Полный текст (2 128 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وأيضًا فقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا".
وأيضًا؛ فقد ثبت في "صحيح البخاري" عن حذيفة ﵁ أنه رأي رجلًا لا يتم ركوعًا ولا سجودًا، فلما انصرف من صلاته دعاه حذيفة فقال له: "منذ كم صليت هذه الصلاة؟ قال: قد صليتها منذ كذا وكذا؛ فقال حذيفة: ما صليت، أو ما صليت لله صلاة - شك مهجي- وأحسبه قال: ولو مت مت على غير سنة محمد ﷺ ".
стр. 317
وفي "الفتاوى الظهيرية"، قال أبو اليسر: من ترك الاعتدال يلزمه الإعادة، ولو أعاد يكون الفرض الثاني دون الأول. انتهى. وهذا منه اختيار لقول أبي يوسف لقوته، وهو كما قال.
وقول المصنف ﵀: (وفي آخر ما روي تسميته إياه صلاة حيث قال: "وما نقصت من هذا شيئًا فقد نصت من صلاتك"). جوابه: أن تسميته إياها صلاة ناقصة لا يدل على إجزائها؛ فإنه لو نقص منها سجدة كانت صلاة ناقصة غير مجزئة.
стр. 318
قوله: (لأن وائل بن حجر ﵁ وصف صلاة الرسول ﷺ ، فسجد وأدعم على راحتيه ورفع عجيزته).
هذا الحديث لا يعرف عن وائل بن حجر، وكأن المصنف اشتبه عليه، وإنما هذا الوصف معروف عن البراء بن عازب ﵁.
قوله: (ووضع اليدين والركبتين سنة عندنا لتحقق السجود دونهما).
تعليله مشكل؛ فإن تصوير السجود على الجبهة والقدمين فقط في غاية العسر. وفي "الواقعات": لو لم يضع ركبتيه على الأرض عند سجوده لا يجزئه. كذا قال أبو الليث، قال: وفتوى مشايخنا عل الجواز حتى لو
стр. 319
كان موضع ركبتيه نجسًا يجوز.
وقال في "الذخيرة": لم يصحح أبو الليث هذه الرواية. وفي "عمدة الفتاوى": الصحيح أن موضع الركبتين إذا كان نجسًا لا يجوز، وكذا موضع اليد. وفي "المحيط": لو لم يع ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه. انتهى.
وزفر يقول بفرض السجود على سائر أعضاء السجود كما قال الإمام أحمد، والإمام الشافعي في أحد قوليه، ورجحه كثير من أصحابه.
стр. 320
ورجحانه ظاهر لقوله ﵊: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ... " الحديث. متفق عليه. وفي بعض طرقه: "أمرنا أن نسجد ... ".
وكذا قولهما في عدم جواز الاقتصار على الأنف لغير عذر أرجح؛ لأن المعروف من قوله وفعله ﵊ إنما هو السجود على الجبهة.
وفي "شرح المجمع": وروى أسد عن أبي حنيفة أنه لا يجوز- يعني
стр. 321
الاقتصار على الأنف- إلا من عذر. وهو قولهما وعليه التقوى.
قوله: (فإن سجد على كور عمامته، أو فاضل ثوبه جاز، لأن النبي ﷺ كان يسجد على كور عمامته).
قال عبد الحق الأشبيلي في "أحكامه الكبرى": وذكر عبد الرازق عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته". في إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك. وقد روي من حديث جابر عن النبي ﷺ بمثله. وهو من رواية ...................
стр. 322
عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط. جابر متروك، عن آخر متروك.
قوله: (ويبدي ضبعيه لقوله ﵊: "وأبد ضبيعك"، ويروى: " وأبد ضبيعك").
قال السروجي عن الحديث: لم أجده في كتب الحديث المشهور.
стр. 323
انتهى. وقال التركماني: لم أره. انتهى.
ولو أستدل بدل هذا الحديث الذي لا أصل له بحديث عبد الله بن مالك ابن بحينة، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه" متفق عليه، لكان أحق وأولى.
