← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمعاني التي يحتاج لأجلها إلى زيادة هذه الحروف في الأفعال، ليقع بها الفرق بين بعضها وبعض أربعة كما قد علمت، فاحتيج مع حروف اللين الثلاثة إلى حرف رابع يكملها، فضموا إليها النون، لأنها أشبه الحروف الصحاح بالحروف المعتلة، لزيادة الصوت فيها، وهو (١) الغنَّة - كزيادته في تلك، وهو المد ـ فيها، أي في الحروف الثلاثة، ولكونها ذاتَ مخرجين، من اللسان تارة، وذلك إذا تحركت، ومن الخياشيم أخرى، وذلك إذا سكنت كنون "مِنْ" و"عَن". ولهذا الشبه بينها وبينهنَّ أبْدلت منهن في كثير من المواضع وأبدلن منها، كإبدال الألف من التنوين في حال الوقف على المنصوب في جيد اللغة حين تقول: رأيت زيداً، وكإبدال النون من الواو في قولك في النسب إلى صنعاءَ وبهراءَ (٢): صنعاني وبهرانيّ والأصل صنعاويّ وبهراويّ، إلى غير ذلك من وجوه شبه بينها وبينهنّ يطول بذكرها الفصل. فلما كملت الحروف أربعة، وهي "الواو" و"الألف" و"الياء" و"النون"، أرادوا أن يزيدوا الواو، فصدّهم مع إمكان ذلك أن أنّ من الأفعال ما فاؤه "واو" أن يزيدوا الواو، فصدهم مع إمكان ذلك أن من الأفعال ما فاؤه "واو" نحو وزن ووعد وورد، فلو زادوا الواو للمضارعة لاجتمع في أول هذا الضرب من الأفعال - وهو المعتل الفاء بالواو - واوان: الأصلية، وحرف المضارعة، وربما عرضت للدخول عليهما واو العطف كما تعرض لغير ذلك، إذ كان عطف الفعل على فعل مثله شائعاً، فكان ذلك يؤدي إلى اجتماع ثلاث واوات فيشبه مع ثقله صوتاً منكراً، فاطرحوا زيادة الواو لذا ومثله، فعدلوا عنها إلى التاء، لأنها قد أبدلت منها كثيراً في مثل تجاه وتراث وأصلهما وجاه ووارث كقولك: الوجه وواجهت، وورثت، فأقاموها مقام الواو، واشترك في لفظها المذكر والحاضر، لأنه مخاطب، وللمخاطب التاء، والمؤنثة الغائبة، والتاء من علامات التأنيث أيضاً.

стр. 37

وأما الألف، فأنهم لما رأوا زيادتها للمتكلم - لأنه أول - لم يمكن ذلك لأنها ساكنة، والساكن لا يمكن أن يكون أول كلمة، إذ كان الابتداء بالساكن مستحيلاً إذا حقق، فأبدلوا منها الهمزة، لأنهما حرفان متقاربان في المخرج. وأما الياء والنون فلم يمنع مانع من زيادتهما، فبقيتا على أصلهما في الزيادة، فكانت النون للمتكلم ومن معه لأنهم جمع، والنون أخص بالجمع، وبقيت الياء للمذكر الغائب حين تقول: يقوم هو. ولا يزال هذا الفعل المضارع معرباً ما لم يتصل بآخره نون جماعة النساء في نحو: هن يقمن وينطلقن، بني هذا الفعل لاتصال هذه النون به حملاً على الماضي وهو ذهبن لأن آخر الماضي قد سكن لاتصال هذه النون به هرباً من توالي الحركات في كلمة واحدة، إذا كانت النون ضمير فاعل، وهو كالجزء من الفعل، فاشتدّ اتصاله به، فكان معها كالكلمة الواحدة، وكلمة واحدة لا تتوالى فيها أربع حركات، ولا بد أن يتخللها ساكن حاجز لفظاً أو تقديراً، ثم حمل المضارع في الإسكان عليه إذ كانت الأفعال الواحد تعل إعلالاً واحداً وتصحح تصحيحاً واحداً (١). وكذا علل (٢) سيبويه حين قال: "ليس حمل المضارع على الماضي في هذا بأبعد من حمله على الاسم، يعني في الإعراب حين أعرب" (٣) وكذا إن اتصل به نونا التوليد الخفيفة أو الثقيلة كقولك: هل تذهبن، وهل تقومن وهل

стр. 38

تذهبن، وهل تقومن، تبني هذا الفعل لأن هذه النون إذا دخلته أكدت له معنى الفعلية، فبعدته من شبه الاسم، فعاد مبنياً على (١) ما كان عليه أول مرة. ثم إذا كان معرباً لا يزال مرفوعاً ما لم يدخل عليه ناصب فعل ولا جازم، ورفعه بوقوعه موقع الاسم، فالعامل فيه على هذا معنى لا لفظ، فهو مستحق جملة إعرابه بشبهه بالاسم، ومستحق للرفع خاصة بوقوعه موقعه خاصة.

стр. 39

فصل واعلم أن الاسم المعرب المفرد ينقسم إلى قسمين: صحيح ومعتل، فالصحيح ما لم يكن حرف إعرابه ألفاً ولا ياء قبلها كسرة، والمعتل ما كان بهذه الصفة. فالصحيح نحو زيد وعمرو وضارب وقاتل، يجري بوجوه الإعراب الثلاثة ويدخله التنوين إن كان منصرفاً، والمعتل يسمى ما كان منه في لآخره ياء قبلها كسرة نحو القاضي والداعي والعمي والضني منقوصاً، لأنه نقص في حالتي الرفع والجر، فلم يظهر فيه إعراب، كقولك: هذا قاض ومررت بقاض، والأصل هذا قاضي ومررت بقاضي، فاستثقلت الضمة والكسرة على الياء مع كسرة ما قبلها، فحذفتا، فسكنت الياء، ولحق الاسم التنوين لأنه منصرف، والتنوين ساكن والياء ساكن، فحذفت لالتقاء الساكنين، واجتزئ بالكسرة قبلها في الدلالة عليها، وكان كونها ساكنة في الحالتين دليلاً على الإعرابين. ويدلك على أن الأصل في ياء قاضٍ وما أشبهه من الأسماء المنقوصة أن تتحرك في الرفع والجر بحركتي الإعراب تحريك الشاعر إياها وردها إلى الأصل الذي كان لها وذلك إذا اضطر، كقوله في الرفع. تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مصفي الخدّ أصلم (١) هكذا أنشده صاحب الكتاب (٢) بالرفع، ففيه شاهد على هذا، ومن

