← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وعضده بحديث أنس ﵁ "أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ولم يرد في إثبات الصلاة عليهم ما يقاوم حديث جابر، فإن ما رواه أبو داود في المراسيل عن أبي مالك الغفاري التابعي أنه ﵇: "صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة". وما رواه أبو جعفر الطحاوي عن ابن عباس، وابن الزبير أنه ﵇: "صلى على شهداء أحد مع حمزة فكان يؤتى بتسعة تسعة وحمزة

стр. 562

عاشرهم، وكبر يومئذ سبع تكبيرات" وما رواه الطحاوي والنسائي عن شداد أنه ﵇: "أعطى أعرابيًا أسلم نصيبه، وقال: قسمته لك. فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك لأرمى ها هنا -وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة، ثم أتي بالرجل وقد أصابه سهم حيث أشار فكفن في جبة النبي ﷺ فصلى عليه. فكان من صلاته: إن هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا، أنا شهيد عليه". وما رواه الطحاوي عن أنس "أنه ﵇ صلى على حمزة ولم يصل على أحد من الشهداء غيره" لم يخرج أهل (الصحيح) منها حديثًا. وقال

стр. 563

تثبت. انتهى. وقد تكلم أهل (الحديث) على سند كل من هذه الأحاديث وبينوا ضعفه. وأما حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه ﵇: "خرج يومًا فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت" متفق عليه. وما رواه البخاري في صحيحه أنه ﵇: "صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين كالمودع للحياء والموات" فليست هذه الصلاة الصلاة المختلف فيها، فإنه لم يقل أحد أن الشهيد يدفن بلا صلاة ثم بعد سنين يصلى

стр. 564

عليه. وإنما المراد -والله أعلم- أنه دعا لهم بدعاء الصلاة على الميت، أو أنه واقعة عين وذلك أنه لما عرف انقضاء عمره فعل هذا كالمودع للأموات كما ودع الأحياء فكان هذا خاصًا به أو بهم. وقد ذكر السروجي في شرحه: ليرجح مذهب أبي حنيفة وجوهًا وفي كل منها نظر: الأول: أن رواية جابر [نا] فية وأحاديثنا مثبتة، والمثبت أولى من النافي. وجوابه أن المعارضة إنما تكون بين المتماثلين، وقد تقدم أن الأحاديث المثبتة للصلاة لم تثبت، فلا تصلح لمعارضة حديث جابر الصحيح الثابت. الثاني: أن جابرًا كان مشغولًا في ذلك الوقت لأنه استشهد أبوه وعمه، وخاله، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إليها. فلم يكن حاضرًا حين صلى عليهم. فروى ما عنده وفي ظنه. وجوابه بالمنع من غيبته ورجوعه إلى المدينة حتى يثبت ذلك ولا يثبت مثل هذا بمجرد الاحتمال ولا يجوز أن ينسب إلى جابر مثل هذا. الثالث: أن أحاديثنا أكثر فكانت أولى. وقد كفانا هو مؤنة الجواب

стр. 565

وقال: إن الترجيح عندنا لا يكون بالكثرة. الرابع: أن الصلاة أصل في الدين ومن فروض الكفاية فلا تسقط من غير فعل أحد بالتعارض بخلاف غسله، إذ النص في سقوطه لا معارض له. وجوابه: أن سقوط الصلاة عليه كسقوط غسله لأن ما ذكر لا يصلح لمعارضته كما تقدم. الخامس: أن الصلاة عليهم لو كانت غير مشروعة لنبه عليه ﷺ كما نبه على علة سقوط الغسل. وجوابه: أن التنبيه على علة الحكم ليس بشرط، والترك قد ثبت بالدفن والرجوع منه عن غير صلاة. السادس: أنه يجوز أنه لم يصل عليهم وصلى على غيره. وجوابه: أن جابر قال: ولم يصل عليهم مبنيًا لما لم يسم فاعله، فنفي الصلاة عليهم نفيًا عامًا عنه وعن غيره. وأعجب منه أنه ذكر عن الطحاوي أنه روى عن أنس: "أنه ﵇ صلى على حمزة ولم يصل على أحد من الشهداء غيره". السابع: أنه لعله لم يصل عليهم في ذلك اليوم وصلى عليهم في يوم آخر لأنهم لا يعتريهم تغير بمر السنين. وجوابه: أنك تقول بهذا أن الشهيد

