Полный текст (2 128 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
قالوا: وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من أدرك ركعة في العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح"، فلو كان فعلهما بعد غروب الشمس وطلوعها صحيحاً مطلقاً لكان مدركاً سواء أدرك ركعة أو أقل من ركعة أو لم يدرك منها شيئاً، فإنه ﷺ لم يرد أن من أدرك ركعة صحت صلاته بلا إثم؛ إذ لا خلاف بين الأمة أنه لا يحل له تأخيرها إلى أن يضيق الوقت عن كمال فعلها، وإنما أراد بالإدراك الصحة والاجزاء.
قالوا: وهذه التي يأتي بها غير التي أمر بها قطعاً فلا يكون ممتثلاً للأمر؛ ولهذا عدل من عدل عن القول بأن القضاء يكون بالأمر الأول، وقالوا: بل بأمر جديد، ولم يرد أمر جديد بقضاء المتروك عمداً، قالوا: وقد دلَّ النص والإجماع على أن من أخر الصلاة عن وقتها عمداً أنها قد فاتته كما قال النبي ﷺ : "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"، وما فات فلا سبيل إلى إدراكه، قالوا: وهذا معنى قوله ﷺ -
стр. 667
في الحديث الذي رواه الإمام وغيره: "من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صيام الدهر كله وإن صامه".
فإن قيل: قد ورد في حديث الإعرابي الذي جمع أهله في رمضان أن رسول الله ﷺ قال له في آخر الحديث: "وصم يوماً واستغفر الله" وعنه ﷺ قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض"
стр. 668
رواهما أهل السنن، قيل: الحديثان معلولان تكلم أهل الحديث على تضعيفهما، ولهذا لم يخرجهما أهل الصحيح، مع أن الإنسان إنما يتقيأ لعذر كالمريض يتداوي بالتقيء، أو يتقيأ لأنه أكل ما فيه شبهه كما تقيأ أبو بكر ﵁ من كسب المتكن، وإذا كان المستقيء معذوراً كان ما فعله جائزاً، وصار من جملة المرضي أن يقضون أو ملحقاً بهم، ولم يكن من
стр. 669
أهل الكبائر الذين أفطروا بغير عذر.
وقال أبو محمد بن حزم: فنسأل: من أوجب على العامد قضاء ما تعمد تركه من الصلاة؟ أخبرنا عن هذه الصلاة أهي [ال] صلاة التي أمر الله بها، أم هي غيرها؟ فإن قالوا: هي هي! قلنا لهم: فالعامد لتركها ليس عاصياً لله لأنه قد فعل ما أمره الله به ولا إثم عليه على قولكم! وهذا لا يقوله مسلمّ! وإن قوال: ليس هي التي أمر الله بها، قلنا: صدقتم، وفي هذا كفاية إذ أقروا أنهم أمروا بما لم يأمر به الله، وقد أطنب أبو عمر بن عبد البر في وجوب القضاء، ولولا خوف الإطالة لسقت كلامه وذكرت الجواب عنه، وإنما القصد في هذا المختصر الإشارة إلى ما فيه إشكال مما ذكره صاحب الهداية، ولما قال هنا: استدراكاً للمصلحة نبهت على أن هذه المصلحة في استدراكها نظر
قوله: (ولنا قوله ﵊: "من أفطر في رمضان فعليه ما
стр. 670
على المظاهر"، وكلمة "من" تنتظم الذكور والإناث).
هذا الحديث منكر.
قال السروجي ﵀: ذكر شمس الدين سبط ابن الجوزي في كتابه المسمي بنهاية الصنائع عن النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: "من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر" وقال: رواه البخاري ومسلم، قال السروجي: قلت: لا أصل له فضلاً عن أن يخرجه الشيخان.
стр. 671
فصل
قوله: (في حديث الأعرابي "يجزئك ولا يجزئ أحداً بعدك").
ليس في حديث الأعرابي هذه الزيادة وكذا قوله فيه: "فأمر رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أن يؤتي بفرق من تمر" ويروي: "بعرق فيه خمسة عشر صاعاً"، ليس فيه: "فأمر أن يؤتي".
والحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقال: هلكت يا رسول الله! قال: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا قال: فهل/ تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين
стр. 672
مسكيناً؟ قال: لا، قال: أجلس قال: فمكث النبي -صلي الله عليه وسلم-، فبينا نحن على ذلك أتي النبي -صلي الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر- والعرق المكتل الضخم- قال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: أعلي أفقر مني يا رسول الله؟! فو الله ما بين لابتيها - يريد الحرتين، أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي-صلي الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك" رواه الجماعة.
وكأن المصنف اشتبه عليه هذا الحديث بحديث البراء قال: ذبح أبو برده ابن نيار قبل الصلاة فقال النبي -صلي الله عليه وسلم-: "أبدلها"، فقال: يا رسول الله، ليس
стр. 673
عندي إلا جذعة، فقال: "أذبحها ولن يجزئ عن أحد بعدك"، وفي رواية "جذعة من المعز" متفق عليه.
قوله: (وهو حجة على الشافعي ﵀ في قوله يخير).
يعني في خصال الكفارة، وقد وهم المصنف في ذلك، وإنما التخيير رواية عن أحمد ومالك، وظاهر مذهبهما الترتيب.
стр. 674
قوله: (وعلى مالك في نفي التتابع).
قال السروجي: وكذا هذا ليس مذهب مالك، ويجزئ في الكفارة الخصال الثلاث مرتبة، والشهران متتابعان، ذكره ابن المنذر في "الإشراف" والقرطبي في "شرح الموطأ" وغيرهما، وفي "الذخيرة" المالكية: يجب صوم شهرين متتابعين عند مالك.
قوله: (لقوله ﵊: "الفطر مما دخل").
حكاه البيهقي عن ابن عباس من قوله، وقال: وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب من قوله، وروي عن النبي -صلي الله عليه وسلم- ولم يثبت، انتهي، ولم يرد نص
стр. 675
بالإفطار بالداخل من غير الحلق إلى موضع الطعام.
ولهذا اختلف العلماء في الإفطار بالكحل الواصل إلى الحلق من العين لأنه وصل من غير منفذ، وبالواصل من دواء الجائفة والأمة، وبالواصل من الأذن، ومن القبل والدبر، وتظهر قوة عدم الإفطار بذلك
стр. 676
كله لعدم النص، ولعدم مساواته المنصوص عليه من كل وجه.
قوله: (وقد ندب النبي-صلي الله عليه وسلم- إلى الاكتحال يوم عاشوراء).
لم يصح عن النبي -صلي الله عليه وسلم- في يوم عاشوراء غير صومه، وإنما الرواض لما ابتدعوا إقامة المأتم وإظهار الحزن يوم عاشوراء لكون الحسين ﵁ قتل فيه ابتدع جهله أهل السنة إظهار السرور واتخاذ الأطعمة والاكتحال ونحو ذلك، ورووا أحاديث موضوعة في الاكتحال، وفي التوسعة علي العيال فيه.
стр. 677
فصل
قوله: (لهما أن النذر سبب، فيظهر الوجوب في حق الخلف، وفي هذه المسألة السبب إدراك العدة فيقدر بقدر ما أدرك).
قول محمد ﵀ هو الراجح؛ لأنه لا يلزم بالنذر إلا ما يقدر على أدائه، فكأنه قيده بقوله: إن عشت، ولا قدرة بدون إدراك العدة، والقول بأن سبب يظهر حكمه في حق الخلف، يكفي في جوابه المنع، وقوله: وفي هذه المسألة السبب إدراك العدة، حقه أن يزيد: إن اختار التأخير.
стр. 678
قوله: (والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً كما يطعم في الكفارات، والأصل فيه قوله تعالي: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ قيل: معناه لا يطيقونه).
