Полный текст (2 128 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فمقتضى تصحيحه أن يترجح في مسألة نبيذ التمر قول (أبي يوسف)، ولا يحتاج إلى تصحيح الحديث. ولكن قد تقدم أنه لابد من تقييد كلامه بأنه: مادام اسم الماء وطبعه باقيان عليه. وفي أثناء كلامه يقول: ولنا أن اسم الماء باق عليه، ألا ترى أنه لم يتجدد له اسم على حدة. وهذا قد تجدد له اسم؛ فإنه يقال له: "نبيذ التمر" فلا يتوضأ به كما أنه لا يتوضأ بغيره من الأنبذة، بل يتيمم. وروى نوح بن [أبي] مريم عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف،
стр. 142
وهو الأصح. وذكر أبو بكر الرازي أن قول أبي يوسف هو آخر أقوال أبي حنيفة في المسألة.
فعلى هذا، ما ينبغي الانتصار لقول ضعيف الدليل [مرجوع عنه].
***
стр. 143
باب التيمم
قوله: (والميل هو المختار في المقدار).
اختلفت عبارات الأصحاب في المقدار. وينبغي أن يكون المختار خوف الضرر بغالب الظن، ولا يتقدر بمساحة؛ لأن الضرر مدفوع شرعًا.
وليس في التقدير بالميل نص شرعي، وإنما هو مأخوذ من الحرج، فيدار
стр. 144
الحكم على خوفه بغالب الظن، كما في المرض المبيح للتيمم، لا على قدر معين من المسافة لتفاوتها باعتبار الزمان والمكان والحال.
مع أن مقدار الميل في كلام العرب مختلف فيه: فقيل ثلاثة آلاف ذراع. وقيل: أربعة آلاف. وقال في "المغرب": الميل في كلام العرب مقدار مد البصر من الأرض. ونحوه في الصحاح. وكأن الاختلاف في ذرعه بحسب حدة البصر وضعفه. فينبغي أن يفوض إلى رأي المبتلى به لا إلى غيره.
قوله: (لقوله ﵊: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين").
رواه الدارقطني، والحاكم في "المستدرك" وقال: لا أعلم أحدًا أسنده
стр. 145
عن عبد الله بن عمر غير علي بن ظبيان، وهو صدوق. وتساهل الحاكم معروف. وقد طعن فيه غير واحد من أهل الحديث.
وقال ابن قدامة في "المغني": قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعاف جدًا، ولم يرو منها أهل السنن إلا حديث ابن عمر. قال أحمد: ليس بصحيح عن النبي ﷺ ، إنما هو عن ابن عمر، وهو عندكم حديث منكر.
стр. 146
وقال الخطابي: يرويه محمد بن ثابت وهو ضعيف، انتهى.
وقال ابن المنذر في صفة التيمم: وفيه قول رابع، وهو أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، هذا قول عطاء، ومكحول، والشعبي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وبهذا نقول. الثابت عن رسول الله ﷺ أن التيمم ضربة للوجه والكفين. انتهى.
وحكاه في "المغني" عنهم، وعن علي، وعمار، وابن عباس،
стр. 147
ومالك، ثم قال: ولنا ما روى عمار ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "إنما يكفيك أن تقول بيدك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجه" متفق عليه. انتهى.
ومقتضى/ قول الأصحاب في مسح الرأس أن المفروض فيه مقدار الناصية أن يكون المفروض في التيمم هو المسح إلى الرسغ، والاكتفاء بضربة؛ لأنه قد ورد عنه ﷺ هذا، وورد عنه المسح إلى المرفقين بضربتين على تقدير صحته. فيكون المفروض المسح إلى الرسغ بضربة، والزائد سنة.
كما قالوا: إن المفروض في مسح الرأس الناصية ومسح الباقي سنة؛ لأنه فعل هذا وهذا، فكان الأقل هو المفروض والزائد سنة، إذ المذكور في
стр. 148
الموضعين لفظ المسح وحرف الباء. وكيف يكون المسح إلى المرفقين في التيمم فرضًا وهو لم يثبت؟.
