Полный текст (378 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وفي "آمين" لغتان. "أَمين" على وزن "فعيل"، و"آمين" على وزن "هابيل" و "حاميم".
فأما الذي وزنه "فعيل" فلا إشكال فيه لأنه على وزن يكون عليه أوزان الكلم العربية كثيراً.
وأما الممدود فقال أبو الحسن الأخفش فيه: إنه اسم أعجمي مثل "شاهين". وقال: "فإن سميت به رجلاً لم ينصرف". وقال محمد بن يزيد: "آمين على مثال عاصين".
فأما وجه قول أبي الحسن "إنه أعجمي"، فإنما قال ذلك لأنه وزن لم يجئ عليه شيء من العربي، وإنما جاء في العجمي نحو "هابيل" و "قابيل"، فلما لم يجئ مثاله في العربي، ووجد ما جاء على مثاله غير مصروف في المعرفة، كما أن سائر الأعجمية كذلك، حكم فيه بالعُجمة. فمما جاء على مثاله غير مصروف ما أنشده سيبويه:
стр. 107
يذكرني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقال:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها مني تقي ومعرب
وقال:
أو كتباً بُيِّنًّ من حاميما
стр. 108
وللقائل أن يقول: إنه ليس بأعجمي، وذلك أن الأعجمية لا تخلو من أحد أمين: إما أن تكون اسم جنس نحو "النيروز" و"الفرند" و"اللجام"، أو علماً كـ"إبراهيم" و "إسماعيل" و "إسحاق". فإذا لم يخل العجمي من هذين الضربين، ولم يكن "آمين"، في من مد الألف، على واحد منهما، دل ذلك على أنه ليس بأعجمي؛ ألا ترى أن هذا البناء بعينه في الأعجمية، لم يعد ما جاء منه من أن يكون على هذين النحوين. فما جاء من أسماء الأجناس فنحو "شاهين". وما جاء منه من أسماء الأعلام فنحو "هابيل" و"قابيل"، و"حاميم" من هذا النحو؛ ألا ترى أنه اسم سور مختصة. فأما "آمين" فبمنزلة ما ذكرنا من الأسماء المصوغة للأمر في المواجهة نحو "آفعل"، فكما أن تلك الأسماء الأخر عربية، فكذلك "آمين".
فأما لحاق هذه الألف فيه، وزيادة البناء بها على لفظ "آمين" الذي هو على وزن "فعيل" فلحقت هذه الألف كما لحقت في قول ابن هرمة:
وأنت من الغوائل حين تُرمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح
وإنما هو "مفتعل" من "نزح" إذا بعد. وقد يكون على هذا قوله:
стр. 109
ينباع من ذفرى غضوبٍ .......... ... ............................
إنما هو المضارع من "نبع"، ولا تجعله "ينفعل" وإن كان على لفظ ينقاد؛ لأن ذلك الوجه كأنه أظهر في المعنى. وكما أنشد أحمد بن يحيى:
وأنني حوثما يثني الهوى بصري ... من حوثما سلكوا أدنوا فأ، ظور
وإنما أراد "أنظر" فزاد واواً. فكما لا يسوغ لقائل أن يقول إن "منتزاح" و"أنظور" أعجميان؛ لأنه ليس في الأسماء شيء على "مفتعال" ولا في
стр. 110
الأفعال شيء على "أفعول" فكذلك لا يسوغ أن تقول ذلك في "آمين" في من ألحق الألف بعد الهمزة.
فأما قول الأعشى:
أمن جبل الأمرار صرت خيامكم ... على نبأٍ أن الأشافيَّ سائل
فيحتمل "الأُشافيّ" ضربين من الوزن:
أحدهما: أن يكون على مثال "أُجارد" في الأسماء، و"أُباتر" و"أُدابر" في الصفة، فيكون على هذا "أُشافٍ" إلا أنه زاد ياء كما زيدت واو في "أنظور"، وألف في "منتزاح".
ويجوز أن يكون الياءان للإضافة مثل "سدادسي". وعلى هذا يتجه عندي ما أنشده سيبويه للفرزدق:
стр. 111
تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف
ألا ترى أن الواحد منه ليس على "افعلال" ولا "فعليل" ولا "فعلول" فتكون الياء في الجمع بدلاً من هذه الحروف اللينة كـ"قراطيس" و "بهاليل" و "قناديل" وإنما واحده "درهم" وليس كـ"خواتيم" لأنهم قد قالوا "خاتام". فكما زيدت هذه الحروف اللينة في هذه المواضع التي ذكرنا ولم يوجب ذلك في شيء منها بخروجها عن أبنيتهم أنها أعجمية، كذلك إذا زيدت في "آمين" لم يجب أن تكون أعجمية، بل قد ثبت أن "أمين" على وزن كثير في كلامهم، و"آمين" مثله، كما أن منتزاح مثل "منتزح"، والكلمة عبية كما أن أخواتها من نحو "دراك" و "صه" عربية.
فأما قوله تعالى ﴿فما استكانوا لربهم﴾ [و] ﴿وما ضعفوا وما استكانوا﴾ فلا أحمله على أنه "افتعلوا" من "السكون"، وزيدت الألف كما زيدت في "منتزاح"، ولكنه - عندي - "استفعلوا" مثل "استقاموا"، والعين حرف علة؛ ألا ترى أن حرف العلة قد ثبت في اسم الفاعل منه نحو.
