Полный текст (62 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمان الرحيم
[١ و] كتاب فيه ردّ أبي بكر بن محمد على محمد بن إدريس الشافعي في مناقضة قوله وفيما قال به من التحديد في مسائل قالها خالف فيها الكتاب والسنة.
صلاة المغمى إذا أفاق
[١ ظ] باب ما قال الشافعي في التحديد في مسائل شتى برأيه. أبو عبد الله قال: قال لنا أبو بكر بن محمد: قال محمد بن إدريس الشافعي: إن أفاق المغمى عليه قبل غروب الشمس بقدر ما يدرك تكبيرة واحدة، يجب عليه أن يصلي الظهر والعصر جميعا، وكذلك في صلاة الصبح إذا أفاق المغمى عليه قبل طلوع الشمس، وقد أدرك
стр. 2
تكبيرة واحدة قبل طلوعها، وجب عليه أن يصلي الصبح. والنبي ﷺ ، إنما قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها"
وقال الشافعي إذا أفاق بقدر تكبيرة لا يعرف وقتها لأن رسول الله ﷺ لم يوقت للتكبيرة وقتا لأن تكبيرة لا يعرف وقتها فقد جعله يصلّي صلاة لم تجب عليه. وقد حدثني يحيى بن عمر قال حدثني يحيى بن عبدالله بن بكير قال حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وبشير بن سعيد، وعبد الرحمان الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ .
стр. 3
ما يحرم بالرضاع
[٢ و] إلى رأسه أنه يحرم لأن الرأس جوف. فيا سبحان الله ما أعجب أقاويلك وأبين اضطرابها، أنت الآن لا تحرّمها عليه وقد تغذى بلبنها وحده أشهرا كثيرة وقد دخل جوفه من لبنها وحده في هذه الشهور نحو من قلّة لبن، وتحرمها الآن أن يسقط من لبنها في أنفه فتصل تلك القطرة إلى لمثلها يسقط صبي في المهد إلى رأس الصبي وتجعلها بقطرة وصلت إلى رأسه أمًّا له محرّمة عليه ثم تقول لأن الرأس جوف، تريد بذلك أن ما وصل إلى رأس الصبي أنه ينزل من رأسه إلى جوفه. هذا معناكفي كلامك لأن الرأس جوف. وليس هكذا تكلمه العلماء في العلم، إنما هذا شبيه المغاياة والمغاياة أن تسمي الشيء بغير اسمه، ويضمر المتكلم بذلك معناه يريده، فكذلك قولك لأن الرأس جوف فكلام الناس إن الرأس رأس والجوف جوف، وإن غذاء العباد وطعامهم الذي منه غذاء أبدانهم في أجوافهم إليها يصير، وفيها يستقر، لا في رؤوسهم، فغير هذا الكلام أشبه به.
صلاة الوتر
قال أبو بكر: ويقال للشافعي أيكما أتبع لحمله حديث رسول الله، ﷺ ، أنت أو مالك بن أنس ﵁، حيث أمرت أنت أن يوتر الرجل بواحدة لم تتقدمها له نافلة، أخذا منك
стр. 4
بحديثك عن سعد وحديثك عن مرسل لأثبت أنت مثله، أو مالك، ﵁، الي قال: لا يوتر بواحدة لم تتقدمها له نافلة، لأن رسول الله، صلى الله عليه [٢ ظ] [وسلم] لم يوتر بواحدة لم تتقدمها له نافلة، وإنما قال رسول الله، ﷺ ، "يوتر له ما قد صلى" فاتبع حمله حديثه عنه وقلت أنت: يوتر بواحدة لا صلاة له قبلها، ورسول الله، ﷺ ، قال يوتر له ما فد صلّى، فأي شيء يوتر له بالواحدة إذا لم يصلّ قبلها شيئا؟ !
الصلاة في الكعبة
وأيكما أتبع لحمله حديثه عن رسول الله، ﷺ ، مالك ﵁، حين قال: يصلّى في الكعبة ما صلى فيها رسول الله، ﷺ ، وذلك النافلة لا الفريضة، لقول الله ﵎: ﴿وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطر﴾ فأمرنا باستقبال البيت، وما أمرنا به لا يخالف بعضه، فيكوون من خالف بعض أمره قد ركب بعض نهيه لأن أمره باستقبال الكعبة، نهي منه عن استدبارها فلا يركب أحد بغض ما نهى عنه، ومن صلّى الفريضة في داخل الكعبة فقد ولّى ظهره بعضها فواقع ما نهى عنه . ولا يواقع من أحد ذلك إلا ما روي عن رسول الله، ﷺ ، أنه أخرجه من نص الآية وذلك النافلة، ولا يخرج عن نصها شيء غيره.
стр. 5
وقلت أنت إن مالكا، ﵁، قال بغاية الجهل، والجهل بك أقرب، حين اتبع ما روى عن رسول الله، ﷺ ، لم يزد عليه ولم يقصر عنه، وقلت أنت يصلّى فيها ما صلاه رسول الله، ﷺ [٣ و] فتخرج الصلاة التي صلاها في الكعبة، رسول الله، ﷺ ، عن نص الآية كما أخرجها رسول الله، ﷺ . ثم قلت أنت برأيك: ويخرج عن نص الآية ما لم يخرجه رسول الله، ﷺ ، وهي الصلاة المفترضة، فتصلّى في الكعبة، وإن كان رسول الله، ﷺ ، لم يصلّها فيها.
ما يحلّ للمحرم قتله وما لا يحلّ
وأيكما أتبع لحديثه عن رسول الله، ﷺ ، مالك، ﵁، حين قال: لا تقتل الحمر من الدواب إلا ما أمر رسول الله، ﷺ ، بقتله، وذلك الخمس التي أمر رسول الله، ﷺ ، بقتلها، أم أنت حين قلت مثل الحمر التي أمر رسول الله، ﷺ ، بقتلها؟ وقلت أنت برأيك، ويقتل ما هو أضر منها، مما لا يأمر رسول الله، ﷺ ، بقتلها أولى بالقتل من التي أمر رسول الله، ﷺ . وزعمت أنه لا حرج على من قتل التي أمرت بقتلها برأيك. ورسول الله، ﷺ ، قد جعل عليه الحرج في قتلها لقوله: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح" فإنما أسقط
стр. 6
صلى الله عليه وسلم، الجناح عمن قتل الخمس خاصة، وألزم الجناح من قتل غير من أمر رسول الله، ﷺ ، بقتلهن.
السلب للقاتل
وأيكما أتبع لما روي عن رسول الله، صلى الله عليه [٣ ظ] وسلم، مالك ﵁، حين أمر بالسلب للقاتل، باجتهاد الامام، واتبع قي ذلك لحمله حديثه عن رسول الله، ﷺ ، أم أنت حين فصّلت السلب، فجعلته ضربين برأيك، فقلت: من قتل مشركا مولّيا فلا شيء له في سلبه، ومن قتل مقبلا، فله سلبه؟ فمنعته مرة وأعطيته أخرى، وجعلته أنت برأيك مفصلا منوّعا، ورسول الله، ﷺ ، أمر به مجملا، لا مفصلا ولا منوّعا. وأنت تزعم أنك تتبع حمله حديث رسول الله، ﷺ ، وأنت قد قلت في كتاب: اختلاف الأحاديث من كتبك في باب الخلاف في قتل المؤمن بالكافر، وذكرت أ، مخالفك قال: يقتل مؤمن بكافر معاهد، للحديث وهو لا يقتل بقتله المعاهد المستأمن، فكان من حجتك عليه أن قلت أنت له، كيف استجزت أن فرّقت بين المعاهدين والمستأمنين بالحديث، فاستجزت أن ادعيت ما ليس فيه، ثم سرت أنت إلى مثل ما أنكرت، فادعيت في الحديث ما ليس فيه،
стр. 7
وزعمت أن رسول الله، ﷺ ، حكم فيه للقاتل، وأنكرت قول مالك إن ذلك على اجتهاد الأول. وفي الحديث دلائل كثيرة أن ذلك على اجتهاد الامام كما قاله مالك ﵁.