стр. 566

يدفن بلا صلاة ثم يصلى عليه بعد ذلك بزمان. الثامن: أنه إن لم يثبت أنه صلى على قتلى أحد للتعارض فقد صلى على غيرهم من الشهداء كما تقدم. يشير إلى حديث شداد بن الهاد. وجوابه: أنه لم يثبت أيضًا، ولئن ثبت فيحتمل أنه قد ارتث. التاسع: أنه ثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك فإما أن تكون سنتهم أن لا يصلى عليهم ثم نسخ، أو أنه صلى عليهم هو بعد أن صلى عليهم غيره لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وجوابه: أنه بقي احتمال آخر وهو أن ذلك واقعة عين فلا عموم له، أو أن المراد أنه دعا لهم بدعاء صلاة الجنازة كما تقدم. العاشر: أن مذهبنا أحوط. وجوابه: أن الاحتياط في اتباع الصحيح الثابت أولى. والقول بجواز الصلاة على الشهيد أو استحبابها كما هو رواية عن الإمام أحمد والحالة هذه أظهر.

стр. 567

قوله: (وله أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة، ولا ذنب للصبي فلم يكن في معناها). قول الصاحبين هو الراجح وهو قول أكثر العلماء. ولا يصح التعليل بأن السيف كفى عن الغسل فإن من أسلم ثم قتل قبل أن يذنب بمنزلة الصبي ولا يغسل. والتعليل الصحيح أن الدم أثر الظلم فيبقى ليشهد له على قاتله يوم القيامة. ومحو الذنب ليس فيه خصم فلا يحتاج إلى شهادة. قوله: (وشهداء أحد ماتوا عطاشًا والكأس تدار عليهم خوفًا عن نقصان الشهادة). في ثبوت هذا عن شهداء أحد نظر. وإنما حكي في فتوح الشام أن رجلًا قال: أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدته، فوجدت الحارث بن

стр. 568

هشام فأردت أن أسقيه فإذا رجل ينظر فأومأ إلي: أن اسقه، فذهبت إليه لأسقيه فإذا آخر ينظر، فأومأ إلي: أن اسقه، فلم أصل إليه حتى ماتوا جميعًا. والظاهر -والله أعلم- أن هذا من باب الإيثار لا من باب الخوف من نقصان الشهادة. * * *

стр. 569

باب الصلاة في الكعبة قوله: (الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها خلافًا للشافعي فيهما). نقله عدم جواز الصلاة في الكعبة عن الشافعي غلط، بل عنده تجوز الصلاة في الكعبة فرضها ونفلها. هذا هو المذكور في كتب الشافعية، لكن عنده لو صلى إلى الباب وهو مفتوح، وليس له عتبة شاخصة لا تجوز صلاته. وقيل: يشترط أن يكون ارتفاعها قدر ثلثي ذراع. قال النووي: هذا هو الصحيح، وفي وجه: يقدر بذراع. قوله: (وقد ورد النهي عن النبي ﵊). يعني عن الصلاة على ظهر الكعبة ولم يثبت هذا النهي. وأصله عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبع مواطن" الحديث أخرجه ابن ماجه والترمذي، وقال: ليس إسناده بذاك القوي.

