← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18262

المرتجل في شرح الجمل لابن الخشاب

ابن الخشاب

Полный текст (349 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المرتجل في شرح الجمل لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب (٤٩٢ - ٥٦٧ هـ)

стр. 2

المرتجل في شرح الجمل لأبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني قدس الله روحه، مما أملاه الشيخ الإمام العالم ألصدر أوحد الزمان، فريد العصر، زين الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب. رحمة الله عليه. الحمد لله (١).

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر بفضلك (١). الحمد لله رب العالمين، وصلواته (٢) على سيدنا محمد والنبي وآله الطيبين الطاهرين. (قال الشيخ الأجل الإمام العالم الأوحد، زين الدين، أوحد العصر أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي اللغوي، ﵀ عليه) (٣): هذا (٤) إملاء على مختصر أبي بكر، عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، ﵀، الذي وسمه بالجمل، يجري مجرى الشرح له، وإن كان غير مستقصى. (ارتجلته مملياً في أيام قليلة العدد، قبل سنة عشرين وخمسمائة، وكان مستمليه على جناح سفر، فوسمته لذلك بالمرتجل، فإن عثر فيه على ما ليس بمحرر، فقد بينت العذر فيه، وعلى الله اعتمد وبه اعتضد) (٥). قوله: اعلم أن الكلمات ثلاث . الكلمات جمع كلمة، جمع قلة، لأن الثلاث (٦) أقل جمع، والكلمة هي

стр. 4

اللفظة المفردة، وإن شئت قلت: الجزء المفرد. هذا الأصل (١)، وغير اتساع. وجميع ما يتخاطب به الناس (٢) من الجمل المفيدة التي سماها جمهور النحويين كلاماً ألفاظ مؤلفة. وكل مؤلف فله مفردات منها ألف، فالكلام مؤلف، مفرداته هذا الكلم الثلاث (٣)، فهو ينتظمها (٤)، ومنها ينتظم. وهي: كلمة يصح الإخبار عنها وبها، وكلمة (٥) يخبر بها ولا يصح الإخبار عنها، وكلمة (٦) لا يخبر بها ولا عنها (٧). الأولى تلقب اسماً والثانية تلقب (٨) فعلاً، والثالثة تلقب حرفاً. ولكل منها حد (٩) وعلامات واشتقاق. فالحد (١٠) يحصر ذات المحدود والعلامة (١١) تعرفه، والاشتقاق يكشف عن وضع لفظه. وانقسمت الكلم إلى ثلاثة أقسام لا رابع لها، قسمة (١٢) ضرورية أو كالضرورية، لأن العبارات دوال على المعاني التي تحتها، والمعاني منقسمة إلى ثلاثة أقسام (١٣)، فوجب أن تكون الألفاظ الدالة عليها ثلاثة لا أقل ولا أكثر.

стр. 5

والمعاني ذات يخبر عنها وهي الاسم، وخبر عن تلك الذات (١) وهو الفعل، وواسطة بينهما، إما لإثبات الخبر للمخبر عنه، أو لنفيه عنه، أو لغير ذلك من المعاني وذلك هو الحرف (٢). فأما الاسم (٣)، فاشتقاقه عند البصريين من سما يسمو إذا علا، كأن أصله سمو كقنو، أو سمو كعضو، بدلالة قولهم في جمعه: أسماء، فهذا كعدل واعدال، وقفل وأقفال، أو كقنو وأقناء، وعضو وأعضاء، ثم حذفوا لامه - وهي الواو - حذفاً، وسكنوا أوله - وهو السين - ليعوضوه من الحذف الذي أجروه الذي أجروه عليه اعتباطاً، فاجتلبوا له همزة الوصل ليقع الابتداء بها فصار اللفظ اسماً كما ترى. وذهب الكوفيون إلي أنه مشتق من السمة، فأصله على هذا عندهم وسم، لأن السمة العلامة، والاسم لدلالته على مسماه كالعلامة له. والذي ذهبوا إليه صحيح (٤) من طريق المعنى، فاسد بمقاييس اللفظ، لأنه لو كان من الوسم، وهو أصل السمة لقيل في اشتقاق الفعل منه على فعلت: وسمت ولم يقل: سميت، ولقيل: أوسمت، إذا كان على أفعلت، ولم يقل أسميت، إلا أن يدعوا فيه القلب. وليس القلب بقياس (٥)، ولقيل في جمعه: أوسام، ولم يقل: أسماء، ولقيل (٦) في جمع الجمع: أواسم وأواسيم ولم تقل أسام، ولقيل في تصغيره: وسيم (٧) لاسمي، ولما جاء فيه في بعض لفاته سمى كهدى (٨) كما أنشدوا:

стр. 6

والله أسماك سمى مباركا (١) وإن كان لا قاطع شاهد فيه. وكل هذه التصاريف تشهد بصحة قول البصريين. وأيضاً فالتعويض (٢) ينبغي أن يكون مخالفاً موضعه موضع المعوض منه (٣) فهم إذا أوقعوا الحذف أولاً وأرادوا التعويض عوضوا آخراً، وإذا (٤) حذفوا آخرا وعوضوا عوضوا أولاً، بدليل قولهم: عدة وصاة وبابهما، فاتهم لما حذفوا فاء الكلمة - وهي الواو من عدة - ألزموها تاء التأنيث في آخرها عوضاً من حذف فائها، فلو كان المحذوف من اسم فاءه للزم التعويض لامه، وليس الأمر كذلك. وأما حده فقد طال (٥) الناس فيه وأكثروا، وأقرب ما حدوه به إلى الصحة عند تحقيق النظر قول من قال: الاسم لفظ يدل على معنى في نفسه غير مقترن بزمان محصل. فقولهم (٦): "لفظ" هو جنس للاسم، قريب منه، وهكذا يجب أن يوضع في أول الحد جنس المحدود الأقرب، ثم يؤتى من بعده بالفصول التي تميز المحدود من الأنواع المشاركة له (٧) في جنسه. وقولهم: (٨) "دال على معنى في نفسه" فصل يميز الاسم من الحرف، لأن الحرف يدل على معنى لكن في غيره.

