Полный текст (2 128 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
والطهور بالفتح اسم لما يتطهر به، كما أن الوضوء والسحور، والوقود، والفطور، اسم لما يتوضأ به، ويتسحر به، ويوقد به، ويفطر عليه. وهو بالضم اسم للمصدر؛ ولهذا قال تعالى في موضع: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾، وفي موضع: ﴿ماءً ليطهركم به﴾.
وأما لفظ الطاهر فلا يدل على ما يتطهر به، وهذا هو الفرق عند أهل المعرفة بالعربية، لا كما يظنه طوائف من أهل العلم أن الطهور معدول عن
стр. 107
طاهر، كما يأتي فعول معدولًا عن فاعل، فيكون بمنزلته في التعدية واللزوم النَّحويَّيْن، فإن هذا قول من لم يحكم ما قاله من جهة العربية.
فلا يجوز أن يراد بالطهور الطاهر لفساد المعنى إذا حمل على ذلك. ولا يجوز أيضًا أن يكون طَهور تعدية لطاهر لفساد الاستعمال فتأمله!.
وبهذا يظهر رد ما قاله المصنف في تعليل قول مالك، والشافعي أن الماء الطهور ما يطهر غيره مرة بعد أخرى كالقطوع؛ فإن "قطوعًا" معدول عن "قاطع" للمبالغة في الوصف كالحَمول، والظَّلوم، والغفور، و"الكتوم"، والمنوع، وكالصبور، والشكور. وطهورًا هنا ليس من هذا الباب، بل من باب ما يستعمل فيه فعُول بضم الفاء لاسم المصدر، وبفتحها لما يحصل به الفعل كما تقدم تمثيله.
قوله: (وكذا يطهر لحمه، وهو الصحيح).
стр. 108
صحح جماعة من المشايخ عدم طهارة اللحم بالذكاة، وهو الصحيح؛ لأن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر عن القُدور التي كان فيها لحوم الحمر الأهلية: "أهريقوها، واكسروها". فقال رجل: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك". ولو كانت تطهر بالذكاة لم يحتج إلى غسل القدور.
قوله: (إذ الهاء في قوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ منصرف إليه لقربه).
إنما يعود الضمير إلى المذكور كله، وهو الميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فإن الأصل: قل لا أجد فيما أوحي إلي شيئًا محرمًا، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم قال: إلا كذا وكذا. فإن هذا المذكور كله رجس، وإعادة الضمير إلى بعض المذكور فيه نظر.
قوله: (لأن الذكاة تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات النجسة). فيه نظر!.
стр. 109
لأن الرطوبات لا تزول بالذكاة، وإنما يخرج بالذكاة الدم المسفوح، وليس المطهر للذكاة إخراج الدم المسفوح وحده، ولهذا لا تحل ذبيحة المجوسي، ويحل الصيد بالذكاة الاضطرارية وإن لم يخرج الدم المسفوح.
قوله: (إذ الموت زوال الحياة).
الموت أمر وجودي، قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة﴾، والعدم لا يكون مخلوقًا. وإنما يقول إن الموت زوال الحياة الفلاسفة ومن وافقهم. وقولهم باطل. والكلام معهم معروف في موضعه.
وقد اعتذر عن الشيخ هنا بأنه كنى عنه بلازمه؛ لأنه إذا وجد الموت زالت الحياة، ولكن العبارة السديدة: إن الموت ضد الحياة.
стр. 110
فصل في البئر
تقدم الكلام على حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وحسنه الترمذي، وصححه الإمام أحمد، وهو أحق ما بني عليه مسائل الآبار. ولم تثبت الآثار التي أشار إليها المصنف عند أهل الحديث.
стр. 111
قوله: (ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس). فيه نظر!.
لأنه إن كان مراده على خلاف القياس الفاسد، فالقياس الفاسد ساقط الاعتبار، لا يجوز العمل به، وكل الشرائع/ على خلافه. وإن أراد على خلاف القياس الصحيح، فالشريعة لا تأتي على خلافه قط. وما يظهر
стр. 112
مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم ولابد؛ إما أن يكون القياس فاسدًا، أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع.
فالشريعة لا ترد إلا على وفق القياس الصحيح، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين. فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس. وهو الميزان الذي جاءت به الرسل كما قال تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾.
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل
стр. 113
موجودة في الفرع من غير معارض يمنع حكمها. ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافع قط. وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فهذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه.
وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره، فلابد أن يختص ذلك الفرع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره. لكن الوصف الذي اختص به ذلك الفرع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر. وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد.
