← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مشروعاً قبل الإسلام، أو كان مشروعاً لبعض الأنبياء دون بعض. قوله: (إلا أنه إذا شك في الفجر، ومعناه، تساوي الظنين). في عبارته شيء وهو أن الظن رجحان الاعتقاد والراجح يقابله المرجوح، فلا يتصور أن يتساوي الرجحان، ويستعمل الظن في اليقين أيضاً، ولا يتصور تقابل اليقينيين. ومراده تساوي الاعتقادين أو الأمارتين ونحو ذلك. قوله: (ومن أكل في رمضان ناسياً فظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك

стр. 702

متعمداً عليه القضاء دون الكفارة؛ لأن الاشتباه استند إلى القياس فتحقق الشبهة)، إلى أن قال: (لو احتجم فظن أن ذلك يفطر ثم أكل بعد ذلك متعمدا ًعليه القضاء والكفارة، لأن الظن ما استند إلى دليل شرعي في حقه). هذا مبني على أن الإفطار بالحجامة على خلاف القياس، وقد تقدم أنه على وفق القياس الصحيح/؛ لأن إخراج الدم بمنزله إخراج الطعام بالاستقاء، وبمنزلة إخراج المني بالمباشرة، وبغيرها على الصحيح، وبمنزلة دم الحيض والنفاس، فهذا القياس إن لم يكن أعلى من قياس الناس على العامد فلا يكون دونه، كيف وهو مؤيد بالنص الدال على صحته وفساد ذلك القياس. قوله: (ولو بلغه الحديث واعتمده (يعني حديث "أفطر الحاجم

стр. 703

والمحجوم) (فكذلك عند محمد رحمة الله). يعني أنه لا كفارة عليه إذا احتجم ثم أكل على ظن أن الحجامة فطرته معتمداً على الحديث. (لأن قول الرسول لا ينزل عن قول المفتي). في العبارة مسامحة، بل هي خطأ والأمر أعظم من ذلك! (وعن أبي يوسف خلاف ذلك) - يعني عليه الكفارة- (لأن على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث). في تعليه نظر فإن المسألة إذا كانت مسألة نزاع بين العلماء، وقد بلغ العامي الحديث الذي احتج به الفريقين فأخذ به كيف يقال في هذا إنه غير معذور؟ فإن قيل: هو منسوخ، فقد تقدم أن المنسوخ ما يظن أنه يعارضه. ومن سمع الحديث الصحيح فعمل به وهو منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا تعمل به حتى تعرضه

стр. 704

على رأي فلان دون رأي فلان، وإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه كما في هذه المسألة فالعامل به في غاية العذر، وإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أقوى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما يسمعه من الحديث. قال أبو عمر بن عبد البر لما ذكر قول رسول الله ﷺ (لا تستقبلوا القبلة بغائظ ولا بول ولا تستدبروها): قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله. وهكذا يجب على كل من بلغه شيء يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصه أو ينسخه، انتهى. وقال الشافعي رحمة الله: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يحل له أن يدعها يقول أحد. وأيضاً فإن المنسوخ من السنة في غاية القلة، وقد جمعه ابن الجوزي في ورقات وقال: إنه أفرد فيها قدر ما صح نسخة أو احتمل، وأعرض عما لا وجه لنسخه ولا احتمال، وقال: فمن سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس فيها فهاتيك دعوى. ثم قال: وقد

стр. 705

تدبرته فإذا هو أحد وعشرون حديثاً. وذكرها. وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي، كيف لا يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ؟ ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطاً في العمل بها وهذا من أبطل الباطل. وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة. ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه، ويجوز عليه التناقض والاختلال، ويقول القول ويرجع عنه، ويحكى عنه في المسألة عدة أقوال. وهذا كله فيمن له نوع أهلية؛ أما إذا لم يكن له أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتب الثقات من كلام رسول الله ﷺ أولى بالجواز. وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث [فكما لو لم يفهم] فتوى المفتي فيسأل من يعرفه

