← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 316–349 · переход к 321.

стр. 316

فصل باب الإعراب الأصلي وغير الأصلي مدار الكلام (١) على معانٍ ثلاثة، وهي معنى الفاعل ومعنى المفعول وما شبه بهما، وما ليس بفاعل ولا مفعول، وذلك المضاف إليه؛ كقولك: ضرب زيدٌ غلام عمرو، فزيدٌ فاعل، وغلام (٢) مفعول، وعمرو ليس بفاعل ولا مفعول، فهذه المعاني هي الموجبة- باعتقابها على الاسم الواحد- اختلاف الإعراب على آخره بالحركات أو ما جرى مجراها؛ لتدل كلٌ واحدة من الحركات، أو ما قام مقامها على معنى من هذه المعاني، فتقع بذلك الميزة والفرق بينه وبين المعنيين الآخرين. فكانت هذه المعاني الثلاثة- لهذا الذي ذكرناه- أصولاً في استحقاق الإعراب، وعلةً (لوجوده في الكلام؛ وما عداها محمولٌ عليها وفرعٌ لها، ولكل معنى منها فرعٌ يختص في إعرابه بالحمل عليه دون غيره. فالمحمول على الفاعل المبتدأ وخبره، لأن المبتدأ لم يدخله الرفع دون غيره من ضروب الإعراب للفرق بينه وبين غيره كما دخل الفاعل للفرق بينه وبين المفعول؛ فالرفع في الفاعل لموجبٍ أوجبه له، وهو طلب

стр. 317

الفرق، والرفع في المبتدأ لا للفرق، فإن انه محمول على غيره، وليس هناك شيء يشبهه المبتدأ، فيحمل عليه سوى الفاعل، وشبهه به أنه أحد ركني الجملة المبتدئية، كما أن الفاعل أحد ركني الجملة الفاعلية، ثم إنه الركن المسند إليه غيره كما أن الفاعل أيضًا كذلك؛ ولما كان الخبر في الأصل هو المبتدأ في المعنى كان أيضًا كذلك فرعًا على الفاعل (١) فلو قلت: إن الخبر محمول على المحمول على الفاعل وهو المبتدأ لما أبعدت. ومن المحمول على الفاعل في اللفظ اسم "كان" وخبر "إن"؛ فأما اسم "كان" فظاهر الأمر لأنه مرتفع بفعل كما أن الفاعل مرتفع بفعل، وهو الجزء المسند إليه غيره كما أن الفاعل كذلك، إلاّ أن الفاعل يستقل) برافعه لأنه أصل، واسم "كان" لا يستقل بـ "كان" لأنه مبتدأ في الأصل، فلابد له من خبره، فهو- وإن كان منصوبًا بـ "كان"، فمنزلته في افتقار اسمها إلى ذكره معه منزلته إذا كان مرفوعًا معه بأنه خبره؛ وحالة خبر "إن" في اللفظ تشبه (٢) حالة الفاعل، لأنه مع الاسم المنصوب قبله كالفاعل مع المفعول إذا تقدمه، لكن الفاعل أبدًا غير المفعول في الأصل، والخبر هو الاسم في المعنى، وإن شئت قلت: "إن" فرعٌ على "كان" لأنها عاملة عملها، على فرق بينهما في التقديم والتأخير، ومعمولاها هما

стр. 318

معمولاها في الأصل؛ وقد ثبت لكان أن مرفوعها مشبه بالفاعل؛ فمرفوع "إن"- وهو خبرها- مشبه به أيضًا. وإذا بان أن مرفوعي "كان" و"إن" مشبهان بالفاعل لفظًا، فمنصوبًا هما في اللفظ مشبهان بالمنصوب مع الفاعل: وذاك هو المفعول. ولهذا قيل في اسم "إن" وخبر "كان" إنهما يشبهان المفعول في اللفظ. ومن المحمول على المفعول الحال والتمييز، هما فضلتان كما أن المفعول كذلك، وزيادتان في الفائدة كما أن المفعول زيادة فيها، ويفارقانه في أشياء؛ منها أنه لا تصل فيه المعاني، إنما تعمل فيه الأفعال الصريحة، والحال والتمييز ينتصبان تارة بالأفعال وتارة المعاني؛ فانتصابهما بالأفعال كقولك (في الحال) (١): جاء زيدٌ راكبًا، وفي التمييز: طبت به نفسًا، وقررت به عينًا، وانتصابهما بالمعنى، أي بالعامل المحمول على الفعل في المعنى، كقولك في الحال: هذا زيدٌ قائمًا فلفظة "هذا" عاملة بمعنى أنه، أو أشير (٢) فـ "أنبه" هي التي تدل عليها "ها" وأشير هي التي تدل عليها "ذا"؛ وكقولك في التمييز: عشرون درهمًا، المشبه بقولك: ضاربون زيدًا.

