Полный текст (2 128 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
"ليس فيما دون الأربعين صدقة"، ولأن الحرج مدفوع وفي إيجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف).
كلا الحديثين ضعيف. أخرج الأول البيهقي وضعفه. والثاني: الدارقطني. والتعليل أيضًا ضعيف؛ لأنه إذا قل الكسر بحيث يكون شحوطًا أو رجحانًا فمعفو عنه فلا كلام فيه للحرج، وما عدا ذلك لا حرج في اعتباره مع أن أبا حنيفة قد أوجب العشر في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره. ولم يقل هناك أن في الإيجاب في القليل حرجًا فدل على أن مثل هذا التعليل لا يرتضى.
وجمهور العلماء على أنه لا وقص في الذهب والفضة، الأئمة الثلاثة
стр. 597
وغيرهم، وسلفهم في ذلك علي، وابن عمر ﵃، قال في المغني: ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة فكان إجماعًا.
قوله: (لأن الدراهم لا تخلو عن قليل غش لأنها لا تنطبع إلا به) ممنوع!
لأن الفضة الخالصة تنطبع من غير شك، ولكن جرت العادة في بعض الممالك بخلط قليل من النحاس معها في مقابلة أجرة الصياغ، وثمن الوقود؛ ولهذا بعض أنواع الدراهم فضة خالصة.
* * *
стр. 598
فصل في الذهب
قوله: (وليس دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما بحساب ذلك وهي مسألة الكسور، وكل دينار عشرة دراهم في الشرع، فيكون أربعة مثاقيل في هذا كأربعين درهمًا).
تقدم أن الحديثين المذكورين في مسألة الكسور ضعيفان، وعلى تقدير ثبوتهما فاعتبارهما في الذهب مشكل؛ لأن أحد القيراطين من أربعة مثاقيل كسور أو اعتبار قيمة الدينار الشرعي يلزم منه اعتبارهما في نصاب الذهب.
فإن قيل: ثبت تقدير نصاب الذهب بالنص! فالجواب: أن النص الذي
стр. 599
فيه تقدير نصاب الذهب كما تقدم في آخره ((فمازاد فبحساب ذلك)) وقول أبي يوسف ومحمد في مسألة الكسور أقوى.
قوله: (ولنا أن السبب مال نام ودليل النماء موجود وهو الإعداد للتجارة خلقة).
فيه نظر فإن للشافعي رحمة الله أن يقابله بالمنع. وكذلك قولهم: إنها خلقت أثمانًا ممنوع أيضًا، فإنها إنما خلقت أثمانًا في الاصطلاح إذا كانت مضروبة. وأما ما ورد في مسألة الحلي من الجانبين من السنة فقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء.
стр. 600
فصل في العروض
قوله: (لقوله ﵊: ((يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم).
في زكاة عروض التجارة أحاديث في السنن خلاف هذا الحديث، أما هذا الحديث فقال السروجي: لا أصل له.
قوله: (وإذا كان النصاب كاملًا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة؛ لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه).
للمخالف أن يمنع من اعتبار مثل هذه المشقة. ويقول: قوله ﵊: ((لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول). يقتضي اشتراط كمال النصاب في جميع الحول، وإذا نقص في أثناء الحول لم يكن الحول قد
стр. 601
حال عليه، وإنما حال على بعضه. وقد قال الأصحاب، فيمن حلف لا يبيع امته ولا يهبها: أن لو باع نصفها ووهب نصفها لم يحنث؛ لأنه لم يكن قد باعها ولا وهبها، وإنما باع نصفها ووهب نصفها. فهنا أولى. فإن هناك مقصوده باليمين أن لا يخرجها عن ملكه بعوض ولا بغيره وقد خرجت ولم يحنثوه، فكيف يقال هنا بوجوب الزكاة في مال لم يحل عليه الحول؟! ولا ينفع التعليل بالمشقة وبأن ما بين طرفي الحول حاله البقاء في مقابلة هذا النص.
стр. 602
باب فيمن يمر على العاشر
قوله: (لقول عمر ﵁: ((فإن اعياكم فالعشر)).
لا يعرف هذا عن عمر في شيء من كتب الحديث المعروفة.
قوله: (ووجه الفرق على الظاهر أن القيمة في ذوات القيم لها حكم العين والخنزير منها).