стр. 706

معناه كما يسأل منم يعرفه جواب المفتي. قوله: ([وإذا عرف تأويله تجب الكفارة لانتفاء الشبهة، وقول الأوزاعي لا يورث الشبهة لمخالفته القياس]). [تقدم أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم عند الإمام أحمد، وإسحاق ابن راهويه، ومحمد بن خزيمة، وعطاء، والأوزاعي، ومسروق، والحسن، وابن سيرين، وابن المنذر، وعبد الرحمن بن مهدي. وتقدم ذكر ما استدلوا به من السنة، والقياس الصحيح، فكيف يكون قول هؤلاء] مع هذا الدليل لا يورث الشبهة وهو موافق للقياس غير مخالف له كما تقدم؟! قوله: (وإذا جومعت النائمة أو المجنونة وهي صائمة عليها القضاء دون الكفارة، وقال/ زفر والشافعي: لا قضاء عليهما اعتباراً بالناسي، والعذر أبلغ لعدم القصد. ولنا أن النسيان يغلب وجوده وهذا نادر). قولهما رواية عن أبي حنيفة ذكرها في (خزانة الأكمل) وهو الظاهر لأن

стр. 707

الشارع لم يعتبر فوت الركن من غير قصد كما في الناسي، وهذا أولى منه. ورده بأن النسيان يغلب وجوده وهذا نادر فيه نظر؛ فإن النادر إذا وجد صار كالغالب فيأخذ حكمه.

стр. 708

فصل فيما يوجبه على نفسه قوله: (إذا قال: لله علي صوم يوم النحر أفطر وقضى فهذا النذر صحيح عندنا خلافاً للشافعي وزفر رحمهما الله، هما يقولان: نذر بما هو معصية لورود النهي عن هذه الأيام. ولنا أنه صوم مشروع والنهي لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله فيصخ تذره لكنه يفطر احترازاً عن المعصية المجاورة ثم يقضي إسقاطاً للواجب، وإن صام فيه يخرج عن العهدة؛ لأنه أداه كما التزامـ[ـه]). عدم صحة النذر بصوم يومي العيدين مذهب مالك وأحمد أيضاً، وهو رواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة، وروى الحسن عن أبي حنيفة انه إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم غد وهو يوم النحر صح، ذكره في المبسوط). والمسألة مشهورة في كتب الفرع والأصول، وهي

стр. 709

مبنية على أن النهي لا ينافي المشروعية عند الحنفية. والفرق بين النهي عن الشيء لمعنى في عينه والنهي عنه في غيره. وهنا النهي عن صوم يوم العيد لمعنى في غيره، وهو ترك إجابة دعوة الله فإنه يوم ضيافة. وهذا مقرر في موضوعه. ولكن لم منع من صومه ومنع صحة نذر صومه ترجيح من وجوه زائدة على النهي عن صومه؛ منها: أنه ورد النهي بصبغة النفي في بعض الطرق كما في راوية البخاري، وأحمد: (لا صوم في يومين)، ولمسلم: (لا يصلح الصيام في يومين)، وهذا أكد في إخراج هذين اليومين عن

стр. 710

محلية الصيام؛ فهذان اليومان لا يصلحان للصوم كما أن الليل لا يصلح له. ومنها: ما رواه البخاري وأحمد وأهل السنن عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصيه فلا يف به) وفي رواية: (فليطعه ولا يعصه). ولا خلاف في أن صوم يوم العيد معصية، وقد قال ﷺ (لا يف به). والذي دل عليه النص: أن كل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر؛ كما أن كل ما جاز بذله بدون الاشتراط بلا كراهة لزم بالاشتراط، وكل

стр. 711

معصية لا يجوز فعلها قبل النذر لا يلزم بالنذر، وكذلك الشروط. والتفريق بين ما لله من جنس واجب وبين غيره، وبين ما هو معصية لمعنى في نفسه، وبين ما هو معصية لمعنى في غيره في نظر. ومنها: أن الأكل والشرب والجماع وإن كان من باب قضاء الشهوة فقد يكون عبادة كما قال ﷺ لمن قال: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟. (أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، ولهذا كان النكاح واجباً عند التوقان، سنة بدونه، وهو أفضل من التخلي لنوافل العبادات على

стр. 712

الصحيح. والأكل مراتب؛ فرض وهو قدر ما يدفع به الهلاك، ومستحب وهو الزيادة للتقوى على العبادات. وقد قال ﷺ (لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). وقال ﵇ لعبد الله بن عمرو: (صم وأفطر، ونم، وقم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وأن لزوجك عليك حفًا)، وأخبره في هذا الحديث (أن أفضل الصيام صيام داود؛ كان يصوم يماً ويفطر يوماً) قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال ﷺ (لا أفضل من ذلك). وإذا عرف ذلك كان صوم يوم العيد كفطر يوم من رمضان. فإن قيل: فقد توقف ابن عمر ﵄ في جواب من سأله عن صوم يوم النحر وقد نذره وقال/: (أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر) فلو كان صومه معصية لم يتوقف. قيل: إنما توقف لأن الناذر لم يعين