ولوغ الكلب في الطعام
وأيكما أتبع لحديث رسول الله، ﷺ [٤ و] مالك ﵁، حين قال في الكلب يلغ في الطعام إن الاناء يغسل سبع مرات، كما قال رسول الله، ﷺ ، ولم يسمه نجسا، ولا سمى الطعام نجسا، إذ لم يرو عن رسول الله، ﷺ ، أن سماه نجسا، وأمر بأكل الطعام أخذا بكتاب الله لقوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وهي لا تمسك الا بأفواهها فأمر بأكل ما ولغت فيه الكلاب، لكتاب الله ، إذ لم يرو عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: إن ما ولغت فيه من الطعام نجس وأمر بغسل الاناء سبعا بأمر رسول الله، ﷺ ، وذلك إلى أنه وغيره متعبدون بالطاعة لرسول الله، ﷺ ، لا بتكلّف حجة في اتباع ما أمر به ﷺ ، ولا بإدخال شيء في حديثه ليس هو فيه أم أنت حين أدخلت فيه ما ليس فيه، وأمرت أنت بما لم يأمر به رسول الله، ﷺ ، فيما رويت عنه فقلت: فإذا كان الكلب يشرب في الاناء فينجس حتى يجب غسله سبعا، فالماء أولى بالنجاسة من الماء الذي إنما نجس
стр. 8
بمماسة الماء إياه. فسميت الاناء نجسا، والماء نجسا، ولم يرو عن رسول الله، ﷺ ، أنه سماهما نجسين، وزعمت أنت أن الماء الذي سميته أنت نجسا برأيك، أولى أن يكون نجسا من الاناء الذي أمر رسول الله، صلى الله عليه [٤ ظ] وسلم، بعسله سبعا. وزعمت أن الاناء يلغ فيه الكلب لا يغسل سبع مرات، ولا مرة واحدة إذا كان ما فيه من الماء أكثر من قلتين، تحقيقا منك. فإن الاناء إنما نجس بالماء فيما دون القلتين، وأن الماء في ذاته نجس، فسلكت به مسلك النجاسات، ورسول الله، ﷺ ، فرق بيت الاناء يلغ فيه الكلب، وبين غيره من الذي سماه نجسا، لأنه دعا صبيا فأجلسه فبال على فخده، فأتبعه الماء، ولأنه أمر ببول الاعرابي الذي بال في مسجده ﷺ ، أن يصبَّ عليه دلو من ماء، ولم يأمر أن يصَّب الماء عليه سبع مرات، ولا أن يغسل سبع مرات، فأخرج الاناء يلغ فيه الكلب من طريق حكمه في النجاسات، وساويت أنت بين ذلك بأن سميته نجسا كله، وقلت برأيك: إن الاناء يغسل إذا ولغ فيه الخنزير كما يغسل إذا ولغ فيه الكلب، بل ما اقتصرت على ذلك، على أنك قد أدخلت في حديث النبي ﷺ ما ليس فيه، حتى قلت إن الخنزير إن لم يكن شرا من الكلب فليس أحسن حالا من الكلب، ورويت أن رسول الله، ﷺ ، أمر أن يغسل الاناء سبعا، في احدى الغسلات السبع تراب. ثم قلت برأيك، فإن لم يجد ترابا فبأتبان أو نخالة، فجعلت الأتبان والنخالة بدلا من التراب، وقلت في كتاب [٥ و] الطهارات من كتبك في باب التراب الذي يتيم به: وإذا كان التراب مختلطا بنورة أو بتبن رقيق أو
стр. 9
بدقيق أو بحنطة أو غيره، لم يتيمم به، حتى يكون ترابا محضا، لأن الله ﵎ قال: "فتيمموا صعيدا طيّبا" فجعلت النخالة والتبن بدلا من الصعيد، بل قلت إن ذلك إن اختلط بالصعيد لم يتيمم به. وجعلت النخالة والأتبان بدلا من الصعيد في غسل الاناء به وفرّقت بينهما، وكل ذلك لا لشيء رويته في حديثك عن رسول الله، ﷺ .
العمرى
وأيكما أشد إعظاما لحديث رسول الله، ﷺ ، وألا يدخل فيه ما ليس منه، مالك، ﵁، حين روى عن جابر بن عبد الله أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" فقال إذا قال
стр. 10
المعمر مثل ما قال رسول الله، ﷺ ، ولفظ مثل لفظه، وشرط مثل شرطه، وجب بذلك المعمر ما أوجبه له رسول الله، ﷺ ، وإن خالف لفظه لفظ رسول الله، ﷺ ، وخالف شرطه شرط رسول الله، ﷺ ، وخالف قوله قول رسول الله، ﷺ ، فقال: قد أعمرتك [٥ ظ] حياتك، فلم يقل أعمرتك عمرى لك ولعقبك، لم يجب له ما أوجبه رسول الله، ﷺ ، فقلت أنتيجب له مثل ما أوجبه ﷺ لمن قد قال: قد أعمرتك عمرى له ولعقبك. ففي قولك هذا إن من قال مثل ما قال رسول الله، ﷺ ، ولفظ بلفظه وشرط بمثل شرطه، فقال: قد أعمرتك عمرى لك ولعقبك، أو خالف ما قال رسول الله، ﷺ ، فقال: قد أعمرتك حياتك، إنهما سواء وإنما احتججت في ذلك بجديثك عن مالك ﵁، فزعمت أن مالكا خالفه، وأنك أنت اتبعته. وزعمت أن قولك هذا حجتك فيه، السنة الثابتة عن رسول الله، ﷺ ، ثم احتججت بحديثك عن مالك عن جابر عن رسول الله ﷺ ، وزعمت أن حجتك في إبطال شرط العمرى إبطال رسول الله ﷺ ، إبطال شرط المعتق إذا أعتق، وشرط الولاء لغيره، ومشترط الولاء فيما غيره أعتقه رسول الله، ﷺ ، أبطله تصريحا. فهل وجدت في شرط المعمر ان رسول الله، ﷺ ، أبطله تصريحا؟ أنت تريد أن تبطل الشروط كلها ما وافق منها كتاب الله عز اسمه، وسنة نبيه ﵇، بإبطال رسول الله،
стр. 11
صلى الله عليه وسلم، الشرط في الولاء، وتجيز الشرّوط في عمر العمرى. [٦ و] وقد بينا مخالفتك لما رويت عن رسول الله، ﷺ ، في العمرى، في باب العمرى من كتاب ردك على مالك، ﵁.
