← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مذكور في اللفظ، يرجع الضمير إليه، إذ كان المفسر من جنس المفسر. فإن رفعت بها الظاهر كنت مخيرًا في ذكر هذا المنصوب وترك ذكره، كقولك: نعم الرجل زيد ونعم الرجل رجلاً زيد، فذكره للتأكيد، وحذفه للاستغناء عنه، والشاهد على جواز ذكره قول الشاعر: تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا (١) فأما ارتفاع الأسماء المذكورة بعد فاعل هذه الأفعال، وهي المخصوصة بالمدح أو الذم، كزيد في قولك نعم الرجل زيد، فقد وجهت على وجهين: أحدهما أن يكون الاسم مبتدأ، وتكون الجملة من "نعم" وفاعلها خبرًا له متقدمًا عليه، ولا يحتاج إلى عائد من الجملة، لأن فاعل "نعم وبئس" يشمله، إذ كان جنسًا له، فهو داخل تحته، فاستغنى بشموله إياه عن ذكر تربط الجملة به.

стр. 142

ويدل على قوة هذا القول-أعني كونه مبتدأ-جواز حذفه إذا دل الكلام عليه، كما يجوز حذف المبتدأ لذلك (١)، فمن ذلك قوله تعالى في قصة أيوب ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ [ص: ٣٠] (٢)، ولم يذكره بعد "نعم" ومرفوعها-وهو المخصوص بالثناء-، لدلالة الكلام عليه، إذ كانت القصة مقصورة على ذكره. والوجه الآخر أن يكون الاسم المخصوص بالمدح أو الذم خبر مبتدأ محذوف؛ وذلك المبتدأ لا يظهر، وتقديره هو، كأنك لما قلت: نعم الرجل، قال لك قائل: من هذا المقصود بالمدح، أو الذم، إن كان ذمًا، فقلت: زيد" [أي هو زيد، ويقوى (٣) هذا القول أنه باب مدح ومبالغة فيه، وكذا الذم فيه، وهما خليقان بتكثير الجمل فيهما، وهذا الوجه، الكلام فيه كما-رأيت-جملتان، والأول جملة واحدة. فلو حمل هذا الكلام على الوجه الأول لكانت "أن" مبتدأة، وليس من الأصول الابتداء بها، على أنها قد وقعت بعد لولا مبتدأة؛ ولكن لتلك حكم يخصها.

стр. 143

ولا يكون المقصود بالمدح أو الذم إلا من جنس المرتفع بنعم وبئس، فإن وجد كلام ظاهره مخالف لهذا الحكم، فليعلم أن هناك محذوفًا، بذكره يرجع الكلام إلى هذا الأصل المقرر، فمن ذلك قوله سبحانه ﴿سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٧] (١)، فالتقدير ساء المثل مثلاً القوم؛ والقوم ليس من جنس المثل، فالتقدير ساء مثلاً مثل القوم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فقس.

стр. 144

فصل التعجب معنى من المعاني التي تعرض في النفوس، ويكون مما خفي سببه، وخرج عن نظرائه، وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارة أخرى، فقالوا (١): التعجب يكون مما ندر من الأحكام، ولم تعرف علته، فإن أخل هذا المعنى بأحد الشرطين بطل التعجب، ولهذا قال القائل-وهو قول مستفيض في الناس "إذا عرف السبب بطل العجب" (٢). والمثال في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوب* قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب﴾ [هود: ٧١ - ٧٢] (٣). لما اجتمع الشرطان للمرأة تعجبت، وهو وجود الولد على الكبر الذي يقع اليأس من الولد في مثله، وهو كبرها وكبر بعلها، وذلك حكم نادر، وجهل السبب وهو قدرة الله وخرق العادات للأنبياء، إذ كان زمن تبوة تخرق في مثله العادات، فأبطل الله عجبها بأن أعلمها السبب في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] (٤).

стр. 145

ولما كان التعجب معنى من المعاني اقتضى القياس أن يوضع له حرف يدل عليه كحرفي الاستفهام والنفي الدالين عليهما؛ إلا أنهم عدلوا عن هذا القياس إلى غيره من الوضع مما اقتضته حكمة اللغة أيضًا بأن جعلوا (١) للتعجب صيغتين مخصوصتي اللفظ، تدلان عليه من غير احتياج إلى حرف معنى، وتانك الصيغتان ما أفعله به، كقولك: ما أحسنه وأحسن به. فأما ما أفعله، فإن "ما" فيه اسم مبهم غير موصول ولا موصوف، بمعنى شيء في قول سيبويه (٢)، وهي مرفوعة بالابتداء، و"أحسن" في قولك ما أحسنه فعل ماض، صيغته صيغة المضي، وهو دال على معنى موجود مستقر في الحال، ولهذا المعنى جمد ولم يتصرف، وعد في جملة الأفعال الجوامد. وقيل: بل لدلالته على المعنى الذي كان القياس أن يوضع له حرف يدل عليه، وفي الفعل ضمير يرجع إلى "ما" وهو فاعله، والمتعجب منه منصوب على أنه مفعول به، والجملة من الفعل والضمير الذي فيه والمفعول-وهو المتعجب منه-في موضع رفع لكونها خبرًا للمبتدأ (٣)، وهو ما. وتمثيل اللفظ شيء أحسن هو زيدًا. هذا مذهب صاحب الكتاب في هذا اللفظ، وإنما حملها-أعني "ما"-على أنها غير موصولة ولا موصوفة لأن الصلة والصفة توضحان الاسم الذي تجيئان صلة له أو صفة، وتبينانه بيانًا أي بيان، والتعجب باب إبهام وخفاء، ولهذا عدلوا فيه (٤) عن لفظة "شيء" إلى لفظة

стр. 146

"ما"، وهي بمعناها في أنهما اسمان مبهمان منكوران، لأن شيئًا تصح تثنيته وجمعه وتصغيره وتعريفه وغير ذلك من خواص الأسماء، و"ما" لا يصح ذلك فيها. وذهب الأخفش سعيد إلى أنها موصولة وما بعدها صلتها، والخبر محذوف، والتقدير عنده: الذي أحسن زيدًا شيء، وبين هذا القول وقول سيبويه بون يعرفه متأمله النحوي، وإن كان أبو الحسن مع إجازته هذا القول لا يمنع قول سيبويه بل يجيزه، فيوافقه وينفرد عنه بإجازة الثاني، وقد قدمنا علة فرار سيبويه من جعل "ما" في التعجب موصولة أو موصوفة. والذي يدل (١) على أن "أفعل" في التعجب فعل لا اسم وإن كان رأيًا للكوفيين، بأدلة استدلوا بها على صحة مذهبهم، كالصحة في مثل ما أقوله، وما أسيره، وهذا التصحيح بابه الأسماء لا الأفعال، إلى غير ذلك مما أجاب عنه علماء البصريين أن الضمير المتصل به إذا كان للمتكلم تتقدمه نون الوقاية التي لا تلحق إلا في الأفعال، وذلك إذا قلت: ما أحسنني وما أكرمني. ولو كان اسمًا كان مضافًا إلى الياء، ياء المتكلم، وهي إذا أضيف إليها اسم لم تحتج إلى نون، فلو أضفت أحمر وأحسن إليك لقلت أحمري وأحسني، فقولك في التعجب: ما أحسنني وأكرمني هو كقولك في غير التعجب: أعجبني وأكرمني، ولأن آخره مبني على الفتح على منهاج الأفعال الماضية، إلى غير ذلك من الأدلة على فعليته. والصيغة الثانية من صيغتي التعجب، وهي أفعل به، لفظها الأمر، ومعناها الخبر، وذلك في نحو قولك أكرم بزيد وأحسن بعمرو.

