Полный текст (136 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منزلك حافياً أبداً فدخل المنزل منتعلاً أو راكباً؟ قال لا يحنث ولو لم يكن له نية حنث.
قلت: أرأيت رجلاً قال امرأتي طالق ثلاثاً إن ساكنت فلاناً بالكوفة ولا نية له فسكنا جميعاً بالكوفة كل واحد منهما داراً؟ قال لا يحنث حتى يجتمعا في منزل.
باب اليمين في التقاضي
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يأخذ ما له على فلان إلا جميعاً فأخذ حقه جميعاً إلا درهماً واحداً وهبه للمطلوب أيحنث؟ قال لا، قلت أرأيت إن أخذ جميع حقه كله فوجد فيها درهماً ستوقاً أو نحاساً أو رصاصاً أيحنث؟ قال لا حتى يستبدله.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يتقاضى فلاناً فلزمه ولم يتقاضه أيحنث؟ قال نعم.
قلت: أرأيت إن حلف المطلوب لا يعطي فلاناً حقه درهماً دون درهم فأعطاه بعض حقه أيحنث؟ قال لا يحنث إلا أن يعطيه بعد ذلك بقية حقه، ولو حلف المطلوب ليعطي الطالب ماله رأس الشهر ولا نية له فإنه في سعة من يمينه إلى الليلة التي يهل فيها الهلال والغد إلى الليل، فإذا جاء الليل ولم يعطه حنث، ولو حلف ليعطينه حقه صلاة الظهر كان له وقت الظهر كله فإن دخل وقت العصر ولم يعطه حنث، ولو حلف ليعطينه حقه طلوع الشمس كان له من حين طلوع الشمس حتى تبيض، فإن ابيضت قبل أن يعطيه حنث.
قلت ولو حلف المطلوب لا يعطي الطالب اليوم شيئاً وحلف الطالب لا يفارق المطلوب حتى يستوفي ما له عليه كيف الحيلة في ذلك؟ قال إن دخل بينهما رجل فقضى الطالب حقه برئا جميعاً ولم يحنث واحد منهما، قلت أرأيت إن جاء قوم فأخذوا الطالب فحبسوه عن لزوم المطلوب وحالوا بينه وبينه وأمروا المطلوب بالذهاب إلى أهله فذهب والطالب لا يقدر على حبسه
стр. 72
لمنع الذين منعوه وحبسوه عن لزومه أيحنث؟ قال لا، قلت أرأيت إن حلف لا يفارقه حتى يستوفي ما له عليه فنام الطالب وهرب المطلوب والطالب لا يعلم أيحنث الطالب؟ قال لا، قلت وكذلك لو لم ينم الطالب ولكنه غفل عن المطلوب فهرب المطلوب وقد كان معه حيث يراه؟ قال لا يحنث، وهذا الباب الأول سواء.
قلت أرأيت رجلاً تقاضى رجلاً فقال ما لي عليك صدقة إن فارقتك حتى أستوفيه منك ففارقه ولم يستوف منه أيحنث؟ قال نعم، ولا يشبه هذا قول ما لي عليك صدقة في المساكين.
قلت أرأيت إن كان المطلوب معسراً أيجب على الحالف وقد فارقه قبل أن يستوفى منه أن يتصدق عليه بما له قال لا.
قلت: أرأيت إن قال الطالب هي على المساكين صدقة إن فارقتك حتى أستوفيها، يعني إن ثيابك أيها المطلوب في المساكين صدقة إن فارقتك حتى أستوفيها وهو يريد غيرها وقد أراد أن يوقع في قلب المطلوب أنه إنما حلف على ما له عليه، ففارقه ولم يقبض منه شيئاً أيحنث؟ قال لا.
قلت: أرأيت إن حلف لا يفارقه فأمره السلطان أن لا يعرض له وحال بينه وبين لزومه فذهب المطلوب إلى أهله ولم يقدر الآخر على إمساكه أيحنث؟ قال لا.
قلت: أرأيت رجلاً قال كل شيء أبايع به فلاناً فهو عليه صدقة ثم بايعه أيحنث؟ قال لا.
قلت: أرأيت رجلاً قال كل متاع أبيعكه فهو في المساكين صدقة فباعه بعد ذلك متاعاً أيحنث؟ قال لا لأنه إنما حنث والمتاع ليس في ملكه.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفي ما له عليه وليس عند المطلوب شيء فأقرض الطالب المطلوب مالاً مثل ما له عليه فلما قبضه المطلوب قضاه الطالب بما له الأول عليه أيخرج الحالف من يمينه؟ قال نعم.
стр. 73
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يأخذ ما له على فلان اليوم إلا جميعاً فأخذ منه جميع ما له عليه اليوم فوجد فيها درهماً ستوقاً فاستبدله من يومه أو من بعد يومه؟ قال إن كان استبدله من يومه حنث وإن كان استبدله من بعد يومه لم يحنث.
قلت: أرأيت رجلاً له على رجل دراهم فحلف المطلوب لا يعطي الطالب شيئاً ثم أمر المطلوب رجلاً فأعطاه عنه أيحنث قال نعم لأن رسوله في هذا بمنزلته، قلت أرأيت إن كان حلف لا يعطيه شيئاً يعني من يده إلى يده قال له نيته ولا يحنث قلت أرأيت المطلوب إذا حلف لا يعطيه مما عليه درهماً فما فوقه فأعطاه حقه كله دنانير وإنما عني دراهم أيحنث قال لا، قلت أرأيت رجلاً حلف لا يعطي فلاناً حقه اليوم فأعطاه اليوم بعضه أو كله إلا شيئاً يسيرا قال لا يحنث.
باب الطعام والشراب
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يذوق لفلان طعاماً ولا شراباً يعني لا يذوق طعاماً له بعينه خبزاً أو لحماً ويعني بالشراب ألا يشرب شراباً له بعينه يعني بذلك نبيذ التمر والتين أو نوعاً من الأشربة فأكل من صنف غيره وشرب من صنف غير الذي نوى؟ قال لا يحنث.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يذوق لفلان طعاماً أبداً ولا نية له فأهدى فلان للحالف هدية فأكلها؟ قال لا يحنث، قلت: أرأيت إن حلف لا يأكل له طعاماً أبداً فاشترى منه طعاماً فأكله؟ قال لا يحنث.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يذوق طعام فلان، أهو عندك مثل قوله لا يذوق طعاماً لفلان؟ قال نعم، هما سواء.
قلت: أرأيت رجلاً حلف فقال إن أكلت عندك طعاماً أبداً فهو عليَّ حرام، ينوي بذلك اليمين، فأكل عنده؟ قال لا يحنث.
стр. 74
قلت: أرأيت رجلاً حلف إن أكلت طعامي هذا فهو في المساكين صدقة فأكل منه، أيحنث؟ قال لا.
قلت: أرأيت رجلاً حلف إن أكلت هذا الطعام فهو عليَّ حرام فأكله؟ قال لا يحنث، قلت لم لا يكون حانثاً ويكون عليه الكفارة؟ قال لأنه إنما صار عليه حراماً بعدما أكله، فلذلك لا يكون حانثاً.
قلت: أرأيت إن حلف لا يأكل لفلان لقمة أبداً فأكل طعاماً بين المحلوف عليه وبين آخر؟ قال لا يحنث، قلت ولم لا يحنث؟ قال لأن كل لقمة أكلها فهي بين المحلوف عليه وبين الآخر، فكال واحدة أكلها فليست للمحلوف عليه فلا يحنث، إلا أن يأكل لقمة لفلان ليس لأحد فيها حق.
قلت: أرأيت إن حلف لا يأكل وهو ينوي لا يأكل اللحم ولا يتكلم بالذي نوى من ذلك؟ قال ليست نيته بشيء وأي الطعام أكل حنث، قلت فإن كان حيث حلف قال لا آكل شيئاً أبداً وهو ينوي اللحم؟ قال له نيته ولا يشبه هذا الباب الأول.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يشرب الشراب ولا نية له؟ قال إنما هذا على الخمر، فإن شرب غيرها لم يحنث.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يركب حراماً أبداً فشرب خمراً، أيحنث؟ قال لا، وإنما هذا على الفجور إذا لم يكن له نية.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يشرب هذا الماء فجعل نبيذاً فشربه أيحنث؟ قال لا، قلت فإن كان حلف لا يشرب هذا الماء فصبه في سويق ثم شربه أيحنث؟ قال لا، إن كان السويق هو الغالب عليه، قلت أرأيت إن حلف لا يأكل هذا السمن فجعل في الخبيص فكان الخبيص هو الغالب فأكله أيحنث؟ قال لا.
قلت أرأيت رجلاً حلف لا يشرب هذا العصير فجُعل منه خلاً أو تخيخاً فشربه؟ قال لا يحنث.
стр. 75
قلت: أرأيت إن حلف لا يأكل هذا الجمل فكبر حتى صار مسناً فأكله؟ قال يحنث، ولا يشبه هذا الباب الأول.
قلت: أرأيت رجلاً حلف لا يبيت عنده رجل فمكث عنده حتى مضى أقل من نصف الليل ثم خرج من عنده؟ قال لا يحنث، وإن مكث عنده أكثر من نصف الليل حنث.
قلت: أرأيت رجلاً قال لامرأته أنت طالق إذا أمسيت ولم أطعم، ولا نية له، قال إن غربت الشمس ولم يطعم حنث ووقع الطلاق.
قلت: أرأيت رجلاً أخذ لقمة ليأكلها وأدخلها في فيه فقال له رجل امرأتي طالق ثلاثاً إن أكلتها وقال آخر امرأتي طالق ثلاثاً إن أخرجتها من فيك، هل يكون في هذا حيلة حتى لا يحنث واحد منهما؟ قال يأكل الذي حُلف عليه بعض اللقمة ويلقي بقيتها ولا يحنث واحد من الحالفين، قلت فإن لم يفعل ولكن إنساناً آخر جاء حتى أخذ اللقمة من في المحلوف عليه فأخرجها فألقاها؟ قال إن ألقاها والمحلوف عليه مطاوع له حنث الذي حلف لا يلقيها من فيه، وإن أخرجها والمحلوف عليه جاهد عليه أن لا يفعل ممتنع بجهده مغلوب على ذلك فلا حنث على واحد من الحالفين.
قلت: أرأيت رجلاً وهب لرجل مالاً ثم قال الواهب امرأتي طالق ثلاثاً إن أنفقت هذا المال الذي وهبته لك إلا على أهلك فأراد الموهوب له أن يقضي ببعض ذلك المال ديناً عليه أو يصل بذلك إلى بعض قرابته أو يحج ببعض ما وهب له، أترى الحالف يحنث في حلفه إن أنفق المحلوف عليه بعض الهبة وقضى ببعضه دينه أو حج؟ قال لا يحنث الحالف حتى تكون الهبة كلها تنفق على غير أهله.
