← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويأمر وينهى. وأما قوله عن حديث سليك: إنه خبر واحد؛ فقد تقدم أنه حديث ثابت صحيح تلقته الأمة بالقبول، وعمل به من بلغه. وأما حمله على أنه كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، فنسخ الكلام لا يلزم منه نسخه في الخطبة، وإنما يحرم الكلام على المستمع للخطبة لأجل الاستماع لها، وأما على الخطيب فلا. فقد كان ﷺ يقطع الخطبة لحاجة تعرض له، أو لسؤال أحد من الصحابة ثم يعود إلى الخطبة.

стр. 247

وربما نزل لحاجة ثم عاد فأتم الخطبة، كما نزل لأخذ الحسن والحسين فأخذهم ثم رقى المنبر فأتم الخطبة. وكان يقول: "يا فلان اجلس، يا فلان صل". ولم يرد لهذا ناسخ. وأما قوله: إنه لما خاطب سليكًا سقط عنه فرض الاستماع؛ لأنه خطبة في حال تكليمه إياه. فالجواب أنه إنما كلمة قبل صلاته، ولم يكلمه في حال الصلاة.

стр. 248

بل كان النبي ﷺ يخطب في حال صلاة الرجل كما في السنن من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الترمذي، ولفظه: "أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة والنبي ﷺ يخطب فأمره فصلى ركعتين والنبي ﷺ يخطب". وقوله: إن هذا أقوى دليل في الباب. تبين ضعف الكل؛ لأنه إذا كان هذا الأقوى واهيًا فكيف بغيره؟!. وأما قوله: إن سلكًا كان ذا بذاذة فأراد أن يقيمه لترى حاله، فلو كان هذا المعنى هو المراد لم يأمره بفعل ما لا يجوز.

стр. 249

باب الأذان قوله: (وما رواه كان تعليمًا فظنه ترجيعًا). ولا يظن بأبي محذورة الغلط، ولو كان على وجه الغلط لبين له، ولما كان الصحابة ﵃ يسمعونه ويقرونه على الغلط، بل ذلك يؤدي إلى تغليط كل من سمعه من الصحابة. وأيضًا ففي بعض طرق حديث أبي مح ذورة في الصحيح قال: "تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن

стр. 250

لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ... إلى آخره". فهذا يدل على أنه فعله بأمر رسول الله ﷺ له به. فانتفى أن يكون فعله ذلك بظنه. ولا يؤخذ بأذن بلال وإقامة أبي محذورة على وجه الإهمال لغيرهما، بل على وجه أن كلًا سنة، يفعل هذا في مكان وهذا في مكان، أو هذا تارة وهذا تارة. ومن رجحهما على وجه الإهمال لغيرهما، أو رجح أذان أبي محذورة وإقامة بلال على وجه الإهمال لغيرهما فهو مشكل.

стр. 251

قوله: (ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين؛ لأن بلالًا ﵁ قال: الصلاة خير من النوم، حين وجد النبي ﷺ راقدًا؛ فقال ﵊: "وما أحسن هذا يا بلال، اجعله في أذانك"). عن سعيد بن المسيب عن بلال ﵁، أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه لصلاة الفجر، فقيل: هو نائم؛ فقال: "الصلاة خير من النوم- مرتين"، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وليس فيه: ما أحسن هذا يا بلال!.

стр. 252

وفي حديث أبي محذورة قال: قلت يا رسول الله! علمني سنة الأذان، فمسح مقدم رأسه وعلمه، وقال: "فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، [الصلاة خير من النوم]، الله أكبر، الله أكبر، [لا إله إلا الله] "، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وأبو حاتم. قوله: (والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، مرتين. هكذا فعل الملك النازل من السماء، وهو المشهور). فيه نظر، فقد روى الإمام أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحة حديث عبد الله بن زيد الذي فيه قصة المنام الذي رأى فيه الملك النازل من/ السماء، وفيه أنه أفرد الإقامة. وصححه الترمذي،

стр. 253

وذكر أنه سأل عنه البخاري فقال: هو عندي صحيح. انتهى. وإنما روى أن الإقامة مثنى في حديث المنام الدارقطني، وأبو داود من طريق فيه كلام. وفي "الصحيحين" وغيرهما: "أن بلالًا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" ............................