يرد على هذا ما لو اشترى ذمي من ذمي دارًا بخمر أو خنزير وشفيعها مسلم فإنه يأخذها بالشفعة بقيمة الخمر والخنزير، فلم يجعل قيمة الخنزير كعينة هناك. ولكن هنا مانع يمنع الأخذ عن الخمر والخنزير لأن الأخذ لأجل الحماية؛ ولا يحمي المسلم الخمر ولا الخنزير.
стр. 603
قوله: (والمسلم يحمي خمر نفسه للتخليل فكذا يحميها على غيره).
للمخالف أن يمنع من أن يجوز للمسلم أن يحمي خمر نفسه للتخليل لحدث أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ سئل عن الخمر، أتتخذ خلًا؟ قال: لا) أخرجه مسلم والترمذي.
وسيأتي الكلام على ما في مسألة تخليل الخمر من الإشكال في كتاب الأشربة- إن شاء الله تعالى-. وإذا ثبت أن المسلم لا يحمي خمر نفسه ولا خنزيره ولا قيمة لهما بالنسبة إليه، فلا يعشرهما، وروى ابو عبيد أن عتبة ابن فرقد ((بعض إلى عمر بن الخطاب ﵁ بأربعين ألف درهم صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثت إلي بصدقة الخمر وأنت أحق بها من المهاجرين وأخبر بذلك الناس وقال: والله لا أستعملك على شيء بعدها)) قال: فنزعه.
стр. 604
وروى/ بسنده أيضًا إلى المثنى بن سعيد قال: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أن ابعث إلى تفصيل الأموال التي قبلك من أين دخلت؟ فكتب إليه بذلك وصنفه، فكان فيما كتب إليه من عشر الخمر أربعة آلاف درهم. قال: فلبثنا ما شاء الله ثم جاء جواب كتابه أنك كتبت إلي تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف، وإن الخمر لا يعشرها مسلم ولا يشتريها، ولا يبيعها)). وسيأتي في آخر البيوع إن شاء الله تعالى الكلام على ما روي أن عمر ﵁ قال عن الخمور والخنازير: ((ولو هم بيعها وخذوا العشر من أثمانها)).
стр. 605
باب المعدن والركاز
قوله: (ولنا قوله ﵊: (وفي الركاز الخمس) وهو من الركز فأطلق على المعدن).
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) رواه الجماعة. العجماء: البهيمة، والجبار: الهدر، و (البئر جبار) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن من حفر بئرًا من غير تعد، إما في ملكة أو في فلاة السبيل فسقط فيها أحد فهو هدر.
الثاني: أن من استأجر رجلاً ليحفر له بئراً فانهارت عليه فمات فهو هدر.
(والمعدن جبار) يحتمل وجهين أيضاً.
стр. 606
أحدهما: أن من استأجر رجلًا ليحفر له معدنًا فانهار عليه فهو هدر.
الثاني: من استخرج معدنًا فهو له ولا يخمس.
وعلى الوجه الأول حمله أبو حنيفة ومن قال بقوله. وعلى الوجه الثاني حمله الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما. ورجع الوجه الأول بقوله. وعلى الوجه الثاني حمله الشافعي وأحمد من قال بقولهما. ورجع الوجه الأول بقوله ﵇: (ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه، وفي الركاز الخمس) رواه النسائي وغيره.
وبقوله ﵇: (الركاز هو الذهب الذي نبت مع الأرض) رواه البيهقي وغيره. [وفي حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (وفي الركاز الخمس) قيل: يا رسول الله، ما الركاز. قال: (هو الذهب والفضة)
стр. 607
المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض) رواه البيهقي وغيره. وفي حديث عنه ﷺ أنه قال: (وفي السيوب الخمس). والسيوب: عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض ذكره في (الإمام). ولأنه كان في أيدي الكفار وحوته أيدينا غلبة فكان غنيمة، وفي الغنائم الخمس.
ورجع الوجه الثاني لحديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد (أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من
стр. 608
ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم" رواه أبو داود ومالك في الموطأ.
ولأنه مباح سبقت يده إليه كالصيد والكلأ والزمرد ونحوه، والقار ونحوه. أما الأحاديث من الجانبين فضعيفة تكلم كل فريق على تضعيف ما استدل به الفريق الآخر منها، فبقى النظر في كونه غنيمة فيخمس، أو ليس بغنيمة فلا يخمس.