стр. 319

ومن الميزة بين المفعول والحال أن الحال هي ذو الحال في المعنى، والمفعول غير الفاعل في المعنى في الأكثر الأعم، وقولي: "في الأكثر الأعم" احتراز مما جاء في أفعال القلوب خاصةً، وهي ظننت وأخواتها من قولهم: ظننتني وحسبتني، وظننتك قائمًا- بفتح التاء- وحسبتك ذاهبًا، (أي حسبت نفسك وظننت نفسي) (١). ومما شذ من قولهم: فقدتني وعدمتني، لأن هذا كلام نادرٌ لا يقاس عليه غيره، فلا يقال: أخذتني ولا سألتني. والتمييز والحال يلزمهما التنكير، والمفعول لا يلزمه ذاك. ومن المحمول على المفعول منصوب "كم" في الاستفهام، لأنه تمييزٌ، إذ كانت "كم" موضوعة لعدد مبهم؛ وكذا منصوبها في الخبر إذا فصل بينها وبين ما كانت تضاف إليه، أو ينجر بتقدير "من" في القول الآخر، وبالجملة فما كان يليها وهو (٢) مجرور. وجملة الأمر في "كم" أنها في حاليها من الاستفهام والخبر اسمٌ لعدد مبهمٍ في قلته وفي كثرته، وضعت للاختصار وترك الإطالة، مغنيةً عن ذكر أعدادٍ لا نهاية لها، فهي في الاستفهام مبنيةٌ لتضمنها معنى حرفه مع دلالتها على العدد، وفي الخبر مبنيةٌ حملاً عند أكثرهم على نقيضها وهو "رب"، إذ كانت "كم" الخبرية للتكثير، و

стр. 320

"رب" للتقليل. والمذكور بعد كم في الاستفهام (١) منصوبٌ على التمييز إن كان منكورًا، كقولك: كم رجلاً جاءك، لأن "كم" نائبةٌ عن عدد (٢) يفتقر إلى التمييز، مستفهمٍ عنه، كأنك قلت: أعشرون رجلاً جاءك؛ أثلاثون، (أأربعون، إلى غير ذلك من أعداد غير متناهية في الكثرة، لو تصدى المستفهم لذكرها عددًا بعد عدد لطال عليه ذاك ولطال على المستفهم عن ذلك العدد، ولجاز ألاّ يقع بالعدد المستفهم عنه مع الإطالة حتى يقول له المسئول: نعم، فأغنت "كم" عن ذلك كله، ولهذا المعنى القائم فيها من معنى الجمع جاز رد الراجع إليها مجموعًا، حملاً على المعنى؛ كقولك: كم رجلاً جاؤوك. فأما الخبرية، فمبينها مجرورٌ بإضافتها إليه؛ كقولك: كم رجلٍ عندي؛ وكم مالٍ أنفقته؛ ومنهم (٣) من يقول: هذا الاسم بعد "كم" الخبرية مجرور بمن مضمرةً، كأن الأصل عنده: كم من رجلٍ ثم كثر، استعمال ذاك فحذفها علمًا بها، وهي مع ذاك معملةٌ لأنها عنده كالمنطوق بها؛ ولولا أنها عنده كذاك لما جاز حذفها وإبقاء عملها، إذ كانت حروف الجر) (٤) لا تضمر؛ فإن فصلت بين "كم" وبين

стр. 321

الاسم المجرور بعدها بطل الجر، لأن الجار لا يصح إعماله في مجروره مع الفصل بينه وبينه (١) لضعفه، فنصبه (٢) على التمييز ردًا إلى الأصل في عمل "كم" ولأن المنصوب يحتمل أن يفصل بينه وبين ناصبه، والمجرور ليس كذلك، وذلك قولك: كم في عمري مالاً أتلفته، وعليه أنشدوا: (كم نالني منهم فضلاً على عدمٍ ... إذ لا أكاد من الإقتار احتمل) (٣) أي كم فضلٍ نالني منهم، فلما فصل نصب على ما قلناه، فهذا حكم النصب غير الحقيقي أي المشبه منصوبه بالمفعول. وأما الجر غير الحقيقي فهو على ضربين؛ إما أن يكون الجار

стр. 322

مزيدًا لا يفتقر الكلام إليه، كالجر بالباء في قولك: ألقى بيده، فهذه الباء مزيدة هاهنا، دخولها كخروجها؛ لأن قولك: "ألقى" متعدٍ بزيادة الهمزة في أوله. فالأصل على هذا: ألقى بيده، كما قال : ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ (١) وقد جاء التنزيل أيضًا بالأخرى، قال تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) ولدخول هذه الباء في هذا الموضع، على كونها محكومًا بزيادتها عندهم، معنى يدق عن ذكره في (٣) هذا المختصر، إلا أن ظاهر الأمر عندهم فيها الزيادة كغيرها من الزيادات التي لا يختل بحذفها الكلام. وتدخل هذه الباء مزيدةً في أربعة مواضع، فتزاد مع الفاعل كقولك: كفى بزيد فارسًا، وعليه قوله تعالى: ﴿كَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (٤) أي كفى الله؛ ومع المفعول كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي أيديكم، فيمن حمل الكلام على ظاهره، وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ

стр. 323

بِالدُّهْنِ﴾ (١) أي تنبت الدهن في أحد الأقوال، وقول الشاعر: ( ........ ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور) (٢) أي لا يقرأن السور؛ قول الآخر: ( .......... ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج) (٣)

стр. 324

أي نرجو الفرج؛ ومع المبتدأ كقولهم: بحسبك صنيع السوء، وبحسبك أن تفعل كذا، أي حسبك، قال: (بحسبك في القوم أن يعلموا ... ...... ) (١) أي حسبك. قالوا: وهذه الباء هي التي عني صاحب الكتاب بقوله: "وإنما يدخل الرافع والناصب سوى الابتداء أو الجار على المبتدأ" (٢)، ومع الخبر كقولهم: ما زيدٌ بقائم، أي ما زيد قائمًا، فهي هاهنا زائدةٌ في الحديث (لا المحدث عنه. فهذه الباء في هذه المواضع الأربعة مقحمة مزيدةٌ في غير موضعها، لغير ما وضعت له، لأنها وضعت للتعدية إلى المفعول، إذا كان الفعل قاصرًا عن النفوذ إليه؛ وليست في هذه المواضع لشيء من ذلك.