стр. 254

وإنما يروى بشفع الإقامة عن أبي محذورة. وعنه في رواية: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة". وقال بكير بن عبد الله بن الأشج: (أدركت أهل المدينة في الأذان مثنى مثنى، وفي الإقامة مرة). وبكير من كبار التابعين، وهو يخبر بهذا عن الصحابة والتابعين في دار الهجرة. وكان

стр. 255

يقام للخلفاء الأربعة مرة مرة. وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأنس ﵃. ومذهب الفقهاء السبعة وأكثر العلماء بعدهم، منهم الأئمة الثلاثة، ولم ينقل اختيار تثنية الإقامة إلا عن الثوري، وأبي حنيفة،

стр. 256

وابن المبارك، كذا ذكره الحاكم. فظهر أن المشهور إنما هو إفراد الإقامة، خلاف ما ادعاه صاحب الهداية. قوله: (لقوله ﵊: "إذا أذنت فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر").

стр. 257

هذا حديث ضعيف. قال الترمذي: وإسناده مجهول. قوله: (والتثويب في الفجر: حيَّ على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة حسن). عن مجاهد قال: دخلت مع ابن عمر مسجدًا وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: (اخرج بنا من عند هذا المبتدع)، ولم يصل فيه. رواه أبو داود والترمذي. وعن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُثَوِّبَنَّ في شئ من الصلوات إلا في صلاة الفجر". أخرجه الترمذي.

стр. 258

والمصنف قال بعد ذلك: (وهذا تثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة ﵃ لتغير أحوال الناس). وفيه نظر؛ فإن ما أحدث بعد عهد الصحابة لا يكون حسنًا. وقد قال رسول الله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". رواه أبو داود والترمذي. وقال ﵊: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود. وما يروى أنه ﵊ قال: "ما رآه المسلمون حسنًا

стр. 259

فهو عند الله حسن"، الصحيح أنه من كلام عبد الله بن مسعود، ولا يدل على أنه ما رآه بعض المسلمين حسنًا فهو عند الله حسن، وإنما يدل على أن ما رآه المسلمون كلهم حسنًا؛ لأن الألف واللام للعموم بمنزلة كل، وهذا يكون إجماعًا ولا كلام فيه. وإنما الكلام فيما استحسنه بعضهم ومنعه بعضهم. وما يستدل به من قول ﵊: "من سنن سنة خيرٍ واتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئًا. ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليها وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئًا" أخرجه الترمذي، على أن البدع منها حسن، ومنها

стр. 260

قبيح، وذلك قال عمر ﵁ صلاة التراويح: "نعم البدعة هذه"، فغير مسلم، بل عموم قوله ﵊: "كل بدعة ضلالة" لا يخص منها شئ؛ لأن المراد المبدعة الشرعية لا اللغوية. أي كل بدعة لم تشرع في الدين فهي ضلالة. وصلا التراويح ليست ببدعة شرعية، وإن كانت بدعة لغوية لكونها حدثت بعد الرسول ﵊؛ فإن النبي ﷺ بين العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا، وهذا/ بعده مأمون.

стр. 261

مع أنه لو لم يبين العذر في ترك المواظبة لكان مما سنه الخلفاء الراشدون، وقد أمرنا بإتباعهم فيما سنوه لنا. وإحداث عثمان ﵁ الأذان الأول يوم الجمعة لم يخالفه فيه أحد من الصحابة، فكان مما رآه المسلمون حسنًا، فيكون ثابتًا بالإجماع، وأيضًا فقد سنه هذا الإمام الخليفة الراشد المهدي فوجب إتباعه. وأما ما حدث بعد الخلفاء الراشدين ورآه بعض الناس حسنًا دون البعض ففيه الكلام.

стр. 262

قوله: (لقوله ﵊: "يؤذن لكم خياركم"). رواه أبو داود وابن ماجه. وفي سنده الحسين بن عيسى الحنفي منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم. قوله: (لقوله ﵊: لابني أبي مليكة: "إذا سافرتما أذنا وأقيما"). إنما قال النبي ﷺ ذلك لمالك بن الحويرث، ولابن عم له، أو صاحب له، وفي آخر الحديث: "وليؤمكما أكبركما"، رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود.

