← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 18259

التنبيه على مشكلات الهداية

ابن أبي العز

Полный текст (2 128 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الشافعي، وابن المنذر، وابن عبد البر. وروي عن ابن عباس ﵁: "أن النبي - ﷺ - وقّت لأهل المشرق العقيق" رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. قال ابن عبد البر: العقيق أولى وأحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم بإجماع. انتهى. ومعنى قول ابن عمر ﵁: "لم تكن عراق يومئذ" أنه لم يكن لهم طريق إلى الحجاز يومئذ، لأنها لم تكن فتحت العراق يومئذ، لأن الشام أيضًا لم تكن فتحت يومئذ، وإنما فتحت الشام والعراق في أيام عمر ﵁. ولهذا -والله أعلم- قال ابن عمر: "لما فتح المصران أتوا عمر فقالوا" الحديث كما تقدم.

стр. 737

قوله: (لقوله ﵊: "لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمًا"). هذا الحديث لم يثبت، وفي الأحكام الكبرى، قال: وذكر أبو أحمد من حديث محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي مسندًا إلى ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام؛ من أهلها أو من غير أهلها". ومحمد هذا تكلم فيه ابن معين. وفي آخر حديث المواقيت المتفق على صحته قال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج

стр. 738

والعمرة". وقد صح دخوله - ﷺ - مكة عام الفتح بغير إحرام وعليه عمامة سوداء". وفي رواية: "وعلى رأسه المغفر". ولكن قد قال من أوجب الإحرام مطلقًا أن ذلك كان خاصا به بدليل قوله ﵊: "إنها أحلت له ساعة من نهار". وأجاب من قال باستحبابه: أن الذي أحل له

стр. 739

منها هو القتال فيها فقط دون دخولها بغير إحرام لقوله - ﷺ -: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة [من نهار]، ثم عادت/ حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" الحديث، هذا في حديث أبي شريح العدوي، وفي حديث ابن عباس ﵄: "وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ... " الحديث، متفق عليهما.

стр. 740

قوله: "وإتمامهما أن يحرم بهما من دويرة أهله كذا قاله علي وابن مسعود. والأفضل التقديم عليهما لأن إتمام الحج مفسر به). قيل: المراد من كان منزلة من [د] ون الميقات فهو الذي يحرم من دويرة أهله كما يحرم أهل مكة من مكة في الحج ذكره السهيلي. وقيل معناه: أن تنشئ لكل منهما سفرًا من بلدك. كان سفيان يفسره بذلك، وكذلك فسره أحمد وغيره. قالوا: لا يصح أن يفسر بنفس الإحرام، لأن النبي - ﷺ - وأصحابه ما أحرموا من بيوتهم

стр. 741

وقد أمرهم الله بالإتمام، فلو كان ذلك معنى الآية، لكانوا تاركين لأمر الله. وعمر وعلي ﵄ ما كانا يحرمان إلا من الميقات، فكيف يريان ذلك ولا يفعلانه؟! وقد أنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من مصر [هـ]، واشتد عليه وكره أن يتسامع الناس مخافة أن يؤخذ به. أفتراه أنكر عليه أخذه بالأفضل؟!. وروى الحارثي في مسند أبي حنيفة ﵀ عن عمر ﵁ أنه خطب الناس فقال: "من أراد منكم الحج فلا يحرمن إلا من ميقات ... " الحديث. وعن عثمان ﵁ "أنه أنكر على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات". والإحرام قبل أشهر الحج

стр. 742

مكروه، فكذلك قبل الميقات المكاني، كما لا يستحب الإمساك قبل طلوع الفجر، ولا بعد غروب الشمس في الصوم. وإن كان ذلك أشق على البدن. والله أعلم.

стр. 743

باب الإحرام قوله: (وصلى ركعتين لما روى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ -، صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه). الذي في حديث جابر ﵁ "فصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد، ثم ركب القصواء"، ولم يذكر ركعتين، وهو في صحيح مسلم. وفي حديث ابن عباس: "صلى ركعتين بذي الحليفة وأوجب في مجلسه" أخرجه أهل السنن. وعن أنس: "أن النبي - ﷺ - صلى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا على

