Полный текст (136 стр.). Показаны 106–136 · переход к 111.
стр. 106
بقضاء القاضي انفسخ العقد الأول من الأصل وصار كأن لم يكن، وقد بقي هو على وكالته ما لم يحصل مقصود الآمر.
فلو أراد أن يشتريها لنفسه بعد ذلك فاشتراها وهو عالم بعيبها لم يكن الشراء إلا للآمر لما مر أنه بقي على وكالته ما لم يحصل مقصود الآمر، إلا أنه عالم بعيبها، وهو في الابتداء لو علم بعيبها واشتراها لنفسه كان الشراء للآمر فكذا في المرة الثانية.
والوكيل بالبيع يكون خصماً في الرد بالعيب بمنزلة البائع لنفسه، فإن أراد أن يتحرز من ذلك فالحيلة فيه أن يأمر غيره ليبيعه بحضرته فينفذ ذلك على الآمر عندنا، وخصومة المشتري في الرد بالعيب لا تكون مع الوكيل وإنما تكون مع عاقده، فإن أبى المشتري إلا بأن يضمن الوكيل الأول الدرك فينبغي له أن لا يحرز من ذلك لأن مقصوده حاصل من غير ضمان الدرك، فإن المشتري إذا وجد بالمبيع عيباً فلا خصومة له بالعيب مع الضامن للدرك، وإذا رده بالعيب على البائع لم يكن له أن يرجع بالثمن على الضامن للدرك لأن العيب ليس بدرك.
وإذا خلع الأب ابنته من زوجها بما لها على الزوج من الصداق لم يجز ذلك ولم تطلق البنت، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إلا على قول مالك، ﵀، فإنه يجوز خلع الأب على ابنته الصغيرة، كما يجوز تزويج الأب ابنه الصغير بمال الابن، وقد بيَّنا المسألة في النكاح، فإن في الخلع المرأة تلتزم مالاً بإزاء ما ليس بمتقوم لأنه لا يدخل في ملكها بالخلع شيء متقوم، وليس للأب هذه الولاية على ابنته، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو في الخلع كالأجنبي، إلا أن يضمن الدرك للزوج فحينئذٍ ينفذ الخلع على الوجه الذي بيناه في الشروط.
وإذا خاف الوكيل بشراء متاع من بلد من البلدان أن يبعث بالمتاع مع غيره أو يستودع المال غيره فيصير ضامناً فالحيلة له في ذلك أن يستأذن رب المال في
стр. 107
أن يعمل برأيه، فإذا أذن له في العمل برأيه كان له أن يصنع ذلك، وجاز له أن يوكل غيره بالتصرف ويدفع المال إليه، فإن الموكل أجاز صنيعه على العموم والتوكيل من صنيعه فينفذ ذلك على الموكل كأنه باشره بنفسه.
باب في الصلح
رجل له على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة يؤديها إليه في هلال شهر كذا، فإن لم يفعل فعليه مائتا درهم، فذلك جائز عندنا وهو قول أبي يوسف، ﵀، ويبطله غيرنا، يعني شريك وابن أبي ليلى، رحمهما الله، فإنهما كانا يقولان هذا تعليق التزام المال بالخطر، لأنه يقول إن لم يفعل فعليه مائتا درهم، يعني إن لم يؤد المائة في نجمها، ولا يدري أيؤدي أم لا يؤدي، وتعليق التزام المال بالخطر لا يجوز، فالثقة له في ذلك أن يحط رب المال عنه ثمانمائة درهم عاجلاً ثم يصالحه من المائتين على مائة درهم يؤديها إليه ما بينه وبين شهر كذا، على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما على هذا.
وإذا أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فعليه ألف درهم أخرى، فإن هذا لا يجوز، لأنه صفقتان في صفقة، وشرطان في عقد، ولأن فيه تعليق التزام المال بالخطر، وهو أن لا يؤدي الألف في السنة.
وإن أراد الحيلة في ذلك فالحيلة أن يكاتبه على ألفي درهم ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون العقد صحيحاً على بدل مسمى ويكون الصلح صحيحاً على ما وقع الاتفاق عليه بينهما، لأن عقد الصلح ينبني على التوسع.
ومثل هذا الصلح يصح بين الحرين، فبين المولى ومكاتبه أولى، ولأن مثل هذا الشرط في البيع يصح، فإن لو باع على أنه إن لم يؤد الثمن إلى ثلاثة
стр. 108
أيام فلا بيع بينهما كان جائزاً على هذا الشرط، فلأن يجوز الصلح على هذا الشرط أولى.
رجل مات وترك داراً في يد ابنه وامرأته فادعى رجل أنها له فصالحه الابن والمرأة على مائة درهم من غير إ قرار منهما كانت المائة عليهما أثماناً والدار بينهما أثماناً، لأن الصلح على الإنكار إنما يجوز باعتبار أنه إسقاط من المدعي حقه وخصومته بعوض يلتزمه المصالح، ولهذا جاز مع الأجنبي، وإن كان بغير أمر المدعى عليه، ولو كان فيه تمليك من المدعى عليه لم يجز بغير أمره، فإذا صح أنه إسقاط بقيت الدار بينهما بعد الصلح على ما كانت عليه قبل الدعوى وقد كانت أثماناً، وإذا ثبت أن الدار بينهما على ثمانية ثبت أن المال عليهما يتوزع على ذلك أيضاً، لأن بمطلق قبول العقد إنما يجب المال على من ينتفع، فيجب على كل واحد منهما من المال بقدر ما ينال من المنفعة.
وإن صالحاه بعد إقرارهما بها له وأرادا بالإقرار تصحيح الصلح فالمائة عليهما نصفان والدار بينهما كذلك، لأنهما لما أقرا بها للمدعي ثم صالحاه فكأنهما اشتريا الدار بالمائة، وظهر بإقرارهما أن الدار لم تكن ميراثاً بينهما، وبمطلق الشراء يقع الملك للمشترين في المشتري نصفين ويكون الثمن عليهما نصفين.
فإن أرادا أن يكون بينهما أثماناً فالحيلة في ذلك أن يقرا للمدعي بالدار ثم يصالحانه منها على مائة درهم على أن يكون للمرأة ثمن الدار وللابن سبعة أثمانها، فإذا صرحا بذلك كان الملك في الدار بينهما على ما صرحا به والثمن كذلك، بمنزلة ما لو اشترياها على أن يكون لأحدهما ثمنها وللآخر سبعة أثمانها.
رجل ادعى في دار رجل دعوى فصالحه على مائة ذراع منها فهو جائز، لأن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي ولهذا لو وقع الصلح على دار كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة، وفي زعم المدعي أنه يستوفي من الدار مائة ذراع بملكه القديم لا أني تملكها على ذي اليد ابتداء، فيكون صحيحاً، فإن
стр. 109
صالحه على مائة ذراع من دار أخرى لم يجز في قول أبي حنيفة وجاز عندهما، لأنه يتملك ما وقع عليه الصلح بعوض، فهو بمنزلة من اشترى مائة ذراع من دار، وذلك فاسد عند أبي حنيفة جائز عندهما.
مريض ادعى على رجل مالاً وله به عليه بينة فصالحه منه على دراهم يسيرة وأقر المريض أنه لم يكن له على هذا المطلوب شيء ثم مات جاز إقراره في القضاء ولم يقبل من ورثته بينة على المطلوب بذلك المال، أما إذا لم يقر بذلك فيتمكن في هذا الصلح محاباة وهو يعتبر من ثلث المال، وأما إذا أقر بذلك فإقراره بما يتضمن براءة الأجنبي معتبر بإقراره للأجنبي، وذلك صحيح من جميع ماله، فكذلك إقراره أنه لم يكن له على المطلوب شيء يكون صحيحاً، وبعد صحة الإقرار منه لا تسمع الدعوى من ورثته، لأنهم يقومون مقامه، وهو لو ادعى بعد ذلك مالاً مطلقاً عليه لم تسمع دعواه ولم يقبل بينته، فكذلك الورثة إذا ادعوا ذلك.
رجل له على رجل دين حال فصالحه على أن ينجمه نجوماً عليه وأخذ منه كفيلاً على أن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه على أنهما إن أخرا نجماً عن محله فالمال عليهما حال فهو جائز، لأنه إذا أخذ بالمال كفيلاً كان الكفيل مطالباً به كالأصيل، فهذا بمنزلة رجل له على رجلين مال وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فنجمه عليهما نجوماً على أنهما لو أخرا نجماً عن محله فالمال عليهما حالٌّ، وذلك جائز، لأن تنجيم المال عليهما صلح، فقد علق بطلان الصلح بعدم الوفاء بالشرط، وذلك جائز.
فإن كان الطالب إنما أخذ من المطلوب كفيلاً بنفسه على أنه إن لم يواف به عند كل نجم فالكفيل ضامن لجميع المال على النجوم التي سميا، فإن ذلك جائز عندنا، وبعض الفقهاء، ﵏، يبطله، يعني ابن أبي ليلى، فإنه لا يجوِّز تعليق الكفالة بالمال بخطر عدم الموافاة بالنفس، وقد بيَّناه في كتاب الكفالة، فالثقة في ذلك أن يضمن الكفيل المال على أنه برئ من كل نجم
стр. 110
بدفع المطلوب عند محله إلى الطالب، فيجوز ذلك في قول الكل، لأن إيفاء المطلوب يوجب براءة الكفيل، فاشتراط براءته عند إيفاء الكفيل شرط موافق بحكم الشرع فيكون صحيحاً.
