﷺ -مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا ومختلفًا بعضه مرتين وبعضه ثلاثًا كله ثابت في الصحيحن.
قوله: (والوعيد بعدم رؤيته سنة).
يعني قوله: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم".
وقد اختلف في تأويل قوله -صلى/ الله عليه وسلم -: "فقد تعدى وظلم"، على أقوال: هذا أحدها، وهو ضعيف؛ لأن من زاد على الثلاث متعدِّ وإن
стр. 33
الثلاث سنة، فإن الإتباع كما يكون في الفعل يكون في الترك، فالفعل سنة والترك سنة. وكما أن فعل المرة الثانية والثالثة سنة فترك الرابعة والخامسة سنة.
وكان الصحابة ﵃ -يحتجون بتركه، ويعتدون به كما يحتجون
стр. 34
بفعله ويعتدون به.
وما يذكره الأصحاب في كتب الفقه "أن الوضوء على الوضوء نور على نور" لم يذكر في كتب الحديث، وإنما روى عن ابن عمر ﵁ -أنه ﷺ -كان يقول: "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات". رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، والترمذي وضعفه هو وغيره؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف.
стр. 35
ولعله اشتبه عليهم بما روي أن رسول الله ﷺ -توضأ مرتين مرتين، وقال: "هو نور على نور" أخرجه رزين.
قوله: (ولنا أنه لا يقع قربة بدون النية، لكنه يقع مفتاحًا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر بخلاف التيمم؛ لأن التراب غير مطهر إلا في حال إرادة الصلاة، أو هو ينبئ عن القصد).
للمخالف أن يمنع هذا الاستدلال ويقول: الوضوء الشرعي هو الذي يثاب فاعله كما في قوله ﵇: "إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء"، وأمثال ذلك. والثواب لا يكون
стр. 36
إلا مع النية، فالوضوء لا يكون إلا مع النية.
فإن قلتم: الطهارة شرط من شروط الصلاة [أيضًا] فلا يشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة.
فالجواب: أن اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء.
وإن قلتم: النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد، وعامة المسلمين إنما يتوضؤون بالنية، والوضوء الخالي عن النية نادر.
فالجواب: أن هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعي الذي تصح به الصلاة، وما سواه لا يدخل في نصوص الشارع؛ لقوله ﷺ :
стр. 37
"لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، والوضوء لم يعرف إلا من جهة الشارع، وكل فعل لم يعلم إلا من جهة الشارع فهو عبادة، كالصلاة والصيام وغير ذلك.
ولأن غير الطهارة من الشروط يستوي فيها حال الابتداء والبقاء بخلاف الطهارة، ولهذا لو حلف لا يغتسل أو لا يتوضأ وقد اغتسل أو توضأ قبل ذلك فاستدام ذلك لم يحنث، ولو حلف لا يلبس، أو لا يستقبل القبلة وهو لابس، أو مستقبل القبلة فاستدام ذلك حنث.
فعلم أن هذا الشرط ليس كغيره من الشروط التي يراعى وجودها، لا وجودها قصدًا، بل يراعى وجوده قصدًا.
والفرق بين الحدث والخبث أن طهارة الخبث من باب التروك، فإن الواجب عدم النجاسة، فكيف مازالت حصل المقصود، وطهارة الحدث
стр. 38
من باب الأفعال والعبادات، وإضمار الثواب فقط. في قوله ﵊: "الأعمال بالنيات" ممنوع بل الحديث على ظاهره وعمومه، فإنه ﷺ -لم يرد بالنيات في هذا الحديث النية الصالحة وحدها، بل أراد النية المحمودة والمذمومة، ولهذا قال في تمامه: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وهذا ذكره تفصيلاً بعد إجمال، فعلم أن مقصوده جنس الأعمال لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة والصوم، ومقصوده ذكر جنس النية،
стр. 39
وهذا مما خصه الله به من جوامع الكلم. مع أن قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، إنما يفهم منه المخاطب غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة، كما يفهم من قوله: إذا واجهت الأمير فترجل، وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو، ونحو ذلك. فقد دل الكتاب والسنة على اشتراط النية.
قالوا: وأما/ قولكم: إنه يقع مفتاحًا للصلاة لوقوعه طهارة باستعمال المطهر فممنوع؛ لأن الوضوء طهارة شرعية لعدم النجاسة على الأعضاء حقيقة وحكمًا، أما حقيقة فظاهر، وأما حكمًا فلقوله ﵇: "إن المؤمن لا ينجس"، وليس المراد نفي الحقيقة.
وأنتم قلتم في الماء المستعمل: إن المنتقل إليه نجاسة الآثام، وإذا كان كذلك فنجاسة الآثام لا تزول بغير نية، فالماء حينئذ كالتراب، كلاهما طهور أي مطهر من الآثام، يؤيده قوله ﵇: "الطهور شطر الإيمان".
стр. 40
وسيأتي التنبيه على معنى الخلفية بين الماء والتراب في التيمم في بابه إن شاء الله تعالى.
قالوا: ولا ينفعكم التفريق بينهما يكون الماء مطهرًا بنفسه، والتراب ملوثًا؛ لأن المقصود الطهارة من الآثام، وهما في ذلك سواء، ألا ترى أن من أفعال الوضوء مسح الرأس، والمسح هو الإصابة، وهي غير مزيلة؟ فهذا الفرق صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة، فإنه مزيل لها بطبعه، وأما الحدث فإنه ليس رافعًا له بطبعه، إذ الحدث ليس جسمًا محسوسًا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة، وإنما يرفعه بالنية، فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فلا فرق حينئذ بينه وبين التراب.
فإن قلتم: لم يعلم الأعرابي النية، فلو كانت شرطًا لبينها له.
قلنا: ولم ينقل عنه أنه علمه النية في الصلاة، فما كان جوابكم هناك
следующие страницы →