Полный текст (2 128 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
أصلنا وأصل مالك، وابن حنبل انتهى. وجوابه المنع من الأولية، فإن الكفارة لما وجبت في الفطر عمدًا في رمضان لم يقل بوجوبها في الأكل والشرب، والجماع ناسيًا فيه أو مخطئًا. وقال السروجي أيضًا: ولأن جنايات الإحرام لا يختلف فيها المعذور وغيره في وجوب الفدية، ألا ترى أن الله تعالى قد عذر المريض ومن به أذىً في رأسه ولم يحلهما عن الكفارة!.
وجوابه: أن من فعل محظورًا حرامه لعذر فقد باشر فعل المحظور عن قصدٍ للجناية بخلاف المخطئ؛ فإن هذا غير قاصد للجناية على إحرامه فذاك بمنزلة المريض إذا أكل في رمضان بسبب المرض، وهو بمنزلة الناسي لصومه إذا أكل في رمضان. واحتج السروجي أيضًا بما نقل عن عمرو بن دينار قال: "رأيت الناس يغرمون في الخطأ"، وعن عمر مثله، وعن ابن مسعود "أنه قضى في اليربوع في الخطأ بجفرة".
стр. 877
جوابه: أن قول هؤلاء معارض بقول أمثالهم من الصحابة والتابعين، والمسألة مسألة نزاع كما تقدم فليس قول بعضهم حجة على البعض. ولو كان الحكم يعم النوعين كان قوله: ﴿ومن قتله منكم﴾ يبين الحكم مع الإيجاز؛ فإذا قال: ﴿ومن قتله منكم متعمدًا﴾ كان قد زاد اللفظ ونقص المعنى، وهذا مما يصان عنه كلام رب العالمين المعجز الموجز. فإن قلتم: نسخ هذا التخصيص؛ فأين الناسخ؟
قوله: (والصحابة ﵃ أوجبوا النظر من حيث الخلقة والمنظر) ثم قال بعد ذلك: ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أن المثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، ولا يمكن الحمل عليه فحمل على المثل معنى لكونه معهودًا في الشرع كما في حقوق العباد) إلى آخر كلامه في المسألة.
стр. 878
لا يعرف عن الصحابة ﵃ في هذه المسألة خلاف، وإنما حصل الخلاف من بعدهم، وهم أخبر بمعنى القرآن ممن جاء بعدهم، والأكثر على موافقتهم، وتأويل ما نقل عنهم وصرفه عن ظاهره لا يجوز لغير معارض، وفي ثبوت المعارض نظر. ومحمد ﵀ إنما خالف الشيخين فيما لما تبين له من الرجحان، وكفى بالصحابة قدوةً في فهم معنى القرآن، فهم أول مخاطب به من الأمة، وبلسانهم نزل، وهم أخص من غيرهم من أهل اللسان. وقوله: (فحمل على المثل معنىً لكونه معهودًا في الشرع، كما في حقوق العباد) سيأتي إن شاء الله تعالى ما في الضمان بالمثل صورة في حقوق العباد في القيمي كما في ضمان القصعة بالقصعة، والحيوان بالحيوان من الكلام.
стр. 879
قوله: (وقال محمد والشافعي رحمهما الله: الخيار إلى الحكمين في ذلك).
مذهب مالك والشافعي وأحمد أن الخيار إلى القاتل، كذا ذكره ابن قدامة في المغني، وابن المنذر في الإشراف، ونقله النووي عن الشافعي أيضًا وحكى الكرخي عن محمد أن الخيار إلى القاتل عنده أيضًا، غير أنه [إن] اختار الهدي، لا يجوز [له] إلا إخراج النظير. ذكره في البدائع. والدليل لهذا القول هو الظهار، والقول بتخيير الحكمين بعيد، ولا حاجة إلى نصب الخلاف لروايةٍ ضعيفة عن محمد بن الحسن ﵀.
قوله: (ومن كسر بيض نعامة فعليه قيمته، وهذا مروي عن علي وابن عباس ﵄.
أخرجه عن ابن عباس سعيد بن منصور، وما ذكره عن علي رضي الله
стр. 880
عنه، قال السروجي: لا أصل له، بل مذهبه ما ذكرته. وكان قد ذكر عنه: جنين ناقة في كل بيضة انتهى. وحكاه ابن المنذر في "الإشراف" مفسرًا فقال: وفيه قول ثالث وهو أن تحمل الفحل على إبلك، فإذا تبين لك لقاحها سميت عدد ما أصبت من البيض فقلت: هذا هدي، فما صلح من ذلك كما صلح، وما فسد كما فسد، فليس عليك كل البيض منه ما يصلح ومنه ما يفسد. روينا ذلك عن علي ﵁ انتهى.