стр. 40

أنشده بالنصب وعليه المعنى، فلا شاهد حينئذ فيه. وأنشدوا في الجر: (لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب (١)) والشاعر إذا اضطر راجع الأصول المرفوضة لإقامة وزنه وقافيته. فإذا نصبت المنقوص لحق بالصحيح فتحركت ياؤه بالفتحة لخفتها، فقلت: رأيت قاضياً كما تقول: رأيت رجلاً. وهذا الاسم المنقوص يستعمل على ثلاثة أضرب، إما منكوراً وإما معرفاً بالألف واللام، وإما مضافاً، وحكمه في المواضع الثلاثة حكم واحد في إسقاط حركتي الجر والرفع من يائه، استثقالاً لهما عليها، إلا أنه إذا كان منكوراً، ولحقه التنوين حذفت ياؤه كما قدمنا لالتقاء الساكنين، فإذا استعمل بالألف واللام ثبتت ياؤه ساكنة، لأنه لم يلقها ما تحذف من أجله، إذ كانت الألف واللام لا تجامع التنوين، فتقول: هذا القاضي ومررت بالقاضي، وفي النصب: رأيت القاضي يا هذا، وتقول في الإضافة: هذا قاضيك ومررت بقاضيك ورأيت قاضيك، والأصل هذا قاضيك ومررت بقاضيك، وفعل بالاسم ما ذكرناه. فإن وقفت على المنقوص منكراً كان لك في الوقف عليه في حالتي الرفع والجر مذهبان، أجودهما حذف التنوين وإسكان الخرف الذي بقي بعد الحذف اللاحق للياء مكسوراً، فإذا حذفت كسرته للوقف سكن فقلت في الوقف: هذا قاض ومررت بقاض، والياء كما ترى محذوفة في الوقف كما حذفت في الوصل.

стр. 41

والمذهب الآخر أن ترد الياء، لزوال ما حذفت لأجله وهو التنوين، فتقف عليها في الرفع والجر ساكنةً، فتقول: هذا قاضي، ومررت بقاضي، فإذا وقفت على المنصوب المنون أبدلت من التنوين ألفاً ووقفت عليه وقوفك على الصحيح المنصوب المنون، فقلت: رأيت قاضياً كما تقول: رأيت زيداً، فإن وقفت عليه وفيه الألف واللام كان لك أيضاً فيه مذهبان، أجودهما إثبات الياء، بعكس حكمه إذا وقفت عليه منكوراً، فتقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، ويجوز أن تقف بلا ياء وهو المذهب الآخر فيه، فتقول: هذا القاض، ومررت بالقاض، فإن وقفت منصوباً أثبت الياء لا غير، فقلت: رأيت القاضي، كما تقول: رأيت الرجل. واختلفوا في المنقوص، إذا وقفت عليه منادى، كقولك: يا قاضي ويا رامي، فاختار بعضهم إثبات الياء وقال: هذا موضع لا يلحق فيه التنوين، فحكمه حكم ما فيه الألف واللام، هذا إذا كان المنادى معروفاً واختار آخرون حذف الياء، وقالوا: النداء باب تغيير وحذف وتخفيف ولهذا دخله الترخيم فقالوا في الوقف عليه: يا قاض ويا رام. فأما ياء مري – وهو اسم الفاعل من أريت – فمثبتة في النداء إذا وقفت عليها عند الجميع لأجل الحذف الذي لزم الاسم، إذا كان الأصل مرئيًا، ثم ألزم تخفيف الهمزة، وهي عبنه، فلو حذفت ياؤه – وهي لام الاسم – لبقي الاسم على حرفين، أحدهما مزيد – وهو الميم – والآخر أصلي – وهو الراء -، وذلك إجحاف بالكلمة. ولك في الضرورة إسكان ياء المنقوص في النصب، فيجري في أحواله الثلاث على حالة واحدة (١)، قال أبو العباس (٢): وهي من أحسن الضرورات، وصدق. وأنشدوا شاهداً على ذلك أبياتاً كثيرة منها قوله:

стр. 42

كأن أيديهن بالقاع القرق (١) والأصل أيديهن. وقال الآخر: سوّى مساحيهنّ تقطيط الحقق (٢) أي مساحيهنّ.

стр. 43

وقال الآخر: فكسوت عار جنبه فتركته ... جذلان جاد قميصه ورداؤه (١) والأصل عارياً. وروي مثل ذلك في بعض القراءات، فكأنه على هذا لغة، وإن كان الأصل ما قدمناه.

стр. 44

فصل وما كان من المعتل في آخره ألف، سمي مقصوراً، لقصر إعرابه فيه أي حبسه، قال الله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ (١) [الرحمن: ٧٢] أي مخبوسات مصونات. وينقسم هذا الضرب إلى قسمين: منون وغير منون، فالمنون نحو عصا ورحى، يدخله التنوين علامة لصرفه وهو ساكن، فتحذف ألفه – وهي لامه – للقائها الساكن بعدها – وهو التنوين -، وتبقى الفتحة قبلها تدل عليها، وذلك في الدرج، في الأحوال الثلاث: الرفع والنصب والجر، تقول: هذه عصا يا فتى، ورأيت عصا يا فتى، ومررت بعصا يا فتى. والمانع (٢) من ظهور الإعراب في هذا الضرب من الأسماء أعني المقصور أن حرف إعرابه الألف، والألف لا يصح تحريكها لأنها إن حركت انقلبت همزة، فزال عنها لفظها وخرجت عن كونها ألفاً، فبطلت بذاك صيغة المعتل، واختل الوضع واختلطت المهموزات بالمعتلات (٣)، فإعرابه حينئذ مقدر منوي (٤). والفرق بينه وبين المنوي وإن

стр. 45

اتفقا في أن الإعراب غير ظاهر فيهما أن المبني، المانع له من ظهور الإعراب فيه معنى لا لفظ، وهو تضمنه معنى ما لاحظ له في الإعراب بتة، فجرى في البناء مجراه، وهذا (١) القسم ليس بمشابه للحرف ولا متضمن لمعناه، فالمانع له من ظهور الإعراب فيه ما ذكرناه من كون الألف حرف إعراب له، وذلك أمر لفظي، وإذا لم يظهر فيه الإعراب والإعراب يحتاج إليه للبيان عن معنى الاسم، فهو يظهر في تابعه، فكأنه ظاهر فيه نفسه، وهذا إذا كان التابع معرباً صحيحاً كقولك: هذه عصا معوجة، ورأيت عصاً معوجةً، ومررت بعصاً معوجة. ويدل على إعرابه أيضاً عامله، لأنك إذا أوليته عاملاً رافعاً علم أنه في موضع رفع به، وكذلك إن كان العامل ناصباً أو جاراً. فالإعراب الذي يقتضيه العامل يحكم به للمعمول، وكذا إعراب التابع الذي ظهر فيخ يشهد بأنه أولاً للمتبوع، ثم هوله من بعده ثانياً، لأن إعراب الصفة على ما مثلنا هو إعراب الموصوف، وكذا بقية التوابع. فإن وقفت على المقصور المنون وقفت في الأحوال الثلاث على الألف فقلت: هذه عصا، ورأيت عصا ومررت بعصا، لا اختلاف بينهم في هذا اللفظ، وإنما اختلفوا فيها أعني