стр. 7

وقولهم (١): "غير مقترن بزمان" فصل يميزه من الفعل، لأن الفعل يدل على معنى في نفسه، ولكن (٢) مقترن بزمان ذلك المعنى. وقولهم (٣): "محصل" احتراز (٤) من المصدر واسم الفاعل وما جرى مجراهما من الأسماء الدالة على معنى مقترن بزمان، أزمنة هذه مبهمة غير معينة ولا منحصلة. وأما علاماته فتقسم قسمين: لفظية ومعنوية، فاللفظية إما أن تلحقه من أوله أو في حشوه أو في آخره. فالتي تلحق من (٥) أوله، كالألف واللام اللتين للتعريف، كقولك: رجل والرجل وغلام والغلام، وكحروف الجر وهي نحو من وإلى وعن وعلى، تقول: من زيد وإلى عمرو (٦) وعن زيد وعلى زيد. وأما العلامة التي تلحقه في حشوه فنحو ياء التصغير كقولك: رجل ورجيل ودرهم ودريهم. والتصغير خاصة من خواص الاسم، وربما دخل (٧) ضرباً من الفعل، إلا أنه في الاسم يتناول لفظه، ولإيراد بتصغيره تصغير شيء غيره في معناه، وإذا لحقت الفعل تناولت لفظه، وكان المراد بتصغيره تصغير

стр. 8

مصدره (١) كقولك في التعجب: ما أحيينه وما أميلحه. فالتصغير قد تناول لفظ الفعل والمراد تصغير المصدر، وهو الحسن والملاحة، ونحو ألف التكسير في قولك: دراهم ودنانير. وأما ما يلحقه آخراً فنحو التنوين في قولك: رجل وقوس. والتنوين: نون ساكنة تلحق آخر الاسم المتمكن علامة لخفتيه، ويدخل الكلام على خمسة أقسام. الأول: التنوين الدال على خفة الاسم المذكور. والثاني: تنوين يلحق الاسم المبني فرقاً بين المعرفة والنكرة كقولك: صهْ وصهِ، ومهْ ومهٍ، فهذا الاسم وما جرى مجراه، إذا لم تنونته كان معرفة (٢)، وإذا نونته كان نكرة، فإذا قلت صهِ، كان كأنك قلت: افعل السكوت، وإذا قلت صهٍ كان كأنك قلت افعل سكوتاً. والثالث: تنوين يدخل عوضاً من جملة محذوفة كأن الأصل أن تذكر، وذلك في نحو إذ، إذا قلت حينئذ ويومئذ، فإذ ظرف زماني مبني على السكون والأصل أن تقول: كأن كذا يوم إذ كأن كذا، ثم تحذف الجملة المضاف إليها "إذ" علماً بها واستغناء بما تقدم عنها، وتعوض "إذ" من الجملة المحذوفة التنوين فيلتقي التنوين وهو ساكن بالذال وهي ساكنة فتكسر الذال لالتقاء الساكنين فيصير اللفظ على ما رأيت، قال الله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ﴾ (٣) [الحاقة: ١٨]، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ﴾ (٤) [الرحمن: ٣٩].

стр. 9

ومن ذلك قوله الهذلي (١): (نهيتك عن طلابك أم عمرو ... بعافية وأنت إذ صحيح (٢)) والأصل: وأنت - إذ نهيتك - صحيح، ثم حذفت (٣) الجملة وعوض منها التنوين. والرابع: تنوين يلحق آخر الجموع المؤنثة السالمة، نظيراً للنون في الجموع المذكورة السالمة، وذلك في نحو مسلمات وصالحات. فالتنوين في هذا الجمع نظير للنون في مسلمين ورسيل لها، وليس بتنوين الصرف، بدليل قوله ﴿فإذا أفضتم من عرفات (٤)، فنون "عرفات"، وهي مؤنث معرفة، وما كان فيه علتان من العلل التسع التي تذكر - إن شاء الله - في باب ما لا ينصرف فإنه يمنع الصرف (٥)، وقد رأيت عرفات كيف استعملت منونة، فدل على أن تنوينها ليس بتنوين الصرف. ويدلك على أنها معرفة قولهم: هذه عرفات مباركاً فيها، فمباركاً حال منها (٦)، والحال أصلها أن تقع من المعرفة لا من النكرة.

стр. 10

والخامس: تنوين يلحق أواخر الكلم التي تقع في قواف في الشعر (١) المطلق عوضاً عن مذات الترنم، ومدات الترنم الألف في مثل قوله: (أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا (٢)) والواو في مثل قوله: ( ........ ... سقيت الغيث أيتها الخيامو (٣)) والياء في مثل قوله: ( ......... ... كانت مباركة من الأيامي (٤))

стр. 11

فيقع هذا التنوين موقع هذه الحروف، فيكون الإنشاد: (أقلي اللوم عاذل والعتابن ... وقولي إن أصبت لقد أصابن) وكذلك ينشد الذاهب هذا المذهب في الإنشاد: ( ........ ... سقيت الغيث أيتها الخيامن) (و ............ ... كانت مباركة من الأيامن) فهذه أقسام التنوين في قول الجمهور من النحاة. والتنوين الذي يعتبر (١) به الاسم فيكون علامة له هو الأول وما يليه وهو غنة تلحق آخر الاسم، تثبت وصلا في اللفظ وتحذف في الخط لأن موضوع على الوقف. ومن خواص الاسم اللفظية اللاحقة آخره الفذ التثنية وواو الجمع في مثل قولك: الزيدان والزيدون، والياء الواقعة موقعهما في (٢) مثل الزيدين والزيدين. ومن خواصه: الإضافة، وهو أن يضاف أو يضاف إليه كقولك: غلام زيد، فغلام اسم مضاف وزيد اسم مضاف إليه. ومن خواصه أن يوصف، كقولك: الرجل: الظريف، أو (٣) يضمر كقولك زيد مررت به. فهذه أغلب علاماته اللفظية. وأما علاماته المعنوية فنحو (٤) أن يكون فاعلاً أو مفعولا كقولك:

стр. 12

ضرب زيد عمراً، فزيد فاعل وعمرو مفعول، وأن يخبر عنه تارة، ويخبر به أخرى كقولك: الرجل قائم، فالرجل مخبر عنه (١)، والقائم الرجل، فالرجل ها هنا خبر، وعلى هذا علاماته المعنوية. * * *

стр. 13

فصل في حد الفعل وأما الفعل، فحده أنه لفظة تدل على معنى في نفسها مقترن بزمان محصل. فقولنا: "تدل على معنى في نفسها" احتراز من الحرف (١)، لأن الخرف يدل على معنى في غيره. وقولنا (٢): "تدل على زمان"، لأن الفعل وضع ليدل على الزمان، ولهذا انقسمت معانيه في الدلالة على الزمان بانقسام الزمان، فكأن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، كما أن الزمان منه ماض وحاضر ومستقبل. والفرق بينه وبين الاسم أن الاسم لا يدل مع معناه على زمان ذلك المعنى، إلا المصادر خاصة فإنها تدل على أزمنة مبهمة، فزادوا في حد الفعل لفظة "محصل" ليقع الفرق بين الأفعال ومصادرها.