стр. 263

وفي "الصحيحين" عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا- وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا- وظن أن قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا فأخبرناه. قال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومرورهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". وللبخاري: "وصلوا كما رأيتموني أصلي". ولمسلم مختصر قال: أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي فقال لنا: "إذا حضرت الصلاة فأدنا ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما". وقد اشتبه على المصنف اسم من قال له النبي ﷺ : "أذناه وأقيما ... الحديث"، فنسبه إلى ابني أبي مليكة، وابنا أبي مليكة تابعان: أحدهما: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشي، مشهور، روى عن

стр. 264

جماعة من الصحابة، وروى له الجماعة كلهم في كتبهم. توفي سنة سبع عشرة ومائة. وأخوه أبو بكر روى عن عائشة، ومن التابعين عن عبيد بن عمير، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وابن جريح وغيرهما. روى له البخاري، وهو من المقلين.

стр. 265

باب شروط الصلاة التي تتقدمها قوله: (ويروى ما دون سرته حتى تجاوز ركبته). قال السروجي: قوله: (حتى تجاوزت ركبته) لم يذكر في الحديث، وضعف أيضًا حديث: "الركبة من العورة". ولم يثبت في كون الركبة من العورة حديث، ولا في السرة، بل قد ثبت ما يدل على خلاف ذلك في حديث أبي موسى: "أن النبي ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه -أو ركبته- فلما دخل عثمان غطاها"

стр. 266

رواه البخاري. وقول أبي هريرة للحسن ﵁: "أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبل، فقال بقميصه فقبل سرته" رواه أحمد. وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامر ... الحديث" رواه البخاري. قوله: (ولهما أن الربع يحكي حكاية الكمال كما في مسح الرأس

стр. 267

[والحلق في الإحرام. ومن رأى وجه غيره يخبر عن رؤيته. وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة]). [في التعليل والتنظير كله نظر؛ فإن كون الربع يحكى حكاية الكل مجرد دعوى، ومسح الرأس] قد علل له فيما تقدم أن الكتاب مجمل في المقدار، وأن النبي ﷺ بينه بالمسح على الناصية، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. ولا تصح هذه الدعوى إلا إذا ثبت أن الأصل في مسح الرأس في الوضوء الكل، وأن الاكتفاء بالربع لقيامه مقامه، ولم يقل به. وأما حلق الرأس في الإحرام فأنه [في] كتاب الحج أحاله على مسح الرأس في الوضوء، وهي حوالة تاوية.

стр. 268

وقد قيل فيه: إن الرفق يحصل بحلق ربع الرأس كما يحصل بحلقه كله. وفيه نظر؛ فإن كمال الرفق بحلق كله، وبحلق بعضه يحصل/ بعض الرفق. وأما قوله: ومن رأى وجه غيره يخبر عن رؤيته وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة، فعجب؛ فإن الوجه ليس هو وحده أحد الجوانب الأربعة. ولو نظر إنسان بوجهه من طاقة في حائط وباقية وراء الحائطـ، لأخبر من نظر إلى وجهه أنه رآه وأن لم ير باقي بدنه. ولو لم يكن منشورًا عنه حتى نظر إليه وأخبر عن رؤيته لم يكن ذلك لكونه رأى أحد جوانبه الأربعة، بل لكونه رأى شخصه كله. فالناظر إلى الشخص لا يرى ربعه فقط، ولو قال قائل إنما رأى سدسه لأن الجهات ست، وقد يكون الرائي فوق المرئي، وتحته لكان قوله نظير هذا القول. [وقول] أبي يوسف أقوى دليلا؛ لأن كون أكثر الشيء يقوم مقامه كله لأن ما يقابله يوصف بالقلة بالنسبة إليه أمر معقول لا ينكر، بخلاف الربع

стр. 269

لأنه لا ينهض على إقامته مقام الكل دليل. قوله: (يحسن ذلك لاجتماع عزيمته). يعني يحسن ذكر نية الصلاة بلسانه، وفيه نظر. قال في "المفيد": كره بعض مشايخنا النطق باللسان؛ لأن النية علم القلب، والله تعالى مطلع على ما في الضمائر، فلا حاجة إلى الإفصاح باللسان. وهذا هو الصحيح؛ فإن قول القائل: نويت صلاة كذا وكذا من نوع العبث من وجوه: أحدها: أنه لم ينقل. الثاني: أنه إما أن يريد الإنشاء أو الإخبار، وكل منهما باطل. أما الإنشاء فلأن الصلاة ليست من باب العقود التي يثبت حكمها بالإنشاء.