стр. 46

الألف في التقدير، فرووا أن أبا عمرو بن العلاء (١) وأبا الحسن الكسائي (٢) وأبا الحسن بن كيسان (٣) وأبا سعيد السيرافي (٤) كانوا يذهبون إلى أن الألف الموقوف عليها هي الألف الأصلية التي هي لام الكلمة المنقلبة مثلاً عن الواو في عصو والياء في فتي (٥). قال ابن برهان (٦): وبهذا أقول. واحتجوا لصحة هذا المذهب بأن هذه الألف وقعت روياً في قول الشاعر وهو الشماخ (٧):

стр. 47

ورب ضيف طرق الحي سرى ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى (١) فألف سرى هي الروي، والألف المبدلة من التنوين في النصب إذا وقفت عليها لا تكون روياً، فلا يقع في القوافي مثل: نظرت زيداً مثلاً في آخر بيت، ويقع (٢) في آخر آخر وشكرت عمراً وهما في قصيدة واحدة. وأيضاً فإن بعض القراء قرأ "قالوا سمعنا فتى يذكرهم" (٣) بالإمالة وإنما تمال: الألف الأصلية لا المبدلة من التنوين في اللغة الفاشية. وأيضاً فإنها كتبت في المصحف ياء في مثل قوله ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٤) [طه: ١٠] بالياء.

стр. 48

وذهب الفراء (١) وأبو عثمان المازني (٢) وأبو علي الفارسي (٣) أخيراً إلى أن الوقف في الأحوال الثلاث على الألف المبدلة من التنوين، والأصلية محذوفة للقائها المبدلة من التنوين. فوزن عَصَا على قول هؤلاء "فعا"، وعلى قول الأولين "فَعَل"، واحتج هؤلاء بأن صورة التنوين في الأحوال الثلاثة واحدة، وذلك أنه تنوين قبله فتحة فأبدل منه الألف كما أبدل في قولهم: رأيت زيداً، وفي مثل لنسفعاً وليكونا، والأصل لنسفعن وليكونن. وذهب سيبويه وبقية النحويين إلى مذهب وسط بين هذين المذهبين، وهو أن الألف في هذا الاسم في حال الوقف في الرفع والجر هي الأصلية، وفي النصب هي المبدلة من التنوين، والأصلية محذوفة للقاء هذه المبدلة من التنوين.

стр. 49

والذي دعاهم إلى القول بهذا أنهم قاسوا المعتل هنا على الصحيح، فأجروه مجراه، فكانت الألف عندهم في الرفع والجر إذا وقف على هذا الاسم بمنزلة الدال من زيد حين تقف عليها في حالتي الرفع والجر، وكانت عندهم في حال النصب إذا وقف عليها بمنزلة الألف المبدلة من التنوين إذا قلت: رأيت زيداً، والتي بمنزلة الدال محذوفة للقاء هذه. فإن لم يكن المقصور منوناً نحو حبلى وبشرى، وسكرى، والعصا، والرحى كانت ألفه التي من نفس الكلمة ثابتة وصلا ووقفاً بلا خلاف بين القوم لأن حكمها عندهم لم يختلف، فتقول: هذه حبلى يا هذا، وتقف، كذاك فتقول: هذه حبلى، وكذا كسرت العصا يا هذا، وكسرت العصا في الوقف. فإن لقيها ساكن غير التنوين حذفتها للقائه فقلت: هذه حبلى القوم، ورأيت الفتى الظريف.

стр. 50

فصل وأعلم أن الياء والواو، إذا كانتا حرفي إعراب، وسكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح في تحمل الحركات، لأنهما إنما يعتلان إذا تحرك ما قبلهما، فسكون ما قبلهما يلحقهما بحكم الصحيح لزوال ما كان مستثقلاً من التحريك ووجود الخفة بالسكون، فتقول: هذا ظبي وعدو، ورأيت ظبيًا وعدوًا، لأنهما- إذا تأملت- قد سكن ما قبلهما أيضًا، وذلك أن المشدد حرفان، الأول ساكن، والثاني متحرك، فالياء الأخيرة في صبي قد سكن ما قبلها، وهي الياء الأولى المدغمة، فتحملت الثانية الحركة، ولولا تحركها لم يصح الإدغام فيها. وكذلك الواو الأولى في عدو ساكنة والأخيرة متحركة، فتنزلت الواو الأولى في عدو منزلة الدال في عدو، والياء الأولى في صبي منزلة الباء في ظبي فاقهم ذلك.

стр. 51

فصل واعلم أن الاسم والفعل يشتركان في إعرابهما بالرفع والنصب، فالاسم يرتفع وينتصب والفعل كذلك، لكن الجهات التي يرتفع منها الاسم وينتصب غير الجهات التي يرتفع منها الفعل وينتصب، لأن عوامل ذا غير- عوامل ذا، وستبين- إن شاء الله. ثم يختص الاسم بالجر والفعل بالجزم، فلا ينجر فعل ولا ينجزم اسم، وعلة ذلك أن الجر يدخل الأسماء من طريقين: حروف الجر والإضافة، وكلاهما يمتنع منه الفعل. أما حروف الجر، فإنهما تدخل في الأصل معدية للفعل الذي يقصر عن التعدي بنفسه إلى المفعول، والأفعال لا تكون مفعولة، فبطل دخول حرف الجر عليها، ولا يضاف إليها لأن- المضاف إليه إما أن يعرف تعريفًا محضًا، وأما أن يخصص فيقرب من المعرفة، والأفعال لا تعرف ولا تخصص، إذ كانت على ما أصلت النحاة نكرات لا تتعرف أبدًا ما دامت أفعالا. وأما امتناع الأسماء من أن تنجزم، فلأن الجزم يكون بحروف موضوعة لمعان تصح في الأفعال ولا تصح في الأسماء كالشرط والأمر والنهي، فلما امتنعت حروف الجزم من الدخول على الأسماء إذ كانت لا تصح معانيها فيها امتنع انجزامها، لأن الجزم تأثير، ولا يكون تأثير من غير مؤثر.