стр. 112
قول ابن أحمر:
فلا تصلي بمنطروقٍ إذا ما ... سرى في القوم أصبح مستكينا
فأما قول محمد بن يزيد "آمين بمنزلة عاصين"، فالذي اراد به - عندي - أن يعلم أن الميم من "آمين" خفيفة، كما أن الصادق التي هي عين من "عاصين" خفيفة، ولم يرد أن وزن "آمين" كوزن "عاصين"، ولا أن النون في "آمين" فتحت من حيث كانت نون جمع، كما فتحت في "عاصين" بهذا المعنى؛ لبعد ذلك وفساده؛ ألا ترى أن المعنى في "أمين" و "آمين" واحد، وقد ثبت أن النون من "أمين" في موضع اللام من "فعيل"، فيجب أن تكون من "آمين" مثله في أنه في موضع اللام. ولو جعلته جمعاً مثل "عاصين" للزم أن تكون اللام منه حرف علة محذوفاً لالتقاء الساكنين، كما أنه من "عاصين" كذلك، فهذا يلزم منه أن يكون "آمين" من لفظ آخر غير "آمين".
وامتنع ذلك من وجه آخر، وهو أن الناس في هذه الكلمة على قولين: أحدهما أنه اسم سمي به الفعل. والآخر أنه اسم من أسماء الله. فإن كان اسماً من أسماء الله فالجمع فيه كفر. وإن كان اسماً سمي به الفعل لم يجز أيضاً؛ لأن الأسماء التي سميت بها الأفعال لم يجئ شيء منها مجموعاً جمع تصحيح ولا تكسير، وذلك أن الجمع لو لحقها لم يخل من ثلاثة أضرب: إما أن يلحق الأسماء مجردة من الضمير، أو الضمير مجرداً من الأسماء، أو يلحق الأسماء والضمير معاً.
فلا يجوز أن يلحق بالأسماء مجردة من الضمير؛ لأنها إذا سميت بها
стр. 113
الأفعال صارت بمنزلة الأفعال، كما صارت بمنزلتها في البناء، فكما لا تجمع الأفعال، كذلك لا تجمع هذه الأسماء لكونها بمنزلتها.
فإن قلت: إن أسماء الفاعلين لم يمنعها مشابهتها الأفعال أن جُمعت، فلا جاز ذلك في هذه الأسماء أيضاً؟
قيل: إن هذه الأسماء لما أجريت مجرى الفعل في البناء، كذلك أجريت مجراه في ترك جمعها وتثنيتها؛ ألا ترى أن هذا النحو من المبني لا يُجمع ولا يثنّى. فأما أسماء الفاعلين، فلما كانت كسائر الأسماء المتمكنة، ثُنيت وجمعت تثنيتها وجمعها، ولم يمنع من جمعها ما يتضمن من ضمير ما يجري عليه؛ لأن ذلك الضمير لما لم يسد مسد الجمل، كان اسم الفاعل به بمنزلة المفرد الذي لا ضمير فيه نحو "رجل" و"ثوب"؛ ألا ترى أنها لم تقع صلاة للموصولات، وليست هذه الأسماء المسمى بها الفعل كذلك؛ لأنها مع ما تضمنته من الضمير بمنزلة تلك الأفعال التي هي أسماء لها مع ضمير فاعليها. فمن هنا افترقت هذه الأسماء وأسماء الفاعلين.
ولا يجوز أن يكون الجمع لاحقاً للضمير؛ لأن الضمير إذا تضمنه الفعل وما كان بمنزلته فأظهر، لم يظهر على هذا الحد، إنما يظهر على حد ما يكون في الأفعال؛ ألا ترى قولهم "هاء" و "هاءا" و "هاءوا" و"هاؤما".
ولا يجوز أيضاً أن يكون لاحقاً لهما جميعاً؛ لأنها جمل، والجمل لا تثنى ولا تجمع، وإنما يثنى أحد أجزائها تارة وجزآها أخرى.
فإن قلت: أوليس في أسماء الفاعلين عندكم والصفات المشبهة بها
стр. 114
أسماء مرفوعة، وقد لحقها الجمع والتثنية، فما تنكر أن يلحق الجمع هذا الاسم كما لحق أسماء الفاعلين؟
قيل: إن الجمع والتثنية اللذين لحقا اسماء الفاعلين، إنما لحقا الأسماء دون الضمير الذي فيها، ولم يمنع تضمنها الضمير من جمعها لما وصفت؛ ألا ترى أن علامة التثنية والجمع تنقلب وتختلف لاختلاف العوامل، كما تختلف في "رجلين" ونحوه مما لا مناسبة بينه وبين الفعل؛ ولو كان لاحقاً لضمير لم يختلف هذا الاختلاف، كما لم تختلف علامة الضمير في "يذهبان" و "يذهبون" ونحوه. فانقلاب حروف الإعراب واختلافها في هذه الأسماء، دلالةٌ على أن التثنية والجمع لاحق لها من حيث كانت أسماء، ولم يلحق الضمير.
فأما قول الأخفش: إنك إذا سميت بـ "آمين" رجلاً لم يصرفه. فإن قال [قائل]: إنما أحد السببين المانعين من الصرف التعريف، فما السبب الثاني المنضم إلى التعريف، وليس "آمين" بمنزلة "هابيل" في أنه اسم جرى معرفة في كلام العجم، فتمنعه الصرف كما منع "إبراهيم" ونحوه؟
قيل: يجوز أن تقول: إنه لما لم يكن اسم جنس كـ"شاهين" أشبه المختصة، فامتنع من الصرف كما امتنعت. وهذا الشبه فيما
стр. 115
لا ينصرف معمل؛ ألا ترى أنهم شبهوا "عثمان" في التعريف بـ"سكران".
ومن كان "آمين" عنده عربياً فالقياس أن يصرفه إذا سمى به رجلاً على قول بني تميم، ولا يمنعه خروجه عن أبنية كلامهم من الانصراف؛ لأنه يصير بمنزلة عربي لا ثاني له من وزنه نحو "انقحل"ٍ أي: يابس. وعلى قياس قول أهل الحجاز ينبغي أن يحكى؛ ألا ترى أنهم لو سموا رجلاً بـ"فعال" لحكوه ولم يعربوه كما أعربه الأولون.
ولو سميت رجلاً "ينباع" من قوله:
ينباع من ذفرى غضوبٍ ... ..................
