Полный текст (2 128 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
تنقض رأسها وتمشط ما ينافي ذلك، وإن كان في ذلك خلاف بين العلماء فالدليل يفصل بين المتنازعين؛ فإنه لم يأت نص عن الشارع يمنع منه، وهذا نص يدل على جوازه، ويكون معنى قوله: "هذه مكان عمرتك"، مكان طوافك وسعيك الذي شق عليك تركه لما قدمت. قالوا: وإنا ألجأنا إلى هذا قوله- ﷺ لها: "حللت من حجتك وعمرتك" كما تقدم، وهذا محكم الدلالة على المدعى، وذلك اللفظ محتمل، فيرد المحتمل إلى المحكم توفيقًا بين النصين، ويكون إذنه لها في الاعتمار تطبيقًا لقلبها لما رآها قد شق عليها تخلفها عن الطواف والسعي أول ما قدمت ومكثت أيامًا لا تشارك الناس فيما هم فيه من العبادة، وتبكي على ما فاتها من الطاعة معهم؛ ولهذا كانت المرأة أنقص من الرجل دينًا لما يفوتها من الخير أيام حيضها. وهذا القول في القوة كما ترى.
قوله: (وعليه قضاؤها لصحة الشروع فيها، فأشبه المحصر).
يعني العمرة، وفي تشبيهي بالمحصر نظر؛ لأن ظاهره أنه قياس مختلف فيه على متفق عليه، جمهور العلماء على أنه لا قضاء على المحصر، إلا أن يريد التوضيح، يعني كما قال الأصحاب أن المحصر بالعمرة يقضي، فكذلك هذا الذي ابتدأ بالوقوف ولكنه خلاف الظاهر.
стр. 842
[باب التمتع]
قوله: وكذلك إن أراد أن يفرد بالعمرة فعل ما ذكرنا).
يعني أنه إذا دخل مكة طاف وسعى وحلق أو قصر. ثم قال: (هكذا فعل رسول الله- ﷺ في عمرة القضاء). ثم قال: (وقوله تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ الآية نزلت في عمرة القضاء). ثم قال: (ولنا أنا النبي- ﷺ في عمرة القضاء قطع التلبية حين استلم الحجر). تقييده ما ذكر في المواضع الثلاثة بعمرة القضاء؛ فيه نظر، ولو أطلق لكان أولى؛ فإن الوارد في ذلك في كتب الحديث غير مقيد، ولو أطلق لكان أولى؛ فإن الوارد في ذلك في كتب الحديث غير مقيد بعمرة القضاء؛ فعن ابن عباس ﵄ رفع الحديث: "أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر" أخرجه الترمذي،
стр. 843
وقال: حديث حسن صحيح. وعن حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "اعتمر النبي- ﷺ ثلاث عمر كل ذلك لا يقطع التلبية حتى يستلم الحجر" أخرجه البيهقي، وقال: الحجاج لا يحتج به. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر [ة] عن أبيه: "أن رسول الله- ﷺ خرج في بعض عمره وخرجت معه، فما قطع التلبية حتى استلم الحجر" أخرجه البيهقي وقال: إسناده غير قوي. وعن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي- ﷺ قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر" أخرجه أبو داود،
стр. 844
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه أن النبي- ﷺ قال للناس: "من كان منكم أهدى لا يحل من شيءٍ حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن [منكم] أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة. وليقصر وليحلل ثم يهل بالحج وليهد". والآية أيضًا مطلقة، والظاهر أن المصنف فهم أن المخاطب بالآية الذين صدوا عن البيت في عمرة الحديبية وحدهم؛ لأن المراد دخولهم لقضاء العمرة التي صدوا عنها، وفيه نظر؛ فإنه لم يحضر مع النبي- ﷺ في عمرة القضاء كل من كان معه بالحديبية؛ فإنهم كانوا في عمرة الإحصار التي هي عمرة الحديبية ألفًا وأربعمائة، وكانوا في عمرة القضية دون ذلك
стр. 845
بكثير، ولم يرد أن النبي- ﷺ أمر من كان معه في عمرة الإحصار بالقضاء، وعمرة القضاء تسمى عمرة القضية، والمراد بالقضاء والقضية أن النبي- ﷺ قاضى أهل مكة عليها فسميت عمرة القضاء والقضية لذلك. وهذا ظاهر في نفس الاستدلال من تسمية تلك العمرة عمرة القضاء على وجوب القضاء على المحصر، والخلاف في ذلك معروف، فانتفى أن تكون الآية نزلت في عمرة القصاء خاصة.
قوله: (وقال مالك ﵀: لا حلق عليه، إنما العمرة الطواف والسعي).
في نقله عن مالك نظر. قال السروجي: وفي "الذخيرة المالكية" التحلل في العمرة بالحلاق؛ لأن السعي ركن فيها كالوقوف في الحج ويقع التحلل منه برمي الجمرة.