стр. 270

وأما الإخبار فكذلك أيضًا؛ لأنه إما أن يريد إخبار نفسه، أو ربه، أو الكرام الكاتبين، وكل منا لا يصح. فإن قيل: هذا بمنزلة قوله: "وجهت وجهي" إلى آخره، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا ورد به الشرع، وهذا لم يرد به. الثاني: أن هذا من باب التكلم بالعقيدة فيكون بمنزلة الشهادتين، وهذا من باب نية العمل وقصده فيكون بمنزلة قوله: نويت أن آكل أو أشرب ونحو ذلك. وأيضًا فإن سائر العبادات مفتقرة إلى النية، لم يقل أحد من المسلمين أن من قرأ أو سبح وأمر بالمعروف أو أدى الزكاة أو نحو ذلك أنه يقول بلسانه شيئًا. فإن طردتم اشتراط القول باللسان في الكل قلتم يقول لا قائل به. وإن فرقتم طولبتم بالفرق المؤثر، ولن تجدوه. وأيضًا، فما الذي بقوله بلسانه؟ أهو لفظ: "نويت الصلاة" أو يضيف إليها ذكر صفتها، وعدد ركعاتها، ووصف الإمامة أو الانفراد، أو الاقتداء واستقبال القبلة؟ فما الضابط في ذلك؟ فإن ذكرتم ضابطًا طولبتم

стр. 271

باعتبار الشرع له. قوله: (ومن أم قومًا في ليلة مظلمة فتحرى القبلة وصلى إلى المشرق، وتحرى من خلفه وصلى كل واحد منهم إلى جهة، وكلهم خلفه ولا يعلمون ما صنع الإمام أجزأهم). في تصوير المسألة نظر؛ فإنهم لا بد لهم من سماعهم صوت الإمام ليتمكنوا من الاقتداء به، وإذا سمعوا صوته علموا مقامه. وكيف يخفي مقام الإمام على من جعل ظهره إلى ظهره؟! ولا بد أن يعلم ضرورة أنه وراءه إذا سمع صوته، وكذلك من هو إلى جانبه. ويستحيل تصور المسألة والحالة هذه. والله أعلم. * * *

стр. 272

باب صفة الصلاة قوله: ([لقوله تعالى]: ﴿وربك فكبر﴾ والمراد تكبيرة الافتتاح). في قوله: والمراد تكبيرة الافتتاح نظر؛ فإن قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر (٢) وربك فكبر﴾ من أول ما نزل من القرآن بمكة حين أمر بالإنذار لما أتاه الملك بالرسالة وهو في غار حراء، فرجع إلى أهله وهو يقول: "دثروني"، فنزل ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر *﴾ قال أهل التفسير: ﴿قم فأنذر﴾ كفار مكة، ﴿وربَّك فكبر﴾ أي فعظمه عما تقوله عبدة الأوثان. وقد تقدم الكلام على بقية الآية الكريمة في أول "باب الأنجاس"، ولم تكن الصلاة/ قد فرضت بعد.

стр. 273

ففي الاستدلال بالأمر بالتكبير للرب على أن المراد تكبيرة الإحرام والحالة هذه نظر. ويغني عن هذا الاستدلال الاستدلالُ بقوله ﵊: "تحريمها التكبير"، وقوله ﵊ للمسيء صلاته: "ثم استقبل القبلة وكبر"، و"أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير" وفعله خرج بيانًا لمجمل الكتاب، وكل ذلك ثابت صحيح. قوله: (والقيام، لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾).

стр. 274

في استدلاله بهذه الآية الكريمة على فرض القيام في الصلاة نظر؛ فإن فرض القيام في الصلاة سابق على نزول الآية؛ لأن الآية نزلت بالمدينة بعد الهجرة بسنة، والصلاة فرضت ليلة الإسراء بمكة مجملة، وأمَّ جبريل النبي ﷺ ، وعلمه كيفية الصلاة ومواقيتها، وعلَّم النبي ﷺ أصحابه. والقيام المذكور في الآية ليس المراد به انتصاب القامة، بل المراد به فعل المأمور به، وأن يكون على وجه الطاعة لله، والامتثال لأمره؛ فإن الرجل يقوم بأشياء ويكون قائمًا بأمر على وجه الطاعة تارة، وعلى وجه المعصية أخرى. فأمروا أن يقوموا لله بما أمرهم به حال كونهم طائعين. ومن صلى قاعدًا مخلصًا مطيعًا فهو قائم لله قانتًا وإن كان قاعدًا، وكذلك لو كان على نبه. يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا وما بصاحبكم من جنة﴾، وقوله تعالى: ﴿قائمًا بالقسط﴾، وقوله تعالى: ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾، وقوله تعالى:

стр. 275

﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾. وفي السورة الأخرى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾، وقيام رمضان، وقيام الليل هو صلاة رمضان، وقيام الليل هو صلاة الليل، ويحتمل أن يكون المراد بالقيام لله في الآية الصلاة بخصوصها. ويكون المعنى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله﴾ بالصلاة ﴿قانتين﴾ فيها، ﴿فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا﴾. فإن قوله: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [قد] ذكرت الصلاة قبله وبعده، فكان الظاهر إرادة الصلاة هنا بخصوصها.

стр. 276

وأما إرادة القيام في الصلاة بمجرده من هذه الآية فغير ظاهر. ويغني عن هذا الاستدلال الاستدلال بحديث عمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا ... الحديث" أخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي. وعلى فرضية القيام في المكتوبة على المستطيع انعقد الإجماع. وأما في النافلة فليس بلازم، "لأن النبي ﷺ كان ينتقل على الراحلة، ويتنفل وهو قاعد" متفق عليه. قوله: (والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد لقوله عليه الصلاة

стр. 277

والسلام لابن مسعود ﵁ حين علمه التشهد: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك". علق التمام بالفعل، قرأ أو لم يقرأ). أصل حديث ابن مسعود في التشهد في "الصحيحين" لكن هذه الزيادة التي استدل بها غير ثابتة في الصحيح، وإنما خرجها أحمد وأبو داود والطحاوي. ولفظ أحمد وأبي داود: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك". وفي الاستدلال بهذه الزيادة على فرضية القعدة الأخيرة دون التشهد نظر، بل يلزم من الاستدلال بها على فرضية القعدة الأخيرة القول بفرضية التشهد فيها، والقول بفرضية الخروج من الصلاة بالسلام، وغير ذلك كما صح فيه الحديث عن رسول الله ﷺ من أفعال الصلاة؛ لأنه إنما صح

стр. 278

الاستدلال على الفرضية بهذا الحديث مع كونه خبر واحد لأنه بيان لمجمل الكتاب، وهو الأمر بإقامة الصلاة. أما الاستدلال على فرضية التشهد فيها فإن في الحديث أنه علمه التشهد قال له: "قل: التحيات لله"، والأمر للوجوب. كيف وهو بيان لمجمل الكتاب!. وقوله/ في آخر الحديث: "إذا قلت هذا، أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك" لا تنافيه؛ لأنه قد قيل إنه مدرج من كلام ابن مسعود. ذكر ذلك الخطيب، والبيهقي، والدارقطني وقال: الصحيح أن قوله: "إذا قضيت هذا فقد قضيت صلاتك" من كلام ابن مسعود. فصله شبابة عن

стр. 279

زهير وجعله من كلام ابن مسعود. ولو كان غير مدرج فيه من كلامه؛ فإن قوله: "إذا قلت هذا أو فعلت هذا" الظاهر أن الشك من ابن مسعود: أي ثم قال لي: " إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك". أو قال لي:"إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك". كأنه شك في أي اللفظين قال له: "قلت هذا"، أو "فعلت هذا". وتكون الإشارة بقوله: "فعلت هذا". وتكون الإشارة بقوله: "فعلت هذا"، إلى القعدة والتشهد فيها؛ فإن قراءة التشهد تسمى فعلًا. وأما الخروج من الصلاة بالسلام فإنه إذا سلم لنا أن هذا الحديث لا ينفيه لاحتمال أن يكون الشك من الراوي، صح إثباته بالأحاديث الصحيحة الواردة فيه فعلًا وأمرًا؛ فإنهم ما ردوا على من قال بفرضية السلام إلا