стр. 147

ويدلك على أنه ليس بحقيقة أمر احتمال الكلام التصديق والتكذيب كما يحتمله الإخبار، وتعري الفعل من ضمير يحتمله احتماله ضمائر المأمورين، ولهذا خاطبت الاثنين والاثنتين والجماعة من الضربين بما تخاطب به الواحد المذكر، فقلت: يا زيد أحسن بعمرو، ويا زيدان أحسن بعمرو ويا زيدون أحسن بعمرو، ويا هند أحسن بعمرو، ويا هندان أحسن بعمرو ويا هندات أحسن بعمرو، ولم تقل: أحسني ولا أحسنا ولا أحسنوا ولا أحسن، كما تقول ذلك في الأمر على الحقيقة، لأن هذا ليس بأمر في المعنى، وإن كان بلفظ الأمر. فأنت في قولك: أحسن بعمرو مخبر لا آمر، كما أنك في قولك: ما أحسنه كذلك؛ والجار والمجرور، وهما قولك: بزيد، في موضع رفع بهذا الفعل، على أنهما فاعل، إذ كان الفعل لابد له من لفظ فاعل يسند إليه كما أن الجار والمجرور في قوله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] (١) وقولك: ما جاءني من أحد، هو الفاعل، هذا هو القول المحقق عند الأكثرين. وذهب الزجاج (٢) إلى أن الجار والمجرور في موضع نصب، كزيد في قولك: ما أحسن زيدًا، لأنه المتعجب منه ها هنا، كما أنه المتعجب منه ثمة، وكما جاء الأمر هاهنا في ظاهر اللفظ والمراد بالكلام الخبر-جاءت صيغة الخبر،

стр. 148

والمراد بها الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (١) فهذا خبر معناه الأمر، أي ليتربصن المطلقات بأنفسهن ثلاثة قروء. ولا ينبني فعل التعجب إلا من الثلاثي من الأفعال، بعد أن يقدر أنه قد رد إلى "فعل" على أي مثال كان، لأن "فعل" فعل غريزة ككرم وظرف، ثم تلحقه همزة النقل، فيصير متعديًا إلى المفعول به، وهو المتعجب منه، بعد أن كان لازمًا. فإن كان التعجب من لون أو عيب محسوس لم يصنع منه فعل التعجب، بل يؤتي بمصدر ذلك الفعل بعد ذكر فعل مصوغ للتعجب، يدل على عظم أو صغر، أو قلة أو كثرة أو شدة أو ضعف، أو غير ذلك، إن كان، بعد، أن يكون فعليه ثلاثيًا، كقولك: ما أشد حمرته وما لأقبح حوله. فأما الألوان، فلأن أفعالها في الأصل زائدة على ثلاثة أحرف، فجرت مجرى الرباعي كدحرج وسرهف (٢)؛ فكما تقول: ما أشد دحرجته، وما أحسن سرهفته كذلك تقول ما أشد حمرته وصفرته، ولا تقول: ما أحمره ولا ما أصفره. وأما العيوب الظاهرة، فاعتلوا فيها بعلتين: إحداهما (٣) علة للخليل وهي أنها جرت مجرى الخلق، فكما لا تقول إذا تعجبت من اليد: ما أيداه ومن الرجل: ما أرجله كذلك لا تقول من العمى ما أعماه ولا من الصمم ما أصمه؛

стр. 149

ولكن تقول: ما أقبح عماه وما أشد صممه (١). والعلة الأخرى أن منها ما أصل فعله أن يكون على أكثر من ثلاثة أحرف؛ وإن كان قد استعمل له صيغة أخرى ثلاثية، كقولك: حَوِلَ وعَوِرَ؛ والأصل في هذا أعور واحول، بدليل تصحيح الواو فيهما؛ وقد تحركت وانفتح ما قبلها، وذلك يوجب قبلها ألفًا، كقولك: خاف والأصل خوف، لكنهم عدلوا عما يوجبه حكم التصريف لفظًا، وصححوا الحرف فدل (٢) التصحيح على أن هذه الصيغة في معنى صيغة تصح الواو فيها، وذلك احول واعور. ثم حملوا بقية العيوب (٣) على هذا كعَمِيَ وعَشِيَ، مما لم يستعمل منه فعل زائد على الثلاثة كما كان اعور، فقالوا: ما أشد عماه، وما أقبح عشاه، ولم يقولوا: ما أعماه، ولا ما أعشاه، كما لم يقولوا: ما أعوره، ولا ما أحوله، ليكون الباب واحدًا. فأما قولهم: ما أشد، وإن كان المستعمل من فعله اشتد، وهو أكثر من ثلاثة أحرف، فإن "اشتد" منقول من فعل ثلاثي مقدر، وإن كانوا لا يكادون ينطقون به، فهو كالمنطوق به، يدل عليه قولهم في الصفة: شديد، وفعيل لا يبنى في مطرد الباب إلا من ثلاثي؛ كظريف وفعله ظرف وشريف وفعله شرف، ومثله قولهم: فقير، والفعل المستعمل منه افتقر، وقياسه: فقر فهو فقير، وإن كان لم ينطق به في فاشي اللغة، ففقير يشهد به ويدل على أنه كالمنطوق به، هكذا عللوا، أو قريبًا من هذا التعليل. على أنهم قد حكوا في الجيد من الاستعمال: شد ما أنك ذاهب، وشد فعل ثلاثي.

стр. 150

واعلم أن الأمثلة المشتركة في باب التعجب أربعة، أفعال ثلاثة، واسم. فالأفعال ما أفعله، وأفعل به، ولفعل، وكقولك ما أحسنه وأحسن به ولحسن وجهه، والاسم قولك: هو أحسن القوم؛ فكل ما جاز في قولك: ما أفعله من البناء جاز في الأمثلة الباقية، وكل ما امتنع فيه امتنع فيها. فصل قوله (١): وأما النصب فعلى ضربين، ضرب عام لجميعها وضرب خاص. الفصل: الأمر كما ذكر في انقسام نصب الأفعال إلى خاص وعام؛ فالخاص ما انفرد به بعض الأفعال دون بعض، والعام ما استوت فيه بأسرها. والخاص في ثلاثة: المفعول به، والخبر والتمييز؛ ألا ترى أنه لا يكون مفعول به إلا لما كان متعديًا من الأفعال؛ واللازم لا يكون له مفعول به، فهو حينئذ خاص ببعض الأفعال دون بعض؛ وكذلك الخبر المنصوب، لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر، والتمييز كذلك، وسنبين ذاك (٢). فأما حال الأفعال في التعدي إلى المفعول به، فإن الفعل، بالجملة، ينقسم قسمين: متعد بنفسه ولازم، والمتعدي ما تجاوز الفاعل إلى مفعول به، واللازم ما لزم الفاعل ولم يتجاوزه إلى مفعول به. والمتعدي بنفسه ينقسم ثلاثة أقسام: متعد إلى مفعول واحد، وهو على ضربين: علاج وغير علاج، فالعلاج كقولك: ضربت زيدًا، وأكلت خبزًا،

стр. 151

وبنيت دارًا، وغير العلاج كقولك: ذكرت عمرًا، وشتمت (١) زيدًا وأكرمت محمدًا. ومتعد إلى مفعولين، وهو على ضربين أيضًا: أحدهما يتعدى إلى مفعولين يلزم فيهما ذكر الثاني إذا ذكر الأول، لكونه إياه في المعنى، وافتقار الأول إلى الثاني افتقار المبتدأ إلى خبره، إذ كانا في الأصل مبتدأ وخبرًا، وتلك الأفعال سبعة وهي: أفعال الشك واليقين، وتسمى أفعال القلوب، وهي: علمت ورأيت ووجدت وهذه الثلاثة لليقين، وظننت وحسبت وخلت، وهذه الثلاثة للشك وزعمت، وهو متوسط بين الستة، فيما يرون، وربما قيل: إنه قول يشوبه شك (٢). وربما انفرد فاعله، وربما ذكروا في هذه الأفعال "رأي" بضم الهمزة، على أنه فعل لم يسم فاعله، وإذا حقق هذا فإنه مغير من القسم الثالث من المتعدي وهو المتعدي إلى ثلاثة. فهذه السبعة، كل منها يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما عبارة عن الأول، أو كلام فيه ضمير الأول على حد خبر المبتدأ، ولا تخلو أن تتصدر على مفعوليها، فيلزم إعمالها فيهما، كقولك: علمت زيدًا قائمًا وظننت بكرًا شاخصًا، اللهم إلا أن يعترض بينها وبين مفعوليها حرف له صدر الكلام، كلام الابتداء، وهمزة الاستفهام. فإن الحرف حينئذ يعلقها، وتعليقها أن يكفها عن العمل في اللفظ، فتعمل في موضع الجملة، كقولك: علمت لزيد منطلق، وعلمت أزيد في