стр. 846
قوله: (لأن النبي- ﷺ طعن في الجانب الأيسر مقصودًا. وفي الجانب الأيمن اتفاقًا).
لا ذكر لهذا في كتب الحديث، وإنما روى مالك عن ابن عمر: "أنه كان بشعرٍ من الجانب الأيسر إلا أن يكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينهما أشعر من الشق الأيمن" ولم يرفعه.
стр. 847
قوله: (ومن اتخذ مكة دارًا فليس عليه طواف الصدر، لأنه لم يصدر، إلا إذا اتخذها دارًا بعدما حل النفر الأول فيما يروى عن أبي حنيفة)، إلى آخر الباب.
في القول بوجوب طواف الصدر على من اتخذ مكة دارًا بعدما حل النفر الأول نظر، فإن سبب وجوب طواف الصدر في حق الحاج إنما هو الصدر الذي هو الرجوع عن مكة؛ ولهذا يضاف إليه فيقال: طواف الصدر، وطواف الوداع، وطواف آخر عهدٍ بالبيت، ومعاني [ذلك] كله متقاربة، والإفاضة أمارة السببية، وأما الوقت فشرط؛ ولهذا لو حاضت بعدما حل النفر الأول لا يجب عليها طواف الصدر، فنية الإقامة كذلك.
стр. 848
باب الجنايات
قوله: (قال ﵊: "الحناء طيب) ".
أخرجه البيهقي من حديث خولة بنت حكيم عن أمها وضعفه. قال: وروينا عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن خضاب الحناء فقالت: "كان خليلي- ﷺ لا يحب ريحه". وقد ثبت أن النبي- ﷺ : "كان يحب الطيب"؛ فيشبه أن يكون الحناء ليس بطيب. وفي مسند الإمام أحمد عن
стр. 849
عائشة ﵂ أنها قالت: كان حبيبي- ﷺ يعجبه لونه، ويكره ريحه" يعني الحناء.
وأخرجه أبو داود والنسائي بتغيير بعض ألفاظه، وقال ابن المنذر: وروينا عن عكرمة: أن عائشة وأزواج النبي- ﷺ ورضي عنهن "كن يختضبن بالحناء، وهن حرم"، وذلك بعد النبي- ﷺ . قال السروجي: وروى النسائي أن النبي- ﷺ : "نهى المعتدة عن الكحل، والدهن، والخضاب بالحناء"، وقال: "الحناء طيب". وقد وهم السروجي في ذلك، والذي رواه النسائي عن أم سلمة ﵂، قالت: "دخل علي رسول الله- ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرًا فقال: ما هذا؛ يا أم سلمة!
стр. 850
فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا باليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء فإنه خضاب ... الحديث". فكأن السروجي توهم أن الخضاب طيب، أو اشتبه عليه اللفظ، والله أعلم.
قوله: (ولأبي حنيفة أنه أصل الطيب ولا تخلو عن نوع الطيب).
يعني الزيت والشيرج، وفي نظر؛ فإن كونه من أصل الطيب- معنى أنه إذا ألقي فيه شيء صار طيبًا- لا يلزم منه إلحاقه بالطيب، وقد نظر السغناقي الزيت ببيض الصيد، وهو تنظير فاسد؛ فإن البيض بفرضية أن يخرج منه الصيد، فهو أصل الصيد حقيقة، وأما الزيت فلا يصير طيبًا بنفسه.
стр. 851
وقوله: (ولا يخلو عن نوع طيب) ممنوع، وقوله هذا مجرد دعوى لم يقم عليها دليلًا، فيكفي في مقابلتها المنع، وكونه يقتل الهوام ويلين الشعر، ويزيل التفث أمر ورواء التطيب.
قوله: (وقال مالك: لا يجب إلا بحلق الكل).
ليس هذا مذهب مالك ﵀، وإنما مذهبه أن من حلق رأسه ما أماط به عنه الذى، وجب الدم ولم يقدره، كذا نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة، والنواوي.
قوله: (ولنا أن حلق ربع الرأس ارتفاق كامل؛ لأنه معتاد) ثم قال: (وكذا حلق بعض اللحية معتاد بالعراق وأرض العرب).
стр. 852
الارتفاق المعتاد الحلق بعض الرأس واللحية غير مقدر بالربع، وإن كان بعض الناس قد يفعله، فذلك على سبيل الاتفاق لا على سبيل التحديد والتقدير، وقد ذكر بعض الأصحاب أنه مقيس على مسح الرأس في الوضوء، وقد تقدم ما فيه من الكلام، وأنه لا يصح أن يكون الربع فيه قائمًا مقام الكل.
قوله: (فإن أخذ من شاربه فعليه طعام؛ حكومة عدل، ومعناه أن ينظر أن هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية، فيجب عليه الطعام بحسب ذلك، حتى لو كان مثلًا: مثل ربع ربع اللحية يلزمه قيمة ربع الشاة).