فإن كان المعدن في أرض قد أسلم أهلها عليها، أو فتحت صلحاً وأقر أهلها عليها فلا ينبغي أن يخمس قولاً واحداً؛ لأن هذه الأرض وما هو متصل بها اتصال قرار كالشجر ونحوه لا تخمس بالاتفاق، وكذلك ما فتحت عنوة
стр. 609
وأقر أهلها عليها أيضًا لأنها لا تخمس عندنا. فلم يبق إلا ما فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين وفي تخميسها نطر على ما يأتي في كتاب السير إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فينبغي على ما قلت أنه لا يخمس الركاز الموجود في أرض أسلم أهلها عليها أو فتحت صلحاً وأقر أهلها عليها أيضًا لأنه ليس بغنيمة!
فالجواب: أن تخميسه بقوله ﷺ : (وفي الركاز الخمس) لا بالنظر في كونه من أجزاء الأرض المغنومة أو لا، ولا بالنظر في كونه غنيمة أو لا.
وترجيح آخر للوجه الثاني وهو أن اعتبار الوجه الأول يلزم منه التكرار؛ لأنه قد فهم من قوله: "والبئر جبار" أن من استأجر أجيرًا ليحفر له حفيرًا فإنهار عليه فهو هدر، فحمله على الوجه الثاني أحثث وأولى لأن التأسيس أولى من التأكيد.
стр. 610
وأيضًا فإن من جعل اسم الركاز شاملاً للمعدن لم يطرده في كل معدن بل أخرجوا منه الزمرد ونحوه. والمعدن الذي يجده الإنسان في داره في قول أبي حنيفة ﵀، وفي أرضه في رواية عنه.
وأيضًا فقد اختلف أهل اللغة في شمول لفظ الركاز للمعدن فإن صاحب الصحاح وغيره جعله أسمًا لدفين الجاهلية فقط، ولا يلزم من اشتقاقه من الركاز الذي هو القرار والإثبات شموله للمعدن، وما كل مركوز يسمى ركازًا، فلا يسمى الرمح المركوز ونحوه ركازًا، وإنما الشأن في الاستعمال. قال ابن الأثير في النهاية: الركاز أهل الجاهلية المدفونة في الأرض، وهي المطالب في العرف عند أهل الحجاز، وهو المعادن عند أهل العراق، والقولان يحتملهما اللغة. انتهى.
стр. 611
والنبي ﷺ خاطب أهل الحجاز بلغتهم لا بلغة أهل العراق، ولا ينبغي أن يحمل قول النبي ﷺ إلا على عرف أهل بلاده لا على عرف غيرهم بل هذا هو الواجب. وبمثل هذا المعنى ظهر رجحان قول أبي يوسف في الصاع على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (لقوله ﵊: "لا خمس في الحجر"). لا أصل له في كتب الحديث.
قوله: (والمروى عن عمر ﵁ فيما دسره البحر وبه نقول).
هذا سهو منه فإن أبا حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يقولان إنه يخمس العنبر إذا دسره البحر ولا إذا أخذ من البحر.
وقد حمله السغناقي على ما إذا دسره البحر إلى ساحله في بلاد الكفار ثم ظهرنا عليهم فوجدناه. وهذا فاسد فإنهم لو استخرجوه وظهرنا عليهم نخمسه فلم يكن العبرة لدسر البحر له بل لأخذنا له من أيدي الكفار، ونحن
стр. 612
لو أخذنا من أيديهم لؤلؤًا أو حيوانًا أو غيره من الأموال قهرًا لخمسناه.
بل دسر البحر له يقتضى أن لا يخمس كما قال ابن عباس ﵁: "ليس العنبر بركاز إنما هو شيء دسره البحر" أخرجه البخاري في ترجمة باب. وأخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي ولفظهما أنه قال: "ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر"، ولم يثبت عن عمر ﵁ أنه أخذ الخمس من العنبر كما ذكره المصنف، ولو ثبت يحمل على أنه كان في الغنيمة قد أخذ من أيدي الكفار.
وإنما حكاه ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز.
***
стр. 613
باب زكاة الزروع والثمار
قوله: (ولأبي حنيفة قوله ﵊: "ما أخرجته الأرض ففيه العشر").
ليس لهذا الحديث ذكر في كتب الحديث. وما احتج به لهما من قوله ﵇: "ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة" رواه الجماعة.
стр. 614
وعلى تقدير صحة قوله: "ما أخرجته الأرض ففيه العشر" يخص بقوله: "ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة"، كما يخص منه ما سقى بالنضح فإن فيه نصف العشر بالسنة والإجماع.