стр. 881
قوله: (والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد).
في تعليله هذا نظر، فإن أبا حنيفة قد زاد الذئب على العدد. وقد تقدم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي- ﷺ : "كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والحية" أخرجه مسلم وقد ذكرها المصنف أيضًا قبل هذا التعليل بسطور. وهذه ست، وبالذئب تصير سبعًا، فقد ثبتت الزيادة على العدد الذي هو الخمس.
قوله: (واسم الكلب لا يقع على السبع عرفًا، والعرف أملك). تقدم في كلام المصنف (وقيل: المراد بالكلب العقور: الذئب، أو يقال: الذئب في معناه).
فإذا كان قد استدل على إلحاق الذئب بالكلب العقور بما ذكر. كيف ينكر استدلال الشافعي على إلحاق سائر السباع بالكلب بنظير ما استدل به هو على إلحاق الذئب به؟ لا تنه عن خلق وتأتي مثله.
стр. 882
قوله: (ولنا ما روي عن عمر ﵁ أنه قتل سبعًا وأهدى كبشًا، وقال: إن ابتدأناه).
لا يعرف هذا عن عمر ﵁.
قوله: (بخلاف محرم آخر؛ لأن تناوله ليس من محظورات إحرامه).
في دعوى كون أكل المحرم ما صاده هو من محظور إحرامه دون محرم آخر إشكال؛ فإنه مجرد دعوى، ولو كان الأكل منه كقتله في كونه محظور إحرامه لكان إيجاب الجزاء- كما قال عطاء- أقرب من إيجاب القيمة، ولا يزيد الصيد بعد قتل المحرم له على كونه ميتة، فيستوي في حكم الأكل منه القاتل وغيره من المحرمين في وجوب التوبة دون الكفارة أو القيمة. وقولهم: إن الكفارة إذا وجبت بالوسيلة التي هي الذبح فبالأكل الذي هو المقصود أولى لا يصح، لأن أبا حنيفة لم يقل إن فيه الكفارة، وإنما قال: إن فيه
стр. 883
القيمة. ولو قيل: إن القيمة بمنزلة الكفارة؛ فإيجابها في الوسيلة لا يلزم منه إيجابها في المقصود، لأن الكفارة إنما وجبت في الصيد لاستحقاقه الأمن بدخول المحرم في الإحرام، كما يستحق الأمن بدخوله هو الحرم فبالقتل أزال أمنه فوجبت الكفارة، ولا كذلك بأكله خصوصًا على قول الإمام أبي حنيفة؛ فإن عنده وجب الكفارة بصيد ما لا يؤكل لحمه ولم يقل إنه لو اصطاد سبعًا لجلده ثم استعمل جلده أن عليه قيمة ما نقصه؛ لأن المقصود بصيده؛ فعلم أن الكفارة إنما وجبت لإزالته الأمن عن الصيد خصوصًا على قول من أوجبها على الدال.
قوله: (ولنا ما روي أن الصحابة ﵃ تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم فقال ﵊: "لا بأس به").
لا أصل لهذا الحديث، ويغني عن الاستدلال به حديث أبي قتادة؛ فإنه
стр. 884
نص فيه، ففي الصحيحين "أنه أكل منه"، وليس فيه وفيما ذكره المصنف حجة على مالك؛ لأنه مطلق وما رواه مقيد.
قوله: (فإن أصاب حلال صيدًا ثم أحرم فأرسله من يده غيره يضمن
стр. 885
عند أبي حنيفة، وقالا: لا يضمن).
هذه المسألة نظير كسر المعازف، والخلاف فيها واحد. وسيأتي الكلام في بيان رجحان قولهما عند الكلام على تلك المسألة إن شاء الله تعالى.
قوله: (فإن قطع حشيش الحرم أو شجره الذي ليس بمملوك وهو مما لا ينتبه الناس فعليه قيمته إلا فيما جف منه، لأن حرمتهما ثبتت بسبب الحرم، لقوله ﵊: "لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها").
