← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الحديث الصحيح. قوله: (ولا يتطوع بين الصلاتين تحصيلاً لمقصد الوقوف؛ ولهذا قدم العصر على وقته). في التعليلين نظر؛ أما الأول فإن النبي - ﷺ - لم يكن يصلي من الرواتب في السفر إلا الوتر وسنة الفجر؛ فإنه كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا. وعن حفص بن عاصم عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله وجلس، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلينا، فرأى ناسًا قيامًا فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في

стр. 772

رسول الله أسوة حسنة﴾. أخرجه مسلم بطوله، واختصره البخاري فلم يكن يترك التطوع بين الصلاتين ليحصل مقصود الوقوف، وأيضًا فإن الوقوف بعرفة لا تنافيه الصلاة، بل المصلي بعرفة جامع بين عبادتين: الصلاة، وكونه بعرفة في هذا الوقت. وأما تعليله الثاني: وهو قوله: (ولهذا قدم العصر على وقته)؛ فإن الصلاة لا تنافي الوقوف بعرفة كما تقدم. وتعليل الجمع بعذر السفر أظهر كما هو مذهب جمهور العلماء؛ فإن مذهب أبي حنيفة أنه لا جمع إلا بعرفة والمزدلفة، ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلاً، وإنما يجمع إذا كان سائرًا، بل عند مالك إذا جد به السير، ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلاً، وإنما يجمع إذا كان سائرًا، بل عند مالك إذا جد به السير، ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنه يجمع المسافر وإن

стр. 773

كان نازلاً. وسبب هذا الاختلاف ما بلغهم من أحاديث الجمع. فالجمع بعرفة والمزدلفة متفق عليه، وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه، وأبو حنيفة لم يقل بغيره لحديث ابن مسعود الذي في الصحيح أنه قال: "ما رأيت رسول الله - ﷺ -، صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلاة المغرب ليلة جمع"، وأراد بقوله: "في الفجر لغير وقتها" الذي كانت عادته أن يصليها فيه، فإنه جاء في الصحيح عن جابر: "أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق الفجر". وهذا أمر متفق عليه أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر، لا بمزدلفة ولا غيرها، ولكن بمزدلفة غلس بها تغليسًا شديدًا. وأما أكثر الأئمة فبلغهم في الجمع أحاديث صحيحة كحديث أنس، وابن عباس، وابن عمر، ومعاذ. وكلها في الصحيح. وفي تأويل من تأول من الأصحاب ما ورد من الجمع أنه جمع فعلاً لا وقتًا نظر، وفي ثبوت هذا

стр. 774

التأويل عن أبي حنيفة نظر. والظاهر أن عمدته حديث ابن مسعود المتقدم، وكونه لم ير رسول الله - ﷺ - صلى صلاةً لغير وقتها إلا صلاة الفجر والمغرب بالمزدلفة، مع ملازمته لرسول الله - ﷺ - دليل على عدم الجمع في غير ما ذكر. وهذا استدلال ضعيف؛ لأن ابن مسعود ﵁ قد رآه صلى العصر بعرفة قبل وقتها، وإنما مراده -والله أعلم- الصلاة بالمزدلفة لا مطلقًا؛ لأنه هو ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - قال بعد أن صلى الفجر بالمزدلفة: "إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة" رواه البخاري. وفي الصحيح: ما يرد تأويل من تأول بأنه جمع في الفعل، بمعنى أنه آخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر إلى أول وقتها، وصلاهما جميعًا، لكن كل واحدة في وقتها. وكذلك المغرب والعشاء. ففي حديث أنس أن النبي - ﷺ -: "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فصلاهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر ثم ركب"، وفي لفظ في الصحيح: "كان النبي - ﷺ -، إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل [أول] وقت العصر ثم يجمع بينهما"، وفي لفظ في الصحيح أيضًا: "أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب

стр. 775

والعشاء بعد أن تغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء". وفي حديث ابن عباس بعد أن ذكر جمع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، أن سعيد بن جبير قال له: "وما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وكذلك قال معاذ في حديثه. وعنه ﵁ أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ -، في غزوة تبوك فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا ... " الحديث رواه مالك في الموطأ. وهو نص في أن للمسافر أن يجمع وإن لم يجد به السير، وليس فيما يوري من الآثار عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارض حديث معاذ، وهو ظاهر في أنه أخر الظهر إلى وقت العصر، وقدم العشاء إلى وقت المغرب، مع أن

стр. 776

هذا التأخير والتقديم بالفعل جائز لكل أحد في كل وقت، ورفع الحرج إنما يكون عند الحاجة. فلابد أن يكون قد رخص لأهل الأعذار فيما يرفع عنهم الحرج دون غيرهم، وهذا ينبني على أصل كان عليه جماعة من الصحابة ومن بعدهم، بل قد قيل: إنه لم ينقل عن الصحابة خلاف في ذلك، وهو أن المواقيت لأهل الأعذار ثلاثة، ولغيرهم خمسة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم

стр. 777

الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾، فذكر ثلاثة مواقيت، وكذلك قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر﴾. وبنوا على هذا مسألة الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر أو قبل غروب الشمس أن عليها مع العشاء والعصر المغرب والظهر. بل قد ثبت عنه - ﷺ - أنه جمع في المدينة، كما في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: "صلى لنا

стр. 778

رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، في غير خوف ولا سفر" وفي لفظ في "الصحيحين" عنه: "أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء". قال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى. وقال في رواية: "أراد أن لا يحرج أمته". وكان أهل المدينة يجمعون في الليلة المطيرة بين المغرب والعشاء، ويجمع معهم عبد الله بن عمر وروي ذلك مرفوعًا. وقد ورد أمر النبي ﷺ المستحاضة بالجمع في

стр. 779

حديثين، ولذلك قال عطاء ومالك والليث وأحمد وإسحاق بالجمع للمرض. وقال مالك: والمريض أولى بالجمع من المسافر وغيره لشدة ذلك

стр. 780

عليه. وقال أيضًا: إن جمع المريض بين الصلاتين وليس بمضطر إلى ذلك أعاد ما دام في الوقت، وإن خرج الوقت فلا شيء عليه. وثم أمر آخر وهو: أن النبي ﷺ ، صلى الظهر والعصر بعرفة ركعتين ركعتين، وكذلك صلى العشاء بالمزدلفة ركعتين وصلى معه أهل مكة وغيرهم من أهل الآفاق جمعًا وقصرًا ولم ينقل أنه قال لهم: "أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر" كما توهمه من توهمه، وإنما قال ذلك لما صلى بأهل مكة في المسجد الحرام. فقال مالك: وأحمد في رواية عنه: إن أهل مكة يصلون

стр. 781

بعرفة والمزدلفة قصرًا وجمعًا، وطرده آخرون في كل سفر طال أو قصر، وقد تقدم الكلام في تقدير مدة السفر. قوله: (وقال ﵊: "خير المواقف ما استقبلت به القبلة"). لم يثبت هذا اللفظ مرفوعًا، والله أعلم. قوله: (لأنه ﵊ اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم).

стр. 782

هذا الحديث الذي أشار إليه، ليس هو من رواية ابن عباس، وإنما هو من رواية العباس بن مرداس، رواه عنه ابن ماجه والحديث ضعيف. قوله: (ولنا ما روي أن النبي ﷺ ، ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة، ولأن التلبية فيه كالتكبير في الصلاة فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام).