رجل صالح غريماً له على أن يؤخره بما عليه على أن يضمن له فلان المال إلى ذلك الأجل، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، والمال حالٌّ عليه، فذلك جائز، ولا آمن أن يبطله بعض الفقهاء، ﵏، يعني به أن يبطله على طريق القياس، فإن الصلح قياس البيع في بعض الأحكام.
وإذا شرط في البيع ضمان رجل بعينه كان ذلك مبطلاً للبيع، فكذلك الصلح، فالثقة في ذلك أن يكون الكفيل حاضراً فيضمنه، لأن على طريق القياس، إنما لا يصح هذا العقد لبقاء الغرر فيه، وهو أنه لا يدرك أيضمن الكفيل المال أو لا يضمن، فإذا ضمنه فقد انعدم معنى الغرور، وإن لم يكن حاضراً فالثقة فيه أن يصالحه على ما ذكرت على أن فلاناً إن ضمن هذا المال ما بينه وبين يوم كذا فالصلح تام، وإلا فلا صلح بينهما، فإذا كان العقد بهذه الصفة كان تمام الصلح بعدما ضمن فلان ولا يبقى غرر إذا ضمن فلان، فالصلح بينهما صحيح.
وإذا كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فالمال عليه وأخذ الكفيل من المطلوب رهناً لم يجز الرهن، لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وما وجب للكفيل على المطلوب مال، فالكفالة بالنفس ليس بمال، والكفالة بالمال متعلقة بعدم الموافاة بالنفس، فكيف يصح الرهن من غير دين له عليه.
فإن أراد الحيلة في ذلك فالوجه أن يبدأ بضمان المال فيقول أنا ضامن لما لك عليه من المال، فإن وافيت به إلى كذا من الأجل فأنا برئ، فإن فعل ذلك جاز له أن يرتهن منه رهناً بما ضمنه، لأنه كما وجب المال للطالب على الكفيل وجب للكفيل على المطلوب، فيجوز أخذ الرهن منه به، ولم يذكر في
стр. 111
الكتاب ما إذا كانت الكفالة بالنفس فقط وأراد الكفيل أن يأخذ من المطلوب رهناً؛ ولا إشكال أن ذلك لا يجوز بخلاف ما إذا أخذ منه كفيلاً، فإن صحة الكفالة لا تستدعي ديناً واجباً، وصحة الرهن تستدعي ذلك، ولهذا لا يجوز الرهن بالدرك وتجوز الكفالة بالدرك.
ثم الحيلة في هذا أن يقر المطلوب أن هذا الكفيل ضمن عنه مالاً لرجل من الناس بأمره، ولا يسمى ذلك الرجل ولا مقدار المال، ثم يعطيه رهناً بذلك فيكون صحيحاً في الحكم، ويكون القول قول المطلوب في مقدار ذلك المال، فيمكن بأدائه من إخراج الرهن.
فإن قال الكفيل مقصودي لا يتم بهذا، وربما يقول المطلوب بعد كفالتي بالنفس إن المال درهم فيعطيني ذلك ويسترد الرهن فالسبيل أن يجعلا بينهما عدلاً ثقة يثقان به ويكون ارتهان الكفيل من ذلك العدل بأمر المطلوب، فلا يسترد منه الرهن قبل براءته عن الكفالة بالنفس.
رجل أخذ من غريمه كفيلاً بنفسه على أنه إن لم يواف به يوم كذا فالكفيل ضامن لنفس فلان غريماً آخر للطالب، فهو جائز عندنا، يعني قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا آمن أن يبطله بعض العلماء، ﵏، يعني أن على قول محمد، ﵀، هذا لا يجوز، فالثقة فيه أن يكفل بنفس فلان وفلان على أنه إن وافى بفلان أحدهما ما بينه وبين يوم كذا فهو برئ من الكفالة الأخرى، فيكون جائزاً عندهم جميعاً، لأنه علق البراءة عن الكفالتين بالموافاة بنفس أحدهما.
ولو أخذ منه كفيلاً بنفسه على أنه إن لم يواف به يوم كذا فما على المطلوب من المال فهو على الكفيل، فلم يواف به فهو ضامن للمال والنفس، لأنه كفل بالنفس كفالة مطلقة، فلا يبرأ إلا بتسليم النفس، وعلق الكفالة بالمال بخطر عدم الموافاة، وقد وجد ذلك، فإن قال لا آمن أن يبرئه بعض
стр. 112
الفقهاء من الكفالة بالنفس، ولا يعرف من هذا القائل، وله وجه صحيح وهو أن المقصود المال دون النفس، وبعدما حصل المقصود وتمكن الطالب من استيفاء المال من الكفيل لا تبقى الكفالة بالنفس، وهذا لأن اللفظ في معنى توقيت الكفالة بالنفس إلى الوقت الذي جعل عدم الموافاة فيه شرط الكفالة بالمال، فلا تبقى الكفالة بالنفس بعد مضي وقتها.
ثم الثقة في ذلك أن يضمنه المال والنفس على أنه إن وافاه بنفسه لوقت كذا فهو برئ من النفس والمال، وإن لم يواف به لذلك الأجل فالنفس والمال عليه لأنه كفل بهما كفالة مطلقة.
مسائل متفرقة:
قال: وإذا خاف الوصي جهل بعض القضاة في أن يسأله عما وصل إليه من تركة الميت ثم يسأله البينة على ما أنفق وعمل، وإنما سمي هذا جهلاً لأنه خلاف حكم الشرع، فالوصي أمين، والقول في المحتمل قول الأمين، وهو متبرع في قبول الوصاية قائم مقام الميت، فكما لم يكن للقاضي أن يسأل الموصي عما يتركه من المال لا يكون له أن يسأل الوصي عما وصل إليه من المال، فمن فعل ذلك من القضاء كان جهلاً، ولكن رأى بعض القضاة أن يفعلوا ذلك ويعدونه من الاحتياط، فبين الحيلة للوصي في ذلك بأن يولي غيره قبض التركة وبيعها وقضاء الدين وغير ذلك ولا يشهد الوصي على نفسه بوصول شيء إليه ولا يباشر بيعاً بنفسه، بل يأمر غيره بالبيع وقضاء الدين، فلا يكون للقاضي أن يسأله شيئاً من ذلك لأنه لم يصل إليه تركة الميت ولا عمل في التركة بنفسه.
فإن أراد القاضي أن يستحلفه ما قضيت ديناً ولا وصل إليك تركة ولا أمرت بشيء منها يباع ولا وكلت به، فإذا كان الوصي وضع التركة مواضعها على حقوقها فهو مظلوم في هذه اليمين فيسعه أن يحلف وينوي غير ما
стр. 113
استُحلف عليه؛ لأنه إذا كان مظلوماً فنيته معتبرة شرعاً ليتمكن به من دفع الظلم عن نفسه.
والخصاف، ﵀، توسع في كتابه في هذا الباب فقال: ينوي ما فعل شيئاً من ذلك في وقت كذا، لوقت غير الوقت الذي فعل فيه، أو في مكان كذا، لمكان غير المكان الذي فعل فيه، أو مع فلان، إنسان غير الذي عامله، وهذا لأن من مذهبه أن نية التخصيص فيما ثبت بمقتضى الكلام صحيحة، كما تصح في الملفوظ، فإن المقتضى عنده كالمنصوص في أن له عموماً فتجوز نية التخصيص فيه، وكأن يستدل على ذلك بمسألة المساكنة التي أوردها محمد، ﵀، في كتاب الأيمان، إذا حلف لا يساكن فلاناً وهو ينوي مساكنته في بيت أنه تعمل نيته والمكان ليس في لفظه فصحت نية التخصيص فيه.
وقال في الجامع: إذا حلف لا يخرج ونوى السفر صحت نيته، والموضع الذي يخرج إليه ليس في لفظه وصح نية التخصيص فيه.
وقال في كتاب الدعوى: إذا أقر بنسب غلام صغير فجاءت أم الصغير بعد موته تطلب ميراث الزوجات فإنها تستحق ذلك لأن إقراره بالنسب يقتضي الفراش بين المقر وبين أم الصغير، فجعل الثابت بمقتضى كلامه كالثابت بالنص، ولكن الصحيح من المذهب عندنا أن المقتضى لا عموم له وأن نية التخصيص فيما ثبت بمقتضى الكلام لا تكون صحيحة حتى إذا حلف لا يأكل أو لا يشرب ونوى طعاماً بعينه أو شراباً بعينه لم تعتبر نيته، لأن المنصوص فعل الأكل، فأما المأكول فثابت بمقتضى كلامه وثبوت المقتضى للحاجة إلى تصحيح الكلام، ولهذا لا يثبت في موضع يصح الكلام بدونه، والثابت بالحاجة لا يعدو موضع الحاجة ولا حاجة إلى إثبات العموم للمقتضى ولا إلى جعله كالمنصوص عليه فيما وراء المحتاج إليه.
فأما مسألة المساكنة فهناك نية التخصيص في المكان لا تعمل عندنا حتى لو قال عنيت به المساكنة في بيت بعينه لا تعمل نيته، ولكن إنما تعمل نيته فيما
стр. 114
يرجع إلى كمال المنصوص، فالمساكنة تكون تارة في بلدة وتارة في محلة وتارة في دار، وأتم ما يكون من المساكنة أن تكون بينهما في بيت واحد، فهو إنما نوى صفة الكمال في المنصوص عليه، فلهذا تعمل نيته.