لا خلاف في إباحة الإفطار للشيخ والعجوز العاجزين عن الصوم، ولكن اختلف أهل العلم في وجوب الفدية عليهما بالإطعام عن كل يوم مسكيناً، فروي عن علي وابن عباس وغيرهما وجوب الفدية، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، ومذهب
стр. 679
مالك وغيره وهو أحد قولي الشافعي عدم وجود الفدية، واختاره ابن المنذر والطحاوي وغيرهما.
قال السروجي: ودليله قوي، فإن أصحابنا أوجبوا الفدية على الشيخ الهرم الذي لا يستطيع الصوم أصلاً، فمن لا يجب عليه الصوم أصلاً كيف يكون له بدل؟ وأقوي من هذا أن المسافر أبيح له الفطر/ مع القدرة على الصوم للمشقة فلو مات على حالة لا يجب عليه الفدية، والذي لا قدرة له على الصوم أصلاً أولى بعدم وجوب الفدية فهذا واضح كما تري. انتهى
стр. 680
وقوله: (والأصل فيه قوله تعالي: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ قيل: معناه لا يطيقونه).
هذا التقدير على قوله من قال من النحاة بتقدير "لا" في مثل قوله تعالي: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ والمبرد وغيره يأبون ذلك ويقدرون فيه: كراهة أن تضلوا، وقولهم أولى؛ لأن تقدير العامل المناسب ألوى من تقدير حرف النفي، مع أنه ليس قوله: ﴿وعلي الذين يطيقون﴾ نظير قوله: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ لأن هنا قرينة تدل على المقدر وهي قوله: ﴿يبين الله لكم﴾ وليس في قوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ ما يدل عليه ولا يجوز في مثله تقدير ما لا يدل عليه من اللفظ دليل، وإلا لم يثق أحد بنص مثبت لاحتمال أن تكون "لا" مقدرة فيه، وقيل: معناه كانوا يطيقونه - أي في حال الشباب - فعجزوا عنه بعد الكبر، والآخر ظاهر الضعف.
وأقوي منه ما روي البخاري في صحيحة عن عطاء أنه سمع ابن عباس
стр. 681
يقرأ ﴿وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين﴾ قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما بمنسوخة، هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" مع أن هذه القراءة يمكن أن ترد إلى معني القراءة الأخرى، فإن معني ﴿يطوقونه﴾ يكلفونه، وأكثر السف على أن الآية منسوخة، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية" ﴿وعلي الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ " متفق
стр. 682
عليه، وأخرجه البخاري أيضاً عن ابن عمر، وأخرج أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليل عن أصحاب محمد أنهم قالوا ذلك، وحكي البغوي عن قتادة أنها خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم لكنه يشق عليه، رخص له في أن يفطر ويفدي ثم نسخ، وحكي أيضاً عن الحسن أن هذا في المريض الذي به ما يقع اسم المرض وهو مستطع للصوم خير بين أن يصوم وبين أن يفكر ويفدي ثم نسخ، وإذا عرف فالمسألة مسألة نزاع بين الصحابة ﵃.
стр. 683
ومن ادعى النسخ معه زيادة غثبات، كيف وهو قول جمهور الصحابة؟ ولعل قول ابن عباس ﵄ عن اجتهاد، وقول غيره عن نقل وهو الظاهر، فإن النسخ كان قبل ابن عباس ﵄.
قوله: (ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصي به أطعم عنه وليه لكل يوم مسكيناً) إلى قوله: (ولا يصوم عنه الولي لقوله ﵊:"لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد").