стр. 324
قوله: (لقوله ﵊: "إذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وذلك أدناه"، أي أدنى كمال الجمع).
تقدم أن قوله: أي أدنى كمال الجمع فيه بعد.
قوله: (لقوله [عليه] الصلاة والسلام: "إذا سجد المؤمن يسجد كل عضو منه، فليوجه من أعضائه القبلة ما استطاع".
هذا حديث منكر لا أصل له.
قوله: (لأن النبي ﷺ كان يختم بالوتر).
يعني في تسبيح الركوع والسجود. لم يذكر في كتب
стр. 325
الحديث. والمعروف من قوله ﷺ : "إن الله وتر يحب الوتر"، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي. فيدخل إيتار التسبيح في عمومه.
قوله: (لقوله ﵊: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين"، وذكر الأربع في الحج. والذي يروى من الرفع محمول على الابتداء، كذا نقل عن ابن الزبير ﵄.
قال السروجي: ورواية أصحابنا في كتب الفقه: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن" لم تذكر في كتب الحديث، وإنما المذكور فيها: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن"، وقد تقدم.
стр. 326
وكان قد قال قبل ذلك: عن ابن عمر وابن عباس قالا: قال رسول الله ﷺ : "ترفع الأيدي في سبع مواطن، عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين".
رواه الحاكم، والبيهقي. انتهى.
وقال ابن التركماني: وروى جماعة منهم الطحاوي، والبزار من حديث ابن عباس، وابن عمر وذكره، ثم قال: وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس وحده. قالوا: وقف عليهما، وهو أصح. قال: وقول ابن الزبير: الرفع كان في الابتداء، لم أره. انتهى.
وأحاديث الرفع تكاد تبلغ التواتر، فقد رواها عشرة من الصحابة، وقيل
стр. 327
أكثر من ثلاثين منهم. وقد رواها من صلى خلف النبي ﷺ في آخره عمره كوائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، ...............
стр. 328
وهو مذهب أهل الحديث، وأكثر أهل المدينة، ورواية الموطأ عن مالك، ولكن روى ابن القاسم عنه خلاف/ ذلك.
وعذر أبي حنيفة وسفيان الثوري ومن وافقهم من علماء الكوفة في عدم الرفع واضح؛ فإنهم تلقوه عن عبد الله بن مسعود ﵁، وكفى به قدوة.
ولكن إذا كان عند غيره من الصحابة زيادة وجب على من بلغته العمل بها كما في التطبيق في الصلاة. فإن ابن مسعود ﵁ نقل عنه أنه كان إذا ركع في الصلاة طبق بين يديه، كما كانوا يفعلون أول الإسلام، ثم
стр. 329
إن التطبيق نسخ بعد ذلك، وأمروا بأخذ الركب، وخفي ذلك عنه.
والرفع المتنازع فيه ليس من فرائض الصلاة، بل تجوز الصلاة بدونه، وما يحكى من فساد الصلاة به فقول بغير دليل؛ لأنه لو كان منافيا فهو قليل، فكيف وهو من جنس الصلاة! كما في الرفع عند تكبيرة الإحرام، والتكبيرات الزوائد في العيدين، وتكبيرة القنوت. والمفسد للصلاة إنما هو العمل الكثير المنافي للصلاة، وهذا ليس كذلك.
وما استدل به من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة" رواه مسلم.
стр. 330
وأن الأمر بالسكون في الصلاة ينافي الرفع عند الركوع والرفع [منه] لا يقوى؛ لأنه قد جاء في رواية أخرى لمسلم عنه، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فكنا إذا أسلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: "ما لكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس! إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه، ولا يومئ بيده".
وأيضًا، فلا نسلم أن الأمر بالسكون في الصلاة ينافي الرفع عند الركوع والرفع منه؛ لأن الأمر بالسكون ليس المراد منه ترك الحركة في الصلاة مطلقًا، بل الحركة المنافية للصلاة، بدليل شرع الحركة للركوع والسجود، ورفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبيرات العيدين، فإن قيل: خرج ذلك بدليل.