وكما خص قوله ﵇: "وفي الرقة ربع العشر" بقوله: "ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة". وما هذا بأول عام خص، ولهذا عدل السروجي إلى الاستدلال لآبي حنيفة ﵀ بقوله ﵇: "فيما سقت السماء والعيون وكان عثريًا العشر، وفيما سقي بالنضج نصف العشر" رواه الجماعة إلا مسلمًا، وحديث الأوساق يخصصه، مع
стр. 615
سيق للفصل بين ما فيه العشر ونصف العشر.
قوله: (ولهما في الثاني قوله ﵊: "ليس في الخضروات صدقة").
عن معاذ ﵁ "أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات وهي البقول، فقال: ليس فيها شيء" رواه الترمذي، وقال: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح. انتهى. وليس يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ -
стр. 616
شيء، ولكن مذهب أهل المدينة أنه لا شيء في الخضروات، وقولهم في مثله حجة لاستمرارهم على ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من ذلك.
قوله: (وله ما روينا، ومرويهما محمول على صدقة يأخذها العاشر وبه أخذ أبو حنيفة ﵀.
لو أجاب عن الحديث الذي استدلا به على نفي الزكاة عن الخضروات بأنه لم يثبت كان أولى من حمله على صدقة يأخذها العاشر، فإن في وجود العاشر الذي ينصب على الطرقات ليأخذ الصدقات من التجار في زمن النبي ﷺ نظرًا.
ولهذا إنما يستدل في مسائل العشر بأمر عمر بن الخطاب ﵁/ فإن في زمنه فتحت البلاد، واحتاج المسلمون إلى أن ينصب في الطرقات من يأمن التجار بسببه في الطرقات، ولهذا إنما ورد عن النبي ﷺ في أمر
стр. 617
العاشر الذم.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "في العسل العشر").
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "أنه أخذ من العسل العشر" رواه ابن ماجه.
стр. 618
وعن البخاري والترمذي: "لا يصح في زكاة العسل شيء". وقال ابن المنذر: لا يثبت فيه حديث ولا إجماع.
قوله: (وماء جيحون وسيحون ودجلة والفرات عشري عند محمد ﵀؛ لأنه لا يحميها أحد كالبحار، وخراجي عند أبي يوسف؛ لأنه يتخذ عليها القناطر من السفن وهذا يد عليها).
في جعل اتخاذ القناطر من السفن يدًا على الأنهار العظام نظر؛ فإن أخذ
стр. 619
الخراج مما يسقى بها الأنهار إنما هو باعتبار الحاجة إلى حمايتها لتصل إلى تلك الأرض التي تسقى منها، وهذا إنما يكون في الأنهار المشتقة من الأنهار العظام، أما الأنهار العظام فاتخاذ القناطر عليها من السفن لا يؤثر فيها شيئًا، وإنما هو بمنزلة ركوب السفن فيها، والله أعلم.
***
стр. 620
باب من يجوز دفع الصدقة إليه ومن لا يجوز
قوله: (فهذه ثمانية أصناف، وقد سقط منها المؤلفة قلوبهم؛ لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم وعلى ذلك انعقد الإجماع).
فيه نظر؛ فإن عند الحسن، والزهزي،، ومحمد بن علي، وأبي عبيد، والإمام أحمد، والظاهرية: أن سهم المؤلفة باق لم يسقط.
قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة. على أن ما ذكرنا من المعنى لا ينافي القول ببقاء حكمهم إذا وجدوا، فإن الغني عنهم لا يوجب رفع حكمهم، وإنما بمنع اعطاءهم حال الغني عنهم، فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، وكذلك جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمان خاصة، فإن وجد عاد حكمه، كذا هذا.
قوله: (ثم هما صنفان أو صنف واحد سنذكر (٥) في الوصايا إن
стр. 621
شاء الله تعالى).
يعني الفقراء والمساكين. وهذه حوالة تاوية، فإنه ذكر في الوصايا أنهما جنسان. قال: وفسرناهما في الزكاة. انتهى.
والصحيح أنهما صنفان إذا ذكرا معًا، وصنف واحد إذا ذكر أحد الأسمين كما في قوله تعالى: ﴿إطعام عشرة مساكين﴾، ﴿فإطعام ستين مسكينًا﴾، ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء﴾.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "تصدقوا على أهل الأديان كلها").
هذا الحديث لا أصل له، وهذا الإطلاق غير صحيح؛ فإنه لا يجوز التصدق على الكافر الحربي. قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم
стр. 622
يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين﴾ الآية.
قوله: (لقوله ﵊: "يا بني هاشم، إن الله حرم عليكم غسالة أيدي الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس").