ومقدار الناصية هو المفروض في مسح الرأس بحديث المغيرة، وفيه: "وكمل على العمامة"؟ ومسح كل الرأس ثابت.
وقد روى الترمذي عن ابن عباس ﵄، أنه سئل عن التيمم فقال: "إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء: ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾. وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾،
стр. 149
وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، وكانت السنة في السرقة قطع الكفين، إنما هو في الوجه والكفين، يعني التيمم.
قوله: (ولابد من الاستيعاب [في] ظاهر الرواية لقيامه مقام الوضوء).
في تعليله نظر؛ فإن المسح على الخفين قائم مقام غسل القدمين ولم يجب فيه الاستيعاب؛ والبدل يأخذ حكم المبدل لا وصفه، وليس الاستيعاب؛ لأن الباء صلة، أي زائدة كما يقوله كثير من الأصحاب وغيرهم. وهو
стр. 150
مذهب نحاة الكوفة.
بل الباء في مسح الرأس في الوضوء، وفي مسح الوجه واليدين في التيمم على بابها للإلصاق، وهي لا تقتضي التبعيض. وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
قوله: (لما روي أن قومًا جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال، ولا نجد الماء شهرًا أو شهرين، وفينا الجنب والحائض، والنفساء. فقال ﵊: "عليكم بأرضكم"). هذا الحديث ضعفه ابن الجوزي وغيره.
قوله: (ثم لا يشترط أن يكون عليه غبار عند أبي حنيفة ﵀ لإطلاق ما تلونا).
стр. 151
فيه نظر! بل قد دلت الآية على اشتراط التصاق شيء من الصعيد بالوجه واليد، كما دلت على اشتراط التصاق شيء من الماء بالرأس في مسحه في الوضوء. وذلك مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما؛ لأن الباء للإلصاق، وهي لا تدخل إلا لفائدة، فإذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه أو بغيرها أفادت قدرًا زائدًا، كما في قوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾، فإنه لو قيل: يشرب منها لم يدل على الري، فضُمِّن "يشرب"
стр. 152
معنى "يروي"، فعدي بالباء فقيل: يشرب بها، فأفاد ذلك أنه شُربٌ يحصل معه الري.
وباب تضمين الفعل معنى فعل آخر حتى يتعدى تعديته كثير، كما ضمن قوله تعالى: ﴿لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ معنى الضم المعدَّى بـ "إلى" فعدي بها. وقوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ معنى خلصناه. وقوله: ﴿واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ معنى يصرفوك عن بعض ما أنزل الله إليك.
وأمثال ذلك كثير في القرآن. وهو يغني عند البصريين من النحاة عما يتكلفوه الكوفيون من دعوى الاشتراك في الحروف.
فالمسح في الوضوء والتيمم ضُمِّن معنى الإلصاق، فعدي بالباء، فأفاد
стр. 153
معنى: ألصقوا برؤوسكم ووجوهكم شيئًا بهذا المسح. والمفعول- وهو شيء أو نحوه- محذوف لأنه فضلة يسوغ حذفه إذا دل عليه دليل.
ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. فإن "مِنْ" ههنا للتبعيض لا للغاية. أي ألصقوا بوجوهكم وأيديكم بعضه.
قال الزمخشري في «الكشاف»: فإن قلت: قولهم: إنها لابتداء الغاية قول متعسَّف، ولا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن، ومن/ الماء، ومن التراب إلا معنى التبعيض.
قلت: هو كما يقول، والإذعان للحق خير من المراء. انتهى.
قوله: (والماء طهور بنفسه على ما مر).
