← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عقوبتك، وأعوذ بك منك". ففيه التعوذ ببعض صفاته من بعض، وختم الحديث بأن الأمر كله له، لا ملجأ منه إلا إليه، فاستعاذته به منه باعتبار جهتين؛ يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار الأخرى. قوله: (ولنا قوله ﵊: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وعليه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين). أما الحديث فأخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني من طرق كلها ضعاف. وأما دعوى إجماع الصحابة فغير صحيحة، فقد روى عبد الرازق في مصنفه عن عبادى بن الصامت أنه قال: "لا أدعها إمامًا ولا

стр. 352

مأمومًا". يعني قراءة الفاتحة. هكذا رواه عنه ولم يقيده بجهر ولا مخافتة. وروي أيضًا عن أبي بن كعب أنه يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر وكذا روى عن ابن عمر [و] أيضًا. وروى أيضًا عن عمر ﵁ أمر بالقراءة خلف الإمام. ورورى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "لابد أن يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر". وكذلك [حكى] الخلاف في القراءة خلف الإمام عن جماعة من التابعين.

стр. 353

قوله: (ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد). أطلق استحسان القراءة فيما يروى عن محمد، وإنما قال محمد في حال المخافته. وهو اختيار أبي حفص الكبير، وهو قول مالك، والأوزاعي والليث، وأشهر الروايتين عن أحمد. وهو أعدل الأقوال، وهو الذي فهمه جمهور الصحابة.

стр. 354

ففي حديث أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم آنفًا"؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن". فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه رسول الله ﷺ من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ". رواه مالك، وأبو داود، والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن. وبه تنتظم الأدلة التي تذكر في القراءة خلف الإمام وعدمها، ويندفع التعارض؛ فإن قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، وقوله ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا" الحديث. إنما يكون الإنصات في حال الجهر، ومعلوم أن

стр. 355

الإمام يجهر لأجل المؤتم، ولهذا يؤمن على دعائه، فإذا لم يستمع ضاع جهره. والاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، فإذا لم يسمع فليقرأ لأنه لا يسمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة، فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة فلا تفوته بلا فائدة، بل يكون إما مستمعًا وإما قارئًا. وإن كان الإمام متحملًا عنه فرض القراءة فقراءته خير له من السكوت الذي لا استماع معه؛ ليتدبر معاني القرآن، ولا تغلبه الوساوس، مع أن في تحمل الإمام فالقراءة عن المأموم خلافًا بين المشايخ. قال السروجي: وذكر في "شرح الجامع" للشيخ ركن الإسلام علي السغدي عن بعض مشايخنًا: أن الإمام لا يتحمل القراءة عن المقتدي [في الصلاة المخافتة]. انتهى.

стр. 356

والإنصات لا يكون إلا في حال الجهر، وأما المخافتة فليس فيها صوت مسموع حتى ينصت له. وقول المصنف: (إقامة لفرض الإنصات) فيه نظر؛ فإنه ذكر في "المغرب" أنصت: سكت للاستماع، فعلم أن السكوت المجرد لا يقال له: "أنصت"؛ لأنه غير مرادف له. فإذا فات الاستماع فات الإنصات، والمأمور به الإنصات لا السكوت. والإنصات والسكوت والاستماع كل منها له معنى يخصه. فالإنصات سكوت للاستماع -كما قال في "المغرب"- فهو أخص من كل الاستماع والسكوت، فعطفه على الاستماع من باب عطف الخاص على العام، فلا يتصور الإنصات في حال المخافتة. وقوله: (ويكره عندهما لما فيه من الوعيد).

стр. 357

فيه نظر؛ لأنه لم يرد نهي ولا وعيد لمن قرأ في حال مخافته الإمام. وما ورد من النهي والوعيد المطلق لم يثبت منه شيء.

стр. 358

باب الإمامة (الجماعة سنة مؤكدة لقوله ﵊: "الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها الإ منافق"). قال السروجي: إنه من قول ابن مسعود، لم يرفعه إلى النبي ﷺ ، ورفعه خطأ. انتهى. وقد استدل بهذا الحديث من قال بفرضيتها؛ فإن لفظ الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من