стр. 152

الدار أم عمرو؟ وعلة ذاك-أعني التعليق-أن اللام والهمزة لهما صدر الكلام، وعلمت عامل والعامل له حكم التصدر على معموله، فتدافعا، فأُبطل عمل الفعل في اللفظ فعمل في الموضع. (ومع ذلك فلم يخرج الفعل في وقوعه في أقوى أماكنه، وهو تصدره على مفعوليه، عن أن يكون عاملاً، لأن عمله في الموضع دون اللفظ لم يخرج به عن أن يكون عاملاً، ولهذا إذا تسلط الفعل، بل العامل على الإطلاق على مبنى لا يظهر العمل في لفظه، حكم بالعمل على موضعه) (١). فإن دخل الجزء الثاني معنى الاستفهام كنت مخيرًا بين الإعمال والتعليق والإعمال أجود، وأريد بالإعمال ظهوره في المفعول الأول وبالتعليق كفه عنه، كقولك: قد علمت زيدًا أبو من هو، وإن علقت قلت: قد علمت زيد أبو من هو. فالإعمال لأن الفعل لم يحل بينه وبين مفعوله الأول حائل فيعلقه عن العمل في لفظه، والتعليق لأنك عممت بالاستفهام الموجود لفظه في الجزء الثاني، وهو في الأصل خبر المبتدأ، الجملة بأسرها، فكأنه داخل على المفعول الأول، فعلقت الفعل لذلك، وجعلت المفعولين ابتداء وخبرًا. والفرق بين المسألتين، أعني التعليق والإعمال، أن الجزء الثاني، وهو قولك أبو من هو، وإن كان مرفوعًا فيهما، إذا علقت، كان مرفوع الموضع بكونه خبرًا للمبتدأ، فإذا أعملت كان منصوب الموضع لكونه مفعولاً ثانيًا. وربما أوهم رفع الأول في هذا الكلام الإلغاء لا التعليق، وهو تعليق لا إلغاء، لأن الفعل متصدر، لم يتوسط ولم يتأخر، فكيف يلغي متقدمًا، أو أن يتوسط بين المفعولين، فتكون مخيرًا بين إعمال الفعل فيهما كقولك: زيدًا ظننت قائمًا،

стр. 153

لأن هذه الأفعال أفعال متصرفة، والفعل المتصرف يعمل في معموله (١)، متقدمًا عليه ومتأخرًا عنه. ومفعولا هذه الأفعال كالمفعول الواحد، وتأخر المفعول الثاني عنها كتأخر المفعولين، وهي عاملة فيهما إذا تأخرا، كما بينا. وبين أن تبني الكلام على الابتداء والخبر، فتغلب حكم الابتداء على الفعل فتلغيه فيرتفعان جميعًا، ويكون الفعل على هذا غير عامل في اللفظ، ولا في الموضع، وإنما يكون داخلاً لمعناه-فقط-من يقينٍ أو شكٍ كقولك: زيد ظننت قائم، أو أن يتأخر عنهما، فتكون أيضًا مخيرًا بين الإلغاء والإعمال، والإلغاء أجود، لتراخي الفعل عن أقوى أماكنه، وهو الصدر، وضعفه لوقوعه آخرًا كالزيادة والنيف، واقتضاء الأول من المفعولين الثاني اقتضاء المبتدأ خبره، فضعف معنى الفعلية في الجملة وقوي معنى الابتداء، فكان (٢) الإلغاء أقوى. وإن شئت أعملت الفعل مع تأخره عنهما كما تعمل غيره من الأفعال المتصرفة في معموله وإن كان الفعل متأخرًا عنه، فقلت: زيدًا قائمًا ظننت كما تقول بكرًا أكرمت وعمرًا ضربت. فهذا حكم هذه الأفعال في إعمالها وتعليقها وإلغائها في وجهيها من توسط وتأخر. والقسم الثاني من المتعدي إلى مفعولين، هو كل فعل يتعدى إلى اثنين، الثاني منهما غير الأول، كقولك: أعطيت زيدًا درهمًا، وكسوت عمرًا ثوبًا، أنت في هذا الفعل بالخيار، إن شئت ذكرت معه مفعولاً واحدًا ولم تذكر الآخر، أيهما ذكرت دون الآخر كان لك ذاك، كقولك: أعطيت زيدًا ولا تذكر ما

стр. 154

أعطيته، وأعطيت درهمًا ولا تذكر من أعطيت. وإن شئت ذكرت المفعولين مع الفعل، فيكون أتم للفائدة، كقولك: أعطيت زيدًا درهمًا، وكسوت بشرًا ثوبًا. ولك عكس هذا الوجه وهو أن تذكر الفعل وحده دونهما، فتقول: أعطيت، كل هذه الوجوه جائزة، والفائدة مع ذاك بحسب المذكور في استيفاء الفائدة، وترك الاستيفاء مع أغراض تعرض للمتكلم إذا أخبر. وعلى ذاك فالكلام تام إذا قلت: أعطيت واقتصرت على الفعل وفاعله، لأن الكلام قد تم باستيفاء الفعل فاعله، وقد أخبرت بأنك قد كان منك إعطاء. وغير خاف أن في ذا أيضًا مع تمامه فائدة، وذكر واحد من المفعولين أكثر فائدة من طي ذكره، وذكرهما معًا أتم. ولك في هذا الفعل تقديم أحد المفعولين على الآخر، إلا أن يقع لبس، فيلزم الكلام الترتيب الذي يؤمن معه اللبس، تقول: كسوت عمرًا جبة، وإن شئت: كسوت جبة عمرًا، لأن المعنى مفهوم مع التقديم والتأخير. فإن كان كل واحد من المفعولين يصلح أن يكون آخذًا، وأن يكون مأخوذًا ألزمت الآخذ التقديم لئلا يلتبس بالمأخوذ، كقولك: أعطيت عمرًا زيدًا، ولا يكون في هذه المسألة الآخذ إلا عمرًا، فإن كان زيد الآخذ لم تجز المسألة إلا بتقديمه خشية اللبس، وجرى الأول من الثاني في هذا مجرى الفاعل من المفعول في المعنى. والفاعل يلزم تقديمه على المفعول متى دخل الكلام بالتقديم والتأخير لبس، كقولك: ضربت الحبلى السكرى، فإن ارتفع اللبس في مثل هذا جاز التقديم والتأخير، كقولك: أكلت الحبلى الحلوى وأسرت النجوى ليلى. وهذا القسم أعني المتعدي إلى مفعولين، ولك الاقتصار على أحدهما، لا يدخله الإلغاء ولا التعليق كما دخل القسم الأول. أو أن يكون (١) متعديًا إلى ثلاثة مفعولين، وذلك غاية ما تتعدى إليه

стр. 155

الأفعال المتعدية. والمسموع من هذا الضرب أربعة أفعال. اثنان منقولان من القسم الأول المتعدي إلى مفعولين، وهما أعلمت وأريت، فأعلمت منقول بالهمزة من علمت، وأريت منقول من رأيت التي بمعنى علمت، زاد فيهما النقل بالهمزة مفعولاً ثالثًا، وذلك المفعول الزائد هو الفاعل في المتعدي إلى مفعولين، والمثال قولك: أعلم الله زيدًا عمرًا عاقلاً، وأرى الله أباك أخاك ذا مال. واثنان موضوعان، وهما أنبأت ونبأت، والأصل في هذين الفعلين أن يتعديا إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف الجر، كقولك: أنبأت زيدًا عن عمرو وأنبأت بكرًا بكذا، قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] (١) وقال ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَاوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥] (٢)، ثم يتسع بحذف الحرف الثاني، فيقال: أنبأتك كذا، وقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ (٣) [التحريم: ٣]، وأول الآية على الأصل، وهو قوله تعالى ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ [التحريم: ٣] (٤). وهذا الاستعمال في هذين الفعلين (٥) استعمال أخبرت، وخبرت، ولكنهما توسع فيهما في تعديهما (٦) إلى مفاعيل ثلاثة، بأن أجريا مجرى أعلمت، لأنهما إنباء، والإنباء إخبار، إعلام، فعديا إلى ثلاثة تعدية أعلمت، فقلت: أنبأ الله بشرًا كريمًا، ونبأ أبوك أخاك عمرًا ذا مال، والمعنى: أنبأ الله بشرًا أن بكرًا كريم. وحكم المفعول الثالث في هذا الباب حكم المفعول الثاني في الأفعال التي نقلت هذه منها وشبهت بها، فحملت عليها، كل مجاز في ذاك جاز في هذا.