ليس فيما ذكر دليل على وجوب ضمان القيمة. وقد قال مالك، وأبو ثور، وداود الظاهري: لا يجب عليه إلا الاستغفار. قال أبو بكر ابن المنذر: لا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضًا من كتاب، ولا سنة،
стр. 886
ولا إجماع. وأقول كما قال مالك: يستغفر الله، انتهى. والحديث الذي أشار إليه المصنف متفق عليه، وفيه "ولا ينفر صيدها"، ولم يذكر في الحديث ضمانًا. وتنفير الصيد لا ضمان فيه؛ فكيف يستدل به على الضمان في قطع الحشيش والشجر، وفيه إشكال من حيث اللفظ وهو أن الخلا اسم للنبات الرطب، والحشيش اسمه إذا يبس. قال في الصحاح: ولا يقال له رطبًا الحشيش.
قوله: (وكل شيء فعله القارن مما ذكرناه أن فيه على المفرد دمًا فعليه دمان؛ دم لحجته ودم لعمرته، وقال الشافعي ﵀: دم واحد بناءً على أنه محرم بإحرامٍ واحد عنده، وعندنا بإحرامين وقد مر من قبل).
تقدم ذكر ما استدل به الشافعي ﵀ من أنه- ﷺ كان قارنًا، لم يطف إلا طوافًا واحدًا، وسعى سعيًا واحدًا، وقال: "دخلت العمرة في الحج" فاعتضد قوله بفعله. وهنا إشكال آخر، وهو أنه على تقدير عدم
стр. 887
دخول أفعال العمرة، فالإحرام شرط غير ركن في النسكين عند أبي حنيفة، فينبغي أن لا يكون في تداخله خلاف؛ فإن الشروط تقبل التداخل بلا خلاف، وأيضًا فالمحرم لو قتل صيدًا في الحرم، دخل موجب قتل الصيد في الإحرام، ولم يجب عليه إلا جزاء واحد في جواب الاستحسان وهو المذهب، فهنا أولى؛ ووجه الأولوية أن موجب قتل الصيد في الحرم ضمان قيمته يتصدق بها بمنزلة ضمان المتلفات؛ ولهذا لا يجزي فيه الصوم عند أبي حنيفة وصاحبيه. وموجب قتل الصيد في الإحرام جزاء الجناية بمنزلة الكفارة إن لم يكن كفارة محضة، ولو أنه قتل صيدًا مملوكًا لحلالٍ لوجب عليه الجزاء والضمان، ومع هذا لا يجب على المحرم بقتل الصيد في الحرم إلا جزاء واحد، فلأن لا يجب على القارن بقتله الصيد إلا جزاء واحد أولى.
стр. 888
[باب مجاوزة الوقت بغير إحرام]
قوله: (لأن العزيمة في الإحرام من دويرة أهله).
فيه نظر؛ فإن النبي- ﷺ وأصحابه لم ينقل عن أحدٍ منهم أنه أحرم من قبل الميقات، وإنما حصل الاختلاف في جواز ذلك بعده- ﷺ ، وقد تقدم الكلام على ما نقل عن علي وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أن إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك في "باب القران"، والله أعلم.
стр. 889
[باب إضافة الإحرام إلى الإحرام]
هذا الباب مرتب على أصولٍ مختلف فيها يجب التنبيه عليها، والتنبه لها.
أحدهما: أن من أحرم بحجتين أو بعمرتين لزمتاه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، لمن عند أبي حنيفة يصير محرمًا بإحرامين حتى يتوجه إلى مكة في رواية، وحتى يبدئ في الطواف في أخرى، فيلزمه قبل ذلك عنده بصيده وجنايته جزاءان ويبعث لو أحصر بدمين. وعند أبي يوسف يصير رافضًا لأحدهما في الحال، عند محمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، يلزمه إحداهما، وتلغو
стр. 890
الأخرى. وقول محمد أظهر، لأنه أحرم بعبادتين لا يمكنه المضي فيهما جميعًا؛ فلا ينعقد لأنه التزام في الذمة فيمكنه فعل كل نسك في وقت كنذر صلاتين وصومين، بخلاف الإحرام بحجٍ وعمرة، لأن الأعلى وهو الحج، يتضمن الأدنى، وهو العمرة، سواء قيل بالتداخل في الأفعال أو لا، بخلاف الحجتين والعمرتين؛ لأن الشيء لا يتضمن مثله.
