← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وشجرة وبقلةٌ وأكلٌ وشربٌ وسكون، وحركة ونوم ويقظة وموت وحياة وقائم وساكن ومتحرك وحيٌ وميتٌ؛ الجامد والمشتق والمفرد والمركب في هذا الاعتبار سواءٌ، فاعرفه. وأما المعرفة - وهي كما قلنا التي تخص الواحد من جنسه في أصل وضعها - فتنقسم أقساماً خمسة: منها المضمر نحو: أنا، وأنت، وهو والكاف في رأيتك وبك، فهذه الكلم وما جرى مجراها - قلت حروفها أو كثرت - أسماءٌ مضمرةٌ، وسميت مضمرةً، هي وما جرى مجراها لأنها في الأمر العام إنما تأتي بعد مذكور ظاهر كقولك: زيد مررت به، أو ما يقوم مقام لفظ الاسم الظاهر الذي يعود الضمير إليه كالمتكلم إذا قال، أنا فعلت، فناب المتكلم ها هنا مناب اسمه؛ وكذا المخاطب على اختلاف ضروبه، ثم يختصر اللفظ الظاهر، فلا يعاد المذكور بصورته (١) كراهةً للتكرير وخشية اللبس في بعض الأحوال، أو في جميعها أو اختصاراً أيضاً، فإن الاختصار مع العلم مطلوب عندهم. فمجموع ما ذكرنا أو بعضه علةٌ (٢) في وجود الأسماء المضمرة في اللغة والمثال في ذلك زيدٌ مررت به لو نطقت بالأصل في إظهار الاسم المتقدم وتكريره مع الباء، فقلت: زيدٌ مررت بزيدٍ لكان التكرار غير مستحسن عند من له ذوقٌ في البلاغة، ولتوهم ما يلبس،

стр. 282

لأن الشركة قد تقع في الاسم المظهر؛ بل القليل من المظهرات هو غير ذي الشركة؛ فكان السامع ربما توهمه زيداً غير الأول؛ ولهذا احتجت إلى وصفه إذا قلت: مررت بزيدٍ العاقل لإزالة شركةٍ واقعةٍ فيه وقوعها في النكرات، وإن اختلفت جهتا الشركة في قولك: زيدٌ، وقولك: رجلٌ. ويتبين لك قبح التكرار وخوف اللبس في إعادة الظاهر في احتياجك إلى ذكر الظاهر أكثر من مرة إذا قلت: زيدٌ مررت به، فأكرمته ورأيت أباه فأحسنت إليه؛ وعلى هذا النهج من الإطالة إذا احتيج إليها، فوقع التكرار. فول قلت في هذه المسألة وهذا المثال: زيدٌ مررت بزيدٍ، فأكرمت زيداً ورأيت أبا زيدٍ فأحسنت إلى أبي زيدٍ لوقع لبس عند السامع لإخفائه، ولسمج التكرار وبان أن الإضمار أخصر وأبلغ. فأما ما جاء من مثل قوله تعالى ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (١) [الحاقة: ١ - ٣] و ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (٢) [القارعة: ١ - ٣] وما أشبه هذا مما كرر فيه الظاهر، وهو لعينٍ واحدة، ولم يضمر على المعهود من استعمالهم، فله حكمٌ زائدٌ انفرد به هو التعظيم والتفخيم في تكرير الاسم بلفظه لا عائده، ولو كان مستعملاً بالعائد لما منعته اللغة، ولكن هذا أبلغ في التفخيم، أعني إعادة مثل هذا بلفظه الأول؛ إلى غير ذلك من فوائد في هذا الاستعمال لا تكون في غيره وإن كان جائزاً لا يحتمل هذا المختصر ذكرها.

стр. 283

فلما استطالوا الإعادة والتكرار أتوا بهذه الضمائر بحسب المضمرات عدداً وتذكيراً وتأنيثاً وإعراباً، وأمنوا معها اللبس مع اختصارها. فأما اختصاصها بالحروف (١) الموضوعة لها فشيء يطول بتعليله هذا المختصر مع ارتفاعه عنه لدقته. والإضمار في اللغة الإخفاء، قال الشاعر يصف ثوراً وحشياً: (يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيفٌ على شرفٍ يسل ويغمد) (٢) وقال الأعشى (٣): (أرانا إذا أضمرتك البلاد ... د نجفى وتقطع منا الرحم) أي إذا أخفتك، وسترتك، فكأن الاسم المظهر إذا لم يعد ذكره قد ستر وأخفي وجعل مكناً في النية، وهذا الضمير الموضوع دليل عليه. والإضمار في اللغة الإخفاء، ولأن (٤) كثيراً من الضمائر من الأسماء

стр. 284

لا لفظ له ظاهراً كضمير الغائب والغائبة في قولك: زيدٌ قام، وهندٌ قامت، وعمرو يقوم، وضمير المواجه في قولك: أنت تقوم؛ وقم يا زيد، وفي المتكلم إذا قال: أنا أقوم، فالاسم في هذه الأمثلة وما مجرى مجراها مكنٌ في هذه الأفعال ملزم ذاك، ألزمته اللغة الاستتار، ولم تجعل له لفظاً إذا كان مفرداً، ثقة بعلمه، إذ كان الفعل لابد له من فاعل. فهذا الحكم الموجود في هذه الضمائر المستترة هو حقيقة الإضمار والإخفاء، ثم حمل ما ظهر له لفظٌ من هذا الضرب، متصلاً كان أو منفصلاً، على هذا القسم في التلقيب فقيل في كله: مضمر، وذلك كالتاء في قمت، وهذا متصل، وكقولك: أنت وهذا منفصلٌ، وهذا يشهد بأن المضمرات المتصلات أصول للمنفصلات منها، ولهذا إذا قدرت على الضمير المتصل لم تأت بالمنفصل إلا في ضرورة شعر، كما قال: ( .................... ... إليك حتى بلغت إياكا) (١) يريد حتى بلغتك، وكذا قول الآخر:

стр. 285

( .............. قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير) (١) يريد: قد ضمنتهم، فوضع المنفصل موضع المتصل اضطراراً. وينقسم المضمر ثلاثة أقسام كما (٢) المظهر له ثلاثة أحوال في الإعراب، وهي الرفع والنصب والجر، فضمير المرفوع يكون متصلاً ومنفصلاً، فمتصلة كتاء المتكلم والمخاطب من المذكر والمؤنث، كقولك قمتُ، وقمتَ، وقمتِ، وضمائر المثنى والمجموع من ذاك، كقولك في المتكلم: قمنا، وفي المخاطب: قمتما وقمتن، ومنفصل كضمير المتكلم أيضاً إذا قال: أنا. والمخاطب والمخاطبة إذا قلت: أنتَ وأنتِ، ومثنى ذلك ومجموعه إذا قلت: نحن وأنتما وأنتم وأنتن. وفي الغائب والغائبة: هو وهي، والمثنى والمجموع: هما وهم وهن.

стр. 286

وضمير المنصوب يكون أيضاً متصلاً ومنفصلاً، فالمتصل للمتكلم الياء في نحو: ضربني، والنون وقاية قبلها في عرف البصريين (١) وعماد في عرف الكوفيين. وللمخاطب الكاف إذا قلت: أكرمُكَ وأكرمكِ، ومثنى ذلك ومجموعه: ضربنا وضربكما وضربكم وضربكن، وهاء الغائب المذكر في قولك: ضربه، وهاءٌ وألفٌ للمؤنث في قولك: ضربها ومثنى ذلك ومجموعة في قولك: ضربهما وضربهم وضربهن. والمنفصل إياي للمتكلم، ومثناه ومجموعه مذكراً كان أو مؤنثاً إيانا، وللمخاطب إياكَ وإياكِ وإياكما وإياكم وإياكن، والغائب: إياه، والغائبة إياها، وتثنيتهما: إياهما، وضمير جمع المذكر: إياهم وجمع المؤنت: إياهن. والثالث ضمير المجرور، ولا يكون منفصلاً البتة، ولا يكون إلا متصلاً، نظراً إلى ظاهره، وحكمه (٢) في شدة اتصاله بعامله الجار من حرفٍ هو الأصل في الجر أو اسم جارٍ بالإضافة بمعنى الحرف؛ وكلا القسمين يتصل بالظاهر إذا عمل فيه أشد الاتصال، حتى أنه يقبح (٣) الفصل بينه وبينه في الضرورة الشعرية التي هي مظنة الاتساع والتجوز وركوب المحظور في حال النثر أشد القبح، فلا يجوز لشاعر محدث ركوب تلك الضرورة الواردة عنهم في الشعر من ذلك كما

стр. 287

جاز له ركوب غيرها من الضرورات التي كثرت عنهم، وإن ركبها لم يحمد، فكان ضمير المجرور متصلا البتة لا منفصلاً لذلك، وهو الكاف في بكَ وبكِ وبكما وبكم وبكن، والياء في: بي وفروعه مثل (١) بنا وهاء الغائب مثل به والغائبة بها، ومثناهما ومجموعهما مثل بهما وبهم وبهن. واعلم أن الأصل في جميع ضمائر الجموع المذكرة المذكورة مما فيه الميم أن تأتي بعدها واو، وتكون الميم عندهم لمجاوزة الواحد، والواو لتعيين أن المجاوزة إلى جمعٍ لا تثنية؛ كقولك في أنتم: أنتمو، وفي مهم: مهمو، وفي قمتم قمتمو، وكذا في المنصوب والمجرور، ما اتصل، وما انفصل؛ كقولك رأيتكمو، ورأيتهمو وبكمو ومنهمو إلا أنهم حذفوا الواو تخفيفاً وسكنوا الميم قبلها بحذف ضمتها علماً بأنه غير ملبسٍ مع التخفيف بواحدٍ ولا تثنيةٍ؛ أما الواحد فلتعريه من العلامة البتة، وأما التثنية فللزوم الألف لها إذا قلت: هما وإياكما وبكما؛ وإن استعمل الأصل، ورد المحذوف فجيدٌ كثيرٌ في استعمالهم الفصيح، يقرأ به القرآن، ويتكلم به الفصحاء في النثر والنظم. واعلم أن الأسماء المضمرة من قبيل المعارف التي لا يصح تنكيرها هذا على الإبهام الذي فيها وذاك أن الاسم لا يضمر إلا بعد أن يُعرف كل العرفان، فظاهره قد أغنى في (٢) البيان. فأما قولهم: ربه رجلاً، فإنما جاز دخول "رب" على هذا الضمير، وهي – أعني

стр. 288

رب - من خواص النكرات، لأنه لما لم يعد إلى مذكور مع الإبهام الذي يقع في المضمرات أشبه النكرات، فجاز دخول "رب" عليه كما تدخل على أقرب النكرات من المعارف، ولذلك لزم تفسيره بالنكرة لما أضمر قبل الذكر، وهو مع ذاك قليل نادر، إنما ورد في ضمير الغائب لا غير، ولا يجوز أن يقاس عليه ضمير مخاطبٍ ولا (١) مخاطَب، لأنه (٢) لا إبهام فيهما كما في الغائب، وهذا يشهد لمن رتب الضمائر في التعريف، فجعل بعضها مع شمول التعريف إياها (٣) أمكن من بعضٍ فيه وأفضل؛ كمن (٤) قدم ضمير المتكلم في ذلك، ثم ساقها من بعده السياقة المذكورة في كتبهم. وقد جاء هذا الضمير اللاحقة (٥) "رب" مؤنثاً، وذاك بحسب المعنى المستعمل في ذلك. قال الشاعر: (ماوي بل ربتما غارةٍ ... شعراء كاللذعة بالميسم) (٦)