стр. 325

والثاني من فروع الجر ما كان بإضافةٍ غير محضة، والمحضة هي (١) التي ليست في نية الانفصال. وغير المحضة هي التي في نية الانفصال؛ ومن شرط المحضة أن يكتسي بها الأول- وهو المضاف- كثيرًا من أحكام المضاف إليه، كالتعريف والتنكير والإبهام والتخصيص والجزاء والاستفهام، ولا يكون الأول عاملاً في الثاني في اللفظ ولا في التقدير غير الجر؛ والتي ليست بمحضةٍ بخلاف ذلك؛ فهي إنما يكون اللفظ فيها على الإضافة فقط؛ والمعنى على أن الأول عاملٌ في الثاني نصبًا أو رفعًا، فالنصب كقوله تعالى ﴿هَدْيًا بالغَ الكعبةِ﴾ (٢) أي بالغًا الكعبة، والرفع كقوله: مررت برجلٍ حسن الوجه؛ أي حسن وجهه. ولولا أن هذه الإضافة غير حقيقية، وأن الأول) (٣) في حكم الانفصال من الثاني، بتقدير التنوين فيه، وأن الأول- بهذا (٤) التقدير غير معرفٍ بالثاني، لما جاز نصبه على الحال في قوله تعالى: ﴿ثاني

стр. 326

عطفه" (١)، وإجراؤه على النكرة وصفًا في قوله ﴿هَدْيًا بالغَ الكعبةِ﴾ و ﴿هذا عارضٌ ممطرُنا﴾ (٢) لكن التقدير فيه: ثانيًا عطفه، وبالغًا الكعبة، وممطرٌ إيانا أولنا، ثم حذف التنوين تخفيفًا؛ والأصل إثباته، فعاقبته الإضافة، وعلى هذا يقدر كل اسم فاعلٍ أضيف إلى المفعول، وكل صفةٍ أضيفت إلى ما هي له في المعنى؛ فاعرف ذلك. فهذا حكم إعراب الاسم، حقيقية وغير حقيقية، وأما إعراب الفعل فليس بأصلٍ فيه ولا حقيقي كما كان الاسم، لأنه عارٍ من المعاني التي أوجبت الإعراب للاسم، وهي الفاعلية والمفعولية، والإضافة، ولأنه باختلاف صيغه (٣) يدل على الزمان، وبحروفه يدل على ما يتضمنه من الحدث، فلم يفتقر إلى إعراب يكشف عن معانيه، فإعرابه على هذا غير حقيقي، ومعنى "غير حقيقي" أنه لا يستحقه بحكم الأصل، إنما يستحقه بشبهه (٤) بالاسم، وإنما كان كذلك، لأن المعاني الموجبة للإعراب لا توجد فيه.

стр. 327

ألا ترى أنه لا يكون فاعلاً ولا مفعولاً ولا مضافًا إليه على حد الإضافة إلى الأسماء، أي لا تكون الإضافة إليه أصلاً فيه، إنما يضاف إليه، والمراد بذلك الإضافة إلى مصدره، كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) أي يوم قيام الناس؛ ويكشف عما قلناه أنه لا تستمر الإضافة إليه، فلا يضاف إليه (أعني الفعل) (٢) غير ظروف الزمان، كالآية المتلوة، وكقوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (٣) ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ (٤) و ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٥) ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ (٦) إلى غير

стр. 328

ذلك مما جاءت الإضافة فيه إلى ظاهر لفظ الفعل، لا يوجد المضافُ فيه إلا ظرف زمان، فلو قلت على هذا: غلامُ يأكلُ، وصاحبُ يذهب، وأنت تريدُ: غلامُ أكلٍ وصاحبُ ذهابٍ لم يجز لأن الإضافة إلى الأفعال ليست بأصل فتستمر؛ والإضافة إلى الأسماء أصلٌ فاستمرت في كل ما يقبل تعريفًا أو تخصيصًا كقولك: غلام زيد وصاحب امرأة. وإنما ساغ إضافة الزمان إلى الفعل – فيما عللوا – للمناسبة بينهما، والمشابهة في أن الزمان يحدث ويتقضى، والفعل كذلك، فكانت إضافته إليه لعلقته به، ولأنه – مع ذاك – دال على مصدره، فكانت إضافة الزمان إليه كالإضافة إلى المصدر، وهو اسم، وعلى ذاك يتأول. فقد بان أن إعراب الفعل غير حقيقي، أي ليس بأصل كما كان إعراب الاسم أصلًا.

