← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فإذا عرض له ما يمنعه الإعراب عاد مبنياً، كما أن الاسم إذا عرض له البناء ثم زال عنه الحكم الموجب لبنائه عاد معرباً. فاللازم من الأسماء للبناء نحو قولك: من وكيف وإذ وحيث وما جرى هذا المجرى مما لم يتمكن قط، ولم يستعمل معربا، بل وضع في الأصل وضع الحروف التي لم تكن قط إلا مبنية. والعارض بناؤه نحو المضاف إلى ياء المتكلم في قولك: غلامي وداري، وصاحبي، فغلام ودار، وصاحب، أسماء متمكنة معربة بأتم الإعراب، لم تشبه فعلاً ولا حرفاً ولا جرت مجراهما ولا تضمنت معنييهما، فلما أضيفت إلى ياء المتكلم؛ وياء المتكلم اسم مضمر مجرور، والمجرور من الضمائر يكون متصلاً أبداً لا منفصلاً، وهي اسم على حرف واحد، تستعمل ساكنة ومتحركة، كسروا لها آخر الاسم المضاف إليها، لتتمكن وتثبت على صورتها ولا تتغير؛ وذلك أنهم لو أعربوا الاسم المضاف إليها بما يستحقه من رفع ونصب وجر لكانت تنقلب إذا انضم ما قبلها، وهي ساكنة، واواً، فكانت الحال تفضي بهم إلى أن يقولوا في الرفع: هذا غلامو، وإن استعملت متحركة وأثبتت على صورتها مع انضمام ما قبلها كان اللفظ بها مع الضمة قبلها مستثقلاً مع خروجه إلى ما ليس له نظير في كلامهم. وإن استعملت متحركة وانفتح ما قبلها في النصب وجب أن تنقلب، بموجب التصريف، ألفاً لأنها ياء متحركة منفتح ما قبلها؛ وقد تنزلت باتصالها بما أضيف إليها منزلة الجزء منه. والواو والياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين، إلا أن يشذ شيء أو يخاف لبس أو يكون التصحيح أمارةً للتصحيح في مثال آخر، أو غير ذلك من الموانع للقلب؛ وكل ذلك منتف عن الاسم المضاف إلى (١) الياء التي للمتكلم.

стр. 107

وإن استعملت ساكنة وانفتح ما قبلها وجب أيضاً قبلها ألفاً لأنها متطرفة، ومتنزلة منزلة لام الكلمة، فهي لاتصالها في موضع حرف تجب له الحركة، فكانت تنقلب لانفتاح ما قبلها وكونها في حكم المتحرك ألفاً، وكانت لما ذكرنا تختلف أحوالها وتتغير من صورة إلى صورة، فيكون ذلك إخلالاً. ولا يقدح فيما عللنا به قلبهم إياها في النداء ألفاً، إذا قلت يا غلاماً، لأن النداء له حكم في التغيير ليس لغيره، فعدلوا لما ذكرناه إلى أن كسروا لها آخر المضاف إليها في كل الأحوال، لتثبت ولا تتغير، فكان الكسر في آخر الاسم المضاف إلى ياء المتكلم حكماً من أحكام البناء عارضاً فيه (١)، بدليل أنه إذا لم يضف هذا الاسم إلى هذه الياء عاد إلى ما يستحقه من الإعراب والتمكن. وقد كسروا لهذه الياء ما أصله في قياس استعمالهم أن يكون مفتوحاً معها، وهو اللام في قولك لي، وهذه اللام أصلها الفتح؛ وإنما كسرت مع المظهرات فرقاً بينهما وبين لام التوكيد، وهي باقية مع المضمرات على أصلها، إذ كانت المضمرات بابها الرد إلى الأصول، ما خلا هذه الياء التي للمتكلم، فإنها مكسورة معها في قولك لي، للزوم هذا الحكم -أعني كسر ما قبلها- سائر ما تصل بها، ولأنهم إذا كانوا قد غيروا لها آخر الاسم فألزموه طريقة واحدة وعدلوا به عما يقتضيه القياس من إعرابه مع كون ذاك داعياً إلى اختلاله، لعدم الفارق بين معانيه المتعاقبة عليه التي لأجلها تكلف له إعرابه، فلأن يغيروا لها الحرف الذي لا يختل بتغييره معها أولى. والكسرة في قولك لي غيرها في قولك لزيد على ما يوجبه التدقيق، وإن كان اللفظ واحداً، لأن تلك مجتلبة للفرق، وهذه مجتلبة لأجل الياء لتسلم، لا لمعنى آخر.

стр. 108

فصل والكسرة في آخر الاسم المضاف إلى ياء المتكلم كسرة بناء عارض، وذلك أن المضاف يتنزل من المضاف إليه منزلة بعض الكلمة من بعض؛ هذا إذا كان المضاف إليه مما يمكن أن يكون ومستقلاً بنفسه، فإذا انضم إلى ذلك كون المضاف إليه مما لا يقوم بنفسه ولا ينفرد اشتد اتصاله بما قبله حتى يجري الأول من الثاني والثاني من الأول مجرى بعض الكلمة من بعض حقيقة لامتزاجهما، فيغلب على الأولى حكم الثانية وهذه الصفة موجودة في المضاف إلى ياء المتكلم. ولهذا المعنى من اتصال المضاف بالمضاف إليه حتى سرى إلى الأول حكم الثاني بنيت «غير» في مثل قول الشاعر: (لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أوقال) (١) وبنيت «مثل» في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] (٢) في أحد القولين، وهو قول من لم يجعله حالاً.

стр. 109

فصل وأما المنادى المفرد المعرفة كقولك: يا زيد ويا رجل، إذا أقبلت على شخصٍ فناديته، فتعرف بإقبالك عليه وتخصص بالنداء، فبني على الضم بناء قولك: يا زيد. فالبناء أيضاً عارض فيه لأنه إذا انفصل عن النداء عاد معرباً كقولك: جاءني زيد ورجل ورأيت زيداً ورجلاً. وكذلك النكرة المفتوحة مع «لا»، المراد بنفيها نفي الجنس كذلك: لا رجل في الدار، «لا» عاملة في رجل النصب في الأصل. كما تعمل «إن»، وهي مركبة من بعد معه ومجعولة هي وهو كالاسم الواحد في قوله سيبويه (١)، ولذلك شبه قولك لا رجل بخمسة عشر، لأن الأصل خمسة وعشرة، فركب العددان وهما اسمان مفردان وجعلا كلمة واحدة. وكذلك كان الأصل لا رجلاً بالتنوين، إلا أنهم أجروا العامل وهو «لا» مع المعمول -وهو الاسم النكرة المنصوب بها- مجرى الجزء الواحد، فركبوها معه والتركيب يقتضي البناء وحذف التنوين من كل واحد من المركبين لأنه به -أي بالحذف- يجري الأول من الثاني مجرى بعض حروف الكلمة من بعض،