стр. 52

قالوا: ولأن الاسم لو أنجزم أنحذف بجزمه شيئان هما الحركة والتنوين معًا، والفعل إذا أنجزم انحذفت منه الحركة فقط وهو - على ما تقرر- أثقل من الاسم، فكيف يحذف من الأثقل شيء واحد ومن الأخف شيئان؟ هذا ما لا تقتضيه الحكمة.

стр. 53

فصل قوله (١): اعلم أن الحروف تنوب عن الحركة . إنما جعلت الحروف- نائبة عن الحركات في الإعراب، لأن الحركات هي الأصل فيه، والحروف قائمة مقامها فيه، وإنما كان كذلك لأن الإعراب طارئ على الكلمة وزائد عليها للمعني المراد به. والحروف التي أعرب بها إما أصول في الكلمة وإما متنزلة منزلة الأصول لكونها دالة على معان آخر غير المعاني التي يدل عليها الإعراب. والحركات زوائد على الكلم، وطوارئ عليها، فشرط الإعراب موجود فيها، فهي إذا الأصول فيه، ولأنها أيضًا مجردة له مع زيادتها. والحروف ليست كذلك فمن الحروف المعرب بها ما تستوفي فيه ضروب الإعراب فيقوم كل حرف مقام حركة، ويدل على ما تدل عليه من نصب أو جر أو رفع ومنها ما ينقص عن ذلك. فمثال الأول الأسماء الستة المعتلة المضافة وهي: أبوك، وأخوك، وفوك، وهنوك، وذو مال وحموها. سميت هذه الأسماء معتلة لكون لاماتها حروف اعتلال، ومضافة لأنها تعتل ما دامت مضافة، فإذا أفرد منها ما يجوز إفراده لحق بحكم الصحيح في الإعراب، للحذف الذي يلحقها في الأفراد، وهي (٢) في النصب بالألف وفي الرفع

стр. 54

بالواو وفي الجر بالياء، فالألف لام الكلمة وعلامة النصب، والواو لام الكلمة وعلامة الرفع، والياء لام الكلمة وعلامة الجر. وكان الأصل في هذه الكلم أن تستعمل مقصورة، لكنهم غيروها هذا التغيير في اللغة الجيدة والاستعمال الكثير توطئه للتثنية والجمع فيما يراه جمهور المعللين (١) من أهل الصناعة، وذلك أنهم لما اعتزموا إعراب التثنية والجمع الذي على حدها بالحروف، - لما اعتزموه- توهموا نفور النفوس والطباع من ذلك، إذ كان المألوف في الإعراب أن يكون بحركة لا بحرف، فغيروا جزءًا من الأسماء المفردة المعتلة هذا التغيير- وهي هذه-، وجعلوا إعرابها بالحروف لتقع الأتسة بها، فتأتي التثنية والجمع في الإعراب بالحروف على قاعدة قد استقر مثلها في جزء من المفردات. فأما صفة التغيير الذي لحق هذه الكلم، فإنك إذا قلت في الرفع: جاءني أبوك وأخوك، فالأصل جاءني أبوك وأخوك، كما تقول في الصحيح: أعجبني جملك وعملك، ثم إنهم سلبوا الحرف الذي قبل الواو التي هي حرف الإعراب- وهو الباء والخاء- حركته، فسكن، وضموه إتباعًا لحركة الواو كما قالوا: هذا أمرؤ، فأتبعوا الراء حركة الهمزة- وهي حرف الإعراب كالواو- فضموا الراء لضم الهمزة في الرفع، وكسروها لكسرها في الجر وفتحوها لفتحها في النصب، فقالوا: رأيت أمرًا ومررت بامرئ، ثم حذفوا حركة الإعراب استثقالا لها على الواو لتؤول الحال بهم إلى الصورة التي أرادوها من التوطئة للتثنية والجمع، فصارت الكلمة إلى ما رأيت في (٢) الرفع.

стр. 55

والأصل في الجر إذا قلت: مررت بأبيك وأخيك: مررت بأبوك وأخوك، على ما أصلنا، ثم أسكنت ما قبل الواو لتحركه بحركة الإتباع وهي الكسرة فكسرته، ثم حذفت حركة الإعراب، استثقالا لها على الواو مع الإتباع قبلها كما استثقلت الضمة عليها في حال الرفع فحذفتها كما حذفتها فصار معك واو ساكنة قبلها كسرة، إذ اللفظ قد آل بالتغيير المذكور إلى صورة هي مررت بأبوك، فانقلبت الواو ياء كما انقلبت في ميعاد وميقات، وذاك لسكونها وانكسار ما قبلها، ولتصير حالها إلى ما يطلبونه من التوطئة (فآل اللفظ إلى: مررت بأبيك وأخيك. وإذا نصبت فقلت: رأيت أباك، فالأصل أبوك، ثم انقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، والقياس أن تكون الفتحة في الباء فتحة إتباع لحركة الواو، لا الفتحة التي هي أصل في الكلمة وإن كان اللفظ واحدًا، وليستمر الباب في الإتباع استمراره في امرئ في الأحوال الثلاث، فقد تراعي اللغة مثل هذا كثيرًا ومقاييسها تنطق به. وأعلم أن ما ذكرناه من هذا التغيير والإتباع هو مذهب صاحب الكتاب على ما يفهم) (١) من كتابه (٢). وقال ابن برهان حين ذكر هذا الفصل، وأشار إلى الإتباع فيه: "وقد ظهر التابع والمتبوع في قولهم: هذا امرؤ" (٣)، ومثل كما مثلنا في الأحوال الثلاث.

стр. 56

وذهب بعض المتأخرين في هذه الأسماء إلى تغيير غير هذا، وإن قاربه، فجعل الحركات التي قبل هذه الحروف، أعني الألف والواو والياء، ليست بحركات إتباع فقال: الأصل في قولك: رأيت أباك رأيت أبوك، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ففي الاسم في حال النصب قلب فقط. والأصل في الجر مررت بأبوك، ثم أسكنت الباء ونقلت إليها حركة الواو، وهي حركة الإعراب، فسكنت الواو وانكسر ما قبلها فانقلبت ياء، ففي الاسم في حال الجر نقل وقلب. والأصل في الرفع أبوك، ثم أسكنت الباء ونقلته إليها ضمة الواو، فسكنت الواو وانضم ما قبلها، ففي الاسم في حال الرفع نقل فقط. هذا القول لعلي بن عيسى الربعي (١). وهناك أقوال آخر غير: هذين القولين في صفة إعراب هذه الأسماء يرغب عن ذكرها لنزولها وضعفها. وتنقسم هذه الأسماء في الاستعمال إلى ثلاثة أقسام، منها ما يستعمل مضافًا ومفردًا، فيتمم في حال الإضافة، ويحذف منه في حال الأفراد، ومنها ما يستعمل مضافًا فقط مع إلزامه الحذف، ومنها ما يستعمل مضافًا محذوفًا ويفرد فيغير في الأفراد ببدل من حرف.