ومن رأى شيئًا من الشريعة أنه على خلاف القياس؛ فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.
стр. 114
والأصحاب يقولون: إنه ثابت بالاستحسان، وهو القياس الخفي. والقياس الصحيح منه جلي، ومنه خفي. والقياس الفاسد منه جلي، ومنه خفي.
فهذه الأحكام موافقة للقياس الصحيح الخفي؛ فلا يضرها كونها مخالفة للقياس الفاسد الجلي. فإطلاق مخالفتها للقياس فيه نظر؛ لأن ظاهرها أنها مخالفة للقياس الصحيح.
فمما يطلقون أنه على خلاف القياس مسائل الآبار، والماء الدائم الذي لا يجري وإن كثر. حتى حكي عن بشر المريسي أنه أتبع ما ظنه قياسًا وقال:
стр. 115
تطم البئر إذا وقعت فيها نجاسة وإن قلت. وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة ينجس، ثم ينجس به ما يليه، ثم ما يليه، وهلم جرًا. والنجس لا يزيل النجاسة.
قال بعض المخالفين: لم قلت: إن القياس يقتضي أن الماء ينجس إذا لاقى نجاسة؟ فإن قلت: الحكم في بعض الصور كذلك. قيل: هذا ممنوع عند من يقول إن الماء لا ينجس إلا بالتغير. فإن قلت: يقاس مالم يتغير على ما تغير بجامع وجود النجاسة فيه. قيل: هذا قياس فاسد. وليس جعل إزالة النجاسة به مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجس الماء مخالفًا للقياس.
بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس. فهذا القياس أصح من ذلك القياس، ولهذا لم يقل أحد من المسلمين بطرده؛ فإن طرده يوجب تنجس البحر. وبهذا يظهر فساد هذا القياس.
стр. 116
ولأن النجاسة تزول بالماء حسًا وشرعًا. وأما تنجس الماء بالملاقاة فمورد نزاع بين العلماء، فكيف يجعل موارد النزاع حجة على مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع. فإن قلت: القياس يقتضي أن الماء لا يزيل النجاسة لتنجسه بأول الملاقاة، والنجس لا يطهر غيره.
قلنا: النجاسة نجست المحل الذي أصابته باعتبار عينها، فيزول تنجيسها بزوال عينها. ولهذا كان الصحيح جواز إزالة النجاسة بسائر المائعات القالعة للنجاسة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأيضًا فالذي يقتضيه العقل أن الماء إذا لم يتغير بالنجاسة لا يتنجس؛ فإنه باق على أصل خلقته، وهو طيب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. وهذا هو القياس في المائعات جميعها والدليل على أنه طيب الحس والشرع. أما الحس فلأن الخبث لم يظهر فيه له أثر، ولا لون ولا طعم ولا ريح. ومحال صدق المشتق بدون المشتق منه.
стр. 117
وأما الشرع فلأنه كان قبل الملاقاة طيبًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه. وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة؛ استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا، وأكلًا، وملابسة. واستصحاب الحكم الثابت له وهو الطهارة. واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وأيضًا
стр. 118
فلو وقعت فيه قطرة من لبن امرأة، ولم ير لها أثر، فشرب منه صغير لم يتعلق به تحريم، فكذلك النجاسة.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، فكل ماء فالطهارة تجوز به إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والذين قالوا: إن الأصل تنجس الماء بالملاقاة لم يمكنهم طرد أصلهم. فمنهم من استثنى مقدار القلتين على اختلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر على اختلافهم فيه أيضًا، ومنهم من فرق بين الوارد عليه النجاسة والوارد على النجاسة.
стр. 119
وما ذكره صاحب الهداية من الآثار في الاكتفاء بنزح دلاء فغير ثابتة. وإن كان ما هو ثابت فيحمل على الاستحباب لا على الوجوب كما قال مالك رحمه الله تعالى. ولعله أخذ من قوله ﷺ في الفأرة التي سئل عنها أنها وقعت في سمن: "ألقوها وما حولها". فإن الصحيح أن ذلك لا يختص بالجامد، فقالوا: نخرج النجاسة الواقعة في البئر وما حولها. ولهذا اختلف العدد بحسب كبر جسد الحيوان الذي يموت في البئر وصغره. هذا على تقدير صحة تلك الآثار.
стр. 120
قوله: (وعند محمد يجوز شربه للتداوي وغيره؛ لطهارته عنده). يعني بول ما يؤكل لحمه. وقول محمد في طهارته يشهد له قصة العرنيين، ولا يجوز التداوي بشرب المحرم لقوله ﷺ : "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
والأصل عدم الخصوص.