وأنت تريد "ينبعي" للزم أن تصرفه؛ لأن حرف المد هنا كحرف المد في "يعسوب" و"يعضيد"، فكما تصرف هذين لو سميت بهما رجلاً، كذلك تصرف "ينباع".
ولو سميته بـ"أنظور" للزم أن تصرفه؛ لأنه ليس على وزن الفعل، وإن كان المراد به الفعل؛ لأن البناء الموجب لمنع الصرف قد زال؛ ألا ترى أنك لو سميت رجلاً بـ"تضارب" وحقرت، لقلت "تضيرب"، فلم تصرف لموافقته في التحقير بناء الفعل، فكما لم تصرف هذا لموافقته الفعل في
стр. 116
المثال، كذلك تصرف "أنظور" لخروجه بالمدة الزائدة عن أمثلة الفعل. وأن لا تجد له مثالاً على وزنه في كلامهم، لا يمنع من الانصراف، كما لم يمنع منه ما ذكرنا من الأبنية المفردة، نحو "إنقحل" و"زيتون" و"كديون"، وما أشبه ذلك.
باب
ذكر أبنية الأفعال
الأفعال على ضربين: ثلاثي ورباعي، فالثلاثي ما كان على ثلاثة أحرف نحو "جلس، وضرب، وشرب، وظرف، وعلم"، وهذه الثلاثية على وجهين: أحدهما صحيح والآخر معتل، فالصحيح منهما ما لم يكن فيه ياء ولا واو نحو ما قد مثل. والمعتل ما كان فيه ياء أو واو، نحو "وعد، ووجل، وينعت الثمرة، ويسر القوم"، و"يقول، ويبيع" و"يغزو، ويرمي"، أو تكرر فيه حرفان مثلان نحو "عف، ورد، وشم".
والثلاثي من الأفعال على ضربين: أحدهما لا زيادة فيه، والآخر ذو زيادة. وكذلك الرباعي. وينبغي أن يبدأ بذكر الصحيح من أبنية الأفعال التي لا زيادة فيها؛ لأنه كالأصل.
باب أبنية الأفعال الثلاثية الصحيحة التي لا زيادة فيها
أبنية هذه الأفعال إذا كانت ماضية على ثلاث أضرب: "فَعَل" و "فَعِل" و"فَعُل". فـ"فَعَل" يكون غير متعد إلى مفعول، ويكون متعدياً، فما كان غير متعد فنحو "جلس، وجَمد، وسكت"، ويكون مضارعه على "يفعل" نحو "يجلس"، وعلى "يفعل" نحو "يسكت، ويجمد"، وربما تعاقب اللفظان على
стр. 117
البناء الواحد، نحو "يفسُق ويفسِق" و"عكف يعكُف ويعكِف" و"نَفَر يَنفِر وينَفُر" من قوله ﴿انفِروا خفافاً﴾.
وما كان متعدياً إلى مفعول مما جاء على "فعل" فمضارعه كمضارع ما لا يتعدى، وذلك نحو "ضرب يضرب" و "قتل يقتل"، وقالوا: "حشَر يحشِر ويحشُر". ولا يكون المضارع منه على "يفعل" إلا أن تكون العين منه أو اللام حرفاً من حروف الحلق، وحروف الحلق التي تفتح معها العين ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والحاء، والغين، والخاء، وذلك نحو "بدأ يبدأ" و"قرأ يقرأ" و"جبه يجبه" و"قلع يقلع" و"ذبح يذبح". وما كان هذه الحروف فيه عيناً فنحو "سأل يسأل" و"ثأر يثأر" و"ذهب يذهب" و"بعث يبعث" و"نحر ينحر" و"فغر يفغر" و"فخر يفخر".
стр. 118
وقد جاء ما كان من هذا النحو على الأصل نحو "هنا" يهنئ" و"رجع يرجع" و"نزع ينزع"، وذلك في الهمزة والعين أقل لأنهما أدخل في الحلق. وقالوا "صلح يصلح" و"فرغ يفرغ" و"مرخ يمرخ".
وما كان من ذلك الحرف فيه عين فنحو "زأر يزئر" و"نأم ينئم" و"نهق ينهق" و"نعر ينعر" و"نغرت القِدر تنغر" و"نخل ينخل".
فإذا كان الحرف الذي من الحلق فاء لم تفتح العينات، وذلك نحو "أمر يأمر" و"أكل يأكل" و"أبق يأبق" و"هرب يهرب" و"عمر يعمر". وقالوا "أبى يأبى" فشد هذا وقولهم "قلى يقلى"، كأنهم شبهوا الألف بالهمزة في "قرأ يقرأ" لقربها منها. وحكي عن أبي زيد أنه قال: ربما [احلت] منهم "غضضت". وقالوا "يذر" ففتحوا تشبيهاً بـ"يدع" حيث كان في معناه، ولم يستعمل منه "فعل" ولا اسم فاعل في الأمل الشائع، ولا من
стр. 119
"يدع" قالوا: استغنوا عنه بـ"ترك". وزعموا أن بعضهم قرأ ﴿ما وَدَعَك﴾، وهذا نادر.
فإذا كان مثال الماضي من هذا الضرب على "فعل" جاء المضارع منه على "يفعل" مثل "ضخم يضخم" و"صعب يصعب" و"قمؤ يقمؤ" و"ملؤ يملؤ" و "قبح يقبح" لأن مضارع "فعل" لا يختلف كما يختلف مضارع "فعل"، فألزموه طريقة واحدة لذلك، كما أن هذا النحو من الأبنية المزيدة فيها جرى عندهم مجرى لا ما لا حرف من حروف الحلق فيه حيث لم يختلف المضارع منه، وذلك نحو قولهم "ابتأس يبتئس" و"استبرأ يستبرئ" و"ارتأى يرتئي" و"انتسأ ينتسئ".