стр. 713

صوم يوم النحر، ولفظ الحديث (أنه سأله رجل فقال: نذرت أن أصوم كل ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر. قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر. فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه) متفق عليه. وهذه الصورة قد تقدم أن الحسن روى عن أبي حنيفة أنه فرق بين نظيرها وبين النذر بصوم النحر. والفرق ظاهر مع أنه قد خرج البخاري عنه ﵁: (أنه أجاب في رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صامه فوافق يوم الأضحى أو الفطر فقال:﴾ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴿لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا نرى صيامهما). قوله: (وهو قوله ﵊: (لا تصوموا في هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وبعال).

стр. 714

أورد هذا الحديث مستدلاً به على النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وفيه نظر من وجوه: أحدها: أن هذا اللفظ لم يرد في كتب الحديث. الثاني: أنه ورد في أيام التشويق (أنها أيام أكل وشرب وذكر الله) أخرجه مسلم. وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)، وليس فيه نهي، ولهذا ذكر

стр. 715

فيه يوم عرفة مع أن الحديث فيه كلام، ولم يرد هذا اللفظ في يوم الفطر. الثالث: أن قوله: (وبعال) قال بن قدامة في المغني: إن ذكر البعال في راوية الواقدي وهو ضعيف. انتهى. والأحاديث الصحيحة إنما فيها أن أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله، والأحاديث الواردة في النهي عن صوم يومي العيدين تكاد تبلغ حد التواتر إلا أنه ليس فيها هذا اللفظ.

стр. 716

باب الاعتكاف قوله: (ولنا قوله ﵊: (لا اعتكاف إلا بالصوم). هذا الحديث ضعفه الدارقطني وغيره، ولكن قد ورد موقوفًا على علي وعبد الله بن عباس وعائشة ﵃، وذكر ذلك ابن أبي شيبة في مصنفة، وذكر في المغني ....................

стр. 717

ابن عمر مكان علي. ولم يعتكف النبي ﷺ إلا وهو صائم. قوله: (ويصلي قبلها أربعاً، وفي رواية ستًا، والأربع سنة، وركعتان تحية المسجد). يعني قبل الجمعة. ولم يذكر سنة الجمعة في باب الجمعة، ولا في باب

стр. 718

النوافل، وإنما ذكرها هنا استطراداً. والقول بأن للجمعة سنة راتبه قبلها فيه نظر؛ فإن النبي ﷺ كان يجلس على المنبر إذا زالت الشمس يوم الجمعة، ويؤذن المؤذن بين يديه، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام النبي ﷺ على المنبر وخطب، وكذلك كان أبو بكر وعمر ﵄ يفعلان بعده. فلما تولى عثمان ﵁، وكثر المسلمون أحدث الأذان الأول على ما هو اليوم، وهي سنة عثمان ﵁. وعمل بها علي ﵁، ثم الأئمة بعدهما. وقد قال النبي ﷺ : ([عليكم] بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ). والمراد أنه لم يكن يصلي قبل الجمعة سنة. وما ورد من الأمر بالركعتين فتلك تحية المسجد، وليس قبل الجمعة سنة مؤقتة مقدرة بعدد؛ لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئاً لا بقوله ولا بفعله. ومن قال من العلماء أن قبلها سنة راتبة، منهم من جعلها ركعتين كما قال طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، ومنهم من جعلها أربعًا كما هو مذهب أبي حنيفة وقول طائفة من

стр. 719

من أصحاب أحمد قالوا: لأن الجمعة ظهر مقصورة فتكون سنتها سنة الظهر. وفيه نظر لوجهين. أحدهما: أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق العلماء. وإذا كانت الظهر تشارك الجمعة في حكم وتفارقها في حكم لم يكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل، فليس جعل سنة الجمعة من موارد الاشتراك/ بأولى من جعلها من موارد الافتراق. الثاني: أن يقال: هب أنها ظهر مقصورة؛ فالنبي ﷺ لم يكن يصلي في سفره سنة للظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها؛ لأن السبب المقتضي لحذف بعض الفريضة أولى بحذف السنة الراتبة كما قال ابن عمر ﵄: (لو كنت مسبحًا لأتممت) أي لو استحب للمسافر أن يصلي أربعًا لكان

