Полный текст (2 128 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
كتاب الصلاة
قوله: (وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي بالشك).
يعني أن وقت الظهر لا ينقضي إذا صار ظل كل شيء مثله. بل إذا صار ظل كل شيء مثليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وفيه نظر؛ فإنه لا يعارض قوله ﷺ : "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". حديث إمامة جبريل: "أنه ﵇ صلى بالنبي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في
стр. 212
اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله إذ الإبراد يحصل قبل ذلك بكثير. ولم يكن النبي ﷺ يؤخر إلى ذلك الوقت.
فعن أبي ذر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله ﷺ : "أبرد"، ثم أراد أن يؤذن فقال له: "أبرد"، حتى رأينا فيء التلول. الحديث متفق عليه.
стр. 213
ورؤية فيء التلول يكون قبل أن يصير ظل كل شيء مثله بكثير، ولا تثبت المعارضة إلا إذا كان الإبراد لا يكون إلا بعد أن يصير ظل كل شيء مثله، وليس الأمر كذلك.
وفي حديث إمامة جبريل: "أنه صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه".
ولهذا قال مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية: أنه يخرج وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد ذلك إلا لضرورة. فكيف يقال بدخول وقتها [في الوقت] الذي دل الحديث على خروجه فيه؟!.
وحديث المثل الذي ضربه النبي ﷺ وهو قوله: / "مثلكم ومثل الأمم قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرًا ... " الحديث، إنما يدل على أن وقت العصر من وقت الظهر، وهذا لا ريب فيه.
стр. 214
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، كقولهما. واختاره الطحاوي، وعليه عمل الناس. وذلك كله سوى فيء الزوال كما هو معروف في "الهداية" وغيرها.
قوله: (لقوله ﵊: "الشفق هو الحمرة"، وله قوله ﵊: "آخر وقت المغرب إذا اسودَّ الأفق").
أما الحديث الأول، وهو قوله: "الشفق الحمرة" فرواه الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا. قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف، يعني أنه من كلام ابن عمر نفسه.
стр. 215
وأما الحديث الثاني، وهو قوله: "آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق"، فلا يعرف. ولكن روى النسائي، وأبو داود عن أبي مسعود الأنصاري قال: " كان ﵇ يصلي هذه الصلاة- يعني العشاء- حين يسود الأفق". ولا يدل ذلك على أنه أول الوقت، لاحتمال أنه كان يؤخرها عن أول وقتها قليلًا لإحراز الفضيلة، فإنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل"، ..................
стр. 216
مع أن سواد الأفق يبدو من بعد أن يغيب الشفق الأحمر.
وفي حديث ابن عمر [و]: "ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" رواه مسلم، وأبو داود، ......................
стр. 217
ولفظ أبي داود: "فور الشفق". والثور والفور بمعنى الثوران والفوران.
وذلك بغيبوبة الحمرة. وقد نقل كثير من أهل اللغة أن الشفق عند العرب هو الحمرة.
قوله: (لقوله ﵊: "وآخر وقت العشاء حين يطلع الفجر".
قال السروجي: هذا الحديث لم يعرف أصلًا في كتب الحديث، ولا في كتب الفقه التي شرحها مني عرف الحديث. انتهى.
ودليل بقاء وقت العشاء إلى طلوع الفجر قوله ﷺ في حديث أبي قتادة:
стр. 218
"التفريط أن تؤخروا صلاة حتى يدخل وقت الأخرى". رواه مسلم.
ولأن الصحابة والتابعين اتفقوا على أن الحائض لو طهرت قبل طلوع الفجر الثاني وجدبت عليها صلاة العشاء. واختلفوا في وجوب المغرب.
فلو لم يكن الوقت باقيًا لما وجبت العشاء.
стр. 219
فصل
قوله: (ويستحب الإسفار بالفجر لقوله ﵊: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر".
الحديث المذكور لو كان معارضًا لم يقاوم الأحاديث الواردة في التغليس في الصحة والشهرة والعمل؛ ف إنه هو فعله ﷺ حتى مات،
стр. 220
وفعل الخلفاء الراشدين بعده.