стр. 329

قسمة في الإعراب أخرى الإعراب إما صريح وإما غير صريح ؛ والصريح هو ما كان بحركات أو سكون يعتقب على أواخر المعرب، إن كان مما يعرب بالسكون، أو بالحركات فقط إن كان مما لا يُعرب بالسكون، هذا (١) هو الأصل في الإعراب، أو بحروف تتنزل منزلة الحركات، إما من أصل الكلمة كالأسماء الستة، وإما مزيدةٌ عليها لمعان، وتختلف كاختلاف الأولى، فتدل باختلافها على أقسام الإعراب، كحروف التثنية والجمع؛ وقد تقدم ذكر كل ذلك، وإنما كان هذا الإعراب صريحًا لأنه زيادة في الكلمة تدل على معان زائدة على المعنى الذي تدلٌ عليه حروف الكلمة، فهو إما زيادة لفظ كالحركة أو ما يجرى مجرى زيادةٍ، وهو التغيير اللاحق للحروف. وغير الصريح أن تكون الكلمة على هيئة مخصوصة، ولا إعرابَ فيها ولا لها، فتدلُّ على ما تدل عليه، وفيها الإعراب، وذلك كالمضمر من الأسماء، فإنَّ هيئته وصورته تدل على الرفع إن كان ضمير مرفوع،

стр. 330

وعلى النصب إن كان ضمير منصوب، وعلى الجر إن كان ضمير مجرور، وهذا يقتضى أن يكون المضمر من طريق الدلالة على المظهر وإعرابه منقسمًا ثلاثة أقسام، إذ كان للمظهر ثلاثة أحوال، وهو أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، ثم إن من المضرات ما هو أشبه بالمظهرات، فينفرد بلفظه، ويستغنى عن أن يتصل بعامله، فيُسمى منفصلًا، ومنها ما لا ينفرد بلفظه، بل يتصل بعامله، فلا ينفرد منه ولا يُفصل بينه وبينه، فيسمى متصلًا، وهو أبعد من الأول شبهًا بالمظهر وأشبه بالحروف، وهذا المتصل إما يكون له لفظ، يتصل بالعامل، فهو عام في الأقسام الثلاثة، يكون للمرفوع والمنصوب والمجرور، وإما ألا يكون له لفظٌ، فيكون مستكنًا في العامل ومستترًا فيه. وهذا القسم يختص بالمرفوع (١) فقط، وينقسم قسمين: إما مستكن يجوز أن يظهر في بعض المواضع، ويخلو العامل من تضمنه، وإما مسستكنٌ يلزم استتارُه، ولا يظهر له لفظ بتة، فلا يخلو العامل منه بحال. فالمنفصل من الضمائر المرفوعات "أنا" وهو ضمير المتكلم وحده، يستوي فيه المذكر والمؤنث، لأن المتكلم لا يلبسُ في غالب أحواله،

стр. 331

فيحتاج إلى فرقان بين مذكر ومؤنث، والاسم من لفظ هذا الضمير الهمزة والنون، والألف فيه لبيان الحركة وللوقف عليها ولذلك تحذف في الوصل في اللغة المختارة، وربما أثبتت فيه (١)، وعلى ذلك قول الشاعر: (أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... ...... ) (٢)

стр. 332

وقال الآخر: (أنا أبو النم وشِعري شعري) (١) وقد تبدل هذه الألف هاء في الوقف، فيقال: أنَهْ، ورَووا في كلام حات الطائي: "وهذا فزدي أنَهْ (٢) " يريد فصدى أنا، فإذا وصل قال في اللغة الجيدة: أنَ فعلتُ كذا، بنون مفتوحة لا ألفَ بعدها، وربما سَكنَت النون فقيل: أنْ فعلت، يريد: أنا فعلت. ووردت في هذا الضمير (٣) لُغيةٌ زعم الفراء (٤) أنها على القلب، وهى قولهم: آن فعلت كذا، قال: أراد "أنا"، فقدم الألف على النون، فصارت بينها وبين الهمزة؛ والذي ذهب إليه بعيد جدًا عن مقاييس العربية.

стр. 333

والأشبه إذا ثبتت هذه اللغة على قلتها وضعفها أن تكون الألف بعد الهمزة ناشئةً عن إشباع فتحتها كما قال عنترة: (ينباع مِن ذِفري غَضُوبٍ جسَرةٍ ... ...................... ) (١) أراد ينُبعُ في بعض الأقوال، وكما قال الآخر: بمنتزاح (٢) أراد بمنتزح؛ وكما حكوا في صه: صاه.

стр. 334

وللمخاطب "أنت" قلتُ: الهمزةُ والنونُ فيه هي الاسم أيضًا؛ والتاء للخطاب مفتوحةً للمذكر ومكسورة للمؤنث، للفرق. و"نحن" للاثنين وللجماعة من المذكرين والمؤنثات من المتكلمين، وهو اسم مبنى على الضم؛ وعلةُ بنائه كونُه مضمرًا، واختصاصُه بالبناء على الحركة لا السكون لأن (١) ما قبل آخره ساكن؛ وكونُ الحركة ضمة دون غيرها، لقوةِ هذا الضمير، وكونِه لا ينفصل من الدلالة على ما زاد على الواحد من مثنى أو مجموع؛ فأما اشتراك المذكر والمؤنث فيه، في مثناهم ومجموعهما، إذا قال الاثنان: نحن فعلنا، وقالت الثنتان: نحن فعلنا وكذا الجمعان منهما، فلأن "نحن" ضميرُ المتكلم الزائد على الواحد؛ وقد بينا أن المتكلم لا يحتاج في ضميره إلى فرق بين مذكر ومؤنث لأمنِ اللبس في غالب الاستعمال وأكثر الأحوال. واستوى المثنى والمجموع في هذا الاسم، للتنبيه على أن الارتجال في هذه الضمائر أصلٌ، فلذلك لم يحتج إلى إفراد مجموعها من مثناها بصيغة تخصّذ واحدًا منمها كما كان ذلك في الأسماء الظاهرة، ولأن بين المثنى والمجموع اشتراكًا في مجاوزة الواحد، وتقاربًا في المعنى فاشتركا (٢) في هذه الصيغة.