стр. 570

كتاب الزكاة قوله: (ولو أدى بعض النصاب سقط زكاة المؤدى عند محمد؛ لأن الواجب شائع في الكل). فيه نظر؛ لأن الوجوب في الذمة والمال محل، ولهذا جاز أن يخرج الزكاة من مال آخر؛ ولهذا قلنا: لا زكاة على الصبي والمجنون في مالهما. فإذا ملك نصابًا وتصدق ببعضه بعد الحول فالباقي محل للواجب بخلاف ما إذا تصدق بجميع النصاب لزوال المحل ووصول الحق إلى مستحقه. فظهرت قوة قول أبي يوسف. قوله: (ولنا قول علي: "لا زكاة في مال الضمار". قال السروجي:

стр. 571

هكذا روي موقوفًا [ومرفوعًا] إلى النبي ﷺ ، بنقل الأصحاب)، يعني أنه ليس في كتب الحديث. * * *

стр. 572

باب صدقة السوائم فصل في الإبل قوله: (ولنا: "أنه ﵊ كتب في آخر ذلك في كتاب عمرو بن حزم: فما كان أقل من ذلك ففي كل خمس ذود شاة" فيعمل بالزيادة). أحاديث الصدقات التي فيها ذكر الإبل إذا كثرت ثلاثة. أصحها حديث أنس أن أبا بكر ﵁: كتب لهم: إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين التي أمر الله بها رسوله .... " الحديث، وفيه: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين

стр. 573

حقة" رواه أحمد والنسائي وأبو داود، والبخاري وقطعه في عشرة مواضع. ورواه الدارقطني كذلك، وله فيه قي رواية "في صدقة الإبل: فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح ورواته كلهم ثقات. ثانيها: حديث الزهري، عن سالم عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي. قال: فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها. قال: فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته ... الحديث". وفيه: "إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون" رواه أحمد وأبو داود، والترمذي وقال: حديث

стр. 574

حسن. ولأبي داود فيه من رواية الزهري عن سالم مرسلًا: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتًا لبون وحقة، ثم يدار الحكم على الأربعينات والخمسينات". ثالثها: حديث حماد بن سلمة قال: "قلت لقيس بن سعد: اكتب إلي كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فكتب إلي في ورقة، ثم جاء يومًا وأخبر أنه أخذه من كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأخبرني:

стр. 575

"أن رسول الله ﷺ كتبه لجده عمرو بن حزم في ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فكان فيه: "فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى أن تبلغ عشرين ومائة فإذا كانت أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فما فضل فإنه يعاد إلى أول فرائض الإبل، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة" رواه أبو داود والطحاوي. فذهب أبو حنيفة والثوري والنخعي إلى القول بالاستئناف بالغنم أخذًا بالزيادة التي في حديث عمرو بن حزم. وهو قول ابن مسعود -رصي الله عنه-. وذهب الأئمة الثلاثة، وهو قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين إلى عدم الاستئناف ترجيحًا للأصح من الأحاديث.

стр. 576

قالوا: وكتاب عمرو بن حزم قد تكلم فيه، وضعفه بعضهم. وقد اختلف في صفته فرواه الأثرم في سننه من غير استئناف فردوا المختلف إلى المتفق لموافقته القياس، فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه كسائر بهيمة الأنعام. وإنما وجب الابتداء من غير جنسه لأنه لا يحتمل المواساة من الجنس، فعدل إلى غير الجنس ضرورة، وقد زال ذلك بزيادة المال وكثرته. ولأن في اعتبار الزيادة التي في حديث عمرو بن حزم إبطال اعتبار الأربعينات والخمسينات -وقد صح عنه وعن غيره اعتبارها- فكان ترجيح

стр. 577

الصحيح الموافق للقياس الصحيح أولى. وهذه المسألة تدل على جلالة قدر أبي حنيفة وديانته ﵀، فإنه لما بلغه هذا الحديث أخذ به ولم يلتفت معه إلى القياس لاحتمال أن يكون ذلك القياس فاسدًا. ولكن لما وجد نص آخر أصح من ذلك النص المختلف في تصحيحه وهو موافق لذلك القياس على أنه قياس صحيح فوجب العمل به. * * *