ولهذا تأوله الطحاوي ﵀ وغيره على الإسفار بالخروج منها. أي أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا مسفرين.
وقيل المراد بالإسفار التبين، أي صلوها إذا تبين الفجر وانكشف ووضح؛ فإن في "الصحيحين" عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلا ة المغرب بجمع".
стр. 221
وصلاة الفجر إنما صلوها يومئذ بعد طلوع الفجر. هكذا في صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: "وصلى صلاة الفجر حين برق الفجر". وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان يؤخر عن أول طلوع الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر، وذلك اليوم عجلها قبل ذلك. وبهذا يتفق معاني أحاديث النبي ﷺ .
وأما إذا أخرها بسبب يقتضي التأخير مثل المتيمم يؤخرها ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد حتى يصلي آخر الوقت في جماعة، والعاجز عن القيام حتى يصلي آخر الوقت قائمًا، ونحو ذلك مما فيه فضيلة تزيد على
стр. 222
فضيلة الصلاة في أول الوقت، فالتأخير لذلك أفضل. ولا ينبغي تأخيرها/ لتكثر الجماعة؛ لأنهم إذا علموا أنهم لا ينتظرون سارعوا إلى الحضور، وإذا علموا أنهم ينتظرون تهاونوا.
قوله: (وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس في الشتاء والصيف، لما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده).
لا يعارض هذا المعنى اللطيف النصوص الواردة والمعاني التي هي أقوى منه. أما النصوص فحديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة، فيذهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة" متفق عليه.
وفي رواية: "فيذهب الذاهب منا إلى قباء".
وفي أخرى: قال اسعد بن صهل بن حنيف: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر،
стр. 223
فقلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه.
وفي أخرى لمسلم قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنا نحب أن تحضرها. قال: "نعم". فانطلق معه فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أنت تغيب الشمس".
وحديث عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ صلى العصر والشمس في حجرتها".
стр. 224
قال البخاري: وقال أبو أسامة، عن هشام: "في قعر حجرتها".
وحديث إمامة جبريل، فإنه صلى بالنبي ﷺ في اليوم الأول العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني مثليه، ثم قال بعد ذلك: "الوقت ما بين هذين".
وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل" رواه مسلم.
ومعناه يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فهذا هو المنقول عن أولئك
стр. 225
الأمراء، وهو التأخير عن أول الوقت لا عن الوقت كله. فمعنى صل الصلاة لوقتها. أي لأول وقتها. وهذا الحديث يشمل العصر وغيرها.
وفي مسند أبي حنيفة: عن يحيى، عن بريدة: [قال] قال رسول الله ﷺ : "بكروا لصلاة العصر".
وأما المعاني فالمبادرة إلى أداء العبادة وامتثال الأمر أفضل من التواني.
قال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وقال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾.
وأيضًا ففي تأخيرها تعريضها للفوات، وعروض الآفات.
وأيضًا ففي التأخير احتمال خروج وقتها الاختياري بصيرورة ظل كل
стр. 226
شيء مثليه، لحديث إمامة جبريل، كما ذهب إليه مالك، والشافعي، وغيرهما، وكمما وقع عليه الاتفاق في العشاء.
وأيضًا فإن جبريل لما صلى بالنبي- ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد قلنا بكراهة تأخير المغرب. وكذلك لما صلى به العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل أو نصفه اتفقت الأمة على كراهة تأخيرها عن ذلك الوقت.
стр. 227
فمقتضاه أن يقول هنا بكراهة تأخير العصر إلى ما بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه، ولا فرق بينهما أصلًا.
فإن قلتم: المغرب يكره التنقل قبلها بخلاف العصر.
قلنا: بل هو غير مكروه. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ولم يرد في تأخير العصر ما يصلح لمعارضة هذه النصوص والمعاني.