стр. 744

الجبل -البيداء- أهل" رواه أبو داود. وإحرامه - ﷺ - كان بعد أن صلى الظهر ركعتين بذي الحليفة، وهي الصلاة المطلقة في الحديث الآخر، ولهذا قال الأصحاب: أنه تجزيه المكتوبة. وقال الشافعي: وأحب إلى أن يهل خلف صلاة مكتوبة، أو نافلة. حكاه البيهقي عنه. وفي بعض نسخ الهداية بعد قوله: "إن النبي - ﷺ -، صلى بذي الحليفة ركعتين عند إحرامه وقال: اللهم إن أريد الحج فيسره لي، وتقبله مني، ولأن أداءه في أزمنة متفرقة، وأماكن متباينة") بالواو. في قوله: "ولأن" وذلك يشعر أن مراده أن ما قبلها أيضًا من تمام حديث جابر، ولم يرد ذلك في حديث جابر، ولا غيره، والنية عمل القلب ولا عبرة للسان، حتى لو سمى بلسانه عمرة ونوى بقلبه حجًا، فالعبرة لنية القلب. قوله: (وقوله: إن الحمد بكسر الألف لا بفتحها ليكون ابتداءً لا بناءً؛ إذ الفتحة صفة الأولى).

стр. 745

في قوله: إذ الفتحة صفة الأولى تجوز، ومراده أنها للتعليل فتكون متعلقة بما قبلها، وفي قوله: ليكون ابتداءً لا بناء نظر؛ فقد تكون "إن" المكسورة للتعليل أيضًا كالمفتوحة فتصلح للابتداء والبناء، فلا يصح نفي البناء عنها، كما في قوله تعالى ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾، ونحوه، ولكن المفتوحة خالصة للتعليل ولا يلزم من كونها للتعليل أن تكون المكسورة أولى منها، لأنه وإن كان الحمد والنعمة لك على كل حال فلا يمنع أن يكون هذا المعنى مع التعليل، وأن يكون المعنى لأن الحمد على كل حال، والنعمة لك، والملك [لك] وحدك دون غيرك حقيقة لا شريك لك، ولو ادعى الأولوية لكان أظهر. قوله: (ولو زاد فيها -يعني التلبية- جاز خلافًا للشافعي في رواية الربيع عنه). قال أبو حامد الغزالي: ذكر أهل العراق عن الشافعي أنه كره الزيادة على ذلك، قال: وهو غلط، لا يكره ولا يستحب.

стр. 746

قوله: (لما روي أن النبي - ﷺ -، نهى أن يلبس المحرم هذه الأشياء. وقال في آخره: ولا خفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل الكعبين). هذا الحديث أخرجه الجماعة. وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ -، يخطب بعرفات: "من لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" متفق عليه. وأخرج مسلم وأحمد عن جابر مثله، ولكن ليس فيه بعرفات، ولكن القصة واحدة. فذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى قطعهما، وذهب الإمام الشافعي إلى قطع الخف دون

стр. 747

السراويل، وذهب الإمام أحمد إلى عدم لزوم قطعهما. فمن خص القطع بالخف اقتصر على المنصوص، ومن عمهما بالقطع قاس السراويل على الخف. ومأخذ الثلاثة حمل المطلق في حديث جابر، وابن عباس، على المقيد في حديث ابن عمر. ومأخذ الإمام أحمد أن ابن عباس روى أن رسول الله - ﷺ - خطب بعرفات وأطلق كما تقدم، وابن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول على هذا المنبر، هكذا رواه الإمام أحمد بهذه الزيادة، وفي رواية الدارقطني أن رجلاً نادى في المسجد: ماذا يترك المحرم من الثياب؟ فيمتنع حينئذ حمل المطلق على المقيد؛ لأن أهل الموقف لم يكونوا قد سمعوا تقييده الذي قاله بالمدينة. ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة اكتفاء بما قاله

стр. 748

بالمدينة، ولا يمكن أن يكون قد اشتهر إلى حد أنه بلغ من حضر الموقف من ذلك الخق العظيم؛ فلو كان هذا قيدًا لابد منه لوجب بيانه في وقت الحاجة، وحينئذ فإما أن يكون القطع مستحبًا أو منسوخًا. وروى أبو حفص عن عبد الرحمن بن عوف "أنه طاف وعليه خفان، فأنكر عليه عمر، فقال: لبستهما مع من هو خير منك" يعني رسول الله - ﷺ -. وذكر جماعة من الحفاظ أن قوله: "وليقطعهما أسفل من الكعبين" مدرج من كلام نافع، فتعين التثبت في إتلاف الخف أو السراويل، والترخص في لبس ذلك للضرورة المبيحة لما هو أعظم من هذا، وإلا فليس في لبس الخف المقطوع والسراويل، المقطوع رخصة عند من يجيز لبس النعل المحيط والقباء