في زكاة التمر والحنطة
وأيكما أتبع لما روي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله، ﷺ ، وأشد إعظاما لحديثه مالك حين روى عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" فقال مالك، رضى الله عنه، اتباعا لأمر رسول الله، ﷺ ، إن التمر يجمع في الصدقة بجميع أسمائه وأجناسه، فتؤخذ منه إذا بلغ خمسة أوسق، الصدقة، ولا تؤخذ مما هو أقل من خمسة أوسق. وروى حديثا آخر عن أبي سعيد الخدري أيضا أن رسول الله، ﷺ ، قال: (ليس فيما دون خمية أوسق صدقة) ولم يقل من بّر ولا من شعير ولا من سلت ولا من هذا وهذا، فأعظم بمالك أن يقول: إن رسول الله، ﷺ ، جمع الحنطة والشعير أو الحنطة
стр. 12
والشعير والسلت في الزكاة أو أفرد كل واحد منها في الزكاة، ولم ينسب إلى رسول الله، ﷺ ، ما ليس في حديثه، واتبع ما روى فيه عن أصحاب رسول الله، ﷺ ، ولم يجد فيه شيئا بها منصوصاعن رسول الله، ﷺ ، فمالك، رضى الله عنه، أشد إعظاما لرسول الله [٦ ظ] ﷺ ، ولحديثه ويتحرج أن يتناول منه ما ليس فيه، أو يدعيه، أم أنت حين زعمت أن الحنطة والعلس يجمعان في الزكاة، وسميت الحنطة باسمين، وجعلتها صنفين، وأمرت فيها بأمرين، ورسول الله، ﷺ ، سماها باسم واحد، وجعلها صنفا واحدا، وأمر فيها بأمر واحد، فخالفت أنت ذلك كلّه، وقلت في كتاب الزكاة من كتبك في باب تفريع زكاة الحنطة "الحنطة صنفان: صنف حنطة تداس حتى يبقى حبّها مكشوفا، لا حائل دونه من كمام، فإذا بلغت خمسة أوسق ففيها الزكاة وصنف حنطة علس إذا أراد أهلها استعمالها، ففيها، إذا خرجت من كمامها الثاني، وهي الأشقى بها عند ذلك، الزكاة إذا بلغت خمسة أوسق وما لم تخرج من كمامها الثاني فلا زكاة فيها حتى تبلغ عشرة أوسق. وقلت لصاحبها الخيار فإن أحب أخرجها من كمامها الثاني فأخرج من خمسة أوسق ما وجب فيها، وإن أحب لم يخرجها من كمامها الثاني وأخرج من عشرة أوسق ما وجب فيها الزكاة. فأين وجدت
стр. 13
أنت هذا في سنة رسول الله، ﷺ ، للحنطة هذين الاسمين؟ وأين وجدتها في سنة رسول الله، ﷺ ، صنفين؟ وأين وجدت في سنة رسول الله، ﷺ ، أنه أمر فيها [٧ و] بأمرين: فمرة من خمسة أوسق، ومرة من عشرة أوسق، وكل هذا مما لم نجده في سنة رسول الله، ﷺ ، ولا منصوصا عنه. وكان أحق عليك أن تخالف ما رويت فيوافق وجها واحدا نهى رسول الله، ﷺ ، عنه، من أن يوافق وجهين نهى عنهما رسول الله، ﷺ ، أحدهما أن يقول لم يرو عنه، والآخر أن يزعم أن ذلك في سنته.
المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا
وأيكما أتبع لما روى عن رسول الله، ﷺ ، وأشد إعظاما لحديثه، وأن يدخل فيه ما ليس منه، مالك، ﵁، حين روى عن ابن عمر، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "البيّعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه مالم يتفرقا" وروي عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" وروي عن ابن عمر
стр. 14
أن رسول الله، ﷺ ، نهى عن بيع حبل حابلة، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية. كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تتبع الناقة ثم يبيع الذي في بطنها. فذهب مالك إلى حديثه عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ ، قال: "المتبايعان بالخيار، وكل واحد منهما بالخيار على [٧ ظ] صاحبه مالم يتفرقا". إن هذا حديث غير منصوص، إذ لا حدّ فيه لوقت التفرّق وإذ لا يدريان متى يتفرقان وإن التفرق قد يقع على التفرق بالكلام دون الأبدان في كتاب الله ، وفي لسان العرب، ويقع على التفرق بالأبدان. وإن حديث ابن عمر عن رسول الله، ﷺ ، في نهييه عن بيع الطعام حتى يستوفى، منصوص، لأن رسول الله، ﷺ ، أباح لمشتريه بيعه، حين يستوفيه وملكه إياه حين أباح له بيعه وإن رسول الله، ﷺ ، نهى عن بيع حبل حابلة في حديثه عن ابن عمر، إذ هو مجهول، وقد يباح بيع حبل الحابلة، وإن وقت التفرق بالابدان مجهول، فأخذ بما يوافق ما روى عن ابن عمر عن رسول الله، ﷺ ، منصوصا في حديثه، وترك له المجمل غير المنصوص. وزعمت أنه التفرق بالأبدان، واحتججت أنت بحديث مالك على مالك، وليس في حديثه عن عبد الله بن عمر أنه التفرق بالأبدان، كما زعمت، وإذا قلت إن التفرق هو التفرق بالأبدان فيه، زعمت أن مبتاع الطعام إذا استوفاه، لا حق له فيه، ولا له أن يبيعه حتى
стр. 15
يتفرقا بالأبدان. ورسول الله، ﷺ ، ملّكه إياه وأباح له بيعه حين يستوفيه، وأنت منعته بيعه وإن استوفاه [٨ و] ورسول الله، ﷺ ، ملّكه إياه حين أذن له في بيعه، وأنت لم تملّكه إياه بل ملّكه البائع، ورسول الله، ﷺ ، ملّكه المشتري. فقلت، إن لبائعه أن يبيعه ممن أحب بعد أن يستوفيه مشتريه منه ويكتاله لنفسه مالم يتفرقا بالأبدان، واحتججت بالسنة بزعمك. وليس في السنة ما قلت من أن تفرق المتبايعين في ذلك هو تفرقهما بالأبدان، وإنما زعمت أن ابن عمر كان إذا ابتاع الشيء فأعجبه فارق صاحبه فمشى قليلا. فاحتججت بفعل ابن عمر على مالك وزعمت أنه خالف ما روى عن ابن عمر عن رسول الله، ﷺ ، وليس فعل ابن عمر الذي ذكرته في حديثه عن ابن عمر وزعمت أنه خالف وزعمت أن فعل ابن عمر سنة، وابن عمر لم يرو ذلك عن رسول الله، ﷺ ، وليس هو من حديث مالك، ﵁، وإنما هو من حديثك عن سفيان فزعمت أن مالكا خالف سنة رواها مالك عن رسول الله، ﷺ ، وأنت إنما رويت ذلك عن سفيان عن ابن عمر فعلا من ابن عمر، لا رواية منصوصة عن رسول الله، ﷺ ، ونحن لا نشك ان ابن عمر لم يخالف [٨ ظ] ما روى عن رسول الله، ﷺ جهده واسطا ولكن فعل ابن عمر لم يروه مالك، ﵁، فتحتج به عليه أنه رواه وتركه، ولا أتى عن ابن عمر في فراقه البائع ولا مشيه قليلا، كم ذلك المشي القليل، ولا هل كان لا يعد الفراق فراقا
стр. 16
حتى لا يرى بعضهما بعضا، أو كان يراه فراقا إذا فارقا الموضع الذي فيه تبايعا، أو كان إنما يراه فراقا للموضع وتباعد بعضهما عن بعض، ولا لذلك البعد عنه عندنا حد محدود. وقد احتججت أنت بحديثك عن أبي برزة عن رسول الله، ﷺ ، وصار احتجاجك به حجة عليك لأنك رويت أن أبا برزة حكم للذين اختصما إليه بعد أن تبايعا ومضى يومهما وليلة يومهما الثاني ويومهما الثالث إلى الوقت، اجتمعا عنده فإنهما لم يتفرقا، وهما قد فارقا الموضع الذي فيه تبايعا قبل ذلك بيوم وليلة اليوم الثاني، فعارضت بحديثك عن أبي برزة حديثك عن ابن عمر وكذلك احتججت بحديثك عن حكيم بن حزام عن رسول الله، ﷺ ، وهو حجة عليك ومعارض لحديثك عن ابن عمر. وقد روى عمر بن الخطاب عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "الذهب بالورق ربا إلا ها وها" ولم يقل حتى يتفرقا. وروى أبو هريرة عن رسول الله، ﷺ ، أنه نهى عن بيع الحصاة [٧ و]. وبيع
стр. 17
الحصاة كان أهل الجاهلية يتبايعونه يأخذ أحدهم حصاة في يده ثم يقول إذا وقعت منه الحصاة فقد وجب البيع بيني وبينك فتهى ﷺ ، عت هذا البيع، لأن وقوع الحصاة مجهولة وقوعها من يده. فكذلك الافتراق بينهما مجهول ذلك.