في اعتبار تقدير الصدقة بالتقدير من قيمة الشاة نظر؛ فإنه لم يرد به نص، وليس له نظير في الحج يلحق به، ويلزم منه اعتبار ذلك في تقليم الأظافر، وفي التطيب، وفي اللبس، والتغطية، وفي حلق بقية مواضع الشعر من البدن، لم يقل به أحد، وفي اعتباره من الحرج ما لا يخفى، والحرج مدفوع شرعًا.
стр. 853
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس حلال).
يعني أنه لا شيء على الحالق عند الشافعي ﵀، وعليه صدقة عند أبي حنيفة، ثم علل لذلك فقال: (ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام، لاستحقاقه الأمان بمنزلة نبات الحرم فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره إلا أن كمال الجناية في شعره).
فيه نظر؛ فإن اعتبار شعر الحلال بنبات الحرم في استحقاق الأمن لا يصح بخلاف المحرم فإن شعره في حالة الإحرام محترم بمنزلة نبات الحرم. أما الحلال فلا، ولا يقال: إن المحرم ممنوع من التعرض له؛ لأنه إذا لم يكن محترمًا كان تعرض المحرم إليه كتعرض الحلال، بمنزلة نبات الحل. والمخاطبون بالنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ هم المحرمون، والضمير في قوله: ﴿رؤوسكم﴾ عائد إليهم، أي لا يحلق بعضكم رؤوس بعض. كما في قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم ....﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
стр. 854
وفي قوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾. هذا هو الظاهر في الآيات كلها، وإن كانت تحتمل أن المحرم لا يحلق رأس نفسه، أو لا يمكن من يحلقه، وأن أحدًا منكم لا يقتل نفسه، وأن من تمام توبتكم يا بني إسرائل أن كل إنسان منكم يقتل نفسه، لكنه خلاف الظاهر، والقول بشمول كل من الآيات للمعنيين أحسن، فالحاصل أن المحرم ليس بمنهي عن حلق رأس الحلال.
قوله: (فإن أخذ من شارب حلال، أو قلم أظافيره أطعم ما شاء، والوجه فيه ما بينا، ولا يعرى عن نوع ارتفاق؛ لأنه يتأذى بتفث غيره، وإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزم الطعام).
هذه المسألة من جنس ما قبلها، وزاد فيها تعليلًا آخر، وفيه نظر؛ فإن المحرم غير ممنوع من النظر إلى حلال غير به تفث، ولا إلى حلال يزيل تفث نفسه، أو تفث حلال آخر. وإزالته التفث عن الحلال بمنزلة إلباسه المخيط، وتغطية رأسه وليس هو بمنزلة إعانته على قتل الصيد؛ لأن في الإعانة على قتل الصيد تعرض إلى الصيد، وقد وجب على المحرم أن يأمن الصيد من جهته؛ فإذا أعان على قتله لم يكن قد أمن الصيد منه بخلاف تفث الحلال.
قوله: (وإن قص تحج اأور رجلًا فعليه دم إقامة للربع مقام الكل كما في الحلف).
تقدم ما في إقامة الربع مقام الكل من النظر والإشكال.
стр. 855
[فصل]
قوله: (والأصل فيه ما روي أن رسول الله- ﷺ سئل: عمن واقع امرأته وهما محرمان بالحج، قال: "يريقان دمًا ويمضيان في حجهما وعليهما الحج من قابل").
قال السروجي: وعن يزيد بن نعيم الأسلمي التابعي، أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان فسأل رسول الله- ﷺ ، فقال لهما: "اقضيا نسككما، وأهديا هديًا. ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما افترقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فأحرما من ذلك المكان وأتما نسككما" رواه البيهقي، وقال: إنه منقطع انتهى. وما ذكره المصنف غير معروف.
стр. 856
قوله: (وليس عليه أن يفارق امرأته في قضاء ما أفسده عندنا، خلافًا لمالك إذا خرجا من بيتهما).
لا أصل لما ذكره عن مالك، ومذهب زفر أنه يفارقها إذا أحرما. كذا ذكره ابن المنذر وغيره.
قوله: (لقوله ﵊: "الطواف صلاة إلا أن الله أباح فيه النطق").
تقدم ذكر هذا الحديث في باب الإحرام. وأن الصحيح أنه موقوف على ابن عباس ﵄.
قوله: (وإن كان جنبًا فعليه بدنة، كذا روي عن ابن عباس ﵄.
ليس لهذا ذكر في كتب الحديث فيما أعلم. وما ذكره المصنف ﵀ من التفريع في طواف الجنب، والمحدث ينبغي أن يفرق فيه بين المحدث والجنب، والحائض والنفساء التي تتمكن من طواف الإفاضة طاهرة قبل
стр. 857
رحيل الركب في زماننا، وبين الحائض والنفساء التي لا تتمكن من ذلك؛ فإن هذه معذورة. فلا ينبغي أن تمنع من الطواف الركني للضرورة. ولا ينافي ذلك وجوب الدم عند من يقول به؛ فإن الفدية تجب على المعذور كما في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من رأسه ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسك﴾.