стр. 76
باب المضاربة والخروج منها
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يدفع إلى رجل مالاً مضاربة وأراد صاحب المال أن يكون المضارب ضامناً للمال، كيف الحيلة في ذلك والثقة؟ قال يقرض رب المال المضارب المال كله إلا درهماً ثم يشاركه بذلك الدرهم بجميع ما أقرضه على أن يعملا بالمال جميعاً، فما رزقهما الله من شيء فهو بينهما نصفان أو كيف شاء، فيكون ذلك جائزاً، قلت فإن عمل أحدهما بالمال دون صاحبه بإذن صاحبه؟ قال ذلك جائز والربح بينهما على ما اشترطا عليه من ذلك.
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يدفع إلى رجل مالاً مضاربة وليس عنده إلا متاع، كيف الحيلة في ذلك حتى يجوز المضاربة؟ قال يبيع المتاع من رجل يثق به ويقبض المال فيدفعه إلى المضارب مضاربة فيكون المضارب هو الذي يشتري المتاع الذي باعه رب المتاع من المشتري وينقده الثمن فيكون المتاع بعينه قد دفع إلى المضارب.
قلت: أرأيت إن أراد أن يدفع إليه مالاً مضاربة غير أنه أراد إن توى المال أن يضمن المال المضارب كله، كيف الحيلة في ذلك؟ قال يقرض رب المال المضارب المال كله ثم يدفعه المستقرض إلى رب المال مضاربة بالنصف أو بما شاء ثم يدفعه رب المال إلى المستقرض بضاعة فيكون ذلك جائزاً في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال زفر في هذا الربح كله للذي عمل.
стр. 77
باب الدين والحوالة
قلت: أرأيت الرجل يكون له المال على رجل فأراد المطلوب أن يحيل الطالب على رجل وقال الطالب أنا أخاف أن يتوي إن أحلتني به على هذا الرجل وأنت عندي أوثق، كيف الحيلة في ذلك؟ قال يشهد المطلوب أن الطالب وكيل له في قبض ما له على غريمة فلان ويقر له فلان بالوكالة، قلت أرأيت إن قال المطلوب إني أخاف أن يقبض المال من غريمي ثم يقول قد ضاع قبل أن أنتقده وأقتصه، فيرجع عليَّ بالمال مرة أخرى، كيف الحيلة والثقة في ذلك؟ قال لا يتوكل الطالب للمطلوب ولكن يضمن غريم المطلوب ما على المطلوب للطالب ويجعل كل واحد منهما ضامناً لجميع المال يأخذ أيهما شاء بذلك، قلت أرأيت إن قال المطلوب لا أرضى أن يكفل عني أحد بشيء لأن ذلك إضرار في تجارتي، كيف الحيلة في ذلك؟ قال يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن غريم المطلوب إن لم يواف الطالب بما احتال به عليه إلى كذا وكذا من الأجل فالمطلوب المحيل ضامن هذا المال على حاله، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم، ذلك جائز.
قلت: أرأيت الرجل يكون له على رجل مال من ثمن متاع والمال حال، فأراد المطلوب أن يؤخره الطالب بالمال سنة على أن يؤدي إليه كل شهر كذا شيئاً مسمى فخاف الطالب أن لا يفي بذلك، كيف الحيلة في ذلك؟ قال يشهد أنه قد أخره بالمال الذي عنده كذا وكذا شهر على أن يؤدي إليه كل شهر كذا، فإن أخر نجماً عن محله فجميع المال على المطلوب حال، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم هو جائز على ما وصفت لك.
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يقرض رجلاً مالاً ويرتهن منه بالمال عبداً فخاف المقرض أن يموت العبد في يديه فيتوى ماله، كيف الحيلة في ذلك؟
стр. 78
قال يشتري العبد بالمال الذي يريد أن يقرضه إياه ويشهد أنه لم يقبضه، فإن رد المستقرض المال عليه أقاله البيع، إن أحب، وإن مات العبد مات من مال المستقرض ورجع المقرض عليه بماله، قلت أرأيت إن قال المستقرض أنا أخاف أن أجيئك بالمال وأستقيلك في العبد فلا تقيلني، كيف الحيلة في ذلك؟ قال فليشترط عليه المستقرض أنه يبيعه العبد على أنه بالخيار فيه إلى شهر كذا من سنة كذا، فإن رد إلى المشتري ماله إلى ذلك وإلا فلا خيار له والبيع لازم له، قلت ويجوز هذا؟ قال نعم هو جائز.
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يقرض رجلاً مالاً ويرتهن منه داراً فخاف المرتهن أن يستحق بعض الدار فيبطل الرهن في جميعها، كيف الحيلة؟ قال يشتريها ويجعل له الخيار كما وصفت لك في الباب الأول.
قلت: أرأيت رجلاً له على رجل مال والمطلوب محتاج فأحب الطالب أن يدع له المال فيحتسب بذلك من زكاته، كيف الحيلة حتى يجوز ذلك من زكاته؟ قال يتصدق الطالب على المطلوب بمثل ما له عليه ويدفعه إليه ويحتسب بذلك من الزكاة ثم يقبض الطالب المال مما كان له عليه، قلت ويجزئه ذلك ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى؟ قال نعم.
قلت: أرأيت إن كان للطالب في المال الذي على المطلوب شريك فخاف الطالب أن يشركه فيما قبضه من هذا المطلوب، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم، يهب المطلوب للطالب مالاً بقدر حصة الطالب مما عليه ويقبضه منه الطالب ثم يتصدق الطالب على المطلوب بما وهب له المطلوب ويبرئه مما عليه من الدين، قلت وهذا عندك صحيح يجزئ من الزكاة؟ قال نعم، قلت فهل يضمن الطالب لشريكه شيئاً قال لا، قلت: أرأيت رجلاً له على رجل مال فجحده المطلوب ذلك المال وحلف عليه عند القاضي فوقع للمطلوب عند الطالب مال وديعة أو دين ليس له بينة، أيسع الطالب أن يقبض من ذلك بقدر ما كان له عليه؟ قال نعم، قلت فإن قدمه إلى القاضي فاستحلفه ما أودعك هذا مالاً وما
стр. 79
كان لهذا عندك شيء؟ فحلف على ذلك ونوى بذلك شيئاً آخر، أيسعه ذلك؟ قال نعم، هو في سعة، قال حدثنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال إذا استُحلف وهو مظلوم فاليمين على ما نوى.
قلت: أرأيت إن كان لرجل على رجل مائة دينار من ثمن جاريتين كل جارية بخمسين ديناراً على المطلوب صك بخمسين ديناراً وقد جحد المطلوب الخمسين التي لا صك عليه بها، وأراد الطالب أن يأخذ بجميع المائة دينار، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم، يوكل الطالب رجلاً غريباً لا يعرف بقبض المال من المطلوب ويشهد له على ذلك في العلانية ثم يدعو الوكيل في السر فيشهد عليه من يثق به أنه قد أخرجه من الوكالة ويتغيب الطالب، فإذا تغيب قبض الوكيل المال وقدم الغائب وأقام بينة على إخراجه الوكيل من الوكالة فيأخذ المطلوب بالخمسين ديناراً مرة أخرى، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم، قلت ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى؟ قال نعم.
قلت: أرأيت الرجل يكون له على رجل مال فجحده وأراد المطلوب أن يغيب؟ قال يأخذ منه كفيلاً بنفسه فإن لم يواف مع كفيله فالكفيل وكيل المطلوب في خصومة الطالب ضامن لما ذاب للطالب على المطلوب، قلت أرأيت لو أنه كفل بنفس المطلوب على أنه إن لم يواف به الطالب غداً عند القاضي فالمال الذي يدعيه الطالب وهو كذا وكذا على الكفيل؟ قال هذا جائز أيضاً، قلت أرأيت إن اختلفا فقال الكفيل قد وافيت به فلم تجيء، وقال الطالب بل قد جئت فلم تواف أنت، قال القول قول الطالب والمال للكفيل لازم، قلت أرأيت إن كانت الكفالة على ما وصفت غير أن الكفيل قد اشترط على الطالب إن لم يواف المطلوب فالكفيل على ما وصفت غير أن الكفيل قد اشترط على الطالب إن لم يواف المطلوب فالكفيل برئ ثم اختلفا في الموافاة؟ قال الكفيل ضامن للنفس وهو برئ من المال، قلت فلو لم يكن الأمر على ما وصفت ولكنه كفل بنفسه فإن لم يواف الطالب فالكفيل برئ ثم اختلفا في الموافاة؟ قال القول قول الكفيل، قلت فهل في هذا الباب شيء أوثق للطالب
стр. 80
مما وصفت؟ قال نعم يضمن الكفيل المال الذي يدعيه الطالب على أنه إن وافاه بالمطلوب غدا في مكان القاضي فهو من المال برئ، قلت هذا جائز عندك؟ قال نعم.
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يرتهن نصف دار أو نصف عبد والدار غير مقسومة، كيف الحيلة في ذلك حتى يجوز؟ قال يبيع الراهن من المرتهن نصف داره ويقبضه المرتهن ثم يقيله إياه ولا يدفعه إليه حتى يستوفى منه الثمن، قلت فإن كان عبداً فمات في يدي المشتري؟ قال يبطل عن المستقرض الدين.
قلت أرأيت الذي يكفل بنفس الرجل على أنه إن لم يواف به غدا فهو ضامن للألف التي للطالب على المطلوب فلم يواف؟ قال هو ضامن المال، قلت فهل يبطل غيركم ذلك؟ قال نعم، بعض الفقهاء يبطل ذلك، قلت فما الحيلة في ذلك حتى يجوز في قولكم وقول غيركم؟ قال يشهد عليه أنه ضامن للألف التي على المطلوب على أنه إن وافى به غدا فهو برئ، قلت فيجوز هذا في قول كل أحد؟ قال نعم.