ورد في الإطعام حديث ابن عباس الذي رواه النسائي وأبو داود وحديث ابن عمر رواه ابن ماجه والنسائي، أيضاً وكلاهما
стр. 684
معلول، وقال النسائي عن حديث ابن عمر: الصحيح أنه موقوف علي ابن عمر، انتهي، وقد حكي البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄: "أنه أمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء، فقال: صلي عنها"، وقال ابن عباس نحوه، وقوله -صلي الله عليه وسلم-: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" في حديث ابن عباس المذكور، وفي "الموطأ" أن مالكاً بلغه ان ابن عمر كان يسأل: "هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد"، وفي "الصحيحين" وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله- ﷺ -
стр. 685
"من مات وعليه صوم، صام عنه وليه"، وعن ابن عباس ﵄ قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليه صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان علي أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي/ عن أمك" وفي رواية قال: "جاء رجل إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟
قال: نعم: قال: فدين لاله أحق أن يقضي"، وفي صحيح مسلم عن بريدة ﵁ قال: "بينا أنا جالس عند رسول الله -صلي الله عليه وسلم- إذا أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها مات، فقالك وجب أجرك
стр. 686
وردها عليك الميراث، فقالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهرين أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحجَّ قط أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها".
وقد قال أحمد وغيره: يصوم الولي، لكن خصَّه بالمنذور، وقال طاوس، وقتادة والحسن، والزهري في رواية، وأبو ثور، وداود بن علي: يصوم عنه وليه ولم يخصوه بالنذر، وهو قول الشافعي القديم، قال النووي: وهو المختار، ويظهر قوة هذا القول لعموم قوله ﷺ : "من مات وعليه صوم صام عنه وليه" وهذا الحديث يخص عموم قوله: "لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد" إن صحَّ، ولو ثبت أنه سببه السؤال عن صوم النذر فالعبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 687
وقوله: (فصار كالشيخ الفاني).
في ثبوت الفدية في حق الشيخ الفاني نظر كما تقدم فلا يصح القياس عليه إلا بعد ثبوته.
وقوله: (والصلاة كالصوم باستحسان المشايخ) وفيه نظر؛ فإن حكم الفدية في الصوم تقدَّم الكلام عليه، وقوله ﵇: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" متفق عليه، يقتضي أن لا يقضى عنه ولا يطعم عنه لها لقوله: "لا كفارة لها إلا ذلك"، وقد تقدم ذكر ما حكاه البخاري عن ابن عمر وابن عباس ﵃ في أمر الصلاة، وحكى الطحاوي عن الأوزاعي: "إن مات وعليه صلاة يقضيها عنه وليه بعد موته في النذر" وهي رواية .....
стр. 688
حرب عن أحمد ورجحها بعض أصحابه، والذين قالوا: إن الولي يقضي عن الميت الصوم أو الصلاة اختلفوا، فذهب أهل الظاهر إلى وجوب القضاء على الولي، وذهب الإمام أحمد إلى أنه يستحب له القضاء عنه، ويجوز أن يصوم عنده عن الميت غير وليه، لكن في اشتراط إذن الولي روايتان عنه، وبقيه التفريع على ذلك معروف في كتبهم.
ويرد ما فهمه أهل الظاهر من الوجوب من قوله -صلي الله عليه وسلم-: "فدين الله أحق أن يقضي"، أن دين الميت لا يجب على الورثة قضاؤه، ولكن يقضي من تركته وإن لم يكن له تركة وتبرع الوارث بقضائه قبل منه، فكذلك إذا تبرع بغير دين العباد يقبل منه ويكون أولى وأحق، والله أعلم.
فتلخص مما تقدم أن في قضاء الصوم المنذور والمفروض والصلاة المنذورة
стр. 689
عن الميت خلافاً بين العلماء، ولا خلاف بينهم في مشروعية قضاء الحج والزكاة وإن كان أبو حنيفة يشترط الإيصاء بهما ويعتبرهما من الثلث لا في كل التركة، ولا خلاف بينهم في عدم مشروعية قضاء الصلاة الفائتة عنهم، وإنما اختلفوا في مشروعية الإطعام عنها، ووجه ذلك - والله أعلم- أن مشروعية القضاء رحمة من الله وإحسان خص به أصحاب الأعذار لأنهم يستأهلون بذلك بخلاف العاصي المتمرد، وذلك لا يتأتي في حق تارك الصلاة المفروضة فإنه إن تركها عمداً فلا شك في عصيانه ولهذا كان الراجح عدم شرع القضاء في حق حالة الحياة كما تقدم، وإن كان تركها لنوم أو نسيان فإنه يجب عليه الصلاة إذا ذكرها، فإن أخرها بعد الذكر من غير عذر
стр. 690
صار بمنزلة تارك الصلاة عن وقتها من غير عذر، وإن أخرها لعذر ثم مات قبل زوال العذر فهذا لم يجب عليه فعلها قبل موته فلا يجب بعد موته.