стр. 749

المحيط وأذياله إلى فوق؛ فإن مثل هذا عنده يجوز مع وجود غير المحيط، ولو كان المراد الجواز للعذر مع لزوم الكفارة لبينه؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما اختص الترخص بالخف والسراويل، بل كان القميص ونحوه كذلك، هذا ملخص بحث الحنبلة، وهو ظاهر كما ترى. قوله: (لقوله ﵊: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها"). قال السروجي: وليس ذلك حديثًا عنه - ﷺ -، بل ذكره الدارقطني عن ابن عمر. والصحيح عنه خلافه، كما ذكره عنه مالك،

стр. 750

والبيهقي، وأبو ذر الهروي. قوله: (ولأن المرأة لا تغطي وجهها مع أن في الكشف فتنة فالرجل بطريق الأولى). فيه نظر؛ فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين، وزيد في حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ -، قال: "لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" رواه أحمد، والبخاري، والنسائي والترمذي وصححه. وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر، قال ابن المنذر: "وكانت أسماء ابنة أبي بكر

стр. 751

تغطي وجهها، وهي محرمة. وروينا عن عائشة أنها قالت: "المحرمة تغطي وجهها إن شاءت"، انتهى. وعن عائشة قالت: "كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات، فإذا جاوزوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع، بل وكيدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملحفة، والخمار

стр. 752

ونحوهما فلم تنه عنه المرأة: البتة. ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه نص. وإنما جعل النبي - ﷺ - وجهها كيدها؛ فلا تغطي وجهها بنقاب ونحوه، ولا يدها بقفاز ونحوه. وتغطيهما إذا شاءت بغير ذلك. هكذا فهمت عائشة، وأسماء وغيرهما من الصحابة ﵃، وليس قول بعضهم حجة على بعض بغير نص، فلا يصح قول المصنف أن المرأة لا تغطي وجهها مع ما فيه من الفتنة. وقول من قال من الأصحاب وغيرهم أنها إذا سدلت على وجهها شيئًا تجافيه عنه لم يرد فيه نص، قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا كان

стр. 753

يأمرها إذا سدلت رداءها أن تجافيه عن وجهها، ولا علمت كان ينهاها عن أن يصيب الرداء وجهها إذا سدلته. قوله: (لا تمس طيبًا لقوله ﵊: "الحاج الشعث التفل"). رواه ابن ماجه، وهو حديث ضعيف. والدليل الصحيح على المنع من الطيب ما ثبت في "الصحيح" في حديث ابن عمر ﵄ من قوله - ﷺ -: "ولا ثوبصا مسه ورس، ولا زعفران". وقوله ﵊ في حديث الحرم الذي مات: "لا تحنطوه"، وفي لفظ: "ولا تمسوه طيبًا".

стр. 754

قوله: (ولنا أن له رائحة طيبة). يعني العصفر. وفي جعله تلك من الطيب نظر؛ فإن رائحته ليست بذاك. وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -، أنه "نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس، والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب، معصفرًا أو خزًا" رواه أبو داود. فإذنه للمرأة في لبس المعصفر يدل على أن المعصفر ليس بطيب. قوله: (وقال مالك: يكره أن يستظل بالفسطاط، وما أشبه ذلك). قال في "الذخيرة" المالكية: لا خلاف في دخوله تحت السقف والخيمة،

стр. 755

وأجاز مالك تظلله بالمحمل، ومنعه سحنون، ومنع مالك أن يضع ثوبه على شجرة فيتظلل به، وجوزه الجمهور، ومنع مالك، وابن حنبل الراكب من ذلك. وقال مالك: في الرجل يعادل المرأة في المحمل: لا تجعل عليها ظلاً. وقال أشهب: تستظل به دونه، وقاله ابن القاسم: فليس ما ذكره صاحب الهداية عن مالك على إطلاقه. قوله: (لما روي أن النبي - ﷺ -: "كما دخل مكة، دخل المسجد").