باب الشفعة
قلت: أرأيت الرجل يريد أن يشتري داراً ويخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فكرة أن يمنعه من ذلك فيظلمه، وكره أن يعطيه الدار فيدخل عليه ما يكره، هل عندك في ذلك حيلة؟ قال نعم، يتصدق البائع على المشتري ببيت من الدار بطريقه، ثم يشتري منه ما بقي من الدار فلا يكون للشفيع فيها شفعة، قلت أرأيت إن أحلفه القاضي ما دالست ولا والست؟ قال يحلف وهو صادق، قلت وكيف يصدق وإنما تصدق عليه المشتري؟ قال لأنه إنما فر من أن يظلم الشفيع حقه فصنع ما وصفت، فسألت أبا يوسف عن الرجل يريد أن يشتري الدار بألف درهم فخاف أن يأخذها جارها بالشفعة فاشتراها بألف دينار ثم
стр. 81
أعطاه بالألف دينار ألف درهم؟ قال ذلك جائز، قلت أرأيت إن أحلفه القاضي ما دالست ولا والست قال يحلف وهو صادق، قلت فهل في الشفعة حيلة غير ما وصفت؟ قال نعم، يهب البائع للمشتري الدار بحدودها ويدفعها إليه ويعوضه المشتري ألف درهم، فلا يكون للشفيع فيها شفعة، قلت أرأيت إن جاء الشفيع وقد اشترى المشتري الدار ولم يحتل في الشفعة بشيء فأراد الشفيع أخذ الدار فقال المشتري إن شئت أن أوليك هذا الدار فعلت، فقال الشفيع فإني أحب ذلك، فقال المشتري لست أفعل وقد سلمت إليَّ الدار بطلبتك إليَّ أن أوليك الدار، قال هذا كما قال المشتري وقد سلم الشفيع الشفعة بما طلب أن يوليه وهذا بمنزلة المساومة ولا شفعة في الدار، قلت أرأيت إن لم يقل ذلك للمشتري ولكن المشتري أرسل إلى الشفيع بذلك فقال الشفيع للرسول مثل ما وصفت لك؟ قال هو أيضاً إبطال للشفعة، قلت أرأيت إن كره المشتري الخصومة وأحب أن لا يخاصم جاره، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم يأمر رجلاً فيتولى الصدقة والشرى على ما وصفت لك من الأمر ويوكله الآمر بقبض ما تصدق به عليه فيشتري الوكيل فيقبض ذلك ويعامله ويظهر ذلك الوكيل ويتغيب الآمر ويشهد أن الدار للآمر وأنه لا حق له فيها، قلت فإن جاء الشفيع يطلب من الذي في يده الدار حقه بشفعته؟ قال ليس له ذلك، قلت أرأيت إن كان الشرى صحيحاً ليس فيه صدقة وسلم الشفيع غير أن المشتري خاف أن يبدو له فيطلب الشفعة ويجحد التسليم، هل في ذلك حيلة؟ قال نعم، يبيع الدار من رجل غريب لا يُعرف، ويغيب المشتري ويوكل البائع بالاحتفاظ بها، ويُشهد من يثق به في السر أن الدار للبائع وأن الشرى كان باطلاً، قلت أرأيت إن كان إنما باع الدار بعدما خاصمه الشفيع في شفعته فأقام البينة؟ قال ذلك لا يبطل الشفعة وهو على شفعته يأخذها بها.
وقال أبو يوسف بعد ذلك في رجل اشترى داراً وقبضها ثم باعها هذا المشتري من رجل بينة وقبضها هذا المشتري الثاني ثم دفعها إلى البائع الذي
стр. 82
باعها منه بوكالة بإجارة وأشهد له على ذلك شهوداً وغاب ثم جاء رجل يخاصم هذا البائع الذي في يده الدار في شفعة الدار بالبيع الأول واستحق الدار ببينته؟ قال أجعله خصماً ولا يدفع عنه الخصومة إقامة البينة أنه قد باع، لأني لو قضيت بأن الغائب اشترى وقبض ودفعها بوكالة أو بإجارة كنت قد قضيت على الغائب بالشرى وألزمته ذلك وهو غائب، وهذا قبيح لا يستقيم.
وقال أبو يوسف إن اشترى هذه الدار رجل ثم باعها من رجل وقبضها المشتري ثم وكل بها غير البائع ببينة لم يكن الوكيل خصماً لأحد في شفعة ولا استحقاق ولا غير ذلك.
قلت: أرأيت الرجل يشتري الدار فلا يجب أن تؤخذ منه بالشفعة فوصفت له ما وصفت من الصدقة بالبيت والطريق ويشتري بعد ذلك ما بقي من الدار فخاف أن يستحلف ما دالست ولا والست، فقلت إنه يحلف ولا يضره لأنه صادق إنما فر من الظلم، فصنع ما صنع لذلك فإن أبي أن يجسر على اليمين فهل تجد له حيلة حتى لا يكون عليه يمين ولا تؤخذ منه بالشفعة؟ قال نعم، يشتريها لولد له صغير بضعف ثمن الدار دراهم وينقده بالثمن دنانير يغلي له البائع فيها فلا يكون عليه يمين لأنه لو أراد اليمين وقد قامت البينة على الثمن الذي به اشترى الدار لم أصدقه على إبطال حق ابنه الصغير وقد قامت له البينة على أصل الثمن، قلت أرأيت إن لم يكن له ولد صغير، هل في هذا حيلة؟ قال نعم، يوكله رجل باشتراء هذه الدار بثمن مسمى ثم يشتريها الوكيل بذلك الثمن وهو ضعف ما تساوي ويبيعه بالثمن عروضاً أو يعطيه به دنانير يغلي له فيها البائع، قلت فإذا فعل هذا لم يلزمه يمين؟ قال لا يلزمه اليمين إذا قامت البينة على أن الغائب وكله وأنه اشتراها بهذا الثمن المسمى.
قلت: أرأيت رجلاً ادعى في دار في يد رجل دعوى وهو يعلم أن المدعي مبطل غير أن المدعي أحب أن يستحلفه متعنتاً وليس للمدعي بينة على دعواه فأحب الذي في يده الدار أن لا يكون عليه يمين، هل في هذا حيلة؟ قال
стр. 83
نعم، يقر أن هذه الدار لابن له صغير، فإن كانت للمدعي بينة فهي له وإلا فلا يمين على الأب لأنه لو أقر بها للمدعي بعد إقراره بها لابنه لم يصدق ولم يؤخذ منه الدار بإقراره.
قلت: أرأيت رجلاً أراد أن يشتري داراً من رجل بعشرة آلاف درهم فإن أخذ الشفيع الدار أخذها بعشرين ألف فإذا استحقت لم يرجع المشتري على البائع إلا بعشرة آلاف درهم، هل عندك في ذلك حيلة؟ قال نعم، يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين درهماً وينقده ديناراً بما بقي من العشرين ألف درهم، فإن جاء الشفيع يطلب هذه الدار بشفعته أخذها بعشرين ألف درهم، وإلا فلا سبيل له على الدار، وإن استحق رجل هذه الدار رجع المشتري على البائع بما دفع إليه بالتسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين درهماً ودينار، قلت ولم لا يرجع عليه بعشرين ألف درهم قال لأن البيع حيث استُحق ونُقض انتقض الصرف في الدينار، قلت أرأيت إن لم يستحق هذه الدار ولكن المشتري وجد بها عيباً فأراد ردها على البائع بكم يردها عليه؟ قال بعشرين ألف درهم.
قلت: أرأيت الرجل يشتري الدار لغيره ويكتب في الشرى وقد نقد فلان فلاناً الثمن كله وبرئ إليه منه وافياً من مال فلان الآمر هل يضر هذا البائع؟ قال نعم، أخاف أن يجيء الآمر فيقول أخذت مالي ولم آمر فلاناً أن يشتري شيئاً منك بمالي، فيأخذ منه المال الذي أقر بقبضه من المشتري، قلت فإن ترك المشتري هذا الموضع في كتاب الشرى فكتب وقد نقد فلان فلاناً الثمن كله وافياً ولم يذكر أنه من مال فلان الغائب؟ قال هذا ليس فيه ثقة للغائب، قلت وكذلك إن خاف أن يأخذه المشتري بالنقد فيقول نقدت عنك من مالي فأنا أرجع بذلك عليك؟ قال إذاً يكون للوكيل، قلت كيف الحيلة في هذا حتى لا يكون فيه ضرر على البائع ولا على الآمر بالشرى الغائب؟ قال يكتب: وقد نقد فلان فلاناً الثمن كله وافياً، ولا يكتب من مال من هو، فإذا ختم الشهود
стр. 84
وشهدوا على الشرى وقبض الثمن أقر المشتري بعد ذلك أن ما نقد من الثمن إنما هو من مال الآمر، فهذا عدل بينهم وهو ثقة للغائب الآمر بالشرى والبائع الحاضر إذا شهدت على ذلك الشهود.
قلت: أرأيت لو كان مكان الدينار ثوب أو دار أو عبد أو عرض من العروض أكان ذلك يكون صحيحاً مستقيماً على ما يستقيم في الدينار؟ قال لا، ولكن لو كان مكان الدينار عرض فاستحقت الدار رجع المشتري على البائع بعشرين ألف درهم؛ ألا ترى أن رجلاً لو ادعى أن له على رجل مائة درهم فباعه بذلك ديناراً ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء رد الطالب على المطلوب ديناراً، ولو كان المطلوب باع الطالب بالمائة درهم عرضاً من العروض ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء رجع الطالب على المطلوب بمائة درهم.
باب الصلح في الجنايات
قال: حدثنا قيس بن الربيع عن حماد عن إبراهيم أنه سئل عن رجل شج رجلاً شجة موضحة فطلب إليه فعفا عنه ثم مات بعد ذلك من تلك الشجة؟ قال يضمن الشاج الدية لأنه إنما عفا عن الشجة ولم يعف عن الدية، قال حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة بمثله، وقال حدثنا أبو يوسف إذا عفا عن الشجة ولم يعف عن الدية فهو مثل عفوه عن الشجة وما يحدث فيها، قال أخبرنا هشيم عن عبد الله الكوفي عن الشعبي عن شريح أنه أوَّل في عبد شج رجلاً ثم شجه أخرى آخر فقضى به للأول ثم قضى به للثالث إلا أن الثاني أيضاً.
قلت: أرأيت الرجل يشج الرجل وصالح المشجوج الشاج من الشجة على عرض من العروض ثم مات المشجوج منها؟ قال يبطل الصلح وعلى الضارب الدية في ماله إن كان عمداً، وعلى عاقلته إن كان خطأ، قلت أرأيت
стр. 85
إن كان الضارب إنما صالحه من الشجة وما يحدث فيها على هذا العرض الذي ذكرناه ثم مات المضروب؟ قال إن كان الضرب بحديدة عمداً فالصلح جائز، فإن كان خطأ فعاقلة الضارب يدفع عنه من الدية بقدر قيمة الذي أخذ المشجوج وثلث ما بقي من الدية إن لم يكن للمشجوج مال، قلت ومن أين أفترق الخطأ والعمد؟ قال ألا ترى أن رجلاً لو ضرب رجلاً بحديدة عمداً فعفا المضروب عن الضربة وما يحدث فيها والمضروب مريض أن ذلك جائز لأنه لم يدع له مالاً وإنما ترك له قصاصاً، ولو عفا له عن ضربة خطأ وما يحدث فيها وهو مريض ثم مات لم يجز للعاقلة من ذلك إلا الثلث لأنه إنما ترك له مالاً، قلت أرأيت إن كانت الضربة خطأ فعفا المريض في مرضه عن الضربة وما يحدث فيها وللمريض مال كثير يخرج الدية من الثلث أيجوز ذلك؟ قال نعم، قلت وكذلك لو صالحه الضارب من جنايته وما يحدث فيها على دراهم يسيرة جاز إذا كان له مال؟ قال نعم، قلت أرأيت إن صالحه الضارب على دراهم يسيرة وللمريض مال كثير يخرج الدية من ثلثه ثم مات المضروب من مرضه فقال الورثة لم يدع الميت مالاً وقد حاباك وترك لك ما لا يجوز تركه لك؟ قال القول قول الورثة، ويرجعون على عاقلة الضارب بثلثي الدية بعدما رفع من ذلك ما أخذ الميت في الصلح، قلت وكيف الثقة للضارب حتى لا يكون لورثة الميت عليه شيء بعد الموت في قليل ولا في كثير من الدية؟ قال يصالح الضارب المضروب على ما ذكرت في السر ثم يشهد المضروب على نفسه بإقراره أن فلاناً لم يضربه هذه الضربة التي به وأن غيره هو الضارب، فإن أشهد بذلك على نفسه ثم مات لم يكن للورثة أن يبطلوا شيئاً من هذه المقالة ولا يقبل قولهم ولا بينتهم على هذا الرجل أنه قاتله لأن المريض قد كذب في حياته هذه البينة، قلت وكذلك لو ادعى رجل مالاً فصالح المطلوب الطالب من المال الذي ادعاه وله البينة به على دراهم يسيرة في مرض الطالب وأشهد المطلوب على إقرار الطالب بأنه لم يكن له على هذا المطلوب شيء قط جاز
стр. 86
ذلك في القضاء ولم يكن لورثة الطالب على المطلوب حجة ولا سبيل بعد الموت ولا يقبل لهم بينة؟ قال نعم.