стр. 14

وسموه فعلاً ولم يسموه عملاً، لأن الفعل أهم من العمل (١)، ألا ترى أنك إذا أمرت مأموراً بالبناء مثلاً، فقلت: ابن داراً فائتمر جاز أن يقول: قد عملت ما أردت، وجاز أن يقول: قد فعلت، ولو قلت: تكلم مثلاً، ففعل، لم يقل إلا: قد فعلت ولم يحسن أن يقول: قد عملت فالفعل على ما أريتك أعم من العمل، فلذلك لقبوا هذا القسم فعلاً ولم يلقبوه عملاً، ولعلة أخرى حسنت فيه هذا اللقب دون غيره (٢). فأما علاماته فمنها أيضاً لفظية، ومنها معنوية، فمن اللفظية أن يحسن دخول قد عليه كقولك: قد قام، وقد قعد، وقد يقوم وقد يقعد. وقد حرف يقرب (٣) الفعل الذي يدخل عليه من زمن الوجود أي الحال. ومنها السين وسوف، وهما حرفان إذا دخلا على الفعل المضارع (٤) أخلصاه للاستقبال وخلصاه من الشياع الذي كان يحتمله قبل دخولهما عليه، وذلك أن لفظ المضارع - مجرداً (٥) من قرينة - يحتمل الحال والاستقبال، فهو صالح لهما على سبيل

стр. 15

البدل، فإذا قلت (١): زيد يضرب احتمل "يضرب" أن يكون الحال، وجاز أن يكون للاستقبال، والحال أولى به لأنها الحاصلة الموجودة فإذا (٢) أردت أن تخلصه للاستقبال وترفع عنه احتماله للحال أدخلته السين أو سوف فقلت: سيقوم أو سوف يقوم، فخلص للاستقبال، ولم يحتمل مع دخولهما إياه معنى غيره. وهما - وإن دلا على هذا المعنى واشتركا فيه - فبينهما فرق في الاستعمال، وذلك (٣) أن سوف أشد تنفيساً زماناً من الزمان الذي تدل عليه السين. وكل مع ذاك للاستقبال. فقولك على هذا: سوف أكرمك، أشد تراخياً وبعداً في الزمن المستقبل من قولك: سأكرمك، وسأكرمك أقرب إلى زمن وجودك من سوف أكرمك. وتتصل السين بالفعل اتصالاً أشد من اتصال سوف به، وذلك ظاهر لأنها - أعني السين - على حرف واحد، فهي أشبه بما عليه غالب الحروف في اللفظ، وسوف على ثلاثة أحرف، فهي (٤) قريبة الشبه من صيغ الأسماء (ومن خاصة الأسماء في الدلالة الاستقبال والاكتفاء) (٥) ولذلك ساغ دخول اللام على سوف في مثل قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ

стр. 16

رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١) [الضحى: ٥] ولم يجز دخولها في السين، فلا تقول مثلاً: ولسأكرمك (٢). وليست عند المحققين (٣) - أعني السين - محذوفة من سوف، وإن أعطت معناها وكانت كبعض لفظها، بل كل منهما حرف موضوع برأسه. وذهب الكوفيون لما رأوا السين تدل من الإخلاص للاستقبال على ما تدل عليه سوف، وأنها كبعض لفظها (٤) إلى أنها محذوفة منها ورووا: سوف أفعل، وسوف أفعل - بحذف الفاء - وسأفعل بحذف الواو والفاء (٥) (وليس باب الحروف الحذف ولا التصرف). ويدلك على الميزة بينهما أنك تفرق بينهما في التسمية بهما - لو سميت - فتقول: إذا سميت بسوف أو أجريتها اسماً بإخبارك عنها هذا سوف وإن سوفاً كما قال: إن ليتا (٦)، ولو أردت هذا في السين لقلت فيه: ساء، بما بينوه، فاعلمه (٧). ومن علاماته اللفظية اتصال تاء الضمير وواوه وألفه ونونه به كقولك: قمت وقاما وقاموا وأشباه ذلك من (٨) ضمائر الفاعلين. وإنما كانت هذه خاصة للفعل - أعني اتصال هذه الضمائر به - لأنها (٩) فاعلة والفاعل يفتقر إليه الفعل، والأسماء لا تفتقر إلى

стр. 17

الفاعل بحق الأصل، فلم تتصل هذه الضمائر به. فإن اتفق من الأسماء ما يفتقر إلى الفاعل (١) كالمصادر المعملة عمل الأفعال، وأسماء الفاعلين الجارية عليها، والصفات المشبهة بها، وما جرى هذا المجرى (كانت في الاحتياج إلى الفاعل محمولة على الفعل و) (٢) لم تتصل هذه الضمائر به (٣) كاتصالها بالفعل، لأن الفعل له العمل بحق الأصل، وهذه الأسماء فروع عليه (في العمل) (٤) معها جملة مستغنية قائمة بنفسها، والأفعال معتد بما تتضمنه من الضمائر، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد يضرب، كان "يضرب" جملة تامة (٥) من فعل وفاعل بالضمير الذي يتضمنه "يضرب"، إذ التقدير زيد يضرب هو، ولو قلت: زيد ضارب لكان (٦) ضارب متحملاً ضميراً يرجع إلى زيد، ويرتفع بضارب رفع الفاعل بفعله، ولكن لا يعتد به، فيكون مع ضارب جملة كما كان جملة مع الفعل بدليل أنه يجوز أن تقول: يعجبني الذي يضرب، ولا تقول: يعجبني الذي ضارب إلا على تقدير ضعيف في القياس، وهو أن يقدر حذف فيكون التقدير الذي هو ضارب. ومن خواصه اتصال التاء الساكنة للتأنيث بآخره (٧)، كقولك: قامت جمل وقعدت هند ونعمت المرأة وبئست الجارية، كما قال الشاعر:

стр. 18

( ................. ... ... نعمت زورق البلد (١)) تاء التأنيث تدخل الأسماء على حد، وتدخل الأفعال على غير ذلك الحد في المعنى، فلذلك اختلف حكماها (٢) في اللفظ، لأن التي تلحق الأسماء (تلحقها) (٣) (لمعنى) يصح وجوده في الاسم حقيقة، وهو التأنيث، وتتناول لفظ الفعل لمعنى لا يصح وجوده في الفعل حقيقة، إذ الأفعال لا يكون منها مذكر، ومنها مؤنث على الحقيقة (٤) فدخول التاء (الساكنة) (٥) فيها إنما هو للدلالة على تأنيث فاعلها. فالتي (٦) تدخل الأسماء تتحرك وتكون حرف إعراب في الاسم، ويختلف حكمها في الوصل والوقف في اللغة الجيدة، فتكون تاء في الوصل، فإذا وقفت عليها قلبتها هاء، كقولك: قائمة ومسلمة (والخط على الوقف فلذلك كتبت في حالتيها هاء .. وهي في الفعل كيف وقعت تاء ممدودة) (٧). ومن (٨) العرب من يقف على لفظها الذي لها في الوصل، فتكون تاء في