стр. 57

فالأول أربعة أسماء وهي: أخوك، وأبوك، وحموك، وهنوك، إذا أضفتها أعربتها بالحروف كما سبق، وإذا أفردتها حذفت لاماتها وأعربتها بالحركات إعراب الصحاح، لأنها بالحذف صحيحة، فقلت في الرفع: هذا أب وأخ وحم وهن، وفي النصب: رأيت أبًا وأخًا وخمًا وهنًا، وفي الجر: مررت بأب وأخ وحم وهن، فتجري في حال الأفراد على هذا مجرى يد ودم. الثاني: ما تلزمه الإضافة، مع حذف لزم لفظه، ولا يفرد البتة وهو "ذو" والتي بمعني صاحب في قولك: جاءني رجل ذو مال، ورأيت رجلاً ذا مال، ومررت برجل ذي مال، لا ذو التي بمعني الذي في لغة طيء كقول شاعرهم: (فإن الماء، ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت) (١) أراد التي حفرت، لأن الأولى معربة وهذه مبنية. وإنما لزمت هذه الكلمة الإضافة إذا كانت بمعنى صاحب، لأنها

стр. 58

وضعت وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس، ولولا هي لم يصح الوصف بها، ألا ترى أنك تقول: مررت برجل ذي إبل وخيل وثياب فيصح، ولو قلت: مررت برجل إبل أو خيل أو ثياب لم يصح، فلما كانت ذو وصلة وذريعة إلى شيء آخر لم تقم بنفسها في الوصف، فتنفرد عما هي وصلة إليه. وأصلها "ذوي" فلام الكلمة على هذا محذوفة، وإنما قضي بأنها قد حذف منها لأنها ظاهر على حرفين، وأقل ما يكون عليه الاسم الظاهر ثلاثة أحرف، وقضي بكون المحذوف حرف علة لأن الحذف بابه أن يكون في المعتلات اللامات التي سبرت بالتصريف. فعلم أن محذوفها معتل، وحكم بأن المحذوف الياء دون الواو حملا على الأكثر، لأن باب "طويت ولويت ونويت" أكثر من باب "قوة وجوة". وألفاء في "ذو" و"ذا" و"ذي"، وهي الذال تابعة للعين في الحركة أو منقولة إليها حركة العين على قول من يرى ذاك، كما أن العين تابعة لحركة اللام أو منقولة إليها حركتها في الأسماء الأربعة المتقدمة. والقسم الثالث: هو الذي يستعمل مضافًا، فيجري بالإعراب بالحروف مجرى الأسماء المتقدمة، فإذا أفرد غير مع الحذف اللاحقة حرف إعرابه بالقلب، وذلك قولك فم إذا استعملته مضافًا أجريته مجرى ذو فقلت: شحافاه، وشحافوه، وملء فيه، قال الله تعالى "ليبلغ فاه" (١) فلامه

стр. 59

محذوفة كما لام ذي محذوفة، إلا أنها هاء، بدليل قولهم: فوية، وأفواه وتفوهت. فإذا استعملته مفردًا أبدلت عيقه- وهي الواو- ميمًا، لأن الميم أجلد من الواو وأصبر على تحمل الحركات منها. وتلك، أعني الواو، لو حركت كما حركت باء أب في الأفراد لثقل ذلك، ولو سكنت لحذفت للقاء التنوين إذ كان الاسم مصروفًا، ولو حذفت لبقي اسم ظاهر متمكن على حرف واحد، وذلك إجحاف شديد بالاسم ونهك له، فلذلك عدلوا في الأفراد عن الواو إلى الميم لكونها من حروف الشفة، كما أن الواو كذلك. قالوا: وإنما تممت هذه الأسماء في الإضافة، وحذفت في الأفراد، لأن معانيها إنما تكمل في الإضافة، فجعلوا كمال لفظها مع كمال معناها، وفي الأفراد تنقص معانيها ولا تتم، فجعلوا نقصان لفظها مع نقصان معناها (١).

стр. 60

فصل ومما أعرب بالحروف، التثنية، والجمع الذي على حدها، وهو جمع الصحة لا التكسير. فالتثنية في الرفع بالألف والنون المكسورة، وفي الجر والنصب بياء مفتوح ما قبلها، وبعدها النون كقولك الزيدان والزيدين، والجمع الذي على حد التثنية في الرفع بالواو ونون مفتوحة بعدها، وفي الجر والنصب بالياء المكسور ما قبلها، وبعدها النون، كقولك: الزيدون والزيدين. فالألف في التثنية علامة التثنية ودليل الرفع، وحرف إعراب لا إعراب فيه ولا نية إعراب، بدليل أن الياء في الجر والنصب ساكنة مفتوح ما قبلها، فلو كانت في نية حركة لانقلبت ألفًا، فكانت أجوال المثني في رفعه ونصبه وجره واحدة، وليس الأمر على ذاك إلا في لغة ليست بالفاشية ولا المختارة. فإذا لم تكن في الياء حركة ولا نية حركة، فالألف كذلك، هذا مذهب سيبويه ومن قال بقوله من النحويين، ولهذا عوضت التثنية والجمع الذي على حدها من الحركة والتنوين النون، لأن ألف التثنية وباءها، وواو الجمع وياءه، مجراها واحد في كونها حروف إعراب لا حركة فيها ظاهرة ولا مقدرة. وهي، أعني ألف التثنية، علامة لها، كما كانت التاء في قائمة، والياء في عمري