وكذلك في مسألة الخروج لا تعمل نيته في تخصيص المكان حتى لو نوى الخروج إلى بغداد لا تعمل نيته، فإذا نوى السفر فإنما نوى نوعاً من أنواع الخروج، لأن الخروج أنواع شرعاً، خروج للسفر ولما دون السفر، وإنما اختلافهما باختلاف الأحكام، فإنما تعمل نيته في تنويع الخروج، والخروج في لفظه لأن ذكر الفعل كذكر المصدر.
وفي مسألة النسب الفراش بينه وبينها ثبت بمقتضى كلامه ولكن ما ثبت بطريق الاقتضاء ثبت حكمه، وإن لم يجعل كالمنصوص عليه كالبيع الثابت في قوله أعتق عبدك عني على ألف درهم، يثبت حكمه، وهو ملك البدلين، وإن لم يجعل ذلك كالبيع المصرح به.
إذا عرفنا هذا فنقول: ينبغي أن ينوي شيئاً هو من محتملات لفظه، أو يكون راجعاً إلى تخصيص ما في لفظه حتى يكون عاملاً، وأسهل طريق قالوا في هذا النوع من الأيمان أن القاضي إذا قال له قل والله، ينبغي أن يقول هو الله، فيدغم الهاء على وجه لا يفطن به القاضي ثم يمضي في كلامه إلى آخره، فلا يكون ذلك يميناً ولا يأثم فيه إذا كان مظلوماً، وإذا أراد الوصي أن يدفع إلى الورثة أموالهم ويكتب عليهم البراءة من كل قليل وكثير أيهما أوثق له أن يسمى ما جرى على يده وما أعطاهم أو لا يسمى، قال الأوثق له أن يكتب البراءة من كل قليل وكثير، ولا يسمى شيئاً، فإنه لا يؤمن أن يحضر صاحب دين أو وصية أو وارث فيضمنه ما سمي أنه دفعه إلى الورثة، وإذا كتب براءته من كل قليل وكثير فليس له ولاية أن يضمنوا شيئاً، فهذا أوثق للوصي، ولكن الأوثق للورثة أن يسمى ذلك، وربما يخفي الوصي بعض التركة، فإذا كتبوا له البراءة من كل قليل وكثير لم يكن لهم سبيل على ما يظهر عليه من الخيانة بعد
стр. 115
ذلك، فإذا سموا ما وصل إليهم كان لهم أن يخاصموا فيما يظهر في يده من التركة بعد ذلك.
وذكر عن سالم بن عبد الله أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فانقضت عدتها فتزوجها رجل ليحللها لزوجها الأول، لم يأمره الزوج بذلك ولا المرأة، قال هذا مأجور، وهو قول أبي حنيفة، ﵀، وبه نأخذ لأنه تزوجها نكاحاً مطلقاً، والنكاح سنة مرغوب فيها، وإنما قصد بذلك ارتفاع الحرمة بينهما ليمنعهما بذلك من ارتكاب المحرم ويوصلهما إلى مرادهما بطريق حلال فتكون إعانة على البر والتقوى، وذلك مندوب إليه، فالظاهر أن كل واحد منهما نادم على ما كان منه من سوء الخلق خصوصاً إذا كان بينهما ولد، فلو امتنع الثاني من أن يتزوجها ليحللها للأول ربما يحملها الندم أو فرط ميل كل واحد منهما إلى صاحبه على أن يتزوجها من غير محلل، فهو يسعى إلى إتمام مرادهما على وجه يندبان إليه في الشرع فيكون مأجوراً فيه وفي نظيره، قال رسول الله ﷺ "من أقال نادماً أقاله الله عثراته يوم القيامة" وإذا تقرر هذا تبين أن الحِل يحصل بدخول الزوج الثاني بها، وإن كان مراده أن يحللها للأول.
فإذا تزوجها بهذا الشرط بأن قالت المرأة له تزوجني فحللني، أو قال الزوج الأول له تزوج هذه المرأة فحللها لي، أو قال الثاني للمرأة أتزوجك فأحللك للأول فهذا مكروه، وهو معنى قوله ﷺ : "لعن الله المحلل والمحلل له" وقال ﷺ : "ألا أنبئكم بالتيس المستعار؟ قالوا بلى، قال هو الرجل يتزوج المرأة ليحللها لزوج كان لها قبله".
ولكن مع هذا يجوز النكاح ويثبت الحِل للأول بدخول الثاني بها عند أبي حنيفة، ﵀، لأن هذا النهي لمعنى في غير النكاح فلا يمنع صحة النكاح والدخول بالنكاح الصحيح يحللها للزوج الأول، ثبت ذلك بالسنة، وعلى قول أبي يوسف، ﵀، هذا النكاح فاسد، لأنه في معنى التوقيت للنكاح،
стр. 116
والتوقيت مفسد للنكاح كما لو تزوج امرأة شهراً، وإذا فسد النكاح الثاني فالدخول بالنكاح الفاسد لا يوجب الحِل للزوج الأول.
وقال محمد، ﵀: النكاح جائز ولكن الشرط باطل، لأن النكاح يهدم الشرط ولا يبطل بالشرط الفاسد، إلا أنهما لما قصدا الاستعجال عوقبا بالحرمان، فلا يثبت به الحل للزوج الأول، كما لو قتل مورثه بغير حق، وقد تقدم بيان المسألة في كتاب الطلاق.
وإذا قال الرجل إن خطبت فلانة أو تزوجتها فأجازت فهي طالق ثلاثاً، فله أن يخطبها ثم يتزوجها بعد ذلك فلا يحنث، لأنه أدخل حرف أو بين الشرطين فيكون الثابت أحدهما وتنحل اليمين بوجود أحد الشرطين، فإذا خطبها أولاً انحلت اليمين وهي ليست في نكاحه، فلم يقع عليها شيء، ثم يتزوجها بعد ذلك ولا يمين فلا تطلق، بمنزلة ما لو قال إن قبلتها أو تزوجتها فهي طالق، فقبلها ثم تزوجها لم تطلق، ولو تزوجها قبل أن يخطبها ثم بلغها فأجازت طلقت ثلاثاً، لأن الموجود هنا شرط التزوج، وإنما تم ذلك بإجازتها، وعند تمام الشرط هي في نكاحه، فتطلق ثلاثاً، بمنزلة قوله إن قبَّلتها أو تزوجتها ثم تزوجها قبل أن يقبِّلها.
وتبين بهذه المسألة أن من قال إن خطبت فلانة فهي كذا، أو كل امرأة خطبها فهي كذا، أن يمينه لا تنعقد، لأن الخطبة غير العقد، وهي تسبق العقد، فلا يكون هو بهذا اللفظ مضيفاً الطلاق إلى الملك، وهذا لسان العربية، فإن عقد يمينه بلسان الفارسية وقال: أكر فلانة را بخواهم يا هر زنى كه بخواهم، ففي كل موضع يكون هذا اللفظ مبهم تفسير الخطبة لا تنعقد اليمين أيضاً، هكذا العرف بخراسان وما وراء النهر، فأما في هذه الديار فإنما يريدون بهذا اللفظ التزوج فتنعقد اليمين إذا كان مراده هذا ويقع الطلاق إذا تزوجها.
رجل حلف أن لا يتزوج بالكوفة امرأة فزوجه وكيل له بالكوفة فهو حانث، لأن الوكيل بالنكاح سفير ومعبر حتى لا يستغنى عن إضافة العقد إلى
стр. 117
الموكل ولا يتعلق به شيء من حقوق العقد، فمباشرة الوكيل له كمباشرته بنفسه في حق الحنث بخلاف البيع، فإنه إذا حلت لا يشتري شيئاً بالكوفة فاشترى له وكيله لا يحنث، لأن الوكيل بالشرى بمنزلة العاقد لنفسه حتى يستغني عن إضافة العقد إلى الموكل، ويتعلق حقوق العقد به.
ثم الحيلة في مسألة النكاح أن توكل المرأة وكيلاً يزوجها منه، ثم يخرج الوكيل والزوج إلى الحيرة أو غيرها بعد أن يخرجا من أبيات الكوفة ثم يزوجها منه، فلا يحنث لأنه لم يتزوجها بالكوفة، ألا ترى أن المقيم بالكوفة إذا خرج من أبيات الكوفة على قصد السفر كان مسافراً يقصر الصلاة، فعرفنا أن التزوج في هذا الموضع لا يكون تزوجاً بالكوفة، وإنما ذكر توكيلها لئلا تبتلي بالخروج مع غير المحرم إلى ذلك الموضع.
رجل قال لعبده قد أذنت لك أن تتزوج كل أمة تشتريها فاشترى العبد أمة فتزوجها ببينة فهو جائز، لأن ما اشتراها صارت مملوكة للمولى وقد أقامه المولى مقام نفسه في ذلك، ولو زوج بنفسه أمته بمحضر من الشهود جاز، فكذلك العبد إذا فعل ذلك.
وقال أبو حنيفة، ﵀، في رجل له جارية تخرج في حوائجه وهو يطؤها فحبلت وولدت وسعه أن لا يدعيه وأن يبيعه معها، وإن كان لا يدعها تخرج لم يسعه ذلك، وإن كان يعزل ولا يطلب ولدها لم يسعه ذلك إذا حبسها ومنعها من الخروج، وهذا فيما بينه وبين ربه، فأما في الحكم فلا يلزمه النسب إلا بالدعوة، إلا أنه إذا حصَّنها فالظاهر أن الولد منه سواء كان يعزل عنها أو لا يعزل، فعليه الأخذ بالاحتياط والبناء على الظاهر.