أما الصوم، فالمريض والمسافر والحائض يشرع لهم القضاء على التراخي فإذا ماتوا قبل القضاء كان لهم عذر يستأهلون، ولأجله شرع القضاء عنهم، وكذلك الزكاة والحج لأنه متي أتي به كان إيتاء بالواجب فكان لهم عذر من / هذا الوجه، وإن كان التأخير في ذلك كله لا يجوز إلا علي وجه لا يؤدي إلى التفويت.
قوله: (ألا تري أنه لو كان مقيماً في أول اليوم ثم سافر لا يباح له الفطر ترجيحاً لجانب الإقامة).
مذهب الإمام أحمد وإسحاق والشعبي أنه يفطر، وهو مروي عن ابن عمر ﵄، وقالوا: إن حدوث السفر كحدوث المرض. وترجيح جانب الإقامة ينبغي أن يفيد الأفضلية دون الوجوب، لئلا يلزم منه وجوب الصوم على من ثبت له حكم السفر، وعن ابن عباس ﵄ قال: "خرج رسول الله -صلي الله عليه وسلم- في رمضان إلى حنين، والناس مختلفون فصائم
стр. 691
ومفطر، فلما استوي على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته أو راحته، ثم نظر الناس، فقال المفطرون للصوام أو أفطروا" رواه البخاري.
وعن محمد بن كعب قال: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب سفره، ودعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة ثم ركب" أخرجه الترمذي.
وعن منصور الكلبي: "أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق إلي قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه أناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله
стр. 692
لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن إني أراه: إن قوماص رغبوا عن هدي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك" رواه أبو داود، ولم يرد ما يخالف هذا حتى يرجح جانب الإقامة.
قوله: (ولنا أن السبب قد وجد وهو الشهر والأهلية بالذمة، وفي الوجوب فائدة وهو صيرورته مطلوباً على وجه لا يحرج في أدائه، بخلاف المستوعب لأنه يحرج في الأداء فلا فائدة، وتمامه في "الخلافيات").
стр. 693
كل هذا يمكن أن يقال مثله في حق الكافر والصبي ولم يفرقوا في الخلافيات بينهم بفرق مسلم، بل المجنون أولى بعدم القضاء من الكافر والصبي، لأن الكافر يعاقب على تركه في الآخرة إن لم يسلم، والصبي يؤمر بالصوم تخلقاً فكانا من أهل الصوم في الجملة بخلاف المجنون.
قوله: (وفي هبة النصاب - يعني من الفقير - وجدت به القرية على ما مر في الزكاة).
لم يتقدم في الزكاة هبة النصاب من الفقير، وإنما تقدم قوله: ومن تصدق بالنصاب ولم ينوها سقطت، وهو مشكل على من يجعلها متعلقة بالذمة، ولكن أشكل منه إذا وهب النصاب من الفقير بغير نية التقرب إلى الله كيف يقال: إن وجدت نية القربة ولم توجد؟ والأعمال بالنيات.
قوله: (ولنا أنه وجب قضاء لحق الوقت أصلاً لا خلفاً).
стр. 694
يعني الإمساك للمسافر إذا قدم، أو الحائض إذا طهرت في أثناء النهار، وهو مشكل لأنه لم يرد به نص، وقياسه على ما ورد به النص في يوم عاشوراء، وهو أنه ﵇: "أمر رجلاً من أسلم: أن أذن في الناس، من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء" متفق عليه، لا يقوي؛ لأنه لم يرد هناك أمر لمن كان أكل بالقضاء، فكان ذلك الإمساك هو الواجب، وهنا الواجب صوم يوم آخر بالنص والإجماع في حق من كان أكل، ومن لم يكن أكل ونوى الصوم قبل نصف النهار فيه خلاف معروف؛ فيقوي القول باستحباب الإمساك لا بوجوبه والحالة هذه.