стр. 156

واختلف الناس في هذه الأفعال الأربعة، فقصرها بعضهم على السماع، ولم يُجز القياس عليها، فلا تقول على قول هؤلاء، وهم الأكثرون، أظننت بكرًا زيدًا قائمًا ولا أوجدت ولا أحسبت، وأجاز بعضهم القياس عليها في الأفعال الباقية؛ فيقول مثلاً: أزعمت محمدًا الحر شديدًا، وأخلت قاسمًا السحاب ممطرًا، وممن منع ذاك أبو عثمان المازني (١) فيما رووا. فصل وأما الخبر والتمييز فخاصان لا يعمان كل الأفعال، ألا ترى أنه لا يلزم في كل فعل أن يكون له خبر ككان، وعسى وكاد، اللواتي لهن أخبار، وكذلك التمييز لا يكون في كل فعل؛ والمثال فيه: طاب زيد نفسًا، وتصبب عمرو عرقًا وقررت به عينًا. وجملة التمييز أنه كلام (٢) مفتقر إلى مميز ومميز، فالمميز لفظ مبهم يحتمل أجناسًا كثيرة، فتبينه بأحدها، والمبين (٣) به هو المميز ويكون اسمًا مفردًا نكرة منصوبًا كقولك: عندي عشرون درهمًا، ولك مثله رجلاً، وزيد أفضل منك أبًا، وطبت به نفسًا وله خمسة عشر درهمًا. ألا ترى أن قولك "عشرون"-يحتمل لإبهامه-ما لم تبينه أن يكون من أجناس كثيرة كالدراهم والدنانير والثياب والغلمان، فإذا قلت درهمًا أزلت ذلك الاحتمال ورفعت الاشتراك وأخلصت العشرين لما هي منه، وكذلك بقية الأمثلة. ولا يخلو المميز من أن يكون منتصبًا عن اسم فيه نون كعشرين، أو تنوين ظاهر كقولك: حسن وجهًا، وفاره عبدًا، أو مقدر كقولك: هو أحسن

стр. 157

منك وجهًا، أو اسم مضاف كقولك: ويحه رجلاً، ويل أمه فارسًا، أو فعل قد استوفى فاعله كقولك: طبت به نفسًا. وإنما انتصب التمييز لأنه أشبه المفعول في كونه فضلة، إلا أن العامل فيه في الأكثر غير متصرف، فلم يجز فيه التقديم كما جاز في المشبه به-وهو المفعول، التقديم والتأخير، قالوا: وقولك (١): عشرون درهمًا مشبه في اللفظ لا في (٢) المعنى بقولك ضاربون زيدًا، كما أن قولك: إن زيدًا قائم مشبه في اللفظ لقولك: كان قائمًا زيد، فعشرون فرع على قولك ضاربون، كما كان "إن" فرعًا على كان. وقسم الحذاق من النحويين (٣): فقالوا: لا يخلو درهمًا من قولك: عشرون درهمًا من أن يرفع أو يجر أو ينصب، فلا يكون فيه الرفع لأنه ليس بنعت للاسم المميز وهو عشرون ولا خبر عنه، ولا يجر لأن النون قد حجزت بينه وبين المميز فمنعته الإضافة إليه، فبقي أن ينصب، وناصبه المميز، ونصبه إياه نصب ضعيف، فلم يجز تقديمه عليه، ولا الفصل بينه وبينه في حال السعة والاختيار على أنه قد جاء في الشعر مجيئًا قليلاً الفصل بينهما، فمن ذلك قوله: على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للهجر حولاً كميلاً (٤) ولزم إفراد المميز وتنكيره لحصول الغرض بذاك، وكون المعنى مفهومًا مع اختصار في اللفظ. فأما قولك طبت به نفسًا وما أشبهه من الأفعال، فالأصل في مميزها أن

стр. 158

يكون فاعلاً إذ كان المعنى طابت به نفسي، ولكنهم توسعوا، ونقلوا الفعل عن المضاف، وأسندوه إلى المضاف إليه، ثم أخرجوا الاسم الذي كان فاعلاً في الأصل مخرج الفضلات فميزوا به ليزول الإبهام الذي دخل الكلام، ولكونه فاعلاً في الأصل، وجاريًا الآن مجرى بقية الأسماء المميزة لغير الأفعال امتنع (١) أكثر الناس من تقديمه، فلم يجيزوا شحمًا تفقأت (٢) ولا عرقًا تصببت، وأجازه المازني (٣) قياسًا، واعتل بأن العامل متصرف وهو الفعل، وأنشد: أتهجر سلمى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسًا بالفراق يطيب (٤) قال: أراد وما كان يطيب بالفراق نفسًا، قال الزجاج: والرواية: وما كان نفسي بالفراق تطيب (٥) فصل العام من النصب يكون في خمسة أشياء: مصدر الفعل وهو الحدث الذي اشتق الفعل منه في قول البصريين (٦) كالقيام والقعود، وهو المسمى مفعولاً مطلقًا ، لأنه فعل الفاعل على الحقيقة، ولأنه (٧) لم يقيد بشيء من حروف الجر

стр. 159

كبقية المفعولات حين قالوا: مفعول فيه وبه وله ومعه. فالفعل يقتضيه لتضمنه حروفه ودلالته عليه في المعنى؛ ألا ترى أن قولك: ذهب زيد في معنى قد كان منه ذهاب، فلما قويت دلالته عليه تعدت جميع ضروبه، أعني الفعل، من لازم ومتعد، إلى جميع ضروب المصدر من مبهم ومختص ومعروف ومنكر، كقولك: قمت قيامًا، وضربت ضربًا وذهبت الذهاب؛ وسرت سيرًا شديدًا، وجلدته عشرين سوطًا، والأصل في هذا المثال: جلدته جلدًا ذا عشرين سوطًا، ثم حذفت الموصوف وأقمت الصفة مقامه، وحذفت المضاف واثبت المضاف إليه منابه، فاكتسى إعرابه، إذ سدمسده. وكذلك لو لم تذكر العدد لجاز أن تتوسع، فتنصب الآلة، وهي السوط الذي به حصل الضرب نصب المصدر كقولك: ضربته سوطًا وسوطين، والمعنى ضربته ضربة بسوط، وتقدير اللفظ: ضربته ضربة ذات سوط، فنزل التنزيل المذكور في المثال المذكور قبله، وكذلك المصدر المضاف، كقولك: ضربته ضرب زيد عمرًا، والأصل ضربته ضربًا مثل ضرب زيد عمرًا، فجرى على الكلام من الحذف، وإقامة لفظ ما ذكرنا، والأصل ضربته ضربًا مثل ضرب زيد عمرًا، ففعل به ما أريناه في المثال الأول، قال أبو علي: "لأني قد أفعل مثل فعل غيري ولا أفعل فعله"، يريد الاتساع الذي ذكرنا من الحذف، قال: ومثل ذلك-يعني الحذف-قولهم في صريح الطلاق: أنت واحدة، وتقديره أنت ذات تطليقة واحدة، فحُذف المضاف، وهو ذات، وأقيم المضاف إليه مقامه فصار اللفظ: أنت تطليقة واحدة، ثم حُذف الموصوف، وهو تطليقة، وأقيمت الصفة مقامه فصار الكلام أنت واحدة. وكل ذلك ثقة بأن المعنى مفهوم، إذ ليس الإخبار عن المرأة بأنها واحدة كيف؟ ولا يجوز أن يُتوهم أنها سوى ذلك فيُعلمه.