стр. 756

هذا اللفظ غير محفوظ، ولكن معناه مخرج في "الصحيحين"، وتركيبه غريب، ذكره ابن هشام في "المغني" من معاني الكاف: المبادرة، ومثل له بقولهم: سلم كما ترحل، صل كما يدخل الوقت، ثم قال: وهو غريب جدًا، انتهى. قوله: (وإذا عاين البيت كبر، وهلل. وكان ابن عمر ﵄، يقول إذا لقي البيت: "باسم الله والله أكبر"). هذا الأمر غير مذكور في كتب الحديث فيما أعلم. قوله: (لما روي أن النبي - ﷺ - دخل المسجد فابتدأ بالحجر فاستقبله،

стр. 757

وكبر وهلل). هذا اللفظ غير محفوظ، ولكن ورد أنه سئل عمر عن استلام الحجر؛ فقال: "رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه ويقبله" أخرجه البخاري والنسائي. وعن عمر ﵁ أنه كان يقبل الحجر، ويقول: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك" رواه الجماعة. وعن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبر" رواه أحمد. قوله: (ويرفع يديه لقوله ﵊: "لا ترفع الأيدي إلا في

стр. 758

سبع مواطن". وذكر من جملتها استلام الحجر). تقدم أن هذا الحديث غير صحيح بهذا الفظ -أعني لفظ النفي والإثبات-، وإنما ورد ولم يثبت: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن" كما تقدم. قوله: (ولنا قوله ﵊: "وليصل الطائف لكل أسبوع ركعتين"). قال السروجي: لا أصل لهذا في كتب الحديث، انتهى. وإنما عرفت ركعتا الطواف من فعله - ﷺ -، لا من قوله. وقيل: أخذ الوجوب من قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فإن النبي - ﷺ -، صلى ركعتين بعد طوافه وتلاها فنبه على أن الصلاة كانت امتثالاً لأمر الله. وفيه نظر؛ فإن الأمر إنما هو باتخاذه مصلى، لا بالصلاة عنده فتأمله.

стр. 759

قوله: (وقال مالك: إنه واجب). يعني طواف القدوم وتحرير مذهب مالك أنه واجب وجوب السنن، لا وجوب الفرائض، أي يجب بتركه الدم الأفقي إذا تركه. والوقت متسع، وإن تركه لضيق الوقت فلا شيء عليه. وحكى عنه أبو ثور أن طواف الزيارة يجزي عن طواف القدوم، والزيارة، والصدر. ذكر ذلك ابن المنذر بمعناه وغيره. قوله: (لقوله ﵊: "من أتى البيت فليحيه بالطواف"). وهذا الحديث أيضًا لا أصل له، وإنما عرف طواف القدوم من فعله - ﷺ - لا من قوله، والفرق بين حكم ركعتي الطواف وبين طواف القدوم فيه نظر؛

стр. 760

فإن كليهما عرف من فعله، وإما أن يقال بسنيتهما أو بوجوبهما. قوله: (والرفع سنة الدعاء). يعني: يرفع يديه في الدعاء على الصفا والمروة، لأن الرفع سنة الدعاء. وهذا يرد قوله: أن الرفع مختص بسبعة مواطن واستشهاده بالحديث الذي تقدم الكلام عليه، فإن الدعاء والرفع معه مشروع في كل مكان وزمان فانتفى حصره. قوله: (ولنا قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ ومثله يستعمل للإباحة). في قوله: (ومثله يستعمل للإباحة) نظر، ولا يكون مثله يستعمل للإباحة إلا إذا قيل: ﴿أن لا يطوف بهما﴾. ولهذا من قال بأن السعي سنة قال: إن "لا" مقدرة، وهو مذهب نحاة الكوفة. وتقدم التنبيه على أن التقدير في مثله لا يصح، وأنه ليس نظير قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ في الكلام على وجوب الفدية على الشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصوم وأفطر.

стр. 761

قوله: (ثم معنى ما روي كتب استحبابًا كما في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ...﴾ الآية). فيه نظر؛ فإن معنى: ﴿كتب عليكم﴾ فرض عليكم وألزمكم، ولا يقال إن كتب عليكم بمنعى استحب لكم، فإن "على" للإلزام، والكتابة للتوثق، والعقد، والاحتفاظ. وذلك فوق الاستحباب. وأكد ذلك بقوله: ﴿فاسعوا﴾ كما أكد في الآية الكريمة بقوله: ﴿حقًا على المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم﴾. وهذه

стр. 762

إلزامات أخر، وهذا الذي دلت عليه الآية هو قول الجمهور؛ فإنهم قالوا: إنهم كانوا في أول الإسلام على عادتهم في الجاهلية لا يورثون الأولاد، فأمر الله بالوصية للوالدين والأقربين ولم يأمرهم بالوصية للأولاد لأنهم كانوا هم الورثة، فلما كتب الوصية للوالدين والأقربين لم يكونوا وارثين، فكتب على الناس أن يوصلوا لهم بالمعروف، ولم يقدر ما يوصى به، ثم فرض لهم ما يستحقونه، فأعطاهم الله ما يستحقونه فلم يجمع لهم بين الأصل والبدل، كما قال النبي - ﷺ -: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث"