стр. 289

وتختص المضمرات بأنها لا توصف ولا يوصف بها، وبهذا يستدل على أنها أعرف المعارف، إذ كان غيرها من المعارف لا يمتنع من أن يوصف أو يوصف به، أو يجتمع له الأمران: الوصف به وأن يوصف؛ وكل ذلك مما يوهن تعريف الاسم ويشر به ضرباً من التنكير. فإذا مر في كتب النحويين (١) وصف المضمر أو الوصف به، فالمراد بذلك تأكيده أو التأكيد به لا حقيقة الوصف، على حد قولك: مررت بزيدٍ القائم، ومثال ذلك مررت بك أنت وقمت أنت؛ فأنت تأكيدٌ للضمير قبله. وقولهم فيه: إنه وصفٌ له تجوزٌ على ما بينت ومثلت. والمضمرات على اختلافها مبنيات كلها، متصلها ومنفصلها، لأنها لما لم تقم بأنفسها في الدلالة، بل افتقرت إلى مذكور ترجع إليه أشبهت الحروف التي لابد من أن تكون وصلةً لغيرها مما معناها فيه، والحروف كلها مبنيةٌ؛ فوجب بناء المضمرات لشبهها في هذا الحكم، وهذه هي علة بناء الأسماء الموصولة، لافتقارها إلى الصلة كما يفتقر الحرف إلى ما يتصل به. وإن شئت عللت بناء الاسم الموصول بأنه لما كانت الصلة تتمةً له، وهو لا يغني في الدلالة على ما تحته دونها، كان كبعض الاسم، فتنزل منزلة "جع" من جعفرٍ أو "عم" من عمروٍ؛ وبعض الاسم لا يستحق الإعراب، وإذا لم يستحق الإعراب كان مبنياً.

стр. 290

ومثال الموصول قولك: مررت بالذي قام أبوه، فالذي اسم موصول، وما بعده مما يتم به معناه صلته، وكذلك مؤنثه وتثنيتهما وجمعهما وما جرى مجراهما مما هو في معناهما كمن وما وأي إذا استعملت موصولة. ومنها الأعلام، والاسم العلم كل لفظ علقته على مسمى، فجعل ذلك اللفظ علامة له ينفرد بها عن جنسه؛ فلا يشركه فيه غيره، هذا أصل وضع العلم، فمتى كان بهذه الصفة لم يحتج إلى الوصف؛ وإنما يوصف إذا دخلته الشركة، أي شورك في ذلك اللفظ (١) فكان مطلقاً على غيره علماً أيضاً. وتلك الشركة إنما تقع مواردةً، فليس الاشتراك الواقع في لفظ "زيد" في انطلاقه على زيد الخيل (٢) مثلاً وعلى زيد بن حارثة (٣)

стр. 291

وزيد بن ثابت (١) وزيد مناة (٢) وغير هؤلاء ممن اسمه زيد، هو الاشتراك الواقع في رجل وفرس وغيرهما من النكرات الصالحة لكل واحد من جنسها (٣)، لأن اشتراك النكرة الممثل بها وما أشبهها مقصودٌ في أول الوضع، والاشتراك الواقع في الأعلام غير مقصود، فاعرفه فرقاً واضحاً بينهما. وعلى كل حال، فما وصف العلم فقيل مررت بزيدٍ الظريف كما توصف النكرة، فيقال برجلٍ ظريفٍ إلا لرفع اللبس بالاشتراك الواقع فيهما. وقال النحويون في الاسم العلم: هو مجموع صفاتٍ، يريدون بذلك أنك إذا سميت شخصاً من الآدميين زيداً أو عمراً استغنيت بهذه السمة عن قولك: الكريم العاقل الشجاع الطويل، وغير ذلك من صفاته التي يفرق بذكرها بينه وبين مشاركه (٤) في جنسه حين كان نكرة، فقام لفظ زيد وما أشبهه من الأعلام مقام هذه الصفات (٥) الفارقة وأغنى

стр. 292

عنها، وعن الإطالة بها، فلهذا قالوا فيه: إنه – أعني العلم – مجموعها، وكذا تقول فيما علقته علماً في غير العاقلين كباقي الحيوان والجماد من بلدٍ وغيره، وكالمعاني (١) التي ليست بجثثٍ فاعرفه. واعلم أن معنى المواردة (٢) في الاسم العلم هي أن يسمي الرجل ابنه عمراً، كعمرو بن تميم (٣)، وهذا على أنه (٤) علم له يعرف به لا يشركه فيه عنده غيره، ويسمي آخر ابنه عمراً وقصده به ذاك القصد كعمرو ابن مالك (٥) وكذا عمرو بن معد يكرب (٦) وعمرو بن العاص (٧) وعمرو

стр. 293

ابن أميه (١) وعمرو لهاشم جد أبي النبي ﷺ وهو عمرو العلي (٢). فكل هذه الشركة الواقعة في هذه الأسماء وما أشبهها من الأعلام مواردةٌ أي اتفاقٌ في الشركة من غير قصدٍ لها كتوارد الشاعرين البيت الواحد من غير سرقةٍ (٣) من أحدهما. واعلم أن العلم معرفة بالوضع لا بالأداة، وبابه أن يكون للأعيان، أي الجثث عند النحويين، فإن جاء في المعاني فقليل؛ فالأعيان ظاهرة الأمر، وذلك كقولك: زيدٌ وعمرو وهندٌ ودعدٌ وشد قمٌ وجديلٌ (٤) في اسمي الفحلين الذين تنسب إليهما الإبل في قولهم شد قيمةٌ وجدليةٌ، وسبلٌ، ولا حقٌ، والوجيه (٥) في أسماء الخيل المشهورة الموصوفة

стр. 294

بالعتق، وغيثة وبركة، وهما شاتان من شاء النبي ﷺ وكن تسعاً، وكمكة وعمان (١) في أسماء البلاد. فأما المعاني فكقولهم في لفظة التنزيه والتبرئة "سبحان"، وذلك في قول الشاعر: (أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر) (٢) ذهب المدققون (٣) منهم إلى أنه جعل "سبحان" علماً لهذا المعنى، فلذلك منعه الصرف؛ ومنهم من يذهب إلى أن هذا الاسم باقٍ على حاله في أصل استعماله، وأن حذف التنوين منه ليس لمنع الصرف، وإنما هو باقٍ على إرادة المضاف إليه المحذوف ضرورةً، كأنه قال:

стр. 295

سبحان الله. والأول أشبه بالصناعة والثاني أقرب مأخذاً، وذهب أبو علي في قول الفرزدق: (وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... بها جرب عدت علي بزوبرا) (١) إلى أن "زوبرا" اسمٌ علمٌ في هذا البيت، علقه الشاعر على القصيدة فلم يصرفه للتأنيث والتعريف. وبالجملة، فتعليق الأعلام على المعاني قليلٌ ضعيفٌ في قياس العربية، لأن الجثث هي الثابتة اللابثة، فهي بوضع الأعلام عليها لتختص، وينفرد بعضها من (٢) بعضٍ أحق؛ فأما "محوة" في اسم الشمال من قوله:

стр. 296

(قد بكرت محوة بالعجاج ... فدمرت بقية الرجاج) (١) فعلم علق عليها، والريح من قبيل الأجسام لا المعاني. ولا يخلو العلم من أن يكون مرتجلاً أو منقولاً من جنسٍ، أو (٢) وصفٍ يغلب عليه. فالمرتجل نحو فدو كسٍ (٣) وغطفان (٤) وعمران وعثمان. ومعنى المرتجل أنه وضع وضعاً أولياً ولم ينقل من مسمى إلى غيره؛ والمنقول هو الذي يكون موضوعاً في الأصل لجنسٍ، ثم ينقل، فيسمى به شخصٌ من جنس آخر، فيصير علماً له، كرجلٍ سميته

стр. 297

بأسدٍ وكأسد بن خزيمة (١) أو ثور كقوم سفيان (٢) أو قردٍ (٣) كالبطن من هذيل أو حمار كمعقر بن حمار (٤) أو كلبٍ ككلب بن وبرة (٥)، أو زيدٍ وهو مصدر زاد يزيد زيداً، أو عمروٍ، وهو إما الواحد من عمور الأسنان أو البقاء، لأنك تقول أطال الله عُمرك وعَمرك. وربما سمى اللغويون هذا الضرب من المنقول على وصفنا مشتقاً، وعلى ذلك وضع كثير منهم كتباً في الاشتقاق، أكثرها على هذا، كالأصمعي (٦) وغيره، فإنهم يسمون الكتاب بالاشتقاق، ويذكرون فيه: أن

стр. 298

طلحة (١) واحدة الطلح، وثمامة (٢) واحدة الثمام، وسمرة (٣) واحدة السمر، وكل ذلك شجر وهي أجناس عندهم عامةٌ لما تحتها (٤). وبالجملة فكل لفظٍ نقل عن موضعه في الأصل، فعلق على مسمى (٥) فإنه علم للثاني المنقول إليه مفرداً كان أو غير مفرد، فالمفرد كما مثلنا هو أحد قسمي المنقول من المفرد، والقسم الآخر الوصف المعلق علماً؛ وهو المسمى عندهم غالباً كقولك: الحارث والعباس والحسن، فهذه الأسماء أوصاف في الأصل تجري على موصوفاتها، كقولك: مررت برجل حارثٍ وعباسٍ وحسنٍ، ثم جرت على المعارف كما جرت على المنكرات؛ فتقول بالرجل الحارث للكاسب والعباس للكثير العبوس، وبالرجل الحسن، ثم غلبت هذه الأوصاف بحذف موصوفاتها وقيامها مقامها، حتى اطرح ذكرها معها فاستعملت أعلاماً (٦) ولكونها في الأصل على ما بينا كان للعرب فيها لغتان: إلحاق لام التعريف بها،

стр. 299

وحذفها منها، كقولهم: حارثٌ والحارث، وعباسٌ والعباس وحسنٌ والحسن، قال الشاعر: (ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أحبه ... علي وعباسٌ وآل أبي بكر) (١) يريد بعباسٍ العباس بن عبد المطلب (٢)، والميت النبي ﷺ . وقال الآخر: (أترجو أمةٌ قتلت حسيناً ... شفاعة جده يوم الحساب) (٣) يريد الحسين (٤) بن علي ﵉.

стр. 300

فمن ألحق اللام هذه الصفات المعلقة أعلاماً راعى معنى الوصف في الأصل، ومن حذفها غلب النقل إلى العلمية، ولم يراع للكلمة (١) أصلاً في أول الوضع، أي قبل النقل، وقد تغلب العلمية في بعض هذه الصفات المنقولة، فلا تلحقها اللام البتة، كمحمدٍ وعليً في اسم النبي ﷺ وابن عمه علي كرم الله وجهه، فلا يقال فيهما المحمد ولا العلي كما قيل عباسٌ والعباس. والإلحاق في هذه الأوصاف المسمى بها لام التعريف، وترك الإلحاق أمرٌ موقوف على السماع لا يحكم فيه القياس. وأما غير المفرد من المعلق علماً فكالجمل المسمى بها من نحو: تأبط شراً (٢) وبرق نحره، وذرى حباً (٣)، وشاب قرناها (٤) كل هذه

стр. 301

جملٌ في الأصل دوام، مكتفيةٌ في الإفادة بأنفسها، نقلت عن بابها، وعلقت أعلاماً لأغراضٍ لهم في ذلك وأسبابٍ، فخرجت إلى باب المفرد وجرت مجراه في أنها لا يكتفي في الفائدة التامة بنفسه، نعم وصارت معارف بعد أن كانت نكرات. وكذا لو علقت بيتاً من الشعر علماً على شخصٍ لكان لك ذلك (١) لأن تعليق الأعلام لا حجر فيه، ولا حظر على من أراد تسميةً؛ فكان حكم البيت في أن لا (٢) يفيد وحده، وأن يحكى لفظه حكم الجمل الممثل بها. وللأعلام انقساماتٌ في الإفراد وغيره، والنقل لمعنى موجود في المنقول إليه (٣) وغير ذاك، يطول بذكرها مفصلةً هذا المختصر. ومنها التعريف باللام ، وهو المسمى عندهم صناعياً؛ والتعريف بها إما أن يكون لاستغراق الجنس واستيفائة، كقولك: الدينار خيرٌ من الدرهم، والرجل أفضل من المرأة، لا تريد بهذا ديناراً بعينه ولا درهماً مخصوصاً، وكذلك لا تعني بقولك: الرجل شخصاً مخصوصاً بالتفضيل، ولا امرأة مرادة بأنها مفضولةٌ، بل تريد جميع الجنس من هذين المثالين وأشباههما. ويكشف عن المراد بهذا قوله سبحانه ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ

стр. 302

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) [العصر: ٢ - ٣]، فلفظة الإنسان ها هنا عامةٌ، تنطلق على جميع الآدميين بدليل استثناء الجمع منها، لأنه إنما يستثنى الأقل من الأكثر؛ ومحالٌ استثناء كثرة من واحد. وإما أن تكون، أعني لام التعريف، لتعريف العهد، كقول قائل مثلاً: لقيت رجلاً كريماً أو رجلاً من شأنه كذا، فيقول المخاطب إن عناه أمر ذلك الرجل: فما فعل الرجل؟ أي المعهود بيني وبينك في الذكر أيها المتكلم، فلابد في تعريف العهد من مذكورٍ ومخاطَب ومخاطِب (٢). ومن هذا الباب كل نكرة تصدرت في أول خطابٍ ثم أعيدت بعينها، فإنها تعرف بلام التعريف لئلا (٣) توهم بأنها غير تلك المذكورة. فمثال المنكورة (٤) ثم تعاد معرفةً، قولهم في أوائل المراسلات: سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله، ثم يختم مكتوبه بقوله، والسلام عليك، ورحمة الله؛ أي ذلك السلام الذي عهدتني ذكرته في أول كتابي. ومنه قوله سبحانه في سورة مريم حين ذكر يحيى بن زكريا

стр. 303

عليهما السلام، وقدم قصته: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١) [مريم: ١٥]، ثم ذكر بعده عيسى ﵇ فقال حاكياً عنه ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٢) [مريم: ٣٣]، لأن السلام قد سبق ذكره في تلك القصة منكراً، فأعاده سبحانه في القصة التي تليها معرفاً، ويكشف عن هذا القصد أن النكرة إذا أعيدت بلفظها فظاهر الاستعمال يعطي أنها غير الأولى، كقول القائل: أخذت درهماً، وأعطيت درهماً، فظاهر الأمر أن يكون مراده أنني أعطيت مثل ما أخذت لا هو بعينه، وإن كان غير ممتنع أن يكون قد أخرجه بعينه. ويشهد لذلك قوله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٣) [الشرح: ٥ - ٦] حين قيل في معناه "لن يغلب عسرٌ يسرين" (٤) ومعلومٌ أن العسر مكرر في الآية مرتين كما أن قوله يسرا مكررٌ مرتين. فلولا أن المعرف باللام إذا كرر لفظه أعطى أنه الأول بعينه،

стр. 304

والمنكر إذا كرر كان غير الأول لما فسر بأنه عسر واحد ويسران وهذا واضح جداً. وللألف واللام (١) انقسامات من طريق الزيادة؛ وغير الزيادة، واللزوم وغير اللزوم يطول ذكرها، فأضربنا عنها لذلك. ومنها المبهم، وهو إما اسم إشارة كقولك «ذا» في الإشارة إلى كل مذكر مفرد وذي في المؤنث، و «تا» و «تي» أيضاً في المؤنث وتثنيتهما وجمعهما، كقولك في تثنية المذكر: «ذان» في الرفيع وذين في الجر والنصب. وفي جمعه أولاء بالمد و «ألى» بالقصر وهو لفظ موضوع للجمع من غير لفظ الواحد، فهو في المبهم كقوم في جمع امرئ في الأسماء غير المبهمة (٢)، وفي تثنية المؤنث «تان» و «تين» ويتجنب فيها «ذان»، وإن كان الأصل، ليقع الفرق بين تثنيتها وتثنية مذكرها، وكذا فعلوا في تصغيرها فقالوا «تيّا» في جميع لغاتها ولم (٣) يقولوا في تصغير «ذي» ذيّا ليفرق أيضاً في ذايين المذكر والمؤنث، والفرق مطلوب فإذا أمكن كان استعماله هو هو القياس، لأن غير الفرق يُلْبِسْ واللفظ إنما وضع للبيان لا للإلباس. وتقول في جمع المؤنثة المبهمة «ألاء» و «ألى» بالمد والقصر

стр. 305

أيضاً كما قلت في المذكر، وهذا مما شركوا فيه بين المذكر والمؤنث، لأنهم ربما تركوا الفرق لئلا تكثر الأوضاع أو لغير ذلك من الأغراض مما يطلع عليه أو لا يُطلع، وثقة بأن المعنى مفهوم بجهة أخرى (١) تقترن باللفظ المشترك، تقع بها الميزة، ويتبين المقصود. و«ها» الملحقة أوائلها مفردة ومثناة ومجموعة ومصغرة ومكبرة في مثل: هذا وهذين وهاتا وهاتين، وهؤلاء وهؤلى فيها، وهاذيا وهاتيا حرف تنبيه. والكاف، إذا لحقت آخراً، حرف خطاب في مثل ذاك وهذاك، وأولئك وذانك، قال تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] (٢). واللام في ذلك للبعد، أي أن الإشارة في هذا إلى بعيد؛ وكذا ينبغي أن تكون في «تلك» وإن كانت مكسورة وهذه ساكنة. وربما فرق بينهما بعض النحويين المتقدمين، لاختلافهما في الحركة والسكون؛ وإذا حقق النظر كان الوجه غير ذلك، ويبين أنها للبعد أنها لا تجمع في الاستعمال مع «ها» التي للتنبيه لاتفاقهما في الدلالة على التراخي والبعد في المشار إليه؛ فلا يقال: «هذلك» ولا «هاتلك»، وإن جاء شيء من ذلك محكياً من جهة موثوق بها فلا شبهة في شذوذه. وهذه الأسماء ينقسم استعمالها من جهة التنبيه والخطاب إلى وجوه،