стр. 783

في تعليله نظر؛ فإن التلبية لا يؤتى بها إلى آخر جزء من الإحرام، وإنما يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة، ولا التكبير يؤتى به إلى آخر جزء من الصلاة. وكأنه أراد إلى آخر فعل فقال: إلى آخر جزء. ويرد عليه أن المعتمر يقطع التلبية إذا أخذ في الطواف، ولو كانت يؤتى بها إلى آخر فعل لكان المعتمر يلبي إلى أن يأخذ في السعي؛ فإنه من أفعال العمرة إما ركنًا أو واجبًا على ما عرف. قوله: (ولنا رواية جابر ﵁ أن النبي ﷺ جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة؛ ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة إعلامًا، بخلاف العصر بعرفة لأنه مقدم على وقته فأفرد بها لزيادة الإعلام). في حديث جابر ﵁ "أن النبي ﷺ ، أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما" وهو في صحيح

стр. 784

مسلم، وكذا في حديث أسامة بن زيد ﵁ "أنه أقام للعشاء الآخرة فصلى" وهو في صحيح مسلم أيضًا، وإنما ورد الجمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة في حديث ابن عمر ﵁، ولكن قال البخاري: عن ابن عمر "جمع رسول الله ﷺ المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما" وبالأذان والإقامتين قال الشافعي، وأحمد وعطاء والظاهرية، وزفر وأبو ثور،

стр. 785

واختاره الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وابن الماجشون من المالكية. وقوله: ولأن العشاء في وقته فلا يفرد بالإقامة إلى آخره تعليل فاسد؛ فإن كل الصلوات التي تؤدي في وقتها تشرع فيها الإقامة. قوله: (ولا يتطوع بينهما لأنه يخل بالجمع). في التعليل نظر؛ وإنما لا يتطوع بينهما لأن النبي ﷺ لم يكن يواظب على شيء من السنن الرواتب في السفر إلا على سنة الفجر وصلاة الوتر كما تقدم، ولا يرد على ذلك تسبيحه ﷺ على راحلته حيث توجهت به. لأن ذلك تطوع مطلق غير السنن الرواتب، والجمع بين الصلاتين لا ينافيه التطوع إلا أن يراد أن الجمع إنما شرع للتخفيف فلا يناسبه الإتيان معه بالتطوع. فإن قيل: إن هذا مراد المصنف، قيل: يرده قوله: بإعادة الإقامة لأجله، وذلك ينافي التخفيف. قوله: (لما روي: "أن النبي ﷺ صلى المغرب بالمزدلفة ثم تعشى، ثم أفرد الإقامة للعشاء").

стр. 786

هذا الحديث لا أصل له، والأحاديث الصحيحة ترده، وهذا يناقض ما قاله أولاً، واستدل به من حديث جابر لأبي حنيفة وصاحبيه أنه ﷺ ، صلى المغرب والعشاء بأذان وإقامة واحدة، وتقدم رده. قوله: (وقال الشافعي ﵀: إنه ركن). يعني الوقوف بالمزدلفة. وللشافعي ﵀ قولان: أحدهما أنه واجب، والآخر أنه سنة. والوقوف به سنة عنده، وليس هو ركنًا عند الشافعي، ولكن خرجه بعض أصحابه وجهًا في مذهبه. وقد قال به جماعة

стр. 787

من العلماء. قال السروجي: وذهب علقمة بن قيس، والشعبي، والنخعي، والبصري، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان إلى أن الحج يفوت بفوات الوقوف بالمزدلفة، ويروى عن ابن الزبير. انتهى. وروي أيضًا عن ابن عباس ﵄، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وداود الظاهري، وابن جرير، وابن خزيمة، وقالوا إن تقديم أصحاب الأعذار إلى منى لا ينافيه لأنهم وجد منهم الوقوف بها، كما في المرور بعرفة وهو الركن، وامتداده واجب كعرفة. قوله: (وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ ، قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة).

стр. 788

هذا الحديث غير محفوظ من رواية جابر، وإنما جاء في حديث ابن مسعود ﵁، رواه البيهقي، ولفظه: "رمقت النبي ﷺ فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة"، وحديث الفضل ابن عباس ﵁: "فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة" رواه الجماعة لكن ليس فيه ذكر أول حصاة. قوله: (لما روي عن رسول الله ﷺ : "أن أول نسكنا هذا أن يومي، ثم نذبح، ثم نحلق").