وقالوا "جأر يجأر" وهو "جئر"، وقالوا "جئز" كما قالوا "صعقٌ". وقد حكيت "ركن يركن" وليس يثبت، ويمكن أن يكون قد جاء منه "فعل يفعل" و "فعل يفعل"، كما قالوا "نقم ينقم" و"نقم ينقم". ويقوي ذلك
стр. 120
أن بعض الفصحاء قرأ ﴿ولا تِركَنوا﴾، فهذا يقوي أن الماضي منه "فَعِل".
وما كاان على "فعل" فإنه أيضاً مثل "فعل" في أنه يكون على ضربين: أحدهما أن يكون غير متعد إلى مفعول. والآخر أن يكون متعدياً إلى مفعول، فغير المتعدي نحو "فرق" و "عطش" و "سكر"، والمتعدي نحو "شرب" و"لقم".
فالمضارع من الفعلين جميعاً يجيء على وزن "يفعل" نحو "يفرق و"يعطش" و "يسكر" و "يشربه" و"يلقمه"، ولم يجئ مضارع "فعل" على غير "يفعل" إلا أحرف شذت، فجاءت على "يفعل"، وذلك قولهم "حسب يحسب" و"يئس ييئس" و"نعم ينعيم" و"يبس ييبس". قال سيبويه: سمعنا من ينشد لامرئ القيس:
......................... ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وقد جاء مضارع "فعل" "يفعل"، قالوا: "فضل يفضل"، قال
стр. 121
أبو عثمان: أنشدني الأصمغي:
ذكرت ابن عباسٍ بباب ابن عامرٍ ... وما مر من عمري ذكرت وما فضل
ونظيره من المعتل "مت أموت" و"دمت أدوم"، وقد حكى بعضهم "يدام"، وليست بالمعرفة. وقالوا "نعم ينعم". وهذه حروف قليلة وحكي عن أبي زيد وأبي الحسن أنهما سمعا "فضل يفضل".
وأما "فعل" فبناء يختص به غير المتعدي، ولا يكون في الأفعال المتعدية إلى مفعول، لا يكون في الكلام: ظرفت عبد الله، ولا نحو ذلك. فأما قولهم "الداية قدته" فأصله "فعلته"، فلذلك تعدى إلى مفعول به.
ومضارعه يطرد على "يفعل"، ولم نعلم شيئاً منه شذ عنه كما شد "يفعل" نحو "يحسب" و"يفعل" نحو "يفضل" إلا ما حكاه سيبويه من أن بعضهم قال: "كدت تكاد"، وبعض أهل العربية يذهب إلى أن هذه الأشياء نحو "حسب يحسب" لغات تداخلت.
وما كان من الأمثلة على "فَعِل" أو "فَعُل" أو "فُعِل" فإن العين قد تسكن
стр. 122
فيه تخفيفاً وكراهة للضمة والكسرة، وذلك قولهم "قد علم" في "علم"، و"عُصر" في "عُصِر" و "ظرف" في "ظرف"، قال:
وإن أهجه يضجر كما ضجر بازلٌ ... من الأدم دبرت صفحتاه وكاهله
وقالوا:
لو عُصر منه المسك والبان انعصر
وقد جعلوا ما كان في تضاعيف الكلمة من أصل على هذا الزن، فأسكنوا المتحرك منه كما أسكنوه في الأسماء والأفعال، وذلك قولهم "أراك منتفخاً" لما كان "تفخاً" من "منتفخ" بمنزلة "عَلِم" و"كتفٍ" قال العجاج يصف ثوراً:
فبات منتصباً وما تكردسا
وما كان من هذه الأمثلة ثانية حرف من حروف الحلق فإن فيه أربع لغات، وذلك نحو "شهد" تقول: "شِهِد" و"شِهْد" و"شَهد" و"شهد"، وعلى هذا قالوا "نِعم" و "بئس" في فعلي المدح والذم.
стр. 123
باب أبنية الأفعال الثلاثية المعتلة التي لا زيادة فيها
لا يخلو الاعتلال في الفعل الثلاثي من أن يكون في أول حرف منه، وهو فاء الفعل، أو يكون في الحرف الثاني، وهو عين الفعل، أو يكون في الحرف الثالث، وهو لام الفعل، وحروف العلة الياء والواو والألف، فأما الألف فلا تكون أصلاً في شيء من الأسماك والأفعال، وإنما تكون منقلبة عن الياء أو عن الواو أو زيادة.
فما كان أوله الواو من الأفعال الثلاثية فإنه يكون على ثلاثة أبنية: "فَعَل" و"فَعِل" و"فَعُل". فما كان على "فَعَل" فإنه في المتعدي وغير المتعدي مضارعه "يفعِل"، ويحذف الواو منه، وذلك قولهم في غير المتعدي "وجب يجب"، وفي المتعدي "وزن يزن" و"عد يعد"، قال سيبويه: "وقد قال ناس من العرب: وجد يجد"، قال: "وهذا لا يكاد يوجد". وإنما قل ذلك كراهة الضمة بعدها كما كرهوا الواو بعدها، فما قل في الكلام نحو "يوم" كذلك قل هذا، هـ وقد أنشد غيره هذا البيت:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربةٍ ... تدع الحوائم لا يجدن غليلا
بضم الجيم. وقد قالوا: "ومق يمق" و"ورث يرث" و"ولي يلي"
стр. 124
و"وفق يفق" و"وثق يثق" و"ورع يرع" و"ورم يرم"، رواها كلها ابن حبيب. فأما قولهم "وطئت تطأ" و"وسعت تسع" فإنهم حذفوا الواو كما حذفت في "فعل يفعل" نحو "ومق يمق" و"ولي يلي"، حيث كانت مثل "حسب يحسب"، فلما كانت الفتحة من أجل حرفي الحلق في "يطأ" و"يسع" لم تصح الواو كما صحت في "يوجل"، وهذا هو القياس ومذهب الخليل وغيره.