قلت: أرأيت رجلاً اشترى من رجل جارية وقبضها المشتري فوجد بها عيباً ولم ينقد الثمن فصالح البائع من العيب على أن قبل جاريته بأقل من الثمن الذي باعها به وقد أقر أن العيب كأن لم يحدث؟ قال لا يجوز ذلك، قلت أرأيت إن كان قد حدث بالجارية عند المشتري عيب؟ قال ذلك إذاً جائز، ألا ترى أن للبائع إذا حدث بالجارية عند المشتري عيب أن يشتريها بأقل من الثمن الذي باعها به وإن كان لم يقبض الثمن، فكذلك الصلح، قلت أرأيت إن كانت الجارية قد خرجت من يد المشتري ثم وجد بالجارية عيباً فصالح الذي في يديه الجارية الذي باع الجارية على أن قبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به منه على أن يجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء من ما له على مشتري الجارية منه؟ قال ذلك جائز، ألا ترى لو أن رجلاً اشترى جارية بمائة دينار نسيئة فوهبها المشتري بعدما قبضها لرجل كان للبائع أن يشتري الجارية بخمسين ديناراً نقداً من الموهوب له، فكذلك الصلح يجوز فيما يجوز البيع فيه.
قلت: هذا آخر كتاب الحيل الذي يسمى المخارج عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ﵀.
стр. 87
من كتاب المبسوط
لشمس الأئمة/
أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل
السرخسي
المحتوى على كتب ظاهر الرواية
للإمام محمد بن الحسن الشيباني
стр. 88
قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، ﵀ إملاء:
اختلف الناس في كتاب الحيل أنه من تصنيف محمد، ﵀ أم لا، كان أبو سليمان الجوزجاني ﵀ ينكر ذلك ويقول: من قال إن محمداً ﵀ صنَّف كتاباً سماه الحيل فلا تصدقه، وما في أيدي الناس فإنما جمعه ورَّاقوا بغداد، وقال إن الجهال ينسبون علماءنا، ﵏، إلى ذلك على سبيل التعيير، فكيف نظن بمحمد ﵀ الله أنه سمى شيئاً من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عوناً للجهال على ما يتقولون.
وأما أبو حفص ﵀ فكان قول هو من تصنيف محمد ﵀، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأصح، فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الآثام جائز عند جمهور العلماء، ﵏، وإنما كره ذلك بعض المتقشفة لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسنة.
والدليل على جوازه من الكتاب قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث) هذا تعليم المخرج لأيوب ﵇ عن يمينه التي حلف ليضربن زوجته مائة، فإنه حين قالت له لو ذبحت عناقاً باسم الشيطان في قصة طويلة أوردها أهل التفسير، ﵏.
وقال الله تعالى: (ولما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه) إلى قوله : (ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف) وكان هذا حيلة لإمساك أخيه عنده على وجهٍ لا يقف إخوته على مقصوده.
وقال الله ﷻ حكاية عن موسى ﵇: (ستجدني إن شاء الله صابراً) ولم يعاتب على ذلك لأنه قيد سلامته بالاستثناء، وهو مخرج صحيح، قال الله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا* إلا أن يشاء الله).
стр. 89
وأما السنة فما روى أن رسول الله ﷺ قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة: فلعلنا أمرناهم بذلك، فلما قال له عمر ﵁ في ذلك قال ﷺ : "الحرب خدعة" وكان ذلك منه اكتساب حيلة ومخرج من الإثم بتقييد الكلام بـ"لعل" ولما أتاه رجل وأخبره أنه حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أن لا يكلم أخاه قال له طلقها واحدة فإذا انقضت عدتها فكلم أخاك ثم تزوجها، وهذا تعليم الحيلة، والآثار فيه كثيرة.
ومن تأمل أحكام الشرع وجد المعاملات كلها بهذه الصفة، فإن من أحب امرأة إذا سأل فقال ما الحيلة لي حتى أصل إليها؟ يقال له تزوجها، وإذا هوى جارية فقال ما الحيلة لي حتى أصل إليها؟ يقال له اشترها، وإذا كره صحبة امرأته فقال ما الحيلة لي في التخلص منها؟ قيل له طلقها، وبعدما طلقها إذا ندم وسأل الحيلة في ذلك قيل له راجعها، وبعدما طلقها ثلاثاً إذا تابت من سوء خُلقها وطلبا حيلة قيل لهما الحيلة في ذلك قيل له راجعها، وبعدما طلقها ثلاثاً إذا تابت من سوء خُلقها وطلبا حيلة قيل لهما الحيلة في ذلك أن تتزوج بزوج آخر ويدخل بها.
فمن كره الحيل في الأحكام فإنما يكره في الحقيقة أحكام الشرع، وإنما يقع مثل هذا الاشتباه من قلة التأمل، فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره من ذلك أن يحتال في حقٍّ لرجل حتى يبطله، أو في باطل حتى يموهه، أو في حق يدخل فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولاً فلا بأس به، لأن الله تعالى قال: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ففي النوع الأول معنى التعاون على البر والتقوى، وفي النوع الثاني معنى التعاون على الإثم والعدوان.
إذا عرفنا هذا فنقول: بدأ الكتاب بحديث عبد الله بن بريدة ﵁ قال سئل رسول الله ﷺ عن آية من كتاب الله تعالى فقال ﷺ للسائل لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها، فقام رسول الله ﷺ فلما أخرج إحدى رجليه من
стр. 90
المسجد أخبره بالآية قبل أن يخرج الرجل الأخرى، وأهل الحديث ﵏ يروون هذا الحديث على وجه آخر، فإنهم يروون عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يصلي في المسجد إذ دخل رسول الله ﷺ فدغاه، فلما فرغ من صلاته جاء فقال ﷺ : ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ أما تدري قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ... ) قال كنت في الصلاة يا رسول الله، عليك السلام، فقال ﷺ ألا أنبئك بسورة أُنزلت عليَّ ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها، فقلت نعم، فقال ﷺ لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها، ثم شغله وفد عني، فلما قام النبي ﷺ ليخرج جعلت أمشي معه وأقول في نفسي لعله نسي يمينه، فلما أخرج إحدى رجليه قلت السورة التي وعدتني يا رسول الله، فقال ماذا تقرأ في صلاتك؟ قلت أم الكتاب، قال ﷺ ، نعم، إنها هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت، ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها.
وفائدة الحديث أنه ﷺ أخبره بعد إخراج إحدى الرجلين للتحرز عن خلف الوعد، فإن الوعد من الأنبياء ﵈ كالعهد من غيرهم، وللتحرز عن الحنث على ما أشار إليه في حديث أُبَيٍّ ﵁ من قوله لعله نسي يمينه، ففيه إشارة إلى أنه كان حلف له.
وفيه دليل على أنه لا يصير خارجاً بإخراج إحدى الرجلين ولا داخلاً بإدخال إحدى الرجلين، ولهذا قال علماؤنا، ﵏: من حلف على زوجته أن لا تخرج من الدار فأخرجت إحدى رجليها لم يحنث في يمينه، وهذا لأن الخروج انتقال من الداخل إلى الخارج ولا يحصل ذلك بإخراج إحدى القدمين، وقد بيَّنا وجوه هذه المسألة في كتاب الأيمان.
ثم مراد رسول الله ﷺ من تفضيل آية أو سورة على غيرها هو الثواب عند التلاوة، فإن القرآن كله كلام الله تعالى غير مُحدث ولا مخلوق ولا تفاوت بين السور والآي في هذا، ولكن يجوز أن يقال: إن القارئ ينال من الثواب
стр. 91
على قراءة سورة ما لا يناله على قراءة سورة أخرى، بيانه أنه بقراءة سورة الإخلاص يستحق من الثواب ما لا يستحق من الثواب ما لا يستحق بقراءة سورة تبت من حيث إن في قراءة سورة الإخلاص قراءة القرآن والإقرار بوحدانية الله تعالى والثناء على الله تعالى بما هو أهله، وفي قراءة سورة تبت قراءة القرآن ولكن ليس فيها ما بينا من المعاني الأخر.
وما نقل في هذا الباب من الآثار من نحو ما روى أن من قرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات فكأنما ختم القرآن، وأن من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن، تأويله ما بيَّنا.
وأيد ما قلنا اتفاق العلماء ﵏ على تعيين الفاتحة للقراءة في كل صلاة عند بعضهم واجباً وعند بعضهم فرضاً.
وذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في معاريض الكلام ما يغني المسلم عن الكذب.
وفيه دليل على أنه لا بأس باستعمال المعاريض للتحرز عن الكذب، فإن الكذب حرام لا رخصة فيه، والذي تروى بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ أن رسول الله ﷺ رخص في الكذب في ثلاثة مواضع: في الرجل يصلح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب، تأويله في استعمال معاريض الكلام، فإن صريح الكذب لا يحل هنا كما لا يحل في غيره من المواضع.
والذي يروى أن الخليل ﵇ كذب ثلاث كذبات، إن صح، فتأويله هذا أنه ذكر كلاماً عرَّض فيه ما خفي على السامع مراده وأضمر في لفظه خلاف ما أظهره.
فأما الكذب المحض من جملة الكبائر، والأنبياء ﵈ كانوا معصومين عن ذلك، ومن جوَّز عليهم الكذب فقد أبطل الشرائع لأنه علم ذلك بأخبارهم، وإذا جاز عليهم الكذب في خبر واحد جاز في جميع ما
стр. 92
أخبروا به، وبطلان هذا القول لا يخفى على ذي لب، فعرفنا أن المراد استعمال المعاريض.