إن أراد أنه مطهر من النجاسة العينية فمسلم، وليس الكلام فيها، وإن أراد أنه طهور من النجاسة المعنوية وهي نجاسة الآثام فتلك متوقفة على النية،
стр. 154
فاستوى الماء والتراب بهذا الاعتبار، ولكن قدم الماء عليه لما فيه من زيادة وصف الوضاءة. وبه تقع طهارة الأشياء من الأدناس والأقذار، وصير إلى التراب عند فقد الماء لمناسبة بينهما؛ وهو أن كليهما أصل الآدميين وأقواتهم.
ووصف الوضاءة يخلفه وصف ذل العبودية بتعفير الوجه واليدين في التراب امتثالًا لأمر الرب تعالى، ولم يكن في القدمين لمباشرتهما التراب كل وقت في المشي، ولا في الرأس لأنه لا يباشر التراب إلا عند المصائب والنوائب.
стр. 155
وأيضًا فإن التيمم جعل في العضوين المغسولين، وسقط عن العضوين الممسوحين؛ فإن الرجلين تمسحان في الخف، فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو. والمقصود أن التراب شقيق الماء كلاهما سواء في إزالة النجاسة المطلوب إزالتها بكل منهما؛ إذ ليس على العضو نجاسة عينية يزيلها الماء بطبعه حتى يستغنى عن النية في إزالتها.
قوله: (والنائم عند أبي حنيفة ﵀ قادر تقديرًا).
فيه نظر، فإن معنى قوله: "تقديرًا"، أي يجعل قادرًا حكمًا وإن لم يكن قادرًا حقيقة، والحكم لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولم يوجد، ولا قدرة بدون العلم، ولا علم للنائم ولا شعور. وفي "فتاوى قاضي خان": وقيل: ينبغي ألا ينتقض عند الكل؛ لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم به يجوز تيممه عند الكل. انتهى.
стр. 156
قوله: (ليقع الأداء بأكمل الطهارتين، فصار كالطامع في الجماعة).
فيه نظر؛ لأن الصلاة بالتيمم حال فقد الماء كالصلاة بالوضوء حالة القدرة عليه، فكان تحصيل فضيلة أول الوقت أولى لأنها تفوت لا إلى خلف. أما الصلاة في الجماعة فإنها أفضل من صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة، فإذا فاتت فضيلة أول الوقت فاتت إلى خلف، وهو تحصيل فضل الجماعة، وهي فوق فضيلة أول الوقت.
***
стр. 157
باب المسح على الخفين
قوله: لكن من رآه ثم لم يمسح آخذًا بالعزيمة كان مأجورًا).
فيه نظر؛ لقوله ﵇: "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" رواه أحمد، وابن خزيمة، والحاكم في صحيحه. ولهذا قال الإمام أحمد بتفضيل المسح.
وفي الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس
стр. 158
منه". وقال ﷺ : "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة".
وليس أفضل الأعمال أعظمها مشقة، بل ما كان لله أطوع ولصاحبه أنفع. ولم يكن ﷺ يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما ولم ينزع الخف، وإن كانتا مكشوفتين غسلهما ولم يلبس الخف للمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة "الأفضل من المسح والغسل".
قوله: (لأنه معدول عن القياس، فيراعي جميع ما ورد به الشرع).
في كلامه المؤاخذة التي تقدم التنبيه عليها، وهي أن الشريعة لا تأتي على خلاف القياس الصحيح.
стр. 159
فالعبارة السديدة أن يقال: لأنه عرف من جهة الشرع فيراعى فيه جميع ما ورد به الشرع؛ فإن المراد أنه أمر تعبدي قد لا يدرك العقل معناه، لا أن العقل يدرك خلافه. فإن الشرع قد يأتي بما يحار فيه العقل، ولا يأتي قط بما يحيله العقل.
وقوله: "معدول عن القياس" يوهم أن العقل يحيله والقياس الصحيح يأباه ولكن الشرع ورد به. وهذه العبارة فيها فساد وإن كانت متداولة على ألسنة كثير من الفقهاء، لكن من يطلقها منهم لا يتنبه للازمها.
قوله: (فإنه يقول: البدل لا يكون له بدل).