التطيب قبل الاحرام بالحج
وأيكما أشد إعظاما لحديث رسول الله، ﷺ ، وتورعا عن أن يحتج بما ليس فيه، أو يدعيه، أو يخالف ما وجد منصوصا فيه مالك، ﵁، حين روى عن عائشة أنها قالت: كنت أطيب رسول الله، ﷺ ، لاحراه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت؟ ولم تقل عائشة، ﵂، كنت أطيب رسول الله، ﷺ ، لاحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت بطيب تبقى رائحته أو بطيب لا تبقى رائحته، فننتهي إلى قولها فلما لم نجد في حديثه عن عائشة أكان الطيب الذي طيب به رسول الله، ﷺ ، مما تبقى رائحته بعد إحرامه أو مما لا تبقى رائحته بعد إحرامه بما تبقى ريحه بعد إحرامه. وتدّعي أن ذلك
стр. 18
في حديثه، في سنة رسول الله، ﷺ ، وهو ليس فيها. أو تمنع من الطيب الذي تبقى ريحه بعد الاحرام، وتدعي أن ذلك في حديثه، في سنة رسول الله، ﷺ . [٩ ظ] وتوقف مالك عن الطيب الذي اختلف فيه، وهو الطيب الذي يبقى ريحه بعد الاحرام، فلم يأمر به ولم ينه عن الطيب الذي لا اختلاف فيه أنه جائز قبل الاحرام، وهو الطيب الذي لا يبقى ريحه بعد الاحرام، فأجازه ولم نجد في حديثه لريح طيب رسول الله، ﷺ ، نصا منصوصا فننتهي إليه، ووجد لريح الطيب بما في حديثه عن عمر منصوصا، فأخذ به فيما لم يجد عن رسول الله، ﷺ ، نصا منصوصا. وأما أنت فقلت إنك تستحب الطيب قبل الاحرام بما يبقى ريحه بعد الاحرام، وزعمت أن حجتك في ذلك ثبوت السنة فيه عن رسول الله، ﷺ ، فادعيت في السنة ما ليس فيها، وسميت تأويلك الذي تأولته، وقولك الذي قلته برأيك، سنة ثابتة عن رسول الله، ﷺ ، ومتى وجدت في سنة رسول الله، ﷺ ، أنه تطيب قبل الاحرام بطيب يبقى ريحه بعد الاحرام، تصريحا كما ادعيته أنت في سنة رسول الله، ﷺ ، تصريحا، وأنت لا تنكر أن الطيب إنما يتفاوت في طيبه بتفاوت ريحه، فمنه ما لا يكاد يؤخذ ريحه لضعفه وضعف عنصره، ومنه ما يبقى ريحه يوما، ومنه ما يبقى ريحه أياما، فإن احتججت بأن تقول إن قول عائشة: "كنت أطيب رسول الله، ﷺ ، لاحرامه [١٠ و] قبل أن يحرم" يدل على أنها إنما طيّبته في حين يجوز له فيه الطيب، ليبقى له ريحه في الحين الذي لا يجد سبيلا إلى أن يبتدئ فيه طيبا، قيل لك فإن كان إنما كان تطيب رسول الله، ﷺ ، قبل الاحرام، ليبقى له ريح الطيب بعد الاحرام، من أجل أن الاحرام يمنعه ابتداء الطيب، فقد قالت [عائشة] ولحله، قبل أن يطوف بالبيت، فلأي شيء قالت ولحلّه، قبل أن يطوف بالبيت؟
стр. 19
والطيب مباح له بعد أن يطوف بالبيت. وقد قال مالك رضى الله عنه، : إن تطّيب قبل أن يطوف، وبعد أن رمى جمرة العقبة فلا شئ عليه، حذرا من خلاف ما روي عن رسول الله، ﷺ .
قال أبو بكر وروي عنه ﷺ ، أنه تطّيب لاحرامه قبل أن يحرم، ثم طاف على نسائه، ثم اغتسل، فكان غسله ذاهبا لما تقدك من طيبه ﷺ .