وقال ابن عباس ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم، فإنما يريد به أن بمعاريض الكلام يتخلص المرء من الإثم ويحصل مقصوده، فهو خير من حمر النعم.
والأصل في جواز المعاريض قوله تعالى (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) الآية، فقد جوَّز الله تعالى المعاريض ونهى عن التصريح بالخطبة بقوله (ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً).
ثم بيان استعمال المعاريض من أوجه:
أحدها: أني قيد المتكلم كلامه بـ"لعل وعسى" كما قال ﷺ "فلعلنا أمرناهم بذلك" ولم يكن أمر به، ولم يكن ذلك كذباً منه لتقييد كلامه بـ"لعل".
والثاني: أنه يضمر في لفظه معنى سوى ما يظهره ويفهمه السامع من كلامه، وبيانه ٨ فيما روي أن النبي ﷺ قال لتلك العجوز "إن الجنة لا يدخلها العجائز" فجعلت تبكي فقال لها رسول الله ﷺ أهل الجنة جرد مرد مكحلون؛ أخبرها بلفظ أضمر فيه سوى ما فهمت من كلامه، فدل أن ذلك لا بأس به.
ومن ذلك ما روي عن عبيدة السلماني ﵁ قال خطب علي ﵁ فقال: والله ما قتلت عثمان ولا كرهت قتله وما أمرت ولا نهيت، فدخل عليه بعض من الله أعلم بحاله فقال له في ذلك قولاً، فلما كان في مقام آخر قال من كان سائلي عن قتل عثمان ﵁ فالله قتله وأنا معه.
قال ابن سيرين، ﵀: هذه كلمة قرشية ذات وجوه:
أما قوله ما قتلت عثمان ﵁ فهو صدق حقيقة، ولا كرهت قتله، أي: كان قتله بقضاء الله تعالى ونال درجة الشهادة، فما كرهت له هذه الدرجة ولا
стр. 93
كرهت قضاء الله وقدره، وأما قوله فالله قتله وأنا معه، أي: وأنا معه مقتول أُقتل كما قُتل عثمان ﵁، فقد كان رسول الله ﷺ أخبره بأنه يستشهد بقوله وإن أشقى الأولين والآخرين من خضب بدمك هذه من هذه وأشار إلى عنقه ولحيته، وقد كان علي ﵁ ابتلي بصحبة قوم على همم متفرقة، فقد كان يحتاج إلى أن يتكلم بمثل هذا الكلام الموجه.
ومنه ما يروى عن سويد بن غفلة أن علياً لما قتل الزنادقة نظر إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ثم قال صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته فأكثر الناس في ذلك، فدخلت عليه فقلت يا أمير المؤمنين ماذا فنيت به الشيعة منذ اليوم، أرأيت نظرك إلى الأرض ثم رفعك الرأس إلى السماء ثم قولك صدق الله ورسوله، أشيء عهد إليك رسول الله ﷺ أم شيء رأيته؟ فقال عليٌّ: هل عليَّ من بأس أن أنظر إلى الأرض؟ فقلت لا، فقال وهل عليَّ من بأس أن أنظر إلى السماء؟ فقلت لا، فقال هل عليَّ من بأس أن أقول صدق الله ورسوله؟ فقلت لا، فقال فإني رجل مكايد.
وإنما أشار إلى المعنى الذي بيَّنا أنه يحتاج إلى الوقوف على ما يضمره كل فريق من أصحابه وكان يتصنع مثل هذا الكلام ويتكلم بكلام موجه لذلك.
ومنه ما روي أنه كان إذا دخله ريبة من كل فريق جعل يمسح جبينه ويقول ما كَذبت ولا كُذبت، يوهمهم أن رسول الله ﷺ أخبره بحالهم فيظهرون له ما في باطنهم.
ومن ذلك ما روي عن علي ﵁ قال والله لا أغسل شعري حتى أفتح مصر وأترك البصرة كجوف حمار ميت وأعرك أذن عمار عرك الأديم وأسوق العرب بعصاي، فذكروا لابن مسعود ﵁ ذلك فقال إن علياً يتكلم بكلام لا يصدر مصادره هامة عليَّ مثل الطشت لا شعر عليها فأي شعر يغسله.
فبهذه يتبين أن الكبار من الصحابة ﵃ كانوا يستعملون معاريض الكلام في حوائجهم وكذلك من بعدهم من التابعين، ﵏، على ما يحكى عن
стр. 94
رجل قال كنت عند إبراهيم ﵀ وامرأته تعاتبه في جاريته وبيده مروحة، فقال أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال علي ماذا شهدتم؟ قلنا شهدنا على أنك جعلت الجارية لها، فقال أما رأيتموني أشير إلى المروحة، إنما قلت لكم اشهدوا أنها لها وأنا أعني المروحة التي كنت أشير إليها.
وكانوا يعلمون غيرهم ذلك أيضاً على ما ذكر في الكتاب عن إبراهيم ﵀ في رجل أخذه رجل فقال إن لي معك حقاً، قال لا، فقال احلف لي بالمشي إلى بيت الله تعالى، فقال احلف وأعن مسجد حيك.
وإنما يحمل هذا على أن إبراهيم ﵀ علم أن المدعي مبطل وأن المدعى عليه برئ، فعلمه الحيلة وهي أن يحلف بالمشي إلى بيت الله تعالى يعني مسجد حيه فإن المساجد كلها بيوت الله تعالى أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه قال (وأن المساجد لله) ولكن فيه بعض الشبهة فإنه إن كان الرجل بريئاً عن الحق ما كان يلزمه شيء لو حلف بالمشي إلى بيت الله من غير هذه النية، وإن لم يكن بريئاً ما كان له أن يمنع الحق ولا كان يحل لإبراهيم أن يعلمه هذا ليمنع به الحق ولا كان ينفعه هذه النية، فإن الحالف إن كان ظالماً فاليمين على نية من يستخلفه لا على نية الحالف ولا يعتبر نيته عل ما نبينه، ففيه هذا النوع من الشبهة.
وعن إبراهيم ﵀ أن رجلاً قال له إن فلاناً أمرني أن آتي مكان كذا وأنا لا أقدر على ذلك فكيف الحيلة لي؟ فقال قل والله لا أبصر إلا ما بصرني غيري، وفي رواية إلا ما سددني غيري، يعني إلا ما بصرك ربك- فيقع عند السامع أن في بصره ضعفاً يمنعه من أن يأتيه في الوقت الذي يطلب منه فلا يستوحش بامتناعه، وهو يضمر في نفسه معنى صحيحاً فلا تكون يمينه كاذبة، وبيانه فيما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من كمال العقل مؤاتاة الناس فيما لا إثم فيه".
وذكر عن ابن سيرين ﵀ قال كان رجل من باهلة عيوناً فرأى بغلة
стр. 95
لشريح، ﵀، فأعجبته فقال له شريح: أما إنها إذا ربضت لم تقم حتى تقام، أي إن الله هو الذي يقيمها بقدرته، فقال الرجل أف أف.
وفي هذا الحديث زيادة فإن الرجل لما أبصر البغلة فأعجبته ربضت من ساعتها فقال شريح ما قال، فلما قال الرجل أف أف قامت؛ وفي هذا دليل [على] أن العين حق، وقد كان رسول الله ﷺ يتعوذ من عين السوء، ومنه يقال إن العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر، فأراد شريح أن يرد عينه بأن يحقرها في عينه وقال ما قال وأضمر فيه معنى صحيحاً وهو أن الله تعالى يقيمها بقدرته.
وذكر عن النزال بن سبرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان ﵄ على أشياء بالله ما قالها وقد سمعناه يقولها فقلنا له يا أبا عبد الله سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها. وقد سمعناك قلتها، فقال إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله.
وإن حذيفة ﵁ من كبار الصحابة وكان بينه وبين عثمان ﵁ بعض المداراة فكان يستعمل معاريض الكلام فيما يخبره به ويحلف له عليه، فلما أشكل ذلك على السامع سأله عن ذلك فقال إني أشتري ديني بعضه ببعض، يعني أستعمل معاريض الكلام على سبيل المداراة، وكأنه كان يحلف ما قلتها ويعني ما قلتها في هذا المكان أو في شهر كذا أو يعني "الذي" فإن "ما" قد تكون بمعنى "الذي" فهذا ونحوه من باب استعمال المعاريض.
وبيانه فيما ذكر عن إبراهيم ﵀ قال له رجل إني أنال من رجل شيئاً فيبلغه عنه فكيف أعتذر منه؟ فقال له إبراهيم: قل والله إن الله ليعلم ما قلت لك من ذلك من شيء، أي أضمر في قلبك "الذي" معناه إن الله ليعلم الذي قلت لك من حقك من شيء.
وعن عقبة بن أبي العيزار، ﵀، قال كنا نأتي إبراهيم ﵀ وهو خائف من الحجاج فكنا إذا خرجنا من عنده يقول لنا إن سئلتم عني
стр. 96
وحلفتم فاحلفوا بالله ما تدرون أين أنا ولا لكم علم بمكاني ولا في أي موضع أنا، واعنوا أنكم لا تدرون في أي موضع أنا فيه قاعد أو قائم فتكونون قد صدقتم.
وأتاه رجل فقال إني في الديوان وإني اعترضت على دابة وقد نفقت وهم يريدون أن يحلفوني أنها الدابة التي اعترضت عليها فكيف أحلف؟ فقال اركب دابة واعترض عليها على بطنك راكباً ثم احلف لهم إنها الدابة التي اعترضت عليها، فيفهمون العرض وأنت تعني اعترضت عليها على بطنك.
ويحكى عن إبراهيم ﵀ أنه كان استأذن عليه رجل وهو لا يرد أن يأذن له فركب وسادة أو دار فرش التخت وقال لجاريته قولي إن الشيخ قد ركب، وربما يقول لها اضربي قدمك على الأرض وقولي ليس الشيخ هنا، أي تحت قدمي.
وعن ابن عمر ﵄ أنه قال لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً، ومراده بهذا المبالغة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى، فقد قال رسول الله ﷺ "من حلف بغير الله فكفارته أن يقول لا إله إلا الله" وقال ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت" فالحلف بغير الله منهي عنه سواء كان كاذباً أو صادقاً، وليس مراده الرخصة في الحلف بالله كاذباً، فإن الكذب حرام من غير أن يؤكده باليمين فكيف يرخص فيه مع التأكيد باليمين، وقد أوله بعضهم على أن الحالف بالله وإن كان كاذباً في خبره فهو معظم اسم الله تعالى في حلفه، ويروون فيه حديثاً عن رجل من بني إسرائيل أنه حلف بالله الذي لا إله إلا هو، وكان كاذباً في يمينه، فنزل الوحي على نبي الذلك الزمان أنه غفر له ذلك بتوحيده، ولكن الأول أصح.
وذكر عن إبراهيم ﵀ قال: اليمين على نية الحالف إذا كان مظلوماً وإذا كان ظالماً فعلى نية المستحلف.