стр. 110

وكذلك الثاني من الأول، وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب، إنما تستحقه الكلمة بأكملها. وفائدة ذلك الدلالة على أن المنفي يراد ينفيه نفي الجنس، فنفيه مستوعب للقليل والكثير. ألا ترى أنك إذا قلت: لا رجل في الدار لم يجز أن يكون فيها رجل ولا اثنان ولا ما فوقهما، بل النفي مستوعب للواحد من هذا الجنس وما فوقه، بالغاً ما بلغ؛ فإذا فككت هذا الاسم من لا واستعملته غير منفي بها أو منفياً وحكمة غير الحكم الذي بيناه من إخلاص نفي الجنس عاد معرباً، فبناؤه مع «لا» عارض له أيضاً. وأما قبل وبعد وما أشبههما من الظروف المبنية في حال قطعها عن الإضافة، فبناؤها عارض أيضاً لأنها إذا أضيفت فارقها البناء، وعادت معربة، وقد بينا حكمها أيضاً فيما سبق. والاسم المركب مع غيره كخمسةَ عشر وستةَ عشر وما أشبههما، هذه الأسماء، إذا أفردت، معربة، كقولك: خمسةٌ وستةٌ وعشرةٌ، فإذا ركبت بنيت لأنها ضمنت معنى حرف العطف إذ كان الأصل في خمسةَ عشر خمسةٌ وعشرةٌ، ولكنهم حذفوا حرف العطف وركبوا أحد الاسمين مع الآخر وجعلوها كالاسم الواحد ليجريا مجرى أسماء الأعداد المفردة غير المركبة كسبعةٍ، وثمانية وعشرة، لحاجتهم إلى ذلك في بعض الاستعمال. وفائدة التركيب أنك إذا قلت: أعطيت بهذا الثوب خمسةٌ وعشرةً جاز أن يتوهم السامع أنهما صفقتان، وأنك أعطيت به تارةً خمسةً وتارة عشرةً، فإذا ركبت زال هذا الاحتمال وعلم المخاطب قطعاً أنك أعطيت به هذا المقدار من العددين المضموم أحدهما إلى الآخر في صفقة واحدة. ولا يلزم هذا فيما زاد على العشرين كقولك: أحد وعشرون واثنان وعشرون، لعلتين: إحداهما من طريق اللفظ، والأخرى من طريق المعنى.

стр. 111

أما اللفظية فلأن عشرين وأخواتها من العقود كثلاثين وأربعين إلى التسعين؛ ألفاظهما ألفاظ جموع التصحيح، وإعرابها إعرابها. والتركيب لا يتطرق مع المبنيات والمجموعات مع غيرها، إنما بابه المفردات، فلم تركب هذه العقود مع النيف عليها كما رُكبت العشرة مع ما انضم إليها مما دونها من الأعداد. وأما العلة المعنوية فلأنه قلما يتباين حكم مثمن في التقويم، حتى يعطي به تارةً درهماً وتارة عشرين. وما زاد على العشرين من العقود كالثلاثين والأربعين وما بعدها، فالحكم فيه أفحش؛ وإن وقع مثل ذلك فقليل؛ والعمل على الأكثر، وما قل فمطرح الحكم. فالبناء في الاسمين المركبين في العدد وغيره أيضاً عارض لأنهما إذا فكا عادا معربين.

стр. 112

فصل إنما بنيت الأسماء المركبة لأن الأول يتنزل من الثاني منزلة بعض الكلمة من بعضٍ، وكذلك الثاني من الأول؛ وبعض الكلمة لا يستحق الإعراب، إنما تستحقه الكلمة بأسرها إن كانت مما يعرب. فإن قيل: الاسمان المركبان يجريان، كما قرر، مجرى الكلمة الواحدة، فهلا أعرب مجموعهما، فالجواب أن من المركبات ما يعرب مع التركيب، ويجرى مجرى الاسم الواحد وإن وهنه التركيب، وذلك في الأسماء الموضوعة لغير العدد، كقولك: حضر موت وبعلبك ورامهرمز، وقد بين حكم هذا القسم. ومنها (١) ما يبنى فيه الاسمان معاً المركب أحدهما مع الآخر، وذلك مركبات العدد كخمسةَ عشرَ وستةَ عشر وبابهما. والفرق بين هذه والقسم الأول أن امتزاج تلك أشد، إذا كان أحد الاسمين منها لم يكد يستعمل على انفراده في ثاني الاستعمال، بل حضرموت مثلاً في استعمالها علماً لهذه البلدة كدمشق مثلاً وبغداد، فكما أن تين معربتان، كذلك تلك في بعض استعمالها. وأما مركبات الأعداد فالمفرد منها يستعمل لمعناه كخمسة إذا أردت بها هذا القدر من العدد وعشرة مفردةً. فالعاطف المتضمن (٢) في التركيب معتبر، وإذا اعتبر فقد تضمنت معناه وما تضمن معنى حرف فلا وجه لإعرابه، ولأن العدد في الأصل موضوع على أن لا يعرب ما دام لما وضع له من تقدير الكميات فقط.

стр. 113

فصل المعربات معمولات، والمعمولات تقتضي العوامل، والعوامل على ضربين: لفظي ومعنوي، واللفظي هو الأصل لأنه الأقوى، إذ كان محسوساً لأنه يدرك بالسمع، والمعنوي دونه لأنه معقول مستنبط لا محسوس، ولهذا قل وجوده فهو إنما يكون في ثلاثة مواضع: اثنان منها متفق عليهما، وهما عامل (المبتدأ، ورافع الفعل المضارع وذاك أن المبتدأ وخبره مرفوعان، وليس معهما عامل لفظي ظاهر، ولا مقدر، فالرافع لهما حينئذ معنى، فالمبتدأ مرفوع لتجرده من العوامل اللفظية، والعوامل اللفظية نحو إن، وكان، وظننت، وكونه معرضاً لها، وأنه أول لثان، ذلك الثاني خبر عنه ومسند إليه. ومجموع هذه الصفات هو الابتداء، ولهذا قالوا: الابتداء وصف في الاسم المبتدأ يرتفع به، وأما الخبر مرفوع كالمبتدأ لأنه هو في المعنى، فقال بعضهم: عمل فيه الابتداء كما عمل في المبتدأ، وقاسه قائل هذا القول على غيره من عوامل المبتدأ اللفظية ككان، وإن وظننت، قال (١): وليس شيء من هذه العوامل يعمل في المبتدأ إلا ويعمل في خبره على اختلافها في العمل فيهما.