ثانيهما: أن أهل مكة لا تمتع لهم ولا قران، وإنما لهم الإفراد خاصة، خلافًا للأئمة الثلاثة، فلو فعل كره له ذلك، ولزمه الدم، لكنه دم جبر بخلاف الآفاقي فإن الدم الذي يلزمه دم شكر، وهذا عند أبي حنيفة، وعند الأئمة الثلاثة لا دم عليه، والمسألة معروفة.
ثالثها، رفض النسك للمعذور، وفعل غيره ثم قضاء ذلك المرفوض،
стр. 891
قال به أبو حنيفة: كالقارن إذا ابتدأ بالوقوف بعرفة، وكمن أدخل حجًا على حج أو عمرة على عمرة، أو عمرة على حج بعد الوقوف، أما القارن فلا يتأتى الرفض على قول غيره؛ لأن أفعال العمرة عند غيره داخله في أفعال الحج، فلا يضره الابتداء بالوقوف، وتقدم الكلام في هذا في ((باب القرآن)). وأما من أدخل حجًا على حج قبل الوقوف، أو عمرة على عمرة قبل طواف الأكثر، فهو كمن أهل بالنسكين معًا، وقد تقدم حكمه، ولكن اختلفوا اختلافًا آخر فيمن أهل بحجة فجامع فيها ثم أهل بأخرى؛ فقال ابن المنذر: كان أبو ثور يقول: لا تلزمه التي أهل بها بعد، ولكنه يمضي في الحجة التي أهل بها أولًا حتى يفرغ منها، وعليه حج قابل والهدي.
قابل أبو بكر: وهذا على مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال أصحاب الرأي: يرفض الأخرى ويمضي في التي جامع فيها حتى يقضيها مع الناس، وعليه للجماع دم، وعليه حجة مكانها، وعليه عمرة وحجة مكان التي رفض ودم، قال أبو بكر: قول أبي ثور والشافعي وأحمد وإسحاق، والظاهر أن محمد بن الحسن معهم؛ فإن من صله أن من أهل بحجتين، أو عمرتين، أو أدخل حجة على عمرة، أو عمرة على عمرة قبل أن يفرغ من الأولى، لا يلزمه إلا واحدة؛ لأنه لا يمكنه المضي في النسكين، فكذا إذا
стр. 892
أفسد الأول، لأنه يمضي في فاسدها فلا يفرغ منها حتى يحل منها، وأما من أدخل عمرة على حجة بعد الوقوف، فمحمد مع أبي حنيفة، وأبي يوسف في لزوم الرفض والدم، وأما من أدخل حجة على حجة بعد الوقوف، أو عمرة على عمرة بعد طواف الأكثر قبل الحلق فيهما فعليه دم عند أبي حنيفة قصر أو لم يقصر، وعندهما أن [من] لم يقصر حتى أتى بالنسك لا شيء عليه، وإلا فعليه دم، والله أعلم.
* * *
стр. 893
[باب الإحصار]
قوله: (ولنا أن الآية الإحصار فسرت بالمرض بإجماع أهل اللغة، فإنهم قالوا: الإحصار بالمرض والحصر بالعدو)، وفي بعض نسخ الهداية (وردت في الإحصار بالمرض).
فيه نظر، ولا يصح تفسير الآية بالمرض وحده، ولا أن يكون قد وردت في الإحصار بالمرض وحده، ولابد من التنبيه على أن الحصر بالعدو مراد بالآية؛ فإن سبب نزول الآية هو الحصر بالعدو في عمرة الحديبية، حين صد المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه عن المسجد الحرام، ولابد من دخول حكم ما كان سبب نزول الآية فيها، ولهذا لم يقل أحد أن حكم الإحصار يكون بالمرض ولا يكون بالعدو، وإنما اختلفوا: هل يكون الإحصار بالعدو ولا يكون
стр. 894
بالمرض، أو يكون بالعدو والمرض ونحوه من الأعذار على قولين. وهذا هو مردا المنصف. وقد صدر به الباب. والعبارة السديدة في ذلك أن الإحصار يكون أعم من الحصر، والحصر أخص منه، لا يكون إلا بعدو، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والقول بأن الإحصار يكون بهما، والحصر بالعدو وحده منقول عن ابن قتيبة والفراء وأشار إليه ابن فارس
стр. 895
والزمخشري. وقيل: حصر وأحصر بمعنى واحد، قاله أبو عمر الشيباني. وحكى ابن فارس أن ناسًا يقولون: حصره المرض، وأحصره العدو، ولا يصح ما ادعاه المصنف من إجماع أهل اللغة.