هذا الحديث لا أصل له، وفي متنه شيء؛ فإن الزكاة غسالة المال لا غسالة الأيدي، وأخذهم من الخمس لا يصلح أن يكون علة لمنعهم من الزكاة؛ لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون في الخمس ولا يحرم عليهم بذلك أخذ الزكاة. وفي قسمة الخمس أخماسًا كلام يأتي في كتاب السير إن شاء الله تعالى.
وأيضًا فكيف يستدل لأبي حنيفة بهذا الحديث وهو لا يقول به؟! فإنه لا يرى أن ذوي القربي لهم سهم معين من الخمس، لا خمسه ولا ثلثه، وإنما يقول: إنهم يدخلون مع اليتامى والمساكين وابن السبيل ويصرف إليهم إذا
стр. 623
اتصفوا بواحدة من هذه الصفات من غير تقدير بسهم. وحرمة الزكاة على بني هاشم ثابتة بنصوص أخر صحيحة غير هذا الحديث المذكور.
قوله: (لأن المال هاهنا كالماء يتدنس بإسقاط الفرض، أما التطوع بمنزلة التبرد بالماء).
فيه نظر؛ فإن الوضوء على الوضوء يصير الماء به مستعملاً كما تقدم وإن كان تطوعًا. ولو قيل بالعكس لكان أظهر؛ لأن التقرب بالصدقة النفل مشروع بلا نظر، والتقرب/ بالوضوء على الوضوء فيه نظر.
وما يروى أنه ﵇ قال: "الوضوء على الوضوء نور" لا أصل له كما تقدم.
وأيضًا فإن الماء المستعمل إنما قالوا إنه يتغير حكمه قياسًا على مال الصدقة، وإلا فليس فيه نص يدل على تغير حكمه، فكيف يصح أن يجعل
стр. 624
مقيسًا عليه ولم يثبت كما تقدم التنبيه عليه.
وأيضًا فنية القربة موجودة في صدقة التطوع بخلاف التبرد بالماء. وأيضًا فالأحاديث الواردة في حرمة الصدقة على بني هاشم شاملة للفرض والنفل، والله أعلم.
***
стр. 625
باب صدقة الفطر
قوله: (أما وجوبها فلقوله ﵊ في خطبته: "أدوا عن كل حر وعبد صغير أو كبير نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير" رواه ثعلبة بن صير العدوي، أو] ابن أبي [صُعير العُذري).
رواه أبو داود والدارقطني. وهو حديث مضطرب الإسناد والمتن، وقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره وضعفوه. وفي بعض طرقه لم يذكر البر،
стр. 626
وفي بعضها ذكره مقدرًا بصاع.
وفي بعضها بصاع بين كل اثنين. وفي بعضها: «غني أو فقير»، وفي بعضها زيادة على ذلك: «أما غنيكم، فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما أعطى». ولولا خوف الإطالة لذكرت ما في إسناده من الاضطراب. ولا يصح الاحتجاج به لمن يشترط في الوجوب ملك مقدار النصاب؛ لأن
стр. 627
فيه «وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما أعطى». ولا يجوز أخذ بعض الحديث وترك بعضه. ولكن أدلة وجوب صدقة الفطر، وتقدير البر بنصف صاع كثيرة غير هذا الحديث.
стр. 628
قوله: (لأن السبب رأس يلي عليه ويمونه).
في زيادة شرط الولاية نظر؛ فإنه لم يرد فيه شيء من السنة. وورد في اعتبار المؤنة ما رواه الدارقطني «أنه ﵇ أمر بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد ممن يمونون».
وذكر في الإمام عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده عن آبائه أن النبي ﷺ «فرض صدقة الفطر عن الكبير والصغير، والذكر والأنثى ممن يمونون».
стр. 629
قوله: (وعندنا وجوبها على المولى بسببه كالزكاة فيؤدى إلى الثنا). يعني صدقة الفطر عن عبده للتجارة.
قال السروجي: يرد هنا على أبي حنيفة سؤال، فإنه لا يرى ضم ثمن السوائم التي زكيت إلى ما معه من الدراهم فيكتفي بحولها لأجل الثنا في الصدقة، وأوجب ضم ثمن العبد الذي أدى صدقة فطره إلى ما معه من الدراهم، وفرق بأن صدقة الفطر يجب عن عبد الخدمة من غير اعتبار المالية حتى وجبت بسبب الحر، والمدبر، وأم الولد من غير اعتبار الحول حتى لو ملك عبدًا قبل طلوع فجر يوم الفطر تجب فطرته. فإذا اختلف السبب كيف يؤدى إلى الثنا؟!.