стр. 306

أحدها أن تستعمل بحرف التنبيه فيقال هذا وهذه، والهاء (١) في هذه الأخيرة بدل من ياء «ذي»، وهي ملحقة بياء بعدها لمطل الصوت وإشباعه ولخفاء الهاء المبدلة من الياء، والآخر أن تستعمل بحرف الخطاب كقولك: ذاكَ وتيكَ وأولئك وذانِكَ. والثالث أن تستعمل بهما كقولك هذاك وهاتيك. والأصل فيها تعريها من الجميع، كقولك: ذا زيد وذي هند، قال ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] (٢) واعلم أن هذه الأسماء المبهمة كلها مبنية لتضمنها عندهم معنى الإشارة؛ ولهم في تعليل بنائها غير هذا؛ وهي معارف كلها لا تتنكر. وربما نفرت الطباع من جمع هذين الوصفين لهذه الأسماء، أعني التعريف والإبهام، وإذا اعتبر أمرها في إطلاق هذين الوصفين عليها علم أنه لا تناقض في ذلك ولا تدافع، إذ كان الإبهام غير التنكير؛ ألا ترى أنها بالإشارة إليها مخصوصة مقصورة، فهي لذلك معارف أبداً بدليل أنك لو أردت سبرها بعلامة النكرات فأدخلت عليها «رب» لم تستقم وكذا لو وصفتها بالنكرة لم يجز، فلو قلت: رب ذا ظريف أكرمت كان فاسداً.

стр. 307

ولتعريفها وتمكنها فيه (١) ذهب كثير من النحويين (٢) إلى أنها أعرف المعارف وقالوا: هي معرفة بجهتين بالقلب (٣) والعين. على أنهم قد انقسموا في القول بأعرف المعارف ما هو بحسب انقسام المعارف كمن يقول (٤) بهذا ومن يقول بالعلم ومن يقول بالمضمر، وبالباقي منها. وليس ذا موضع ذكر حججهم باستقصاء. وأما كونها مبهمة مع كونها معارف فهو أنها لا يشار بها إلى شيء، فيقتصر بها عليه حتى لا تصلح لغيره، ألا ترى أنك كما تقول: ذا زيد، تقول: ذا عمرو؛ بل وينتقل هذا الاسم في الإشارة (٥) به إلى الأنواع المختلفة والأجناس المتباينة؛ فتقول ذا فرسي، وذا رمحي، وذا ثوبي، وذا عملي، وذا أكلي، وذا شربي، وذي حركتي، وذا سكوني، فيقع اسم الإشارة كما ترى على هذه المختلفات ولا يختص بواحد منها دون آخر، وهذه حقيقة الإبهام؛ فلذلك قيل لها: مبهمة

стр. 308

وكذا (١) قيل في المضمرات لتقلها وأنها لا تكون لمسمى دون مسمى (وكذا الأسماء الموصولة معارف مبهمات) (٢). وهناك دقيقة (٣) في الفرق بين اسم الإشارة وبين المضمر؛ قالوا: إن مبين المضمر يقع في الأصل قبله، يعنون المظهر الذي المضمر راجع إليه كقولك: زيدٌ مررتُ به، ومبين المبهم أي اسم الإشارة يقع بعده، يعنون اسم الجنس الذي يوصف به اسم الإشارة كالرجل والفرس والثوب إذا قلت مررت بذلك الرجل وركبت ذلك الفرس ولبست ذاك الثوب.

стр. 309

القسم الثاني من المبهم وهو الاسم الموصول كالذي والتي، ومَنْ ومَا وغيرها من الموصولات شأنها هذا الشأن؛ ألا ترى أن هذه الأسماء لا تخص مسمى دون مسمى، فهذا إبهامها، وأنها معارف بصلاتها بدليل امتناع علامة النكرة من الدخول عليها، وهي «رُبَّ»، ووصفها بالمعارف دون النكرات إذا قلت: مررت بالذي في الدار الظريف، فقد استبان أنها مبهمة وأنها معارف؛ وتعرفها بصلاتها لا غير؛ وليست الألف واللام في الذي والتي وفروعها بمعرفة، بل زائدة زيادة لازمة عندهم وذاك لإصلاح اللفظ، إذ كانت أوصافاً في الأصل للمعارف، ثم غلبت (١) كما غلب العبد والملك؛ أي فصارت تذكر كثيراً من غير ذكر موصوف بها (٢) كما يذكر العبد والملك كذلك؛ إذ الأصل: الرجل الملك والرجل العبد، إلا أن هذين الاسمين أقعد في هذا الحكم من الذي وما جرى مجراه من الموصولات التي توصل بها إلى وصف المعارف بالجمل. ويدلك على أن تعرفه (٣) بالصلة لا باللام التي فيها تعرف من وما

стр. 310

الموصولتين، ألا تراهما إذا وصلتا معرفتين ولا لام فيها؛ فثبت وتبين بذلك أن تعرف الجميع بالصلات؛ وإنما لم يحتج في «من» و «ما» إلى إدخال اللام فيها وإلزامها إياها كما ألزمت «الذي» و «التي» لأن «من» و «ما» لا يوصف بهما فلم يحتج إلى إصلاح اللفظ بلحاق لام التعريف بهما، وقد أسلفنا ذكر بناء الموصولات فلا نكرره. وأعلم أن «من» في مثل قول الشاعر: (رب من أنضجتُ غيظاً صدره ... قد تمنى لي موتاً لم يطع) (١) ليست بموصولة بل نكرةٌ موصوفةٌ، مثل ما في قوله: (رب ما تكره النفوسُ من الأمر ... له فرجةٌ كحل العقال) (٢)