стр. 789

قال السروجي ﵀: لم يذكر هذا في كتب الحديث فيما علمت، ويغني عنه ما ذكرته، وكان قد ذكر حديث أنس: "أن النبي ﷺ أتى الجمرة فرمى بها، ثم أتى منزله بمنى ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق فحلق رأسه ... الحديث" انتهى. كأن المصنف اشتبه عليه الحديث بحديث البراء: "أن النبي ﷺ ، قال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء ... " الحديث متفق عليه. ولكن إنما قال ذلك يوم النحر بالمدينة.

стр. 790

قوله: (ويكتفى في الحلق بربع الرأس اعتبارًا بالمسح). قد تقدم الكلام في مقدار ما يمسح من الرأس في الوضوء، وأن الاكتفاء بمسح الربع من الرأس فيه ليس بقوي، فقياس حلق الربع عليه لا يصح مع أنه لو كان في مسح الرأس هو الربع فقياس الحلق عليه لا يقوى إذ لا جامع بينهما، وليس مسح الربع قائمًا مقام الكل، كما جرى في عبارة بعض الأصحاب؛ فإنهم قالوا: إن النص مجمل، وفعل النبي ﷺ خرج بيانًا للمجمل. فإن قيل: بل الفرض مسح الرأس كله، ولكن فعل النبي ﷺ بين أن الربع يقوم مقام الكل. قيل: النبي ﷺ مسح على ناصيته وكمل على العمامة، ولم يرد أنه مسح على الناصية فقط، وإن كان هذا مشهورًا في كتب الأصحاب، لكنه غير معروف في كتب الحديث. قوله: (وفي الحديث أفضلها أولها). يعني أيام النحر. ولا يعرف هذا اللفظ مرفوعًا، وكأنه من كلام بعض السلف ولا خلاف فيه.

стр. 791

قوله: (فيبدأ بالتي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك، ويقف عندها، ثم يرمي جمرة العقبة كذلك، ولا يقف عندها، هكذا روى جابر ﵁، فيما نقل من نسك رسول الله ﷺ مفسرًا). ليس هذا في حديث جابر، وإنما فيه: "أن النبي ﷺ رمى الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد، فإذا زالت الشمس" أخرجه الجماعة. وإنما ورد ذلك في حديث ابن عمر أخرجه البخاري، وأحمد. وفي حديث عائشة

стр. 792

أخرجه أحمد، وأبو داود. قوله: (ويرفع يديه لقوله ﵊: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن"، وذكر من جملتها عند الجمرتين. والمراد رفع الأيدي بالدعاء). تقدم الكلام على هذا عند رفع اليدين في الدعاء على الصفا والمروة، وقبله أيضًا في باب صفة الصلاة في موضعين. قوله: (ومذهبه مروي عن ابن عباس، ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى). يعني أن مذهب أبي حنيفة في جواز الرمي في اليوم الرابع قبل الزوال مروي عن ابن عباس. قال ابن التركماني: عن ابن عباس قال: "إذا أصبح

стр. 793

النهار من يوم النفر الأخير فقد حل الرمي". في سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي. انتهى. وقول أبي يوسف ومحمد أظهر؛ فإن المناسك عرفت بالتوقيف. وقد اتفق الأئمة مالك وأبو حنيفة والشافعي على أن أول وقت الوقوف بعرفة إذا زالت الشمس، وإنما عرف ذلك بفعله ﷺ ، فكذلك الرمي. لكن بقي أمر آخر، وهو أن هذا في حق من يمكنه الإقامة إلى بعد الزوال ولكن أراد أن ينفر من غير عذر، أما إذا رحل الركب قبل الزوال ولا يمكنه الإقامة إلى بعد الزوال خوفًا على نفسه أو ماله فهذا إذا قيل ليس عليه شيء بترك الرمي كما يسقط طواف الصدر عن الحائض من غير دم كان أظهر، وأما ما ذكره من التعليل ففيه نظر؛ فإن الرخصة وردت في الترك لأجل تعجيل