وأخبرني محمد بن السري عن محمد بن يزيد أن أبا عثمان قال: سمعت أبا زيد يقول: ولِغ الكلب في الإناء يولغ، ووَلَغَ يَلِغ ويَلَغ جميعاً، وزعم أنه يجيز في جميع "يفعل" المفتوح مما واوه في موضع الفاء نحو "يولغ" الحمل على قياس "يوجل"، فيقول "ييلغ" و"يالغ" مثل "يوجل"، ويقيس ذلك كله إلا ما كان أصله الكسر ففتحه حروف الحلق نحو "يسع" و"يدع"، فإنه على حال واحدة. وليس هذا الذي رواه أبو زيد بالقوي في القياس، وذلك أن "يلغ" مثل "يطأ" في أنه فتح من أجل حرف الحلق، والأصل الكسر، كما أن الأصل في "يسع" الكسر، فكما حذ ف الفاء من "يسع" لأن الأصل الكسر، كذلك يلزمه أن يحذف من مذارع "ولغ" إذا قال "يلغ" لأن الأصل الكسر، والفتح عارض، كما أنه في "يسع" عارضٌ. ووجه قياسه - عندي - أنه لما جاء على "يفعل" أشبه ما ماضيه "فعل" نحو "وجل"، كما أن "يأبى" لما جاء مجيء ما ماضيه على "فعل" كسروا حرف المضارعة
стр. 125
فيه، فقالوا "أنت تئبى"، وما كان على "فَعِل" مما الواو أوله نحو "وَجِل" و"وَحِل" فمضارعه على "يفعل"، وفيه أربع لغات: "يوجل" و "ييجل" و"ياجل" و"ييجل"، وأجودها تصحيح الواو، وبها جاء التنزيل ﴿قالوا لا توجل"، ومصدره "الوجل"، واسم الفاعل منه "وجل"، وقالوا "أوجل". وحكى سيبويه "ورع يرع ويورع" و "وغر يغر يوغر" ووحر يحر" و "يوحر" أكثر.
وما كان على "فعل" نحو "وضع" و"وضؤ" و"وطؤ"، فمضارعه "يفعل"، ثبتت الواو فيه كما ثبتت في "يوجل"، ولا ينقلب إلى غيرها كما ينقلب إلى الألف والياء في "يأجل".
باب ما كانت الياء في أوله من هذا النحو
مثال الماضي جاء من ذلك على "فعل" نحو "يمن ييمن" و"يسر ييسر" و"ينغ يينع" و"يعر الجدي ييعر"، لا يحذف في المضارع كما حذفت الواو في "يعد". وحكى سيبويه أن بعضهم قال "يسر" كما قال "يعد"، فحذفها كما حذف الواو.
стр. 126
وجاء على "فعل يفعل" نحو "يئس ييأس" و"يبس ييبس"، وقالوا "مكان سبس ويابسٌ"، وقالوا "يل ييل يللا، ورجل أيل، وامرأة يلاء": متكسر الأسنان.
باب ما كانت الياء والواو فيه ثانية في موضع العين
أما ما كانت الواو فيه ثانية فإن مثال الماضي منه يكون على "فَعَل" وعلى "فَعِل" وعلى "فعُل"، فما كان من ذلك على "فعل" فإنه يجيء متعدياً وغير متعد، فالمتعدي نحو "قال القول" و"عاد المريض" و"طال القوم" إذا علاهم، و"حاك الثوب". وغير المتاعدي نحو "طاف يطوف" و"نالت المرأة بالحاكة"، والمضارع منها "يفعل": "يقوله" و"يعوده" و"يطوله" و"تنول" و"طاء يطوء" إذا ذهب في الأرض، قال أبو إسحاق: أخبرني محمد بن يزيد أن اشتقاق "طيِّئ" من ذلك، قال الحجاج لصاحب خيل له: ابغني فرساً طال البرذون وسهامة الخيل.
وما كان على "فَعِل" فإنه يجيء متعدياً وغير متعد، فالمتعدي نحو "خفت زيداً"، وغير المتعدي نحو "راح يومنا" و"مال زيدٌ". والمضارع منهما "يفعل": "يخاف" و "يراح".
стр. 127
ويدل على أن العين من ذلك واو قولهم "الخوف" و"أموال". ويدل على أنه "فعيل" أن المضارع منه "يفعل" وأنهم قالوا "ملت بعدنا" فألقوا كسرة العين على الفاء. وقالوا "رجل مالٌ" و "يوم راحٌ" كما قالوا "فرقٌ".
وما كان على "فَعُل" نحو "طال زيدٌ" إذا أراد به خلاف القصر، فهو غير متعد، و"طويل" مثل "ظريف" كما أن "قصر كذلك، والمضارع "يطول" مثل "ظرف يظرف" في الصحيح.
باب ما كانت الياء منه عين الفعل
وما كان الثاني منه ياء قد بني على فعل، فإن الماضي منه على "فعل". ويجيء متعدياً وغير متعد، فالمتعدي نحو "كال" و"زال يزيل" و "عاب" و "ذام"، وقال بعض العرب: "أردت أن تذيمه فمدهته".
وما كان غير متعد فنحو "عال" و "صار"، والمضارع منهما "يفعل" نحو "يعيبه" و"يكيله" و"يبيعه" و"يذيمه" و"يعيل" و"يصير عاقلاً. ولم يجئ المضارع من هذا على يفعل" كما لم يجئ المضارع من باب
стр. 128
"قال" على "يفعل" إلا حرفان، زعم الخليل أن "طاح يطيح" و"تاه يتيه" مثل "حسب يحسب"، وهو من "طرحت" و"توهت". ولم يجئ من باب الياء كما يجيء "يطيح" من الواو، و"يتيه"؛ كراهة أن تنقلب الياء إلى الواو لو قالوا "يفعل" في "يبيع".