стр. 311

وقولك مررت بما حسنٍ أي بشيء حسن، إلا أن «مَنْ» لمن يعقل و «ما» لما لا يعقل. ومن الموصولات «أيُّهُمْ» في قولك: اضرب أيُّهم أفضل، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] (١). فمذهب سيبويه (٢) في هذا الاسم أنه بمعنى الذي، يوصل كما يوصل، وهو مبنيٌ كما أن الذي مبني؛ لكنه مبنيٌ على الضم؛ فالضمة فيه بناء. وهو مع ذلك يفارق الذي بحكم لا يكون للذي؛ وذلك أنه إذا أتم صلته أعربه، لأن قوله «أيُّهم أفضل» قد حذف منه مبتدأ إذ كانت الصلة لا تكون جزءاً واحداً، فالأصل على هذا «أيُّهُمْ هو أفضل» فإذا قال: أكرم أيهم هو أفضل نصب أيّا لأنها معربةٌ عنده، والصلة تامةٌ، وإذا حذف من صلته الجزء الذي لا يسوغ حذفه مع الذي قال: أكرم أيُّهم أفضل. فعلة البناء في هذا أنه ساغ معه حذف لا يسوغ مع غيره من الموصولات فخرج عن نظائره فبني، وعليه في هذا أنه إذا خرج عن

стр. 312

نظائره؛ إن أراد بنظائره الموصولات وجب على هذا أن يعرب، لأن النظائر التي هي الموصولات مبنيات كلها، فالخروج عنها يقتضي مفارقتها في حكمها، ومن حكمها البناء؛ ومفارقة البناء إلى الإعراب تكون. وانتصر أبو علي لمذهب سيبويه في أن «أيّا» في هذا الموضع مبنية بأن قال: الموصول توضحه صلته والصلة إنما هي صلةٌ بالعائد فكان (١) العائد هو الموضح؛ فإذا حذف المضمر -وهو العائد إلى أي- فقد حذف موضحها أو ما هو بمنزلة موضحها فأشبهت بذلك (٢) حال «قبل وبعد»، وهما إنما يبنيان إذا حذف مبينهما وهو ما يضافان إليه (٣)، وإذا أتما بذكره أعربا، فاعرف ذلك. والخليل يقول: إن «أيُّهم» مأخوذة من كلام فهي محكية، كأنه قال: الذي من أجله يقال «أيُّهم أشد على الرحمن عتيا»، وشبهه بقوله:

стр. 313

(ولقد أبيت من الفتاه بمنولٍ ... فأبيت لا حرج ولا محروم) (١) أي الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، فهي معربة عنده، وضمها رفع صحيح. وفيها أقوال أخر للكوفيين وغيرهم، منها قول يونس بن حبيب (٢) وهو بصري: أنها معلق عنها (٣) قوله تعالى ﴿لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: ٦٩] وقد عورض في قوله هذا بأن التعليق إنما يقع في أفعال الشك واليقين، لا أفعال العلاج كقوله «لننزعن»، واحتج له بما لا نطول بذكره. ومنها -أي من المعارف الخمسة التي فصلها- كل اسم أضيف إلى ضرب من هذه الضروب إضافة حقيقية، فإنه يتعرف بما أضيف إليه، إذ كان المضاف يكتسي من المضاف إليه كثيراً من خواصه، من

стр. 314

تعريف وتنكير وإبهام وغير ذلك؛ والمثال في كل ذلك ظاهر. وما عدا ما ذكرناه مما أضربنا (١) عن ذكره، فهو كما ذكره.

стр. 315

فصل إنما كانت النكرة أصلاً في الأسماء والمعرفة فرعًا، لأنها الأسبق والمتقدمة على المعرفة، ألا ترى أن الإنسان قبل أن يولد يسمى جنينًا، ثم يولد فيقال له: ذكر أو أنثى، ويقال له مع ذلك: إنسانٌ، ثم بعد ولادته وإطلاق هذا الاسم الشائع في جنسه من الذكور والإناث وهو إنسان تطرأ عليه الأعلام والكنى والألقاب؛ فيقال: زيدٌ أو عمرو، وأبو علي وأبو الحسن (١)؛ واسم إنسان مع ذلك لازمٌ له متى جهل اسمه العلم أو كنيته أو لقبه، فيقال: إنسان (٢) من شأنه كيت وكيت.

стр. 316

فصل باب الإعراب الأصلي وغير الأصلي مدار الكلام (١) على معانٍ ثلاثة، وهي معنى الفاعل ومعنى المفعول وما شبه بهما، وما ليس بفاعل ولا مفعول، وذلك المضاف إليه؛ كقولك: ضرب زيدٌ غلام عمرو، فزيدٌ فاعل، وغلام (٢) مفعول، وعمرو ليس بفاعل ولا مفعول، فهذه المعاني هي الموجبة- باعتقابها على الاسم الواحد- اختلاف الإعراب على آخره بالحركات أو ما جرى مجراها؛ لتدل كلٌ واحدة من الحركات، أو ما قام مقامها على معنى من هذه المعاني، فتقع بذلك الميزة والفرق بينه وبين المعنيين الآخرين. فكانت هذه المعاني الثلاثة- لهذا الذي ذكرناه- أصولاً في استحقاق الإعراب، وعلةً (لوجوده في الكلام؛ وما عداها محمولٌ عليها وفرعٌ لها، ولكل معنى منها فرعٌ يختص في إعرابه بالحمل عليه دون غيره. فالمحمول على الفاعل المبتدأ وخبره، لأن المبتدأ لم يدخله الرفع دون غيره من ضروب الإعراب للفرق بينه وبين غيره كما دخل الفاعل للفرق بينه وبين المفعول؛ فالرفع في الفاعل لموجبٍ أوجبه له، وهو طلب