стр. 794

النفر دون التقديم، ولو جاز تقديمه على الزوال لجاز تقديمه على النهار؛ إذ الرمي في هذه الأيام أول وقته زوال الشمس، ورمي جمرة العقبة يوم النحر أول النهار. قوله: (ولنا قوله ﷺ : "لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين"، ويروى: "حتى تطلع الشمس". فيثبت أصل الوقت بالأول، والأفضلية بالثاني). إذا صح ما استدل به الإمام الشافعي ﵀ من "أن النبي ﷺ رخص

стр. 795

للرعاة أن يرموا ليلاً". أمكن التوفيق بينه وبين قوله ﷺ لضعفة أهل [هـ] حين قدمهم إلى منى ليلة المزدلفة: "لا ترموا مصبحين"، وقوله: "حتى تطلع الشمس" أن الأول وقت الجواز؛ والثاني وقت الفضل؛ والثالث الأفضلية، كما في الوضوء مرة، ومرتين، وثلاثًا، وأن يقال: إن الذين قال لهم: "إلا مصبحين" أو "حتى تطلع الشمس" هم ضعفة أهله، والقصة واحدة، فلم يكن قال إلا أحد اللفظين. وقد ثبت في الصحيح قوله:

стр. 796

"حتى تطلع الشمس". واللفظ الآخر لم يثبت، بل فيه كلام، والرعاة غيرهم. فثبت أول الوقت بحديث الرعاة، والأفضلية بالآخر. قوله: (وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيًا، وإلا فيرميه راكبًا). ينبغي أن يكون الأفضل أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبقية الرمي في الأيام كلها ماشيًا كما فعل النبي ﷺ ؛ "فإنه رمى جمرة العقبة راكبًا" رواه مسلم، وأحمد والنسائي من حديث جابر، "ورمى الجمرات في بقية الأيام ماشيًا" رواه الترمذي وصححه من حديث ابن عمر. وروى الإمام

стр. 797

أحمد عنه "أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبا وسائر ذلك ماشيًا ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك". قوله: (لأن الأول بعده وقوف ودعاء على ما ذكرنا فيرمي ماشيًا ليكون أقرب إلى التضرع). فيه نظر؛ فإن النبي ﷺ وقف بعرفة والمزدلفة للدعاء على ناقته القصواء. فإن قيل: ركوبه في الموقفين ليسمع الناس؛ فيؤمنوا على دعائه ويقتدوا به. فالجواب: أنه لو كان هذا هو المراد وحده لفعله في مواقفه التي [وقف]

стр. 798

فيها للدعاء كلها؛ فإنه وقف للدعاء على الصفا، وعلى المروة، وبعد رمي الجمرة الأولى، والثانية ماشيًا، فركب في موقفين، ووقف على قدميه في أربعة مواقف. فدل ذلك على جواز الأمرين في الكل. ودل تخصيصه كل موقف بصفة على فضل تلك الصفة في ذلك الموقف متابعة له، وامتثالاً لأمره بقوله: "خذوا عني مناسككم"، والله أعلم. قوله: (لما روي أن النبي ﷺ : "استقى دلوًا بنفسه فشرب ثم أفرغ باقي الدلو في البئر"). لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه استقى من زمزم بنفسه في حجته، وإنما رواه الواقدي، وهو لا يحتج بقوله، بل في حديث جابر الطويل ما ينفي

стр. 799

ذلك، وهو أنه قال: "فأتى بني عبد المطلب، وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوًا فشرب منه" أخرجه مسلم. وبمعناه في حديث ابن عباس أخرجه البخاري، ولنك هذا كان بعد طواف الإفاضة، لا بعد طواف الصدر. هكذا جاء مفسرًا في حديث جابر الطويل. قوله: (ويستحب أن يأتي الباب ويقبل العتبة). ليس لهذا أصل في السنة، ولم يرد أن النبي ﷺ قبل من البيت غير الحجر الأسود، والاتباع أولى من الابتداع، بل هو الواجب؛ ولهذا قال عمر ﵁ حين قبل الحجر الأسود: "إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت

стр. 800

رسول الله صلى الله [عليه وسلم] يقبلك ما قبلتك". وكذا لم يرد في التشبث بالأستار من السنة شيء. وأما وضع الصدر والوجه على الملتزم فقد ورد فيه حديثان لكنهما ضعيفان.