стр. 19

الحالتين فيقول: هذه قائمة ومسلمت، وعليه أنشدوا: (الله نجاك بكفي مسلمت ... .......... (١)) وروي في بعض كلامهم: يا أصحاب سورة البقرة، فأجاب المجيب: والله ما معي منها آيت، يريد ذلك البقرة، ويريد هذا آية. والتاء الداخلة على الفعل تاء ساكنة في الوصل والوقف، لا تتحرك إلا أن يلقاها ساكن كقولك: قامت المرأة. ومن خواصه دخول حرف الجزم عليه كقولك: لم يضرب ولم يقم ولم يرم. وحروف الجزم في الأفعال نظيرتها (٢) حروف الجر في الأسماء، لأن معاني كل واحد من القسمين - أعني الجوار والجوازم - إنما تصح فيما اختصت به فالجوار - مختصة بالاسم، لأن معانيها لا تصح إلا فيه، والجوازم مختصة بالأفعال لأن معانيها لا تصح إلا فيها، والحرف إنما وضع (٣) بحيث يصح معناه. ومن خواصه اتصال النون الشديدة أو الخفيفة به للتأكيد كقولك: هل تقومن يا زيد وهل تقومن يا عمرو، فهاتان النونان تدخلان الفعل لتأكيده، فهما من خواصه كما أن التنوين من خواص الأسماء. فأما علاماته الفعل المعنوية، فمثل أن (٤) يكون أبداً مسنداً إلى غيره

стр. 20

ولا يسند غيره إليه، وربما جعل (١) هذا حداً له وليس بحد بل رسم (٢) له والحد التام له ما بدأنا به. ولفظة الإسناد أعم من لفظة الإخبار، لأن الإخبار ما احتمل الصدق والكذب فلم ينطلق إلا على ما احتملهما، والإسناد ينطلق على ما احتملهما وهو الخبر وعلى ما لا يحتملهما كالاستفهام والنهي وما أشبه ذلك مما ليس بخبر، فكل خبر مسند، وليس كل مسند خبراً، فلهذا كان استعمال الإسناد في تعريف الفعل أولى من استعمال الإخبار. فأما انقسام الفعل في الصيغ إلى ثلاثة أقسام، فأمر يخص لفظه، وهو المعنى الذي يسمى التصرف. فمنها أن يكون للماضي فيكون آخره مفتوحاً أبداً ما لم يتصل به ضمير الفاعل كقولك: قام زيد وخرج عمرو أو زيد قام وعمرو خرج، فإذا اتصل به ضمير الفاعل سكن آخره مع تاء المتكلم والمخاطب، ذكراً كان أو أنثى، ونون جماعة الإناث كقولك: ذهبتُ، وذهبتَ، وذهبتِ، وذهبنَ، وذهبتما، وذهبتم، وذهبتن، وضم مع اتصال الواو التي للغيب الفاعلين به، فقلت: ذهبوا. ومنها أن تدخله الزوائد الأربع في أوله كهمزة المتكلم في قولك: أقوم أنا وتاء المخاطب المذكر كقولك: تقوم أنت، والمؤنثة الغائبة كقولك: نقوم هي، ونون المتكلم ومن معه، أو الواحد العظيم في نفسه حملاً على الجامعة نحو: نقوم نحن، وياء المذكر الغائب نحو: يقوم هو. فهذه الحروف الأربعة تسمى حروف المضارعة، والفعل الذي دخلته يسمى مضارعاً، وسمي مضارعاً لمشابهته الأسماء، والمضارعة في اللغة المشابهة

стр. 21

وشبهه (١) بالاسم أنه يكون شائعاً بين الزمانين: الحال والاستقبال، تقول: يقوم زيد ويصلي عمرو فيصلح للحال، أي هو في حال قيام وصلاة، ويصلح للاستقبال أي يقوم غذاً، ويصلى غداً أو وقتاً ما (٢) آخر من أوقات الاستقبال فإذا دخلته السين أو سوف أخلصتاه للاستقبال وقصرتاه بعد أن كان شائعاً على مخصوص، فكان ذلك كالاسم المنكور، يكون مشتركاً بين أشخاص النوع شائعاً فيها، يصلح لكل واحد منها على وجهة البدل، فإذا أرادت إخلاصه لأحدها واختصاصه به ألحقته الألف واللام (كقولك: رجل، ثم تقول: الرجل، فيختص بهما، أعني الألف واللام) (٣)، فقد شابه الفعل المضارع الاسم من هذه الجهة، ومن جهات أخر، منها لحاق اللام له في قولك: إن زيداً ليقوم كما تلحق الاسم في مثل: إن زيداً لقائم، ولا تدخل هذه اللام على (٤) الفعل الماضي إذا وقع خبراً، لأنك لا تقول: إن زيداً لقام على حد قولك ليقوم، لأن الماضي لا نسبة بينه وبين الاسم في معنى كما بين المضارع وبين الاسم، فللمضارعة بينهما جاز أن يدخله بعض ما يدخل الاسم. ولا يزال هذا الفعل مرفوعاً ما عري من (٥) النواصب والجوازم ولم يعرض له ما يرده مبنياً، ورفعه بوقوعه موقع الاسم، فالعامل فيه الرفع على هذا معنوي. والثالث من أمثلة الفعل هو المثال الموقوف الآخر، وذلك هو فعل الأمر للمواجه في قول البصريين، وهو مبني عندهم لأنه باق على أصله، لم يشبه الاسم فيستحق الإعراب، كقولك: قم يا زيد، وأكرم يا عمرو. فأما فعل الأمر للغائب فتلحقه اللام كقولك: ليقم زيد وليخرج عمرو، وهو مغرب مجزوم عند البصريين والكوفيين إجماعاً.