стр. 720

صلاة الظهر أربعًا أولى من أن يصلي ركعتين فرضًا، وركعتين سنة لأن التقرب إلى الله ببعض الظهر أفضل من التقرب إليه بالتطوع مع الظهر، وإنما كان النبي ﷺ يصلي في السفر ركعتي الفجر والوتر. وبتوجه أن يقال: إن هذا الأذان لما سنه عثمان، واتفق المسلمون عليه صار أذانًا شرعيًا، وحينئذ فتكون الصلاة بينه وبين الآذان الثاني جائزة حسنة، وليست سنة راتبة كالصلاة قبل صلاة العصر والمغرب والعشاء لقوله ﵇: (بين كل آذانين صلاة، بين كل أذنين صلاة) قال بعد الثالثة: (لمن شاء)، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه. قوله: (وبعد أربعًا أو ستًا على حسب الاختلاف في سنة الجمعة). فيه نظر، وهو أن الأفضل في النوافل كلها المنزل، وإنما كان النبي ﷺ -

стр. 721

يصلي سنة الجمعة التي بعدها في منزله كما في حديث ابن عمر المتفق عليه. والمعتكف [في] المسجد الذي يعتكف فيه هو منزله في مدة اعتكافه، فيكون رجوعه وصلاته في مسجده أولى من وجهين: من وجه أنه معتكفه، ومن وجه أنه منزله. قوله: (فإن جامع ليلًا أو نهارًا عامدًا أو ناسيًا بطل اعتكافه). في بطلانه الاعتكاف بالجماع ناسيًا نظر؛ فإن عدم إبطال اعتكافه أولى من عدم إبطال الصوم، لأن الكف عنه ركن الصوم، ومحظور الاعتكاف، فإذا لم يؤثر في الركن؛ فالمحظور أولى. فإن قيل: حالة المعتكف مذكرة فلم يعذر لكونه في المسجد، قيل: خرج من المسجد فدخل منزله لحاجة الإنسان فنسي فواقع أهله، فليس معه وهو منزله حالة مذكرة.

стр. 722

قال السروجي: وعن ابن سماعة أنه ذكر عن بعض أصحابنا أن جماع الناسي لا يبطل الاعتكاف؛ لأنه فرع الصوم. انتهى. وعند الشافعي إن كان ناسياً لاعتكافه أو جاهلاً لتحريمه لم يبطل. قوله: (لقوله ﵊: (جنبوا مساجدكم صبيانكم) إلى أن قال: (وبيعكم وشراءكم). الحديث المشار إليه خرجه ابن ماجه، وضعفه النووي وغيره.

стр. 723

كتاب الحج قوله: (لقوله ﵊: "أيما عبدٍ حجّ عشر حجج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام، وأيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام"). هذا الحديث منقول بالمعنى، وفيه زيادة تأكيد، وهي قوله: "ولو عشر حجج" ليست في الحديث. وأصله عن ابن عباس ﵄ يرفعه قال: "أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحجّ حجة أخرى". وفي صحة رفعه كلام. وعن محمد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ قال: "أيما صبيّ

стр. 724

حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحجّ، وأيما رجل مملوك حجّ به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أعتق فعليه الحج" ذكره الإمام أحمد في رواية عبد الله هكذا مرسلاً. قوله: (والأعمى إذا وجد من يكفيه مؤنة سفره ووجد زادًا وراحلة لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما وقد مرّ في كتاب الصلاة). لم يمر في كتاب الصلاة سوى قوله: (ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا أعمى، ولا عبد، لأن المسافر يحرج في الحضور، وكذا المريض والأعمى). ولم يمرّ ذكر خلاف الصاحبين، ولا علّل بسوى

стр. 725

الحرج، وقد تقدم الكلام هناك على ما في كلامهم من الإشكال. وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الأعمى والمقعد ومقطوع الرجلين عليهم الحج بأنفسهم. وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في وجوب الحج على الأعمى روايتان، فرقا على إحدى الروايتين بين الجمعة والحج، وقالا: وجود القائد إلى الجمعة ليس بنادر بل هو غالب، فيلزمه الجمعة، ولا كذلك القائد إلى الحجّ نقله السغناقيّ، وعزاه إلى "الذخيرة" و"فتاوى قاضي خان" والفرق قوي. وهو خلاف قول أبي حنيفة ﵀ في الموضعين على رواية الحسن عنه. قوله: (وحق العبد مقدم على حق الشرع بأمره). فيه نظر؛ فإنه لا يعرف عن الشارع أنه أمر بتقديم حق العبد على حقه، بل تقدم قوله ------ ﷺ ------: "فدين الله أحق أن يقضيه". وإنما قالوا: إن حق العبد مقدم

стр. 726

على حق الله بالاستنباط من أحكام متفق عليها. ففي إطلاق قوله (بأمره) نظر. قوله: (ولابد من أمن الطريق لأن الاستطاعة لا تثبت دونه؛ ثم قيل: هو شرط الوجوب حتى لا يجب عليه الإيصاء، وهو مروي عن أبي حنيفة، وقيل: شرط الأداء دون الوجوب لأنه ﵊ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير).