стр. 160

والثاني مما تتساوى الأفعال في نصبه، الظرف، وهو اسم الزمان أو المكان، لأن الفعل لا يصح وقوعه عاريًا منهما، فدل عليهما بمعناه كما ذل على المصدر، إلا أن دلالته على المصدر أقوى لضمنه حروفه مع دلالته عليه من معناه؛ مع اقتطاعه منه، ولهذا تعدى إلى جميع ضروبه، ولم يتعد إلى جميع ضروب أسماء المكان. وقد كان قياس أسماء الزمان هذا القياس، إلا أن الزمان أشبه الأحداث لتقضيه وكونه لا لبث له كما أن الأحداث كذلك، فتعدى (١) الفعل لذلك إلى جميع أسماء الزمان على العموم، من مبهم ومختص ومعرفة ونكرة، ولم يتعد من أسماء المكان إلا إلى ما كان مبهمًا غير مختص، مما في الفعل دلالة عليه. فلهذا تقول في الزمان: سرت يومًا وساعةً وحينًا، وصُمت شهر رمضان وقدمتُ يوم الجمعة، وتقول: انطلقت أمامك ووقفت وراءك، وكذلك حكم بقية الجهات الست من المكان وهي فوق وتحت ويمين وشمال وأمام ووراء وما أشبهها من ظروف المكان كـ "عند"، وهي اشد إبهامًا منها، أعني من الجهات الست، ألا ترى أنه يصح أن تُطلق على كل واحدة من هذه الجهات، فتقول: الشيء عندي، وهو إما فوقك أو تحتك أو عن يمينك أو عن شمالك أو أمامك أو وراءك وكذلك "وسط"، لأنه اسم لا يختص مكانًا دون مكان. و ظروف الزمان أشبه بالأفعال، لهذا (٢) صيغت لها، وظروف المكان أشبه بالجثث لكونها ذات صور وخلق، فمتى كان المكان مختصًا لم يتعد إليه الفعل، إلا على حد تعديه إلى المفعولين، فكما لا يصح أن تقول: جلست زيدًا، لا تقول: جلست المسجد وكما يصح أن تقول: جلست إلى زيد، يصح أن تقول: جلست في المسجد، فأما قول الشاعر:

стр. 161

لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب (١) فالأصل عسل في الطريق، لأن الطريق مختص، لكنه حذف حرف الجر ضرورة لإقامة الوزن، فأفضى الفعل إلى الاسم فنصبه. وكل الظروف مقدر بفي، كما أن جميع السماء المنصوبة على التمييز مقدرة بمن، وكذلك الأحوال كلها تفسر بفي، فلهذا شًبهت الحال بالظرف. فأما قوله (٢): وكذا كل زمان وقع فيه فعل، فإنه احتراز (٣) من الظرف إذا لم يُستعمل فضلة، وأخبر عنه مثلاً، كقولك: يومنا طيب، وفي المكان: أمامنا واسع، وكذلك ما أشبههما. فصل و المفعول له عذر وعلة لوقوع الفعل، ويسمى غرض الفاعل، ويعتبر بأنه يقع وجوبًا لمن قال: لم فعلت كذا؟ ويكون أبدًا مصدرًا منصوبًا، ناصبه فعل من غير لفظه، ويقع معرفة ونكرة، والمثال فيه قولك: جئتك ابتغاء

стр. 162

لخيرك وقصدتك طمعًا في معروفك وضربته تأديبًا له. وإنما كان مصدرًا لا عينًا لأنه غرض، والأغراض إنما تكون أحداثًا لا جثثًا. وكان العامل فيه من غير لفظه لأن الشيء يتوصل به إلى غيره، ولا يُتوصل به إلى نفسه ولا يكون كل مصدر، بل أكثر ما يقع من المصادر التي هي من أفعال النفوس كالطمع والرجاء والخيفة والإرادة والابتغاء، ولو قلت ضربته قتلاً له تريد هذا المعنى لم يصلح. ويقدر أبدًا باللام، ثم تُحذف، فيفضي الفعل إلى مجرورها فينصبه. فالأصل في قولك: قصدتك ابتغاء عرفك، لابتغاء عرفك، ثم حذفت اللام فانتصب مجرورها، وقد يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، فيلزم حينئذ ذكر اللام، فتقول: جئتك لعرفك؛ ولا يجوز حذف اللام من مثل هذا، لأنه يكون حذفًا بعد حذف، فيُنهيك الكلام، والحذف لا يقاس عليه في كل موضع مع أنه لو حذفت اللام، فانتصب المضاف إليه لالتبس في بعض المواضع بالمفعول به. فأما وقوعه معرفة ونكرة فكقول حاتم (١): وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما (٢) و"ادخاره" معرفة، "وتكرما" نكرة، وقد جمع البيت شاهدين. وقد تقع الباء ومجرورها مفعولاً له كقوله تعالى "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" (٣) وكذلك "من" ومجرورها كقوله

стр. 163

سبحانه ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) [المائدة: ٣٢]. وكذلك الكاف، منه مسألة الكتاب "كما أنه لا يعلم فغفر الله له" (٢) أي لأنه لا يعلم، وما زائدة بين الكاف ومجرورها. وأما الحال فهي وصف هيئة الفعل أو المفعول أو المفعول به، ولفظها نكرة تأتي بعد معرفة، قد تم الكلام عليها، أي على المعرفة. ومعنى وصف هيئة الفاعل أن الفعل متى أسند إلى فاعله، فلابد أن يُسند إليه وهو على هيئة من الهيئات، وصفة من الصفات كقولك: جاء زيد، لابد في مجيئه من أن يكون راكبًا أو ماشيًا، أو ساعيًا، أو مسحوبًا مثلاً، فتبين هيئته التي جاء عليها بلفظه منكورة مشتقة، لأنها صفة في المعنى تسمى حالاً، كقولك جاء زيد راكبًا فـ "راكبًا" مشتق من ركب يركب، فقد تم الكلام على قولك زيد: لأن الفعل والفاعل جملة مستقلة، وتلك النكرة هي المعرفة في المعنى، وكذلك حكم المفعول لابد أن يقع به الفعل وهو على هيئة من الهيئات كقولك: أبصرت زيدًا ساعيًا وضربت عمرًا مشدودًا. ولما كانت الحال زيادة في الفائدة، والفائدة متعلقة بالخبر، واصل الخبر التنكير جاءت الحال-وهي الزيادة فيه-على الأصل، ولزمها ذاك، فلا تكون إلا نكرة وإن كان الخبر قد (٣) يقع معرفة ونكرة. ولما كانت مفعولاً فيها في المعنى أشبهت الظرف، فعملت فيها المعاني جوازًا كما يجوز أن تعمل في الظرف. ولما رفعت الاحتمال كما يرفعه التمييز لزمها أيضًا التنكير كما لزمه، ولما كانت اسمًا صحيحًا يأتي بعد