стр. 114

ولم يفرق هذا بين العامل اللفظي والعامل المعنوي في القوة والضعف، بل سوى بينهما لاشتراكهما (١) في جنسية العمل. وقال غير هذا من المحققين: العامل في الخبر عامل مركب من مجموع الابتداء والمبتدأ. والقائل بهذا القول اعتبر ضعف العامل المعنوي وانحطاطه عن رتبة العامل اللفظي فلم يقو عنده على العمل في الاسمين جميعاً، إذ كان معنوياً، فرفده بالمبتدأ، إذ لم يجد مع الابتداء غيره، وكان وصفاً فيه قائماً به. وهذان القولان في عامل المبتدأ وخبره أسد الأقوال التي قيلت فيه، وعلى ذاك فلا شبهة في أن الابتداء عامل معنوي. والثاني من العاملين المعنويين المتفق عليهما. عامل الرفع في الفعل المضارع، وذاك أن الرافع له عندهم وقوعه بنفسه موقع الاسم، كقولك: مررت برجل يكتب، ارتفع يكتب لوقوعه موقع كاتب، ثم استمر هذا حتى رفع الفعل بهذا المعنى في كل المواضع التي يعرى فيها من ناصب وجازم، وإن لم يقدر تقدير الاسم. وأما العامل المعنوي المختلف فيه فعامل الصفة في قول أبي الحسن الأخفش (٢) كقولك: مررت برجلٍ ضاربٍ، الجار لضارب عند أبي الحسن كونه وصفاً لمجرور وكذلك إن ارتفع أو انتصب، وعند سيبويه: العامل في الموصوف هو العامل في صفته، إذ كانا كالاسم الواحد.

стр. 115

فصل والعوامل اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أفعالٌ وحروفٌ وأسماءٌ. فالأفعال هي الأصول في العمل لغيرها، والقسمان الآخران فرعان لها، ومحمولان عليها، ومشبهان بها، يدلك على أنها أصل في العمل أنك لا تجد فعلاً غير عامل إلا الأقل النزر، لإخراجه عن أصله لمعنى عرض له كما بينوه. والأسماء أكثرها غير عامل وهو الأصل، ومنها عامل لشبهه بالفعل وأخذه من لفظه أو نيابته عنه أو غير ذلك مما إذا حقق أصله عاد إليه، وذاك كالاسم العامل عمل الحرف، النائب عن الفعل اختصاراً. والحروف منها العامل ومنها غيره، وللأفعال عملان: مقدم وهو الرفع ومؤخر وهو النصب، فالرفع تشترك كلها فيه، إذ لابد للفعل من فاعل، فلا يجوز أن يخلو فعل من مرفوع، والنصب لما كان للمفعول وما شبه به، وليس يلزم ذكر هذا القسم كما يلزم ذكر الفاعل. فالأفعال (١) منها اللازم، فهو لا مفعول له، ومنها المتعدي وذكر مفعوله مع فاعله جائز لا لازم، ولا واجب، فتقول على هذا: الرفع في الأفعال عام والنصب فيها خاص.

стр. 116

وهو، أعني النصب، إما أن يكون لمفعول محض -على ما ذكرنا- وإما أن يكون لمشبه به. فنصب المفعول المحض مختص به بعض الأفعال دون بعض والنصب الثاني تشترك فيه الأفعال كما اشتركت في عملها الرفع. فكل فعل، لا (١) بد له من اسم يرفعه بأنه فاعله، وصفته أن يكون مسنداً إليه ذلك الفعل مقدماً عليه، كقولك: ضرب زيد وقام عمرو، فقام وضرب رافعان للاسمين اللذين بعدهما بأنهما فاعلاهما. وسواء كان الفعل ماضياً أو غير ماضٍ، موجباً أو غير موجب فإنه يرفع الاسم متى أسند إليه مقدماً عليه. ومتى تقدم الاسم على الفعل بطل في حكم العربية أن يكون فاعلاً ورجع إلى حكم المبتدأ، ويصير الفعل بعده رافعاً لضميره، وهو ومرفوعه في موضع خير الاسم، كقولك: زيدٌ خرج، تقديره خرج هو. ويدلك على أن ثم ضميراً مرفوعاً مستتراً -هو الفاعل- ظهوره مع المثنى والمجموع كقولك: الزيدان خرجا، والزيدون خرجوا. ألا ترى أنك لو رفعت قولك: الزيدان بأنه فاعل، وقد ارتفع الضمير الراجع إليهما بأنه فاعل أيضاً كنت قد جعلت للفعل فاعلين مرفوعين به، والفعل لا يرتفع به اسمان فاعلان إلا على جهة الاشتراك بالحرف، كقولك: قام زيدٌ وعمرو وقام الزيدان والعمران وقام الزيدون والعمرون، وكذلك حكم قولك: الزيدون قاموا. ولا يخلو الفعل من أن يكون لازماً أو متعدياً، فاللازم ما لزم فاعله ولم ينفذ إلى مفعول كقولك: قام زيد وانطلق بكرٌ وطاب الخبر.

стр. 117

والمتعدي ما تجاوز فاعله فنفذ إلى مفعول فنصبه، كقولك: ضرب: زيد عمراً وكسا زيد بكراً جبة وعلم زيد عمراً عاقلاً وأعلم الله زيداً عمراً فاضلاً. وإنما رفع الفاعل ونصب المفعول للفرق بينهما، وخص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب لأن الفاعل أقوى والمفعول أضعف، والضم أقوى من الفتح، فجعل الأقوى للأقوى والأضعف للأضعف تنبيهاً ومناسبة بين المدلولات وأدلتها، ولأن الفاعل أقل في الكلام، والمفعول أكثر، لأن الفعل إنما يكون له فاعل واحد يرتفع به وقد يكون له مفعولان وثلاثة (١) وأكثر من ذلك على اختلاف أنواع المفعولات، والضم أثقل من الفتح، فجعل الضم الذي هو أثقل للفاعل وهو الأقل، والفتح -وهو الأخف -للمفعول -وهو الأكثر-ليكثر في كلامهم ما يستخفون ويقل ما يستثقلون، ولأن الضم أول الحركات والفاعل هو الأول، فجعل الأول للأول للمشاكلة، والفتح من الألف، والألف من آخر المخارج فهي الطرف الآخر، فكانت أحق بأن تكون خاصة بالمفعول من غيرها، أعني الفتحة. ويجوز أن يقال: إن مجموع هذه العلل علة لرفع الفاعل، ونصب المفعول، فتكون علة ذات أوصاف فتقول: رفع الفاعل لقوته وقلته وأوليته، ونصب المفعول لكثرته وضعفه وتأخره. والناصب للمفعول هو الرافع للفاعل وهو الفعل، هذا القول المعمول عليه وما سواه فمدخول. وحكم الفعل مع المفعول الذي لم يسم فاعله حكمه مع الفاعل، يستند إليه كما يسند إليه، ويرفعه كما يرفعه وينصب ما كان معه من مفعول كما ينصب ذلك مع الفاعل؛ تقول: ضرب زيد وأعطى عمرو درهماً، وأعلم زيد عمراً عاقلاً. وإنما رفع المفعول الذي لم يسم فاعله وكان حقه النصب في الأصل، لأن