الجمع في الصلاة
وأيكما أشد إعظاما لحديث رسول الله، ﷺ ، وأورع عن أن يدعي ما ليس فيه، بأن يحتج به في شيء ليس هو منصوص فيه، ثم ينسب حجته تلك إلى حديثه عن رسول الله، ﷺ ، وهى ليست في حديثه عنه، مالك، ﵁، حين روى عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول الله، ﷺ ، الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعا في غير خوف ولا سفر، فإذا الحديث [١٠ ظ] كما سمعه، وورع أن يروي عن رسول الله، ﷺ ، رواية مفسرة، منصوصة ينسبها إلى رسول الله، ﷺ ، كيف جمع بينهما، هل أخّر الظهر إلى العصر، أو قدّم العصر إلى الظهر، أو أخر المغرب إلى أول وقت العشاء، أو قدم العشاء إلى وقت المغرب؟ وتوقف عن أن يأمر بالجمع بينهما، ويحتج في ذلك بحديثه عن رسول الله، ﷺ ، فيأمر بتأخير ظهر
стр. 20
إلى عصر أو بتقديم عصر إلى ظهر، وفي المغرب والعشاء كذلك. ثم يدعي أن حجته في ذلك عن رسول الله، ﷺ ، أن يدعي ما ليس في حديثه عن رسول الله، ﷺ ، وروى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يجمع مع الأمراء بين المغرب والعشاء إذا جمعوا، فذهب مالك، ﵁، إلى فعل ابن عمر، أنه كان إذا جمع الأمراء جمع معهم. وغير ابن عمر مع ابن عمر يجمع معهم بالمدينة، وهى دار رسول الله، ﷺ ، وموضع هجرته وهجرة أصحابه، رضى الله عنهم، يقوم مقام الاجماع بالمدينة، فاتبع ما رواه عنهم إذ وجده منصوصا في الحديث عنهم في المغرب والعشاء، وأدرك العمل عليه قائما كما أدرك العمل في الجمع بين الظهر والعصر [١١ و] وبين المغرب والعشاء قائما، معمولا به في السفر، وأخذ بما أدرك عليه العمل في ذلك بالمدينة، في السفر، وعلم ما عملوه في الجمع بين المغرب والعشاء والظهر والعصر كيف جمع رسول الله، ﷺ ، بينهما في السفر، لاتصال العمل به بعد رسول الله، ﷺ ، بالمدينة، فقال بما روى وبما أدركه قائما من عملهم. أو أنت حين احتججت بالحديث وزعمت أن مالكا خالفه، وحجتك ليست في الحديث، وإنما ادعيت ما ليس منصوصا فيه عن رسول الله، ﷺ ، كيف كان جمعه ﷺ ، في غير خوف ولا سفر، وإنما تكلمت في ذلك برأيك، وزعمت أنه في حديثك عن رسول الله، ﷺ ، ويزيد ذلك شرح النبي، ﵇، وقت الأوقات، جمع بين الظهر والعصر في السفر معلوماً
стр. 21
جمعه، وجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فكان جمعه بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وبين المغرب والعشاء، في وقت العشاء. ولم يصف عبد الله بن عباس، ﵁، في أي وقت جمع ﷺ ، لأنه لا يجوز لنا تأخير ما عجّل رسول الله، ﷺ ، ولا تعجيل ما أخّر، إذ لم يعسر الجمع. كيف (١١ ظ] هو توقف عن استعمال الخبر. وكان المواقيت أولى بنا.
التحريم بالرضاع
وأيكما أشد إعظاما لحديث رسول الله، ﷺ ، وأبين تورعا عن أن يستجيز ادعاء ما ليس فيه، مالك، ﵁، حين روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت: "كان فيما أنزل الله ﵎، في القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله، ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن" وروي عن عروة عن عائشة أن رسول الله، ﷺ [قال]: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة." وروي عن ابراهيم بن عقبة أنه سأل سعيد بن المسيب
стр. 22
وعروة بن الزبير، عن الرضاعة، فكلاهما قال ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة فهي تحرّم. وروي عن عروة عن عائشة أن رسول الله، ﷺ ، أمر سهلة أن ترضع سالما خمس رضعات فتحرم بهن مكانهن، حديثه عن عمرة عن عائشة أنها قالت: "كان فيما أنزل الله، ﵎، في القرآن، عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخن بخمس معلومات" إن قولها معلومات العدد وليس في الحديث لقول عائشة معلومات فنسخن مبينا ولا نصا مخلصا فننتهي إليه، وروي عن عروة عن عائشة [١٢ و] أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب." فذهب إلى أن حديث عروة هذا يجمع الرضاعة قليلة وكثيرة وأنه موافق لقول الله، ﵎: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ فسماهم بالرضاعة أخوات، من غير استثناء لقليل الرضاعة من كثيره. فقال عروة إن الرضاع يحرّم وإن كان قطرة واحدة. وذهب مالك، رضى الله عنه، إلى أن عروة هو راوي حديث عائشة أن رسول الله ﷺ ، أمر سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات وهو القائل: ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة فهي تحرّم. وإنه أولى بمعرفة ما روى عن عائشة، لأن له فضل السماع
стр. 23
منها والعلم بما سمع، فاتبع [مالك] من حديثه عن عائشة ما وجد عروة اتبعه من حديثه عن عائشة ما وجد عروة اتبعه من حديثه عنها، ورآه حديثا مستغنيا عن أن يتكلف له التفسير بالرأى، أم أنت حين تركت حديث عائشة عن رسول الله، ﷺ ، الذي هو موافق لما في كتاب الله، عز اسمه، وكلام عروة الذي رواه عنها وهو مستغنى عن أن يتكلف له التفسير، وأخذت أنت بزعمك، بحديثك عن مالك، ﵁، عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل الله، عز اسمه، من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن ثم نسخن بخمس [١٢ ظ] معلومات، فتكلفت أن تفسر برأيك قولها، فقلت في كتاب الرضاع من كتبك في باب ما يحرم من النساء بالقرابة والرضاعة إلا خمس رضعات، وذلك أن يرضع المولود ثم ينقطع الرضاع، ثم يرضع ثم ينقطع. قال: إن انقطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر فهي رضعة وإذا ألقم الثدي أو لها بشيء ثم عاد، كانت رضعة واحدة. ثم نقضت قولك هذا فقلت: ولا ينظر إلى قليل الرضاع ولا كثيره، إذا وصل إلى جوفه، فهي رضعة، بعد أن قلت إنه إذا رضع ثم قطع الرضاع ثم عاد لمثلها أو أكثر، فهى رضعة، وهذا خلاف قولك: إنه لا ينظر إلى قليل الرضاع ولا إلى كثيره إذا وصل إلى جوفه فهى رضعة، لأنه إذا رضع ثم قطع الرضاع، فينبغي في قولك أن يكون رضعة، لأنه قد وصل إلي جوفه، ثم تكون عودته إلى الرضاع ثابتة لأنك قد زعمت أن ما وصل إلى جوفه من قليل أو كثير فهى رضعة. ثم قلت ولو أخذ ثديها الواحد فأنفد ما فيه، ثم تحوّل إلى الأخر فأنفد ما فيه، فهي رضعة واحدة. فلم تجعل ما وصل إلى جوفه من أحد الثديين، وهو
стр. 24
قد أنفد ما فيه رضعة لما تحول إلى الثدي الآخر، فأنفد ما فيه، وجعلت ما أنفد في الثدي الأول ثم في الثاني رضعة واحدة، وأنت قد قلت ما وصل إلى جوفه من قليل [١٣ و] أو كثير، وإن كانت قطرة، فهي رضعة.
ثم قلت والرضاع قد يكون بقية النفس والارسال والعودة: "كما يكون الحالف لا يأكل بالنهار إلا مرة، فيكون يأكل ويتنفس بعد الازدراد [إلى أن يأكل] فيكون ذلك أكل مرة [وإن طال] ". فشبهت الرضاع بالأكل ومثلته به وقلت إن الآكل إذا كان يأكل ويتنفس بعد الازدراد فهو أكل مرة قبله أنه قد أكل ووصل إلى جوفه ما أكل وازدرد فوصل ما ازدرد إلى جوفه وتنفس بعد الازدراد، فجعلت ذلك كله أكلة، وأنت قد قلت: ما وصل إلى جوف الصبي فهو رضعة، ولم تقل ما وصل إلى جوف الآكل، وإن كان لقمة واحدة، أكلة، كما جعلت ما وصل إلى جوفه رضعة، وإن كانت قطرة، فمرة شبّهت الأكل بالرضاع، ومرة جعلت كل قطرة تصل إلى جوف الصبي رضعة، ومرة لم تجعل انفاده ما في الثدي الواحد رضعة، ومرة لم تفرق بين قليل الرضاع وكثيره. وكل هذا إنما قلته برأيك وفصّلته من قبلك بلا شيء. ووجدته في حديثك منصوصا عن رسول الله، ﷺ . وأنت بحديثك عنه احتججت، وبما فيه زعمت أنك أجدت، وتورّع مالك، ﵁، عن كل هذا، ولم تستجز أن ينسبه إلى
стр. 25
رسول الله، صلى الله [١٣ ظ] عليه وسلم، ولا احتج به على أنه في حديثه عنه. وإنما دخل حديث عائشة في الخمس الرضعات لك، وكل هذا الاضطراب من قولك، والتناقض في مذهبك، إنما اضطرك إليه طلبك أن تبينّ ما أرادت عائشة، ﵂، بقولها: معلومات. وعرف مالك، ﵁، ما يدخل ذلك فتوقف عنه، ولم يدّع ما ليس في الحديث.