стр. 801

قوله: (قالوا: وينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه، ووجهه إلى البيت). هذا أيضًا ليس له أصل، وإنما قالوا: إن في هذا تعظيم البيت وهو واجب التعظيم. وهذا التعليل ليس بشيء؛ فإنه لم يفعله الرسول ﷺ ، فهو بدعة. وقد ذم رسول الله ﷺ التشبه بفارس والروم في قيامهم على عظمائهم، ويشبه أن يكون الرجوع القهقري من هذا القبيل، والله أعلم.

стр. 802

[فصل] قوله: (ومالك ﵀، إن كان يقول بأن أول وقته بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس. فهو محجوج عليه بما روينا). مذهب مالك مثل مذهب أبي حنيفة والشافعي أن أول وقت الوقوف إذا زالت الشمس، وإنما دخول وقت الوقوف من أول النهار مذهب أحمد كذا نقل ابن قدامة في المغني وغيره. قوله: (ومن اجتاز بعرفات نائمًا أو مغمى عليه أو لا يعلم أنها عرفات جاز عن الوقوف). فيه نظر، وقياسه على الصوم مشكل؛ فإن الصوم قد وجدت فيه النية وهو ركن واحد، وأفعال الحج تؤدي في أماكن وأزمنة مختلفة متفرقة ففارقت الصلاة، والأعمال بالنيات فينبغي أن تشترط النية لكل فعلٍ كما تشترط

стр. 803

النية لكل يوم من رمضان، وللطواف؛ فإنه لو طاف بالبيت يطلب غريمًا لا يجزيه لعدم النية فكذا ينبغي أن يكون الوقوف بعرفة. وقد فرق بعض الأصحاب بين الوقوف والطواف بفروق كلها ضعيفة، أحدها أن المقصود من الوقوف الحصول بعرفة في هذا الوقت وقد حصل، بخلاف الطواف فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية. والجواب: أن المقصود من الوقوف العبادة أيضًا وكلاهما ركن، بل قد قال كثير من الأصحاب أن الوقوف أعظم من الطواف. وسيأتي الكلام على تضعيفه. الثاني: أن الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام فنية الحج مشتملة عليه فلا يفتقر إلى تجديد نية، وأما الطواف فيقع خارج العبادة؛ فلا تشتمل عليه نية الحج فافتقر إلى النية. وهذا الفرق أفسد من الأول؛ لأن الوقوف والطواف كلاهما من أجزاء العبادة فكيف تضمنت نية العبادة بهذا الركن دون هذا؟! وأيضًا فإنه محرم عن النساء حتى يطوف للزيارة؛ فالطواف يقع في الإحرام كالوقوف، وأيضًا فإن طواف العمرة يقع في الإحرام.

стр. 804

الثالث: أن الوقوف ليس بعبادة مقصودة؛ ولهذا لا يتنفل به، والطواف عبادة مقصودة؛ ولهذا ينتفل به، فوجود أصل نية الحج يكفي في الوقوف دون الطواف لذلك. وهذا فاسد أيضًا؛ لأن كليهما ركن، وإن كان الوقوف مقدمًا على الطواف كتقديم الوسيلة، فلا يستغنى عن النية كما في القيام مع الركوع والسجود في الصلاة. وقال أبو عمر بن عبد البر: الذي يدخل علينا في هذا أن الوقوف بعرفة فرض يستحيل أن يتأدى من غير قصد بالنية والعمل. هذا هو الصحيح في هذا الباب، والله الموفق للصواب. ووافق أبو حنيفة مالكًا فيمن شهد عرفة مغمى عليه ولم يفق حتى انصدع الفجر، وخالفهما الشافعي فلم يجز للمغمى عليه وقوفه بعرفة حتى يصح، ويقف عالمًا بذلك، قاصدًا إليه، وبقول الشافعي قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وأكثر الناس. قوله: (ومن أغمى عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز).