стр. 164

استقلال الفعل بفاعله أو استيفائه مفعوله أشبهت المفعول، ومع شبهها بهذه الضروب من المنصوبات، فبينها وبين كل واحد منها فرق بل فروق. فمن الفرق بينها وبين الظرف أن الظرف تعمل فيه المعاني، ويتقدم عليها ويتأخر عنها كقولك: لك كل يوم ثوب؛ وإن شئت قلت: كل يوم لك ثوب. والعامل في كل وهو ظرف زمان الجار والمجرور وهو لك، وهو معنى لا فعل صريح والحال إذا عملت فيها المعاني لم يجز تقديمها عليها؛ تقول: زيد في الدار قائمًا، ولو قلت زيد قائمًا في الدار لم يجز تقدم الحال. فإن كان العامل فعلاً جاز تقديم الحال عليه؛ كقولك: جاء زيد راكبًا وجاء راكبًا زيد وراكبًا جاء زيد، قال الله تعالى ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ (١) [القمر: ٧] فـ "خاشعًا" حال، والعامل فيها "يخرجون" كما قدروه. وأيضًا فإن الحال هي ذو الحال في المعنى؛ وهو إما الفاعل أو المفعول، وليس الظرف أحدهما. ومن الفرق بينها وبين التمييز أنها تكون في الأغلب بالأسماء المشتقات؛ والتمييز يكون بالأسماء الجامدات؛ كقولك في الحال: جاءني زيد ماشيًا؛ فـ "ماشٍ" اسم مشتق، وفي التمييز عشرون درهمًا فـ "درهم" اسم جامد؛ ولو قلت: عشرون صحيحًا لكان "صحيحًا" نعتًا لاسم جامد محذوف، كأنك قلت: دينارًا صحيحًا

стр. 165

أو درهمًا صحيحًا أو غير ذلك مما حذف، وقد علم كل العلم، ولذلك يحذف الموصوف. وأيضًا فإن الحال تقع بعد تمام الكلام فقط، هذا هو الأصل فيها، والتمييز يقع تارة بعد تمام الكلام، وتارة بعد تمام الاسم، وهي-أعني الحال-تفسير بفي، والتمييز يُفسر بمن، إلى غير ذلك من الفروق التي بينها وبينه. ومن الفرق بينها وبين المفعول به (١) أنها تعمل فيها الأفعال والمعاني فالأفعال ظاهرة في التمثيل والمعاني كقول النابغة (٢). كأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد "خارجًا" حال، والعامل فيها ما في "كأن" من معنى التشبيه، فكأنه قال: أشبهه سفود شرب خارجًا، أي في حال خروجه. والمفعول به لا تعمل فيه المعاني، وإنما تعمل فيه الأفعال الصريحة المتعدية، والحال تعمل فيها المتعدية واللازمة، فالمتعدي كقولك: ضربت زيدًا قائمًا، واللازم كقولك: انطلق محمد مسرعًا، والمفعول في الأصل

стр. 166

غير الفاعل في المعنى، والحال هي ذو الحال في المعنى، والمفعول يقع معرفة ونكرة ومظهرًا ومضمرًا ومشتقًا وغير مشتق، والحال نكرة لا تتعرف. فأما قولهم أرسلها العراك (١)، و"طلبته جهدك وطاقتك" والعراك والجهد والطاقة أحوال، فهي في تقدير النكرات، وإن كان لفظها لفظ المعارف؛ فكأنه قال: أرسلها معتركة، وطلبته مجتهدًا ومطيقًا؛ وتحقيقه أن العراك في موضع "تعترك"، و"تعترك" في موضع "معتركة"؛ فدل العراك على تعترك، فحُذف، وأقيم مقامه؛ وكذلك دل جهدك على تجتهد، فسد مسده بعد حذفه. وكل ما جاء من الأحوال، ظاهر (٢) لفظه التعريف، فإلى التنكير يرجع إذا أحسنت التأويل. وعبره الحال جواب لكيف، كما أن المفعول له جواب لم. وتسأل في الحال عن أشياء وهي الحال وذو الحال والعامل في الحال. فالحال قد بُنيت، وربما قيل: أي حال هي؟ فينبغي أن تعلم أن أقسام (٣) الحال الأغلب فيها المتنقلة، كقولك: جاء زيد ماشيًا، فقولك (٤) "ماشيًا" حال متنقلة، لأنه لا يلزمه أن يجئ، كلما جاء،

стр. 167

ماشيًا بل قد يجيء راكبًا وعلى غير الركوب والمشي من الأحوال. وتجيء الحال مؤكدة، كقوله: كفى بالنأي من أسماء كافي ............. (١) أي كافيًا، فهذا مما أسكن فيه منصوب المنقوص ضرورة. وقوله "كافي" حال مؤكدة، إذ كان قوله: "كفى" قد أغنى عنها، وكفى منها لدلالته على ما دلت عليه، وفي التنزيل ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ (٢) [البقرة: ٩١]، فقوله "مصدقًا" توكيد لما قبله، لأنه لا ينتقل عن تصديقه وقوله "وهو الحق" قد أبان عن التصديق. وتجيء الحال مقدرة، ومنه مسألة الكتاب، وهي قوله "مررت برجل معه صقر صائدًا به غداً"، أي مقدرًا الصيد به غدًا (٣)، كذلك فسره النحوي. وربما قالوا: من ضروب الحال الموطئة، وهي مثل قوله تعالى

стр. 168

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] (١) فقوله: "عربيًا هو الحال، وموصوفها موطئ لها ولا عليك أن لا تذكر هذا القسم في ضروب الحال، لأنه إلى الأول من أقسامها يرجع. فهذا هو ما يجاب به عن السؤال عن الحال ما هي. وأما ذو الحال فهو الاسم الذي الحال صفة له في المعنى؛ والأصل فيه أن يقع معرفة كما أن الأصل في الحال أن تكون نكرة؛ فإن وقعت الحال من نكرة فعلى ضعف، كقولك: جاءني رجل راكبًا. والمعتبر في مثل هذا حصول الفائدة، فإن نعت المنكور قرب من المعرفة بتخصيصه بالصفة، فحسن وقوع الحال منه شيئًا؛ كما جاء في الحديث «سبق الله ﷺ ، بين الخيل، فجاء فرس له سابقًا» (٢) فقوله "سابقًا" حال من قوله "فرس"، وهو نكرة لكنه قد خصصه وصفه بقوله: "له" وهو الجار والمجرور، على أنه لو أجرى هذه الحال وصفًا، فقال: فرس له سابق لم يُعط المعنى الذي أعطته الحال، ولا تمحض له، ولجاز أن يفهم من الرفع أنه فرس سابق من قبل، وإن كانت الحال لا تمنع ذاك، ولكن ظاهر الأمر مع الرفع نعته بالسبق الذي يجوز أن يكون سبق له الوصف به لا الآن. والعامل في الحال، إما فعل وإما معنى، فالعامل فيها في قولك جاء زيد راكبًا "جاء" وهو فعل، والعامل فيها في قولك: في الدار زيد قائمًا قولك "في الدار" وهو معنى لا فعل.

стр. 169

وقوله: وإن أردت أن تنصب الحال عن النكرة فقدمها عليها كقولك: جاءني راكبًا رجل. وأكثر ما يجيء مثل هذا في الشعر، واستعماله في الكلام يقل، فمن ذلك قول الشاعر: لعزة موحشًا طلل ............. (١) وقول الآخر: ............... والصالحات عليها مغلقًا باب (٢) يريد الأول: لعزة طلل موحش، ويريد الثاني: عليها باب مغلق. وعلة انتصاب هذه الحال عن النكرة المحضة التي لم تقرب من المعرفة بصفة ما، أن الوصف لا يتقدم على الموصوف؛ فإذا قدم ما يجوز أن يكون وصفًا للنكرة لو أخر بطل أن يكون وصفًا، فاذا بطل أن

стр. 170

يكون وصفً أخرج مخرج الحال، لقرب الحال من الصفة، وجواز التقديم فيها. ولا يجوز هذا في كل نكرة في قول سيبويه (١)، ألا ترى أن النكرة لو كانت مجرورة لم يستقم هذا فيها، لو قلت: مررت راكبًا برجل، والحال لرجل لم يجز عنده، لأن حال المجرور لا يتقدم عليه في مذهبه، وأجاز تقديمها عليه ابن كيسان (٢) وأبو علي وغيرهما، لأن العامل عندهم الفعل الذي يعلق به الحار. وإذا كان العامل الفعل-هو متصرف-، فالحال جائز تقديمها (٣) على ما عمل فيها من العوامل المتصرفة؛ فأقل أحوالها حينئذ أن تتقدم على صاحبها، لأنها معمول لعاملها، فجاز تقديمها عليه كما يتقدم أحد معمولي العامل على صاحبه. فهذه المنصوبات الخمسة ما من فعل إلا ويعمل فيها، لازمًا كان أو متعديًا؛ إلا أن يكون غير متصرف فله حكم، وهي: المصدر لدلالة الفعل عليه بلفظه، إذ كان مشتقًا منه، وظرف الزمان والمكان لاضطراب الفعل إليهما، والمفعول له لأن الفعل لا يقع من مميز إلا لغرض، والحال لأن الفعل لا يقع من فاعل ولا يقع بمفعول (٤) إلا على هيئة ما.