стр. 359

رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله بكل خطوة يخطوها حسنة، وبرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتي به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف" رواه مسلم. ووجه الدلالة أنه جعل التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، ولا يكون ذلك إلا لترك فريضة أو فعل محرم، وأكد ذلك بقوله: "من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا". وسمى المتخلف عنها تاركًا للسنة التي هي طريقة رسول الله، وشريعته التي شرعها لأمته، وليس المراد السنة التي من شاء فعلها ومن شاء تركها؛ فإن تلك لا يكون تركها ضلالًا ولا من علامات النفاق وضموا إلى ذلك [أدلة] من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾ الآية ووجه الدلالة أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في حال الخوف، وذلك دليل على وجوبها

стр. 360

حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن وأيضًا فإنه شرع صلاة الخوف جماعة، وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام. قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة لكان قد التزم فعلًا محظورًا مبطلًا للصلاة، وترك المتابعة الواجبة لأجل سنة، مع أنه كان من الممكن أن يصلوا وحدانًا صلاة تامة، فعلم أنها واجبة، أي فرض. ومنها: قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآوتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾.

стр. 361

والمراد المقارنة بالفعل، وهي الصلاة جماعة، لأن الأمر بالصلاة قد تقدم، فلابد من فائدة أخرى. وتخصيص الركوع لأن بإدراكه تدرك الصلاة، فمن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة. ومنها حديث أبي هريرة المتفق عليه، عنه ﷺ أنه قال: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وفي لفظ: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت ... " الحديث. وفي المسند وغيره: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة ... " الحديث.

стр. 362

فبين العذر في عدم التحريق، وذلك بمنزلة إقامة الحد على الحبلى، وقد قال سبحانه: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ الآية. ولا يقال إنما هم بقتلهم لنفاقهم؛ لأنه ﷺ لم يكن يقتلهم على الأمور الباطنة، وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب، أو فعل محرم، ولأنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة، فيجب ربط الحكم بالسبب الذي ذكره. ومنها أن أعمى أستأذن النبي ﷺ في أن يصلي في بيته فأذن له، فلما ولى دعاه فقال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "أجب الصلاة" رواه مسلم، والنسائي. والرجل الأعمى هو ابن أم مكتوم كما جاء مصرحًا به في رواية أبي

стр. 363

داود والنسائي أيضًا. ولا يصح معارضة هذا الحديث بحديث عتبان بن مالك، فإن ذاك قال: يا رسول الله، إن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي. فكان عذره أمرًا زائدًا على مجرد العمى، وهو حيلولة السيول بينه وبين المسجد. وأجابوا عن احتجاج المسقطين لفرضيتها بتفضيل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده، فقالوا: التفضيل لا يدل على أن المفضول جائز، فقد قال تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم﴾. والسعي واجب، والبيع لا يجوز. أو هو محمول على المعذور؛ فإن هذا بمنزلة قوله: "صلاة القاعد على

стр. 364

النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد". والمراد المعذور، وهذا أحد القولين في تفسير هذا الحديث، وهو الصحيح. والقول الآخر أن المراد النفل دون الفرض، ومن قال هذا القول لزمه أن يجوز تطوع الصحيح مضطجعًا. وقد التزمه بعض المتأخرين. ولكن أكثر العلماء أنكروا ذلك وعدوه بدعة وحدثًا في الإسلام، وقالوا: لا يعرف أن أحدًا قط صلى في الإسلام على جنبه وهو صحيح، ولو كان مشروعًا لفعلوه، أو فعله النبي ﷺ ولو مرة تبينًا للجواز. فإنه ورد أنه تنفل قاعدًا،

стр. 365

وعلى راحلته، ولم يرد أنه تنفل مضطجعًا. فإن قيل: قد قال ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر/ كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم". فالجواب أن هذا الأجل نيته وعجزه عنه. وهذا ومثله يبين أن المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت تينه أن يفعل، وقد عمل ما يقدر عليه، وذلك لا يقتضي أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح. وأيضًا فليس كل معذور يكتب له مثل عمل الصحيح، وإنما يكتب له إذا كان يقصد عمل الصحيح ولكن عجز عنه. فالحديث يدل على أن من كانت عادته الصلاة في الجماعة والصلاة قائمًا، ثم ترك ذلك لمرضه فإنه يكتب له ما كان يعمل وهم صحيح مقيم، وكذلك المتطوع. وأما من لم يكن عادته الصلاة في الجماعة ولا الصلاة قائمًا، إذا مرض فصلى وحده، أو صلى قاعدًا فهذا لا يكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح. وأيضًا فهذا التفضيل إنما يكون بين صلاتين صحيحتين، فإن الحديث ما سيق لبيان صحة الصلاة وفسادها، فوجوا القيام والجماعة وسقوطهما يتلقى من أدلة أخر.