ولا يعارضه قوله ﵇: "استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، وقوله: "أما أحدهما فكان لا يستتر من
стр. 121
البول".
فإن الأول ضعيف، والثاني الألف واللام للعهد لا للنجس فلا تعم، بدليل ما ورد في أكثر طرق الحديث: "فكان لا يستنزه من بوله". فيكون
стр. 122
التعريف بالألف واللام بدل هذه الإضافة.
والأصل أن يكون التعريف للعهد إذا كان ثم معهود، ولا يصار إلى الجنس إلا عند فقد العهد. هذا هو الصحيح. وهنا يترجح العهد بأن عذاب القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا نادرًا.
ولأن النبي ﷺ كان يصلي في مرابض الغنم، وأذن بالصلاة فيها من غير اشتراط حائل.
стр. 123
ولأنه لم يأمر العرنيين بغسل أفواههم وأوعيتهم منه مع حاجتهم إلى البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والقول بأنه منسوخ لا يثبت؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولابد من تأخر الناسخ، وعدم إمكان التوفيق بين النصين هذا على قول من يقول بالمعارضة بين العام والخاص.
وفي دعوى نسخ المثلة الواردة في قصة العرنيين كلام يأتي ذكره في السير والقصاص إن شاء الله تعالى. وقول من يقول: إن حديث العرنيين منسوخ كشطره فيه نظر على تقدير نسخ المثلة الواردة فيه.
فكيف ولم يثبت نسخها؟ فإن نسخ حكم من أحكام النص لا يوجب نسخ
стр. 124
بقيتها، وإن كان دل تقدمه على ناسخ ذلك الحكم، فلا يلزم تقدمه على النص الآخر.
قوله: (وإن وجدوا فيها فأرة أو غيرها، ولم يدروا متى وقعت ولم تنتفخ، ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها).
أما إعادة الصلاة فالنبي ﷺ لما خلع نعليه وهو/ في الصلاة وقال لأصحابه: إن جبريل أخبره أن بهما أذى لم يعد الصلاة.
ولما ألقى كفار قريش السلا على ظهره وهو ساجد ثم طرحته عنه فاطمة
стр. 125
-﵂ لم يستقبل الصلاة. وهذا مذهب ابن عمر، وعطاء، وابن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والنخعي، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، هكذا حكاه عنهم ابن المنذر واختاره.
وقال النووي: وهو قوي في الدليل، وهو المختار، وكان قد حكى قبل ذلك أن من صلى بنجاسة نسيها أو جهلها، أن الأصح من مذهب الشافعي وجوب الإعادة. وهو القول الجديد من قولي الشافعي. والقول القديم لا تجب الإعادة. وإذا كان مع التحقيق، فكيف مع التوهم؟.
ومالك يرى الإعادة في الوقت لا بعده. وأما تنجيس الماء من غير أن يتغير بالنجاسة فقد تقدم الكلام فيه.
стр. 126
فصل في الأسآر وغيرها
قوله: (وعرق كل شيء معتبر بسؤره لأنهما يتولدان من لحمه؛ فأخذ أحدهما حكم صاحبه).
السؤر: ما يبقيه الشارب في الإناء. ولا يتولد من اللحم إلا اللعاب الذي يحتمل أن يختلط منه شيء بالماء. ففي قوله: إن السؤر يتولد من اللحم نظر.
وفي كلامه نظر آخر؛ وهو أنه ينبغي أن يقول: سؤر كل شيء معتبر بلعابه لوجوه:
أحدها: أن هذا الفصل للسؤر، وهو إنما يعتبر باللعاب بحسب طهارته ونجاسته، فلا مناسبة لذكر العرق.
الثاني: أن حكمهما مأخوذ من غيرهما، وهو اللحم، فلا يؤخذ حكم أحدهما من صاحبه.
الثالث: أن حكم عرق البغل والحمار مخالف لسؤره كما يأتي في كلامه بعد ذلك فانتقض قياسه. وقد أجيب عن الوجه الثالث بأن الأصل
стр. 127
المساواة، ولكن خرج حكم عرق البغل والحمار بدليل.
قوله: (وسؤر الكلب نجس، ويغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا، لقوله ﵊: "يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا").
روى الدارقطني عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، من طريق عبد الوهاب بن الضحاك، في الكلب يلغ في الإناء أنه يغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا. قال النسائي: عبد الوهاب متروك.
فلا يعارض هذا الحديث الضعيف الحديث الصحيح المتفق على صحته في الأمر بالسبع. ولا يصلح أن يكون حجة على الشافعي في
стр. 128
اشتراط السبع.