стр. 61

علامتي التأنيث والنسب، وهي دليل الرفع، وإنما جعلت لرفع التثنية لأن التثنية أول الجمع، فهي أسبق، والرفع ألزم أحوال الكلمة لها وأهمها، فأعطيت التثنية في الرفع الألف لكونها أخف، إذ كانت التثنية أكثر استعمالا من الجمع الصحيح، بدليل أن كل اسم جاز جمعه مصححًا جازت تثنيته، وليس كل اسم مثني يجمع الجمع الصحيح. فلما كانت التثنية أكثر خصوها بالألف في الرفع، وهي الحرف الأخف، ليكثر في كلامهم ما يستخفون، ثم جعلوا الواو في الجمع علامة لرفعه لأن الضمة من الواو، فبقي جره التثنية ونصبها وجره الجمع ونصبه فاشترك الكل في الياء، إذ لم يبق من حروف العلة سواها، إلا أنها للجر يحق الأصل فيهما والنصب محمول على الجر فيهما للمناسبة بينهما، وذاك أن الكسرة إلى الفتحة أقرب من الضمة إليها والمنصوب أشبه بالمجرور منه بالمرفوع لاشتراكهما- أعني المجرور والمنصوب- في كونهما فضلتين غير لازمتين للجمل، بخلاف المرفوع فإنه لا تستغني الجمل عنه ولا تستقل دونه، ولهذا اتفق ضميرهما في مثل قولك: مررت بك وجزتك، إلا أن الياء في التثنية على صورة غير صورتها في الجمع (١) وذلك أنها مفتوح ما قبلها حملاً على ألف التثنية المؤاخينها، إذ كانت الألف لا تكون إلا بعد فتحة، وفي الجمع مكسور ما قبلها حملاً على الواو المؤاخيتها في الجمع، إذ كانت الواو بعد ضمة، فحركة ما قبلها من جنسها كقولك الزيدون، فجعلوا الياء في الجمع بعد كسرة لتكون حركة ما قبلها من

стр. 62

جنسها كقولك: بالزيدين لتجري علامتا الجمع على سنن واحد في الحكم كما جرت علامتا التثنية على ذاك. وتشتمل الواو في الجمع على معان، منها أنها علامة الجمع، وحرف الإعراب، ودليل الرفع، وعلامة التذكير والعقل، إذ كان هذا الجمع في الأغلب إنما يكون للمذكرين العاقلين، تمييزًا لهم وتفضيلاً، لئلا تبتذل أسماءهم وتنتهك بالتكسير، وأن كسرت في بعض الاستعمال فلأنها أسماء كغيرها مما كسر. وأعلم أن قولهم: أن الواو علامة التذكير تجوز، لأن التذكير لا يحتاج إلى علامة، إذ كان هو الأصل، والأصول مستغنية بالأوضاع الأول عن العلامات الطارئة للفرق، وإنما ذاك أمر بابه الفروع. ولكن لما كانت الواو مختصة بهذا الجمع دون غيره، وكان باب هذا الجمع أن يكون للمذكرين العاقلين في الأصل صارت لاختصاصها به كالعلامة الدالة على التذكير. وغير هذه الأسماء في هذا الجمع محمول عليها، وعلى صفاتها، كأسماء العقود من العشرين إلى التسعين إذا قلت: عشرون في الرفع وعشرين في الجر والنصب، وكذلك ثلاثون وثلاثين والبواقي. وكذا الأسماء المؤنثات المحذوفات اللامات كبرة وثبة وقلة وسنة (١)، إذا قلتك برون وبرين وثبون وثبين وقلون وقلين، وسنون وسنين، جبروا هذه الأسماء لما لزمها الحذف بأن جمعوها جمع أشرف الأسماء فصححوها.

стр. 63

فإن كسر منها شيء، مع ذاك، أعني التصحيح، كالبرى في جمع البرة، فلأن التكسير بابها، ولأن ما حملت عليه قد جاء في جمعه الأمران: الصحة والتكسير، فلا يستنكرون ذلك فيها، وربما جاء ذلك فيما لم تحذف لامه، مما لا نطيل بذكره وتعليله هذا المختصر. وكذا حملوا على صفاتهم، أعني العاقلين المذكرين إذا قلت: المسلمون والمسلمين والضاربون والضاربين حين تقول بالقوم الضاربين، صفات لأسماء ليست عندهم لما يعقل، أجريت مجرى العاقلين في إسناد الأفعال التي لا تقع إلا من مميز إليهم وذلك كإسناد السجود إلى النجوم في قوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (١) فقال ساجدين، ولم يقل ساجدات كما قال رأيتهم ولم يقل رأيتها ولا رأيتهن. فهذا الجمع نظير إسناد الفعل إليها في الآية الأخرى، وهي قوله "كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (٢)، ولم يقل يسبحن، وعلى هذا الاستعمال قال الشاعر: ( ..................... ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا) (٣)

стр. 64

لما كان الدنو والتصوب إنما يكون في الأغلب من قاصد، والقصد إنما يكون من مميز، وقد أخبر به عن هذه النجوم، إلى ما انضم إلى ذاك من لزومها، - فيما يشاهدونه- لدوائر أبدية الظهور، عدل عن التأنيث إلى التذكير، فقال دنوا ولم يقل: دنت، وتصوبوا ولم يقل: تصوبت، كما قال: بنو ولم يقل: بنات، وكذا لم يقل: دنون فتصوبن. وحكم الياء في الجمع حكم الواو في اشتمالها على هذه المعاني، إلا أنها للجر والنصب، والواو للرفع. فأما النونان في التثنية والجمع فعوض من الحركة والتنوين اللذين يستحقهما الاسم في الأصل، ثم صارتا بعد من خصائص التثنية (١)، ولهذا لحقت المثني من (٢) المبني وليس في واحده حركة ولا تنوين كقولك: هذان وهذين واللذان واللذين، ولحقت مثنى المقصور في قولك: عصوان وعصوين، ولا حركة في واحده ومالا ينصرف في قولك: أحمدان، ولا تنوين في واحده، حتى حمل ذلك طائفة من النحويين على أن جعلوا للنون أحكامًا مختلفة، فقالوا: هي في موضع عوض من الحركة والتنوين، وذلك قولك: رجلان، وفي موضع عوض من الحركة وحدها، وذلك في قولك: الرجلان، وفي موضع عوض من التنوين وحده، وهو قولك فتيان. وفساد هذا التفصيل والتمثيل ظاهر لمن أنس بمقاييس العربية، والقول هو الأول، لأنه لا حاجة داعية إلى القول بهذا من اختلاف حكم الحرف. والذي

стр. 65

يدل على كونها عوضًا من الحركة ثبوتها حيث تثبت الحركة، وذلك في قولك: الرجلان والقائمون، وعلى كونها عوضًا من التنوين حذفها حيث تحذف، كقولك: صاحبًا أخيك ومسلمو زيد. وعلة اختلاف حركتهما- أعني نون التثنية- حيث كسرت، ونون الجمع حيث فتحت- أن التثنية أسبق، وحرف التثنية ساكن ونونها ساكنة في الأصل، فكسروها على ما يجري عليه الحكم في الأكثر إذا التقى ساكنان، وهو الكسرة، ثم راموا المخالفة بين نون الجمع وبينها والفرق ففتحوا نون الجمع لما حركوها، مع ما انضم إلى الفرق بينهما من التعديل، وذلك أن الألف في التثنية حرف خفيف والكسرة ثقيلة والواو في الجمع حرف ثقيل والفتحة خفيفة، فقرنوا بين ثقيل وخفيف في ذا وفي ذا لتقع المعادلة.