стр. 22

فصل في تعريف الحرف قوله: الحرف ما جاء لمعنى، ليس فيه معنى اسم ولا فعل (١) ... الحرف هو القسم الثالث من الكلم الثلاث، وينحط عن رتبة الفعل كما انحط الفعل عن رتبة الاسم، وذلك أن الاسم يخبر عنه وبه كما علمت، والفعل يخبر به، ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبر به ولا عنه. وحده أنه كلمة تجيء لمعنى في غيرها من إثبات أو نفي، أو غير ذلك من المعاني. وربما قالوا: الحرف ما جاء لمعنى ليس بمعنى اسم ولا فعل. وربما قيل أيضاً: الحرف ما لم يكن أحد جزئي الجملة وجزءا الجملة ركناها، وهما: الخبر والمخبر عنه. فأما الرسم الأول، وهو كونه دالاً على معنى في غيره فبين، وذلك أنك (٢) إذا قلت: قام زيد كان هذا الكلام خبراً محضاً يحتمل الصدق والكذب، فإذا ألحقته هل فقلت: هل قام زيد؟ صار (٣) الكلام استفهاماً لا يحتمل صدقاً ولا كذباً بعد أن كان خبراً يحتملهما، فقد دلت هل وهي الحرف على معنى - وهو الاستفهام - في غيرها وهو قيام زيد. وأما كونه لفظة دالة على معنى، ليس باسم ولا فعل فلأن معنى الاستفهام في مثالنا الذي مثلنا به، ليس بالفعل الذي هو قام، ولا الاسم الذي

стр. 23

هو زيد. وإن شئت فسرته بأن الاسم يدل على معنى في ذاته، وكذلك الفعل، والحرف يدل على معنى في غيره، فليس معناه حينئذ معنى اسم ولا فعل، إذ كان لا يدل على معنى في ذاته. وكونه ليس بأحد جزئي الجملة ظاهر أيضاً في تمثيلنا، لأن الحديث هو قولك: قام وهو ركن، وإن شئت قلت: جزء (١) للجملة. وزيد المحدث عنه، وهو جزء الجملة الآخر (٢)، وهل الداخلة عليهما للاستفهام (٣) ليس بواحد منهما، إذ لو كانت ركناً من أركان الجملة لم يكن للجملة بد منها، وفي استقلال الجملة بنفسها دونها دليل على أنها نيف وزيادة لمعنى لا هو الخبر ولا المخبر عنه. فأما اشتقاقه فمن حرف الشيء وهو طرفه، وذلك أنه يكون تارة وصلة للاسم وتارة وصلة للفعل، فهو كالطرف لهما. والحرف ينقسم انقسامات: منها انقسامه من طريق العمل والإهمال، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون عاملاً، وهو كل حرف اختص بأحد القبيلين: الاسم أو الفعل، فيعمل فيما اختص به، كحروف الجر المختصة بالأسماء، وكحروف الجزء المختصة بالأفعال، أو يكون مهملاً فلا يعمل، وذلك إذا كان متردداً في الدخول على القبيلين: الاسم والفعل، يدخل على هذا تارة وعلى هذا أخرى، كحروف الاستفهام وما أشبهها، ألا ترى أنك تقول: هل قام زيد وهل زيد قائم. أو يكون عاملاً عند قوم على صفة مخصوصة ومهملاً عند غيرهم، كما النافية عند أهل الحجاز، فأنها عاملة عندهم عمل ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، بشرط ألا ينتفض النفي الذي تدل عليه، ولا يتقدم خبرها على اسمها.

стр. 24

وهي عند تميم وغيرهم من العرب، خلال الحجازيين مهملة غير عاملة. ومن انقساماته انقسامه (١) من طريق لفظه وصيغته، وذلك أن منه ما هو على حرف واحد كباء الجر وواو العطف، ويسمى أحادياً، ومنه ما هو على حرفين كعن وهل وقد وبل ويسمى ثنائياً، ومنه ما هو على ثلاثة أحرف كأن وثم وسوف ويسمى ثلاثياً، ومنه ما هو على أربعة أحرف نحو حتى وإلا وأما ويسمى رباعياً، ومنه ما هو على خمسة أحرف وهو لكن وذلك نزر فيه. ومنه ما هو موقوف الآخر كمن وما ومنه ما هو محرك الآخر، إما بالفتح كثم وليث وإنَّ أو بالضم وهو منذ (٢) في لغة من يجربها، أو بالكسر نحو جير في قول من يراها حرفاً، إلى غير ذلك من خواصه. وربما عرف بعلامة سلبية فقيل: الحرف ما لم تحسن فيه علامات الأسماء ولا علامات الأفعال، ألا ترى أنك لا تقول: من قد ولا قد سوف. فأما معاني الحروف التي وضعت لها لتدل عليها، فتجيء في فرش الأبواب إن الله شاء. وإذ قد عرفت هذه الخواص، لهذه الكلم الثلاث التي يمتاز بها بعضها عن بعض، فربما وردت عليك لفظة لا تكاد تقبل في الظاهر شيئاً منها، فإذا أردت سَبرَها - هل هي اسم أو فعل أو حرف - فعرضت (٣) عليها علامات الأسماء فلم تقبلها وعلامات الأفعال فلم تصح فيها ثم لم ترها تدل على ما تدل عليه الحروف من المعنى في غيرها عدلت إلى الحكم عليها بأنها اسم لأن الاسم هو الأصل، والمجهولات ترد إلى الأصول وتحمل عليها دون الفروع.

стр. 25

فمن ذلك "كيف" (١)، لا تحسن فيها علامات الأسماء في اللغة الجيدة (٢) وإن كانوا قد حكوا في الشواذ: على كيف تبيع الأحمرين؟ وحكوا أيضاً: انظر إلى كيف يصنع، فأدخلوا عليه حروف الجر كما ترى، فليس ذلك بالشائع ولا القياس (٣)، وإن كان فيه بعض التنبيه على أن العرب وضعت الكلمة اسماً. وطريق النظر إن سبرتَ وقَسمتَ أن تحللها، فتقول: لا تخلو كيف من أن تكون اسماً، أو فعلاً، أو حرفاً (وقد قدمنا أن الأسماء هي الأصول) (٤)، فلا تكون فعلا لأن الأفعال تليها إذا قلت: كيف تصنع؟ وكيف تقول؟ ، والفعل لا يلي الفعل إلا أن يكون بينهما (٥) حاجز مقدر، وذلك في التحقيق لم يله وليس بين كيف وما وليها من الفعل حاجز مقدر - أعني ضميراً مستتراً - فبطل أن تكون فعلاً، ولا تكون حرفاً لا يستقل به مع الاسم كلام تام إلا في النداء نحو قولك (٦): يا زيد، وليس قولك: كيف زيد بنداء، وهو كلام تام فبطل أن تكون حرفاً، فإذا لم تكن فعلاً ولا حرفاً بقي أن تكون اسماً. وعلى (٧) هذا فقس أمثاله.