стр. 171

الفصل الثالث في العوامل من الحروف وهي أربعة أضرب: ضرب يرفع وينصب، الفصل. الحروف موضوعة في الأصل للاختصار، ومعانيها التي تدل عليها معاني أفعال هي نائبة عنها، فـ "هل"، تنوب عن قولك "أستفهم"، و"ما"، تنوب عن قولك "أنفي"، و"إن" تنوب عن قولك "أؤكد". وتنقسم بعد إلى قسمين: عامل وغير عامل، وغير العامل منها يسمى مهملاً، والعامل منها كل حرف اختص بأحد القبيلين الاسم أو الفعل، فإن اشتركاً في دخوله عليها بطل أن يكون عاملاً؛ ولهذا كانت لغة تميم ومن تابعهم من العرب في "ما" النافية من ترك إعمالها وإجرائها في الإهمال مجرى "هل" أقيس عند النحويين من لغة أهل الحجاز (١) الذين شبهوها بليس، فأعملوها مع كونها مشتركة مترددة في الدخول على الاسم تارة وعلى الفعل أخرى تردد "هل" فاعرفه.

стр. 172

والعوامل من الحروف أربعة أضرب: ضرب يرفع وينصب، وهذا الضرب ثانية أحرف، ستة منها منصوبها متقدم على مرفوعها، وهي: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل . فهذه الستة تدخل على المبتدأ والخبر، فينتصب المبتدأ بها ويسمى اسمًا لها، ويرتفع الخبر بها أيضًا ويسمى خبرًا لها، هذا وهو القول المعمول عليه؛ وليس قول من قال: إن الخبر معها باق على ما كان عليه من الرفع-بعد دخولها-بشيء. وإنما عملت هذه الحروف هذا العمل دون غيرها من حروف المعاني إلا الأقل، لأنها أشبهت الأفعال شبهًا قويًا، لأن معانيها معاني الأفعال، وألفاظها مقاربة لألفاظها، فـ "إن" و"أن"بمعنى أؤكد، و"لكن" بمعنى أستدرك و "كأن" بمعنى أشبه، وهي مركبة من كاف التشبيه و "أن" التي للتوكيد، ولتركيبها معها حكم في المبالغة صحيح، و "ليت" بمعنى أتنمى؛ و"لعل" بمعنى أترجى وأتوقع. ولا يتقدم مرفوع هذه الحروف على منصوبها لأنها فيما علل النحويون (١) مشبهة بأفعال قد (٢) اتسع فيها بتقديم منصوبها على مرفوعها، فهي فروع على تلك الأفعال المشبهة بها، والفروع تلزم طريقة واحدة، فلا تتصرف تصرف الأصول. فإن كان الخبر مما لا يظهر فيه الرفع كالجار والمجرور والظرف ساغ تقديمه كقولك: إن في الدار زيدًا وإن أمامك عمرًا، لأن الظروف وما جرى

стр. 173

مجراها من الجار والمجرور متسع فيها. فإن دخلت "ما" على هذه الحروف كفتها عن العمل، فوقع الاسمان بعدها مرفوعين بالابتداء والخبر ووقع بعدها الفعل أيضًا؛ كقولك: إنما زيد قائم وإنما قام عمرو وليتما زيد منطلق، ولعلما عمرو منطلق، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] (١) وقال سبحانه ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] (٢)، وقال عز من قائل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] (٣) وقال الشاعر: أعد نظرًا يا عبد قيس لعلما ... أضاءت لك النار الحمار المقيدا (٤) فأما "ليت" خاصة فإنها إذا دخلت عليها "ما" جاز أن تكون كافة فيرتفع الاسمان بعدها بالابتداء والخبر، ويقع الفعل أيضًا بعدها قياسًا، وهو قليل في الاستعمال؛ فتقول: ليتما عمرو قائم. وجاز أن تكون ما مزيدة ملغاة دخولها كخروجها، فتبقى ليت على عملها في الاسمين النصب والرفع؛ وعلى الوجهين انشدوا بيت النابغة وهو:

стр. 174

(قالت ألا يتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد) (١) بنصب الحمام ورفعه، وكذلك قوله: أو نصفه. ومن النحويين (٢) من أجاز هذا الحكم في بقية الحروف - أعني أخوات ليت - قياساً، فأجاز إنما زيداً قائمٌ على أن تكون "ما" ملغاة، وإنما زيدٌ قائمٌ على أن تكون "ما" كافة والسماع غير ما قاسه هؤلاء. فأما الفرق بين مواضع "إن" و "أن" مع اتفاقهما في معنى التأكيد، وكون لفظيهما وعمليهما واحداً، لولا ما اختلفا فيه من كسر الهمزة من إحداهما، وفتحها من الأخرى فهو أن "إن" المكسورة الهمزة تقع في الموضع الذي يتعاقب عليه الابتداء والفعل، كقولك مبتدئاً: إن زيداً قائم. فأنت إن اخترت أن تبتدئ بكلام أوله اسم، كقولك: زيد قائم كان لك ذاك، وتكونُ على هذا قد ابتدأت أول كلامك بالاسم. وإن شئت بدأت بكلام أوله فعل فقلت: قام زيدٌ، فقد بدأت على هذا بفعل، فحصل من هذا أن الابتداء بالجمل -وهي أول كلام يلفظ به اللافظ - موضع يصلح للاسم والفعل، فلا جَرَمَ أنك تبتدئ بـ "إن"

стр. 175

المكسورة الهمزة لا المفتوحتها، فتقول: إن زيداً قائم ولا تفتح الهمزة هنا. ولذلك كسرت بعد القول أيضاً؛ كقولك: قال زيدٌ إن عمراً منطلق؛ قال الله سبحانه: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾ (١) [الكهف: ٩٤]، وذلك أن القول يقع بعده الكلام محكياً على ما وضع عليه، فيقع بعده لهذا جملةٌ أولها اسم؛ وهي الابتدائية كقولك قال زيد: عمرو منطلق، وتقع بعده جملة فاعلية (٢)؛ أولها فعل كقولك: قال عمرو: قام بكر؛ فهذا أيضاً موضع يتعاقب عليه الابتداء والفعل. وكذلك حكمها إذا وقعت صلة للأسماء الموصولة؛ كقولك: يعجبني الذي إنه صالحٌ؛ فهذا كقولك: يعجبني الذي هو صالح، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٣) [القصص: ٧٦] أي: الذي إن مفاتحه، لأن الموصول أيضاً لا تختص صلته بجملة دون جملة؛ بل إن شئت وصلته وأوضحته بالجملة من الابتداء والخبر، كقولك: الذي أبوه قائم، وبالجملة من الفعل والفاعل؛ كقولك: الذي قام أبوه. فالصلة حينئذ من المواضع التي لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم.