وبه نأخذ فنقول المظلوم يتمكن من دفع الظلم عن نفسه بما تيسر له شرعاً
стр. 97
وإنما يحلف ليدفع الظلم عن نفسه فتعتبر نيته في ذلك، والظالم مأمور شرعاً بالكف عن الظلم وإيصال الحق إلى المستحق فلا تعتبر نيته في اليمين، وإنما تعتبر نية المستحلف، وهذا لأن المدعي إذا كان محقاً فاليمين مشروعة لحقه حتى يمتنع الظالم عن اليمين لحقه فيخرج من حقه أو يهلك إن حلف كاذباً كما أهلك حقه، فيكون إهلاكاً بمقابلة إهلاك بمنزلة القاص، وإنما يتحقق هذا إذا اعتبرنا نية المستحلف.
فأما إذا كان الحالف مظلوماً فاليمين مشروعة لحقه، وهو رجحان جانب الصدق في حقه وانقطاع منازعة المدعي معه بغير حجة فتعتبر نية الحالف في ذلك، ولهذا يعتبر في اليمين علمه أيضاً على ما روي عن الشعبي ﵀ قال من حلف على يمين ولا يستثنى فالإثم والبر فيهما على علمه يعني إذا حلف، وعنده أن الأمر كما حلف عليه ثم تبين خلافه لم يكن آثماً في يمينه، وهو تفسير يمين اللغو عندنا لأنه ما كان ظالماً حين كان لا يعلم خلاف ما هو عليه فاعتبر ما عنده، وإذا كان يعلم خلاف ذلك فهو ظالم في يمينه فيكون إثماً ويعتبر فيه أم عند صاحب الحق، والله أعلم.
باب الإجارة
رجل استأجر من رجل داراً سنين معلومة فخاف المستأجر أن يعذر له رب الدار فليسم لكل سنة من أول هذه السنين أجراً قليلاً ويجعل للسنة الأخيرة أجراً كبيراً.
ومعنى هذا أن المستأجر خاف أن تُنْقَضَ الإجارة بينهما قبل انتهاء مدة الإجارة بموت رب الدار أو بأن يلحقه دين فادح أو بغير ذلك من أنواع العذر، وقد لا يكون مقصوده إلا السكنى في آخر المدة، فالحيلة ما ذكر وهو أن يجعل الأجر للسنين المتقدمة شيئاً قليلاً حتى إذا انفسخ العقد قبل حصول مقصوده لا يلزمه من الأجر ما يتضرر به ويمنع رب الدار من الفسخ للعذر كيلا
стр. 98
يفوته معظم الأجر بالسكنى في السنة الأخيرة، والأحوط أن يجعل العقد في صفقتين لأنه إذا جعل الكل صفقة واحدة وفرق التسمية فربما يذهب بعض القضاة إلى رأي ابن أبي ليلى، ﵀، ويوزع المسمى على جميع المدة بالحصة، فلا ينظر إلى تفريق التسمية مع اتخاذ الصفقة وعند اختلاف الصفقة يأمن من ذلك، وعلى هذا لو أراد المستأجر أن ينفق على الدار في مرمتها وخاف أن لا يرد عليه ذلك رب الدار إن انفسخ العقد فإنه ينبغي له أن ينظر إلى مقدار ما يريد أن ينفقه فيضم ذلك إلى أجر الدار في السنة الأخيرة ويقر رب الدار أني استسلفت منه هذا المقدار من أجر السنة الأخيرة حتى إذا انفسخ العقد رجع عليه بما أقر أنه استسلفه من ذلك، وإن خاف أن يحلفه رب الدار أنه سلم إليه شيئاً، كما هو رأي بعض القضاة، فإنه ينبغي أن يبيع منه شيئاً بذلك القدر، حتى إذا حلف لم يكن كاذباً في يمينه، فإن كان رب الدار هو الذي يخاف أن يسكن المستأجر بعض السنين ويعذر له بعد ذلك أي يفسخ العقد بعد فالسبيل أن يجعل أكثر الأجرة للسنة الأولى حتى لا يفسخ المستأجر بعد مضيها العقد في بقية المدة لأنه قد لزمه أكثر الأجرة وإن انفسخ العقد لم يتضرر به صاحب الدار، وإن خاف أن يغيب المستأجر ويمتنع أهله من رد الدار إليه إذا طلبه لوقته فينبغي أن يؤاجرها من أهله ويضمن له الزوج ردها إليه للوقت الذي يسميه فيؤخذ به حينئذٍ على الشرط، لأنه إذا آجرها من الأهل فعليه ردها عند انتهاء المدة ويصير الزوج ملتزماً ردها بالضمان أيضاً فيطالبه به عند انتهاء المدة.
قال وفي هذا بعض الشبهة فإنه ليس على المستأجر رد الدار إنما عليه أن لا يمنع الآجر إذا جاء ليأخذها، ومثل هذا لا تصح الكفالة به بمنزلة الكفالة برد الوديعة على المودع، وهذا لأن الكفالة إنما تصح بما هو مضمون على الأصيل والرد غير مضمون على المستأجر فكيف تصح الكفالة به إلا أن يقر الزوج أنه ضامن له تسليم الدار إليه في وقت كذا بحق لازم صحيح فيكون
стр. 99
مؤاخذاً بإقراره، ولكن هذا كذب لا رخصة فيه، فالأحوط أن يأخذ الزوج الدار منها بغير رضاها على طريق الاستيلاء ليصير به ضامناً رد الدار عليها في المدة، وعلى مالك الدار بعد مضي المدة، ويقر بذلك بين يدي الشهود فيكون لرب الدار أن يطالبه بتسليم الدار إليه بعد انتهاء المدة.
وفيه وجه آخر وهو أن يؤاجر الدار من المستأجر ثم إن المستأجر يوكل رب الدار في الخصومة مع أهله لاسترداد الدار منهم على أنه كلما عزله فهو وكيل به، فإذا غاب المستأجر كان له أن يطالب أهل المستأجر برد الدار عليه بحكم وكالة المستأجر في وقته، وإن كان المستأجر غير مليء بالأجر فينبغي للآجر أن يأخذ منه كفيلاً بأجر الدار ما سكنها أبداً ويسمى أجر كل شهر للضامن، فتكون هذه كفالة بمال معلوم، وهو مضاف إلى سبب الوجوب فيكون صحيحاً ويأخذ الكفيل بها إذا تعذر استيفاؤها من المستأجر للإفلاس، ودين الأجرة كسائر الديون، فكما أن طريق التوثق في سائر الديون الكفالة فكذلك في الأجرة.
رجل استأجر داراً لا بناء فيها فأذن له رب الدار أن يبنيها ويحسب له رب الدار ما أنفق في البناء من الأجر ما بينه وبين كذا وكذا درهماً فهو جائز.
قيل: هذا الجواب بناء على قولهما، فأما عند أبي حنيفة ﵀ فلا يجوز، لأن الأجر دين على المستأجر، فإنما أمره أن يشتري له الآلات بالدين الذي له عليه، وأبو حنيفة ﵀ لا يجوِّز هذه الوكالة على ما قال في البيوع إذا قال صاحب الدين للمديون أسلم ما لي عليك في الطعام أو اشتر بما لي عليك عبداً.
والأصح أن هذا قولهم جميعاً لأنه أمره بالصرف إلى محل معلوم وهو بناء الدار وهو نظير ما قال في الإجارات إذا أمر صاحب الحمام المستأجر بمرمة الحمام ببعض الأجرة أو استأجر دابة وغلاماً إلى مكان معلوم وأمره بأن ينفق بعض الأجرة في علف الدابة ونفقة الغلام فإن ذلك جائز فهذا مثله.
стр. 100
وإن اختلفا في مقدار ما أنفق فالقول قول رب الدار، لأن المستأجر يدعي صرف الزيادة إلى البناء فيما أنفق ورب الدار ينكر، فالقول قوله مع يمينه، ألا ترى أنه لو ادعى تسليم ذلك إلى رب الدار وأنكره رب الدار كان القول قوله، وكذلك إن كان رب الدار أشهد أن المستأجر مصدق على ما يقول أنه أنفقه فليس ذلك بشيء والقول قول رب الدار، لأنه أشهد على ما هو مخالف لحكم الشرع، فإن الأجر دين مضمون له في ذمة المستأجر، وإنما يقبل قول الأمين في الشرع ولا يقبل قول الضامن، فإذا أشهد على تصديق الضامن كان الإشهاد باطلاً، والقول قول رب الدار، ألا ترى أنه لو أشهد عند الإجارة أن المستأجر مصدق فيما يدعي إنفاقه من الأجرة لم يصدق في ذلك، وكذلك لو جحد أن يكون بنى فيها وقال دفعتها إليه وهذا البناء فيها فالقول قوله، لأنه منكر استيفاء شيء من الأجر، والبناء تبع للأصل، فاتفاقهما على أن الأصل ملك له لا من جهة المستأجر يكون دليلاً على أن البناء له لا من جهة المستأجر أيضاً، فإذا ادعى المستأجر أنه هو الذي بنى هذا البناء كان عليه أن يثبت ما ادعاه بالبينة، فإن أراد المستأجر أن يصدق في النفقة عجل له من الأجر بقدر النفقة وأشهد عليه بقبضه ثم يدفعه رب الدار إليه ويوكله بالنفقة على داره، فيكون القول قول المستأجر حينئذٍ في نفقة مثله، وفي الهلاك إذا ادعاه لأن بالتعجيل ملك الأجر المقبوض وبرئت ذمة المستأجر عنه، ثم إذا رده عليه لينفقه في داره كان أميناً في ذلك والقول قول الأمين في المحتمل مع اليمين كالمودع عنده يدعي رد الوديعة أو هلاكها، ألا ترى أنه إنما يصدق في نفقة مثله لأن الظاهر يكذبه في ذلك المقدار، وفيما زاد على ذلك يكذبه فلا يُقبل قوله إلا بحجة، كالوصي يدعي الإنفاق على اليتيم من ماله يصدق في نفقة مثله ولا في الزيادة على ذلك.
وإذا خاف رب الدار أن يتعبه المستأجر في رد الدار بعد مضي مدة الإجارة آجرها منه سنة من يومه على أن أجرها كل يوم بعد مضي السنة دينار فيجوز
стр. 101
العقد على هذا الوجه، لأن العقد بعد مضي السنة يكون مضافاً إلى وقت في المستقبل وإضافة الإجارة إلى وقت في المستقبل صحيح، فبعد مضي السنة لا يمتنع المستأجر من رده الدار مخافة أن يلزمه كل يوم دينار، فإن قال المستأجر أنا لا آمن أن يغيب رب الدار بعد مضي السنة فلا يمكنني أن أردها عليه ويلزمني كل يوم دينار فالحيلة في ذلك أن يجعلا بينهما عدلاً ويستأجر المستأجر الدار من العدل بهذا الصفة، حتى إذا مضت السنة وتغيَّب رب الدار يتمكن المستأجر من ردها على العدل فلا يلزمه الدينار باعتبار كل يوم بعد ذلك، وعلى هذا لو استأجر داراً كل شهر بكذا فلزوم العقد يكون في شهر واحد، فإذا تم الشهر فلكل واحد منهما أن يفسخ العقد في الليلة التي يهل فيها الهلال، وعلى إحدى الروايتين في تلك الليلة ويومها لأن رأس الشهر الداخل الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها ويمضيه قبل الفسخ ليلزم العقد في الشهر الداخل؛ فإذا خاف المستأجر أن يتغيب الآخر في الليلة التي يهل فيها الهلال فالحيلة أن يجعلا بينهما عدلاً حتى يتمكن من فسخ الإجارة مع العدل عند رأس الشهر.