قيل: وكذلكم خرج الرفع عند الركوع والرفع منه بدليل، فعلم أن المراد منه الإشارة بالسلام باليد. والله أعلم.
стр. 331
قوله: (ووضع يديه على فخذيه، وبسط أصابعه وتشهد. ويروى ذلك في حديث وائل ﵁.
قال السروجي: قد ذكرنا حديث وائل، وفيه: "ثم عقد أصابعه"، وليس فيه بسط أصابعه. انتهى.
وقال ابن التركماني: وحديث وضع اليدين على الفخذين وبسط الأصابع لم أره. انتهى.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ربتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها، ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها".
стр. 332
وأخرجه أحمد والنسائي أيضًا.
فاتفق حديث ابن عمر وحديث وائل على عقد أصابع اليد اليمني وإن اختلفا في الكيفية.
قال السروجي: وفي "الذخيرة": لم يذكر الإشارة في "الأصل"، منهم من قال: لا يشير لأن مبنى الصلاة على السكينة. ومنهم من قال يشير. وذكر محمد في غير رواية الأصول حديثًا: "أنه ﵇ كان يشير". قال محمد: يصنع لصنع النبي ﷺ ، قال: وهو قول أبي حنيفة. ومثله في "المحيط". انتهى.
وهذا هو الصواب، وقول من قال لا يشير لأن مبنى الصلاة على
стр. 333
السكينة مشكل؛ فإن الإشارة بالإصبع في التشهد لا تنافي السكينة كبقية أفعال الصلاة.
قوله: (لقول ابن مسعود ﵁: "علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وآخرها، فإذا كان وسط الصلاة نهض إذا فرغ من التشهد، وإن كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء"). قال السروجي: لم أجده في كتب الأثر. وقال ابن التركماني: لم أره.
قوله: (وهذا بيان الأفضل، هو الصحيح). يعني أن النبي ﷺ قرأ في الشفع الثاني لبيان الأفضل. كان/ الأقرب إلى الدليل تصحيح رواية الحسن عن أبي حنيفة أن القراءة في الأخريين واجبة. فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه ترك القراءة في الأخريين، و [لا] قال ما يدل على جواز تركها، وقد خرج فعله بيانا لمجمل الكتاب. وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
قوله: (والذي يروى أن النبي ﷺ قعد متوركًا، ..................
стр. 334
ضعفه الطحاوي).
رواه الطحاوي من طريق فيها عبد الحميد بن جعفر وضعفه، ولكن رواه البخاري في صحيحة من طريق صحيحة ليس فيها عبد الحميد. وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث
стр. 335
حسن صحيح. فبطل تضعيف الطحاوي له.
والتورك المذكور إنما هو التشهد الثاني، وتنتظم الأدلة بترك التورك في التشهد الأول، والتورك في التشهد الثاني. والله أعلم.
قوله: (والفرض المروي في التشهد هو التقدير).
يشير إلى حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل.
فقال ﵇: "لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا: التحيات لله" وذكره إلى آخره. رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح.
فبين عبد الله أنه قد فرض، وهذا نص لا يدفع بالتأويل الذي ذكره المصنف ﵀ لأن فيه: "قولوا: التحيات لله"، والأمر للوجوب، فهذه القرينة في الحديث تمنع من تأويله، ولم يرد ما ينافيه. بل قد تقدم ما يؤيده أيضًا، وهو قوله في حديث ابن مسعود المتقدم: "وعلمني التشهد كما
стр. 336
يعلمني السورة من القرآن، وقال: قل: التحيات لله" إلى آخره.
وتقدم أن قوله: "إذا قلت هذا، أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك" لا ينافي فرضية التشهد؛ لأنه يحتمل أن يكون كلمة "أو" من كلام ابن مسعود.