стр. 26

فصل أعلم أن الكلم الثلاث، إذا ألف بعضها مع بعض حصل (١) من ذلك ستة تآليف، اثنان منها مفيدان إفادة مطردة، وآخر منها مفيد إفادة مخصوصة بموضع واحد مقصورة عليه، وثلاث مطرحة لأنها لا تفيد. والقسمان الأولان: الاسم مع الاسم كقولك: زيد منطلق، والله إلهنا والفعل مع الاسم كقولك: قام زيد وانطلق بشر، والثالث مخصوص وهو الحرف مع الاسم، في النداء خاصة، كقولك يا زيد، والثلاثة المطرحة هي الفعل مع الفعل والحرف مع الفعل، والحرف مع الحرف. فإذا وقعت الفائدة بالتآليف على ما ذكرنا، سمي ذلك المؤتلف كلاماً. فالكلام اسم للمفيد عند النحويين، يدلك على ذلك من رأيهم قول سيبويه (٢): "وأعلم أن كلمة "قلت"، إنما وقعت في كلام العرب

стр. 27

على أن يحكى بها، وإنما يحكى بها بعد القول ما كان كلاماً لا قولاً نحو: قلت: زيد منطلق" (١). يريد بالكلام الجملة التامة قد عمل بعضها في بعض، تقع بعد قلت محكية للفظ، فيكون موضعها نصباً بقلت كقولك: قلت: زيد قائم وقلت: انطلق زيد، وقلت: هل زيد منطلق، وقلت: قم يا زيد: . كل هذه جمل محكية بعد "قلت" مستقلة بأنفسها في الفائدة، وهي التي تسمى كلاماً. واشتقاق الكلام من الكلم وهو الجرح، لأن له تأثيراً في نفس السامع وفي سمعه أيضاً، ولهذا قال الشاعر: ( ............. ... وجرح اللسان كجرح اليد (٢)) قال الآخر: ( .................. ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر (٣)) وقال الآخر: (فإن القوافي يتلجن موالجاً ... تضايق عنها أن تولجها الإبر (٤))

стр. 28

وفسر المفسرون قوله ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (١) [النمل: ٨٢] من الكلام ومن الجراح، وقرأ بعض القراء: تكلمهم، بالتخفيف وفتح التاء. وحدث الكلام أنه جملة (٢) مؤلفة من الحروف المسموعة المتمايزة المفيدة فائدة تامة يحسن السكوت عليها، وهو في قول المحققين اسم موضوع موضع المصدر، وليس بمصدر، لأنه لا يخلو من أن يكون مصدراً لكلم أو تكلم، ومصدر كلم التكليم، قال الله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣) [النساء: ١٦٤]، ومصدر تكلم التكلم بدليل قول القائل: ( ............. ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم (٤)) وأنت تقول: كلمته كلاماً حسناً، وتكلمت كلاماً جيداً، وليس الكلام

стр. 29

بأحد المصدرين المتقدمين الجاريين على الفعلين (١)، فهو لذلك واقع موقعهما، وهو بمنزلة السلام من التسليم، إذا قلت: سلمت سلاماً، فسلام اسم واقع موقع التسليم، والفرق بينه وبين الكلم أن الكلم جنس لكلمة يعمها (٢)، فكلمة وكلم كثيفة ونبق ولبنة ولبن. والكلام (٣) أقل ما يكون ثلاثة أجزاء، ويكون مفيداً وغير مفيد والكلام لا يشترط فيه عدة الأجزاء، ولكن تشترط فيه الإفادة فقط. والقول أعم منهما، فإذا قلت: زيد منطلق، سميت هذا اللفظ كلاماً لأنه مفيد وقولاً لأنه ينطلق (٤) على المفيد وغير المفيد ولم تسمه كلماً، لأن أقل ما ينطلق عليه الكلم كما تقدمنا ما كان ثلاثة أجزاء. وقولك: زيد منطلق جزءان، إلا في قول من يطلق على الاثنين اسم الجمع، وليس ذلك بالمأخوذ به في التحقيق (٥).

стр. 30

وإذا قلت: إن زيداً منطلق، سميته كلاماً لإفادته، وكلماً لكونه جمعاً (١)، وقولاً لعمومه كل منطوق به. وإذا قلت: من عن مثلاً، لم تسمه كلاماً لأنه غير مفيد، ولا كلماً لأنه (٢) ليس بجمع، بل قولاً على مقتضى الصناعة، لعمومه المفيد وغير المفيد، ولهذا لو سموه كلاماً قيدوه بالصفة فقالوا: كلام غير مفيد، وإن شاءوا (٣) قالوا فيه أيضاً: قول غير مفيد. فأما الكلمة فمنطلقة في أصل الوضع على الجزء الواحد من الكلم الثلاث، وقد جاءت في استعمالهم منطلقة على الجمل الكثيرة المرتبط بعضها ببعض، فمن ذلك تسميتهم القصيدة بأسرها كلمة، فيقولون: لفلان كلمة شاعرة وكلمة مخزية، يريدون القصيدة. وروي أن حسان بن ثابت (٤) شاعر

стр. 31

النبي ﷺ ، كان إذا قيل له أنشدنا، قال: هل أنشدتم (١) كلمة الحويدرة (٢)، يريد قصيدته العينية التي أولها: (بكرت سمية بكرة فتمتع ... ............. (٣)) وتسميتهم لها "كلمة" (٤) استعمال للمفرد (٥) استعمال الجنس في موضع الجمع، لأن القصيدة تشتمل على كلمات كثيرة، وإن شئت قلت: لأن القصيدة أو الخطبة أو المثل لما كانت الجملة من كل واحد من هذه الأشياء مرتبطاً بعضها ببعض، أجري عليها حكم الجزء الواحد، فاستعمل لها (٦) اسمه. ولهذا أيضاً سموا البيت كله قافية، والقافية جزء منه معلوم، وسموا القصيدة كلها قافية والبيت جزء منها، فقالوا: لفلان مئة قافية أي مئة قصيدة.

стр. 32

وإن شئت قلت: إنهم يعبرون عن الكثير بلفظ القليل تركاً لاستعظامه وإظهاراً لاستقلاله، كما أنهم قد يفخمون القليل فيعبرون عنه بلفظ الكثير، كل ذلك تصرف منهم في الاستعمال، واتساع في العبارة. ومن المعنى الأول قولهم: اقطعوا إليه هذه النطفة، يريدون (١) البحر، والنطفة في الأصل القطرة. وإن شئت قلت: سميت القصيدة كلمة، يراد أنها قطعة من اللفظ، كما يقولون: كنا في لحمة ونبيذة طيبة، يريدون قطعة من ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 33