قوله: (فإذا جاز له التحلل يقال له، ابعث شاة تذبح في الحرم) إلى آخره.
اشتراط الذبح في الحرم أذا أمكن دخوله إلى الحرم، فإنه محله الأصلي؛ فإذا أمكن وجب، وإذا لم يمكن فحيث أمكن؛ إذ التكليف بحسب الوسع. قال المغني بعد أن ذكر المسألة وحكى الخلاف: وهذا والله أعلم، فيمن كان حصره خاصًا، وأما في الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد؛ لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدى إلى محله، وأن النبي ﷺ وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية، وهي من الحل. ومن قال: إن الذبح كان بالحرم فقوله مردود بقوله -تعالى-: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن
стр. 896
المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محله﴾.
قوله: (ولهما أن الحلق إنما عرف قربة بناء على أفعال الحج، فلا يكون نسكًا قبلها. وفعل النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف).
قول أبي يوسف ﵀ أن الحلق نسك في حق المحصر أيضًا أظهر، فإن النبي ﷺ فعله وأمر بفعله؛ ففي قصة الحديبية أنه ﷺ ((لما فرغ من قضية الكتاب قال: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم ... أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله: أتحب ذلك؟ اخرج، ولا تكلم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. قال: فخرج فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا ....)) الحديث، أخرجه البخاري وغيره. واستحكام عزيمتهم على الانصراف يعرف بفعل الانصراف. والرجوع لا يحتاج إلى علامة.
стр. 897
قوله: (وإن كان قارنًا بعث بدمين لاحتياجه إلى التحلل عن إحرامين).
تقدم ما كان قول القارن محرمًا بإحرامين من الكلام، وأن الإحرام لا مانع من التداخل فيه؛ فإنه شرط عند أبي حنيفة، والشروط تقبل التداخل؛ ففي إيجاب دمين عليه إذا أحصر أو جني إشكال.
قوله: (بخلاف الحلق لأنه في أوانه؛ لأن معظم أفعال الحج وهو الوقوف ينتهي [به]).
ظاهر كلام المصنف أن ركن الوقوف بعرفة أعظم من ركن الطواف بالبيت الحرام، وفيه نظر، بل الطواف أعظم من الوقوف، وإنما يفوت الحج بفوات الوقوف لكونه مؤقتً بوقت معين من السنة لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهو مقدمة للطواف بمنزلة القيام مع السجود في الصلاة، والمقصود الأعظم حج البيت، قال -الله تعالى-: ﴿ولله على الناس حج البيت ...﴾ الآية. و-قال تعالى-: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج﴾ إلى أن قال: ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. و-قال تعالى-: ﴿وإذ
стр. 898
جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا﴾ الآيات، وقال ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)) متفق عليه. وأمثاله في السنة كثيرة، فكل المناسك بالنسبة إليه تبع؟
وقوله ﷺ : ((الحج عرفة)) لم يروه أهل الصحيح، وإنما أخرجه أحمد وأهل السنن الأربعة. ولفظه: ((الحج عرفة))، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج))؛ فآخره يبين المراد بأوله، وهو أنه يفوت الحج بفواته؛ لأنه مؤقت بيوم معين. ولقد عجبت من قول ((صاحب البدائع)) في إقامة الليل على كون الوقوف بعرفة ركن، حيث يقول: الدليل عليه -قوله تعالى-: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ ثم فسر النبي ﷺ الحج بقوله: ((الحج
стр. 899
عرفة)) أي الحج الوقوف بعرفة؛ إذ الحج فعل وعرفة مكان، فلا يكون حجًا، فكان الوقوف مضمرًا فيه، فكان تقديره: الحج الوقوف بعرفة، والمجمل إذا التحق به التفسير يصير مفسرًا من الأصل، كأنه تعالى قال: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ والحج الوقوف بعرفة، فظاهره يقتضي أن يكون هو الركن لا غير، إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة بدليل. انتهى.