فإن قيل: قد روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات"، وأبو هريرة هو راوي الحديث، ولا يظن به أنه خالف ما سمعه من رسول الله ﷺ إلا إلى مثله، فيكون منسوخًا.
فالجواب أن ذلك لم يثبت. وعلى تقدير ثبوته، فالنسخ لا يثبت بالاحتمال. ولأنه يمكن أن يكون فتواه قبل روايته، أو له عذر في مخالفته؛ إما أنه نسي، أو غفل، أو تأوله على أن الأمر بالسبع للاستحباب دون الإيجاب، أو غير ذلك، فلا يتعين النسخ.
وإذا أمكن أن تكون المخالفة عن رأي واجتهاد، وهو مأجور مغفور له،
стр. 129
فالعبرة حينئذ لما روى لا لما رأى. فإن ما رواه ثابت عن قائل معصوم، وما روي عنه غير ثابت عن قائل غير معصوم.
وقد أخذ الأصحاب في مواضع برواية من أفتى من الصحابة بخلاف (روايته)؛ كما في حديث أبي هريرة في البحر: "هو الطهور ماؤه".
وقد روى سعيد بن منصور في "سننه" عنه أنـ[ـه] قال: "ماءان لا يجزيان في غسل الجنابة؛ ماء البحر وماء الحمام".
стр. 130
وكما في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان"، وهي كانت تقول: "الأقراء هي الأطهار".
وكما روي عن/ ابن عباس أنه قال: ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق. وهو راوي: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعوه". فأخذ الأصحاب
стр. 131
بروايته في وقوع طلاق المكره مع أن روايه كان يقول: إن طلاق المكره غير واقع. ومثل هذا أخذ الأصحاب بحديث عائشة ﵂: "فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين". وقد صح أنها أتمت الصلاة في السفر، فلم يدعوا روايتها لرأيها. وكما في حديث عمر ﵁: "لا يقتص لولد من والده".
стр. 132
وقد قال: لأقتصن للولد من الوالد، فلم يأخذوا برأيه بل بروايته، وكان ينهى عن التمتع، وهو ممن روى أن النبي ﷺ تمتع، أي جمع بين
стр. 133
النسكين في سفرة واحدة، فلم يأخذوا برأيه بل بروايته.
وكما روي عن عائشة ﵂، أنها كانت تواظب على ركعتين بعد العصر، وهي قد روت نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر، فلم يأخذ أبو حنيفة ﵀ وأصحابه برأيها، بل بروايتها.
فما هذا بأول حديث خالفه راويه، وأخذ فيه بما روى دون ما رأى. ولا يلزم أن يكون الأمر بغسل الإناء للنجاسة؛ إذ لو كان للنجاسة لما احتيج إلى السبع؛ فإن لعابه لا يكون أنجس من العذرة، وبول الإنسان، ولا يشترط فيه السبع.
ولكن لما ورد الأمر بالغسل سبعًا وجب الامتثال وإن لم يعقل معناه، كما في أمر الجنب بالاغتسال والتطهر.
стр. 134
وبه قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، وداود الظاهري، ومن وافقهما. قالوا: قد أبيح اتخاذ الكلب للصيد، والماشية، والزرع أيضًا، فصار من الطوافين علينا.
وقد نبه ﵇ على سقوط اعتبار النجاسة بعلة الطواف في الهرة. ويحتمل أن يكون الأمر بالسبع لخوف أذاه؛ إذ قد يكون منه داء الكلب، فكان العدد للاستشفاء كما في حديث: "من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر"، وحديث "هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل
стр. 135
أو كيتهن".
وحديث الدعاء للمريض سبع مرات: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك". والرقية بالسبع المثاني.
وفي تقسيم الأسآر إلى نجس، ومكروه، ومشكوك فيه من غير نص نظر. والأصل بقاء وصف الطهورية إلا أن يعلم قيام النجاسة بالماء لم تستحل إلى طبعه بعدكما تقدم التنبيه عليه في أوائل الباب.
قوله: (ولأن ما يصيبه بوله يطهر بالثلاث).
стр. 136
فيه نظر، لأن عند الشافعي رحمه الله تعالى، بوله ودمه وسائر ما هو نجس منه لا يطهر إلا بالغسل سبعًا، كذا في "الوسيط"، و"التهذيب"، ولا اعتبار باشتراط الثلاث في إزالة النجاسة عندهم، بل الشرط زوالها ولو مرة واحدة.
قوله: (ولهما قوله ﵊: "الهرة سبع").