وقد جاء الماضي من هذا النحو أيضاً على "فَعِل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي نحو "هاب" و"نال"، وغير المتعدي نحو "زال" و"حار طرفه". والمضارع منهما "يفعل" نحو "يهابه" و "يناله خيره" و"ما يزال يفعل" و"يحار طرفه".
فأما "فَعُل" فإنهم رفضوا بناءه من هذا الباب لما كان يلزم من قلب الياء واواً في مضارعه.
باب ما كانت الواو والياء فيه ثالثة في موضع اللام
أما ما كانت الواو فيه ثالثة في المصدر فإن بناء الماضي منه على "فَعَل"، ويكون في المتعدي وغير المتعدي، فما كان منه متعدياً فنحو "غزا" و"دعا" و"محا"، وما كان غير متعد فنحو "زقا" و"صفا". والمضارع منهما على "يفعل" نحو "يدعوهم" و"يغزوهم" و"يزقو الديك" و"يصفو الماء". والمضارع في هذا الباب يلزمه "يفعل" كما أن ما كانت الواو فيه ثانية لزمه "يفعل" في الأمر العام، نحو "يقول" و"يطول". وقالوا "صغا يصغى" و"شأى
стр. 129
يشأى، فجاء المضارع على "يفعل" كما قالوا "فخر يفخر" و"فغر يفغر" من أجل حرف الحلق، وقالوا "يمحو" على الأصل، كما قال "ييجل"، ولم يفعلوا ذلك في "قاع يقوع" و"باع يبيع" لئلا يلتبس بما ماضيه في الأصل "فعل"، ولأن الحركة لا تظهر للزوم السكون العين.
وقالوا "دَعَّ يدُعُّ" و"سَحَّت السماء تسحُّ"، فجعلوها كالمعتل حيث كان السكون لازماً له في أكثر الأمر. وزعم يونس أنهم يقولون "كع عني يكع"، فخالفوا بينها وبين المعتل حيث كانت العين تظهر في قول أهل الحجاز إذا قالوا "لم يكعع"، قال: "ويكع أجود".
وإنما فتحت العينات لأن الفتحة من جنس الألف، والألف من الحلق، فأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد كما قالوا "عابد" فأمالوا الألف نحو الياء، كما قالوا "المصبر" و"المزدبر" و"المثرد" ليقرّبوا المهموس
стр. 130
من المجهور، وكما قالوا "صقت" أي: سُقت، ليقربوه من المستعلي، وكما قالوا "ادكر" و"اظَّلَم" ليقرّبوا أحدهما من الآخر. ولم يخف ذلك في باب "صغا" لثبات الحركة في العين وظهورها.
وجاء مثال الماضي من هذا الناحو في "فعِل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي نحو "رضِي" و"شقي"، وغير المتعدي نحو "غبي" و"قوي". والمضارع "يفعل" منهما نحو "يرضاه"، وفي التنزيل ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾، و"يشقى" و"يغبى".
وقالوا "سرو يسرو، وهو سري" وهو "بهو يبهو، وهو بهي" و"بذو يبذو بذاءً، وهو بذي".
باب الياء إذا كانت ثالثة لاماً
إذا كانت الياء ثالثة في المصدر فإن الماضي منه يجيء على "فعل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي "رمى" و"نمى"، وغير المتعدي نحو
стр. 131
"سرى" و"همى". والمضارع منهما على "يفعل" نحو "يرميهم" و"ينمي القتود". ويلزمه "يفعل" كما لزم باب "غزا" "يفعل" إذا لم تكن العين من حروف الحلق.
وقالوا "نأى ينأى" و"رأى يرأى" و"نهى ينهى"، فجاء على "يفعل" لمكان الهمزة والهاء.
وجاء مثال الماضي في هذا الباب على طفعل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي نحو "خشي" و"هوي"، وغير المتعدي نحو "ردي الكافر" و"غوي الفصيل". والمضار منهما "يفعل" نحو "يخشى الله" و"يهوى العلم" و"يردى الكافر" و"يغوى الفصيل".
وجاء منه مثال الماضي على "فعل"، قالوا "قضوا الرجل" إذا حذق القضاء، و"رمو" إذا أجاد الرمي.
باب التضعيف في الثلاثي
وهو أن يتكرر حرفان مثلان في الكلمة.
التضعيف في الكلمة الثلاثية إذا وقع لا يخلو من أن يكون على التجاوز، أو بحاجز حرف، فإن وقعا متجاورين لم يخل التجاور من أن يكون
стр. 132
بين الفاء والعين، أو بين العين واللام، فإن كان بين العين والفاء فإن ذلك لم يقع في أبنية الأفعال في شيء من كلامهم، وإنما جاء في أسماء قليلة، وذلك نحو "ددنٍ" و"كوكب" و"أول"، وحكى سيبويه: "سيسبان، وقيقبان" و"أبنبم": اسم موضع، وأنشد الأصمعي:
يا صاحبيَّ وقد أرى شبهيكما ... بالجزع من تثليث أو بأبنبما
"أبنبما" وزنه أفنعل، وهو من أمثلة الكتاب لم يذكره سيبويه إلا بالهمز، وفيه لغة ثانية، وهي "يبنبم"بالياء، ووزنه "يفنعل"، وشاهدها قول حميد بن ثور ﵁:
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشةٍ ... أو الجزع من تثليث أو بيبنبما
مطوقةٌ ورقاء تسجع كلما ... دنا الصيف وانجال الربيع فأنجما
стр. 133
وهو من هذا الباب لأن الهمزة والنون زائدتان. و"رجل دودري" إذا كان مسترخي الخصيين، وأنشد الأصمعي:
لما رأت شيخاً له دودري ... ظلت على فراشها تكرى
ومن هذا الباب - عندي - قولهم "لولا أن يكون الناس بباناً واحداً"، هو "فعالٌ" والنون لام الفعل، ولا يجوز أن تكون زائدة؛ لأن الحكم بزيادتها يؤدي إلى أن العين والفاء واللام من موضع واحد، وهذا لم يجئ في شيء من كلامهم، فأما ما روي من قول من قال:
لأنكحن ببة ... جاريةً خدبة
فزعموا أن أمه كانت ترقصه وتقول ذلك، فهذا صوت، وليس باسم جنس، ثم صار قلباً لرجل. وقال الفرزدق:
стр. 134
وبايعت أقواماً وفيت بعهدهم ... وببة قد بايعته وهو بابل
و"بابل" وإن كان من هذا فإنه في الأصل أعجمي إلا أنه قد أعرب، وجاء في التنزيل. وليس في امتناع الصرف فيه دلالة على عجمته؛ لأنه يمكن أن يكون لم يصرف للتأنيث وللتعريف، فيكون كـ"عُمان" و"دمشق" وليس كـ"إبراهيم" ونحوه.