أي قال لي: "إذا قلت هذا، أو قال: إذا فعلت هذا". فمع هذا الاختلاف لا يصرف قوله: "قبل أن يفرض التشهد" عن ظاهره، واستعماله إلى احتمال بعيد غير مستعمل في مثله، وإنما يستعمل في المقدرات كالمكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود. ومنه فرض القاضي النفقة أي قدرها.
ويؤيده قول عمر ﵁: "ى تجوز صلاة إلا بتشهد" رواه سعيد وغيره، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة ﵃. وزاد السروجي وجهين آخرين، فقال:
стр. 337
الثاني: هو قوله: ولعله كان ذلك منه اجتهادًا، وقوله ليس بحجة عنده
الثالث: أن التشهد الذي حكاه عبد الله أنه فرض لم يقبل الشافعي، فكان متروكًا
جواب ذلك، إن لم يكن قوله حجة عند الشافعي، ولم يقبل بتشهده، فقوله حجة عندك، وأنت أخذت بتشهده بحديثه كله
وقوله: (ولا يدعو بما يشبه كلام الناس تحرزًا عن الفساد)
فيه نظر؛ لأنه لو تكلم في هذه الحالة، أو أحدث معتمدًا لم تفسد صلاته عند أبي حنيفة وأصحابه، فكيف إذا دعا بما يشبه كلام الناس؟!
стр. 338
وقد أجيب عن هذا بأن المراد تحرزًا عن فساد هذا الجزء الذي يكون فيه الدعاء، لا فساد الصلاة، ولكت يجب تقييد هذا الإطلاق وإلا لسبق إلى الذهن فساد الصلاة.
وفي فساد الصلاة بالدعاء بما يشبه كلام الناس، وهو ما لا يستحل سؤاله من العباد نظر، ففي حديث فضالة بن عبيد، "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي، ثم ليدع بعد [بـ] ما شاء". رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ولكن قد قال تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾. وقد قيل: إن من العدوان أن يقول الداعي: اللهم ارزقني سكباحة طيبة، .......
стр. 339
ونحو ذلك من الكلام الذي [لو] سأله من آدمي مثله لاستقبح منه، فمثل هذا من العدوان المنهي عنه، فلا يدعو بما فيه اعتداء.
قوله: (وقوله: اللهم ارزقني من قبيل الأول هو الصحيح).
في تصحيحه نظر؛ فعن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني" رواه الترمذي، وأبو داود إلا أنه قال فيه: "وعافني"، مكان "واجبرني". فكان
стр. 340
قوله: "اللهم ارزقني" من الأدعية المأثورة.
قوله: (ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود).
يعني قوله: "فإذا قلت هذا أو فعلت هذا". وقد تقدم- الكلام فيه.
стр. 341
فصل في القراءة
قوله: (ويخفيها الإمام في الظهر والعصر).
تخصيص الإمام بالذكر لا فائدة فيه، بل فيه إبهام أن المنفرد يجمهر فيهما، أو يخير بين الجهر والمخافتة، وليس كذلك، بل تخافت المنفرد كالإمام وأولى.
قوله: (لقوله ﵊: "صلاة النهار عجماء").
قال السروجي: وروى جماعة من أصحابنا ذلك عن النبي ﷺ ، ولم أقف عليه. وذكر الحديث صاحب المذهب أيضًا. قال النووي: باطل غريب لا أصل له.
стр. 342
قوله: (لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع).
يعني قضاء السورة بعد الفاتحة الآخرين من العشاء.
وفيه نظر؛ وهو أن القضاء على الصفة المذكورة وإن كان مشروعًا باعتبار ترتب السورة على الفاتحة، لكنه غير مشرع باعتبار أن الشفع الثاني لم يشرع فيه قراءة الفاتحة، ولم يشرع فيه الجهر. فاعتبار ترتب الفاتحة على السورة يعارضه مخالفة المشروع من الوجهين المذكورين.