يعني لأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وهذا الحديث أخرجه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح. والحاكم معروف تساهله. وإنما هو حديث ضعفه غير واحد من أهل الحديث.
стр. 137
قوله: (وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته).
النص الوارد في تحريم لحوم الحمر الأهلية صحيح ثابت لم يعارضه شيء. وما يروى عن غالب بن أبجر أنه قال: لم يبق من مالي إلا حميرات، فقال رسول الله ﷺ : "كل من سمين مالك" رواه أبو داود،
стр. 138
وعثمان الدارمي في الأطعمة.
ولا يعرج على مثله؛ فإنه غير صحيح.
وفي بعض طرقه أنه كان في عام مجاعة، وقد يحل في الضرورة الميتة؛ فلا يصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم لحوم الحمر الأهلية.
قوله: (قلنا ليلة الجن كانت غير واحدة، فلا يصح دعوى النسخ، والحديث مشهور ...) إلى آخره.
حديث الوضوء بنبيذ التمر لم يثبت، فضلًا عن أن يكون مرات متعددة.
стр. 139
بل قد ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ ، ووددت/ أني كنت معه). وإنما كانت
стр. 140
ليلة الجن بمكة مرة واحدة.
قال السروجي: [وقوله] قلنا ليلة الجن كانت غير واحدة موهم أنها كانت بالمدينة أيضًا، ولم ينقل ذلك في كتب الحديث فيما علمته. وقوله: الحديث مشهور عملت به الصحابة، فيه نظر؛ لأن المشهور عندنا ما تلقته الأمة بالقبول، وعملت به.
ثم قال: وهذا الحديث إن عمل به واحد أو اثنان من الصحابة، لم يعمل به الباقون، فكيف يكون مشهورًا. انتهى.
ومسألة نبيذ التمر من فروع مسألة: "الماء إذا خالطه شيء طاهر فغير بعض أوصافه". وقد ذكرها المصنف في أول الباب. وقد قال هناك: إن الغلبة تعتبر بالأجزاء هو الصحيح.
стр. 141
فمقتضى تصحيحه أن يترجح في مسألة نبيذ التمر قول (أبي يوسف)، ولا يحتاج إلى تصحيح الحديث. ولكن قد تقدم أنه لابد من تقييد كلامه بأنه: مادام اسم الماء وطبعه باقيان عليه. وفي أثناء كلامه يقول: ولنا أن اسم الماء باق عليه، ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة. وهذا قد تجدد له اسم؛ فإنه يقال له: "نبيذ التمر" فلا يتوضأ به كما أنه لا يتوضأ بغيره من الأنبذة، بل يتيمم. وروى نوح بن [أبي] مريم عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف،
стр. 142
وهو الأصح. وذكر أبو بكر الرازي أن قول أبي يوسف هو آخر أقوال أبي حنيفة في المسألة.
فعلى هذا، ما ينبغي الانتصار لقول ضعيف الدليل [مرجوع عنه].
***
стр. 143
باب التيمم
قوله: (والميل هو المختار في المقدار).
اختلفت عبارات الأصحاب في المقدار. وينبغي أن يكون المختار خوف الضرر بغالب الظن، ولا يتقدر بمساحة؛ لأن الضرر مدفوع شرعًا.
وليس في التقدير بالميل نص شرعي، وإنما هو مأخوذ من الحرج، فيدار
стр. 144
الحكم على خوفه بغالب الظن، كما في المرض المبيح للتيمم، لا على قدر معين من المسافة لتفاوتها باعتبار الزمان والمكان والحال.
مع أن مقدار الميل في كلام العرب مختلف فيه: فقيل ثلاثة آلاف ذراع. وقيل: أربعة آلاف. وقال في "المغرب": الميل في كلام العرب مقدار مد البصر من الأرض. ونحوه في الصحاح. وكأن الاختلاف في ذرعه بحسب حدة البصر وضعفه. فينبغي أن يفوض إلى رأي المبتلى به لا إلى غيره.
قوله: (لقوله ﵊: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين").
رواه الدارقطني، والحاكم في "المستدرك" وقال: لا أعلم أحدًا أسنده
стр. 145
عن عبد الله بن عمر غير علي بن ظبيان، وهو صدوق. وتساهل الحاكم معروف. وقد طعن فيه غير واحد من أهل الحديث.
وقال ابن قدامة في "المغني": قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعاف جدًا، ولم يرو منها أهل السنن إلا حديث ابن عمر. قال أحمد: ليس بصحيح عن النبي ﷺ ، إنما هو عن ابن عمر، وهو عندكم حديث منكر.
следующие страницы →