стр. 335

وتقول في ضمير (المثنى من المخاطبين "أنتما"، فالتاء في الاسم للخطاب، والميم تدل على مجاوزة الواحد، والألف بعدها للدلالة على أن الضمير لمثنى؛ ويستوي فيه المذكران والمؤنثان لأن باب التثنية في الأسماء الظاهرة لا يختلف فيهما، والضمائر أحق بالا يختلف فيها. وتقول في ضمير المجموع من المذكرين "أنتم" والأصل "أنتمو" فالميم لمجاوزة الواحد، والواو للدلالة على أن الاسم ضمير مجموع، وضمت التاء فيها، والأصل فيها أن تُضم في الجمع، لأن الميم - وإن حجزت بين الواو والتاء - فهي حرف يشابه حروف اللين لما فيه من الغُنّة، فكأنه حرف لين، فأتبعتِ التاءُ ضمته، إذ كانت كأنها وليت الواةَ، لأن حروف اللين لضعفها كلا حاجز، فكذلك ما جرى مجراها وأشبهها؛ ثم حُملتِ التاء في "أنتما" على التاء في "أنتم" فضُمت كضمتها اشتراكًا بين المثنى والمجموع في هذا الحكم (١) ليكون اشتراكهما في هذا الحكم مشبهًا لاشتراكهما في ضمير المثنى والمجموع في الفظ، إذا كان للمخاطب وهو المتكلم، وذلك قولك: نحن، ثم يجوز حذف هذه الواو) (٢) من ضمير الجمع، للعلم بأنه بعد حذفها منه لا يُلبس بضمير المثنى، إذ كان ذلك لازمًا للألف، فلا تحذف منه لخفتها ولأن الأصل

стр. 336

الإثبات، فتقول في "أنتمو" أنتم، فحذفت (١) الواو وأسكنت الميم تخفيفًا. وتقول في ضمير جماعة المؤنث "أنتن"، فتخالفُ بينه وبين (٢) صيغة "أنتمو" الذي هو ضمير جمع المذكر، لأن الجمع فيهما - إذا كانا اسمين ظاهرين - مختلف في الصيغة في جمع الصحة وفي كثير من المكسرات. والأصل الفرق في الجمع كما الأصل فيهما في الإفراد الفرق، للتم الدلالة، وزيادة النون على التاء مشددة دليل على أن أصل "أنتم" "أنتمو"، إذ كان الحرف المشدد حرفين، والحروفُ المزيدة في "أنتمو" و "أنتن" متقاربةٌ، لأن الواو حرف لين، والنون تقرب منها في كثير من اللغة وتتعاقبان اللفظة الواحدة، فكانت النونان في "أنتن" بإزاء الميم والواو في "أنتمو" عٍدة وشبهًا في المخارج. وتقول في ضمير الغائب المرفوع المنفصل إذا كان واحدًا مذكرًا "هو" فتبنيه على الفتح هربًا من الكسر والضم في الواو، سيما والهاء قلبها مضمومة، وفي مؤنثه "هي" واحتجت في هذا إلى الفصل بين صيغتيهما مع تقارب حروفهما، لأنهما لو اشتركا التبسا، وفتحت الياءُ للما

стр. 337

فتحت له الواو (١)، فإن أسكنتا فقليل في الاستعمال، وضمير مثناهما واحد، جريًا على الأصل، وذلك قولك: "هما"، ومجموعاهما مختلفان فالمذكر "هم" والأصل "همو" وجرى عليه من حذف الواو وإسكان الميم، فقليل "هم" ما جرى على "أنتمو" حتى صار "أنتم"، وللمؤنثات "هن" واسحبه على القياس المتقدم (٢) وضمير المنصوب المنفصل "إياك" والاسم منه في القول المعمول عليه "إيا" والكاف علامة للخطاب، وهى مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، وفي المتكلم والواحدة "إياء". فالياء في آخر هذا الاسم حرف دال على المتكلم، كما كانت الكاف في "إياك" حرفًا للخطاب، وكذلك إذا كان الضمير للغائب، فقلت: "إياه"، و"إياها"؛ وكذلك مثنى هذه العلامات ومجموعها بحسب أصحاب الضمائر من متكلم ومخاطب وغائب، كقولك في المتكلم والمتكلمة إذا ثنيا أو جمعا "إيانا"، وفي المخاطب على تلك العدة إياكما وإياكم وإياكن، والأصل إياكمو على ما مضى و (في الغائب) (٣): إياهما وإياهم وإياهن.