وهذا أبلغ من كونه معظم أفعال الحج، بل قد جعل الوقوف بعرفة هو حج البيت، والطواف بالبيت ثبت بدليل آخر ولم يقل ذلك الدليل ما هو، والوقوف بعرفة وإن كان ركنً عظيمًا لكن الطواف بالبيت أعظم منه، كما أن الوقوف في الصلاة ركن عظيم، ولكن السجود أعظم منه، ولهذا شرع تكريره سبعًا، كما شرع تكرير السجود في الركعة مرتين؛ ولهذا تشترط النية، وتجب الطهارة في الطواف دون الوقوف، حتى لو وقف بعرفة ولم يعلن أنها عرفة أجزأه، ولو طاف بالبيت يطلب غريمًا لا يجزيه لعدم النية، والوقوف في الحل، والطواف بالبيت الحرام أول بيت وضع للناس، قبله أهل الأرض في المسجد الحرام، داخل الحرم، فكيف يكون الوقوف أفضل من الطواف؟ وقد صرح شمس الأئمة السرخسي في المبسوط
стр. 900
بأن الطواف عبادة مقصودة، وأن الوقوف عبادة غير مقصودة، وقال: ولهذا يتنفل بالطواف دون الوقوف.
قوله: (والمحصر بالحج إذا تحلل فعليه حجة وعمرة، وهكذا روي عن ابن عباس وابن ﵄).
لم يثبت ذلك عنهما، وإنما هو مذكور في كتب الأصحاب، والكلام في لزوم القضاء على المحصر؛ فإن الأئمة الثلاثة وكثير من العلماء على أن المحصر لا قضاء عليه إلا أن يكون أحصر عن حجة الإسلام، أو عن حجة منذورة؛ فإنها باقية في ذمته، وهذا أظهر؛ -لقوله تعالى-: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾، وجعل الهدى هو جميع ما على المحصر دل عل أنه يكتفي به منه، فإيجاب القضاء زيادة على النص يحتاج إلى دليل؛ ولأن النبي ﷺ أحرم بالعمرة سنة ست، ومعه ألف وأربعمائة. كذا في ((الصحيحين)) من حديث جابر فأحصر، ثم عاد في الأخرى ومعه جمع
стр. 901
يسير، فلو وجب عليهم القضاء لبينه لهم، وقال أحمد في رواية: يجب القضاء على المحصر في النفل، وهو قول جماعة من السلف، وقد اختلف في لزوم القضاء في حق فائت الحج، واللزوم إنما يكون بدليل لا معارض له، ولم يوجد. أما لزوم قضاء عمرة مع الحج في حق المفرد، وعمرة أخرى مع الحج والعمرة في حق القارن فهو من مفردات أبي حنيفة.
стр. 902
قوله: (ولأن الحجة تجب قضاء لصحة المشروع، والعمرة لما أنه في معنى فائت الحج).
في اعتباره بفائت الحج نظر؛ لأن فائت الحج إنما يتحلل بأفعال العمرة من الطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير؛ لأنه يقدر على ذلك و [هو] بعض الحج ألأكبر، وهذا يسمى الحج الأصغر، فإن الحج الأكبر هو الحج المشتمل على الوقوف، ورمي الجمار، ويسمى العمرة الحج الأصغر لخلوها عن ذلك. -قال تعالى-: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾، والمراد الحج نفسه، لا أنه يجب عليه عمرة ابتداء، بل يأتي في ذلك الإحرام بالطواف والسعي. ويتحلل بالحلق والتقصير، أو ينقلب إحرامه إحرام عمرة عند من يقول بذلك، بخلاف المحصر بالحج؛ فإنه لا يقدر على إحرام عمرة عند من يقول بذلك، بخلاف المحصر بالحج؛ فإنه لا يقدر على الطواف فيأتي بالذبح بدل الطواف والسعي، ولا يجب في ذمته إنشاء عمرة بإحرام جديد بالقياس على فائت الحج القادر على الطواف والسعي.
قوله: (وقال مالك: لا يتحقق لأنها لا تتوقت).
يعني أن الإحصار في حق العمرة لا يتحقق عنده، وليس الأمر كذلك،
стр. 903
وإنما يروى عن أحمد، والصحيح من مذهبه خلافه، وهو ضعيف لأن النبي ﷺ إنما أحصر عن العمرة. قال السروجي: وفي ((الذخيرة المالكية)) المحصر بعدو غالب، أو فتنة في حج أو عمرة، يتحلل في موضعه إذا يئس. وقال ابن القاسم: ليس للعمرة حد بل يتحلل وإن لم يخش الفوت.
قوله: (فإن بعث القارن هديًا وواعدهم أن يذبحوه في يوم بعينه ثم مازال الإحصار) إلى آخر المسألة.