قوله: (وفيه قال عمر ﵁: "ما تجانفنا لإثم، وقضاء يوم علينا يسير").
стр. 695
يعني في الإفطار على ظن فاسد في غروب الشمس. [عن خالد بن] أسلم: "أن عمر ﵁ أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم، ورأي أنه قد أمسي وغابت الشمس، فجاء رجل فقال: يأ أمير المؤمنين طلعت الشمس! فقال عرم: الخطب/ يسير وقد اجتهدنا" أخرجه مالك في "الموطأ" فإن قيل: قال مالك ﵀: يريد بقوله: "الخطب يسير" القضاء فيما نري، قيل: من مذهبه الفكر بالخطأ والنسيان، فحمل كلام عمر علي ذلك اجتهاداً منه، ولهذا قال: فيما نري، وذكر ابن أبي شيبة في مصنفة: "وقضاء يوم يسير"، ولم يثبت هذه الزيادة، وروي البيهقي عن
стр. 696
عمر ﵁:"لا نبالي والله ونقضي يوماً مكانه".
وروي عنه: "والله لا نقضيه وما تجانفنا لإثم" وروي ابن المنذر عن عمر القضاء وعدمه أيضاً، وفي "صحيح البخاري" عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا يوماً من رمضان في غيم في عهد رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ثم طلعت الشمس" وهذا يدل على شيئين: أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتقين الغروب فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به النبي-صلي الله عليه وسلم-، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم، وقد روي البيهقي بالإسناد الصحيح عن عمرو بن ميمون وهو من كبار التابعين قال: "كان أصحاب محمد ﵃ أعجل الناس إفطاراً وأبطؤهم
стр. 697
سحوراً".
والثاني: أنه لا يجب القضاء فإن النبي -صلي الله عليه وسلم- لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك ولنقل كما نقل فطرهم، فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أو بد من القضاء، قيل: هشام قال ذلك برأيه لم يرو ذلك في الحديث ويدل على أنه لم يكن عنده بذلك علم أن معمراً روي عنه قال: سمعت هشاماً قال: لا أدري أقضوا أم لا، ذكر هذا وهذا عنه البخاري.
стр. 698
والنص قد ورد في حق الناسي، والفرق بينه وبين المخطئ محل نظر، وقد ذكر كثير من الأصحاب في تعليل عدم الإفطار بالأكل ناسياً أن الصوم عبارة عن الإمساك مقروناً بالنية وضده الأكل مع النية ولم يوجد، ولأنه لا يؤمن وقوع مثله في القضاء فيؤدي إلى الحرج المنفي بالكتاب والسنة، وهذا التعليل يشمل الخطأ والنسيان.
قوله: (لقوله ﵊: "ثلاث من أخلاق المرسلين؛ تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، والسواك").
стр. 699
أخرجه البيهقي من حديث ابن عمر ولم يذكر السواك وإنما ذكر بدله وضع اليمني على اليسري في الصلاة، ولفظه أنه ﵇ قال: "إنا معاشر الأنبياء أمرنا بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ووضع اليمني على اليسري في الصلاة"، قال البيهقي: صحيح، عن عائشة قالت: "ثلاث من النبوة؛ تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمني على اليسرى في الصلاة"، وروي ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء موقوفاً عليه نحوه.
والأدلة على تعجيل الفطر وتأخير السحور ثابتة في "الصحيحين" وغيرهما، وكون ذلك من السنة.
стр. 700
وأما كونه سنة الأنبياء ففيه نظر؛ فإن ثبت في "الصحيح" أنهم في ابتداء الإسلام كانوا لا يأكلون ولا يجامعون بعد النوم حتى نزل قوله تعالي: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، وقال -صلي الله عليه وسلم-: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكله السحر"، و"كان النبي -صلي الله عليه وسلم- يعجبه متابعة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء" فالظاهر أنه لم يكن السحور
стр. 701
مشروعاً قبل الإسلام، أو كان مشروعاً لبعض الأنبياء دون بعض.