" فصل في الفرق بين الإعراب والبناء والمعرب والمبني " الإعراب، في أصل الوضع، مصدر أعرب الرجل إعراباً إذا أبان عما في نفسه، ومنه الحديث البكر تستأذن، وأذنها صماتها، والثيب يعرب عنها لسانها" (١). وحده أنه تغيير يلحق آخر الكلمة المعربة بحركة أو سكون، لفظاً أو تقديراً، بتغير العوامل في أولها. وفائدته أنه يفرّق بين المعاني المختلفة التي لو لم يدخل الإعراب الكلمة التي تتعاقب عليها تلك المعاني التبست. والمثال في ذلك المسألة المذكورة، وهي قولهم: ما أحسن زيداً وما أحسن زيد. صيغة الكلام واحدة، ومعانيه مختلفة فإذا نصبت زيداً وفتحت النون من أحسن كان الكلام تعجباً، وإذا رفعت زيداً مع فتح النون كان الكلام نفياً للإحسان عنه، وإذا رفعت النون وجررت زيداً كان الكلام استفهاماً عن الشيء الذي هو أحسن ما في زيد، كأنك سألت: أعين زيد أحسن. ما فيه أم أنفه أم فمه، إلى غير ذلك مما يصح الاستفهام عنه منه، فلولا اختلاف الحركات التي هي الرفع والنصب والجر المتعاقبة على دال زيد التبست هذه المعاني، فلم يكن بين بعضها وبعض فرق في اللفظ.

стр. 34

إلى غير ذلك من المسائل التي تتبين (١) فيها فائدة الإعراب. وأما البناء فهو لزوم آخر الكلمة لسكون أو حركة، وذانك السكون والحركة لا يكونان (٢) عن عامل كما كانت حركة الإعراب وسكونه عن عامل. وإذ قد عرفت الفصل بين الإعراب والبناء، فيجب أم تعلم أن المعرب من الكلم الثلاث شيئان وهما: الاسم المتمكن، وهو الذي لم يتضمن معنى حرف ولم يشبهه ولم يقع موقع مبنيّ، والفعل المضارع. فواحد من هذين معرب بحق الأصل، وهو الاسم الذي وصفناه، والآخر محمول عليه، وهو الفعل المضارع، وكان حقه أن يكون مبنياً لولا (٣) شبه عرض له الحقه بحكم الاسم في الإعراب. وبالجملة، فالإعراب في الأسماء أصل، لأنها معرضة للمعاني المختلفة التي تقتضي دلائل تفرق بين بعضها وبعض، والبناء فيها استحسان وفرع، والبناء في الأفعال أصل والإعراب فيها استحسان وفرع. والحروف كلها مبنية، باقية على أصولها في الوضع، تجذب إليها ما يشبهها من القسمين أعني الاسم والفعل، ولا تنجذب إلى شيء منهما وهي باقية على نوعها كما بقى ذلك مع شبهها. فالاسم المتمكن كقولك: رجل وفرس وزيد وعمرو، وهذه الأسماء وما أشبهها متمكنات، أي لازمة لأمكنتها التي هي لها في الأصل، لم تتضمن معنى حرف كـ "أين وكيف" المتضمنتين معنى همزة الاستفهام، ولم تشبه الحرف كالذي وهو المشبهين للحرف في افتقارهما إلى شيء آخر يتمان ويتبينان، كافتقار الحرف إلى ما يتصل به. فالافتقار يجمعهما في شبهه وإن اختلف وجهاه فيهما.

стр. 35

فافتقار الموصول - وهو الذي - إلى صلة، والمضمر - وهو قولك: هو - مفتقر إلى ظاهر يرجع إليه، ولم تقع موقع مبني كتَراك ونزالِ الواقعتين موقعَ أترك وأنزِل. فهو (١) أي الاسم الذي هذه صفته جار بوجوه الإعراب، وهي الرفع كقولك: جاءني زيد، والنصب كقولك: رأيت زيداً، والجر كقولك: مررت بزيد. والفعل المضارع وصفته ما كان في أوله إحدى زوائد أربعَ وهي (همزة المتكلم نحو أذهب أنا، ونون المتكلم ومن معه نحو نذهب نحن، وهذه النون قد تكون للواحد بشرط أن يكون عظيماً في نفسه، قال الله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢) [يوسف: ٣]، والتاء للمذكر الحاضر كقولك: تقوم أنتَ، وللمؤنثة الغائبة نحو تقوم هي، والياء للمذكر الغائب نحو: يقوم هو. فكل فعل كانت في أوله زائدة من هذه الزوائد، لأحد هذه المعاني كان مضارعاً، وسمي مضارعاً لمشابهته الاسم، يقال: تضارع الشيئان إذا تشابها، واشتقاق ذلك من الضرع، وقد سبق ذكر المضارعة من أين جاءت الفعل، فلنذكر الآن العلة في زيادة هذه الحروف - أعني حروف المضارعة - دون غيرها من الحروف، فنقول: إن المحققين قرروا أن أولى ما زيد حروف المدوللين، وهي - كما تعلم - الألف والياء والواو، وإنما كانت هذه الحروف أولى من غيرها بالزيادة لأن الكلم، لا تكاد تخلو (٣) منها، أو من أبعاضها، وأبعاضها هي الفتحة والكسرة والضمة.

стр. 36

والمعاني التي يحتاج لأجلها إلى زيادة هذه الحروف في الأفعال، ليقع بها الفرق بين بعضها وبعض أربعة كما قد علمت، فاحتيج مع حروف اللين الثلاثة إلى حرف رابع يكملها، فضموا إليها النون، لأنها أشبه الحروف الصحاح بالحروف المعتلة، لزيادة الصوت فيها، وهو (١) الغنَّة - كزيادته في تلك، وهو المد ـ فيها، أي في الحروف الثلاثة، ولكونها ذاتَ مخرجين، من اللسان تارة، وذلك إذا تحركت، ومن الخياشيم أخرى، وذلك إذا سكنت كنون "مِنْ" و"عَن". ولهذا الشبه بينها وبينهنَّ أبْدلت منهن في كثير من المواضع وأبدلن منها، كإبدال الألف من التنوين في حال الوقف على المنصوب في جيد اللغة حين تقول: رأيت زيداً، وكإبدال النون من الواو في قولك في النسب إلى صنعاءَ وبهراءَ (٢): صنعاني وبهرانيّ والأصل صنعاويّ وبهراويّ، إلى غير ذلك من وجوه شبه بينها وبينهنّ يطول بذكرها الفصل. فلما كملت الحروف أربعة، وهي "الواو" و"الألف" و"الياء" و"النون"، أرادوا أن يزيدوا الواو، فصدّهم مع إمكان ذلك أن أنّ من الأفعال ما فاؤه "واو" أن يزيدوا الواو، فصدهم مع إمكان ذلك أن من الأفعال ما فاؤه "واو" نحو وزن ووعد وورد، فلو زادوا الواو للمضارعة لاجتمع في أول هذا الضرب من الأفعال - وهو المعتل الفاء بالواو - واوان: الأصلية، وحرف المضارعة، وربما عرضت للدخول عليهما واو العطف كما تعرض لغير ذلك، إذ كان عطف الفعل على فعل مثله شائعاً، فكان ذلك يؤدي إلى اجتماع ثلاث واوات فيشبه مع ثقله صوتاً منكراً، فاطرحوا زيادة الواو لذا ومثله، فعدلوا عنها إلى التاء، لأنها قد أبدلت منها كثيراً في مثل تجاه وتراث وأصلهما وجاه ووارث كقولك: الوجه وواجهت، وورثت، فأقاموها مقام الواو، واشترك في لفظها المذكر والحاضر، لأنه مخاطب، وللمخاطب التاء، والمؤنثة الغائبة، والتاء من علامات التأنيث أيضاً.