فهذا ما جاء من تضعيف الفاء والعين فما علمته، ولم يشتق من شيء منه فعل.
وما جاء من التضعيف بحاجز حرف فنحو "سلس" و"قلق"، وهو قليل في كلامهم، وقد بني الفعل منه على "فعل يفعل" وذلك "سلس يسلس" و"قلق يقلق". وجاء منه أيضاً على "فعلت" قالوا: يديت إليه يداً.
ومن هذا الباب قولهم "غوغاء" في من لم يصرف. وقالوا للمرأة إذا كانت دخالة خراجة في نهيها: "توقري يا زلزة"، وهو قليل.
باب التضعيف في تجاور العين واللام في بنات الثلاثة
هذا الضرب من التضعيف إذا كان على هذا التأليف كثير في كلامهم، واسع في الأسماء والأفعال، فالأسماء نحو "طللٍ" و"شررٍ" و"بللٍ"
стр. 135
و"مررٍ" و"قددٍ" و"خززٍ" و"سددٍ".
فأما الفعل فإنه جاء منه مثال الماضي على "فعل" نحو "رد" و"شد" و"عد" و"عف". وكل ما كان متعدياً من ذلك فمضارعه على "يفعل" نحو "يرد" و"يشد" و"يعد". قال محمد بن يزيد: وقد شذ منه حرفان، قالوا: وزعم الرياضي "يهرني الكلب" على القياس.
وما كان غير متعد فمضارعه "يفعل" نحو "يعف" و"يكل".
وجاء على "فَعِل" في المتعدي وغير المتعدي، فالمتعدي نحو "شممته" و"عضضته" و"مسسته"، وغير المتعدي نحو "ظللت" و"بللت". والمضارع منهما على "يفعل" بالفتح، نحو "لم يشمم زيدٌ" و ﴿لم يمسهم سوءٌ﴾ و"لم يظلل زيدٌ قائماً"، و"لم تبلل يا زيد". ومن قال ﴿ولا تركنوا﴾ قال "لم تبلل" فكسر التاء.
وقال قوم: "ظللت" و"مست" يريد: "ظللت" و"مسست"، حذفوا العين، وألقوا حركتها على الفاء كما قالوا "هبت".
стр. 136
وقال قوم "ظلت"، فلم يلقوا حركة العين المحذوفة على الفاء، لكن أقروا حركة الفاء كما كانت، كما قالوا كلهم "لست"، وفي التنزيل ﴿فظلتم تفكهون﴾.
وقد حذفوا العين أيضاً من قولهم "أحسست"، فقالوا: "أحست"، فكأنهم أعلوه بالحذف كما أعلوه بالإسكان للإدغام حيث كرهوا اجتماع المثلين، ولم يصلوا إلى الإدغام للزوم اللام السكون لاتصال الضمير به. وهذه الحروف شاذة عن قياس نظائرها وإن كانت مطردة في الاستعمال، كما أن "استحوذ" كذلك.
وأما "فَعُل" في التضعيف فقد حكي عن رونس فيه "لببت". ولم أسمع غير هذا الحرف. كأنهم استثقلوا الضمة مع التضعيف، ومن ثم قال قوم فيما حكى أبو عبيدة في جمع "سرير" و"جرير": "سرر" و"جرر" سواء.
نجزت أمثلة الأفعال الثلاثية بغير الزيادة صحيحها ومعتلها ومضاعفها.
стр. 137
مسألة
سألت - أعزك الله - عن إعراب قوله تعالى ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم﴾. والقول في ذلك: إن حرف العطف من قوله ﴿وأقرضوا﴾ لا يخلو من أن يكون عطفاً على الفعل المقدر في صلة ﴿المصدقين﴾ أو على غيره. فمن البين أن قوله ﴿وأقرضوا الله﴾ لا يجوم أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير، فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، والفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وما ليس مهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من
стр. 138
المسائل؛ لأن "زيداً" معطوف على "رأيت"، والاستثناء من الصلة؛ من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، وقد فصلت بينهما بالمعطوف، فلم يجز ذلك، كما لم يجز أن يكون ﴿وأقرضوا الله﴾ معطوفاً على ﴿صدقوا﴾ المقدر في الصلة؛ لفصل ﴿المصدقات﴾ المعطوف على "إن" بينهما. وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموضوع وغيره من الأسماء يؤذن بتمامه؛ ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فغذا كان العطف يؤذن بالتمام، فالعطف ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه، فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، فكان متدافعاً غير مستقيم.
ولا يستقيم أن يكون قوله ﴿وأقرضوا الله﴾ في هذه الآية محمولاً على الفعل المقدر في الصلة، كما كان قوله ﴿فأثرن به نقعاً﴾؛ لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع، ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً
стр. 139
على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها: أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول، فإن شئت حملته على أن الخبر غير مذكور، وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت العطف عليهم، وسنفصّل ذلك:
أما حملة على الاعتراض فهو أرجح الوجوه؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تسديداً وتبييناً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول، والفعل والفاعل، والابتداء والخبر، والمفعول وفعله، وغير ذلك.