стр. 280

بالمعارضة بحديث ابن مسعود في التشهد حيث لم يذكره، وجعل الصلاة تامة بدونه. وكمال الاستدلال على المنافاة أن تكون "أو" من كلام الرسول ﷺ ، وقد تقدم ما فيه من الاحتمال. فإن قيل: قوله: "فقد تمت صلاتك" ينافيه!. قلنا: يحمل قوله: "تمت" على معنى أنها قاربت التمام. وبهذا احتج المصنف في باب الحدث في الصلاة لأبي حنيفة على الصاحبين في القول بفرضية الخروج من الصلاة بفعل المصلى. فإذا قيل: إن معنى "تمت" قاربت التمام، صح إثبات فرضية السلام بالأحاديث المشهورة عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا؛ فإن الفعل كان بيانًا لمجمل الكتاب. ولا يقال: لم يعلم الأعرابي المسئ صلاته الخروج من الصلاة بالسلام فلا يكون فرضًا؛ لأنا نقول: لم يعلمه القعدة الأخيرة قدر التشهد

стр. 281

أيضًا، بل قال له في آخر الحديث: "ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، ثم قم". فما كان جوابكم عن القعود قدر التشهد فهو جوابنا عن التشهد والخروج بالسلام. وأما أن يقال: إن حديث ابن مسعود حجة في فرضية القعود قدر التشهد دون التشهد والسلام مع كونه محتملًا أن تكون كلمة "أو" من كلام ابن مسعود فغير مسلم. قوله: (ولأن رفع اليد لإعلام الأصم). فيه نظر لانتفاضة طردًا وعكسًا.

стр. 282

أما طردًا فبترك الرفع في صلاة الجنازة عنده مع احتياج الأصم إلى الإعلام. وأما عكسًا فبالرفع في حالة الانفراد، والرفع على الصفا والمروة، وعرفات، والجمرتين. فإن قيل: ذلك الرفع للدعاء. قلنا: صدق، وبطل حصر الرفع في سبع مواطن. قوله: (ولهما أن التكبير هو التعظيم لغة، وهو حاصل). فيه نظر؛ فإن التكبير غير مرادف للتعظيم، بل هو أبلغ من التعظيم، ففيه معنى التعظيم وزيادة، بدليل قوله ﵊، فيما يروي عن ربه ، أنه قال: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا [منهما] عذبته". جعل صفة العظمة بمنزلة الإزار للابس، وصفة

стр. 283

الكبرياء بمنزلة الرداء، ومنزلة الرداء فوق منزلة الإزار. ولهذا -والله أعلم- جعل الجهر به من شعائر الدين في مواضع عينها لنا، منها: التكبير في الأذان، ومنها تكبير التشريق، ومنها التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، ومنها: التكبير في الدخول في الصلاة، والانتقال فيها من حال إلى حال. وما عرفت الصلاة إلا من جهة الشارع، وقد قال لمالك بن الحويرث وأصحابه في آخر ما وصاهم به: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يدخل قط في الصلاة بدون التكبير. فلو أغير التكبير مقامه لفعله ولو

стр. 284

مرة تعليمًا للجواز. ويأتي في كلام المصنف في الاستدلال على اشتراط/ الخطبة في الجمعة: لأن النبي ﷺ ما صلاها بدون الخطبة في عمره. فهلا قال هناك كذلك أنه ما صلى صلاة بدون التكبير! وقد قال عله الصلاة والسلام: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وذلك كله بيان لمجمل الكتاب. وقال: "من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبر ثلاثًا وثلاثين، وذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر". فقدم التسبيح على التحميد، والتحميد على التكبير، وذلك من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ ولهذا جاء في رواية: "أنه يكبر أربعًا وثلاثين"، جعل الزيادة التي هي تكملة المائة

стр. 285

من التكبير، فدل على زيادة الاهتمام به. وعن ابن عباس ﵄: "أن رفع الصوت بالذكر [حين ينصرف الناس من المكتوبة] كان على عهد رسول الله ﷺ ، قال ابن عباس: "كنت أعرف إذا انصرفوا من ذلك إذا سمعته"، وفي لفظ: "كنت أعرف انقضاء صلوات رسول الله ﷺ بالتكبير" أخرجاه في "الصحيحين". وتخصيصه التكبير في هذه الرواية يدل على زيادة الجهر به عن بقية الذكر، أو لأنه معظم الذكر، فعب عنه به. والله أعلم. فقياس [غير] التكبير عليه والحالة هذه فيه نظر. قوله: (فإن افتتح الصلاة بالفارسية، أو قرأ فيها بالفارسية، أو ذبح وسمى بالفارسية، وهو يحسن العربية أجزأه عن أبي حنيفة. وقالا: لا يجزئه إلا في الذبيحة). قال المصنف في آخر كلامه هنا: (ويروي رجوعه في أصل المسألة إلى
следующие страницы →