стр. 578

فصل في البقر قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين، وهو رواية عن أبي حنيفة لقوله ﵊ لمعاذ ﵁: "لا تأخذ من أوقاص البقر شيئًا"، وفسروه بما بين الأربعين إلى الستين، قلنا: قد قيل أن المراد منها الصغار). الحديث المذكور غير صحيح، وعلى تقدير صحته لا يصح القول بأن المراد منها الصغار، وإنما هو ما بين الفريضتين من الإبل، والبقر، والغنم. وكذلك الشنق، وبعض العلماء يجعل الوقص في البقر خاصة والشنق في

стр. 579

الإبل خاصة كذا في "الصحاح" و"المحكم" و"المغرب". قال النووي: ثم المشهور أن الوقص ما بين الفريضتين كما بين خمس وعشر، وقد استعملوه أيضًا فيما لا زكاة فيه، وإن كان دون النصاب كأربع من الإبل. انتهى. والقول بأنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين هو الحق، فإن حديث معاذ ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارًا أو عدله معافر". قال في المنتقى: رواه الخمسة. وليس لابن ماجه فيه حكم الحالم.

стр. 580

انتهى. قد تلقته الأمة بالقبول، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. وهو كاف في الاستدلال على عدم الوجوب فيما بين الأربعين والستين؛ لأن حكم زكاة البقر قد أدير فيه على اعتبار الثلاثينيات والأربعينيات. ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن يحيى بن الحكم أن معاذًا ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ ، أصدق أهل اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعًا، ومن كل أربعين مسنة، فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين، وما بين الستين والسبعين، وما بين الثمانين والتسعين، فقدمت فأخبرت النبي ﷺ ، فأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها". وإن كان قد تكلم في هذا الحديث بأن معاذًا لم يدرك رسول الله ﷺ بعد قدومه من اليمن فهو يصلح للاعتضاد لا للاعتماد، كيف وإن الأوقاص شأنها أن لا واجب فيها؟ وهو ما بين الفريضتين.

стр. 581

وأيضًا فإنه لا يعرف في الشرع في زكاة السوائم أخذ جزء من الحيوان، ولهذا عدل في أول نصاب الإبل إلى الشياه فرارًا من التشقيص. والقول بعدم الوجوب فيما بين الأربعين والستين قول الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم، ورواية عن أبي حنيفة كما ذكره المصنف، واختاره أكثر المشايخ فلا يعدل عنه. * * *

стр. 582

فصل في الغنم قوله: (وعليه انعقد الإجماع). يعني على أنه ليس في أقل من الأربعين من الغنم صدقة. وفي الأربعين شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه. ثم في كل مائة شاة. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن [لا] صدقة فيما دون أربعين من الغنم، وأجمعوا أن في أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة شاة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين. انتهى. وقال في المغني: وعن أحمد رواية أخرى أنها إذا زادت على ثلاث مائة واحدة ففيها أربع شياه، ثم لا يتغير الفرض حتى يبلغ خمسمائة فيكون في كل مائة شاة، ويكون الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة، وهو أيضًا مائة وتسعة وتسعون. وهذا اختيار أبي بكر، وحكي عن النخعي والحسن بن صالح، ثم ذكر ضعف دليل هذه الرواية. والغرض بيان أن دعوى الإجماع مطلقًا كما ذكر المصنف لا يصح.

стр. 583

قوله: (لقوله ﵊: "إنما حقنا الجذعة والثني")، وقوله: (وجه الظاهر حديث علي ﵁ موقوفًا ومرفوعًا: "لا يؤخذ في الزكاة إلا الثني فصاعدًا"). كلا الحديثين لم يصح، وإنما هو مذكور في كتب الفقه غير مذكور في كتب الحديث. * * *

стр. 584

فصل في الخيل قوله: (وله قوله ﵊: "في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم"). روى الدارقطني وضعفه من حديث جابر: "في الخيل السائمة في كل فرس دينار [تؤديه]. والحديث الذي استدل به لهما وهو قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" رواه الجماعة من حديث أبي هريرة. ولأبي داود: "ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق". وعن عمر وجاءه ناس من أهل الشام فقالوا: "إنا قد أصبنا أموالًا خيلًا ورقيقًا نحب أن يكون لنا منها زكاة وطهور، قال: ما فعله صاحباي قبلي فأفعله،