ولو قيل بعدم وجوب الدم في حقّها لم يبعد، كما قال الأصحاب في القيام والمشي؛ فإنهما من واجبات الطواف كستر العورة فيه، والأخذ عن اليمين، والطواف من وراء الحطيم، وقد قالوا: لو طاف راكبًا أو محمولًا على إنسانٍ أو في مِحَفَّة، إن كان لعذرٍ لا شيء عليه. ذكره السروجي وغيره، بغير عذرٍ يلزمه إعادته ما دام بمكة، وإن لم يُعده فعليه دم. فيخرج
стр. 858
على هذا وجه في المذهب بعدم وجوب الدم في حقّ هذه المعذورة.
ولم تكن هذه المسألة واقعة في زمن السلف فلذلك خلت كتبهم عن ذكرها، بل كانوا يتمكَّنون من الاحتباس لأجل الحيض؛ ولذلك قال النبي- ﷺ لما حاضت صفية ﵂: "أحابستنا هي؟ " فقالوا له: إنها قد أفاضت. قال: "فلا إذن". وروي عن أبي هُريرة ﵁ أنه قال: "أمير وليس بأمير: امرأة مع قومٍ حاضت قبل الإفاضة فيحتسبون لأجلها حتى تطهر وتطوف" أو كما قال. وأما هذا الزمان فكثير من النساء لا يمكنهن الاحتباس بعد الوفد/ للخوف على أنفسهن ومالهن، ولا يمكن الوفد الاحتباس لأجلهن لما فيه من الضرر بمكث الكل، أو تفرقهم؛ فلا يقال لهذه: لا تطوفي، ولكن إن طفت كان عليك ذبح بدنة، كما يقال ذلك لغيرها ممن لا عذر له.
وقوله ﵇ في حديث عائشة ﵂: "وافعلي ما يفعل الحاج غير أن تطوفي بالبيت" إنما قاله لها لأنها كانت تتمكن من الطواف بعد ذلك طاهرة، وقد قال ﵇: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم". وقد قال تعالى: ﴿قاتقوا الله ما استطعتم﴾، وهو مبين لقوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ ولا واجب في الشريعة مع
стр. 859
عجز. ولا حرام مع ضرورة. وأي ضرورة أعظم من أن تبقى محرمة لا يأتيها زوجها إلى السنة الأخرى، وقد تأتيها حيضها في السنة الأخرى في ذلك الأوان، بل هو الغالب. فإن التي تأتي عادةً في الحيض قبل أن تتغير عنها، بها يظهر الفرق بين هذا وبين الصوم والصلاة مع الحيض؛ فإن الصلاة أسقطها الشرع عنها للحرج في القضاء، وأوجب عليها قضاء الصوم لتيسره عليها بعد رمضان، وأما هذا فالحرج في حقها حاصل، فالقول قول بسقوط الواجب في حقها وهو الطهارة، أو الشرط عند من يجعلها شرطًا للحرج مثل سقوط طواف الصدر عنها. وسقوط الوقف بالمزدلفة بعد الفجر، بل المبيت بها أيضًا عن الضعفة والرعاة، وسقوط القيام والمشي في الطواف عمن طاف محمولًا لعذرٍ كما تقدم، وسقوط ستر العورة عمن لا يجد ثوبًا في الصلاة، وسقوط الطهارة عمن لا يجد إلا ثوبًا نجسًا فيها، وإن كان قد يجد ما يستر عورته، أو يزيل النجاسة بعد الوقت، والقضاء خلف عن الأداء وهذه أولى.
قوله: (ومن ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها فعليه شاة؛ لأن النقصان بترك الأقل يسير فأشبه النقصان بسبب الحدث فيلزمه شاة).
جمهور العلماء على أن إكمال عدد السبط شرط، منهم الأئمة الثلاثة،
стр. 860
ولا يعرف عن الصحابة ﵃ في ذلك خلاف، وقالوا: إن تقدير الطواف بالعدد السبع ثابت بالنصوص المتواترة عن رسول الله- ﷺ قولًا وفعلًا. وقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ مجمل بينه وبين النبي- ﷺ بفعله، كما في الصلاة والزكاة، وقوله: ﴿وليطوفوا﴾ يقتضي تكثير الطواف وتكريره، وذلك مجمل أيضًا في العدد، وبينه النبي- ﷺ ، وقد قال ﵇: "خذوا عني مناسككم" وقد طاف سبعًا، والمقادير لا تعرف إلا بالسماع، لا بالرأي والاجتهاد، والأعداد المقدرة بالشرع لا يكون أكثرها قائمًا مقام كلها كعدد ركعات الصلاة، والحدود، والشهرين، والثلاثة الأيام في الكفارة، ونصب الزكاة، ولا يجوز في ذلك كله الاكتفاء بالأكثر.