وذكر عن علي ﵁ أن رجلاً أتاه فقال إن لي جارية أطؤها وأعزل عنها فجاءت بولد فقال علي ﵁ نشدتك الله هل كنت تعود في جماعها قبل أن تبول؟ قال نعم، فمنعه من أن ينفيه.
فهو عندنا على التي قد حصنت، ومعنى هذا أنه يتوهم بقاء بعض المنى
стр. 118
في إحليله، فبالمعاودة يصل إليها إذا عاد في جماعها قبل البول، ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد، رحمهما الله: إذا أتى أهله واغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المني يلزمه الاغتسال ثانياً، وكذلك إن كان يعزل عنها فيصب الماء من فوق فربما يعود إلى فرجها فتحيل به، فلهذا لا يسعه نفي الولد.
والأصل فيه ما روي عن النبي ﷺ أنه لما سئل عن العزل قال: "إذا أراد الله خلق نسمة من ماء فهو خالقها، وإن صببتم ذلك على صخرة، فاعزلوا أو لا تعزلوا".
وإذا غاب أحد المتفاوضين فأراد الباقي منهما أن يبطل الشركة فالحيلة له أن يرسل إليه رسولاً بأنه قد فارقه ونقض ما بينهما من الشركة، فإذا بلغ الرسول ذلك فقد انتقضت الشركة بينهما، لأن كل واحد منهما ينفرد بنقض الشركة بعد أن يكون ذلك بعلم صاحبه ليندفع الضرر والغرر عن شريكه بذلك، وعبارة الرسول في إعلامه كعبارة المرسل، وهذا في كل عقد لا يتعلق به اللزوم نحو عزل الوكيل والحجز على العبد المأذون، وفسخ المضاربة ونقض ولاء الموالاة إذا كان الأسفل غائباً فأراد العربي أن ينقض ولاءه أرسل إليه رسولاً يبلغه عنه أنه قد نقض موالاته فيكون تبليغ الرسول إياه كتبليغ المرسل بنفسه، وإن أراد ذلك الأسفل فله ذلك قبل أن يعقل عنه الأعلى، فإن شاء فعل كذلك وإن شاء والى غيره، فيكون ذلك نقضاً للموالاة مع الأول، وقد بينا هذا في كتاب الولاء، والله أعلم.
باب الأيمان
ولو حلف لا يلبس من ثياب فلان شيئاً وليس لفلان يومئذٍ ثوب ثم اشترى ثوباً فلبسه الحالف حنث، لأنه عقد يمينه على لبس ثوب مضاف إلى فلان فيعتبر وجود الإضافة عند اللبس، كما لو حلف لا يأكل طعام فلان، يشترط وجود الإضافة عند الأكل، وهذا لأن الذي دعاه إلى اليمين ليس معنى في
стр. 119
الثوب والطعام بل أذى لحقه من جهة فلان، وبذلك المعنى إنما يمتنع من إيجاد الفعل فيه لكونه مضافاً إلى فلان وقت إيجاد الفعل لا وقت اليمين، وفرق أبو يوسف، ﵀، بين هذا وبين الدار وقال: الدار لا يستحدث الملك فيها في كل وقت، فلا يتناول يمينه إلا ما كان موجوداً في ملك فلان عند يمينه، فأما الثوب والطعام فيستحدث الملك فيه في كل وقت، فإنما يتناول يمينه ما كان في ملك فلان عند وجود الفعل.
ولو حلف لا يكسو فلاناً فوهب له ثوباً صحيحاً وأمره أن يصنع منه قميصاً حنث، لأنه قد كساه، فهذا اللفظ إنما يتناول تمليك الثوب منه لا إلباس الثوب إياه، ألا ترى أن كفارة اليمين تتأدى بكسوة عشرة مساكين، وذلك بالتمليك دون الإلباس، ويقال في العادة كسا الأمير فلاناً إذا ملَّكه سواء لبسه فلان أو لم يلبسه، فقد يطلق اسم الكسوة على ما لا يتأتى فيه اللبس، فعرفنا أن المراد به التمليك.
ولو حلف لا يلبس قميصاً لفلان فلبس قميصاً لعبده لم يحنث في قول أبي حنيفة، ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: يحنث، قال الحاكم، ﵀: وهذا خلاف ما مضى في كتاب الأيمان أن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، إذا لم يكن على العبد دين لم يحنث إلا أن ينويه، وعلى قول محمد يحنث، قال ولكن عندي أن الجواب الذي ذكر في الكتاب فيما إذا كان على العبد دين مستغرق ونواه فإنه لا يحنث عند أبي حنيفة لأنه لا يملك كسبه، وعند أبي يوسف يحنث، لأنه مالك كسبه، فأما عند عدم النية أو عند عدمن الدين على العبد فلا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحنث.
وإن حلف لا يكسو فلاناً فكسا عبده لا يحنث، لأنه ما ملك الثوب فلاناً إنما ملكه عبده، لأن الملك يقع للمولى على سبيل الخلافة من عبده حكماً وذلك ليس بشرط حنثه، ثم هذا على قول أبي حنيفة، ﵀ ظاهر، فإنه
стр. 120
عنده لو وهب لعبد أخيه يملك الرجوع فيه ولم يجعل كهبته لأخيه، فكذاك إذا كسا عبد فلان لا يجعل في حكم الحنث كأنه كسا فلاناً، وهما يقولان في حكم الرجوع: هبته لعبد أخيه كهبته لأخيه باعتبار أن الخصومة في الرجوع تكون مع المولى، وهو قريب له، فرجوعه يؤدي إلى قطيعة الرحم؛ وهنا شرط حنثه نفس الكسوة لا معنى ينبني عليه، وقد وجد ذلك مع العبد دون المولى، ألا ترى أن القبول والرد فيه يعتبر من العبد دون المولى، وعلى هذا البيع، لو حلف لا يبيع من فلان شيئاً فباع من عبده لم يحنث، وهذا في البيع أظهر، لأنه لو باع من وكيل فلان لم يحنث فكيف يحنث إذا باع من عبد فلان، والعبد في الشراء متصرف لنفسه لا لمولاه.
ولو حلف لا يبيع هذا الثوب من فلان بثمن فباعه بجارية لم يحنث، لأن الثمن اسم للنقد الذي لا يتعين في العقد ولأن البيع بثمن لا يتناول بيع المقابضة، فإن في بيع المقابضة يكون كل واحد منهما بائعاً من وجه مشترياً من وجه، والبيع بثمن ما يكون بيعاً من كل وجه.
ولو حلف لا يبيع هذا الثوب من فلان بثمن فباعه بجارية لم يحنث، لأن الثمن اسم للنقد الذي لا يتعين في العقد ولأ، البيع بثمن لا يتناول بيع المقابضة، فإن في بيع المقابضة يكون كل واحد منهما بائعاً من وجه مشترياً من وجه، والبيع بثمن ما يكون بيعاً من كل وجه.
ولو حلف لا يشتري من فلان ثوباً فأمر رجلاً فاشترى له منه لم يحنث، لأن الوكيل بالشراء في حقوق العقد بمنزلة العاقد لنفسه، ألا ترى أنه يستغنى عن إضافة العقد إلى الآمر.
قالوا وهذا إذا كان الحالف ممن يباشر الشراء بنفسه، فإن كان ممن لا يباشر ذلك بنفسه فهو حانث في يمينه، لأنه يقصد بيمينه منع نفسه عما يباشره عادةً، وفي اليمين مقصود الحالف معتبر.
وحكى أن الرشيد سأل محمداً، ﵀، عن هذه المسألة قال: أما أنت فنعم، يعني إذا كان لا يباشر العقد بنفسه، فجعله حانثاً بشراء وكيله له.
وإن وهب المحلوف عليه الثوب للحالف على شرط العوض لم يحنث، لأنه ما اشتراه منه فالشراء يوجب الملك بنفسه والهبة بشرط العوض لا توجب الملك إلا بالقبض، ثم في الهبة بشرط العوض إنما يثبت حكم البيع بعد
стр. 121
اتصال القبض به من الجانبين وهو جعل الشرط نفس العقد، وبنفس العقد لا يصير هو مشترياً ولا صاحبه بائعاً منه، فلهذا لم يحنث.
قال وسألت أبا يوسف، ﵀، عن رجل حلف لا يساكن فلاناً في دار، ولا نية له، فسكن معه في دار كل واحد منهما في مقصورة على حدة؟ قال لا يحنث حتى يكونا في مقصورة واحدة.
وفيها قول آخر أنه يحنث- وهو رواية هشام عن محمد رحمهما الله- وهذه ثلاثة فصول:
أحدها: أن يسكنا في محلة واحدة كل واحد منهما في دار، هنا لا يحنث بدون النية، لأن المساكنة على ميزان المفاعلة، فتقضي وجود الفعل منهما في مسكن واحد، وكل دار مسكن على حدة فلم يجمعها مسكن واحد.
والثاني: أن يسكنا في دار واحدة، وكل واحد منهما في بيت منها، فإنه يكون حانثاً في يمينه لأن جميع هذه الدار مسكن واحد، ويسمى في العرف ساكناً مع صاحبه وإن كان كل واحد منهما في بيت.
والثالث: أن يكون في الدار مقاصير، وكل واحد منهما في مقصورة على حدة، فمحمد ﵀ يقول: هنا الدار مسكن واحد والمقاصير فيها كالبيوت، ألا ترى أنه يتحد المرافق كالمطبخ والمربط، فعرفنا أنه جمعهما في السكنى مسكن واحد.