стр. 317

الفرق، والرفع في المبتدأ لا للفرق، فإن انه محمول على غيره، وليس هناك شيء يشبهه المبتدأ، فيحمل عليه سوى الفاعل، وشبهه به أنه أحد ركني الجملة المبتدئية، كما أن الفاعل أحد ركني الجملة الفاعلية، ثم إنه الركن المسند إليه غيره كما أن الفاعل أيضًا كذلك؛ ولما كان الخبر في الأصل هو المبتدأ في المعنى كان أيضًا كذلك فرعًا على الفاعل (١) فلو قلت: إن الخبر محمول على المحمول على الفاعل وهو المبتدأ لما أبعدت. ومن المحمول على الفاعل في اللفظ اسم "كان" وخبر "إن"؛ فأما اسم "كان" فظاهر الأمر لأنه مرتفع بفعل كما أن الفاعل مرتفع بفعل، وهو الجزء المسند إليه غيره كما أن الفاعل كذلك، إلاّ أن الفاعل يستقل) برافعه لأنه أصل، واسم "كان" لا يستقل بـ "كان" لأنه مبتدأ في الأصل، فلابد له من خبره، فهو- وإن كان منصوبًا بـ "كان"، فمنزلته في افتقار اسمها إلى ذكره معه منزلته إذا كان مرفوعًا معه بأنه خبره؛ وحالة خبر "إن" في اللفظ تشبه (٢) حالة الفاعل، لأنه مع الاسم المنصوب قبله كالفاعل مع المفعول إذا تقدمه، لكن الفاعل أبدًا غير المفعول في الأصل، والخبر هو الاسم في المعنى، وإن شئت قلت: "إن" فرعٌ على "كان" لأنها عاملة عملها، على فرق بينهما في التقديم والتأخير، ومعمولاها هما

стр. 318

معمولاها في الأصل؛ وقد ثبت لكان أن مرفوعها مشبه بالفاعل؛ فمرفوع "إن"- وهو خبرها- مشبه به أيضًا. وإذا بان أن مرفوعي "كان" و"إن" مشبهان بالفاعل لفظًا، فمنصوبًا هما في اللفظ مشبهان بالمنصوب مع الفاعل: وذاك هو المفعول. ولهذا قيل في اسم "إن" وخبر "كان" إنهما يشبهان المفعول في اللفظ. ومن المحمول على المفعول الحال والتمييز، هما فضلتان كما أن المفعول كذلك، وزيادتان في الفائدة كما أن المفعول زيادة فيها، ويفارقانه في أشياء؛ منها أنه لا تصل فيه المعاني، إنما تعمل فيه الأفعال الصريحة، والحال والتمييز ينتصبان تارة بالأفعال وتارة المعاني؛ فانتصابهما بالأفعال كقولك (في الحال) (١): جاء زيدٌ راكبًا، وفي التمييز: طبت به نفسًا، وقررت به عينًا، وانتصابهما بالمعنى، أي بالعامل المحمول على الفعل في المعنى، كقولك في الحال: هذا زيدٌ قائمًا فلفظة "هذا" عاملة بمعنى أنه، أو أشير (٢) فـ "أنبه" هي التي تدل عليها "ها" وأشير هي التي تدل عليها "ذا"؛ وكقولك في التمييز: عشرون درهمًا، المشبه بقولك: ضاربون زيدًا.

стр. 319

ومن الميزة بين المفعول والحال أن الحال هي ذو الحال في المعنى، والمفعول غير الفاعل في المعنى في الأكثر الأعم، وقولي: "في الأكثر الأعم" احتراز مما جاء في أفعال القلوب خاصةً، وهي ظننت وأخواتها من قولهم: ظننتني وحسبتني، وظننتك قائمًا- بفتح التاء- وحسبتك ذاهبًا، (أي حسبت نفسك وظننت نفسي) (١). ومما شذ من قولهم: فقدتني وعدمتني، لأن هذا كلام نادرٌ لا يقاس عليه غيره، فلا يقال: أخذتني ولا سألتني. والتمييز والحال يلزمهما التنكير، والمفعول لا يلزمه ذاك. ومن المحمول على المفعول منصوب "كم" في الاستفهام، لأنه تمييزٌ، إذ كانت "كم" موضوعة لعدد مبهم؛ وكذا منصوبها في الخبر إذا فصل بينها وبين ما كانت تضاف إليه، أو ينجر بتقدير "من" في القول الآخر، وبالجملة فما كان يليها وهو (٢) مجرور. وجملة الأمر في "كم" أنها في حاليها من الاستفهام والخبر اسمٌ لعدد مبهمٍ في قلته وفي كثرته، وضعت للاختصار وترك الإطالة، مغنيةً عن ذكر أعدادٍ لا نهاية لها، فهي في الاستفهام مبنيةٌ لتضمنها معنى حرفه مع دلالتها على العدد، وفي الخبر مبنيةٌ حملاً عند أكثرهم على نقيضها وهو "رب"، إذ كانت "كم" الخبرية للتكثير، و

стр. 320

"رب" للتقليل. والمذكور بعد كم في الاستفهام (١) منصوبٌ على التمييز إن كان منكورًا، كقولك: كم رجلاً جاءك، لأن "كم" نائبةٌ عن عدد (٢) يفتقر إلى التمييز، مستفهمٍ عنه، كأنك قلت: أعشرون رجلاً جاءك؛ أثلاثون، (أأربعون، إلى غير ذلك من أعداد غير متناهية في الكثرة، لو تصدى المستفهم لذكرها عددًا بعد عدد لطال عليه ذاك ولطال على المستفهم عن ذلك العدد، ولجاز ألاّ يقع بالعدد المستفهم عنه مع الإطالة حتى يقول له المسئول: نعم، فأغنت "كم" عن ذلك كله، ولهذا المعنى القائم فيها من معنى الجمع جاز رد الراجع إليها مجموعًا، حملاً على المعنى؛ كقولك: كم رجلاً جاؤوك. فأما الخبرية، فمبينها مجرورٌ بإضافتها إليه؛ كقولك: كم رجلٍ عندي؛ وكم مالٍ أنفقته؛ ومنهم (٣) من يقول: هذا الاسم بعد "كم" الخبرية مجرور بمن مضمرةً، كأن الأصل عنده: كم من رجلٍ ثم كثر، استعمال ذاك فحذفها علمًا بها، وهي مع ذاك معملةٌ لأنها عنده كالمنطوق بها؛ ولولا أنها عنده كذاك لما جاز حذفها وإبقاء عملها، إذ كانت حروف الجر) (٤) لا تضمر؛ فإن فصلت بين "كم" وبين
следующие страницы →