стр. 727

التفريق بين الوجوب ووجوب الأداء لا يقوى. قال أبو المعين النسفي من الأصحاب: إن التفريق بين الوجوب ووجوب الأداء بطريقة بعض مشايخنا وهي واهية [بمرة] بل هي فاسدة، ثم قرر ذلك، ثم ذكر أن هذا الكلام بناء على مذهب أبي الهذيل العلاف من شياطين القدرية، وهو أن الصوم والحج ليست بحركات ولا سكون، وهي معان تقارن الحركات والسكنات. وحكى المذهب عنه أبو القاسم الكعبي. وهو مذهب [لم] يقدر أبو الهذيل على تقريره فضلاً عن تحقيقه. ثم بحث ثم قال: وقولهم:

стр. 728

إن في حق النائم والمغمى عليه أصل الوجوب ثابت، ووجوب الأداء منتف غير صحيح لما بينا أن الأداء هو نفس الصوم والصلاة. والقول بوجوب الشيء مع انتفاء وجوبه محال؛ فإذن لا ثم وجوب أصل الصوم ولا الصلاة عليه، بل الوجوب عليه عند زوال الإغماء بخطاب مبتدأ من قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر﴾ الآية. والمغمى عليه المريض، ومن قوله ------ ﷺ ------: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها". والإغماء مثل النوم. وقولهم: هذا يسمى قضاءً، ولو كان ابتداء فرض لزمه، لكان أداء. قلنا: لا فرق بين الأداء والقضاء بل هما لفظان متواليان على معنى واحد. يقال: قضيت الدين وأديته، وقضيت الصلاة وأديتها، على أن المغايرة بينهما ثبتت باصطلاح الفقهاء دون اقتضاء اللغة، ولولا خوف الإطالة لذكرت كلامه كله؛ فإنه قرر إبطال الفرق بين الوجوب، ووجوب الأداء أحسن تقرير ذكر علاء الدين في شرح البزدوي.

стр. 729

ولم يرد عليه بما يساوي سماعه؛ فإذا ثبت ذلك فالراجح عدم وجوب الإيصاء. والله أعلم. قوله: (ولنا قوله ﵊: "لا تحجن امرأة إلا ومعها [ذو] محرم"). هذا الحديث ضعيف أخرجه الدارقطني. وهو حجية عليه؛ لأنه قال: (ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم يحج بها أو زوج، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة ثلاثة أيام). وليس في الحديث ذكر المدة ولا ذكر الزوج. فالحديث حجة عليه من وجهين. ولو استدل بقوله ﵊: "لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم" لكان أحق وأولى.

стр. 730

قوله: (ولهذا تحرم الخلوة بالأجنبية وإن كان معها غيرها). فيه نظر؛ فقد قال رسول الله ----- ﷺ ----- في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو رجلان" رواه مسلم. وظاهره جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية. ولكن يحمل على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم وغير ذلك. وكذلك لو كان رجل وزوجته في بيت، ومعهما امرأة أجنبية، أو دخلت عليهما امرأة أجنبية لا يقال لمثل هذا أنه خلا بأجنبية، فلا تحرم على الرجل الخلوة بالأجنبية ومعه غيره أو معها غيرها من غير تفصيل؛ فإن وجود الثالث معهما يمنع من كونها خلوة إلا عند خوف الفتنة. ولكن إذا كانا وحدهما كان ثالثهما الشيطان مطلقًا. قوله: (بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام؛ أنه يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم). فيه نظر من وجهين؛ أحدهما: أن هذا يناقض قوله أولاً: (ولنا قوله عليه

стр. 731

الصلاة والسلام. "لا/ تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم". الثاني: إنه ورد التقدير بثلاثة أيام وبأقل منها؛ فعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ---- ﷺ ----: "لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم"، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ---- ﷺ ----: "نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين إلا معها زوجها أو ذو محرم"، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي --- ﷺ --- قال: "لا يحل لامرأة [تؤمن بالله واليوم الآخر] تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها" متفق على الثلاثة. وفي رواية: "مسيرة يوم" وفي رواية: "مسيرة ليلة". رواهما مسلم وأحمد. وفي رواية لأبي داود: "بريدًا". وأخرج الحارثي في مسند أبي حنيفة حديث أبي سعيد، ولذلك قال أحمد في رواية: لا فرق بين قصير السفر وطويله