وأبو يوسف ﵀ يقول كل مقصورة مسكن على حدة، ألا ترى أن السارق من بعض المقاصير لو أخذ في صحن الدار قبل أن يخرج كان عليه القطع، وأن ساكن إحدى المقصورتين لو سرق من المقصورة الأخرى متاع صاحبه كان عليه القطع، فكانت المقاصير في دار بمنزلة الدور في محلة واحدة، بخلاف البيوت، فكل بيت من الدار ليس بمسكن على حدة، ألا ترى أن الكل حرز واحد حتى إن السارق من بيت إذا أخذ في صحن الدار ومعه
стр. 122
متاع لم يقطع، والضيف الذي هو مأذون بالدخول في أحد البيتين إذا سرق من البيت الآخر لم يقطع، فعرفنا أن الكل مسكن واحد هناك.
ولو حلف لا يدخل على فلان، ولا نية له فدخل عليه في دار، قال أبو يوسف، ﵀: لا يحنث، وجعل الدخول عليه في الدار كالدخول في محلة أو قرية، وإنما الدخول على الغير في العرف بأن يدخل بيتاً هو فيه أو صفة هو فيها على قصد زيارته فما لم يوجد ذلك لا يحنث في يمينه، ومشايخنا ﵏ قالوا: في عرف ديارنا يحنث في يمينه، فإن الإنسان كما يجلس في بيته ليزوره الناس يجلس في داره لذلك، فكان ذلك مقصوراً بيمينه.
قال وكذلك لو دخل عليه في دهليز لم يحنث في يمينه، ومراده من ذلك دهليز إذا رد الباب يبقى خارجاً، فأما كل موضع إذا رد الباب يبقى داخلاً فإذا دخل عليه في ذلك الموضع ينبغي أن يحنث، لأن الإنسان قد يجلس في ذلك الموضع ليزوره الناس؛ ألا ترى أنه ليس لأحد أن يدخل عليه في ذلك الموضع إلا بإذنه بخلاف الموضع الذي هو خارج الباب فلكل أحد أن يصل إلى ذلك الموضع بغير إذنه، ولو دخل عليه في المسجد لم يحنث، لأن لكل واحد أن يدخل المسجد بدون إذنه، فلم يكن ذلك شرط حنثه ولا يسمى دخولاً عليه في العادة.
ولو حلف لا يدخل على فلان منزلاً وحلف الآخر بعد ذلك لا يدخل على الحالف الأول منزلاً فدخلا معاً لم يحنث واحد منهما، لأن كل واحد منهما دخل المنزل ولكن مع صاحبه لا على صاحبه، فالدخول عليه أن يكون قصده عند الدخول لقاءه وإكرامه بالزيارة، وهذا لا يتحقق إذا كان هو معه، فإنه لا يتصور أن يكون كل واحد منها داخلاً على صاحبه في موضع واحد في حالة واحدة، وليس أحدهما بأن يُجعل داخلاً على صاحبه بأولى من الآخر.
ولو حلف لا يطأ منزل فلان بقدمه، يعني بذلك لا يضع قدمه على أرض منزله فدخله وعليه خفان أو نعلان أو راكباً لم يحنث، وإن لم يكن له نية
стр. 123
حنث، لأن المراد من هذا اللفظ في العرف دخول منزله، فعند الإطلاق يحمل على ذلك وهو داخل سواء كان راكباً أو ماشياً أو حافياً أو منتعلاً، وإن نوى حقيقة وضع القدم فإنما نوى حقيقة كلامه، لأنه إنما يطأ الشيء بقدمه حقيقة، من غير فاصل بينهما، ولا يحصل ذلك إذا دخلها راكباً أو منتعلاً، ومن نوى حقيقة كلامه عملت نيته.
ولو قال لامرأته إن دخلت دار أبيك إلا بإذني فأنت طالق فالحيلة في أن لا يحنث أن يقول لها قد أذنت لك في دخول هذه الدار كلما شئت، فتدخل كلما شاءت ولا يحنث، لأنه جعل الدخول بإذنه مستثنى من يمينه، والإذن بكلمة كلما يتناول مرة بعد مرة ما لم يوجد النهي، فهي في كل مرة إنما تدخل بإذنه إلا أن يمنعها من الدخول، فحينئذٍ إذا دخلت بعد ذلك كان دخولاً بغير إذنه.
ولو قال أنت طالق إن خرجت من بيتي ولا نية له فخرجت من البيت إلى الحجرة لم يحنث، لأنها ليست بخارجة من البيت، ألا ترى أن المعتدة لا تمنع من ذلك بقوله : (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ... ) ولأن مقصوده من هذا أن لا يراها الناس، وإنما يكون ذلك بالخروج إلى السكة لا بالخروج إلى الحجرة، لأن الحجرة من حرزه لا يدخلها أحد إلا بإذنه بمنزله.
ولو حلف لا يدخل على فلان بيته فدخل حجرته لا يحنث، لأنه ما دخل بيته، وهو نظير ما تقدم أنه إذا دخل عليه في دار لم يحنث، قالوا وفي عرف ديارنا يحنث في يمينه، فاسم البيت يتناول الحجر كما يتناول السفل، ألا ترى أن من بات في حجرته إذا قيل له أين بت الليلة يستخبر أن يقول في بيتي.
ولو حلف لا يأخذ ما له على فلان إلا جميعاً فأخذ حقه جميعاً إلا درهماً وهبه للمطلوب لم يحنث، لأن شرط حنثه أن يأخذ ما له على فلان متفرقاً، فإنه لما استثنى الأخذ جملة واحدة عرفنا أن المستثنى منه الأخذ متفرقاً، وإذا وهب له البعض أو أبرأه عن البعض فلم يوجد الأخذ متفرقاً فلم يحنث، وإن أخذ جميع حقه فوجد فيه درهماً ستوقاً لم يحنث حتى يستبدله، فإن استبدله
стр. 124
حينئذٍ يحنث، لأن قبل الاستبدال لم يوجد أخذ جميع الحق متفرقاً وإنما الموجود أخذ بعض حقه وليس ذلك شرط حنثه، فأما بعد الاستبدال فقد أخذ جميع الحق متفرقاً وهذا لأن الستوق ليس من جنس الدراهم وبقبضه لا يصير قابضاً لحقه، ولهذا لو يجوز به في الصرف والسلم لم يجز، فحين استبدله فقد وجد الآن قبض ما بقي من حقه، وقد كان قبض بعضه في ابتداء، فعرفنا أنه وجد أخذ جميع الحق متفرقاً حتى لو وجد الكل ستوقاً فاستبدله لم يحنث لأنه ما أخذ حقه متفرقاً.
وإن حلف لا يتقاضى فلاناً فلزمه فلم يتقاضه لم يحنث، لأن الملازمة غير التقاضي، فالتقاضي يكون باللسان والملازمة تكون بالبدن، والملازمة غير التقاضي في عرف الناس ومبنى الأيمان على العرف، ولو حلف المطلوب لا يعطيه حقه درهماً دون درهم فأعطاه بعض حقه لم يحنث، لأن الشرط إعطاء جميع حقه متفرقاً، فإن قوله درهماً دون درهم عبارة عن التفرق عادةً، وهو بإعطاء بعض الحق ما أعطاه حقه متفرقاً.
ولو حلف الطالب لا يفارقه حتى يستوفي ما له عليه فنام الطالب أو غفل فهرب المطلوب لم يحنث في يمينه، لأنه عقد يمينه على فعل نفسه وهو ما فارق المطلوب، إنما المطلوب فارقه حين هرب منه.
ولو حلف لا يفارقه فأمره السلطان أن لا يعرض له وحال بينه وبين لزومه فذهب المطلوب ولم يقدر الطالب على إمساكه لم يحنث، لأن الطالب ما فارقه، وإنما المطلوب هو الذي هرب منه، وفعل غيره لا يكون فعلاً له، ولكن بأمر السلطان عجز من إمساكه وبهذا لا يصير مفارقاً له.
ولو قال كل شيء أبايع به فلاناً فهو صدقة ثم بايعه لم يلزمه شيء، لأن البيع يزيل ملكه، فإنما أضاف النذر بالصدقة إلى حال زوال ملكه عما بايع غيره به، والمضاف إلى وقت كالمنشأ في ذلك الوقت، وبعدما زال ملكه بالبيع عن العين لو قال لله عليَّ أن أتصدق بهذا العين لم يصح نذره.
стр. 125
فإن قيل: لماذا لم يجعل هذا اللفظ التزاماً للتصدق بقيمته؟ قلنا: لأنه قال فهو صدقة ولم يقل قيمته صدقة، والملتزم للتصدق بالعين لا يكون ملتزماً للتصدق بالقيمة.
ولو حلف المطلوب أن لا يعطي الطالب شيئاً ثم أمر المطلوب رجلاً فأعطاه حنث في يمينه، لأن الحالف هو المعطي فإن الدافع رسول من جهته بالتسليم إلى فلان فيصير المعطي فلاناً، ألا ترى أنه لو دفع صدقته إلى إنسان ليفرقها على المساكين ثم إن الدافع لم يحضر النية عند التصدق جاز إذا وجدت النية ممن عليه التصدق وجعله كأنه هو المعطي، فهذا مثله.