وقد اعتبر بعض الأصحاب الطواف والسعي في الاكتفاء بأكبر العدد فيه بإدراك الإمام في الركوع، وبالنية في الصوم قبل نصف النهار، وفي ذلك نظر؛ فإنه ليس ذلك من باب الأعداد بخلاف الطواف، مع أن في النية في الصوم قبل نصف النهار من النزاع. ومنهم من قال: [إن الطواف من أسباب
стр. 861
التحلل فيقوم الأكثر فيه مقام الكل كالحلق. وهذا فاسد؛ فإن طواف الإفاضة ركن مقصود لذاته لا للتحلل، وقد قالوا: إن المحلل في حق النساء هو الحلق السابق ولن يؤخر عمله إلى ما بعد الطواف في حق النساء خاصة، مع أن الحلق يكفي عنه التقصير فضلًا عن أن يقوم فيه الأكثر مقام الكل، فلم يكن نظير الطواف]. ومنهم من قال: إن قوله تعالى: ﴿وليطوفوا﴾ يقتضي المبالغة في تكثير الطواف، فلابد من الزيادة على أقل الجمع الذي هو ثلاثة وذلك أربعة. وهذا مسلك آخر غير إقامة الأكثر مقام الكل، وفيه نظر، فإن قولهم لابد من الزيادة على أقل الجمع ونحو ذلك من العبارات مجرد دعوى، وإلا؛ فلو فسره النبي- ﷺ بثلاثة أشواط لصلح بيانًا.
ومنهم من بالغ في اعتبار الأكثر فقال: إن المقدار المفروض منه هو ثلاثة أشواط وأكثر الشوط الرابع كصاحب البدائع وغيره، وعلل لذلك بقوله تعالى: ﴿وليطوافوا بالبيت العتيق﴾. والأمر لا يقتضي التكرار إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليلٍ آخر وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، انتهى. وفيه نظر؛ فإن قوله
стр. 862
تعالى: ﴿وليطوفوا﴾، يفهم منه التكرير والتكثير لأنه صيغة مبالغة، وليس هو نظير ما لو قال "وليطوفوا" بالتخفيف. وكذلك قال في السعي: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ بالتشديد لا بالتخفيف، ولابد في ذلك من زيادة على المخفف، فإن الزيادة في اللفظ يؤذن بالزيادة في المعنى، وبين لنا النبي- ﷺ المقدار بفعله وقوله.
ودعوى الإجماع التي ذكرها منتقضة بأشياء فلو ادعاها من قال: إن الخارج من السبيلين على غير وجه الاعتياد لا ينقض الوضوء، أو ادعاها من قال بالاكتفاء بالقراءة في ركعة، أو ادعاها من قال بأن حد السكر أربعون جلدة، أو ادعاها من قال بعدم جواز القيمة في الزكاة، وصدقة الفطر، أو ادعاها من قال إن البدن من الإبل دون البقر لكان ذلك نظير دعواه. وقد
стр. 863
ادعاها ابن المنذر غير الأب الصغير أو الصغيرة على النكاح فقال: وقد أجمع أهل العلم على أن اليتيمين الصغيرين فرجاهما محظوران محرمان إلا بالمعنى الذي أباحه الله به. وقد أجمعوا على أن عقد الأب عليهما يبيح الفرج المحظور، واختلفوا في عقد سائر الأولياء عليهما النكاح، فغير جائز أن يباح فرج قد أجمعوا على تحريمه إلا بإجماعٍ مثله، أو خبرٍ عن الرسول- ﷺ لا معارض له، انتهى. ودعوى ابن المنذر الإجماع والاستدلال به هنا أظهر من استدلال صاحب البدائع، فإن كان حجة لزمة ما ادعاه ابن المنذر وهو لا يقول به.
قوله: (لقوله ﵊: "فادفعوا بعد غروب الشمس").
كأن المصنف نقل هذا بالمعنى من حديث محمد بن قيس بن مخرمة قال: خطب رسول الله- ﷺ وقال: "يا أيها الناس، إن أهل الجاهلية كانوا
стр. 864
يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حتى تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس. فهدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك"، أخرجه الشافعي في مسنده. ويكفي عن الاستدلال بهذا أن النبي- ﷺ لم يزل واقفًا بعرفة حتى غربت الشمس، ثم أفاض كما قال جابر ﵁ في حديثه الطويل.
قوله: "وله حديث ابن مسعود ﵁ قال: "من قدم نسكًا على نسك فعليه دم").
قال السروجي: لا أصل لهذا عن ابن مسعود، وإنما ذلك عن ابن عباس ﵄ كما ذكرته عن الطحاوي وابن المنذر وابن
стр. 865
حزم، انتهى. وقال ابن التركماني: روى البيهقي من حديث ابن عباس: "من قدم من نسكه شيئًا أو أخره فلا شيء عليه". ثم روى البيهقي من قوله خلاف هذا أنه قال: "من نسي شيئًا من نسكه أو تركه فليهرق دمًا" انتهى. فقد اضطربت الرواية في فتوى ابن عباس ﵄. وفي "الصحيحين" عنه ﵄: "أنه- ﷺ قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: لا حرج". وفي "الصحيحين" أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن رسول الله- ﷺ وقف في حجة الوداع للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل الذبح، فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارم، ولا حرج. فما سئل النبي- ﷺ يومئذ عن شيءٍ قدم، ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج".