النهي عن تغطية رأس المحرم
وأيكما أتبع لما روي عن رسول الله، ﷺ ، وأشد حذرا من خلافه، مالك حين روى عن عثمان بن عفان ﵁، أنه غطى وجهه بالأرج وهو محرم، بقطيفة أرجوان وروى عن ابن عمر أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. وروى أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله، ﷺ ، لعمرو بن حزم في العقول، إن في الموضحة خمسا من الابل، فذهب إلى الأخذ بما رواه عن ابن عمر، لأن ابن عمر قد رأى أن الوجه، والرأس رأس كلّه، إذ نهى المحرم أن يغطي ما فوق ذقنه. وإذ روى أن رسول الله، ﷺ ، نهى أن يغطي المحرم رأسه، في حديثه، عنه، والموضحة إنما هي في الوجه والرأس فكانت الموضحة عنده أصل ما تكلم فيه إن الموضحة مروية عن رسول الله، صلى الله [١٤ و] عليه وسلم.
стр. 26
وزعمت أنت أن الوجه غير الرأس، وأن الله، ﵎، فرّق بينهما فأمر بغسل الوجه، وأمر بمسح الرأس. وأمر رسول الله، ﷺ ، بمن مات محرما أن يكشف عن رأسه ووجهه، فرددت بهذا قول مالك، ﵁، في حديثك عن عثمان، في كتاب ردك على مالك ثم نقضت قولك هذا كله، وقلت في كتاب الديات والقصاص، في باب ما لا يجب فيه أرش من كتبك: إن خراج البدن مخالف لخراج الرأس، لأن النبي، ﷺ ، قضى في الموضحة بخمس من الابل، ثم قلت والذي يحفظ عمن لقيت أن الموضحة في الوجه والرأس، وأن الرأس والوجه رأس كله، لأنه إذا قطع قطعا معا، وإن كان يتفرقان في الوضوء فالرأس إذا ذهب ذهب الوجه، فمرة احتججت بكتاب الله ﵎، وسنة رسول الله ﷺ ، في التفريق بين الوجه والرأس؛ ومرة خالفت ما رويت عن رسول الله، ﷺ ، فزعمت أن الرأس والوجه رأس كله، بعد أن زعمت أن رسول الله، ﷺ ، فرّق بينهما فأمرت بمن مات محرما ان يكشف عن رأسه دون وجهه. وإن الله ﵎، فرق بينهما في كتابه، فأمر بغسل الوجه [١٤ ظ] ومسح الرأس.
وأما مالك، ﵁، فلم يختلف قوله، ولم يخالف ما روى عن رسول الله، ﷺ .
стр. 27
النهي عن مسك عصمة الزوجة الكافرة
وأيكما أتبع لما روي عن رسول الله، ﷺ ، مالك، ﵁، حين روى أن صفوان بن أمية هرب من الاسلام، ثم جاء النبي، ﷺ ، وشهد حنينا والطائف، مشركا وأمرأته مسلمة، واستقر على النكاح، وروى عن ابن شهاب الزهري أنه قال: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله، عز اسمه، وإلى رسوله، ﷺ ، فرّقت الهجرة بينها وبين زوجها إذا أتى زوجها مسلما، قبل أن تنقضي عدتها.
وقال مالك في الرجل يسلم قبل امرأته إنه يعرض عليها الاسلام، فإن أسلمت وإلا فرّق بينهما. واحتج في ذلك بكتاب الله، عز اسمه، حيث يقول: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ قال مالك: فلا يمسك مسلم بعصمة كافرة ولا تبقى عصمة مسلمة لكافر، إلا على ما روي عن رسول الله، ﷺ ، أما عصمة المسلمة للكافر فحتى تعتد، وأما عصمة الكافرة للمسلم ففي قدر ما يعرض عليها الاسلام، وذلك فيما هو يقارب إسلام هند من إسلام أبي
стр. 28
سفيان لا يزاد على ذلك ولا يخرج منه عنه، ولا يعدى إلى غيره [١٥ و].
وزعمت أنت أن إسلام الزوج قبل زوجته، والزوجه قبل زوجها سواء، لا فرق بينهما إلا بانقضاء العدة، وقلت وكان بين اسلام هند وإسلام أبي سفيان أيام، فزعمت أنه إنما كان بين إسلام أبي سفيان وإسلام هند، أيام، فأقرَّهما رسول الله، ﷺ ، على نكاحهما. وأقررت أنت مثلهما على نكاحهما وإن كان بين إسلامهما أعوام، لأنك جعلت أنت أن للرجل أن يتمسك بعصمة الكافرة ما لم تنقض عدتها، وقد لا تنقضي إلا في أعوام، في قولك، لأنك قلت في كتاب العدة: إن عدة المطلقة بالحيض، فإن كانت إنما تحيض، في كل سنة، حيضة فلابد لها من ثلاث حيضات وإن استكملت في ذلك ثلاث سنين. فجعلت الزوج إذا أسلم قبل زوجته أحق بها ما بينه وبين انقضاء عدتها، برأيك، لا بخبر أتيت به عن النبي، ﷺ ، وإنما رويت العدة عن النبي، ﷺ ، في إسلام المرأة قبل زوجها بخير لا يثبت عندك مثله، فأخذت به وأما مالك، ﵁، فاتبع الرواية المأثورة عن رسول الله، ﷺ ، في إسلام صفوان بعد إسلام زوجته، وفي إسلام هند بعد
стр. 29
إسلام زوجها [١٥ ظ] فبم يجعل الزوج أحق بزوجته إذا أسلمت قبله إلا فيما بينها وبين انقضاء عدتها، ولم يجعل للزوج التمسك بزوجته إذا أسلم قبلها، إلا مثل العذر الذي كان قبل اسلام أبي سفيان وإسلام هند، ومنع ما زاد على ذلك بكتاب الله، عز اسمه، لقوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. فلم يجعل مالك رضى الله عنه، للزوج التمسك بعصمة كافرة إلا مثل ما جعل له رسول الله، ﷺ ، من التمسك بها لا أكثر من ذلك.
تصحيف أسماء بعض الرواة
وقال الشافعي: صحّف مالك في عمر بن عثمان، إنما هو عمرو بن عثمان وفي عبد الملك بن قريب وإنما هو عبد العزيز بن قريب. قال أبو بكر: ليس الأمر على ما قال ولو أن الشافعي صحب مالكا، رضى الله عنه، كما صحبه غيره من أصحابه، وإنما الوهم والتصحيف عمن نقل عن مالك، لأن ضبطهم في نقلهم ليس بواحد. قد حدثني يحيى بن عمر قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن على بن الحسين عن عمرو أو عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد أن رسول الله، ﷺ ،
стр. 30
قال: "لا يرث المسلم الكافر" قال لي يحيى بن عمر [١٦ و] الشك من يحيى بن عبد الله بن بكير.