فما رواه أبو داود: "أن النبي- ﷺ كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية"، وما رواه الدارقطني: "أنه ﵇ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، يعني العصر"، وما رواه الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: "كان رسول الله- ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه"،
стр. 228
ضعف أهل الحديث الأحاديث الثلاثة.
وحديث أم سلمة المذكور إنما يدل على زيادة التعجيل، وإذا ظهر الدليل فلا عذر لمن خالفه، ولا يمكن الاحتياط هنا بالخروج من الخلاف أصلًا، ولا يمكن أن يصلي العصر في وقت مجمع عليه؛ فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: يدخل وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه. وعند مالك والشافعي يخرج وقتها الاختياري./ فيتعين النظر في الدليل، ورد
تلك الرواية الشاذة عن أبي حنيفة، والأخذ برواية الحسن عند الموافقة لقول صاحبيه، وقول سائر العلماء.
قوله: (وقال ﵊: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء).
هذا الحديث منكر، لا عرف في كتب الحديث. والمحفوظ ما رواه
стр. 229
عقبة بن عامر أن النبي- ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤدوا المغرب حتى تشتبك النجوم"، رواه أحمد وأبو داود. والأدلة على استحباب تعجيل المغرب وتأخير العشاء من السنة مذكورة في كتب الحديث، وليس هذا اللفظ فيها.
стр. 230
فصل في الأوقات التي تكره فيها الصلاة
قوله: (في حديث عقبة: "وعند زوالها حتى تزول").
ليس لفظ الحديث كما قال المصنف، وإنما قال: "وحين تقوم قائمة الظهيرة حتى تميل". وليس في معناه قول المصنف: عند زوالها؛ لأن زوالها بعد استوائها، والمكروه الصلاة عند استوائها لا عند زوالها.
قوله: (والمراد بقوله: "أن نقبر" صلاة الجنازة، لأن الدفن غير مكروه).
فيه نظر! لأن الإمام أحمد يقول بكراهة الدفن في هذه الأوقات الثلاثة. وكره الشافعي تحري الدفن فيها؛ لحديث عقبة المذكور، وهو
стр. 231
نص في كراهة الدفن فيها. فإنه يقال: قبره إذا دفنه، وأقبره إذ أعد له قبرًا.
ولا وجه لحمله على صلاة الجنازة؛ لأنه يقال: قبره إذا صلى عليه. وقد عرف حكم كراهة الصلاة عليه في هذه الأوقات الثلاثة من ذكر الصلاة، ودخلت في عمومها بقرينة ذكر الدفن.
قوله: (إلا عصر يومه عند الغروب؛ لأن السبب هو الجزء القائم من الوقت).
قال السروجي: وفيه منع؛ فإنه يجوز أن يكون السبب الجزء الأول وتكون الصلاة في الجزء الثاني والثالث قبل خروج الوقت أداء لا قضاء لبقاء الوقت؛ إذ الواجب موسع. ويمكن أن يقال: إن أجزاء الوقت فارقت خارج الوقت في جعل الواقع فيها أداء، وفي خارج الوقت قضاء. وهذا الاختصاص لصلاحية كل جزء من أجزاء الوقت للسببية.
стр. 232
ثم نقل بعد ذلك بأسطر عن شمس الأئمة السرخسي أنه قال في أصول الفقه: ولا بد من أن يجعل جزء من الوقت سببًا للوجوب، فقلنا: سبب الوجوب الجزء الأول من الوقت، فبإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحة أداء الواجب.
قال: هذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع أن الصلاة تجب بأول جزء من الوقت وجوبًا موسعًا، وهو الأصح. وكذال نقله علاء الدين السمرقندي في "الميزان".
стр. 233
وفي "التقويم" لأبي زيد: ومن الناس من ظن أن الأداء لما لم يلزم في أوال الوقت لم يكن وجوب الصلاة متعلقًا بأوله- وإنه غلط- ويتعين وقته بالفعل كالكفارة.
وفي "مختصر البزدوي": الوجوب بأول جزء من الوقت، خلافًا لبعض مشايخنا. انتهى.