стр. 118

الفعل لابد له من اسم يسند إليه ويكون حديثاً عنه؛ وذلك الاسم من شرطه أن يكون مرتفعاً بالفعل. والفاعل في باب ما لم يسم فاعله قد طوي ذكره، فلا يكون مذكوراً في اللفظ ولا مقدراً في الفعل وذلك إما لإعظامه أو لاحتقاره أو للجهل به أو غير ذلك مما يقتضي حذفه من الأغراض، فيبقى الفعل بعد حذف فاعله مفتقراً إليه أو ما يقوم مقامه في إسناده إليه، لأن الحديث لا يكون من غير محدث عنه، ولما كان للمفعول من (١) الفعل حصة وسهم كما للفاعل، بدليل أنه كما لا يصح تجدده إلا من فاعل كذلك لا يصح حفظه إلا بمفعول؛ ألا ترى أن من المحال أن يوجد ضرب وضارب ولا مضروب. ولهذه العلة وضعت أفعال كثيرة مسندة إلى المفعول، ولا فاعل حقيقياً لها، كقولك: عنيت بحاجتك وبابه، كما وضعت الأفعال اللوازم للفاعلين ولا مفعول لها (٢)، فكان ذلك اقتصاصاً للمفعول من الفاعل، ومراعاة له، وجبراً. فلما أرادوا مع حذف الفاعل إسناد الفعل إلى ما يقوم مقامه كان المفعول الصريح أولى بذلك، فأنابوه منابه ورفعوه بالفعل كما كانوا يرفعون الفاعل به، إلا أنهم غيروا معه صيغة الفعل، تنبيهاً على أن هذا المرتفع بالفعل ليس بفاعل حقيقي بل قائم مقامه. والتغيير إما أن يتناول فعلاً ماضياً صحيحاً أو مضارعه، فالماضي يضم أوله، ويكسر ثانيه على أي صيغة كان، بشرط أن يكون ثلاثياً كقولك: ضرب زيد وحذر عمرو، والمضارع يضم أوله ويفتح ثالثه، كقولك يضرب

стр. 119

خالد ويسمع الكلام، أو فعلاً معتلاً، والمعتل إما أن يكون معتل العين أو معتل اللام، فالمعتل اللام يجري مجرى الصحيح في تغييره كقولك: قضي الأمر وغزي الكفار، ويقضي الأمر، ويغزي الكفار. والمعتل العين تنقل كسرة ثانية إلى أوله بعد تقرير إسكانه، فيكسر أوله ويسكن ثانية، فإن كان ياء ثبتت وتمكنت، وإن كان واواً انقلبت ياء كقولك: سِيْر بزيدٍ، والأصل سُيِرَ وقيل الكلام والأصل قُوِلَ، هذه هي اللغة الكثرى الفصحى. وهناك لغتان أخريان، ليستا في الجودة كهذه، إحداهما أن تشير إلى ضم أول الفعل مع كسره فتنشأ حركة بين الضمة والكسرة، تعلم بالمشافهة، وهي الإشمام (١)، وقد قرئ بها كقوله ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤] (٢) والأخرى أن تسلب الثاني حركته، وتقر الأول على ضمته، فإن كان الثاني واواً ثبتت، وإن كان ياء انقلبت واواً كقولك في الواو: قول الكلام، وأنشدوا على هذه اللغة: وقول لا أهل له ولا مال (٣) وفي الياء سور بزيد أي سِيْرَ به.

стр. 120

فصل وإن كان رباعياً ضممت أوله وأسكنت ثانيه وكسرت ثالثه في الماضي، وإن كان مضارعاً ضممت أوله وفتحت ثانيه كقولك: دحرج يُدحرج وقُلقل يُقلقل، وقولهم: أُخرج يُخرج، وأُكرم يُكرم جار في الأصل على هذا الحكم، إذ كان الأصل في يُخرج يُؤخرج، وفي يُكرم يُؤكرم، وقد أخرجه الشاعر على أصله حين اضطر، فقال: فإنه أهل لأن يؤكرما (١) وتقول في مثل انقَطع واقتطع واستقطَع انقُطع به يُنْقَطع، واقتُطِعَ يُقْتَطع واستُقْطِع يسْتَقطع، فقس على هذا.

стр. 121

فصل وحال الفعل، إذا بني لما لم يسم فاعله، عكس حاله إذا نقل بالهمزة، وذلك أن الهمزة تنقله من اللزوم إلى التعدي إن كان لازماً، وإن كان متعدياً إلى مفعول جعلته متعدياً إلى اثنين وإن كان متعدياً إلى اثنين جعلته متعدياً إلى ثلاثة، والمثال في ذلك ظاهر. وبالجملة؛ فإن أداة التعدية تزيد الفعل، إذ لحقته، مفعولاً. وفعل ما لم يسم فاعله إذا بني للمفعول عاد لازماً إن كان متعدياً إلى مفعول؛ ومتعدياً إلى واحد إن كان في الأصل متعدياً إلى اثنين، وإلى اثنين إن كان متعدياً إلى ثلاثة، والمثال في ذلك أيضاً ظاهر. ولا يبنى الفعل اللازم لما لم يسم فاعله إلا أن يتصل به جار ومجرور، أو ظرف، أو مصدر، فإن تجرد من هذه الأشياء ورفع الفاعل فقط لم يجز بناؤه لما لم يسم فاعله في القول (١) الجيد، لأن الفعل في ذلك يبقى حديثاً عن غير

стр. 122

محدث عنه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيد، وضحك عمرو لو غيرت هذين الفعلين فقلت: قِيْمَ، وضحِكَ لبقيا حديثاً عن غير محدث عنه، لأنك حذفت الفاعل، ولم تجد شيئاً تقيمه مقامه. فإن قلت: قام زيد يوم الجمعة وضحك عمرو في الدار جاز أن تبنيهما لما لم يسم، فاعله فتُقيمَ كل واحد من الظرفين مقام الفاعل، كقولك: قِيم يوم الجمعة، وضُحكَ في الدار، ومن كلامهم المأثور عنهم: ولد له ستون عاماً (١)، قام الستون مقام الفاعل، ولا يقوم الظرف من الزمان والمكان والمصدر مقام الفاعل حتى يجعلن مفعولات على السعة؛ ومعنى ذلك أن تنزل منزلة المفعول به، فيكون الظرف إذا جعل مفعولاً على السعة، كأن الفعل وقع به نفيه لا فيه، وكذلك المصدر.