ومن أصحابنا ﵏ من يقول إذا رأى الآجر في وسط الشهر ومن عزمه الفسخ عند مضي الشهر ينبغي أن يقول له إذا جاء رأس الشهر فقد فسخت العقد بيني وبينك، وهذا فاسد لأنه تعليق الفسخ بالشرط وذلك لا يجوز، ولكن ينبغي أن يقول له فسخت الإجارة بيني وبينك رأس الشهر، فتكون هذه إضافة الفسخ إلى وقت في المستقبل ولا يكون تعليقاً بالشرط، وكما تصح إضافة الإجارة إلى وقت في المستقبل وإن كان لا يجوز تعليقاً بالشرط فكذلك يجوز إضافة الفسخ إلى وقت في المستقبل، وهذا يجوز وإن كان لا يجو تعليقه بالشرط.
وإذا اكترى الرجل إبلاً لمتاع له إلى مصر بمائة دينار فإن قصر عنها إلى الرملة فالكراء سبعون ديناراً، فإن قصر عن الرملة إلى أذرعات فالكراء خمسون
стр. 102
ديناراً فالإجارة فاسدة على هذا الشرط لجهالة مقدار المعقود عليه وجهالة الأجر المسمى عند العقد، ولأنه علق البراءة عن بعض الأجر بالشرط، ولو علق البراءة عن جميع الأجر بشرط فيه حظر لم تصح الإجارة، فكذلك إذا علق البراءة عن بعض الأجرة، فإن حمله إلى مصر ففي القياس له أجر المثل لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد وفي الاستحسان تجب المائة الدينار لأن المعنى المفسد قد زال، وهو نظير القياس والاستحسان الذي تقدم في الإجارات أنه لو استأجر دابة للركوب بأجر معلوم أو ثوباً للبس ولم يبين من يركب ومن يلبس كان العقد فاسداً، ولو ركبها أو لبسه حتى مضت المدة وجب المسمى استحساناً لانعدام المفسد وهو الجهالة.
قال والحيلة لهما في ذلك حتى لا يفسد أن يستأجرها إلى أذرعات بخمسين ديناراً ويستأجر من أذرعات إلى الرملة بعشرين ديناراً ويستأجر من الرملة إلى مصر بثلاثين ديناراً، فإذا بلغ أذرعات فإن أراد صاحب المتاع أن لا يذهب إلى الرملة كان ذلك عذراً له في فسخ العقد الثاني والثالث، وإن أراد أن يحمله إلى الرملة فليس لصاحب الإبل أن يمتنع وكذلك من الرملة إلى مصر، وهذا لأن صاحب الإبل عليه تسليم الإبل ولا يلزمه أن يذهب بنفسه ماشياً وإن أبى فلا يكون ذلك عذراً له في فسخ الإجارة، وصاحب المتاع له أن يبيع متاعه بأذرعات ولا يخرج منها إلى الرملة فيكون ذلك عذراً له في فسخ الإجارة.
وإذا أراد الرجل أن يؤاجر أرضاً له فيها زرع لم يكن فيها حيلة إلا خصلة واحدة وهي أن يبيعه الزرع ثم يؤاجره الأرض، لأن شرط جواز عقد الإجارة أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالأرض بعد الإجارة، وإذا باعه الزرع ثم آجره الأرض فهو يتمكن من الانتفاع بها لأنه يرى زرعه فيها، وإذا لم يبيعه الزرع لا يتمكن المستأجر من الانتفاع بها وهي مشغولة بزرع الآخر لا يمكنه التسليم إلا بقلع زرعه، وفيه ضرر بين عليه فلهذا كان العقد فاسداً، وعلى هذا لو كانت
стр. 103
في الأرض أشجار أو بناء فأراد أن يؤاجرها منه ينبغي له أن يبيع الأشجار أو البناء منه أولاً ثم يؤاجره الأرض.
وذكر الطحاوي ﵀ في هذا الفصل أنه يبيع الأشجار بطريقها إلى بابها فإن لم يكن لها باب فإنه ينبغي أن يبين طريقاً معلوماً لها من جانب من جوانب الأرض حتى يصح الشراء ثم يؤاجره الأرض بعد ذلك فيكون صحيحاً، لأن صحة الإجارة تنبني على صحة الشراء، فإذا لم يبين الطريق في الشراء فسد الشراء ولا يملكها قبل القبض ولو قبضها كان الرد مستحقاً عليه لفساد العقد فلا يتمكن من الانتفاع بالأرض ما لم يكن الشراء صحيحاً فشرط ذلك بيان الطريق.
стр. 104
باب الوكالة
رجل وكل رجلاً بأن يشتري جارية له بعينها بكذا درهماً فلما رآها الوكيل أراد أن يشتريها لنفسه فإن اشتراها بمثل ذلك الثمن أو أقل فهو مشترٍ للآمر وإن نوى الشراء لنفسه عند العقد أو صرح به، لأنه ممتثل أمر الموكل فيما باشر من العقد وهو لا يملك عزل نفسه في موافقة أمر الآمر فيكون مشترياً للآمر، وإن اشتراها بأكثر مما سمي له من الثمن أو اشتراها بدنانير كان مشترياً لنفسه لأنه خالف أمر الآمر فلا ينفذ تصرفه عليه، وهو بعد قبول الوكالة تام الولاية في تصرفه على نفسه فيصير مشترياً لنفسه لما تعذر تنفيذه على الآمر، ولا يكون آثماً في ذلك لأن قبول الوكالة لا يلزمه الشراء للآمر لا محالة، ألا ترى أن له أن يفسخ الوكالة وأن يمتنع من الشراء أصلاً، فلا يكون آثماً في اكتسابه هذه الحيلة ليشتريها لنفسه، ولا يقال إن اشترى بأكثر مما سمي له ففي حصة ما سمي له ينبغي أن يكون مشترياً للآمر، لأنه إنما أمره بشراء جميعها بالمسمى من الثمن لا بشراء بعضها، ولأن الوكيل بشراء الجارية لا يملك أن يشتري نصفها للآمر، فإن مقصود الآمر لا يحصل بذلك، فإن كان أمره أن يشتريها له ولم يسم ثمناً فإن اشتراها بأحد النقدين فهو للآمر، وإن نواها لنفسه، وإن اشتراها بمكيل أو موزون بعينه أو بغير عينه أو بعرض بعينه فهو مشتر لنفسه، لأن مطلق التوكيل بالشراء ينصرف إلى الشراء بالنقد فهو مختص بالشراء، فكأنه صرح بذلك لأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص، فإن أمر الوكيل رجلاً آخر أن يشتريها للوكيل الأول، فإن اشتراها بمحضر من الوكيل الأول بالدراهم أو الدنانير كان مشترياً للآمر، لأن فعل الوكيل الثاني بمحضر من الأول كفعل الأول، ألا ترى أن بمطلق التوكيل ينفذ هذا التصرف على الآمر، فإن اشتراها بغير محضر من الوكيل الأول فهو للوكيل الأول دون الآمر لأنه خالف أمر
стр. 105
الآمر، فإن مطلق التوكيل لا يملك الوكيل أن يوكل غيره ليشتريها إلا بمحضر منه، فإذا فعل لا ينفذ شراؤه على الآمر فيكون مخالفاً أمر الموكل في هذا العقد فينفذ عليه خاصة، إلا أن يكون الآمر الأول قال له اعمل فيها برأيك، فحينئذٍ يكون شراء الوكيل الآخر للآمر الأول، لأنه ممتثل أمر الآمر في هذا التوكيل، فإنه متى فوض الأمر إلى رأي الوكيل على العموم يملك أن يوكل غيره، ويكون فعل الوكيل الثاني كفعل الوكيل الأول فينفذ على الآمر إذا اشتراها بالنقد.
ولو كان وكله يبيع جارية بعينها فليس للوكيل أن يبيعها من نفسه، فإن أراد أن يجعلها لنفسه فالحيلة في ذلك أن يطلب من الموكل تفويض الأمر إلى رأيه في بيعها على العموم، ويقول له ما صنعت في ذلك من شيء فهو جائز، فإذا فعل ذلك وكل الوكيل رجلاً آخر يبيعها ثم يشتريها من ذلك الوكيل فيصح ذلك، لأن الوكيل الثاني ليس بوكيل الوكيل الأول ولكنه وكيل صاحب الجارية، فقد قال له صاحبها ما صنعت من شيء فهو جائز، والتوكيل من صنعه، فيصير الثاني بمنزلة ما لو وكله صاحب الجارية ببيعها فينفذ بيعه إياها من الوكيل الأول.
وإن أبى صاحب الجارية أن يفوض الأمر إلى رأيه على العموم فالسبيل له أن يبيعها ممن يثق به ثم يستقيله العقد فتنفذ الإقالة على الوكيل خاصة أو يطلب من المشتري أن يوليه العقد فيها أو يشتريها منه ابتداء، ولا يأثم بذلك بعد أن لا يدع الاستقصاء في ثمنها في البيع ممن يثق به، لأ، صاحبها قد ائتمنه فعليه أن يؤدي الأمانة كما قال ﷺ : "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وأداء الأمانة في أن لا يدع الاستقصاء في ثمنها، فلو اشتراها الوكيل للآمر في مسألة التوكيل بالشراء وقبضها، ثم وجد بها عيباً قبل أن يدفعها إلى الآمر كان له أن يردها بالعيب لتمكنه من ردها بكونها في يده، والوكيل بالعقد في حقوق العقد بمنزلة العاقد لنفسه، فإذا ردها على البائع
стр. 106
بقضاء القاضي انفسخ العقد الأول من الأصل وصار كأن لم يكن، وقد بقي هو على وكالته ما لم يحصل مقصود الآمر.
فلو أراد أن يشتريها لنفسه بعد ذلك فاشتراها وهو عالم بعيبها لم يكن الشراء إلا للآمر لما مر أنه بقي على وكالته ما لم يحصل مقصود الآمر، إلا أنه عالم بعيبها، وهو في الابتداء لو علم بعيبها واشتراها لنفسه كان الشراء للآمر فكذا في المرة الثانية.