فإن حلف أن لا يعطيه من يده إلى يده لم يحنث، لأنه جعل شرط حنثه إعطاء مقيداً بصفة وهو أن يكون بالمناولة، وهذا لأن الإعطاء من يده أتم ما يكون من الإعطاء وهو المباشر للإعطاء فيه حقيقةً وحكماً، وإذا صرح في يمينه بالإعطاء على أتم الوجوه لا يحنث بما دونه، وإذا أطلق اللفظ يعتبر ما هو المقصود، وذلك حاصل سواء أعطاه بيده أو أمر غيره فأعطاه.
وإن حلف أن لا يعطيه مما عليه درهماً فما فوقه فأعطاه بحقه كله دنانير وإنما عني الدراهم لم يحنث، لأنه صرح في يمينه بالدراهم ولا بد من اعتبار ما صرح به خصوصاً إذا تأيد ذلك بنيته، ولأن الإنسان قد يمتنع من إعطاء الدراهم ولا يمتنع من إعطاء الدنانير لما له من المقصود في الصرف، والتقييد إذا كان فيه غرض صحيح يجب اعتباره.
ولو قال لرجل إن أكلت عندك طعاماً أبداً فهو كله حرام ينوي بذلك اليمين فأكله عنده لم يحنث، لأنه يجعل الحرام ما أكله، وبعدما أكله لا يتصور أن يجعله حراماً، وهذا لأن وصف الشيء بأنه حرام بطريق أنه محل لإيقاع الفعل الحرام فيه وذلك لا يتحقق بعد الأكل، وتحريم حلال إنما يكون يميناً إذا صادف محله؛ فأما إذا لم يصادف محله كان لغواً، ومن أصحابنا ﵏ من يقول إنه بعدما أكله حرام؛ ألا ترى أنه على أي وجه انفصل عنه كان
стр. 126
حراماً فيكون هو صادقاً في كلامه، ولكن هذا ليس بصحيح لأنه كما أن تحريم الحلال يمين فتحريم الحرام يمين حتى إذا قال هذا الخمر علي حرام ونوى به اليمين كان يميناً ... فعرفنا أن الطريق هو الأول وهو أن هذا التحريم لم يصادف محله أصلاً.
ولو حلف لا يذوق طعاماً لفلان فأكل طعاماً له ولآخر حنث، لأنه قد ذاق طعام فلان والطعام المشترك بين اثنين لكل واحد منهما جزء منه والذوق يتم بذلك الجزء كالأكل يتم به.
ولو ح لف لا يأكل طعام فلان فأكل طعاماً له ولآخر حنث في يمينه، بخلاف ما لو حلف لا يلبس ثوب فلان فلبس ثوباً بينه وبين آخر، أو لا يركب دابة فلان فركب دابة بينه وبين آخر، لأن الجزء الذي هو مملوك لفلان لا يسمى ثوباً ولا دابة، وعلى هذا لو حلف لا يأكل لقمة لفلان فأكل طعاماً بينه وبين آخر لم يحنث، لأن كل لقمة مشتركة بينه وبين فلان، وإنما جعل شرط حنثه أكل لقمة فلان خاصة ولم يوجد ذلك.
ولو حلف لا يشرب الشراب ولا نية له فهذا على الخمر، فإن شرب غيرها لم يحنث، يعني غيرها مما لا يسكر، فأما ما يشرب للسكر والتلهي به إذا شرب شيئاً منه كان حانثاً، لأن الشراب في الناس إذا أطلق يراد به المسكر، والإنسان إنما يمتنع من ذلك بيمينه للتحرز عن السُّكر فيتناول مطلق لفظه ما يسكر؛ ويسقط اعتبار حقيقة لفظه بالاتفاق حتى لا يحنث بشرب الماء واللبن وهو شراب، فالشراب حقيقة ما يشرب.
ولو حلف لا يركب حراماً فشرب خمراً لم يحنث إ لا أن ينويه، لأن المراد بهذا اللفظ الفجور عند الإطلاق، فتنصرف يمينه إليه إلا أن ينوي غيره.
فالحاصل أن دليل العرف يغلب على حقيقة اللفظ في باب الأيمان.
ولهذا لو حلف لا يشتري بنفسجاً ينصرف إلى دهن البنفسج دون الورق،
стр. 127
والبنفسج للورق حقيقة، فعرفنا أن العرف يعتبر في باب الأيمان فإن مطلق اللفظ يتقيد بمقصود الحالف.
ولو قال لامرأته إذ أمسيت قبل أن أطعم فأنت طالق، ولا نية له، قال إن غربت الشمس ولم يطعم حنث، لأن المراد بهذا اللفظ دخول الليل وذلك بغروب الشمس، فإن الإمساء من قبل الإصباح، فإنما يقول الرجل لآخر كيف أصبحت في أول النهار وكيف أمسيت في آخر النهار عند غروب الشمس، ألا ترى أن الصائم يحرم عليه الطعام والشراب من الصباح إلى المساء وينتهي ذلك بغروب الشمس، فإذا غربت الشمس ولم يطعم فقد أمسى قبل أن يطعم فيحنث في يمينه.
ولو حلف لا يأكل هذا الجمل فكبر حتى صار مسناً فأكله حنث.
وقد بينا في الأيمان من الجامع وغيره أن في الحيوان العين لا يتبدل بتبدل الوصف، ولهذا لو حلف لا يكلم هذا الصبي فكلمه بعد ما شاب، أو لا يكلم هذا الشاب فصار شيخاً حنث، بخلاف ما لو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمراً لم يحنث، فهذه المسألة تنبني على ذلك الأصل.
باب في البيع والشراء
امرأة حامل تريد أن تهب مهرها لزوجها على أنها إن ماتت في نفاسها كان الزوج بريئاً من المهر، وإن سلمت عاد المهر على زوجها، فإنه ينبغي لها أن تشتري من الزوج ثوباً لم تره بأن كان في منديل فتشتريه بجميع مهرها أو نصفه، فإن ماتت في نفاسها برئ الزوج، وإن سلمت من علتها ردت الثوب بخيار الرؤية وعاد المهر على زوجها، وهذا يستقيم إذا بقي الثوب على حاله لأن الرد بخيار الرؤية غير موقت، وبه ينفسخ العقد من الأصل، فيعود المهر عليه كما كان، ولكن الثوب قد يتعيب عندها أو يهلك فيتعذر رده، فالسبيل أن تشتري الثوب وتشهد على ذلك نم غير أن تقبضه من الزوج، حتى لا يتعذر عليها الرد إذا سلمت بوجه من الوجوه.
стр. 128
رجل أمر رجلاً أن يشتري داراً بألف درهم وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر منه بألف ومائة، فخاف المأمور إن اشتراها أن يبدو للآمر [في] شرائها؟ قال يشتري الدار على أنه بالخيار ثلاثة أيام فيها ويقبضها ثم يأتيه الآمر فيقول له قد أخذتها منك بألف ومائة فيقول المأمور هي لك بذلك.
وقوله "يقبضها" على أصل محمد، ﵀، فأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، لا حاجة إلى هذا الشرط لجواز التصرف في العقار قبل القبض عندهما، والمشتري بشرط الخيار يتمكن من التصرف في المشتري بالاتفاق، وإن اختلفوا أنه هل ملكه مع شرط الخيار أم لا، فإنما قال: الآمر يبدأ فيقول أخذتها منك بألف ومائة لأن المأمور لو بدأ فقال بعتها منك ربما لا يرغب في شرائها ويسقط خيار المأمور بذلك، فكان الاحتياط في أن يبدأ الآمر حتى إذا قال المأمور هي لك بذلك تم البيع بينهما، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار فيندفع الضرر عنه بذلك.
رجل حلف بعتق كل مملوك يملكه إلى ثلاثين سنة وعليه كفارة ظهار فأراد أن يعتق ويجوز عن ظهاره؟ قال يقول لرجل أعتق عبدك عني على ألف درهم فإذا فعل ذلك جاز ذلك عنه، لأن الملك هنا وإن كان يثبت للآمر فإنما يثبت ذلك في حكم تصحيح العتق عنه لأنه ثابت بطريق الإضمار، والمقصود بالإضمار تصحيح الكلام، ففيما يرجع إلى تصحيح الكلام يظهر حكم المضمر ولا يظهر فيها وراء ذلك، فلا يصير شرط الحنث في اليمين الأولى موجوداً بهذا اللفظ، فيقع العتق عن الظهار كما أوجبه بالكلام الثاني.
وهذه المسألة تصير رواية في فصل وهو أن من قال لعبد الغير إن ملكتك فأنت حر، ثم قال إن ملكتك فأنت حر عن ظهاري، ثم اشتراه لا يجزئه عن الظهار لأن عتقه عند دخوله في ملكه صار مستحقاً بالكلام الأول على وجه لا يملك إبطاله ولا يملك إبداله بغيره، فعند دخوله في ملكه إنما يعتق بالكلام الأول ولم يقترن به نية الظهار، ألا ترى أنه تكلف في هذا الفصل فقال يقول
стр. 129
الرجل أعتق عبدك عني على كذا، ولو كان هو يمكنه إعتاقه عن ظهاره لقال إنه يقول لهذا المملوك إن ملكتك فأنت حر عن ظهاري ثم يشتريه، فلما لم يذكر هكذا عرفنا أن الصحيح في تلك المسألة أنه يعتق عند دخوله في ملكه بالإيجاب الأول خاصة.