стр. 338

وذهب الخليل (١) إلى أن هذه العلامات اللاحقة آخر هذا الاسم، الدالة على معنى من هو له - وهى الياء والكاف والهاء، ومؤنث ذاك ومثناه ومجموعه - أسماه مضمرة ذاتُ مواضع من الإعراب، وهو الجر، بإضافة هذا الاسم إليها؛ واحتج في ذلك بشيء رواه عن العرب، وهو قول قائلهم: "إذا بلغ الرجلُ الستين فإياه وإيا الشوابِّ" (٢) فأوقع الاسم الظاهر هذا الموقع الذي وقعت فيه هذه العلامات، وجره بإضافته إليه، فدل ذلك على أنها أسماءٌ كما أن "الشواب" اسم، كأنه لو أضمره قال: وإياهن، والذي رواه قليل في الاستعمال (٣) فلو قلت قياسًا عليه: إياك وإيا زيدٍ، لم يكن عندهم قياسًا مرضيًا لقلة المقيس عليه، ولأنه إن كان "إيا" ضميرًا لم تجز إضافته لأن (٤) الضمائر لا تضاف لكونها مستغنية عن الإضافة بما فيها من التعريف التام. وليس للمجرور ضمير منفصل، فيذكر، لأن المجرور أدخل في الجار وأشد اتصالًا به والتزامًا من المنصوب بناصبه، والمرفوع برافعه. ومتصل المضمراتِ عامٌ في الأضرب الثلاثة من المرفوع والمنصوب

стр. 339

والمجرور، وهو الأصل في الإضمار؛ أعنى المتصل، فالمتصل في المرفوع تاء المتكلم، ذكرًا كان أو أنثى، كقول الواحد والواحدة: قمتُ، فالتاء اسم مذمر على حرف واحد، متصل بالفعل، مسكن آخره له، مبنى على الضم لأولية المتكلم (١)، ولأنه لا يكون إلا لفاعل أو (٢) أو ما قام مقامه؛ وهذا الضمير مفتوح مع المخاطب – المذكر، فرقًا بينه وبين المتكلم؛ ولأنه كالمفعول لكونه (٣) مخاطبًا وإن كان لفاعلٍ، ومكسورٌ مع المخاطبة فرقًا بينها وبين المخاطب، وهو للاثنين والاثنتين من المتكلمين وجماعتهما "نا" في قولك: ذهبنا وقمنا؛ و "أنتما" اثنان أو اثنتان أو ما زاد على ذلك فيهما، وفي المخاطبتين "تما" في قولك" ذهبتما، فالميم لمجاوزة الواحد كما سبق، والألف لتخصيص التثنية مع الجمع؛ وفي جمعهما: قمتم وقمتن، والأصل: "قمتمو" على ما عرفت، ويقرأ بالأصل ويستعمل في فصيح الكلام، وفي (٤) الغائب والغائبة ضميرٌ مستتر لا يظهر له لفظ للعلم به، كقولك: زيدٌ قام أي هو، وهو هذا الملفوظ (٥) بيانٌ لذلك المستتر وتفسيرٌ له؛ وكذا الضمائر في الأفعال المضارعة إذا قلت: "أقوم" وأخواته،

стр. 340

وفي أسماء الفاعلين الجارية على ما هي له، كقولك: برجلٍ ضاربٍ أي هو، وكذا المفعول في "برجل مضروب"، وكذا ضمير المأمور إذا قلتً: قُم، وصَهْ، وعليك زيدًا، في هذه الكلم ضمائرُ مستترة مرفوعة منويةٌ لا لفظ لها عِلمًا من اللغة بأنها مفهومة معلومة كلَّ العلم، فاستغنت عن إظهارها، إذ كلُّ فعل لا بد له من فاعل (١)، لكن العِدة غير معلومة (إلا بدليل لفظي، فلذلك أظهرت ضمائر المثنى والمجموع مع الأفعال، فقلت في الاثنين: قاما، وفي الاثنتين قامتا، لأن فعل الواحدة دخلته تاء التأنيث – وهى الحرف عند الجمهور – فرقًا ودلالة على أن المضمر مؤنثٌ لا مذكرٌ؛ فالتاء حرف؛ والألف بعدها اسم؛ وكذا تقول في جمع المذكر: قاموا؛ فالواو اسمٌ مضمرٌ دال على جمع مذكر غائب؛ وفي جماعة الغائبات نون في قولك: ُقمْنَ، والفعل مغير مع غائب؛ وفي جماعة الغائبات نون في قولك: ُقمْنَ، والفعل مغير مع هذه النون كما غير مع التاء في قمتُ، وهى حرف واحد كما الواو في قاموا حرف واحد؛ لكنها مبنية على الفتح؛ والواو مسكنةٌ، لأن النون حرف صحيح، وهى اسم على حرف واحد، فقَوَيتْ بالبناء على الحركة، والواو ساكنة لأنها كالألف في قاما، وحركة ما قبلها من جنسها؛ وهى الضمة لفظًا وحكمًا كما حركةُ) (٢) الألف التي قبلها من جنسها على كل حال؛ فالفظ بالضمة فيما قبل الواو في مثل ذهبوا