والوكيل بالبيع يكون خصماً في الرد بالعيب بمنزلة البائع لنفسه، فإن أراد أن يتحرز من ذلك فالحيلة فيه أن يأمر غيره ليبيعه بحضرته فينفذ ذلك على الآمر عندنا، وخصومة المشتري في الرد بالعيب لا تكون مع الوكيل وإنما تكون مع عاقده، فإن أبى المشتري إلا بأن يضمن الوكيل الأول الدرك فينبغي له أن لا يحرز من ذلك لأن مقصوده حاصل من غير ضمان الدرك، فإن المشتري إذا وجد بالمبيع عيباً فلا خصومة له بالعيب مع الضامن للدرك، وإذا رده بالعيب على البائع لم يكن له أن يرجع بالثمن على الضامن للدرك لأن العيب ليس بدرك.
وإذا خلع الأب ابنته من زوجها بما لها على الزوج من الصداق لم يجز ذلك ولم تطلق البنت، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إلا على قول مالك، ﵀، فإنه يجوز خلع الأب على ابنته الصغيرة، كما يجوز تزويج الأب ابنه الصغير بمال الابن، وقد بيَّنا المسألة في النكاح، فإن في الخلع المرأة تلتزم مالاً بإزاء ما ليس بمتقوم لأنه لا يدخل في ملكها بالخلع شيء متقوم، وليس للأب هذه الولاية على ابنته، صغيرة كانت أو كبيرة، فهو في الخلع كالأجنبي، إلا أن يضمن الدرك للزوج فحينئذٍ ينفذ الخلع على الوجه الذي بيناه في الشروط.
وإذا خاف الوكيل بشراء متاع من بلد من البلدان أن يبعث بالمتاع مع غيره أو يستودع المال غيره فيصير ضامناً فالحيلة له في ذلك أن يستأذن رب المال في
стр. 107
أن يعمل برأيه، فإذا أذن له في العمل برأيه كان له أن يصنع ذلك، وجاز له أن يوكل غيره بالتصرف ويدفع المال إليه، فإن الموكل أجاز صنيعه على العموم والتوكيل من صنيعه فينفذ ذلك على الموكل كأنه باشره بنفسه.
باب في الصلح
رجل له على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة يؤديها إليه في هلال شهر كذا، فإن لم يفعل فعليه مائتا درهم، فذلك جائز عندنا وهو قول أبي يوسف، ﵀، ويبطله غيرنا، يعني شريك وابن أبي ليلى، رحمهما الله، فإنهما كانا يقولان هذا تعليق التزام المال بالخطر، لأنه يقول إن لم يفعل فعليه مائتا درهم، يعني إن لم يؤد المائة في نجمها، ولا يدري أيؤدي أم لا يؤدي، وتعليق التزام المال بالخطر لا يجوز، فالثقة له في ذلك أن يحط رب المال عنه ثمانمائة درهم عاجلاً ثم يصالحه من المائتين على مائة درهم يؤديها إليه ما بينه وبين شهر كذا، على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما على هذا.
وإذا أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فعليه ألف درهم أخرى، فإن هذا لا يجوز، لأنه صفقتان في صفقة، وشرطان في عقد، ولأن فيه تعليق التزام المال بالخطر، وهو أن لا يؤدي الألف في السنة.
وإن أراد الحيلة في ذلك فالحيلة أن يكاتبه على ألفي درهم ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه في سنة، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون العقد صحيحاً على بدل مسمى ويكون الصلح صحيحاً على ما وقع الاتفاق عليه بينهما، لأن عقد الصلح ينبني على التوسع.
ومثل هذا الصلح يصح بين الحرين، فبين المولى ومكاتبه أولى، ولأن مثل هذا الشرط في البيع يصح، فإن لو باع على أنه إن لم يؤد الثمن إلى ثلاثة
стр. 108
أيام فلا بيع بينهما كان جائزاً على هذا الشرط، فلأن يجوز الصلح على هذا الشرط أولى.
رجل مات وترك داراً في يد ابنه وامرأته فادعى رجل أنها له فصالحه الابن والمرأة على مائة درهم من غير إ قرار منهما كانت المائة عليهما أثماناً والدار بينهما أثماناً، لأن الصلح على الإنكار إنما يجوز باعتبار أنه إسقاط من المدعي حقه وخصومته بعوض يلتزمه المصالح، ولهذا جاز مع الأجنبي، وإن كان بغير أمر المدعى عليه، ولو كان فيه تمليك من المدعى عليه لم يجز بغير أمره، فإذا صح أنه إسقاط بقيت الدار بينهما بعد الصلح على ما كانت عليه قبل الدعوى وقد كانت أثماناً، وإذا ثبت أن الدار بينهما على ثمانية ثبت أن المال عليهما يتوزع على ذلك أيضاً، لأن بمطلق قبول العقد إنما يجب المال على من ينتفع، فيجب على كل واحد منهما من المال بقدر ما ينال من المنفعة.
وإن صالحاه بعد إقرارهما بها له وأرادا بالإقرار تصحيح الصلح فالمائة عليهما نصفان والدار بينهما كذلك، لأنهما لما أقرا بها للمدعي ثم صالحاه فكأنهما اشتريا الدار بالمائة، وظهر بإقرارهما أن الدار لم تكن ميراثاً بينهما، وبمطلق الشراء يقع الملك للمشترين في المشتري نصفين ويكون الثمن عليهما نصفين.
فإن أرادا أن يكون بينهما أثماناً فالحيلة في ذلك أن يقرا للمدعي بالدار ثم يصالحانه منها على مائة درهم على أن يكون للمرأة ثمن الدار وللابن سبعة أثمانها، فإذا صرحا بذلك كان الملك في الدار بينهما على ما صرحا به والثمن كذلك، بمنزلة ما لو اشترياها على أن يكون لأحدهما ثمنها وللآخر سبعة أثمانها.
رجل ادعى في دار رجل دعوى فصالحه على مائة ذراع منها فهو جائز، لأن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي ولهذا لو وقع الصلح على دار كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة، وفي زعم المدعي أنه يستوفي من الدار مائة ذراع بملكه القديم لا أني تملكها على ذي اليد ابتداء، فيكون صحيحاً، فإن
стр. 109
صالحه على مائة ذراع من دار أخرى لم يجز في قول أبي حنيفة وجاز عندهما، لأنه يتملك ما وقع عليه الصلح بعوض، فهو بمنزلة من اشترى مائة ذراع من دار، وذلك فاسد عند أبي حنيفة جائز عندهما.
مريض ادعى على رجل مالاً وله به عليه بينة فصالحه منه على دراهم يسيرة وأقر المريض أنه لم يكن له على هذا المطلوب شيء ثم مات جاز إقراره في القضاء ولم يقبل من ورثته بينة على المطلوب بذلك المال، أما إذا لم يقر بذلك فيتمكن في هذا الصلح محاباة وهو يعتبر من ثلث المال، وأما إذا أقر بذلك فإقراره بما يتضمن براءة الأجنبي معتبر بإقراره للأجنبي، وذلك صحيح من جميع ماله، فكذلك إقراره أنه لم يكن له على المطلوب شيء يكون صحيحاً، وبعد صحة الإقرار منه لا تسمع الدعوى من ورثته، لأنهم يقومون مقامه، وهو لو ادعى بعد ذلك مالاً مطلقاً عليه لم تسمع دعواه ولم يقبل بينته، فكذلك الورثة إذا ادعوا ذلك.
رجل له على رجل دين حال فصالحه على أن ينجمه نجوماً عليه وأخذ منه كفيلاً على أن كل واحد منهما ضامن عن صاحبه على أنهما إن أخرا نجماً عن محله فالمال عليهما حال فهو جائز، لأنه إذا أخذ بالمال كفيلاً كان الكفيل مطالباً به كالأصيل، فهذا بمنزلة رجل له على رجلين مال وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فنجمه عليهما نجوماً على أنهما لو أخرا نجماً عن محله فالمال عليهما حالٌّ، وذلك جائز، لأن تنجيم المال عليهما صلح، فقد علق بطلان الصلح بعدم الوفاء بالشرط، وذلك جائز.
فإن كان الطالب إنما أخذ من المطلوب كفيلاً بنفسه على أنه إن لم يواف به عند كل نجم فالكفيل ضامن لجميع المال على النجوم التي سميا، فإن ذلك جائز عندنا، وبعض الفقهاء، ﵏، يبطله، يعني ابن أبي ليلى، فإنه لا يجوِّز تعليق الكفالة بالمال بخطر عدم الموافاة بالنفس، وقد بيَّناه في كتاب الكفالة، فالثقة في ذلك أن يضمن الكفيل المال على أنه برئ من كل نجم
стр. 110
بدفع المطلوب عند محله إلى الطالب، فيجوز ذلك في قول الكل، لأن إيفاء المطلوب يوجب براءة الكفيل، فاشتراط براءته عند إيفاء الكفيل شرط موافق بحكم الشرع فيكون صحيحاً.
رجل صالح غريماً له على أن يؤخره بما عليه على أن يضمن له فلان المال إلى ذلك الأجل، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، والمال حالٌّ عليه، فذلك جائز، ولا آمن أن يبطله بعض الفقهاء، ﵏، يعني به أن يبطله على طريق القياس، فإن الصلح قياس البيع في بعض الأحكام.
وإذا شرط في البيع ضمان رجل بعينه كان ذلك مبطلاً للبيع، فكذلك الصلح، فالثقة في ذلك أن يكون الكفيل حاضراً فيضمنه، لأن على طريق القياس، إنما لا يصح هذا العقد لبقاء الغرر فيه، وهو أنه لا يدرك أيضمن الكفيل المال أو لا يضمن، فإذا ضمنه فقد انعدم معنى الغرور، وإن لم يكن حاضراً فالثقة فيه أن يصالحه على ما ذكرت على أن فلاناً إن ضمن هذا المال ما بينه وبين يوم كذا فالصلح تام، وإلا فلا صلح بينهما، فإذا كان العقد بهذه الصفة كان تمام الصلح بعدما ضمن فلان ولا يبقى غرر إذا ضمن فلان، فالصلح بينهما صحيح.
وإذا كفل بنفس رجل على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فالمال عليه وأخذ الكفيل من المطلوب رهناً لم يجز الرهن، لأن موجب الرهن ثبوت يد الاستيفاء، وما وجب للكفيل على المطلوب مال، فالكفالة بالنفس ليس بمال، والكفالة بالمال متعلقة بعدم الموافاة بالنفس، فكيف يصح الرهن من غير دين له عليه.
فإن أراد الحيلة في ذلك فالوجه أن يبدأ بضمان المال فيقول أنا ضامن لما لك عليه من المال، فإن وافيت به إلى كذا من الأجل فأنا برئ، فإن فعل ذلك جاز له أن يرتهن منه رهناً بما ضمنه، لأنه كما وجب المال للطالب على الكفيل وجب للكفيل على المطلوب، فيجوز أخذ الرهن منه به، ولم يذكر في
следующие страницы →