هذا تعليل لا يرتضيه الشافعي؛ فإن البدل قد يكون له بدل، كما في كفارة الظهار، فإن الصوم بدل عن التحرير، والإطعام بدل عن الصوم، وغير ذلك.
стр. 160
وإنما يقول: إن المسح على خف بدل عن غسل/ القدم، ولو جاز المسح على الجرموق فوق الخف من غير نص شرعي لكان في ذلك نصب بدل عن البدل الشرعي بغير دليل. فحينئذ ساغ أن يقال في جوابه: إنه كخف ذي طاقين، وليس ببدل عن الخف.
قوله: (ولا يجوز المسح على العمامة).
قال ابن المنذر في "الإشراف": وثبت أن رسول أن رسول الله ﷺ مسح على "العمامة، وبه نقول.
واختلفوا في المسح على العمامة، فممن مسح على العمامة أبو بكر الصديق، وبه قال عمر بن الخطاب، ......................
стр. 161
وأنس، وأبو أمامة، وروي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والحسن البصري، وقتادة، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. انتهى.
وحديث المسح على العمامة رواه مسلم من حديث المغيره بن شعبة، وقد تقدم، ومن حديث بلال. والبخاري من حديث عمرو بن أمية الضمري، وأحمد من حديث .............................
стр. 162
بلال، والمغيرة، وثوبان، وسلمان، وعمرو بن أمية الضمري.
ولما كان المسح على الخفين أشهر من المسح على العمامة حصل الخلاف في المسح عليها دونهما، ولكن لا عذر لمن بلغه الحديث الصحيح فيه. وحكى ابن المنذر عن أنس أنه مسح على قلنسوته، وقال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا قال به.
стр. 163
وحكى أيضًا عن أم سلمة أنها كانت تمسح على الخمار. ولم يثبت في غير الخفين والعمامة حديث مرفوع.
قوله: (ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء؛ لأنه ﵊ فعل ذلك وأمر عليًا به).
روى الدارقطني عن ابن عمر أنه ﵇: "مسح على الجبائر".
قال البيهقي: لا يثبت عنه ﵇ في مسح الجبائر شيء، وإنما هو عن
стр. 164
ابن عمر من فعله صحيح.
وروى ابن ماجه عن زيد بن علي عن أبيه عن جده علي قال: كسرت إحدى زندي يوم أحد، "فأمرني النبي ﷺ أن أمسح على الجبائر". قال النووي: اتفقوا على ضعفه. انتهى.
ولكن صح عن ابن عمر ولم يعرف له مخالف من الصحابة. وهو أولى بشرع المسح من الخفين؛ لأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف.
стр. 165
باب الحيض والاستحاضة
قوله: (أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك فهو استحاضة؛ لقوله ﵊: "أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاثة أيام ولياليها، وأكثره عشرة أيام". وهو حجة على الشافعي في التقدير بيوم وليلة).
لا يكون الحديث حجة إلا بعد ثبوته. ولو تناظر فقيهان [في مسألة]، لا تقوم الحجة على المناظر إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادًا تقوم به الحجة، أو يصححه من يرجع إليه في ذلك. أما إذل لم يعلم إسناده، ولا يثبته أئمة النقل فمن أين يعلم صحته؟ وكيف يكون حجة على المناظر. ولم يثبت في تقدير
стр. 166
أقل الحيض ولا أكثره، ولا أقل الطهر حديث عن رسول الله ﷺ ؟.
وإنما احتج الطحاوي في تحديد أقل الحيض وأكثره بالثلاثة والعشرة بحديث أم سلمة، إذ سألت النبي ﷺ عن المرأة التي كانت تهراق الدم فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، ثم تغتسل وتصلي".
قال: فأجابها بذكر عدد الأيام والليالي من غير مسألة لها عن مقدار حيضها قبل ذلك، وأكثر ما يتناوله "أيام" عشرة، وأقله ثلاثة. انتهى.