стр. 366

قوله: (لقوله ﵊: "من صلى خلف عائم تقي فكأنما صلى حلف نبي". قال السروجي: لم أقف عليه في كتب الحديث، لكن معناه قوله ﷺ : "اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم بينكم وبين ربكم" رواه الدارقطني. انتهى. وهذا الذي رواه الدارقطني ضعيف، ضعفه البيهقي وغيره. والأول منكر. قوله: (لقوله ﵊ لا بني أبي مليكة: "أذنًا وأقيمًا وليؤمكما أكبر كما سنًا"). قوله: (وحمل فعلها الجماعة على ابتداء الإسلام). يعني صلاة

стр. 367

عائشة بالنساء جماعة. قال السروجي: وفيه بعد؛ لأن النبي ﷺ أقام بمكة بعد النبوة ثلاث عشر [ة] سنة، هكذا رواه البخاري ومسلم. ثم تزوج عائشة ﵂ وبني بها بالمدينة وهي بنت تسع، فبقيت عنده تسع سنين. قال صاحب المحيط: صلت بهن العصر، وما تصلي إمامًا إلا بعد بلوغها، فكيف يستقيم حمله على ابتداء الإسلام؟ لكن يمكن أن يقال: إنه

стр. 368

منسوخ وإن لم يكن في ابتداء الإسلام، بل كان ذلك حين كان النساء يحضرن الجماعات ثم نسخت جماعتهن، هكذا قالوا. انتهى ما قال السروجي رحمة الله. ولقد أنصف إذ قال: هكذا قالوا. فإن هذه عبارة فيها تلويح بضعف هذه المقالة، والأمر كذلك. فما أصعب هذه الدعوى، وأصعب إثباتها! فأين شروط النسخ من وجود معارض مقاوم متأخر؟ وليس النسخ بمجرد الدعوى! ولا يترك لرسول الله ﷺ سنة صحيحه أبدًا بدعوى إجماع، ولا دعوى نسخ، إلا أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر نقلته الأمة وحفظته؛ إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حكمه، وتحفظ المنسوخ الذي قد بطل العمل به، ولم يبق من الدين. ولا يجوز أن يقال: يمكن أن يكون منسوخًا، ولا يذكر التاريخ ومن وراه. وكان النساء يحضرن الجماعات ويصلين جماعة، ولم يمنعن من

стр. 369

ذلك في حياة النبي ﷺ ؛ وبعد وفاته لا يمكن النسخ. قوله: (أما المرأة فلقوله ﵊: "أخروهن من حيث أخرهن الله". قال السروجي: هذا الحديث مذكور في كتب الفقه، ثم نقل عن شيخه قاضي القضاة، صدر الدين سليمان: أنه كان يعزوه إلى مسند رزين بن معاوية. انتهى. وذكره ابن الأثير في "جامع الأصول" وعزاه إلى مسند رزين أيضًا. وقال ابن التركماني: ذكره الطبراني موقوفًا على ابن مسعود. والعجب أن المصنف ﵀ ادعى بعد هذا في مسألة المحاذاة أنه من

стр. 370

المشاهير، وهو/ غير ثابت عند أهل الحديث، فضلًا عن شهرته. قوله: (لأنها عرفت مفسدة بالنص، بخلاف القياس، فيراعي جميع ما ورد به النص). ليس في مسألة المحاذاة حديث غير الحديث المتقدم، وهو "أخروهن من حيث أخرهن الله". وفي ثبوته نظر؛ فأين ورد النص بأن تكون الصلاة مشتركة، وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أهل الشهوة، وأن لا يكون بينهما حائل، وأن ينوي المأموم إمامتها، وأن تكون المحاذاة في ركن كامل؟ قوله: (غير أن الفساق انتشارهم في الظهر والعصر والجمعة. أما في الفجر والعشاء فهم نائمون، وفي المغرب بالطعام مشتغلون). الظاهر أن هذا مما يختلف باختلاف الأحوال، وكأن الإمام أبا حنيفة

стр. 371

رحمه الله بني الجواب على ما بلغه من حال فساق زمانه. وأما في زماننا، فأكثر ما ينتشر في وقت العشاء والمغرب يستترون بظلمة الليل؛ فيجب على المفتي النظر في مثل ذلك. ولهذا نظائر تأتي في أماكنها يقول الأصحاب فيها: هذا مما يختلف باختلاف العصر والزمان. قوله: (ويصلي القائم خلف القاعد. وقال محمد: لا يجوز، وهو القياس لقوة حال القائم، ونحن تركناه بالنص، وهو ما روي "أنه ﵊ صلى آخر صلاته قاعدًا والقوم خلفه قيام"). قال ابن المنذر: واختلف أهل العلم في الإمام يصلي بالناس جالسًا من علة، فقالت طائفة: يصلون قعودًا، فمن فعل ذلك جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير.