стр. 805

وقولهما أظهر، وقول بقية الأئمة الثلاثة وغيرهم أظهر من قول الأصحاب في عدم جواز إهلال غيره عنه بإذنه أو بغير إذنه، لأنه عذر لا يمتد غالبًا فكان قاصرًا، والعبادة بدنية، ولم يرد نص بجواز الاستنابة فيه، وقياسه على الصبي لا يقوى. قوله: (وتكشف وجهها، لقوله ﵊: "إحرام المرأة في وجهها"). تقدم أنه لم يرد هذا الكلام مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وإنما هذا روي من كلام ابن عمر، والصحيح عنه خلافه. قوله: (ولو سدلت على وجهها شيئًا وجافته جاز. هكذا روي عن عائشة ﵂. ليس في حديث عائشة ﵂ المجافاة عن وجهها وقد تقدم أنه

стр. 806

لم يرد أمر المرأة بكشف وجهها في الإحرام، وإنما ورد أنها لا تنتقب، ولا تلبس القفازين. قوله: (وتلبس من المخيط ما بدا لها). ينبغي أن يستثنى القفازان، لأنها قد نهيت عن لبسهما كما تقدم، وقد ذكر الأصحاب أنها تلبس القفازين. وكأنه لم يبلغهم النهي عن لبسهما، وهو أحد قولي الشافعي، والصحيح من مذهبه أنها لا تلبسهما ذكره النواوي. والقفاز شيء يلبس في اليد لتغطية الكف والأصابع. قوله: (لقوله ﵊: "من قلد بدنه فقد أحرم"). هذا الحديث غير معروف. قال السروجي: وتمسك في الكتاب بقوله ﷺ -

стр. 807

في حديث جابر بن عبد الله أنه قال: "كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقد قميصه من جنبه حتى أخرجه من رجليه فنظر القوم إليه فقال: أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم، وتشعر على مكان كذا وكذا. فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. وقد كان بعث ببدنه وأقام بالمدينة". ثم قال: صاحب الكتاب ذكره بالمعنى، انتهى. وهذا كلام غير سديد؛ أعني قوله: وصاحب الكتاب نقله بالمعنى ويمشيه هكذا. وليس قوله: "من قلد بدنه فقد أحرم" معنى ما ذكر في حديث جابر، فإنه فيه الإشعار ولم يذكره المصنف، وهو على تقدير صحة الحديث يكون قيدًا في صيرورته

стр. 808

محرما؛ مع أن الحديث ضعيف. وهو حجة على المصنف لو صح؛ فإن مذهب أبي حنيفة لا يصير محرمًا بالتقليد وحده، ولا ببعثه مع غيره، وإنما يصير محرمًا بالسوق والتوجه معه، أو إدراكه بعد بعثه. قوله: (والإشعار مكروه عند أبي حنيفة فلا يكون من النسك في شيء). قد أنكر ذلك عليه قديمًا. وأجيب عنه بأن أبا حنيفة إنما كره إشعار أهل زمانه لمبالغتهم فيه على وجه يخاف منه السراية. وقيل: إنما كره إيثاره على التقليد؛ ففي كونه ليس من النسك في شيء نظر. قوله: (وتقليد الشاة غير معتاد. وليس بسنة أيضًا). عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ ، أهدى مرة إلى البيت غنمًا

стр. 809

قلدها" رواه الجماعة. وقالت: "كنا نقلد الشاة فنرسل بها، ورسول الله ﷺ حلال لم يحرم عليه شيء". قال ابن المنذر: وقال عطاء بن أبي رباح، وعبيد الله بن أبي يزيد، وعبد الله بن عبيد بن عمير، ومحمد بن علي: رأينا الغنم تقدم مقلدة.

стр. 810

وقال بعضهم: رأينا الكباش مقلدة. وكان الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، يرون تقليد الغنم. وأنكر مالك وأصحاب الرأي تقليد الغنم، قال أبو بكر بن المنذر: وبالقول الأول أقول للثابت عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت أفتل قلائد الغنم لرسول الله ﷺ ، فيبعث بها ثم يمكث حلالاً". قوله: (والصحيح من الرواية في الحديث: كالمهدي جزورًا) يعني
следующие страницы →