стр. 167
قالوا: لا حجة في ذلك؛ لأن الكلام خرج مخرج الغالب، فلا يلزم أن كل امرأة لا يكون حيضها إلا أيامًا.
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر﴾. ولو أفطر المريض [أو المسافر] يومًا لكان عليه قضاؤه بهذا النص.
وما ذكره المصنف رواه الدارقطني وضعفه. وقد صرح بعض أهل الحديث بأن جميع ما روي في ذلك موضوع. وعلي ﵁ قد جوز أن تحيض المرأة في شهر ثلاث حيض.
стр. 168
وقد أخذ به أحمد، ومالك وغيرهما.
وقالوا: إن الله تعالى قال: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذًى فاعتزلوا .. النساء في/ المحيض﴾ الآية. وقال: ﴿واللائي يئسن من المحيض ...﴾ الآية.
стр. 169
وهذا يبين أن المحيض هو الحيض، وهو سبحانه ذكر المحيض معرفًا باللام، فدل على أنه معروف عند المخاطبين، وأنهم يعرفون المحيض ويميزون بينه وبين ما ليس بمحيض. وهو لم يحده الشرع بحد [لا] لأقله ولا لأكثره، ولا للطهر بين الحيضتين.
ومما يبين ذلك قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح للمستحاضة: "دم الحيض أسود يعرف"، فبين أن دم الحيض معروف من غيره كما يعرف المني من المذي والبول.
وجاء في حديث آخر: "إن المستحاضة تجلس قدر ما كانت تحبسها حيضها". وفي آخر: "جعل المتحيرة تجلس غالب الحيض ستًا، أو
стр. 170
سبعًا".
والتفريع على هذا الأصل معروف عند القائلين به.
стр. 171
قال أبو عمر بن عبد البر: قال أحمد بن المعذل: واختلف قول أصحابه- يعني أبا حنيفة- في [عدد] الحيض وانقطاعه وعودته اختلافًا يدلك على أنه لم يأخذوه على أثر قوي، ولا إجماع.
قال: واختلف أيضًا قول مالك وأصحابه في عدد من عدد الحيض رجع فيها من قول إلى قول، وثبت هو وأهل بلده على أصل قولهم في الحيض أنه خمس عشرة.
قال: وإنما ذكرت لم اختلاف أمر الحيض واختلاطه على العلماء ليعلم أنه أمر أخذ أكثره بالاجتهاد؛ فلا يكون عندك سنة قول أحد من المختلفين فيضيق على الناس اختلافهم.
[قوله: (لقوله ﵊: "فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب").
стр. 172
وقوله: (لقوله ﵊: "لا تقرأ الحائض والجنب شيئًا من القرآن"). وقوله: (لقوله ﵊: "لا يمس القرآن إلا طاهر").
стр. 173
الأحاديث الثلاثة خرجها أهل السنن وضعفها أهل الحديث.
وقد روى مسلم وغيره عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ناوليني الخمرة من المسجد"، فقلت: إني حائض، فقال: "حيضتك ليست في يدك".
وروى سعيد بن منصور في "سننه"، عن جابر ﵁ قال: (كان أحدنا يمر في المسجد جنبًا مجتازًا). ولهذا قال الشافعي وغيره: يجوز
стр. 174
المرور في المسجد للحائض والجنب دون اللبث فيه.
وقد روى الترمذي عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم نكن جنبًا"، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 175
ولهذا قال مالك ﵀: تقرأ الحائض القرآن إذا خافت النسيان، أو كان الإقراء حرفًا حرفًا.
وفي "الصحيحين" في حديث هرقل: "أن النبي ﷺ كتب إليه:
стр. 176
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم"، وفيه: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشْهدوا بأنا مسلمون﴾.
ولكن قوله ﷺ : "لا يمس القرآن إلا طاهر" هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، وهو كتاب مشهور عند أهل العلم، تلقوه بالقبول والعمل، وإن كان سنده ضعيفًا].