стр. 372

وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: كذا قال النبي ﷺ وفعله أربعة من الصحابة. قال أبو بكر: الرابع هو في الخبر الذي رويناه عن قيس بن (قهد)، أن إمامًا لهم اشتكى على عهد النبي ﷺ فكان يؤمنا جالسًا ونحن جلوس، ثم حكى بقية الأقوال، ثم اختار قول أحمد. ويؤيد ما ثبت في حديث عائشة، وأنس ﵄، عن النبي ﷺ "أنه لما سقط عن فرس فجحش شقه الأيمن". وفي رواية: "فانفكت قدمه، فدخل عليه أصحابه يعودونه، فحضرت

стр. 373

الصلاة، فصلى بهم قاعدًا، وصلوا وراءه قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا فصلوا وراءه قعودًا. فلما قضي الصلاة قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع لله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا جلوسًا أجمعين" متفق عليه. وفي رواية لأبي داود من حديث جابر: "ولا تفعلوا كما تفعل فارس بعظمائها". ولم يثبت ما ينسخه؛ فإن صلاته التي صلاها في مرض موته جالسًا، اختلفت الصحابة ﵃ فيها، هل كان النبي ﷺ هو الإمام أو أبو بكر ﵁؟.

стр. 374

فعن أنس ﵁ قال: "صلى رسول الله ﷺ في مرضه أبي بكر قاعدًا". وعن عائشة ﵂ قالت: "صلى النبي ﷺ خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدًا" رواهما الترمذي وصححهما. وعن عائشة ﵂ أيضًا: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويفتدي الناس بصلاة أبي بكر". وعنها ﵂ قالت: "من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله ﷺ -في الصف. ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر". ذكره ابن عبد البر في التمهيد بسنده. وعن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره" رواه مسلم. ومع هذا الاضطراب لا يثبت النسخ.

стр. 375

قوله: (لقوله ﵊: "من أم قومًا ثم ظهر أنه كان محدثًا، أو جنبًا، أعاد صلاته وأعادوا". رواه الدارقطني بإسناده عن أبي جابر البياضي، عن ابن المسيب، أنه ﵊: "صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا". وعن على/ ﵁، عن النبي ﷺ : "أنه صلى بهم ثم انصرف، ثم جاء ورأسه يقطر، فأعاد بهم". وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه".

стр. 376

قال أبو الفرج: أما الحديث الأول، فقال الدارقطني: هو مرسل وأبو جابر متروك الحديث. وأما الحديثان الأخيران فلا يعرفان. انتهى. وما رواه المصنف ﵀ فغير معروف، وإنما روى الإمام أحمد عن أبي بكرة: أن النبي ﷺ استفتح الصلاة فكبر، ثم أومأ إليهم: أن مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر، فصلى بهم. فلما قضي الصلاة قال: "إنما أنا بشر، وإني كنت جنبًا". رواه أبو داود أيضًا، وقال: رواه أيوب، [و] ابن عون، وهشام

стр. 377

عن محمد عن النبي ﷺ قال: ((فكبر ثم أومأ إلى القوم: أن أجلسوا، وذهب فاغتسل)). انتهى. وهذه الإعادة للتذكر في الصلاة، أما التذكر بعد الصلاة فقد صح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب ولم يعلم، فأعاد ولم يعيدوا. وكذلك عثمان، ويروى عن علي من قوله، ذكر ذلك في المنتقى في الأحكام.

стр. 378

وزاد ابن المنذر ابن عمر، وحكاه عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، واختاره. ويشهد لذلك حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم)). والله أعلم. ***

стр. 379

باب الحدث في الصلاة قوله: (والقياس أن يستقبل، وهو قول الشافعي ﵀). الصحيح من مذهب الشافعي جواز الاستخلاف، وهو قوله الجديد. قال النووي: ومن أصحابنا من قطع بالجواز، وقال: إنما القولان في الاستخلاف في الجمعة خاصة. قوله: (ولنا قوله ﵊: ((من قاء، أو رعف، أو أمذى في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم يتكلم))). تقدم في ذكر نواقض الوضوء الإشارة إلى ضعف الحديث المذكور. قوله: (وقال ﵊: إذا صلى أحدكم فقاء أو رعف