стр. 341

وقاموا، والحكم كقولك: عَصَوا ورموا، لأن هناك محذوفًا هو الذي كان يتحمل الضمة لو ظهر، وهو لامُ الفعل المحذوفة. وأما ضمير المنصوب المتصلُ، فالياء للمتكلم – إذا كان ذكراَ أو أنثى – مفردًا، كقولك: ضربني، يقولها الواحد المذكر والواحدة، وهذا الضمير هو الياء وحدها، والنونُ قبله تقي الفعل أن يدخله الكسرُ الذي يلزم ما قبل ياء المتكلم، وفي تثنسيتها وجمعها: "ضربنا"، وفي المخاطب والمخاطبة: ضربك وضربك وضربكما والأصل ضربكمو وذربكن، وفي الغائب ضربهو، والاسم هو الهاء؛ والواوُ بعدها وصل لها، إذا وقفت عليها سقطت في جيد الاستعمال، فقلت: "ضربه"، وفي الغائبة: "ضربها"، وفي الغائبين "ضربهم"، والأصل "ضربهمو" وفي الغائبات "ضربهن". وأما ضمير المجرور فالياء في لي وغلامي للذكر والأنثى من المتكلمين، وفي تثنيتها وجمعها: "بنا" و "لنا"؛ يقول ذاك الاثنان والاثنتان والجماعة المذكرة والمؤنثة، والكاف للمخاطب والمخاطبة في بك وغلامك، والتثنية "بكما" لا تختلف، والجمع للمذكر "بكم" والأصل "بكمو"، وللمؤنث إذا جمعتً "بكنًّ (١)؛ والغائب "بهي"، والهاء وحدها الضمير؛ وكذلك "غلامهو"؛ فالواو صلةٌ، وكذا الياء؛ والأصل الواو، إلا أنها أبدلت ياء في "بهي" لخفاء الهاء، فكأن

стр. 342

الكسرة وليتها، وقد لا تقلب، بل يؤتى بها مع الكسرة واوًا فيقالُ: بهو وفيهو؛ وهى لغة الحجاز، وعليه القراءة "فخسفنا بهو وبدارِ هُو الأرض" (١)، والمؤنثة بها، وتثنيتهما بهما وإن شئت بهما، والجمع المذكر بِهِم وبِهُم، والأصل بِهِمِى وبِهمو، والجمع للمؤنث بهِن وبهنُ وفيهِن وفيهُن وعليهِن وعليهُن. وقد أحصاها – أعنى الضمائر - صاحب المختصر، وعددها في كتابه، فغنينا عن تكرار ذلك (٢).

стр. 343

باب المفرد والجملة قال صاحب المختصر (١): اعلم أن الواحد من الاسم والفعل والحرف يسمى كلمة، فإذا ائتلف منها اثنان فأفادا نحو: خرج زيد، سمي كلامًا، وسمي جملة. الفصل: اعلم أن الأمر على ما ذكر، وقد تبين (٢) في أول هذا الكتاب أن الواحد من هذه الأنواع الثلاثة يسمى كلمةً؛ وهي الجزء الواحد؛ والائتلاف المفيد منها - إذا ألفت - يسمى كلامًا عند النحويين، وجملة؛ والجملة كل لفظ أفاد السامع فائدةً يحسنُ سكوت المتكلم عندها؛ وإن شئت قلت: كل لفظ يدل جزؤه على الجزء من معناه مع إفادته فائدة حسنة يحسن الاقتصار عليها؛ وقد بين في أول هذا التعليق الائتلافُ وما يفيد منه وما لا يفيد، وعدة الجميه. واعلم أن الأصل الجملة الاستقلالُ بنفسها، والمفرد ليس كذلك؛ إلا أنها قد تقع موقعة في بعض الاستعمال فتكون كغير المستقل، ويحكم عليها بإعراب في موضعها بحسب إعراب المفرد الذي وقعت موقعه؛ وتلك المواضع محصورة، وهي ستة: خبر المبتدأ كقوله: زيد خرج أبوه؛ فقولك: خرج أبوه، في

стр. 344

موضع "خارجٌ" مثلًا من قولك: زيد خارج، فتقولُ: هذه الجملة في موضع رفع، أي المفرد وقعت يستحق الرفع، فهذه الجملة لا تكون إلا مرفوعة الموضع، حسبُ، لأن خبر المبتدأ لا يكون إلا مرفوعًا. والثانية خبر "كان وأخواتها" إذا قلت: كان زيد أبوه منطلقٌ؛ فقولك: "أبوه منطلق" جملة في موضع نصب، لأنها وقعت موقع مفرد، إعرابه النصب كأنك قلت: منطلقًا، أو منطلق الأب، أو منطلقًا أبوه، وهذه لا تكون إلا منصوبة الموضع، لأن خبر كان لأي كون إلا منصوبًا. والثالثة الواقعة خبرًا لـ "إن" وأخواتها كقولك: إن عمرًا قام أبوه، فقولك "قام أبوه" جملةٌ في موضع رفع، لأن المفرد الذي وقعت موقعه مرفوع، كأنك قلت: إن زيدًا قائم، أو قائمُ الأب؛ وهذه أيضًا لا تكون إلا مرفوعة الموضع، لا غير، لأن خبر "إنّ" لا يكون إلا مرفوعًا. الرابعة: الجملة الواقعة في موضع المفعول الثاني لـ "ظننتُ" وأخواتها، إذا قلت: ظننتُ زيدًا وجهُه حسنٌ، فقولك: "وجهُه حسن" جملة في موضع نصب، لأن المفرد الذي وقعت موقعه منصوب وهو الثاني من مفعولي "ظننتُ وأخواتها" فكأنك قلت: ظننت زيدًا حسنَ الوجه، أو حسنًا وجهُه؛ وهذه الجملة أيضًا لا تكون إلا منصوبة الموضع لا غير، لأن مفعولي ظننت لا يكونان إلا (منصوبين ..