стр. 37

وأما الألف، فأنهم لما رأوا زيادتها للمتكلم - لأنه أول - لم يمكن ذلك لأنها ساكنة، والساكن لا يمكن أن يكون أول كلمة، إذ كان الابتداء بالساكن مستحيلاً إذا حقق، فأبدلوا منها الهمزة، لأنهما حرفان متقاربان في المخرج. وأما الياء والنون فلم يمنع مانع من زيادتهما، فبقيتا على أصلهما في الزيادة، فكانت النون للمتكلم ومن معه لأنهم جمع، والنون أخص بالجمع، وبقيت الياء للمذكر الغائب حين تقول: يقوم هو. ولا يزال هذا الفعل المضارع معرباً ما لم يتصل بآخره نون جماعة النساء في نحو: هن يقمن وينطلقن، بني هذا الفعل لاتصال هذه النون به حملاً على الماضي وهو ذهبن لأن آخر الماضي قد سكن لاتصال هذه النون به هرباً من توالي الحركات في كلمة واحدة، إذا كانت النون ضمير فاعل، وهو كالجزء من الفعل، فاشتدّ اتصاله به، فكان معها كالكلمة الواحدة، وكلمة واحدة لا تتوالى فيها أربع حركات، ولا بد أن يتخللها ساكن حاجز لفظاً أو تقديراً، ثم حمل المضارع في الإسكان عليه إذ كانت الأفعال الواحد تعل إعلالاً واحداً وتصحح تصحيحاً واحداً (١). وكذا علل (٢) سيبويه حين قال: "ليس حمل المضارع على الماضي في هذا بأبعد من حمله على الاسم، يعني في الإعراب حين أعرب" (٣) وكذا إن اتصل به نونا التوليد الخفيفة أو الثقيلة كقولك: هل تذهبن، وهل تقومن وهل

стр. 38

تذهبن، وهل تقومن، تبني هذا الفعل لأن هذه النون إذا دخلته أكدت له معنى الفعلية، فبعدته من شبه الاسم، فعاد مبنياً على (١) ما كان عليه أول مرة. ثم إذا كان معرباً لا يزال مرفوعاً ما لم يدخل عليه ناصب فعل ولا جازم، ورفعه بوقوعه موقع الاسم، فالعامل فيه على هذا معنى لا لفظ، فهو مستحق جملة إعرابه بشبهه بالاسم، ومستحق للرفع خاصة بوقوعه موقعه خاصة.

стр. 39

فصل واعلم أن الاسم المعرب المفرد ينقسم إلى قسمين: صحيح ومعتل، فالصحيح ما لم يكن حرف إعرابه ألفاً ولا ياء قبلها كسرة، والمعتل ما كان بهذه الصفة. فالصحيح نحو زيد وعمرو وضارب وقاتل، يجري بوجوه الإعراب الثلاثة ويدخله التنوين إن كان منصرفاً، والمعتل يسمى ما كان منه في لآخره ياء قبلها كسرة نحو القاضي والداعي والعمي والضني منقوصاً، لأنه نقص في حالتي الرفع والجر، فلم يظهر فيه إعراب، كقولك: هذا قاض ومررت بقاض، والأصل هذا قاضي ومررت بقاضي، فاستثقلت الضمة والكسرة على الياء مع كسرة ما قبلها، فحذفتا، فسكنت الياء، ولحق الاسم التنوين لأنه منصرف، والتنوين ساكن والياء ساكن، فحذفت لالتقاء الساكنين، واجتزئ بالكسرة قبلها في الدلالة عليها، وكان كونها ساكنة في الحالتين دليلاً على الإعرابين. ويدلك على أن الأصل في ياء قاضٍ وما أشبهه من الأسماء المنقوصة أن تتحرك في الرفع والجر بحركتي الإعراب تحريك الشاعر إياها وردها إلى الأصل الذي كان لها وذلك إذا اضطر، كقوله في الرفع. تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مصفي الخدّ أصلم (١) هكذا أنشده صاحب الكتاب (٢) بالرفع، ففيه شاهد على هذا، ومن

стр. 40

أنشده بالنصب وعليه المعنى، فلا شاهد حينئذ فيه. وأنشدوا في الجر: (لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب (١)) والشاعر إذا اضطر راجع الأصول المرفوضة لإقامة وزنه وقافيته. فإذا نصبت المنقوص لحق بالصحيح فتحركت ياؤه بالفتحة لخفتها، فقلت: رأيت قاضياً كما تقول: رأيت رجلاً. وهذا الاسم المنقوص يستعمل على ثلاثة أضرب، إما منكوراً وإما معرفاً بالألف واللام، وإما مضافاً، وحكمه في المواضع الثلاثة حكم واحد في إسقاط حركتي الجر والرفع من يائه، استثقالاً لهما عليها، إلا أنه إذا كان منكوراً، ولحقه التنوين حذفت ياؤه كما قدمنا لالتقاء الساكنين، فإذا استعمل بالألف واللام ثبتت ياؤه ساكنة، لأنه لم يلقها ما تحذف من أجله، إذ كانت الألف واللام لا تجامع التنوين، فتقول: هذا القاضي ومررت بالقاضي، وفي النصب: رأيت القاضي يا هذا، وتقول في الإضافة: هذا قاضيك ومررت بقاضيك ورأيت قاضيك، والأصل هذا قاضيك ومررت بقاضيك، وفعل بالاسم ما ذكرناه. فإن وقفت على المنقوص منكراً كان لك في الوقف عليه في حالتي الرفع والجر مذهبان، أجودهما حذف التنوين وإسكان الخرف الذي بقي بعد الحذف اللاحق للياء مكسوراً، فإذا حذفت كسرته للوقف سكن فقلت في الوقف: هذا قاض ومررت بقاض، والياء كما ترى محذوفة في الوقف كما حذفت في الوصل.
следующие страницы →