стр. 732

ذلك. ولا شك أن هذا العموم مخصوص بأن لا يفوت بذلك مصلحة راجحة كالمهاجرة كما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بلا محرم، وزينب بنت رسول الله --- ﷺ --- أرسل إليها رجالاً جاءوه بها، وكذا سفر عائشة ﵂ مع صفوان بن المعطل لما كانت وحدها فإن سفرها معه كان

стр. 733

خيرًا من أن تبقى ضائعة. قوله: (وأما إحرام العبد لازم فلا يمكنه الخروج عنه بالشروع في غيره). سيأتي الكلام على جواز فسخ الحج إلى العمرة إن شاء الله تعالى.

стр. 734

فصل قوله: (ولأهل العراق ذات عرق) ثم قال: (هكذا وقت رسول الله --- ﷺ --- هذه المواقيت لهؤلاء). لم يثبت توقيت رسول الله --- ﷺ --- لأهل العراق ذات عرق، للعراق عمر ﵁، لما فتحت العراق. عن ابن عمر ﵄، أنه قال: "لما فتح [هذان] المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله -- ﷺ -- حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا. وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا. قال: فانظروا

стр. 735

حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق" رواه البخاري. وقال البخاري أيضًا بعد أن ذكر حديث ابن عمر في المواقيت: قال -يعني ابن عمر-: لم تكن عراق يومئذ. وما رواه النسائي وأبو داود عن عائشة ﵂ "أن رسول الله -- ﷺ -- وقت لأهل العراق ذات عرق" لم يثبت. وروي عن أنس ﵁: "أنه كان يحرم من العقيق". واستحسنه

стр. 736

الشافعي، وابن المنذر، وابن عبد البر. وروي عن ابن عباس ﵁: "أن النبي - ﷺ - وقّت لأهل المشرق العقيق" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. قال ابن عبد البر: العقيق أولى وأحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم بإجماع. انتهى. ومعنى قول ابن عمر ﵁: "لم تكن عراق يومئذ" أنه لم يكن لهم طريق إلى الحجاز يومئذ، لأنها لم تكن فتحت العراق يومئذ، لأن الشام أيضًا لم تكن فتحت يومئذ، وإنما فتحت الشام والعراق في أيام عمر ﵁. ولهذا -والله أعلم- قال ابن عمر: "لما فتح المصران أتوا عمر فقالوا" الحديث كما تقدم.

стр. 737

قوله: (لقوله ﵊: "لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمًا"). هذا الحديث لم يثبت، وفي الأحكام الكبرى، قال: وذكر أبو أحمد من حديث محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي مسندًا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام؛ من أهلها أو من غير أهلها". ومحمد هذا تكلم فيه ابن معين. وفي آخر حديث المواقيت المتفق على صحته قال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج

стр. 738

والعمرة". وقد صح دخوله - ﷺ - مكة عام الفتح بغير إحرام وعليه عمامة سوداء". وفي رواية: "وعلى رأسه المغفر". ولكن قد قال من أوجب الإحرام مطلقًا أن ذلك كان خاصا به بدليل قوله ﵊: "إنها أحلت له ساعة من نهار". وأجاب من قال باستحبابه: أن الذي أحل له

стр. 739

منها هو القتال فيها فقط دون دخولها بغير إحرام لقوله - ﷺ -: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة [من نهار]، ثم عادت/ حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" الحديث، هذا في حديث أبي شريح العدوي، وفي حديث ابن عباس ﵄: "وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ... " الحديث، متفق عليهما.

стр. 740

قوله: "وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله كذا قاله علي وابن مسعود. والأفضل التقديم عليهما لأن إتمام الحج مفسر به). قيل: المراد من كان منزلة من [د] ون الميقات فهو الذي يحرم من دويرة أهله كما يحرم أهل مكة من مكة في الحج ذكره السهيلي. وقيل معناه: أن تنشئ لكل منهما سفرًا من بلدك. كان سفيان يفسره بذلك، وكذلك فسره أحمد وغيره. قالوا: لا يصح أن يفسر بنفس الإحرام، لأن النبي - ﷺ - وأصحابه ما أحرموا من بيوتهم
следующие страницы →