стр. 123

فصل من الأفعال أفعال تستعمل استعمال الأدوات ؛ والأدوات هي الحروف، وتختص بأحكام تنفرد بها عن جمهور الأفعال، فلابد من تبيينها، فمن ذلك «كان» وأخواتها. الفصل: هذه الأفعال تشترك في العمل؛ وهو رفع الاسم ونصب الخبر، وأسماؤها مشبهة بالفاعلين، وأخبارها مشبهة بالمفعولين تشبيهاً لفظياً؛ والفرق بينها وبين بقية الأفعال أن هذه تدل على أزمنة مجردة من الأحداث، والأفعال موضوعة الدلالة على الأحداث وعلى أزمنتها المعينة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب زيد عمراً -دل لفظ ضرب على الحركة المسماة ضرباً، وهي الحدث، وعلى زمانها؛ وهو الماضي، وإذا قلت: كان زيد قائماً دلت كان على أن قيام زيد وقع في زمن ماضٍ، ولهذا لزم كان وأخواتها من الأفعال النواقص منصوبها ولم يلزم «ضرب» وأشباهه منصوبه، لأن منصوب كان متنزل منزلة الحدث وقائم مقامه. ومن الفرق بين كان وبقية الأفعال أن منصوبات الأفعال غير مرفوعاتها في المعنى، ومنصوبات «كان» وأخواتها هي مرفوعاتها في المعنى، لأن معموليها

стр. 124

-وهما اسمها المرفوع وخبرها المنصوب- هما مبتدأ وخبر في الأصل، والمبتدأ إذا كان خبره مفرداً فهو هو في المعنى أو متنزل منزلته (١)، ولافتقار هذه الأفعال -أعني كان وأخواتها- إلى الأخبار سميت ناقصة. ومنها ما يلزمه النقص حتى لا يستعمل تاماً بتة، وذلك ما زال وما فتئ وليس، وظل. ومنها ما يستعمل تارة تاماً كسائر الأفعال، وتارة ناقصاً، وذلك ما عدا الأفعال المعدودة المقصورة على استعمال النقص. ألا ترى أنك تقول: كان زيدٌ قائما، فتجدها مفتقرة إلى الخبر، فهذه ناقصة، وتقول: كان الأمر -أي وقع- فتجدها تامة مستغنية عن منصوب كاستغناء وقع عنه، وهذه التامة تؤكد بالمصدر إن شئت فتقول: كان الأمر كوناً، كما تقول: وقع وقوعاً ولا تقول في الأولى: كان زيدٌ قائما كوناً، لأن تلك، أعني الناقصة، خلعت منها الدلالة على الحدث، وقام منصوبها مقامه، فلم يجز تأكيد هابه، والثانية دالة عليه ومتضمنته تضمن غيرها من توامّ الأفعال، فأكدت به تأكيد غيرها مما يصح تأكيده بالمصدر، ولو رمت مثل هذا في «ليس «لم يجز، لو قلت ليس زيدٌ وسكت على المرفوع دون المنصوب لم يكن كلاماً في شيء من الاستعمال حتى تتبع مرفوعها بمنصوب، فتقول ذاهباً أو خارجاً أو ما جرى هذا المجرى. وكذلك ما زال، لا تقول ما زال زيد، وتقتصر حتى تتبعه الخبر. فأما قولهم: ما زال، وهم يريدون ما انتقل، فليست المستعملة في باب «كان»، بل هي لفظة أخرى موافقة لها في ظاهر الصورة مخالفة لها في الأصل، لأن تلك إذا أسندتها إلى نفسك قلت فيها: ما زلت أفعل كذا، فكسرت

стр. 125

الزاي، وهذه إذا أسندتها إلى ضميرك قلت: ما زُلْت من مكاني أي ما انتقلت، فضممت الزاي، وتقول في مضارع تلك: أزال، وفي مضارع هذه «أزول»، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ﴾ [المائدة: ١٣] (١) وقال في الأخرى ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] (٢) فهما لهذا أصلان مختلفان. وأعلم أن «ليس» فعل جامد غير متصرف، ولجمودها (٣) ذهب قوم إلى أنها حرف، وإنما جمدت لأن لفظتها لفظ المضي، ومعناها نفي الحال، فلم يتكلف لها بناء آخر، إذ لا فائدة في ذلك، فاستعملت على لفظ واحد، ولأنها خالفت بقية الأفعال في أنها وضعت سالبة للمعنى، والأفعال ليس من أصلها أن توضع لسلب المعنى، إنما توضع لإيجابه، فتنزلت في هذا الحكم منزلة الحرف فجمدت ولم تتصرف. والدليل على أنها فعل اتصال الضمائر المرفوعات بها كاتصالها ببقية الأفعال، وذلك قولك لستُ ولستَ ولستِ ولَسْنا ولستما ولَسْتُم ولستُن وليسا وليسوا ولَسْنَ فهذا كما تقول: قمتُ وقمتَ وقمتِ وقمنا وقمتما وقمتم وقمتُن وقاما وقاموا وقُمْنَ وكنتُ وكنتَ وكنتِ وكنا وكنتما وكنتم وكنتُن، وبقية التصاريف على هذا.

стр. 126

وأصلها في الوزن لَيِسَ على فَعِلَ كصَيِدَ البعير من الصاد، وهو داء يأخذه في عنقه تميل منه، ويسمى الصَيَد أيضا: ويقال منه: صَيْدَ البعير أيضاً مسكناً تخفيفاً، لكنه لا يلزمه السكون كما لزم «ليس» لتصرفه وجمودها وكلاهما أَسْكن إسكان اللام في «عَلِمَ» إذا قلت قد عَلْمَ، ولولا إلزام ياء «ليس» السكون حتى صارت في حكم ياء «ليت» لوجب في حكم التصريف قلبها ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فكان اللفظ بها يصير «لاس» كما تقول: هاب في الماضي من لفظ (١) الهيبة. وإنما حكم عليها بهذا الوزن دون غيره، لأنه لم يخل أن تحمل عليه أو على «فَعَلَ» أو على «فَعُلَ»، وهذه هي صيغ الماضي من الثلاثي، التي لا يبنى ماضٍ من الأفعال إلا عليها، فلا يجوز أن تكون على «فَعَلَ»، لأن المفتوح لا يخفف فيَسكن، وإنما يُسكن المثالان الآخران تخفيفاً، فهم يقولون في كَتِف كِتْف وفي رَجُلٍ رَجْل، ولا يقولون في جَمَلٍ جَمْلٌ، وإن جاء تخفيف المفتوح فقليلٌ، في الشعر (٢). ولا يكون أصلها «فَعُلَ» لأن عينها ياء «وليس فيما عينه من الأفعال ياء ما بني على «فَعُلَ» بضم العين، وإذا بطل أن تكون «فَعَلَ» أو «فَعُلَ» بقى أن تكون فَعِلَ بكسر العين.