قوله: (وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة عند أبي حنيفة آية). تقدم في تعيين الفاتحة.
قوله: (وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها لا يجوز غيرها؛ لإطلاق ما تلونا).
تقدم أن إطلاق النص يقيده الخبر المشهور بتعيين الفاتحة كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور أهل العلم.
стр. 343
قوله: (ويكره أن يوقت بشيء من القرآن لشيء من الصلوات، مثل أن يقرأ "سورة السجدة" و "هل أتى على الإنسان" في الفجر كل جمعة، لما فيه من هجران الباقي وإيهام التفضيل).
قال السروجي: قال الإسبياجي والطحاوي: هذا إذا رآه ختمًا واجبًا لا يجزئ غيرها، أو رأى القراءة بغيرها مكروه [ـة]، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا بقراءة -رسول الله ﷺ فيها، أو تأسيًا به، أو لأجل التيسير عليه، فلا كراهية في ذلك ومثله في "المحيط" لكن بشرط أن يقرأ ذلك أحيانًا لئلا يظن الجاهل الغبي أنه لا يجوز غير ذلك انتهى
وكان النبي ﷺ يراعي مناسبة الحال بالقراءة، ولهذا -والله أعلم-كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بالسورتين المذكورتين، لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون يوم الجمعة من المبدأ، والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار. وكان يقرأ في العيدين بـ "قاف".
стр. 344
"واقتربت" لاشتمالهما على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أمهم، وما عامل به من كذبهم من الهلاك، ومن آمن بهم من النجاة. وتارة ب "سبح" و"الغاشية" إذا قصد التخفيف.
وتارة يقرأ في الجمعة ب"الجمعة" و "المنافقون" لما في "سورة الجمعة" مما يتعلق بأحكام الجمعة، وما في "سورة المنافقون" من ذكر المنافقين تحذيرًا لأمته من النفاق المردي، وتحذيرًا لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذكر الله، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها.
وكان يقرأ في سنة الفجر وسنة المغرب بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل
стр. 345
هو الله أحد﴾ لما تضمناه من الإخلاص. هذه لتوحيد العبادة، وهذه لتوحيد المعبود؛ فنجعل القراءة بهما أول عمل النهار وآخره. وتارة يقرأ في سنة الفجر بآيتي الإيمان والإسلام: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية، و ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية؛ لما اشتملتا عليه من معرفة الإيمان والإسلام.
فإذا قصد بقراءة مثل هذا اتباع السنة من غير هجر غيره كان حسنًا. وأما قوله: (وإيهام التفضيل) ففيه النظر؛ فإن الناس تنازعوا هل بعض كلام الله أفضل من بعض أم لا؟.
стр. 346
وهي مسألة كبرى! وأدلة التفضيل من الكتاب والسنة الكثيرة:
منها قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، فدل على أن الآيات تارة تماثل، وتارة تتفاضل، وقال تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾، وقال تعالى: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾.
والقول هنا المراد به القول المنزل من عند الله. يدل على ذلك ما قبل الآية وما بعدها، ولأنه ليس كل قول يجوز استعماله كالذب، والزور، والباطل، والكفر، ونحوه.
وقال تعالى: ﴿فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾. وقد أخرج أهل الصحيح في فضل "سورة الإخلاص" أنها تعدل ثلث القرآن، وفي فضل "الفاتحة" أنها أعظم سورة في القرآن، وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم.
стр. 347
وأنه لم ينزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها.
وفي فضل آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن، وروى أنها سيدة آي القرآن، وفي "المعوذتين" قوله: "أنزلت على آيات لم ير مثلهن قط، المعوذتان".
стр. 348
وأخرج أهل السنن في فضل "الزلزلة" أنها تعدل نصف القرآن، وفي فضل "قل يا أيها الكافرون" أنها تعدل ربع القرآن.