стр. 585

واستشار أصحاب محمد ﷺ ، وفيهم علي ﵁، فقال علي: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك" رواه أحمد. وعن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وعفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: هو صحيح. فلا يصح الحمل حينئذ على أن المراد بما روياه فرس الغازي، مع أن النافي في مثله لا دليل عليه. والحديث المذكور لا يثبت بمثله حكم،

стр. 586

وإن ثبت أن عمر كان يأخذ زكاة الخيل فذلك لطيب نفوس أربابها وتطوعهم، لا أنه أمر لازم لهم. واختار الطحاوي قول الصاحبين. قوله: (ولا شيء في البغال والحمير لقوله ﵊: "لم ينزل علي فيهما شيء"). الذي في الصحيح من حديث أبي هريرة: وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾، وليس فيه ذكر البغال. * * *

стр. 587

فصل قوله: (ولنا قوله ﵊: "ليس في العوامل والحوامل والعلوفة ولا في البقرة المثيرة صدقة"). لم يوجد هذا الحديث هكذا في كتب الحديث، ولكن قال السروجي: وعن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ : "ليس في العوامل صدقة". قال أبو الحسن [ابن] القطان: إسناده صحيح. ذكره في

стр. 588

الإمام. وعن طاوس عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ : "ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة" رواه الدارقطني، وعن جابر -رصي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "ليس في المثيرة صدقة" رواه الدارقطني. قوله: (ولهما قوله ﵊: "في خمس من الإبل شاة، وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرًا" وهكذا قال في كل نصاب نفى الوجوب عن العفو؛ ولأن العفو تبع للنصاب، فيصرف الهلاك أولًا

стр. 589

إلى التبع كالربح في مال المضاربة) إلى آخر المسألة. ليس في حديث زكاة الإبل هذا اللفظ الذي ذكره المصنف وإنما هو في زكاة الغنم إذا زاد الغنم على ثلاثمائة "ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ مائة ... الحديث". وتقدم في حديث معاذ أنه لا فريضة في أوقاص البقر. وذلك كله لا يمنع مما قاله محمد وزفر من أن الزكاة تتعلق بالنصاب والعفو؛ فإن في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي ذكره البخاري وغيره عن أنس ﵁: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها ابنة مخاض". انتهى الحديث. وفي حديث سالم عن أبيه "في الإبل إذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين بنت لبون، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة" نص على الوجوب في أربع وعشرين فما دونها في أول الحديث

стр. 590

الأول، ثم الوجوب إلى ما ذكر بعد ذلك فدل على أنه غير خال عنه. ولن الزكاة تتعلق بالمال النامي شكرًا لنعمة المال، والكل مال نام فيجب شكرًا للنعمة فيه. وقوله: "ففي كل مائة شاة شاة ثم ليس فيها شيء زائد على المقدار المعين فيحمل عليه ليتفق معناه ومعنى الغاية المذكورة في المقادير التي تقدم ذكرها في ذلك الحديث وفي غيره، وكذلك النفي المذكور في الأوقاص. وتنظير تبعية العفو للنصاب بالربح في مال المضاربة فيه نظر لثبوت المغايرة بين رأس المال والربح، وعدم ثبوتها بين النصاب والعفو، بل هذا نظير نصاب الشهادة، والسرقة، والقراءة في الصلاة، وجنايات العبد، والمدبر، وأم الولد، وأمثال ذلك، لكن ينبغي على قول محمد وزفر إذا هلك العفو وبقي النصاب، وقلنا بأنه يسقط من الواجب بقدر الهالك أن يقيد بأن ذلك إذا كان الهلاك قبل التمكن من الأداء لا بعده لما يأتي في مسألة الهلاك بعد التمكن من الأداء -إن شاء الله تعالى-. قوله: (وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة، وقال الشافعي ﵀: يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء؛ لأن الواجب في الذمة فصار كصدقة [الفطر] ولأنه منعه بعد الطلب فصار كالاستهلاك. ولنا أن