وهذا القول هو الموافق لقول سائر الأئمة، وهو الذي يتعين الأخذ به. والكلام في ذلك مبسوط في موضعه.
فإذا عرف أن الصحيح من المذهب أن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا
стр. 234
موسعًا (استوى) الفجر والعصر، وظهر ضعف دعوى نقصان السبب في حق من أخر العصر إلى اصفرار الشمس، وضعف تفريق المصنف بين صلاة الفجر وصلاة العصر بقوله عن العصر: إنه أداها ناقصة كما وجبت،÷ بخلاف غيرها من الصلوات لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص.
وقد قال النبي ﷺ : "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، أخرجه الجماعة. وفي رواية للبخاري: "إذا أدرك أحدكم سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته". والمراد بالسجدة الركعة.
стр. 235
وقال ﷺ : "تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" رواه مسلم وغيره.
فثبت أنه يكره تأخير الفجر/إلى طلوع الشمس، ولا تفسد بطلوعها فيها. ويكره تأخير العصر إلى غروبها، ولا تفسد بغروبها بل يتمها لأنه مأمور بإتمامها بقوله: "فليتم صلاته" كما تقدم.
والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت يحمل على النهي عن ابتدائها فيه لا عن استدامتها توفيقًا بين الدليلين؛ فإنه لم يقل: لا تتموا الصلاة في هذا الوقت. والدوام أسهل منت الابتداء، كما أن العدة تنافي ابتداء النكاح دون بقائه، والإسلام ينافي ابتداء الرق دون دوامه، والذهول عن النية ينافي
стр. 236
ابتداء العبادة دون بقائها، وأمثال ذلك.
قوله: (والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة الكراهة، حتى لو صلاها فيه أو تلا فيها سجدة فسجدها جاز؛ لأنها أديت ناقصة كما وجبت، إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة).
في تعليله نظر؛ فإنه كلام متناقض؛ لأن قوله: لأنها أديت ناقصة كما وجبت يشير إلى أن السبب في حق صلاة الجنازة وسجدة التلاوة هو الوقت الناقص.
وقوله: إذ الوجوب بحضور الجنازة والتلاوة، يشير إلى أن سبب صلاة الجنازة حضور الجنازة، وسبب سجدة التلاوة تلاوة آيتها. وهذا تناقض بين.
والصحيح أن حضور الجنازة سبب لصلاتها، وتلاوة آية السجدة سبب لسجدتها. والوقت ليس بسبب لهما، ولا شرط فيهما، وإنما هو ظرف محض، ولكن ورد النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة. وصلاة الجنازة صلاة، وسجدة التلاوة في معنى الصلاة، فدخلتا في عموم النهي.
стр. 237
وقلنا بالكراهة دون عدم الأجزاء لأن النهي لسد الذريعة إلى التشبه بمن يصلي للشمس أو يسجد لها، وإن كان المصلي والساجد لا يقصد ذلك.
فعلى هذا سواء تلا قبل الطلوع وسجد عنده، أو تلا عند الطلوع وسجد عنده فإنه يكره، وكذلك صلاة الجنازة.
قوله: (لأن الكراهة كانت لحق الفرد ليصير الوقت كالمشغول به، لا لمعنى في الوقت).
في تعليله نظر؛ إذ لو كان كذلك لكره التنفل بعد سائر الفروض، ولكره غير الصلاة أيضًا من الأفعال المنافية لصلاة الفرض، ولكان غير الصلاة أولى بالكراهة من الصلاة.
ولكن التعليل الصحيح أن ما يقرب من الشيء يأخذ حكمه، والصلاة عند الطلوع والغروب مكروهة، فكرهت أيضًا بعد الفرض قبلهما سدًا للذريعة. وكان هذا بمنزلة الحريم للوقت [المكروه] والحمى له. كما شبه النبي- ﷺ بالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.
стр. 238
قوله: (لأن الوجوب لغيره).