قوله: (وإن انقطع لعشرة أيام حلَّ وطؤها قبل الغسل؛ لأن الحيض لا
стр. 177
مزيد له على العشرة، إلا أنه لا يستحب قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد).
في كلامه نظر؛ فإن قوله: "لا يستحب" بعد قوله: "حل وطؤها" مشكل. فإن نفي الاستحباب لا يزيد على معنى الجواز. فكأنه قال: حل وطؤها قبل الغسل، إلا أنه يحل وطؤها قبل الغسل. ولو قال: إلا أنه يستحب أن يؤخر الوطء إلى بعد الاغتسال لكان أظهر.
ومسألة "وطء الحائض إذا طهرت ولم تغتسل" الخلاف فيها معروف، والمنع منه قول زفر والأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: إنه كالإجماع. انتهى.
ودلالة القرآن على المنع أقوى؛ فإن قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾. قال مجاهد: ﴿حتى يطهرن﴾ حتى ينقطع الدم، ﴿فإذا تطهرن﴾ اغتسلن بالماء. وقد ذكر الله تعالى غاية وشرطًا؛ فإن قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ غاية التحريم الحاصل بالحيض، وهو تحريم لا
стр. 178
يزول بالاغتسال ولا غيره، فهذا التحريم يزول بانقطاع الدم، ثم يبقى الوطء جائزًا بعد ذلك بشرط الاغتسال، لا يبقى محرمًا على الإطلاق.
وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾. فقوله: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾ غاية للتحريم الحاصل بالثلاث، فإذا نكحت زوجًا غيره زال ذلك التحريم، لكن صارت في عصمة الثاني، فحرمت لأجل حقه، لا لأجل الطلاق الثالث، فإذا طلقها جاز للأول أن يتزوجها.
وكقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فمن بلغ النكاح من اليتامى جاز الدفع إليه بشرط إيناس الرشد منه، فالمنع من دفع المال إليه لأجل صغره ويتمه زال بالبلوغ، وبقي المنع للسفه، وبهذا حصل الجواب عن قولهم: إن قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن﴾ إباحة ثانية وابتداء كلام، وعن غيره.
стр. 179
قوله: (وإذا عرف حكم الصلاة عرف حكم الصوم والوطء بنتيجة الإجماع).
يعني في حق المستحاضة. أي أجمع المسلمون على وجوب الصلاة عليها، ويلزم منه وجوب الصوم وحل الوطء؛ لأنه جعل الدم عدمًا في حق الصلاة مع أنها تنافيها فيجعل عدمًا في حقهما.
وفيه نظر/ في حق الوطء. فإن جواز وطء المستحاضة فيه خلاف.
قال ابن المنذر: عن عائشة ﵂ أنها قالت: "المستحاضة لا يأتيها زوجها"، وبه قال النخعي، والحكم. وكره ذلك ابن سيرين. وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يخاف العنت في رواية. فلم يجمعوا على التسوية بين الصلاة والصوم. وبين الوطء، فلا يصح الاستدلال بنتيجة الإجماع.
стр. 180
ولا يلزم من عدم اعتباره في حق الصلاة والصوم عدم اعتباره في حق الوطء؛ لأن شرط الطهارة عن الحيض في حق الصلاة والصوم عرف بالشرع. أما وطء الحائض فأمر يدرك العقل قبحه.
فالمخالف يقول: المستحاضة في حق الوطء بمنزلة الحائض، لأن الوطء في كل منهما في محل الأذى. وإن كان الصحيح قول جمهور العلماء بجواز قربانها؛ فإن من منع من قربانها لأن دم الاستحاضة أذىً كدم الحيض، يرد عليه من بها سلس البول.
ويفرق بينه وبين دم الحيض بأنه ليس من الرحم كدم الحيض، وإنما هو دم عرق خارج الرحم، كما أن مجرى البول خارج الرحم، فلم يكن وطء
следующие страницы →