стр. 127

فصل قوله (١) والثاني أفعال المقاربة مثل عسى وكاد .. الفصل: سميت هذه الأفعال أفعال مقاربة لأنها لمقاربة الفعل والأخذ فيه، كقولك: كاد يفعلُ، وكَرَبَ يفعل، وأنشأ يقول وجعل يقول. فأما عسى معناها الطمع والإشفاق، كما أن معنى لعل ذلك. والدليل على أنها فعل اتصال الضمير بها على حد اتصاله بالفعل الذي لا شك فيه، تقول: عَسَيْتُ أن أقوم كما تقول: رميت، وفيها لغة أخرى: عَسِيْتُ بكسر السين وهي دون هذه، وقد قرئ بها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] (٢) فأما علة جمودها وامتناعها من التصرف، فذهب

стр. 128

بعضهم (١) في ذلك إلى أنها محمولة فيه على «لعلَّ»، و «لعلَّ» حرف معنى والحروف لا تتصرف، فأجريت عسى مجراها. وأجود من ذلك أن يقال إنها جمدت لأنها تدل على الاستقبال ولفظها لفظ المضي، فاستغني عن أن يتكلف لها بناء المضارع منها، ولهذه العلة لزم خبرها «أن» فلم يجز تعرية منها في الاختبار وحال السعة. ولها في الاستعمال وجهان، أحدهما أن يرتفع بها الاسم، ومعناها معنى قارب فتفتقر إلى خبر منصوب، كقولك عسى زيد أن يقوم، ولا يكون خبرها إلا مصدراً مقدراً غير مصرح بلفظه، وذلك المصدر هو «أن» والفعل. وعلة ذلك أنهم حققوا الخبرها الاستقبال «بأن» لأنها لا تقتضي غير ذلك إذا وقع بعدها المضارع، فلو جاؤوا مكانها بالمصدر الصريح الذي هي في معناه لم يتحقق فيه معنى الاستقبال، لأن زمن المصدر مبهم غير معين، وقد جاء على جهة الشذوذ والندور والتنبيه على الأصل خبرها مصدراً مصرحاً به، وذلك في قولهم في المثل «عسى الغُوَير أبؤسا» (٢) وأبؤس جمع بأس كرأس وأرؤس،

стр. 129

هكذا جاء هذا المثل، وقدروه بأن تبؤس، والوجه عسى الغوير أن يبئس أي يأتي بالبأس، عسى أن يكون البأس من قبله، وجاء في المنظوم: عسى بإبآسِ (١)، وفي المثل كلام غير هذا. والوجه الثاني من استعمال عسى أن يكون مرفوعها أن والفعل، فيحكم على موضعها (٢) بالرفع، ويستغنى في هذا الوجه، بذكر ما تضمنه اسمها من الحدث عن الخبر الذي لا يكون إلا حدثاً كقولك عسى أن يقوم زيدٌ وعسى أن يخرج عمرو. وتشبه في الوجه الأول بكان الناقصة لافتقارها إلى الخبر، وفي هذا الوجه بكان التامة لاستقلالها بمرفوعها، وتفسر في الوجه الأول بقارب، وفي الوجه الثاني بقَرُبَ، وقد يحذف من خبرها «أن» في الضرورة، تشبيهاً لها بكاد وحملاً لها عليها لاشتراكهما في المقاربة، وإن اختلفا في صفته نحو قول الشاعر: (عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريب) (٣)

стр. 130

واعلم أنك إذا قلت: عسى زيد أن يقوم كان في "يقوم" ضمير يرجع إلى زيد، هو فاعل يقوم؛ وذلك الضمير يثنى بحسب تثنية الاسم الذي يرجع إليه، ويجمع إن كان مجموعًا، ويؤنث إن كان مؤنثًا والمثال في كل ذلك ظاهر. فإن قلت: عسى أن يقوم زيد كان لك في هذه المسألة وجهان: أحدهما أن تكون كالأولى، فيكون "زيد" مؤخرًا، والنية به التقديم، وهو مرفوع بعسى، و"أن يقوم" في موضع نصب، فتجري هذه المسألة في هذا الوجه في الإفراد والتذكير والتأنيث والتثنية والجمع على الأصل، والمثال فيه ظاهر، وهي في هذا مقدرة تقدير "كان" الناقصة. وإن شئت قدرتها، أعني عسى، تقدير كان التامة، فترفع بها "أن والفعل" ويكون زيد مرفوعًا بالفعل الذي في صلة "أن" لا بعسى، فيكون الفعل في هذا الوجه موحدًا على كل حال لأنه لا ضمير فيه كقولك: عسى أن يقوم زيد عسى أن يقوم الزيدون، وعسى أن تقوم هند، وعسى أن تقوم الهندان، وعسى أن تقوم الهندات. ويتفرع على ذلك من المسائل أن تجعل عسى وما عملت فيه خبرًا لاسم متقدم، كقولك: زيد عسى أن يقوم، إن جعلت في "عسى" ضميرًا راجعًا إلى زيد كانت ناقصة، وكانت "أن والفعل" في موضع نصب خبرًا لعسى، والضمير اسم "عسى" لارتفاعه بها. فعلى هذا تثنى الضمير في "عسى" إن كان الاسم المتقدم المخبر عنه مثنى، وتجمعه إن كان مجموعًا، وتؤنثه إن كان مؤنثًا، فتقول: الزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، وهند عست أن تقوم، والهندان عستا أن تقوما والهندات عسين أن يقمن.

стр. 131

وإن شئت جعلت "عسى" فارغة من الضمير، ورفعت بها "أن والفعل" وكانت تامة، فعلى هذا تكون على صورة واحدة-مفردًا كان المبتدأ، أو مثنى، أو مجموعًا، لأن العائد حينئذ إلى المبتدأ هو ما تضمنه الفعل الذي في الصلة من الضمير، و"عسى" فارغة لارتفاع أن والفعل بها، وذلك قولك زيد عسى أن يقوم، والزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا، وعلى هذا بقية المثال، وكأنك قلت في الأول: زيد قارب القيام. والزيدان قاربًا القيام والزيدون قاربوا القيام، وفي الثانية زيد قرب قيامه، والزيدان قرب قيامهما، والزيدون قرب قيامهم، وعلى هذا بقية المثال.

стр. 132

فصل وأما "كاد" ففعل متصرف، يستعمل منه الماضي والمضارع، كقولك: كاد زيد يقوم، ويكاد يقوم، قال الله سبحانه "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وقال تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (١) [البقرة: ١: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٢) [النور: ٢٤ - ٤٠] وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٣) [التوبة: ٩ - ١١٨]. إلا أنها وإن شاركت "عسى" في معنى المقاربة، فهي أشد مطالبة للفعل من "عسى" وأقرب إلى الحال منها، وتلك أبعد منه. فلهذا استغنت "كاد" عن دخول "أن" في خبرها، وكان الاستعمال الأكثر الأشيع "كاد زيد

стр. 133

يفعل"، وقد جيء في الشعر في خبرها بأن، وذلك حمل لها على "عسى" كما حملت "عسى، عليها في حذف "أن" من خبرها، قال الشاعر: قد كاد من طول البلى أن يمحصا (١) لكاد استعمال آخر، تكون فيه بمعنى "أراد". وعلى ذلك أنشد أبو الحسن (٢) وغيره: كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من عنصر الشبيبة ما مضى (٣) وحملوا عليه قوله سبحانه "كذلك كدنا ليوسف" (٤) أي أردنا، وتكون كاد "فعل" من الكيد من قوله الله سبحانه "فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون" (٥).