стр. 591

الواجب جزء من النصاب تحققًا للتيسير فيسقط بهلاك محله كدفع العبد بالجناية يسقط بهلاكه. والمستحق فقير يعينه المالك ولم يتحقق منه الطلب. فيه إشكال وهو أن أبا حنيفة ﵀ أحق أن يقول بما قاله الشافعي -رحمه الله تعالى- من الضمان بعد التمكن من الأداء؛ لأن تعلق الزكاة عنده بالذمة أقوى من تعلقها بالمال؛ ولهذا لم يقل بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وقال: يجوز دفع القيمة. ولأن إخراج الزكاة إن قلنا إنه على الفور- كما هو أحد القولين في المذهب. اختاره كثير من الأصحاب منهم أبو منصور الماتريدي وغيره وقيل: هو قول أبي يوسف ومحمد ذكره الحاكم في "المنتقى"- فالأمر فيه

стр. 592

ظاهر. وإن قلنا إنه على التراخي بمعنى إنه مطلق عن الفور وأنه يباح التأخير لكن لا على وجه يؤدي إلى التفويت، ولهذا لو مات ولم يزك بعد التمكن أثم بلا خلاف. قال في "البدائع": يتضيق عليه الوجوب إذا لم يبق من عمره إلا مقدار ما يؤديها فيه حتى لو مات من غير أداء أثم. انتهى. وعن محمد لو أخرها من غير عذر لا يقبل شهادته، بخلاف الحج فإن بتأخيره لا يأثم لأن الأمر به مطلق، وفي الزكاة إنما يأثم بالتأخير لأن في تأخير حق الفقير ضررًا به؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير. وقوله: (فيسقط بهلاك محله كدفع العبد بالجناية فيسقط بهلاكه) فيه نظر؛ فإن جناية العبد لا تتعلق بذمته إلا أن في أخذه بالجناية تعرضًا إلى المالية التي هي حق المولى فيتخير بين الدفع والفداء بخلاف الزكاة، خصوصًا على قول أبي حنيفة ﵀ أن الواجب في الزكاة أحد أمرين إما العين أو القيمة وباختيار المالك يتعين كالكفارة. وقوله: (والمستحق فقير يعينه المالك، ولم يتحقق منه الطالب) فيه

стр. 593

نظر؛ فإن الشافعي لم يرد الطلب الصوري وإنما أراد المعنوي؛ فإنه لما حال الحول على النصاب صار المالك مطلوبًا بأداء الزكاة إلى مستحقها. وهذا معنى اشتغال ذمته بأداء الزكاة. وأيضًا فمن أخرج ظبية من الحرم فهلكت بعد التمكن من إرسالها ضمنها. وكذا لو كانت قد ولدت أولادًا ثم هلكت الأولاد بعد التمكن من الإرسال ضمن الكل لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشارع. وسيأتي في كتاب الغصب في كلام المصنف هذا التعليل في الفرق بين زوائد المغصوب وولد الظبية المخرجة من الحرم. قوله: (ويجوز لنصب إذا كان في ملكه نصاب واحد خلافًا لزفر؛ لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية والزائد عليه تابع له). فيه نظر، بل كل نصاب سبب لوجوب زكاته. وقوله: والزائد عليه تابع له، إنما يتبعه في الحول للتيسير. فأما في الإيجاب فإن الوجوب ثبت بالزيادة لا بالأصل، فظهر قوة قول زفر، وهو قول جمهور العلماء. * * *

стр. 594

باب زكاة المال قوله: (لأنه ﵊ كتب إلى معاذ ﵁: "أن خذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين مثقالًا من الذهب نصف مثقال"). هذا الحديث لا أصل له، ولكن روى الدارقطني وأبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا كانت لك مائتا درهم حال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك".