стр. 66

فصل اعلم أن كلا وكلتا: اسمان مفردا اللفظ ومعناهما التثنية، كما أن "كلا"، مفردة اللفظ مجموعة المعنى، فـ"كلا" كـ"معى" في أنه أسم مقصور مفرد، وألفه منقلة، إما عن واو- وهو الأقيس-، وإما عن ياء لجواز أمالتها، وكلتا للمؤنث، تاؤها منقلبة في القول الصحيح عن الواو أو عن الياء اللتين أجزنا انقلاب ألف كلا عن كل واحدة منهما. فإن كانت منقلبة عن واو، فإن الأصل "كلوا"، فقلبت الواو تاء كما قلبت في تراث والأصل وراث وتجاه والأصل وجاه. وإن كانت منقلبة عن ياء فالأصل "كليًا"، فقبلت الياء تاء كما قبلت في ثنتين، لأن أصل "ثنتين" ثنيان، إذ كانت من ثنيت. وليس قول من ذهب إلى أن التاء للتأنيث كتاء قائمة وقاعدة بشيء، لأنه يؤدي إلى وقوع تاء التأنيث حشوًا، وذلك ممتنع. نعم ويؤدي أيضًا إلى إثبات مثال خارج عن أمثلتهم، إذ كان ليس فيها فعتل. والذاهب إلى هذا القول هو أبو عمرو الجرمي (١) فإذا (٢) قد ثبت أنهما،

стр. 67

أعني كلا وكلتا، أسمان مفردان مقصوران، فالأصل أن تكون ألفاهما مع إضافتهما ثابتة غير متغيرة، إلى ظاهر أضيفتا أو إلى مضمر، كما أن ألف رحى وحبلى كذلك، إذا قلت: رحى زيد ورحاه وبرحاه، ورأيت رحاه، وحبلى عمرو، وهذه حبلاه ورأيت حبلاه ومررت بحبلاه، إلا أنهم لما لزمت هاتين الكلمتين الإضافة أجروا الفيهما مجرى ألفات الحروف وفرقوا بذلك بينهما وبين الأسماء المتمكنة من المقصور، فأثبتوا ألفيهما في الإضافة إلى الظاهر ولم يغيروهما، فقالوا: جاءني كلا أخويك ورأيت كلا أخويك ومررت بكلا أخويك، وجاءني كلتا أختيك ورأيت كلتا أختيك ومررت بكلتا أختيك كما تقول: على زيد والى عمرو، فتقر ألف على والى على لفظهما مع الظاهر. فإن أصفت كلا وكلتا إلى مضمر أقررت ألفيهما في الرفع على لفظيهما وقلبتهما في الجر والنصب ياء فقلت: جاءني أخواك كلاهما ورأيت أخويك كليهما، ومررت بأخويك كليهما، وكذلك التمثيل في المؤنث، وهذا كما تقول عليهما وإليهما ولديهما. وإنما شبهت كلا وكلتا بعلى والى، فجرى عليهما حكمهما، لأن الإضافة تلزم هاتين أعني كلا وكلتا، كما أن "على" و "إلى" تلزمان أسمًا تدخلان عليه ولا تنفردان بأنفسهما، فقلبت ألفاهما مع الضمير كما قلبت ألفًا الحرفين- أعني على وإلى-. وخص هذا القلب بالجر والنصب (١) دون الرفع لأن على وإلى لاحظ لهما في الرفع، فلم يكن لهما في الرفع حال فتحمل عليها حال كلا وكلتا في الرفع، فتغيرا لذاك، فبقيت ألفهما (٢) على أصل ما ينبغي أن تكون عليه، فلم تغير.

стр. 68

وليس هذا التغيير بإعراب، بل هو تغيير طارئ على الكلمتين للشبه الذي عرض لهما بالحرف في الحالتين المذكورتين، وهو شبه لا يقتضي إجراءه مجرى الحرف في البناء. وأما إعراب "مسلمان ومسلمتان" فإعراب صحيح يحدث عن عامل، وليس كلا وكلتا كذلك.

стр. 69

فصل ويدل على أن "كلا وكلتا" اسمان مفردان- وأن أفادا معنى التثنية- عود الضمير إلى كل واحد منهما مفردًا، كقوله ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١) ولم يقل آتتا أكلها. وقد جاء في الشعر عود الضمير إلى كلا مثني على المعنى، وهو قوله: (كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي) (٢) وهذا الشاعر قد استعمل اللغتين، أعني الحمل على اللفظ- وهو الاقيس- في قوله رابي، ولم يقل رابيان، والحمل على المعنى في قوله: قد أقلعا، ولم يقل قد أقلع. كما جاز في كل رد ضميرها على المعنى في قوله ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (٣) والرد على اللفظ في قوله سبحانه ﴿َكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (٤)

стр. 70

فصل إذا جمعت الاسم المؤنث الجمع الصحيح زدت عليه ألفًا وتاء، ويكونان بمجموعهما علامة الجمع والتأنيث معًا كقولك: مسلمة ومسلمات، وقائمة وقائمات. والتاء حرف الإعراب، فإذا رفعت هذا الجمع، ضممتها، وألحقتها تنوينًا يكون بإزاء النون في مسلمين، لا أنه علامة للصرف في قول الجمهور، وإن جررته كسرت التاء، وإن نصبته كسرتها أيضًا، فقلت: مررت بمسلمات ورأيت مسلمات، فحملت النصب على الجر، وإن كان فتح التاء ممكنًا، لكن عدلوا عن فتحها مع إمكانه حملاً للفرع على الأصل فيما لزم الأصل من الحكم، وذلك أن المؤنث فرع على المذكر، فجمعه فرع على جمعه، والجمع الصحيح المذكر قد استقر أن نصبه محمول على جره، فهما مشتركان في الياء، فشركوا بين نصب الجمع المؤنث الصحيح وجره في الكسرة ليجري الفرع على حكم الأصل، فتكون عدة أحواله كعدة أحواله، ولئلا يكون الفرع أوسع تصرفًا من أصله. فأما ما لا ينصرف، فحكمه في حمل الجر على النصب عكس حكم التثنية والجمع، وذلك أن الاسم الذي لا ينصرف لما أشبه الفعل من وجهين أو من وجه قوي لازم قائم مقام وجهين جذبه الفعل إلى حيزه فثقل لشبهه بالفعل، فمنع العلامة الدالة على الخفة والتمكن- وهي التنوين- فحذف، ثم تبعته حركة الجر في الحذف لأنهما خاصتان للاسم وبه، فتبعت إحداهما الأخرى في الحذف كما صحبتها في الاختصاص. ولما حذفت حركة الجر فيه- أعني ما لا ينصرف من الأسماء- عاقبتها حركة النصب فدلت على ما كانت تدل عليه، إذ لابد لعامل الجر من تأثير يؤثره وهو الإعراب، إذ الاسم- وهو معمول الجار- معرب. فإن أمن دخول التنوين عليه ولحاقه الاسم عاد الجر وجرى عامله على أصله في تأثيره الخاص به، لأن الجر انحذف تبعًا للتنوين، ولا تنوين مع الألف