امرأة طلقها زوجها ولها عليه دين بغير بينة فحلف ما لها عليه حق فأرادت أن تأخذ منه وأنكرت أن تكون عدتها قد انقضت تريد بذلك أن تأخذ منه نفقة بقدر دينها قال يسعها ذلك، لأنها لو ظفرت بجنس حقها كان لها أن تأخذه بغير علمه، فكذلك إذا تمكنت من الأخذ بهذا الطريق، وهذا لأن الزوج وإن كان يعطيها بطريق نفقة العدة فهي إنما تستوفي بحساب دينها، ولها حق استيفاء مال الزوج بحساب دينها على أي وجه كان منه، وإن حلفها القاضي على انقضاء عدتها فحلفت تعني به شيئاً غير ذلك وسعها.
وقد بينا أنها متى كانت مظلومة تعتبر نيتها، فإذا حلفت ما انقضت عدتي تعني عدة عمرها وسعها ذلك.
ولو أن رجلاً أراد أن يدفع مالاً مضاربة إلى رجل وأراد أن يكون المضارب ضامناً له فالحيلة في ذلك أن يقرضه رب المال المال إلا درهماً، ثم يشاركه بذلك الدرهم فيما أقرضه، على أن يعملا فما رزقهما الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما عليّ كذا.
وهذا صحيح لأن المستقرض بالقبض يصير ضامناً للمستقرض متملكاً، ثم الشركة بينهما مع التفاوت في رأس المال صحيح، فالربح بينهما على الشرط، على ما قال علي ﵁ الربح على ما أشرطا والوضعية على المال، ويستوي إن عملا جميعاً أو عمل به أحدهما فربح، فإن الربح يكون بينهما على هذا الشرط، وإن شاء أقرض المال كله للمضارب ثم يدفعه المستقرض إلى المقرض مضاربة بالنصف، ثم يدفعه المقرض إلى المستقرض بضاعة، فيجوز ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، لأن دفعه إلى صاحب
стр. 130
المال بضاعة كدفعه إلى أجنبي آخر، وفي قول محمد، ﵀: الربح كله للعامل هنا، لأن العامل صاحب المال وهو في عمله في ملكه لا يصلح أن يكون نائباً عن غير.
وقد تقدم بيان هذه المسألة في كتاب المضاربة، فهذه الحيلة على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف، رحمهما الله، خاصةً، فالمال كله صار مضموناً عليه بالقبض على جهة القرض، ثم هو العامل في المال والربح على شرط المضاربة، فأما عند محمد، ﵀، فالحيلة هي الأولى.
قال وسألت أبا يوسف ﵀ عن الرجل يشتري داراً بألف درهم فخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فاشتراها بألف دينار من صاحبها ثم أعطاه بالألف دينار ألف درهم؟ قال هو جائز، لأن هذه مصارفة بالثمن قبل القبض، وذلك جائز لحديث ابن عمر ﵄ قال: يا رسول الله، عليك السلام، إني أبيع الإبل بالبقيع، وربما أبيعها بالدراهم وآخذ مكانها دنانير، فقال ﷺ : "لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما عمل".
فإن حلفه القاضي ما دالست ولا والست فحلف كان صادقاً، لأن هذه عبارة عن الغرور والخيانة ولم يفعل شيئاً من ذلك.
وإن أحب أن لا يكون عليه يمين اشتراها كذلك لولده الصغير، فلا يكون عليه يمين في ذلك، لأن الاستحلاف لرجاء النكول أو الإقرار، وهو لو أقر بذلك لم يصح إقراره في حق الصغير، فإن لم يكن له ولد صغير فالسبيل أن يأمره بعض أصدقائه أن يشتريها له ذلك ويشهد على الوكالة ويجعله جائز الأمر في ذلك، فإن اشتراها لم يكن بين الشفيع والمشتري في ذلك خصومة في قول محمد، ﵀، وفي قول أبي يوسف ما دامت في يده فهو خصم للشفيع إلا أن يشهد على تسليمها إلى الآمر ثم يودعها الآمر منه أو يعيرها.
رجل أحب أن يشتري داراً بعشرة آلاف درهم، فإن أخذها الشفيع أخذها بعشرين ألفاً، وإن استحقت الدار لم يرجع على البائع إلا بعشرة آلاف؟ قال
стр. 131
يشتريها بعشرين ألفاً وينقده تسعة آلاف وتسعين درهماً وديناراً بما بقي من الثمن، فإن رغب فيها الشفيع أخذها بعشرين ألفاً، وإن استحقت يرجع على البائع بما دفع إليه لأنها لما استحقت بطل عقد الصرف لوجود الافتراق قبل قبض أحد البدلين ولا يرجع إلا بما أدى، وقبل الاستحقاق الصرف صحيح فلا يأخذ الشفيع الدار إلا بعشرين ألفاً، ولو أعطاه بالباقي مكان الدينار ثوباً أو متاعاً رجع عند الاستحقاق بعشرين ألفاً، لأن استحقاق الدار لا يبطل البيع في الثوب والمتاع فيكون قابضاً منه عشرين ألفاً، فيلزمه رد ذلك عند استحقاق الدار، فأما عقد الصرف فيبطل باستحقاق الدار فلا يلزمه إلا رد المقبوض، فلو لم تستحق ووجد بالدار عيباً ردها بعشرين ألفاً في جميع ذلك، لأن بالرد بالعيب لا يتبين أن الثمن لم يكن واجباً قبل القبض.
وقد بينا في كتاب الشفعة وجوه الحيل لإبطال الشفعة، أو لتقليل رغبة الشفيع في الأخذ، وذلك لا بأس به قبل وجوب الشفعة عند أبي يوسف، ﵀، وعند محمد، ﵀، هو مكروه أشد الكراهة لأن الشفعة مشروعة لدفع الضرر عن الشفيع، فالذي يحتال لإسقاطه بمنزلة القاصد إلى الإضرار بالغير وذلك مكروه، وأبو يوسف، ﵀، يقول إنه يمتنع من الالتزام هذا الحق مخافة أن لا يمكنه الخروج منه إذا التزمه، وذلك لا يكون مكروهاً كمن امتنع من جمع المال كيلا يلزمه نفقة الأقارب والحج، فهذا دفع الضرر عن نفسه لا الإضرار بالغير، لأن في الحجر عليه عن التصرف أو تملك الدار عليه بغير رضاه إضرار به وهو إنما قصد دفع هذا الضرر، وعلى هذا الخلاف الحيلة لمنع وجوب الزكاة، واستدل أبو يوسف، ﵀، على ذلك في الأمالي، قال أرأيت لو كان لرجل مائتا درهم، فلما كان قبل الحول بيوم تصدق بدرهم منها، أكان هذا مكروهاً، وإنما تصدق بالدرهم حتى يتم الحول وليس في ملكه نصاب، فلا يلزمه الزكاة، وأحد لا يقول بأن هذا يكون مكروهاً أو يكون هو فيه آثماً.
стр. 132
قال وإذا اشترى الرجل داراً لغيره وكتب في الصك: ونقد فلان فلاناً الثمن كله من مال فلان الآمر فللبائع أن لا يرضى بهذا لما فيه من الضرر عليه، فربما يجيء الآمر فيقول قد أخذت مالي وأقررت بذلك حين أشهدت على الصك ولم آمر فلاناً بالشراء لي فيسترد ماله ولا يقدر هو على المشتري ليطالبه بثمن الدار، وإن لم يكتب هذا ففيه نوع ضرر على الآمر وهو أن يأخذ المشتري الآمر بالمال ويقول نقدت الثمن من مالي، فالحيلة أن يكتب وقد نقد فلان فلاناً الثمن ولا يكتب من مال من هو، فإذا ختم الشهود كانت شهادتهم على البيع وقبض الثمن فقط، ثم يقر المشتري بعد ذلك أن ما نقده من الثمن إنما هو من مال الآمر فيكون إقراره حجة عليه للآمر فيندفع الضرر عنهما، والله أعلم.
باب الاستحلاف
وإذا أراد الرجل أن يغيب فقالت له امرأته كل جارية تشتريها فهي حرة حتى ترجع إلى الكوفة، ومن رأيه أن يشتري جارية كيف يصنع؟ قال إذا حلفته بهذه الصفة يقول نعم، فيريها بهذه الكلمة أنه حلف على الوجه الذي طلبت وهو يعني نعم بني تغلب أو غيره من أحياء العرب، أو ينوي بقلبه واحد الأنعام، فإنه يقال نعم، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، قال الله تعالى: (والأنعام خلقها لكم ... ) الآية؛ فإذا عني هذا لم يكن حالفاً، فإن أبت إلا أن يكون الزوج هو الذي يقول كل جارية أشتريها فهي حرة، قال فليفعل ذلك وليعن بذلك على سفينة جارية، قال الله تعالى: (وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام) والمراد السفن، فإذا عني ذلك عملت نيته لأنها ظالمة له في هذا الاستحلاف، ونية المظلوم فيما يحلف عليه معتبرة.
وإن حلفته بطلاق كل امرأة يتزوجها عليها فليقل كل امرأة أتزوجها عليك فهي طالق، وهو ينوي بذلك كل امرأة أتزوجها على رقبتك، فتعمل نيته في
стр. 133
ذلك لأنه نوى حقيقة كلامه، ولا يحنث إذا تزوج على غير رقبتها، فإن كان عني أن لا أتزوج على طلاقك فهذه النية تعمل فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يحنث إذا تزوج امرأة أخرى، وكذلك إن عني بقوله فهي طالق من الوثاق، فنيته صحيحة فيما بينه وبين الله تعالى.
وإن قال كل امرأة أتزوجها فأطؤها فهي طالق، وعني الوطء بقدمه فهو يدين فيما بينه وبين ربه، لأن المنوي من محتملات لفظه.