أي لا يصلى بعد صلاة الفجر، ولا بعد صلاة العصر ما وجب لغيره، ويصلى فيهما ما وجب لعينه. والتفريق في ذلك بين ما له سبب وما لا سبب له أولى من التفريق فيه بين ما وجب لعينه وما وجب لغيره؛ لأنه فرق شهد له النص بالاعتبار، وهو: "أن النبي- ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر لما شغله ناس من عبد القيس عنها" متفق عليه.
ففي الحديث دليل على أن السنن تقضى وأن ما له سبب لا يكره فعله في أوقات النهي. ويؤيده قوله- ﷺ : "لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها". متفق عليه. وفي لفظ: "لا تحينوا"، فيحمل المطلق على المقيد
стр. 239
لأن الحكم واحد.
قوله: (ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض لما فيه من تأخير الفرض).
فيه نظر؛ فإنه صح عن أنس أنه قال: "كان المؤذن إذا أذن قام الناس من أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي- ﷺ وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الآذان والإقامة شيء".
وفي رواية: "ولم يكن بينهما إلا قليل".
وفي رواية قال: "كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من (يصليهما). أخرج الأولى البخاري والنسائي، والثانية مسلم.
وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين". قال في الثالثة:
стр. 240
"لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". رواه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وأبو حيان/ وزاد: "أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين".
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة". قال في الثالثة: "لمن شاء". أخرجه الجماعة إلا الموطأ. وما قال السروجي: إنما يحمل حديث الركعتين التي كان يصليها الصحابة
стр. 241
رضي الله عنهم قبل المغرب على أول الأمر قبل النهي، أو قبل أن يعلم ذلك رسول الله [ ﷺ ]، فقول بغير دليل.
بل يرده حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نصلي على عهد ﷺ كعتين بعد غروب الشمس قبل المغرب".
قال: فقلت: أكان رسول الله ﷺ (صلاهما)؟ قال: "كانا يرانا (نصليهما) فلم يأمرنا ولم ينهنا". أخرجه مسلم وأبو داود.
стр. 242
وكذلك قوله فيما تقدم: "حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك".
وأصرح من ذلك كله قوله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين .... " الحديث كما تقدم ذكره.
قوله: (ولا إذا خرج الإمام للخطبة يوم الجمعة إلى أن يفرغ).
فيه نظر من وجهين:
أحدهما: قوله: (ولا إذا خرج الإمام للخطبة). وسيأتي ما في ذلك من باب الجمعة.
والثاني: أنه ينبغي أن يستثنى تحية المسجد كما قال به الشافعي، وأحمد؛ لحديث جابر ﵁ قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، قال: صليت"؟ قال: لا. قال: "فصل ركعتين".
стр. 243
وفي رواية: "قم فاركع". وفي أخرى: "قم فصل الركعتين".
وفي أخرى: أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الإمام فليركع ركعتين". أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم قال: "جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له النبي ﷺ : "أركعت ركعتين"؟ قال: لا. قال: "قم فاركع".
وفي أخرى قال له: "يا سليك! قم فاركع ركعتين [و] تجوز فيهما".
زاد في أخرى: ثم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما".
стр. 244
وما نقله السروجي عن أبي بكر بن العربي من معارضة هذه الأحاديث لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، ولقوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت".
فجعل الأمر بالإنصات الذي هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغوًا محرمًا، فالنفل أولى.
ولأن الخطبة في حكم الصلاة، ولو وجد الإمام يصلي لم يركع، فكذا إذا وجده يخطب.
ورد حديث سليك بأنه خبر واحد يعارضه ما هو أقوى منه، وأصول من القرآن والشريعة، فوجب تركه، أو أنه يحمل على أنه كان قبل نسخ الكلام من الصلاة، أو أنه لما خاطب سليكًا سقط عنه فرض الاستماع؛ لأنه ترك الخطبة في حال تكليمه إياه - وجعل هذا أقوى ما في الباب - أو أن سليكًا لما كان ذا بذاذة وفقر أراد أن يقيمه لترى حاله فيعتبر به، أو يتصدق
стр. 245
عليه، يمكن أن يجاب عنه.