стр. 134

وقد رووا في مصدر التي بمعنى المقاربة "لا أفعل ذلك ولا كودا ولا همًا" (١) فأما "كرب وأوشك" فيستعملان تارة استعمال "كاد"، وتارة استعمال "عسى"، كقولهم: "كربت تغيب" يعنون الشمس، فهذا بغير "أن" كما تقول: كادت تغيب "وإن افترقنا في المعنى، وتقول: يوشك أن يكون كذا أي يسرع، ويبعد في الاستعمال، يوشك يكون كذا، وأوشك زيد أن يخرج، وأوشك يخرج. إلا أن حملها على عسى في الاستعمال أكثر. فأما "أخذ وجعل" فمستعملان استعمال "كاد"، وخاصةً إذا كانا فعلى مقاربة، وذلك بغير "أن"، كقولك: أخذ يقول، وجعل يقول، ومثلما: أنشأ يفعل.

стр. 135

فصل نعم وبئس ما جرى مجراهما من الأفعال مما يقتضي مدحًا أو ذمًا، أو تعظيمًا مع مبالغة فيها (١). اعلم أن "نعم" و"بئس" فعلان جامدان غير متصرفين، أحدهما وهو "نعم" غاية في المدح، والأخر وهو "بئس" غاية في الذم. يدلك على أنهما فعلان رفعهما الأسماء الظاهرة، على حد رفع الأفعال إياها، وإذا قلت: نعم الرجل وبئس الغلام، تضمنهما الضمائر، واتصالهما بهما إذ قلت: نعم رجلاً زيد، أي نعم هو، وهو ضمير جنس المقصود بالمدح أو الذم وما مثلوا به في قولهم: قومك نعموا رجالاً، وأخواك نعما رجلين فيمن

стр. 136

أجازه، وذلك على حد قولك: الرجلان قاما والرجال قاموا، واتصال تاء التأنيث اللاحقة بأفعال المؤنث بهما كقولك: نعمت المرأة هند وبئست الجارية جمل، وعليه قول الشاعر يصف ناقة: نعمت زورق البلد (١) فأما جمودهما، فلما تضمنتاه من الزيادة على معنى الخبر، وذلك هو المبالغة في المدح أو الذم، والمبالغة زيادة على الأصل، وهذه المبالغة (٢) تضمنتاها وصيفتهما صيغة بواقي الأفعال التي لم توضع للمبالغة، فبذلك خرجتا عن منهاج جمهور الأفعال، فأشبهتا الحروف الموضوعة للمعاني، فألزمتا طريقة واحدة، وذلك هو الجمود وعدم التصرف. وأصل لفظيهما "نَعِمَ" و"بئس" وكما تقول: علم وحذر، إلا أنهما لازمان، وقد نطقوا بهذا الأصل. وقال طرفة (٣):

стр. 137

ما أقلت قدماي إنهم ... نعم الساعون في الأمر المبر (١) وفيها وفي الأخرى أربع لغات: نعم وهي الأصل، ونعم وهي مسكنة من الأصل كما تقول في علم وشهد، ونعم بكسر النون إتباعًا لكسرة العين، ونعم بكسر النون وإسكان العين وهي الكثيرة المستعملة، وهي مسكنة من التي دخلها الإتباع كما قالوا في شهد شِهد بكسر الشين: إذا غاب عنا غاب عنا بيعنا ... وإن شِهد أغنى فضله ونوافله (٢) وهذه اللغات الأربع مستمرة في كل اسم، أو فعل وزنه على "فَعِل" بكسر العين، وعينه أحد الحروف الحلقية الستة (٣).

стр. 138

فالاسم نحو فخذ، تقول فيه: فَخِذٌ على الأصل، وفَخْذٌ وفَ خْذٌ وفِخذٌ. والفعل كقولك: شَهِدَ وشَهْدَ وشِهْد. فأما حكم أفعال المدح والذم في العمل، فإنها ترفع من الأسماء الظاهرة أسماء الأجناس المعرفة بالألف واللام خاصة، أو ما أضيف إليها، ومن المضمرات ضمائر هذه الأسماء خاصة، ولا يرتفع بها ما عدا ذلك [إلا ما لا اعتداد به] (١) وتنتصب بها المنكرات هذه الأسماء الظاهرة المرتفعة بها على التمييز، وتكون تارة لازمة في الذكر؛ وذلك إذا رفعت الضمائر لأنها تكون مفسرة للمضمرات؛ والمضمرات فيها خارجة عن قياس بابها لأنها غير راجعة إلى مذكور في اللفظ؛ فلهذا لزم التفسير بالاسم النكرة المنصوب على التمييز في هذا الوجه، وتارة يكون المتكلم في ذكر المنصوب مخيرًا، إن لم يذكره فللاستغناء عنه، وإن ذكره فتأكيد، وذلك إذا ارتفع بها الاسم الظاهر؛ والمثال على هذا، أعني (٢) في رفعها الاسم الظاهر، قولك: نعم الرجل زيد وبئس الغلام عمرو، وكذا المضاف إلى الجنس إذا قلت: نعم غلام القوم بشر، وبئس صاحب القوم بكر. فهذه الأسماء المرتفعة بنعم وبئس أسماء أجناس لا تخص شخصًا دون شخص، وتعريفها الاستغراق، أعني استغراق الجنس، لا تعريف العهد الذي يكون

стр. 139

للشخص المعين المعهود، لأن موضوعها في هذا الباب يقتضي ذلك دون غيره، وذلك أنك لما قصدت مدح زيد في قولك: نعم الرجل زيد وأردت المبالغة في مدحه مدحت جنسه كله، وأبهمت ذكره وطويته فيه، ثم اختصصته من بعد ذلك بالذكر وعينته، فكان ذلك أبلغ في مدحه من سياقة المدح إليه في أول وهلة على المألوف في باب الإخبار وهذا مذهب متسع في كلامهم واستعمالهم، وإذا أرادوا اختصاص ممدوح أو مذموم بمدح أو ذم ذكروا جنسه، ثم اختصره بالذكر بعده، ليكون له-بالاختصاص بالذكر وإفراده به-ميزة عليه وتفضيل. قال الله سبحانه ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١) [البقرة: ٩٨] فخص جبريل وميكال بالذكر تفضيلاً لهما، وإن كان قوله: ﴿وَمَلآئِكَتِهِ﴾ قد شملهما، ودخلا فيه، وكذلك قوله سبحانه في الأخرى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ (٢) [الرحمن: ٦٨] في قول من جعلهما من هذا الباب، أعني النخل والرمان، بعد قوله ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾. وأما مذهبهم في الإبهام، إذا أرادوا تفخيم الشيء واختصاصه بعد الإبهام بالذكر فمعلوم أيضًا، من ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ (٣) [النمل: ٩]، ولم يقل إنني أنا الله، ولو قاله لكان المعنى في التفخيم، على صحته، دون المعنى في قوله ﴿إِنَّهُ