قوله: (إلا أنه إذا شك في الفجر، ومعناه، تساوي الظنين).
في عبارته شيء وهو أن الظن رجحان الاعتقاد والراجح يقابله المرجوح، فلا يتصور أن يتساوي الرجحان، ويستعمل الظن في اليقين أيضاً، ولا يتصور تقابل اليقينيين.
ومراده تساوي الاعتقادين أو الأمارتين ونحو ذلك.
قوله: (ومن أكل في رمضان ناسياً فظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك
стр. 702
متعمداً عليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الاشتباه استند إلى القياس فتحقق الشبهة)، إلى أن قال: (لو احتجم فظن أن ذلك يفطر ثم أكل بعد ذلك متعمدا ًعليه القضاء والكفارة، لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي في حقه).
هذا مبني على أن الإفطار بالحجامة على خلاف القياس، وقد تقدم أنه على وفق القياس الصحيح/؛ لأن إخراج الدم بمنزله إخراج الطعام بالاستقاء، وبمنزلة إخراج المني بالمباشرة، وبغيرها على الصحيح، وبمنزلة دم الحيض والنفاس، فهذا القياس إن لم يكن أعلى من قياس الناس على العامد فلا يكون دونه، كيف وهو مؤيد بالنص الدال على صحته وفساد ذلك القياس.
قوله: (ولو بلغه الحديث واعتمده (يعني حديث "أفطر الحاجم
стр. 703
والمحجوم) (فكذلك عند محمد رحمة الله).
يعني أنه لا كفارة عليه إذا احتجم ثم أكل على ظن أن الحجامة فطرته معتمداً على الحديث.
(لأن قول الرسول لا ينزل عن قول المفتي).
في العبارة مسامحة، بل هي خطأ والأمر أعظم من ذلك! (وعن أبي يوسف خلاف ذلك) - يعني عليه الكفارة- (لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث).
في تعليه نظر فإن المسألة إذا كانت مسألة نزاع بين العلماء، وقد بلغ العامي الحديث الذي احتج به الفريقين فأخذ به كيف يقال في هذا إنه غير معذور؟ فإن قيل: هو منسوخ، فقد تقدم أن المنسوخ ما يظن أنه يعارضه.
ومن سمع الحديث الصحيح فعمل به وهو منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا تعمل به حتى تعرضه
стр. 704
على رأي فلان دون رأي فلان، وإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه كما في هذه المسألة فالعامل به في غاية العذر، وإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أقوى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما يسمعه من الحديث. قال أبو عمر بن عبد البر لما ذكر قول رسول الله ﷺ (لا تستقبلوا القبلة بغائظ ولا بول ولا تستدبروها): قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله.
وهكذا يجب على كل من بلغه شيء يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصه أو ينسخه، انتهى.
وقال الشافعي رحمة الله: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها يقول أحد. وأيضاً فإن المنسوخ من السنة في غاية القلة، وقد جمعه ابن الجوزي في ورقات وقال: إنه أفرد فيها قدر ما صح نسخة أو احتمل، وأعرض عما لا وجه لنسخه ولا احتمال، وقال: فمن سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس فيها فهاتيك دعوى. ثم قال: وقد
стр. 705
تدبرته فإذا هو أحد وعشرون حديثاً. وذكرها.
وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي، كيف لا يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ؟ ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطاً في العمل بها وهذا من أبطل الباطل. وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة. ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه، ويجوز عليه التناقض والاختلال، ويقول القول ويرجع عنه، ويحكى عنه في المسألة عدة أقوال.
وهذا كله فيمن له نوع أهلية؛ أما إذا لم يكن له أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتب الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز. وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث [فكما لو لم يفهم] فتوى المفتي فيسأل من يعرفه
следующие страницы →