وقال بعض مشايخنا، ﵏: ينبغي أن يدين في هذا الموضع في القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه، فالوطء يكون بالقدم حقيقة، إلا أنا نقول الوطء متى أضيف إلى النساء فهو حقيقة في الجماع دون الوطء بالقدم، وإنما يراد الوطء بالقدم إذا ذكر مطلقاً غير مضاف إلى النساء، فلهذا لا يدين هنا في القضاء وهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى.
رجل اتهم جارية أنها سرقت له مالاً فقال أنت حرة إن لم تصدقيني، وخاف المولى أن لا تصدقه فتعتق، ما الحيلة فيه؟ قال تقول الجارية قد سرقته، ثم تقول بعد ذلك لم أسرقه، فيتيقن أنها صدقته في أحد الكلامين ولا تعتق.
وإن قال لامرأته أنت طالق إن بدأتك بالكلام، وقالت له المرأة بعد ذلك وإن ابتدأتك بالكلام فجاريتي حرة، فالحيلة فيه أن يبدأ الزوج بالكلام، لأن المرأة قد كلمته بعد كلامه حين خاطبته بيمينها، فلا يكون الزوج مبتدئاً لها بالكلام بعد يمينه، وإن كانت اليمين منهما جميعاً فالحيلة فيه أن يكلم كل واحد منهما صاحبه معاً على ما ذكره في الجامع.
إذا حلف رجلان فقال كل واحد منهما لصاحبه إن ابتدأتك بالكلام ... فالتقيا وسلم كل واحد منهما على صاحبه معاً لم يحنث كل واحد منهما في يمينه، لأن المبتدئ بالشيء من يسبق غيره بذلك الشيء، فإذا اقترن كلامه بكلام صاحبه لم يكن مبتدئاً.
стр. 134
رجل قال والله إني لأجلس فما أقوم حتى أُقام، يعني حتى يقويني الله على ذلك فيقيمني، لا يحنث وهو صادق في يمينه، لأن المذهب عند أهل السنة والجماعة أن أفعال العباد مخلوق الله تعالى، قال الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) فلا يقوم أحد ما لم يقمه الله تعالى، وقيل في قوله : (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ... ) أن المراد هذا، وهو أن العبد لا يستغني في شيء من أقواله وحركاته عن الله تعالى، وهو نظير ما قال في كتاب الأيمان في الجامع الصغير إذا حلف ليأتينه غداً إلا أن لا يستطيع، وهو يعني بذلك القضاء والقدر، فإنه تعمل نيته ولا يكون حانثاً في يمينه بحال.
ولو قال لأمته أنت حرة إن ذقت طعاماً حتى أضربك فأبِقت الأمة فالحيلة أن يهبها لولده الصغير ثم يتناول الطعام فلا يحنث في يمينه، لأنه صار قابضاً لولده بنفس الهبة، فإنما يوجد الشرط وهي ليست في ملكه فلا تعتق.
قال وسئل أبو حنيفة ﵀ عن امرأة قالت لزوجها اخلعني فقال أنت طالق ثلاثاً إن سألتيني الخلع إن لم أخلعك، فقالت المرأة جاريتي حرة إن لم أسألك ذلك قبل الليل؛ وجاءا إلى أبي حنيفة، ﵀، فقال أبو حنيفة، ﵀: سليه الخلع، فقالت لزوجها أسألك أن تخلعني، فقال أبو حنيفة، ﵀، لزوجها: قل قد خلعتك على ألف درهم تعطيها لي، فقال لها الزوج ذلك، فقال أبو حنيفة لها قولي: لا أقبله فقالت لا أقبله، فقال أبو حنيفة، ﵀: قوماً فقد بر كل واحد منكما في يمينه، لأن شرط برها في اليمين أن تسأله الخلع وقد سألته، وشرط بر الزوج أن يخلعها بعد سؤالها، وقد فعل، فإنما عقد يمينه على فعل نفسه خاصة وقد وُجد ذلك منه فلم يقع عليها شيء حين ردت الخلع.
وهذه المسألة تصير رواية فيما إذا قالت المرأة لزوجها اخلعني فقال الزوج خلعتك على كذا أنه لا يقع الفرقة ما لم تقل المرأة قبلت، بخلاف ما إذا قالت اخلعني على كذا فقال قد فعلت، فإنه لا يقع الفرقة لأنها إذا لم تذكر البدل
стр. 135
كان كلامه سؤالاً للخلع لا أحد شطري العقد فلا بد من الإيجاب والقبول بعده، وإذا ذكرت البدل كان كلامها أحد شطري العقد كما في النكاح قوله زوجني نفسك أحد شطري العقد، إلا أن في النكاح لا فرق بين أن يذكر البدل وبين أن لا يذكر، فإن وجوب المهر يستغني عن التسمية هناك ولا يعتمد الرضى، ووجوب البدل في الخلع لا يكون إلا باعتبار التسمية، وباعتبار تمام الرضى، فلهذا فرقنا بين ما إذا ذكرت البدل وبين ما إذا لم تذكر.
وذكر الخصاف، ﵀، في كتاب الحيل نظير هذه الحكاية فقال: إن بعض من كان يتأذى منه أبو حنيفة، ﵀، جرى بينه وبين زوجته كلام فامتنعت من جوابه، فقال إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فسكتت وامتنعت عن كلامه، فخاف أن يقع الطلاق إذا طلع الفجر فطاف على العلماء ﵏ في الليل فلم يجد عندهم في ذلك حيلة، فجاء إلى أبي حنيفة، ﵀، وذكر له ذلك فقال: هلا أتيت أستاذك فجعل يعتذر إليه ويقول لا فرج لي إلا من قبلك، فذكر أنه قال له اذهب فقل للذين حولها من أقاربها دعوها فماذا أصنع بكلامها، فإنها أهون عليَّ من التراب، وأسمعها من هذا بما تقدر، فجاء وقال ذلك حتى ضجرت، وقالت بل أنت كذا وكذا، فصارت مكلمة له قبل طلوع الفجر وخرج من يمينه.
وهذه الحكاية أوردها في مناقب أبي حنيفة، ﵀، وقال إنه قال للرجل ارجع إلى بيتك حتى آتي بيتك فأتشفع لك، فرجع الرجل إلى بيته، وجاء أبو حنيفة، ﵀، في إثره وصعد مئذنة محلته وأذنت فظنت المرأة أن الفجر قد طلع فقالت الحمد لله الذي نجاني منك، فجاء أبو حنيفة، ﵀، إلى الباب وقال قد برت يمينك، وأنا الذي أذنت أذان بلال ﵁ في نصف الليل.
قال وسئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين فزفت امرأة كل واحد منهما إلى زوج أختها فلم يعلموا بذلك حتى أصبحوا، فذكر ذلك لأني حنيفة، رحمه
стр. 136
الله، فقال ليطلق كل واحد منهما امرأته تطليقة ثم يتزوج كل واحد منهما المرأة التي دخل بها.
وفي مناقب أبي حنيفة ﵀ ذكر لهذه المسألة حكاية أنها وقعت لبعض الأشراف بالكوفة، وكان قد جمع الفقهاء، ﵏، لوليمته، وفيهم أبو حنيفة، ﵀، وكان في عداد الشبان يومئذٍ، فكانوا جالسين على المائدة إذ سمعوا ولولة النساء فقيل ماذا أصابهن فذكروا أنهم غلطوا فأدخلوا امرأة كل واحد منهما على صاحبه ودخل كل واحد منهما بالتي أدخلت عليه، فقالوا إن العلماء على مائدتكم فسلوهم عن ذلك فسألوا، فقال سفيان الثوري، ﵀: فيها قضى علي ﵁: على كل واحد من الزوجين المهر، وعلى كل واحدة منها العدة، فإذا انقضت عدتها دخل بها زوجها، وأبو حنيفة، ﵀، ينكت بأصبعه على طرف المائدة كالمفكر في شيء، فقال له من إلى جنبه: أبرز ما عندك، هل عندك شيء آخر، فغضب سفيان، ﵀، فقال ماذا يكون عنده بعد قضاء علي ﵁، يعني في الوطء بالشبهة، فقال أبو حنيفة، ﵀: عليَّ بالزوجين، فأُتِي بهما، فسأل كل واحد منهما أنه هل تعجبك المرأة التي دخلت بها؟ قال نعم، ثم قال لكل واحد منهما طلق امرأتك تطليقة، فطلقها، ثم زوَّج من كل واحد منهما المرأة التي دخل بها وقال قوماً إلى أهلكما على بركة الله تعالى، فقال سفيان، ﵀: ما هذا الذي صنعت؟ فقال أحسن الوجوه وأقربها إلى الألفة وأبعدها عن العداوة، أرأيت لو صبر كل واحد منهما حتى تنقضي العدة أما كان يبقى في قلب كل واحد منهما شيء بدخول أخيه بزوجته، ولكني أمرت كل واحد منهما حتى يطلق زوجته ولم يكن بينه وبين زوجته دخول ولا خلوة ولا عدة عليها من الطلاق، ثم زوجت كل امرأة ممن وطئها وهي معتدة منه وعدته لا تمنع نكاحه، وقام كل واحد منهما مع زوجته وليس في قلب كل واحد منهما شيء، فعجبوا من فطنة أبي حنيفة، ﵀، وحسن تأمله.
وفي هذه الحكاية بيان فقه هذه المسألة التي ختم بها الكتاب، والله أعلم.