وفي رواية: "أنه شهد النبي- ﷺ يخطب يوم النحر فقام رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر، فقال كنت أحسب أن كذا قبل كذا، حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك. فقال النبي- ﷺ : افعل، ولا حرج لهن كلهن.
стр. 866
فما سئل يومئذٍ عن شيءٍ إلا قال: افعل ولا حرج".
وفي يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، فعند أبي حنيفة [﵀] ترتيبها واجب يجب بتركه الدم، وقال أحمد وغيره: إن أخل بترتيبها ناسيًا أو جاهلًا بالسنة فيها فلا شيء عليه؛ فإن قول السائل لم أشعر يحتمل النسيان والجهل وقوله في الرواية الأخرى: "كنت أحسب كذا قبل كذا" يدل على جهله بالحكم، وجاء هذا مصرحًا به في روايةٍ لمسلم: "فما سمعته يسأل يومئذٍ عن أمرٍ، مما ينسى المرء أو يجهل، من تقديم بعض الأمور قبل بعض، وأشباهها، إلا قال رسول الله- ﷺ : افعلوا [ذلك] ولا حرج". وللشافعي [﵀] تفصيل في ذلك ليس هذا موضع بسطه. وإذا كانت فتوى ابن عباس ﵄ مختلفة في ذلك
стр. 867
ولم يرد نص يغير حكم الناسي والجاهل فالظاهر بقاؤه في حق هذه الأربعة التي تفعل في يوم النحر، والظاهر أن السؤال إنما كان عنها، وما ورد في حديث أسامة بن شريك: "سعيت قبل أن أطوف" أخرجه أبو داود ولم يثبت.
قوله: (فإن حلق القارن قبل أن يذبح فعليه دمان عند أبي حنيفة، دم بالحلق قبل أوانه لأن أوانه بعد الذبح، ودم بتأخير الذبح عن الحلق، وعندهما يجب عليه دم واحد وهو الأول. ولا يجب بسبب التأخير على ما قلنا).
هذا يناقض ما ذكره قبل هذا بصفةٍ في مسألة تأخير الحلق وهو قوله: (وقالا: لا شيء عليه في الوجهين) إلى أن قال: (والحلق قبل الذبح). فقد أثبت أن هناك أن الحلق قبل الذبح غير موجب عندهما شيئًا، ثم أوجب هنا عندهما فيه دمًا.
стр. 868
وقد أجاب السنغاقي عن هذا الإشكال بأنهما يوجبان على القارن دم القران. ولا يوجبان شيئًا بسبب تقديم الحلق وتأخيره، ثم اعترف بأن تعليل صاحب الهداية وقع في غير محله، وقد قرر الشيخ حافظ الدين ما ذكره "صاحب الهداية" من إيجاء دمٍ آخر عندهما غير دم القران للذبح قبل أوانه. وعلى تقدير صحة هذا يشكل إشكالًا آخر وهو أن جناية القارن مضمونة بدمين، فينبغي على ما ذكره "صاحب الهداية" أن يجب خمسة دماء عن أبي حنيفة أو أربعة، وعندهما ثلاث، وهذا لم يقولوه.
قوله: (واستثنى رسول الله- ﷺ الخمس الفواسق، وهي الكلب العقور، والذئب والحدأة، والغراب، والحية، والعقرب).
هذه غفلة من المصنف فإنه ذكر خمسًا وعد ستًا، والخمس التي استثناها رسول الله- ﷺ في حديث عائشة وعبد الله بن عمر وغيرهما في "الصحيحين" وغيرهما، هي: الفأرة، والعقرب، والغراب، والحدأة، والكلب
стр. 869
العقور. وفي روايةٍ لمسلم: الحية بدل العقرب في حديث عائشة. وفي أخرى له: عن ابن عمر قال: حدثتني إحدى نسوة النبي- ﷺ "أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحديا والغراب، والحية" قال: "وفي الصلاة أيضًا". وليس فيه ذكر لفظ الخمس، وقد عد ستًا بزيادة الحية. وزاد أبو داود والترمذي وابن ماجه: "السبع العادي" من حديث أبي
стр. 870
سعيد الخدري. قال ابن التركماني: وذكر الذئب في رواية الطحاوي من حديث أبي هريرة، وفي سندهما كلام، انتهى. فظهر أن ذكر الخمس في الحديث لا مفهوم له والحالة ما ذكر.