стр. 763

فالوصية للوالدين وبقية الورثة من الأقربين لم تبق مشروعة فضلاً عن أن تكون مستحبة، فلا يصح قوله: "كتب استحبابًا". ولكن قد تكلموا في ضعف الحديث، ولا يضره التضعيف فإن الشافعي ﵀ لم يعتمد عليه وحده، بل عضد به فعل النبي - ﷺ - الذي خرج بيانًا لمجمل الأمر بالحج، كما في الوقوف بعرفة فإن ثبوته كذلك. وقولهم: إن قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ تنفي الركنية والإيجاب قد أجابت عنه عائشة ﵂، فعن عروة قال: "سألت عائشة ﵂، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟

стр. 764

قالت: بئسما قلت يا بن أختي! إن هذه لو كانت على ما أوليتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانواي يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي - ﷺ - عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله : ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ...﴾ الآية. قالت عائشة: "وقد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما". قال الزهري: "فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته ... " الحديث، أخرجه الجماعة. قوله: (لقوله ﵊: "الطواف بالبيت صلاة").

стр. 765

أخرجه أحمد والترمذي من حديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا. وقال المنذري في أحاديث المهذب: الصواب موقوف عليه، وكذلك نبه غيره من أهل الحديث على أن رفعه وهم. قوله: (وقال زفر ﵀: يخطب في ثلاثة أيام متوالية، أولها يوم التروية). الخطبة يوم التروية ليس لها أصل في السنة بالكلية، وإنما الخطبة الصحيحة

стр. 766

يوم عرفة في حديث جابر أخرجه مسلم. وفي حديث غيره. والخطبة الصحيحة أيضًا في يوم النحر في حديث أبي بكرة. أخرجه البخاري ومسلم وفي حديث غيره. ولا خلاف في الخطبة يوم عرفة. وقد صح الحديث في الخطبة يوم النحر؛ فقول من قال بالخطبة

стр. 767

فيه أقوى، والخطبة في اليوم السابع من ذي الحجة في حديث ابن عمر أخرجه البيهقي، والخطبة في أيام التشريق في حديث ابن عمر، أخرجه البيهقي، وفيه: "في أوسط أيام التشريق" ولكن قيل: إن الوسط هنا بمعنى

стр. 768

الخيار، وأنه ثاني يوم النحر. واحتج من قال ذلك بما رواه أبو داود من حديث سراء بنت نبهان فإنه قال فيه: "وهو اليوم الذي يدعون يوم الرؤوس"؛ ولهذا قال أهل الظاهر: إن الخطب خمس، ولكن لم يرد أنه - ﷺ - خطب بمنى إلا خطبتين، فتكون خطبه أربعًا. وبهذا قال الشافعي وأحمد رحمهما الله، ولكن الخطبة الرابعة عندهما يوم النفر الأول لا يوم النفر.

стр. 769

قوله: (يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة، هكذا فعل رسول الله - ﷺ -). في حديث جابر الطويل: "أن النبي - ﷺ - خطب على ناقته، فلما فرغ من خطبته، أذن المؤذن، وقا النبي - ﷺ - فصلى الظهر والعصر ... " الحديث.

стр. 770

ولا يتصور أن يكون قد خطب خطبتين فصل بينهما بجلسة، وهو على الناقة، ولم يكن في عرفات منبر حتى يقال: لعله خطب بها على منبر، هذا ما لا شك فيه، ولا يصح في خطب الحج كلها أنه خطب خطبتين فصل بينهما بجلسة، ولهذا نص كثير من الحنبلية أنه يخطب خطبة واحدة. قوله: (وقال مالك: يخطب بعد الصلاة). مذهب مالك موافق لمذهب بقية الأئمة أن الخطبة قبل الصلاة كما في الجمعة لا كما يدعيه المصنف. قوله: (والصحيح ما ذكرنا). يعني أن المؤذن يؤذن قبل الخطبة كما في الجمعة، ثم قال: (لأن النبي - ﷺ - لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذن بين يديه). هذا لا أصل له، وإنما في حديث جابر الصحيح أن الأذان والإقامة كانا بعد الخطبة؛ فالصحيح الرواية التي نقلها المصنف عن أبي يوسف لموافقة