وأيضًا فالتوراة والإنجيل والقرآن كلام الله، مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب المنزلة قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾، وقال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾، فدل [على] أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند الله، وغير المنزلة
وأيضًا فلا يقوم غير الفاتحة مقامها في الصلاة باتفاق المسلمين، سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها، أو قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة عليه، أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد أن قراءة غيرها مساوية لقراءتها من كل وجه
стр. 349
وأيضًا فالقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وأيضًا فكونه مستويًا في أنه كلام الله لا يمنع أن يكون بعضه أفضل من بعض. ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه، لكن كلامه الذي يذكر ربه أعظم من كلامه الذي يذكر بعض المخلوقين، سواء أريد بالكلام المعاني فقط، أو الألفاظ فقط، أو كل منهما.
فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد، ولا يلزم من كونه كله عظيمًا أن لا يكون أعظم من بعض، ولا يلزم أن ما فضل عليه غيره يكون معيبًا منقوصًا، وهذا التوهم هو منشأ الغلط.
стр. 350
وكذلك الكلام في أسماء الله تعالى وصفاته، كما وردت السنة بذكر الاسم الأعظم.
وقال ﷺ : "إن الله كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
وفي رواية: "سبقت رحمتي غضبي"، فهذا دليل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها، وهما صفتان من صفاته.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: عن النبي ﷺ -أنه كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
стр. 351
عقوبتك، وأعوذ بك منك". ففيه التعوذ ببعض صفاته من بعض، وختم الحديث بأن الأمر كله له، لا ملجأ منه إلا إليه، فاستعاذته به منه باعتبار جهتين؛ يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار الأخرى.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وعليه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين).
أما الحديث فأخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني من طرق كلها ضعاف. وأما دعوى إجماع الصحابة فغير صحيحة، فقد روى عبد الرازق في مصنفه عن عبادى بن الصامت أنه قال: "لا أدعها إمامًا ولا
стр. 352
مأمومًا". يعني قراءة الفاتحة. هكذا رواه عنه ولم يقيده بجهر ولا مخافتة.
وروي أيضًا عن أبي بن كعب أنه يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر وكذا روى عن ابن عمر [و] أيضًا.
وروى أيضًا عن عمر ﵁ أمر بالقراءة خلف الإمام. ورورى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "لابد أن يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر". وكذلك [حكى] الخلاف في القراءة خلف الإمام عن جماعة من التابعين.
стр. 353
قوله: (ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد).
أطلق استحسان القراءة فيما يروى عن محمد، وإنما قال محمد في حال المخافته. وهو اختيار أبي حفص الكبير، وهو قول مالك، والأوزاعي والليث، وأشهر الروايتين عن أحمد. وهو أعدل الأقوال، وهو الذي فهمه جمهور الصحابة.
стр. 354
ففي حديث أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم آنفًا"؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن". فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ". رواه مالك، وأبو داود، والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن.
وبه تنتظم الأدلة التي تذكر في القراءة خلف الإمام وعدمها، ويندفع التعارض؛ فإن قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، وقوله ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا" الحديث. إنما يكون الإنصات في حال الجهر، ومعلوم أن
стр. 355
الإمام يجهر لأجل المؤتم، ولهذا يؤمن على دعائه، فإذا لم يستمع ضاع جهره.
والاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، فإذا لم يسمع فليقرأ لأنه لا يسمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة، فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة فلا تفوته بلا فائدة، بل يكون إما مستمعًا وإما قارئًا. وإن كان الإمام متحملًا عنه فرض القراءة فقراءته خير له من السكوت الذي لا استماع معه؛ ليتدبر معاني القرآن، ولا تغلبه الوساوس، مع أن في تحمل الإمام فالقراءة عن المأموم خلافًا بين المشايخ.
قال السروجي: وذكر في "شرح الجامع" للشيخ ركن الإسلام علي السغدي عن بعض مشايخنًا: أن الإمام لا يتحمل القراءة عن المقتدي [في الصلاة المخافتة]. انتهى.
следующие страницы →