وحدثني يحيى بن عمر قال حدثني سحنون بن سعيد والحارث بن مسكين قالا: حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد بن حارثة، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا يرث المسلم الكافر".
وحدثني يحيى قال حدثني أبو الطاهر قال حدثنا عبد الله بن وهب، قال حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد إلى آخر الحديث.
стр. 31
وحدّثت عن ابن أبي مريم قال سمعت يحيى بن معين يقول: قال لي عبد الرحمان بن مهدي قال لي مالك بن أنس: [اني] لأعرف دار عمر من دار عمرو، هذه دار عمر وهذه دار عمرو. وقال ابن أبي مريم فقلت ليحيى بن معين، فكيف حدثكم معين بن عيسى، قال كان يقول: عمر. وأما ما ذكر أنه عبد العزيز بن قريب، فقيل ليحيى بن بكير: إن يحيى بن معين يقول: هو عبد الملك بن قريب، وهو الأصمعى، فقال يحيى بن بكير: غلط يحيى بن معين. كان ابن اخيه عندنا بمصر، وكان الدراوري يروي عن أبيه، فقلت له: عمك اسمه؟ [١٦ ظ] فقال: عبد الملك بن قريب، روى عنه مالك بن أنس. قال الشافعي: إنما عنده أطراف لمالك، ﵁. ولم يكن ينبغي له أن يطلق ما أطلق حتى يتثبت فيسأل كما سأل غيره، لأن مالكا، ﵁، لا شك في إمامته وثقته وانتقاده في الحديث، ومعرفته بما صحّ منه، لا يدافع في ذلك الأمر، لا ينصف وإنما جاء الغلط عمّن ينقل عنه وبالله التوفيق.
стр. 32
اليمين مع الشاهد
قال أبو بكر: أنكر الشافعي وأهل العراق على مالك بن أنس، ﵁، قوله في الموطإ إذ ذكر الحجة في اليمين مع الشهادة فقال: وقد قال بعض الناس لا يقضى بشاهد ويمين ولا يقضى إلا بشاهدين أو رجل وإمرأتين، كما قال الله، ﵎ قال مالك فقال له: أرأيت رجلا قد ادعي عليه بدعوى أليس يحلف ويتبرأ؟ فقالوا: نعم! قال مالك: أفرأيت إن نكل المدعى عليه عن اليمين أليس يحلف المدعي ويثبت حقه؟ فهذا إجماع المسلمين في كل بلد من بلدانهم، فأخبرني أبو العباس عبد الله بن أحمد بن طالب قال: قد سمعت ذلك وقد رأيت المخالفين لمالك، ﵁، قد نصبوا ذلك عليه في كتبهم، ولو أحسنوا الظن لقد علموا أن مالكا هو المصيب، رحمة الله عليه، لأنه إنما ذكر إنكار من أنكر اليمين مع الشاهد أنه لا يكون [١٧ و] إلا بما نصّه القرآن، وهو نكول المدعى عليه، ويمين المدعي، فإنما ذكر الاجماع في إثبات الحق، لأنه لولا يمين المدعي لم يثبت بالاجماع، لأن الذي حكم من الحكام بنكول المدعى عليه، فأوجب عليه الحق بنكوله، ولم يوجبه بالإجماع
стр. 33
الذي حكم بإثبات الحق بعد يمين المدعي إنما أوجبه بالاجماع، لا يختلف أحد في ذلك. فتدبروا من المصيب أنتم أو مالك بن أنس، ﵁. ولقد بلغتني هذه الحجة عن سحنون، ﵁، إلا أنها لم تصح عندي ولكنها أعجبتني فحفظتها. وسألني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الحجة في ذلك فتكلمت بها، فقال لي: أصبت وأحسنت أو نحو هذا. ثم قال أرسل إلى أبو إبراهيم المزني يسألني عن ذلك فأجبته هذا الجواب، فرجع إلي الرسول فقال لي: أصاب مالك، ﵁، والحق ما ذهب إليه، وقد أخطأنا إذ أبينا ما بالطريقة، فرحمه الله.
التزويج بسورة من القرآن
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: خالف الشافعي أصل مذهبه في التزويج بسورة من القرآن أنه لا بأس أن يتزوج بسورة من القرآن، وجعله صداقا. ويقول لا يجوز أن يعلم القرآن بأجر، فكيف يجعله صداقا وهو عوض للمرأة (١٧ ظ] بما استحلّ منها من بعضها، ولا يجعل التعليم بالأجر عوضا لما علم المتعلم؟ فهذا خلاف بيّن لا شك فيه عند أحد من الناس.
وضع حديدة على بطن الميت
وقال الشافعي إذ مات الميت وإذا خلع ثيابه وجعل على لوح
стр. 34
(وضع على بطنه سيف أو حديدة). فيقال للشافعي هذا الذي أمرت به وحددته باسمه لازمة لا بدّ لهم منها يفعلونها في موتاهم، فمن خالفها أثم إذا لم يفعلها، وبمن اقتديت في ذلك ومن سلمك فيه إذ أمرت بما لا يلم فعله، أم إنما هذا من الطب. أو من يخاف من تغيير الميت. فإن قال سنة فقد أجاد، وإن قال إنما هو لمن خاف من تغيير الميت، فالموتى مختلفون فيما يخاف عليهم، وفي الأزمنة أيضا من الشتاء والصيف، فمنهم من يخالف ذلك عليه، ومنهم من لا يخالف ذلك عليه، وبالله التوفيق.
دخول وقت العصر على صلاة الجمعة
وقال الشافعي: إذا صلى الامام الجمعة فدخل وقت العصر عليه، قبل أن يسلم الامام من الجمعة فعليه أن يتمها ظهرا: أربعا. فهذا اضطراب من قوله ما يدري ألمن؟ بماذا يحتج عليه في قوله هذا لفساده: أنه ابتدأ صلاته بنية الجمعة وفرضها. وفرض الجمعة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، خلاف فرض الظهر، لأن الجمعة لابدّ لها قبل الصلاة من خطبتين ثم يصلي الجمعة ركعتين يجهر فيهما بالقراءة. وفرض الظهر أربع ركعات بلا خطبة قيلها ويسر فيها [١٨ و] بالقراءة، فأتى بالجمعة كما وجبت عليه، على فرضها بخطبتيها وركعتيها، فلم يبق منها إلا السلام، فدخل عليه وقت العصر. بطل
стр. 35
عمله ذلك عند الشافعي، ويصير ما عمل للجمعة بفرض الجمعة ونيتها إلى فرض الظهر، فأمره أن يتم على جمعته ركعتين، فصار عمله كله هذه الأربع ركعات ظهره. نقله من فرض إلى فرض. وروي عنه ﷺ ، أنه قال: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها السلام" فهو في صلاة فنقله إلى صلاة أخرى بلا سلام منها، فهذا من القول ذكره يكفي من الاحتجاج عليه.