أما ما ذكره من معارضة الآية الكريمة فغير مسلم، وليست الخطبة كلها قرآنًا فيستدل بالآية على وجوب الإنصات لها، وإن كان فيها قرآن، والاستماع لها واجب فيخص منه هذه السورة بالسنة الثابتة الصحيحة.
وما هذا بأول سنة قيدت مطلق الكتاب، أو خصصت عمومه، وليس هذا من باب المعارضة.
وأما قوله ﵊: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت" فالمراد الحض على الإنصات وترك الكلام وإن كان من باب الأمر بالمعروف، لا ترك هذه الصلاة التي ورد الأمر بها، فيكون هذا الحديث مقيدًا لإطلاق هذا الحديث.
وأما كون الخطبة في حكم الصلاة، فليست في معنى الصلاة من كل وجه حتى يكون من وجده يخطب كمن وجده يصلي، بل كان النبي/ ﷺ يسأل في الخطبة ويجيب، ........................
стр. 246
ويأمر وينهى.
وأما قوله عن حديث سليك: إنه خبر واحد؛ فقد تقدم أنه حديث ثابت صحيح تلقته الأمة بالقبول، وعمل به من بلغه.
وأما حمله على أنه كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، فنسخ الكلام لا يلزم منه نسخه في الخطبة، وإنما يحرم الكلام على المستمع للخطبة لأجل الاستماع لها، وأما على الخطيب فلا.
فقد كان ﷺ يقطع الخطبة لحاجة تعرض له، أو لسؤال أحد من الصحابة ثم يعود إلى الخطبة.
стр. 247
وربما نزل لحاجة ثم عاد فأتم الخطبة، كما نزل لأخذ الحسن والحسين فأخذهم ثم رقى المنبر فأتم الخطبة. وكان يقول: "يا فلان اجلس، يا فلان صل". ولم يرد لهذا ناسخ.
وأما قوله: إنه لما خاطب سليكًا سقط عنه فرض الاستماع؛ لأنه خطبة في حال تكليمه إياه. فالجواب أنه إنما كلمة قبل صلاته، ولم يكلمه في حال الصلاة.
стр. 248
بل كان النبي ﷺ يخطب في حال صلاة الرجل كما في السنن من حديث أبي سعيد الخدري وصححه الترمذي، ولفظه: "أن رجلا جاء يوم الجمعة في هيئة بذة والنبي ﷺ يخطب فأمره فصلى ركعتين والنبي ﷺ يخطب".
وقوله: إن هذا أقوى دليل في الباب. تبين ضعف الكل؛ لأنه إذا كان هذا الأقوى واهيًا فكيف بغيره؟!.
وأما قوله: إن سلكًا كان ذا بذاذة فأراد أن يقيمه لترى حاله، فلو كان هذا المعنى هو المراد لم يأمره بفعل ما لا يجوز.
стр. 249
باب الأذان
قوله: (وما رواه كان تعليمًا فظنه ترجيعًا).
ولا يظن بأبي محذورة الغلط، ولو كان على وجه الغلط لبين له، ولما كان الصحابة ﵃ يسمعونه ويقرونه على الغلط، بل ذلك يؤدي إلى تغليط كل من سمعه من الصحابة.
وأيضًا ففي بعض طرق حديث أبي مح
ذورة في الصحيح قال: "تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. ترفع بها صوتك، ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن
стр. 250
لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ... إلى آخره". فهذا يدل على أنه فعله بأمر رسول الله ﷺ له به. فانتفى أن يكون فعله ذلك بظنه.
ولا يؤخذ بأذن بلال وإقامة أبي محذورة على وجه الإهمال لغيرهما، بل على وجه أن كلًا سنة، يفعل هذا في مكان وهذا في مكان، أو هذا تارة وهذا تارة. ومن رجحهما على وجه الإهمال لغيرهما، أو رجح أذان أبي محذورة وإقامة بلال على وجه الإهمال لغيرهما فهو مشكل.
следующие страницы →