стр. 345

الخامسة: الجملة الواقعة وصفًا للنكرة، كقولك: ربَّ رجلٍ قام أبوه، فهذه الجملة إذا وقعت وصفًا لم تُقتَر على أعراب دون إعراب، لأن الموصوف بها قد يكون مرفوعًا، فتكون في موضع رفع؛ كقولك: هذا رجل أبوه منطلق؛ وقد يكون منصوبًا، فتكونُ في موضع نصب كقولك: رأيت رجلًا أبوه منطلق، وقد يكون مجرورًا كما مُثٍّل، فتكون في موضع جر كقولك (١): مررت برجل أبوه منطلق؛ وكل ذاك (٢) لأن الصفة تابعة للموصوف في إعرابه؛ فالمفرد الذي وقعت الجملة موقعه في الوصف لا يقصرُ (٣) على إعراب مخصوص، فكان حكم الجملة حكمَه. السادس (٤) من مواضع الجملة وقوعها موقع الحال؛ كقولك: جاءني (٥) زيد تُقاد الجنائبُ بين يديه، فهذه الجمل منصوبةُ الموضع، مقصورةٌ على النصب (دون غيره من ضروب الإعراب) (٦) لأن المفرد الذي وقعت موقعه – في الحال –

стр. 346

لا يكون إلا منصوبًا، فكأنك قلت في المثالِ الذي وقعت فيه: جاءني (١) زيد مقودة بين يديه الجنائب، أو مقودة الجنائب بين يديه؛ أو كأن قلت في المعنى: جاءني زيدٌ معظمًا مبجلًا. واعلم أن هذه الجمل التي وقعت مواقع المفرادات، فحكمَ لها بإعرابها في الموضع لا تعرى من ذٍكر يرجعٌ إلى المذكور الذي كان ذلك (٢) المفرد الذي نابت هذه الجملة منابةَ تابعًا له وثانيًا كخبر (٣) المبتدأ مثلًا في قولك: زيدٌ أبوه خارج، فالهاء في قولك: أبوه هي الذكر العائد (٤). ولو قلت: زيد عمرو منطلق، لم يجز، لتعرى الجملة من الذكر، وقد بين ذلك، وعلى هذا تجري البواقي. فأما الجملة الحالية فقد تغني الواو التي تسمى واوَ الحال عن الذِكْرِ الراجع منها، وتقوم مقامه، لربطها ما بعدها بما قبلها، فكان ذلك كالذكر الرابط للجملة – التي هو منها – بما قبلها؛ وقد يجمع بين الواو وبينه، والمثال في المسألتين: خرج زد وعمرو قائم، فهذا كلام

стр. 347

أغنت الواو - وهى واو الحال - عن ذكر يعود منه إلى الأول (١)، وتقول: خرج زيد وتحته فرسٌ جزاد؛ فهذا كلام قد جمع الذكر العائد مع الواو، وهو الهاء في قولك: وتحته. وهذه الجمل الست ذوات المواضع لا خلاف فيما بينهم (٢). وهناك جمل اختلفوا (٣) فيها خلافًا لم يشيع، وهى الجملة الواقعة بعد "حتى" التي تسمى الابتدائية، يعنون التي تقع بعدها الجمل مبتدأ بها كقوله: (فما زالتِ القتلى تمج دماءها ... بدِجلة حتى ماءُ دجلة أشكلُ) (٤) ماء دجلة مبتدأ، وأشكل خبره، فهذه الجملة وما أشبهها من الجمل التي تقع بعد حتى هذه، كقولك: سرحت حتى بكرٌ (٥)

стр. 348

مسرح؛ أكثر الناس لا يحكم لها بموضع: لأنها (١) عنده غيرُ الجارة، بل هي قسم آخر من أقسامها كما أن العاطفة قسم آخرُ، إذ (٢) العاطف لا يعمل عملًا مخصوصًا عند من يعمله؛ ويقول: لم تقع هذه الجملة موقع مفرد فيحكم لها بإعرابه كما جرى الحكم فلا غيرها؛ وذهب الزجاج إبراهيم بنُ السري إلى أن هذه الجملة في موضع جر بحتي، ورد عليه أبو على الفارسي قوله هذا في كتابه الذي سماه الأغفال (٣) بكلام (٤) أطال فيه الاحتجاج، وقال: إن هذا يقتضى تعليق حرفِ الجر، وحروف الجر لا تعلق، يريد لا تمنع العمل في اللفظ بما يحول بينها وبين التأثير في مجرورها حتى يحكم لها بالعمل في المواضع. والتعليق المذكور هاهنا هو التعليق المذكور في باب "ظننت" وأخواتها لا تعليقُ الجار بالفعل، لأن هذا هو الأصل في المجيء بحروف الجر ووضعها في اللغة؛ فاعرفه واعرف (٥) أن هذا التعليق على هذا لفظٌ مشترك في اصطلاحات النحويين.

стр. 349

وممن وافق الزجاج فيما ذهب إليه في (١) هذه المسألة أبو محمد بن درستويه (٢) وبخلافهما نقول. فهذا (٣) آخر ما تيسر إملاؤه من التعليق على المختصر الموسومِ بالجمل لعبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ﵀ ورضي عنه وعن الدنيا وعن جميع المسلمين آمين. الحمد لله حق حمده، حمدًا يوافي نعمه ويكافي مزيده، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير خلقه وعلى آله وصحبه.