لمس المحارم هل ينقض الوضوء ؟
وقال الشافعي: إذا لمس الرجل أمه أو أخته أو بنته، وان كانت طفلة، بيده أو بإصبعه، أو شيء منه انتقض وضوؤه. وتأول عبى قوله هذا، كتاب الله، ﵎، فقال ﴿أو لامستم النساء﴾ فتأويله هذا أعظم عليه في الحجة، فصار هذا من الملامسة عنده، لأنه فسر القرآن على غير تفسيره، وتأوله على غير تأويله، وخالف، مع ذلك، سنة رسول الله، ﷺ ، وما لم يزل عليه الناس إلى يومنا هذا، لأن الحديث ثابت صحيح أن رسول الله، ﷺ ، كان يحمل أمامه ابنته زينب وهو في الصلاة، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها [١٨ ظ] حدثنيه يحيى بن عمر، قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير: قال حدثنا مالك بن أنس، وحدثني أيضا. قال: حدثني سحنون بن سعيد عن ابن القاسم عن مالك بن أنس
стр. 36
عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الانصاري أن رسول الله، ﷺ ، كان يصلي وهو حامل أمامه ابنته زينب ابنة رسول الله، ﷺ ، وأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. والحديث بمثل هذا يكثر علينا ذكره. وقد كان يصلي، صلوات الله عليه وسلامه، كثيرا وعائشة، ﵂، نائمة بين يديه، ورجلاها في قبلته، فإذا أراد أن يسجد غمزها فقبضت رجليها: فيسجد فإذا فرغ من سجوده بسطتهما. فحدثني يحيى بن عمر قال حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا مالك بن أنس؟ وحدثني يحيى قال حدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن أبي النصر عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن عائشة أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله، ﷺ ، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني.
وقد بلغت الشافعي هذه الأحاديث ورواها، ثم خالفها برأيه. وكما احتج به أنه عنده [١٩ و] من اللماس فلو كان هذا من اللماس
стр. 37
الذي قال الله، ﵎، ﴿أو لامستم النساء﴾ لما صلّى رسول الله، ﷺ ، وهو حامل أمامه ابنة ابنته، وهو يصلي ثم يضعها إذا ركع ثم يحملها إذا قام، ولما غمز عائشة لتقبض رجليها عن موضع سجوده وهو يصلى، وهى بين يديه حتى تقبض رجليها فيسجد. فدل هذا من فعل رسول الله، ﷺ ، أن الله ﵎، إنما أمر بالوضوء من ملامسة النساء، ما كان منها على لذة وشهوة فأي خلاف أبين من قوله هذا، لسنة رسول الله، ﷺ ، وما تأول من كتاب الله، جلّ اسمه، على غير تأويله. ونحن نسأل الله ألا يحرمنا التوفيق رحمته.
مس ذكر الطفل
وقال الشافعي في من مسّ ذكر طفل حي أو ميت ببطن كفه، انتقض وضؤوه. ومن مس ذلك من بهيمة لم ينقض ذلك وضوءه فقلنا للشافعي قولك هذا الذي خالفت فيه الأمة، وانفردت برأيك، هل أخذته من كتاب الله، عز اسمه، أو سنة ماضية، أو عن أحد من أهل العلم؟ وما حجتك في ذلك؟ فقد روينا أن النبي، ﷺ ، كان يقبّل رنينة الحسين وهو صغير. حدثنيه يحيى بن عمر، قال حدثني نصر بن مرزوق قال حدثنا أسد بن موسى قال حدثنا جرير بن عبد الحميد عن قابوس عن أبي
стр. 38
ظبيان أن رسول الله، ﷺ ، فرّق بين رجلي الحسين، فكان يقبّل رنينه [١٩ ظ] فقد أعلمناك أن رسول الله، ﷺ ، كان يقبل رنينة الحسين بفمه، ولم يكن ﷺ ، ليمس بفمه شيئا إن يمسه بإصبعه فينتقض وضوؤه.
الوضوء ومس الميت
وقال الشافعي من مس أخاه المسلم ميتا أو أفضى بيده إلى جسد الميت انتقض وضوؤه. وهذا خلاف لما جاء عن رسول الله، ﷺ ، في ذلك. فحدثني يحيى بن عمر قال حدثني نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد بن موسى: قال حدثنا أبو الربيع السمان عن عاصم بن عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة، أم المؤمنين، قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، قبّل عثمان بن مظعون يوم مات، فكأني أنظر إلى دموعه، وهو يمسحها
وهكذا أيضا روي عن أبي بكر الصديق، ﵁، حين مات النبي، ﷺ ، فجاء أبو بكر فلما رآه قال: "إنا لله
стр. 39
وإنا إليه راجعون. بأبي أنت وأمي يا رسول الله" وهو مسجى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. حدثني يحيى بن عمر قال حدثني محمد بن أبى السري العسقلاني، قال حدثنا عبد الرزاق قال معمر عن الزهري عن ابن أبى سلمة عن ابن عباس: أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ وهو مسجّى قد غطي وجهه بخمره، فكشف وجهه وقبّله. والحديث بمثل هذا يكثر ذكره، وفيما ذكرنا ما يكفي به المزيد.
حدثني يحيى بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد الله [٢٠ و] بن بكير، قال: حدثنا مالك بن أنس، وحدثني يحيى، قال حدثني سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر حنّط ابنا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يتوضأ. قال أبو بكر فهذا عبد الله بن عمر، رضى الله عنه، قد حنّط هذا الميت، ومن حنط ميتا فلابد أن يمسه بيده، لأنه يضع الحنوط بيده على مواضع من جسد الميت، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ. وهذا من فعل عبد الله بن عمر في مسه الميت وصلاته من غير أن يحدث وضوءًا
стр. 40
يبين لك أن النبي، ﷺ ، حين قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميت لم يتوضأ؛ ويبين لك أيضا أن أبا بكر الصديق، ﵁، حين قبّل النبي، ﷺ ، وهو ميت، صلوات الله عليه، لم يتوضأ؛ ويبين لك أن من مس الميت كمن مس الحي، لا فرق بينهما.
وقلنا للشافعي أيضا من أين جاز لك أن تقول: من مس أخاه الميت المسلم انتقض وضوؤه، بعد ما ذكرنا لك عن رسول الله، ﷺ ، وعن أبي بكر وابن عمر وابن عباس وغيرهم، أن من مس خنزيرا أو ميتة أو غيره أنه لا ينتقض الوضوء، فصار الميت المسلم عندك من مسه أسوأ حالا ممن مس خنزيرا أو ميتة أو غيره. فحكاية قولك هذا تجزئ من الاحتجاج عليه، لفساده، وبالله التوفيق.
إشكال القبلة على رجلين
قال الشافعي: إذا أشكلت القبلة على رجلين فاختلفا، لم يسع أحدهما اتباع صاحبه [٢٠ ظ] فإنكان قد حبس في ظلمة الغيم، وخفيت الدلائل على رجل فهو كالاعمى. والأعمى إذا دله رجل بصير وسع اتباعه. ثم قال ولا يسع بصير إن خفيت عليه الدلائل اتباعه. فاضطرب قوله في هذا اضطرابا شديدا.
فقلنا له: هذا القول متناقض يعرض عليك في كتبك فلا تأبه له، لأنك قلت إذا خفيت على البصير الدلائل فهو كالأعمى. والأعمى، عندك فيما قلت في كتبك إذا دله بصير وسعه اتباعه. فينبغي
следующие страницы →