لا فائدة تخصيص القارن بالذكر، ولو قال: فإن بعث المحصر هديًا كان أولى ليشمل المفرد والقارن.
قوله: (وإن كان الحج دون الهدي جاز له التحلل استحسانًا) ثم قال: (وجه الاستحسان أن لو ألزمناه التوجه لضاع ماله؛ لأن المبعوث على يديه الهدي يذبحه، ولا يحصل مقصوده، وحرمة المال كحرمة النفس).
فيه نظر؛ فإن هذا المعنى إنما يتم إذا قلتم إنه لا يقضي، أما إذا قلتم إنه يقضي فقد حفظتم شاته، وضيعتم عليه أضعافها في نفقة قضاء الحج. ولا نسبه بين قيمة شاة وكلفة قضاء الحج والعمرة.
قوله: (ومن وقف بعرفة ثم أحصر، ولا يكون محصرًا لوقوع الأمن
стр. 904
عن الفوات).
فيه نظر؛ فإن طواف الزيارة هو الركن الأعظم في الحج على ما تقدم، ووقوع الأمن عن الفوات لا يمنع من جواز التحلل كما هو مذهب الشافعي، وأحمد، كما في العمرة فإنها لا تفوت، وقد شرع فيها جواز التحلل لما في تطويل الإحرام من الحرج، وقولهم إنه لم يبق عليه من الإحرام إلا الامتناع من النساء وهو يسير.
جوابه: أن الحرج مدفوع شرعًا قليله وكثيره ل -قوله تعالى-: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
стр. 905
[باب الفوات]
قوله: (لقوله ﵊: ((من فاته بليل فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة، وعليه الحج من قابل))). رواه الدارقطني وضعفه.
قوله: (والعمرة سنة، وقال الشافعي: فريضة لقوله ﵊: ((العمرة فريضة كفريضة الحج))، ولنا قوله ﵊: ((الحج فريضة والعمرة تطوع))).
الحديثان مذكوران ضعيفان؛ أم الحديث الأول فلم ينقل بهذا اللفظ في كتب الحديث، لكن روي من طريق ابن لهيعة عن عطاء عن جابر، أن
стр. 906
رسول الله ﷺ قال: ((الحج والعمرة فريضتان واجبتان)) أخرجه ابن عدي في كامله، وابن لهيعة ضعيف.
والحديث الثاني أخرجه ابن ماجه، ولفظ [ـه]: ((الحج جهاد، والعمرة تطوع))، وتكلم في سنده وضعف، والله أعلم.
* * *
стр. 907
[باب الحج عن الغير]
قوله: (والعبادات أنواع، مالية محضة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركبة عنهما كالحج).
الحج عبارة بدنية، وقد جعل في ((المبسوط)) المال في الحج شرط الوجوب، فلم يكن الحج مركبًا من البدن والمال. قال السروجي: وهو أقرب إلى الصواب، ولهذا لا يشترط المال في حق المكي إذا قدر على المشي إلى عرفات. وفي ((فتاوى قاضي خان)): الحج عبادة بدنية كالصوم والصلاة.
قوله: (ولا يجزي في النوع الثاني بحال).
يعني لا تجزي النيابة في العبادة البدنية كالصوم والصلاة في حال من الأحوال. وفيه نظر؛ فقد تقدم في كتاب الصوم حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من مات وعليه صوم صام عنه وليه)). أخرجاه
стр. 908
في ((الصحيحين)). وتقدم حديث ابن عباس وحديث بريدة في هذا المعنى، وتقدم ذكر ما في ذلك من الخلاف.
قوله: (لحديث الخثعمية فإنه ﵊ قال فيه: ((حجي عن أبيك واعتمري))).
حديث الخثعمية رواه الجماعة، وليس فيه: ((واعتمري))، وإنما ذكر الاعتمار في حديث أبي رزين العقيلي، ولفظه قال: يا رسول الله، إن أبي
стр. 909
شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن، قال له: ((حج عن أبيك، واعتمر)) أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
قوله: (وقال ﵊: ((من مات في طريق الحج كتب له حجة مبررة في كل سنة))).