стр. 176

وكذا إذا أجبت بها عن اليمين؛ كقولك: والله إن زيداً قائم فهي مكسورة لأن القسم يجاب بالابتداء والخبر؛ كقولك: والله لزيد قائم، وبالفعل والفاعل كقولك: والله ليقومنَّ زيد؛ ووالله لقد قام زيد؛ فجواب القسم - كما ترى- من المواضع غير المختصة بأحد القبيلين. وكذلك إن دخلت خبرها اللام كانت مكسورة لأن اللام في نية التقدم، إذ كانت لام الابتداء، ولام الابتداء تختص بالدخول على جملة تامة، و "أنَّ" المفتوحة ليست مع اسمها وخبرها في تقدير جملةٍ، بل في تقدير مفرد، و "إن" المكسورة مع معمولها جملةٌ، فلذا إذا دخلت اللام خبرها كُسرت ولم تفتح، فإن اختص الموضع بالاسم أو بالفعل وقعت فيه المفتوحة لا المكسورة، وكان ذلك من مواضعها لا من مواضع تلك، لأن العبرة سبقت بتعريف مواضع المكسورة، وأنها لا تقع إلا في موضع مشترك بين الاسم والفعل، فمن ذلك وقوعها بعد حرف الجر كقولك: عجبتُ من أنك تقول كذا، فذا موضع مختص بالاسم، إذ حرفُ الجر من خواصه. ووقوعُها في الموضع المختص بالفعل كقولك: لو أنه قام لقمت، لأنك تقول: لو قام زيد قمت ولا تقول: لو زيدٌ قائمٌ، ولا ما أشبهه، فذا موضعٌ كما ترى مختص بالفعل دون الاسم، لما في "لو" من معنى الشرط، فإن وقع بعد "لو" اسمٌ كان محمولاً على فعلٍ مضمر، وهو مع ذلك قليل، ومنه المثل "لو ذاتُ سوار لطمتني" (١) والأصلُ: لو لطمتني ذاتُ سِوارٍ.

стр. 177

وكذا تفتحها بعد لولا، لأن الفعل لا يقع بعدها كما يقع الاسم، بل هي من مواضع الاسم دونه، تقول: لولا زيدٌ لكان كذا، ولا تقول لولا يقوم (١)، فلهذا جاء قوله ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٢) [الصافات: ١٤٣] مفتوحاً فيه "انَّ" لا مكسوراً. وبالجملة، فإن المكسورة مع اسمها وخبرها جملة، والمفتوحة مع اسمها وخبرها في تقدير مفرد محكومٍ له بوجوه الإعراب التي تتناول المفردات، ولهذا اعتبرت بأن يحسن في موضعها، إذا حُذفت مع معمولها "ذاك"، أي هذه اللفظة، إذا قلت: علمت أنك منطلق؛ تضع مكان "أن" ومعمولها "ذاك"، فتقول في قولك بلغني أنك منطلق إذا حذفتها مع معمولها: بلغني ذاك، فيكون كلاماً صحيحاً. وكشف هذا التعليل وهذه العبرة بوضع "ذاك" موضعها أنها مع اسمها وخبرها في تقدير مصدر، والمصدرُ اسم مفرد، ولهذا وقعت فاعلةً ومفعولةً ومجرورة كقولك (٣): بلغني أنك منطلق، أي بلغني انطلاقك وعرفت أنك منطلق، أي عرفت انطلاقك وعجبت من أنك منطلق؛ أي عجبت من انطلاقك. فإذا دخلت اللام في خبرها عادت مكسورة، وعلقت عنها اللام الأفعال التي من شأنها أن تُلغى، فعملت في موضعها؛ كقولك: علمت إنك لمنطلق. لأن هذه اللام وإن كانت متأخرة فأصلها التقديم على "إن"

стр. 178

وما في خبرها، ولهذا قال سيبويه (١): فزحلفوها (٢) إلى الخبر، أي دحرجوها إليه وكان موضعها الاسم، لأنه المبتدأ في الأصل، وهذه اللام مخصوصة بالدخول عليه؛ ولكنه لما "وليت" إن بدخولها عليها لتأكيد الجملة كرهوا الجمع بينهما لاشتراكهما في التأكيد، فأخروا اللام إلى الخبر، فذلك التأخير هو الزحلفة التي عبر بها سيبويه، فكان الأصل في قولك: إن زيداً لمنطلق؛ لأن زيداً منطلق؛ إلا أنهم كرهوا الجمع بينهما لما ذكرنا، فأخروها إلى الخبر، إذ لو أدخلوها على الاسم لوقعوا فيما هربوا منه، والخبر هو الاسم في المعنى، فكان دخولها إياه دخولها المبتدأ وهو اسم "إن"، إلا أن هذا مع حصول الغرض؛ وهو أن لا يدخل حرف معنى على مثله في الدلالة. وأما الاثنان الباقيان من الثمانية، فواحد يقدم مرفوعه على منصوبه ويلزمه التقديم وهو "ما" النافية في لغة أهل الحجاز كقولك: ما زيدٌ قائماً فـ "ما" هذه مشبهة بـ "ليس" في هذه اللغة، وهي لغة التنزيل، ووجهُ شبهها بـ "ليس" أنها تنفي ما في الحال كما تنفيه ليس، وتحسُنُ في خبرها الباء كما تحسُنُ في خبر ليس، فتقول: ما زيدٌ بقائم كما تقول ليس عمرو بمنطلقٍ، وأنها تنفي الأسماء كما تنفيها ليس، فمن ذلك قوله تعالى ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (٣) قرأت القراء قاطبةً أمهاتِهم بالنصب إلا ما روي

стр. 179

عن عاصم (١) بن أبي النَجود من طريق المُفضل (٢) أنه قرأ برفعها "أمهاتُهمُ" فأما بنو تميم وغيرهم من العرب ما خلا أهل الحجاز ومن تكلّم بلغتهم، فـ "ما" غير مُعملة عندهم، إذ كانت لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم، لأنك كما تقول: ما زيدٌ قائم، تقول: ما قام زيد، وما يقوم زيد، فجرت عندهم مجرى "هل"، ولم يراعوا شبهها بـ "ليس" في النفي. والذين أعملوها عمل "ليس" لشبهها بها يعملونها عملها في حالةٍ مخصوصة؛ وهي بقاء النفي عليها، ولزوم الترتيب في تقديم الاسم على الخبر، فإن انتقض النفي بحرف موجب، أو قُدم الخبر على الاسم أبطلوا عملها، وعادوا إلى لغة التميميين فصار حكمها عند الجميع واحداً في كونها حرفاً غير عامل، دخل لمعناه فقط؛ وذلك حكم "هل" فتقول: ما قائمٌ زيد وما زيدٌ إلا قائم. وانتقاض النفي ينبغي أن يكون أشد (٣) في إبطال العمل من تقديم الخبر؛ ولهذا روي عن بعض العرب نصبُ الخبر مقدماً، فحكوا: "ما مسيئاً من أعتب" (٤)، والأكثر الأعرف غير ذلك.

стр. 180

والآخر من الاثنين الباقيين حرف يرفع وينصب، إلا أنه يشبه بـ "إنّ" تارة لكونه نقيضاً (١) له، فيلزم تقديم منصوبه على مرفوعه، ويشبه تارة بـ "ليس" فيلزم تقديم مرفوعه على منصوبه؛ وحمله على "ليس" حمل نظير على نظيره في المعنى؛ وذلك الحرف هو "لا" النافية. والمثال في عملها عمل "إن" قولك: لا رجل أفضل منك، وفي عملها عمل ليس قولك: لا رجلٌ قائماً. وقد قلنا إن حملها على "إن" حمل النقيض على نقيضه؛ وهو كحمل النظير على نظيره، فـ "إنّ" للإيجاب و "لا" للنفي، فهما - كما ترى - نقيضان، فشُبهت بها فأعملت عملها من نصب الأول ورفع خبره وهو الثاني. ونظير هذا الحمل على النقيض إعرابهم "أياً" وهي متضمنة معنى الحرف؛ وهو همزة الاستفهام مثلاً في قولهم: أيهم في الدار؟ والاسم إذا تضمن معنى الحرف استحق البناء لتعدي حكم الحرف إليه، إلا أنهم أعربوا "أياً" من بين أسماء الاستفهام لأن لها نقيضاً ونظيراً معربين، فالنقيض "كلٌّ" والنظير "بعضٌ". وكذا حمل بعضهم بناء "كم" الخبرية على أنه حمل لها على "رُب"، إذا كانت كم للتكثير و "رب" للتقليل. وكذا حملوا النقائض في الأبنية والصيغ بعضها على بعض، فاشتركت فيها، ولهذا قالوا: رجلٌ أرسح كما قالوا أستة (٢)، وقالوا أفرع، للتام الشعر كما قالوا أقرع، وقالوا
следующие страницы →