стр. 380

فليضع يده على فمه، وليقدم من لم يسبق بشيء))). قال ابن التركماني: وروى الدارقطني عن علي قال: ((إذا أم القوم فوجد في بطنه رزءًا، أو رعافًا، أو قيئًا، فليضع ثوبه على أنفه، وليأخذ بيد رجل من القوم فليقدمه)) ضعفوه. وما ذكره في الهداية في هذا الحديث: ((وليقدم من لم يسبق بشيء)) لم أره. انتهى. وقول أبي حنيفة بجواز البناء والاستخلاف دليل على جلالة قدره، فإنه [ترك الـ] أخذ بالقياس لمثل هذا الحديث، فكيف إذا بلغه حديث صحيح في حكم من الأحكام، فلا والله، ما أظنه قط أنه كان يعرض عنه ويعدل إلى القياس. فمن انتسب إليه يجب أن يسلك طريقته، ولا يأخذ بالقياس مع وجود

стр. 381

النص وإن كان الحكم منقولًا عن إمامه، فعذر إمامه لا ينفعه عند الله. وهذا معلوم، ولكن الهوى يحمل بعض المتعصبين على العمل بخلافه. قوله: (فالعجز عن القراءة غير نادر). يعني إذا حصر الإمام عن القراءة فقدم غيره. وفي تعليله نظر؛ فإن عجز الإمام عن أن يقرأ ولو آية قصيرة في غاية الندرة، وإنما يحكى عن بعض الأئمة. والأخذ بقول أبي يوسف ومحمد في عدم جواز الاستخلاف بسبب الحصر عن القراءة أولى. قوله: (ومن اقتدى بالإمام بعدما صلى ركعة، فأحدث الإمام فقدمه أجزأه لوجود المشاركة في التحريمة). في جواز استخلاف المسبوق إشكال، وهو أنه روي في صدر الباب في

стр. 382

الحديث الذي ذكره: ((وليقدم من لم يسبق بشيء)). وحكم الاستخلاف عرف بالنص، فيقتصر عليه. ولو لم يرد التقييد بغير المسبوق في النص لكان المقياس يقتضي عدم جواز استخلافه؛ لعجزه عن التسليم بالقوم إذا جاء أوانه، فكيف إذا ورد النص بالتقيد على ما روى هو. وجواز أصل الاستخلاف لضرورة صيانة المؤدى عن البطلان، واستخلاف المسبوق من التسليم بالقوم عمل مناف من غير ضرورة، فيكون مبطلًا للصلاة. ***

стр. 383

باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها قوله: (ولنا قوله ﵊: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن))، وما رواه محمول على رفع الإثم). فيه نظر؛ فقد ورد من السنة ما يؤيد ما ذهب إليه الشافعي، وهو حديث ذي اليدين، فإن كلام النبي ﷺ فيه كان ناسيًا، وكلام غيره لإصلاح الصلاة.

стр. 384

ودعوى النسخ فيها نظر؛ لأن نسخ الكلام في السنة الثانية من الهجرة لما نزل قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، وراوي حديث ذي اليدين

стр. 385

أبو هريرة، وإسلامه في السنة السابعة عام خيبر. وعن عطاء: ((أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين ونهض ليستلم الحجر، فسبح القوم، فقال: ما شأنكم؟ قال: فصلى ما بقي، وسجد سجدتين)) قال: فذكر ذلك لابن عباس فقال: ((ما أماط عن سنة نبيه ﷺ )). رواه أحمد. وأيضًا فإن الكلام في الصلاة من باب التروك، فيعذر فيه بالخطأ والنسيان كما في الصوم، بل أولى؛ لأن الكف عن الأكل والشرب في الصوم [ركن]، والكلام في الصلاة محظور، والإثم فيه مرفوع إجماعًا، فإذا رفع إثمه لم يبق محظورًا. وإذا لم يكن الأكل ناسيًا منافيًا للصوم مع كون الكف عنه ركنًا فلأن لا يكون الكلام ناسيًا منافيًا للصلاة بطريق الأولى. قوله: (وإن كان من وجع، أو مصيبة قطعها؛ لأن فيه إظهار الجزع والتأسف، فكان من كلام الناس). يعني التأوه، وفيه تفصيل، وهو أنه إن أمكن الامتناع يفسد، وإلا فلا.