هذا الحديث لا أصل له. ويمكن أن يستدل لهما بحديث الذي وقصته راحلته وهو محرم، وقال النبي ﷺ : ((لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) متفق عليه. ولمسلم: ((ولا تخمروا وجهه ولا رأسه)) إلى أخره. وقد قال ببقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا ينقطع: عثمان، وعلي،
стр. 910
وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: ينقطع بالموت، ويصنع بمن مات محرمًا ما يصنع بالحلال، لقوله ﵇: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ...)) الحديث قالوا: لا حجة في حديث الذي وقصته راحلته لأنه خاص به. وأجاب من خالفهم بأن دعوى الخصوص خلاف الأصل، وقد قال نظير هذا في شهداء أحد؛ فقال: ((زملوهم في ثيابهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك)). وهذا غير مختص بهم.
стр. 911
وأيضًا فقد روى النسائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اغسلوا المحرم في ثوبيه الذي أحرم فيهما، واغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرمًا)) وهذا اللفظ يعم كل محرم، وأيضًا فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع، والحكم التي رتب عليها المعاد؛ فإن العبد يبعث على ما مات عليه، ومن مات على حالة بعث عليها، ولا ينافيه قوله -عليه الصلاة السلام-: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء ...)) الحديث. فإن المراد أنه امتنع عليه أن يحدث له عمل بعد موته، لا أن ما عمله يبطل بموته حملًا للمصدر على معناه الذي هو الحدث، لا أن يكون المراد به خلاف معناه وهو المفعول فإن المصدر وإن كان قد يطلق ويراد به المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ونحوه، ولكن أصل معناه أنه اسم للحدث، فالمراد بالعمل في قوله: ((انقطع عمله)): أن يعمل، لا معموله. فإنه إن كان على عمل أهل الجنة عند الموت دخل الجنة، وإن كان على عمل أهل النار عند الموت دخل النار، والأعمال بالخواتيم، كما قال ﵊: ((إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها))، وقال في عكسه كذلك.
يؤيد هذا ما روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خرج مجاهدًا فمات كتب له أجره إلى يوم القيامة، ومن خرج حاجًا فمات كتب الله له
стр. 912
أجره إلى يوم القيامة))، وقد -قال تعالى-: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، وجاء في عكسه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال يا رسول الله ﷺ : ((من تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديديته في يده يتوجً بها في بطنه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا)). أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي.
واستثناء الأشياء الثلاثة لوجودها بعد الموت؛ أم العلم المنتفع بع، والصدقة الجارية فظاهر، وأما الولد فلأنه من كسبه، وهو باق بعده؛ فلما كان هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسبه بخلاف الأخ، والعم، والأب، ونحوهم؛ فإنه وإن كان تنتفع أيضًا بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله.
стр. 913
باب الهدي
قوله: (لما روي أنه ﵊ سئل عن الهدي فقال: ((أدناه شاة))).
لا أصل لهذا الحديث، وقد روى عبد الرازق، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: ((ما استيسر من الهدي: البدنة، والبقرة))، وقال أبو عمر ابن عبد البر: وروي عن عمر، وعلي، وابن عباس ﵃ في -قوله تعالى-: ﴿فما استيسر من الهدي﴾: شاة. وعليه جمهور العلماء، وجماعة الفقهاء.
قوله: (وقد صح أن النبي ﷺ لما أحصر بالحديبية، وبعث الهدايا على
стр. 914
يد ناجية الأسلمي قال له: ((لا [تأكل] أنت ورفقتك منها شيئًا))).
حديث ناجية الخزاعي الأسلمي، وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ قال: قلت: كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: ((انحره، واغمس نعله في دمه، واضرب به صفحته، وخل بين الناس وبينه فليأكلوه)). قال في ((المنتقى)): رواه الخمسة إلا النسائي. ولكن ليس هذا هدي الإحصار، ولا كان هذا بالحديبية. وإنما ذبح النبي ﷺ هدية بالحديبية لما أحصر بنفسه، كما ورد في قصة الحديبية في صحيح البخاري وغيره، وكان قد ساقه مع نفسه، فإن
стр. 915
النبي ﷺ أهدى في مقامه، وفي عمرته، وفي حجته. وكان إذا بعث بهدية أمر رسوله إذا أشرف شيء منه على عطب أن ينحره، ثم يضع نعله في دمه، ثم يجعله على صفحته، ولا يأكل هو منه، ولا أحد من أهل رفقته. ومنعه من هذا الأكل سدًا للذريعة فإنه ربما قصر في حفظه
следующие страницы →