стр. 595

قال: لا أدري أعلي يقول: "فبحساب ذلك" أو رفعه إلى النبي ﷺ . وفيه كلام؛ ولهذا اختلف العلماء في نصاب الذهب ولم يختلفوا في أصل وجوب الزكاة في الذهب. قوله: (ولأبي حنيفة ﵀ قوله ﵊، في حديث معاذ: "لا تأخذ من الكسور شيئًا"، وقوله في حديث عمرو بن حزم:

стр. 596

"ليس فيما دون الأربعين صدقة"، ولأن الحرج مدفوع وفي إيجاب الكسور ذلك لتعذر الوقوف). كلا الحديثين ضعيف. أخرج الأول البيهقي وضعفه. والثاني: الدارقطني. والتعليل أيضًا ضعيف؛ لأنه إذا قل الكسر بحيث يكون شحوطًا أو رجحانًا فمعفو عنه فلا كلام فيه للحرج، وما عدا ذلك لا حرج في اعتباره مع أن أبا حنيفة قد أوجب العشر في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره. ولم يقل هناك أن في الإيجاب في القليل حرجًا فدل على أن مثل هذا التعليل لا يرتضى. وجمهور العلماء على أنه لا وقص في الذهب والفضة، الأئمة الثلاثة

стр. 597

وغيرهم، وسلفهم في ذلك علي، وابن عمر ﵃، قال في المغني: ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة فكان إجماعًا. قوله: (لأن الدراهم لا تخلو عن قليل غش لأنها لا تنطبع إلا به) ممنوع! لأن الفضة الخالصة تنطبع من غير شك، ولكن جرت العادة في بعض الممالك بخلط قليل من النحاس معها في مقابلة أجرة الصياغ، وثمن الوقود؛ ولهذا بعض أنواع الدراهم فضة خالصة. * * *

стр. 598

فصل في الذهب قوله: (وليس دون أربعة مثاقيل صدقة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما بحساب ذلك وهي مسألة الكسور، وكل دينار عشرة دراهم في الشرع، فيكون أربعة مثاقيل في هذا كأربعين درهمًا). تقدم أن الحديثين المذكورين في مسألة الكسور ضعيفان، وعلى تقدير ثبوتهما فاعتبارهما في الذهب مشكل؛ لأن أحد القيراطين من أربعة مثاقيل كسور أو اعتبار قيمة الدينار الشرعي يلزم منه اعتبارهما في نصاب الذهب. فإن قيل: ثبت تقدير نصاب الذهب بالنص! فالجواب: أن النص الذي

стр. 599

فيه تقدير نصاب الذهب كما تقدم في آخره ((فمازاد فبحساب ذلك)) وقول أبي يوسف ومحمد في مسألة الكسور أقوى. قوله: (ولنا أن السبب مال نام ودليل النماء موجود وهو الإعداد للتجارة خلقة). فيه نظر فإن للشافعي رحمة الله أن يقابله بالمنع. وكذلك قولهم: إنها خلقت أثمانًا ممنوع أيضًا، فإنها إنما خلقت أثمانًا في الاصطلاح إذا كانت مضروبة. وأما ما ورد في مسألة الحلي من الجانبين من السنة فقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شيء.

стр. 600

فصل في العروض قوله: (لقوله ﵊: ((يقومها فيؤدي من كل مائتي درهم خمسة دراهم). في زكاة عروض التجارة أحاديث في السنن خلاف هذا الحديث، أما هذا الحديث فقال السروجي: لا أصل له. قوله: (وإذا كان النصاب كاملًا في طرفي الحول فنقصانه فيما بين ذلك لا يسقط الزكاة؛ لأنه يشق اعتبار الكمال في أثنائه). للمخالف أن يمنع من اعتبار مثل هذه المشقة. ويقول: قوله ﵊: ((لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول). يقتضي اشتراط كمال النصاب في جميع الحول، وإذا نقص في أثناء الحول لم يكن الحول قد
следующие страницы →