قوله: (ولا ما روينا من حديث أبي قتادة ﵁، وقال عطاء: أجمع الناس على أن على الدال الجزاء، ولأن الدلالة من محظورات الإحرام، وأنه يفوت الأمن من الصيد؛ إذ هو آمن بتوحشه، وتواريه، فصار كالإتلاف، ولأن المحرم بإحرامه التزم الامتناع عن التعرض فيضمن بترك ما
стр. 871
التزمه كالمودع بخلاف الحلال لأنه لا التزام من جهته).
فيه إشكال، فإن حديث أبي قتادة لا يدل على أن الكفارة على الدال، وإنما يدل على حرمة الصيد بإشارة المحرم للحلال إلى الصيد، وغاية ما فيه أنه أعان على قتل الصيد بالإشارة، وحرمة الصيد على المحرم كحرمة مال المسلم ونفسه بل دونهما، ولا يضمن الدال على مال المسلم وعلى نفسه شيئًا بسبب الدلالة فكذلك هنا. وقد أجابوا عن هذا بأنه لم يلتزم التعرض إلى ذلك لعقدٍ خاص هناك. وأما هنا فقد التزم بعقد الإحرام ترك التعرض إلى الصيد، وفيه نظر؛ فإن المسلم بإسلامه التزم ترك التعرض إلى مال اخيه المسلم، ونفسه، وعرضه، بغير حق. وما نسبه إلى عطاء لا يعرف من رواه عنه.
فإن قيل: قال الطحاوي ﵀: وجوب الجزاء على الدال مروي عن عدةٍ من الصحابة ولم يرو عن غيرهم خلافه، فكان
стр. 872
إجماعًا. فجوابه أنه قد نقل عن عدةٍ من الصحابة ضمان الصيد بالمثل من حيث الصورة. ولم يرد عن غيرهم خلافه فهلا قال هناك كما قال هنا. ويظهر أن الأمر بالعكس في المسألتين؛ فإن هذه المسألة لم يثبت ما نقل فيها عن الصحابة وهو على تقدير ثبوته فهي من باب الرأي المحض، وتلك المسألة النقل فيها عن الصحابة ثابت، وهي من باب فهم معنى النص، وهم أحق به ممن بعدهم، ويأتي الكلام في تلك المسألة إن شاء الله تعالى، وقد قال مالك والشافعي وغيرهم إنه لا شيء على الدال.
стр. 873
وهو اختيار ابن المنذر. والفرق بينه وبين المودع أن المودع التزم حفظ الوديعة، والمحرم إنما التزم ترك التعرض إلى الصيد كمال التزم المسلم ترك التعرض إلى مال المسلم ونفسه؛ فالتزام المودع أخص من التزام المحرم. وقد فرقوا بين مال المسلم ونفسه وبين الصيد أن الواجب في مال الغير ونفسه ضمان المحل، والواجب على المحرم كفارة الجناية. وأجيب عن ذلك أن جناية الدال دون جناية القاتل فلا يلزم من شرع الكفارة في حق القاتل شرعها في حق الدال.
قوله: (وسواء في ذلك العامد والناسي؛ لأنه ضمان يعتمد الإتلاف فأشبه غرمات الأموال).
كأن المصنف ﵀ أراد بالناسي المخطئ؛ ولهذا علل له بما ذكر من تشبيهه بغرامات الأموال، وإلا فالناسي لإحرامه عامد للقتل، وأكثر العلماء على وجوب الكفارة على المخطئ كالعامد، وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس. وأبو ثور، وابن المنذر، والقاسم، وعطاء، وسالم،
стр. 874
وداود: إنه لا شيء عليه، وهو رواية عن أحمد. وعن الحسن فيه روايتان. والمثبت للكفارة على المخطئ يحتاج إلى دليل؛ لأن الآية فيها ذكر المعتمد دون المخطئ. وعن الزهري أنه قال: على المعتمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة. ولم يذكر ما ورد من السنة في حقه. وقال في المغني: إن وجه الوجوب قول جابر: "جعل رسول الله- ﷺ في الضبع يصيده المحرم كبشًا"، وقال ﵊: "في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه" ولم يفرق. رواها ابن ماجه. ولأنه ضمان إتلافٍ فاستوى
стр. 875
عمده وخطأه كمال الآدمي، انتهى. وكأن هذا الذي أراده الزهري بقوله بالسنة. وفي نظر؛ فإنه إن صح يمكن حمله على المقيد في الآية، والأصل براءة الذمة فلا تشغل بما فيه احتمال.
وقول المصنف (إنه ضمان إتلاف) يمنع ويقال: بل هو كفارة جناية. كفارة محضة عند زفر، وعند الثلاثة كفارة فيها معنى الضمان، وقد سماه الله كفارة بقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ ولهذا شرع فيه الصيام، ولو كان ضمان إتلاف لم يشرع فيه الصيام، ولو اشترك محرمان في قتل صيد لوجب على كلٍ منهما جزاء كامل عند أبي حنيفة. وهو رواية عن أحمد، ولو كان من باب الضمان لوجب عليهما جزاء واحد كما لو اشتركا في إتلاف شاة الغير مثلًا؛ فإن على كل منهما نصف قيمتها. ويأتي في كلام المصنف في الكلام على صيد الحرم أو الواجب على المحرم بطريق الكفارة جزاء على فعله.