стр. 771

الحديث الصحيح. قوله: (ولا يتطوع بين الصلاتين تحصيلاً لمقصد الوقوف؛ ولهذا قدم العصر على وقته). في التعليلين نظر؛ أما الأول فإن النبي - ﷺ - لم يكن يصلي من الرواتب في السفر إلا الوتر وسنة الفجر؛ فإنه كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا. وعن حفص بن عاصم عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله وجلس، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلينا، فرأى ناسًا قيامًا فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في

стр. 772

رسول الله أسوة حسنة﴾. أخرجه مسلم بطوله، واختصره البخاري فلم يكن يترك التطوع بين الصلاتين ليحصل مقصود الوقوف، وأيضًا فإن الوقوف بعرفة لا تنافيه الصلاة، بل المصلي بعرفة جامع بين عبادتين: الصلاة، وكونه بعرفة في هذا الوقت. وأما تعليله الثاني: وهو قوله: (ولهذا قدم العصر على وقته)؛ فإن الصلاة لا تنافي الوقوف بعرفة كما تقدم. وتعليل الجمع بعذر السفر أظهر كما هو مذهب جمهور العلماء؛ فإن مذهب أبي حنيفة أنه لا جمع إلا بعرفة والمزدلفة، ومذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلاً، وإنما يجمع إذا كان سائرًا، بل عند مالك إذا جد به السير، ومذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه أنه لا يجمع المسافر إذا كان نازلاً، وإنما يجمع إذا كان سائرًا، بل عند مالك إذا جد به السير، ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنه يجمع المسافر وإن

стр. 773

كان نازلاً. وسبب هذا الاختلاف ما بلغهم من أحاديث الجمع. فالجمع بعرفة والمزدلفة متفق عليه، وهو منقول بالتواتر فلم يتنازعوا فيه، وأبو حنيفة لم يقل بغيره لحديث ابن مسعود الذي في الصحيح أنه قال: "ما رأيت رسول الله - ﷺ -، صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلاة المغرب ليلة جمع"، وأراد بقوله: "في الفجر لغير وقتها" الذي كانت عادته أن يصليها فيه، فإنه جاء في الصحيح عن جابر: "أنه صلى الفجر بمزدلفة بعد أن برق الفجر". وهذا أمر متفق عليه أن الفجر لا يصلى حتى يطلع الفجر، لا بمزدلفة ولا غيرها، ولكن بمزدلفة غلس بها تغليسًا شديدًا. وأما أكثر الأئمة فبلغهم في الجمع أحاديث صحيحة كحديث أنس، وابن عباس، وابن عمر، ومعاذ. وكلها في الصحيح. وفي تأويل من تأول من الأصحاب ما ورد من الجمع أنه جمع فعلاً لا وقتًا نظر، وفي ثبوت هذا

стр. 774

التأويل عن أبي حنيفة نظر. والظاهر أن عمدته حديث ابن مسعود المتقدم، وكونه لم ير رسول الله - ﷺ - صلى صلاةً لغير وقتها إلا صلاة الفجر والمغرب بالمزدلفة، مع ملازمته لرسول الله - ﷺ - دليل على عدم الجمع في غير ما ذكر. وهذا استدلال ضعيف؛ لأن ابن مسعود ﵁ قد رآه صلى العصر بعرفة قبل وقتها، وإنما مراده -والله أعلم- الصلاة بالمزدلفة لا مطلقًا؛ لأنه هو ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - قال بعد أن صلى الفجر بالمزدلفة: "إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة" رواه البخاري. وفي الصحيح: ما يرد تأويل من تأول بأنه جمع في الفعل، بمعنى أنه آخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر إلى أول وقتها، وصلاهما جميعًا، لكن كل واحدة في وقتها. وكذلك المغرب والعشاء. ففي حديث أنس أن النبي - ﷺ -: "كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فصلاهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر ثم ركب"، وفي لفظ في الصحيح: "كان النبي - ﷺ -، إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل [أول] وقت العصر ثم يجمع بينهما"، وفي لفظ في الصحيح أيضًا: "أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب

стр. 775

والعشاء بعد أن تغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء". وفي حديث ابن عباس بعد أن ذكر جمع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، أن سعيد بن جبير قال له: "وما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. وكذلك قال معاذ في حديثه. وعنه ﵁ أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ -، في غزوة تبوك فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا ... " الحديث رواه مالك في الموطأ. وهو نص في أن للمسافر أن يجمع وإن لم يجد به السير، وليس فيما يوري من الآثار عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارض حديث معاذ، وهو ظاهر في أنه أخر الظهر إلى وقت العصر، وقدم العشاء إلى وقت المغرب، مع أن
следующие страницы →