стр. 71

واللام والإضافة، فثبت الجر فيهما (١)، ولم يحذف، تقول مع الألف واللام: مررت بالفرس الأشقر، ونظرت إلى الرجل الأسمر، ومع الإضافة: عجبت من حمرائكم وأحمركم وشقرائكم وأشقركم، وكنت قائلاً قبل لحاق الألف واللام والإضافة: عجبت من فرس أشقر ونظرت إلى حمراء وأحمر. والشبه الذي بين مالا ينصرف من الأسماء وبين الفعل هو أن يكون الاسم ثانيًا لاسم كما أن الفعل ثان للاسم وفرع عليه. فمن ذلك الوصف، لأن الصفة ثانية للموصوف، والتعريف، لأن المعرفة ثانية للنكرة، إذ النكرة هي الأولى، والتأنيث لأن المؤنث ثان للمذكر، وكذلك التركيب، فالمركب فرع على غير المركب، والجمع فرع على الواحد وثان له، إذ من الأحاد يستقل وإليه ينحل، والمعدول ثان للمعدول عنه وفرع، ووزن الفعل فرع على وزن الاسم، إذ الموزون من ذا فرع على الموزون من ذا، والعجمة في اللغة فرع على العربية لاقحام ما استعمل منها فيها، وطروء ألفاظها على ألفاظها، فالاسم الأعجمي ثان للعربي وفرع عليه. وما في آخره الألف والنون الزائدتان من الصفات، "كفعلان" الذي مؤنثه فعلي نحو عطشان وعطشى، أو الإعلام كعثمان وعمران، فمشبه بما في آخره ألفًا التأنيث. فمتى اجتمع في اسم علتان من العلل التسع التي تجعله ثانيًا من جهتين أو

стр. 72

وجدت فيه علة قائمة مقام علتين على مابين منع الصرف، وهو لحاق الجر والتنوين به، كأحمد فيه وزن الفعل والتعريف، وأحمر فيه وزن الفعل والوصف. والعلة القائمة مقام علتين، للزومها وبناء الكلمة عليها، كألف حبلى وألفي حمراء، والجمع الخارج عن مثال الآحاد كمساجد ومنابر ودنانير.

стр. 73

فصل ومما استوى فيه الدلالة على المجرور والمنصوب ضمير المجرور والمنصوب المتصل كقولك: بصرت بك وأبصرتك، ومررت بي وأكرمتني، وأنه وله، تستوي هذه الضمائر في اللفظ وأن اختلفت مواضعها في الإعراب، لقرب ما بين المجرور والمنصوب من الشبه. والياء في ضربني وأكرمني هي الاسم (١)، والنون قبلها حرف جيء به ليسلم آخر الفعل فلا ينكسر، إذ كان حكم ياء المتكلم أن يكسر لها ما قبلها فجيء بالنون وقاية لآخر الفعل، لتقع الكسرة عليها. فمنهم من يسميها نون الوقاية ومنهم من يسميها نون العماد، وكلاهما لقب صحيح، لأنها وقت آخر الفعل، فسلمت له حركته، واعتمد لفظ الضمير في الكسرة عليها. ويقاس على ما مثلنا به من الضمائر بقية المجرورات والمنصوبات المتصلة.

стр. 74

فصل (١): ومما قام فيه الحرف مقام الحركة، النون التي بعد ألف ضمير الاثنين. الفصل. النون في هذه الأمثلة الخمسة إعراب ثبوتها علامة الرفع، وحذفها علامة الجزم، والنصب محمول عليه في الحذف. وهذه الأمثلة الخمسة، خاصة، معربات لا حرف إعراب لها، وذلك أنه لا يخلو قولك: يقومان مثلا من أن يكون حرف إعرابه الميم أو الألف أو النون، فلا يكون الميم، لأنها لو كانت حرف إعراب لتحملت حركات الإعراب (٢)، وكونها مفتوحة في الأحوال الثلاث (٣) دليل على بطلان ذلك. ولا يكون الألف لأنها فاعل الفعل، فهي اسم، وحرف الإعراب لا يكون أسمًا، إنما يكون حرفًا من أصل الكلمة المعربة أو مزيدًا عليها متنزلاً تلك المنزلة كتاء التأنيث، وياء النسب وما جرى مجراهما. ولا يكون النون لأنها هي الإعراب، إذ كان ثبوتها علامة الرفع وحذفها علامة

стр. 75

الجزم والنصب، فثبت (١) أن "يفعلان" وأخواته معربات لأحرف إعراب لها. وإنما كانت هذه الأمثلة بهذه الصفة لأن حرف الإعراب إنما يفتقر إليه إذا كان الإعراب حركة أو سكونًا. فأما إذا كان الإعراب حرفًا، فلا حاجة إليه، أي إلى حرف الإعراب، لأن الحركة لابد لها من حرف تقوم به، إذا كانت لا تقوم بنفسها، والحرف لقيامه بنفسه مستغن عن ذلك. وتنزل الحرف في هذه الأمثلة الخمسة وغيرها مما سنذكره منزلة الحركة وكان إعرابًا كما تكون الحركة إعرابًا، لأن الحركة قد تنزلت في كثير من كلامهم منزلة الحرف، واعتد بها كما يعتد به، فأجري كل واحد منهما مجرى صاحبه. فمما تنزلت فيه الحركة منزلة الحرف المؤنث المعرفة، إذا كان على ثلاثة أحرف وتحرك أوسطه لم يكن فيه إلا منع الصرف، بخلافه إذا سكن أوسطه لأنه بسكون أوسطه يخف فتقاوم خفته أحد سببيه، فيكون لك فيه الصرف وتركه في قول الجمهور منهم، فمن منع الصرف اعتبر وجود السبببين، ومن صرف فلما ذكرنا من مقاومة الخفة أحد السببين، وذلك نحو دعد وهند. وبتحرك أوسطه أشبه ما كان من المؤنث على أربعة أحرف كزينب وسعاد، فلزم فيه ترك الصرف كما لزم في زينب وسعاد وبطل التخيير لوجود ما هو بمنزلة حرف رابع، وذاك هو الحركة.
следующие страницы →