стр. 140

أَنَا اللَّهُ﴾ وذلك أن هذه الهاء ضمير الأمر والشأن؛ وضمير الأمر والشأن غير راجع إلى مذكور في اللفظ؛ فهو ضمير مبهم، وقد دخل الكلام بذكره وتفسيره بالجملة بعده، وهي قوله سبحانه من التفخيم ما لا يكون مع غيره، وإن دل الكلامان على معنى واحد؛ وكذلك حكم "بئس" وما جرى مجراها ومجرى "نعم" في الاستعمال. وزعموا أن فاعل هذه الأفعال قد جاء مظهرًا على غير الوجهين المذكورين، أعني رفعهما الجنس أو المضاف إلى الجنس، وذلك ما أنشدوه من قول الشاعر: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم ... وصاحب الركب عثمان بن عفانا (١) قال أبو علي (٢): والأكثر الأعرف غير ذلك. فأما ارتفاع الضمير بهما فقولك: نعم رجلاً زيد؛ والأصل نعم الرجل رجلاً زيد؛ ثم ضمنت "نعم" ضمير الرجل قبل الذكر، وألزمت الكلام ذكر المنصوب معها، مفسرًا لهذا الضمير ليكون لزومه (٣) إياه وتفسيره له بمنزلة

стр. 141

مذكور في اللفظ، يرجع الضمير إليه، إذ كان المفسر من جنس المفسر. فإن رفعت بها الظاهر كنت مخيرًا في ذكر هذا المنصوب وترك ذكره، كقولك: نعم الرجل زيد ونعم الرجل رجلاً زيد، فذكره للتأكيد، وحذفه للاستغناء عنه، والشاهد على جواز ذكره قول الشاعر: تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا (١) فأما ارتفاع الأسماء المذكورة بعد فاعل هذه الأفعال، وهي المخصوصة بالمدح أو الذم، كزيد في قولك نعم الرجل زيد، فقد وجهت على وجهين: أحدهما أن يكون الاسم مبتدأ، وتكون الجملة من "نعم" وفاعلها خبرًا له متقدمًا عليه، ولا يحتاج إلى عائد من الجملة، لأن فاعل "نعم وبئس" يشمله، إذ كان جنسًا له، فهو داخل تحته، فاستغنى بشموله إياه عن ذكر تربط الجملة به.

стр. 142

ويدل على قوة هذا القول-أعني كونه مبتدأ-جواز حذفه إذا دل الكلام عليه، كما يجوز حذف المبتدأ لذلك (١)، فمن ذلك قوله تعالى في قصة أيوب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ [ص: ٣٠] (٢)، ولم يذكره بعد "نعم" ومرفوعها-وهو المخصوص بالثناء-، لدلالة الكلام عليه، إذ كانت القصة مقصورة على ذكره. والوجه الآخر أن يكون الاسم المخصوص بالمدح أو الذم خبر مبتدأ محذوف؛ وذلك المبتدأ لا يظهر، وتقديره هو، كأنك لما قلت: نعم الرجل، قال لك قائل: من هذا المقصود بالمدح، أو الذم، إن كان ذمًا، فقلت: زيد" [أي هو زيد، ويقوى (٣) هذا القول أنه باب مدح ومبالغة فيه، وكذا الذم فيه، وهما خليقان بتكثير الجمل فيهما، وهذا الوجه، الكلام فيه كما-رأيت-جملتان، والأول جملة واحدة. فلو حمل هذا الكلام على الوجه الأول لكانت "أن" مبتدأة، وليس من الأصول الابتداء بها، على أنها قد وقعت بعد لولا مبتدأة؛ ولكن لتلك حكم يخصها.

стр. 143

ولا يكون المقصود بالمدح أو الذم إلا من جنس المرتفع بنعم وبئس، فإن وجد كلام ظاهره مخالف لهذا الحكم، فليعلم أن هناك محذوفًا، بذكره يرجع الكلام إلى هذا الأصل المقرر، فمن ذلك قوله سبحانه ﴿سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] (١)، فالتقدير ساء المثل مثلاً القوم؛ والقوم ليس من جنس المثل، فالتقدير ساء مثلاً مثل القوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فقس.

стр. 144

فصل التعجب معنى من المعاني التي تعرض في النفوس، ويكون مما خفي سببه، وخرج عن نظرائه، وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارة أخرى، فقالوا (١): التعجب يكون مما ندر من الأحكام، ولم تعرف علته، فإن أخل هذا المعنى بأحد الشرطين بطل التعجب، ولهذا قال القائل-وهو قول مستفيض في الناس "إذا عرف السبب بطل العجب" (٢). والمثال في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوب* قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب﴾ [هود: ٧١ - ٧٢] (٣). لما اجتمع الشرطان للمرأة تعجبت، وهو وجود الولد على الكبر الذي يقع اليأس من الولد في مثله، وهو كبرها وكبر بعلها، وذلك حكم نادر، وجهل السبب وهو قدرة الله وخرق العادات للأنبياء، إذ كان زمن تبوة تخرق في مثله العادات، فأبطل الله عجبها بأن أعلمها السبب في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] (٤).

стр. 145

ولما كان التعجب معنى من المعاني اقتضى القياس أن يوضع له حرف يدل عليه كحرفي الاستفهام والنفي الدالين عليهما؛ إلا أنهم عدلوا عن هذا القياس إلى غيره من الوضع مما اقتضته حكمة اللغة أيضًا بأن جعلوا (١) للتعجب صيغتين مخصوصتي اللفظ، تدلان عليه من غير احتياج إلى حرف معنى، وتانك الصيغتان ما أفعله به، كقولك: ما أحسنه وأحسن به. فأما ما أفعله، فإن "ما" فيه اسم مبهم غير موصول ولا موصوف، بمعنى شيء في قول سيبويه (٢)، وهي مرفوعة بالابتداء، و"أحسن" في قولك ما أحسنه فعل ماض، صيغته صيغة المضي، وهو دال على معنى موجود مستقر في الحال، ولهذا المعنى جمد ولم يتصرف، وعد في جملة الأفعال الجوامد. وقيل: بل لدلالته على المعنى الذي كان القياس أن يوضع له حرف يدل عليه، وفي الفعل ضمير يرجع إلى "ما" وهو فاعله، والمتعجب منه منصوب على أنه مفعول به، والجملة من الفعل والضمير الذي فيه والمفعول-وهو المتعجب منه-في موضع رفع لكونها خبرًا للمبتدأ (٣)، وهو ما. وتمثيل اللفظ شيء أحسن هو زيدًا. هذا مذهب صاحب الكتاب في هذا اللفظ، وإنما حملها-أعني "ما"-على أنها غير موصولة ولا موصوفة لأن الصلة والصفة توضحان الاسم الذي تجيئان صلة له أو صفة، وتبينانه بيانًا أي بيان، والتعجب باب إبهام وخفاء، ولهذا عدلوا فيه (٤) عن لفظة "شيء" إلى لفظة
следующие страницы →