стр. 386

ذكره المحبوبي عن أبي يوسف، وهذا لابد منه. وفي تعليله نظر؛ فإن اللفظ على ثلاث درجات: أحدها: أن يدل على معنى بالوضع، كيد، وخذ، وفي. وهذا هو الذي يسمى المركب منه كلامًا في العرف واللغة. الثاني: أن يدل على معنى بالطبع كالأنين، والتأوه، والبكاء، ونحو ذلك. الثالث: أن لا يدل على معنى لا بالوضع ولا بالطبع كالنحنحة، وكل من هذين النوعين لا يسمى كلامًا، لا عرفًا، ولا لغة. حتى لو حلف لا يتكلم لم يحنث بهذه الأمور. ولو حلف ليتكلمن لا يبر بمثل هذه الأمور.

стр. 387

قوله: (وقيل: بأن الأصل عنده أن الكلمة إذا اشتملت على حرفين وهما زائدان، أو أحدهما لا يفسد). في ثبوت هذا عن أبي يوسف ﵀ نظر. فإن هذا غلط؛ فإن الحروف الزوائد لم تسم زوائد لأنها لا تكون إلا زوائد، بل لأنها لا تكون الزوائد إلا منها. أي الزوائد على أصل بنية الكلمة كالهمزة من ((أخرج))، والتاء من ((تكلم))، والهمزة من ((انطلق))، والهمزة والسين والتاء من ((استخرج))، ونحو ذلك. وأما إذا قيل: ((نسي)) مثلًا، فهذه الحروف كلها أصول غير زوائد، وإن كان قد يوجد منها في كلمة أخرى ما هو زائد على أصل تلك الكلمة كالنون من ((انكسر))، والسين من ((استكمل))، والياء من ((كريم))، ونحو ذلك. وقد قال المصنف بعد ذلك إن هذا لا يقوى، ولكنه ما أشبع في البيان. قوله: (وينوي الفتح على إمامه، دون القراءة، هو الصحيح؛ لأنه مرخص فيه، وقراءته ممنوع عنه). تصوير القول المرجوح، وهو أن ينوي بالفتح على إمامه القراءة دون

стр. 388

الفتح عليه فيه بعد كبير؛ لأن النية عمل القلب، وهو حين جهر بالقراءة إنما جهر بها ليسمع الإمام ويتذكر ما نسي، وهذا هو الفتح على الإمام. فإذا قال: أنا أريد أن أقرأ، ولا أريد أن يسمع الإمام ليتذكر كان هذا إخبارًا عن غير الواقع، وكان حاله يكذبه، ومحال أن يريد شيئًا وينوي خلافه؛ لأن النية هي الإرادة، أو أنها إرادة مخصوصة. فإن النية تتعلق بعمل نفسه، والإرادة تتعلق بعمله وعمل غيره؛ فإنك تقول: أردت من فلان كذا. ولا تقول: نويت منه. وقراءة المؤتم جهرًا ليسمع الإمام إرادة من نفسه للقراءة والإسماع. ولو أراد القراءة فقط لم يجهر ليسمع إمامه، فالقول المرجوح ممنوع تصوره فلا يحتاج أن يقول: لأنه مرخص فيه، وقراءته ممنوع عنه. قوله: (ولو كان الإمام انتقل إلى آية أخرى تفسد صلاة الفاتح وتفسد صلاة الإمام لو أخذ بقوله). قال السروجي: قال في ((المحيط)): وذكر في ((الأصل)) و ((الجامع الصغير)) أنه يجوز مطلقًا؛ لأن الفتح عمل يسير، وأنه تلاوة حقيقة.

стр. 389

وفي ((قاضي خان)): إن قرأ مقدار ما تحوز به الصلاة ففتح عليه، قالوا: تفسد صلاته وصلاة الإمام إن أخذ منه. والأصح أنه لا تفسد للحاجة. قوله: (لقوله ﵊: ((لا يقطع الصلاة مرور شيء)). أخرجه أبو داود، وضعفه ابن قدامة المقدسي والنووي). وما ورد من الدليل على قطع الصلاة بمرور الكلب الأسود البهيم، والمرأة، والحمار، صحيح لا يصلح هذا لمعارضته. وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب. ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل)). وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره [إذا كان بين يديه] مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة

стр. 390

الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)). قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي، سألت رسول الله ﷺ -كما سألتني فقال: ((الكلب الأسود شيطان)). رواها مسلم وأبو داود وغيرهما. قال ابن المنذر: قال أنس بن مالك، والحسن البصري، وأبو الأحوص: ((يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)).
следующие страницы →