وقال السروجي: ولأنه لما وجب الجزاء وهو كفارة في العمد ففي الخطأ أولى، ولو كان على العكس لما وجب في العمد، لأن الواجب كفارة كما ذكرنا، وهي في الخطأ دون العمد كما في قتل العمد، ويمين الغموس على
стр. 876
أصلنا وأصل مالك، وابن حنبل انتهى. وجوابه المنع من الأولية، فإن الكفارة لما وجبت في الفطر عمدًا في رمضان لم يقل بوجوبها في الأكل والشرب، والجماع ناسيًا فيه أو مخطئًا. وقال السروجي أيضًا: ولأن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغيره في وجوب الفدية، ألا ترى أن الله تعالى قد عذر المريض ومن به أذىً في رأسه ولم يحلهما عن الكفارة!.
وجوابه: أن من فعل محظورًا حرامه لعذر فقد باشر فعل المحظور عن قصدٍ للجناية بخلاف المخطئ؛ فإن هذا غير قاصد للجناية على إحرامه فذاك بمنزلة المريض إذا أكل في رمضان بسبب المرض، وهو بمنزلة الناسي لصومه إذا أكل في رمضان. واحتج السروجي أيضًا بما نقل عن عمرو بن دينار قال: "رأيت الناس يغرمون في الخطأ"، وعن عمر مثله، وعن ابن مسعود "أنه قضى في اليربوع في الخطأ بجفرة".
стр. 877
جوابه: أن قول هؤلاء معارض بقول أمثالهم من الصحابة والتابعين، والمسألة مسألة نزاع كما تقدم فليس قول بعضهم حجة على البعض. ولو كان الحكم يعم النوعين كان قوله: ﴿ومن قتله منكم﴾ يبين الحكم مع الإيجاز؛ فإذا قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ كان قد زاد اللفظ ونقص المعنى، وهذا مما يصان عنه كلام رب العالمين المعجز الموجز. فإن قلتم: نسخ هذا التخصيص؛ فأين الناسخ؟
قوله: (والصحابة ﵃ أوجبوا النظر من حيث الخلقة والمنظر) ثم قال بعد ذلك: ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، ولا يمكن الحمل عليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودًا في الشرع كما في حقوق العباد) إلى آخر كلامه في المسألة.
стр. 878
لا يعرف عن الصحابة ﵃ في هذه المسألة خلاف، وإنما حصل الخلاف من بعدهم، وهم أخبر بمعنى القرآن ممن جاء بعدهم، والأكثر على موافقتهم، وتأويل ما نقل عنهم وصرفه عن ظاهره لا يجوز لغير معارض، وفي ثبوت المعارض نظر. ومحمد ﵀ إنما خالف الشيخين فيما لما تبين له من الرجحان، وكفى بالصحابة قدوةً في فهم معنى القرآن، فهم أول مخاطب به من الأمة، وبلسانهم نزل، وهم أخص من غيرهم من أهل اللسان. وقوله: (فحمل على المثل معنىً لكونه معهودًا في الشرع، كما في حقوق العباد) سيأتي إن شاء الله تعالى ما في الضمان بالمثل صورة في حقوق العباد في القيمي كما في ضمان القصعة بالقصعة، والحيوان بالحيوان من الكلام.
стр. 879
قوله: (وقال محمد والشافعي رحمهما الله: الخيار إلى الحكمين في ذلك).
مذهب مالك والشافعي وأحمد أن الخيار إلى القاتل، كذا ذكره ابن قدامة في المغني، وابن المنذر في الإشراف، ونقله النووي عن الشافعي أيضًا وحكى الكرخي عن محمد أن الخيار إلى القاتل عنده أيضًا، غير أنه [إن] اختار الهدي، لا يجوز [له] إلا إخراج النظير. ذكره في البدائع. والدليل لهذا القول هو الظهار، والقول بتخيير الحكمين بعيد، ولا حاجة إلى نصب الخلاف لروايةٍ ضعيفة عن محمد بن الحسن ﵀.
قوله: (ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته، وهذا مروي عن علي وابن عباس ﵄.
أخرجه عن ابن عباس سعيد بن منصور، وما ذكره عن علي رضي الله
стр. 880
عنه، قال السروجي: لا أصل له، بل مذهبه ما ذكرته. وكان قد ذكر عنه: جنين ناقة في كل بيضة انتهى. وحكاه ابن المنذر في "الإشراف" مفسرًا فقال: وفيه قول ثالث وهو أن تحمل الفحل على إبلك، فإذا تبين لك لقاحها سميت عدد ما أصبت من البيض فقلت: هذا هدي، فما صلح من ذلك كما صلح، وما فسد كما فسد، فليس عليك كل البيض منه ما يصلح ومنه ما يفسد. روينا ذلك عن علي ﵁ انتهى.
следующие страницы →