قال: والذي يمكن أن يقال في الجواب: أنا لو أخذنا صدقة الفطر عن عبيد التجارة لأخذنا عن عين واحدة في وقت واحد أو سنة واحدة بخلاف ضم ثمنه فإن الأخذ من بدله، وصدقة الفطر من عينه مع اختلاف السبب، وفي ثمن الإبل المزكاة البدل قائم مقام المبدل لاتحاد جهة الزكاة فافترقا. انتهى.
стр. 630
وفي جوابه نظر فإن البدل قائم مقام المبدل، والأخذ ليس من العين بل عنها، والثنا إنما يكون عند اتحاد الجهة، وهنا الجهة مختلفة فإن سبب زكاة العبد ملك النصاب النامي وذلك باعتبار ماليته، وسبب صدقة فطره مؤنته إياه، أو مؤنته والولاية عليه عند أبي حنيفة، واختلاف السبب بمنزلة اختلاف العين فانتفى الثنا.
قوله: (ولقوله ﵊ في حديث ابن عباس ﵄: «أدوا عن كل حر وعبد يهودي أو نصراني أو مجوسي» ... الحديث).
قال الدارقطني: تفرد به سلام الطويل وهو متروك. وإنما يروى من فعل ابن عمر ﵄. انتهى.
стр. 631
ولم يثبت عن ابن عمر أيضًا، وفي آخر حديث ابن عمر الثابت في «الصحيحين»: «على كل حر وعبد وذكر وأنثى/ من المسلمين».
فإن قيل: ذكر الترمذي: أن مالكًا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله: «من المسلمين». قيل: ليس كذلك بل وافقه الضحاك في رواية مسلم. وعمر بن نافع في رواية البخاري وقد وافقه ....................
стр. 632
غيرهما أيضًا.
وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ما يبعد صحة ما ذكره المصنف عنه، وهو أنه قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي مقبولة، ومن آداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». قال في المغني: إسناده حسن.
قوله: (وقال الشافعي: على من له الملك). يعني صدقة فطر العبد المبيع بشرط الخيار.
وهذا الكلام مشكل فإنه لا خلاف أن صدقة فطر العبد على من له الملك، ولكن الملك في مدة الخيار لمن؟ فعنه أنه لمن له الخيار كقول زفر، وعنه أنه
стр. 633
موقوف كقول أصحابنا. هذا إذا كان الخيار لأحدهما، فإن كان الخيار لهما فالملك للبائع. فالحاصل أن نصب الخلاف مع الشافعي بهذه العبارة لا يفيد.
قوله: (وقال أبو يوسف: خمسة أرطال وثلث رطل، وهو قول الشافعي ﵀ لقوله ﵊: «صاعنا أصغر الصيعان»).
هذا الحديث منكر لا أصل له، وقول أبي يوسف قول أكثر العلماء منهم الأئمة الثلاثة.
стр. 634
ورجوع أبي يوسف إلى قول الإمام مالك ﵀ لما اجتمع به في المدينة الشريفة مشهور، ذكره البيهقي من حديث الحسين بن الوليد القرشي قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج فقال: أريد أن أفتح عليكم بابًا من العلم أهمني، ففصحت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع؛ فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﷺ ، فقلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدًا.
فلما أصبحت أتاني نحوٌ من خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجلٍ منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله ﷺ ، فنظرت فإذا هي سواء. قال: فعيرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير، فرأيت أمرًا قويًا. فقد تركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة. انتهى.
ولم يثبت في تقدير الصاع بثمانية أرطال بالعراقي ما يقاوم ما ثبت فيه أنه
стр. 635
خمسة أرطال وثلث بالعراقي. والغلط في مثله إلى أهل العراق أقرب منه إلى أهل المدينة، فأهل المدينة أخبر من غيرهم بصاعهم، وأهل العراق أخبر من غيرهم بقفيزهم، وأهل الشام أخبر من غيرهم بمدهم، وأهل مصر أخبر من غيرهم بويبتهم وإردبهم، وأمثال ذلك كثيرة.
قوله: (فإن قدموها على يوم الفطر جاز؛ لأنه أدى بعدما تقرر السبب، فأشبه التعجيل في الزكاة، ولا تفصيل بين مدة ومدة هو الصحيح).
في تصحيح نظر. وقد اختلف المشايخ في مدة جواز التعجيل، فقال خلف بن أيوب: بعد دخول شهر رمضان لا قبله، وهو قول الشافعي.
следующие страницы →