فمما جاء بين الصلة والموصول ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئةٍ بمثلها وترهقهم ذلةٌ ما لهم من الله من عاصمٍ﴾، فقوله ﴿جزاء
стр. 140
سيئة بمثلها﴾ اعتراض بين الصلة والموصول؛ ألا ترى أن قوله ﴿وترهقهم ذلة﴾ معطوف على ﴿كسبوا﴾ الذي هو صلة ﴿الذين﴾ والخبر ﴿ما لهم من الله من عاصمٍ﴾. ومن ذلك قول الشاعر:
ذاك الذي - وأبيك - تعرف مالكٌ ... والحق يدفع ترهات الباطل
فاعترض بالقسم بين الصلة والموصول. ومما يمكن أن يكون من ذلك قول الآخر:
لي كل يومٍ من ذؤالة ... ضغثٌ يزيد على إبالة
فلأحشأنك مشقصاً ... أوساً - أُويس - من الهبالة
فـ "أويس" نداء معترض بين المصدر والجار المتصل به. فأما قوله "أوساً" فمن باب ﴿صنع الله﴾؛ لأن "لأحشأنك" يدل على "أؤوسك"، فحمل "أوساً" عليه، ولا يجوز أن يكون بدلاً من الاسم المنصوب؛ لأن في
стр. 141
البدل ضرباً من البيان كالصفة، والمتكلم والمخاطب لا يحتاج إلى ذلك معهما، فمن ثم لم يجز سيبويه في قوله "بي المسكين كان الأمر" الجر في "المسكين" على البدل.
فإذا جاز الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض، فأن يجوز الفصل بين اسم "إن" وخبرها بالاعتراض الذي هو قوله ﴿وأقرضوا الله قرضاً حسناً﴾ أحرى؛ لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر؛ ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته. وقوله ﴿يضاعف لهم﴾ على هذا التأويل في الآية، في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ.
ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله:
ألا هل أتاها - والحوادث جمةً - بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع بأنه
стр. 142
فاعل، كما أنهما في ﴿كفى بالله﴾ كذلك.
ومثل ذلك القول الآخر:
وقد أدركتني - والحوادث جمةٌ - ... أسنة قومٍ لا ضعافٍ ولا عزل
وإذا جاز ذلك في الفعل والفاعل كان في المبتدأ والخبر أجوز؛ ألا ترى أن اتصال الفعل بالفاعل أشد من اتصال المبتدأ والخبر، فمن ثم لم يحذف الفاعل في الموضع الذي يحذف فيه المبتدأ، ولكنه يضمر. فمن ذلك ما حكاه سيبويه [من] قولهم "إنه - المسكين - أحمق"، فـ"المسكين" خبر مبتدأ محذوف، وقد اعترض بهما بين اسم "إن" وخبرها.
ومن أنشد قول الشاعر:
تبرأ من دم القتيل وثوبه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
و"ثوبه"، كان قوله "وقد علقت دم القتيل" اعتراضاً بين الابتداء والخبر، ومن جر "ثوبه" كان قوله "إزالها" مرتفعاً بـ "علقت"، وكأنه أنَّث على "الملاءة" ونحو ذلك.
стр. 143
ومن الاعتراض قوله ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريمٌ﴾، فقوله ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيمٌ﴾ اعتراض بين القسم والمقسم عليه، التقدير: فأقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم. وقوله ﴿لو تعلمون﴾ اعتراض أيضاً بين الصفة والموصوف من الجملة التي هي اعتراض، والتقدير في ﴿لو تعلمون﴾: اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.
وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع، وعلى هذا قالوا: إن زيداً - فافهم قولي - رجل صدقٍ.
ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله ﴿ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾. ولو جاء بين الشرط والجزاء كان حسناً؛ لأن الشرط والجزاء بمنزلة القسم والمقسم عليه.
وقد جاء بين المعطوف والمعطوف عليه فيما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
стр. 144
أصبح من أسماء قيس كقابضٍ ... على الماء لا يدري بما هو بقابض
فإن أباها مقسمٌ بيمينه ... لئن نبضت كفي - وإني لنابض -
ثم رآني لأكونن ذبيحةً ... وقد كثرت بين الأعم المضائض
وأنشد:
كأن - وقد أتى حولٌ جريمٌ - ... أثافيها حماماتٌ ركود
يريد: كأن أثافيها
وقد جاء الفصل بين المفعول وفعله في قوله أبي النجم:
وبدلت - والدهر ذو تبدل - ... هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل
وفي قول الأعشى:
ومنا الذين أعطاه في الناس ربه ... على فاقةٍ - وللملوك هباتها -
نساء بني شيبان يوم أوراةٍ ... على النار إذ تجلى بها فتيانها
فلهذا النحو الذي ذكرت من اتساع الاعتراض كان حمل الآية عليه أولى.
وإن حملته على أن الخبر غير مذكور، ولم تجعل قوله ﴿وأقرضوا
стр. 145
الله﴾ اعتراضاً، ولكن جملة معطوفة على ما تقدمها، جاز في قوله ﴿والمصدقات﴾ أمران:
أحدهما: أن تكون الواو بمنزلة "مع" على أن تكون قد سدت مسد خبر الابتداء، كما أنك لو قلت: إن المصَّدقين مع المصدقات، كان كذلك؛ الا ترى أنه لما كان معنى قولك "أقائمٌ الزيدان": أيقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، وإن كان قد ارتفع "قائم" ارتفاع المبتدأ، فكذلك قوله ﴿والمصدقات﴾، وإن كان منتصباً بالعطف على "إن" فإنه يسد مسد الخبر، فلا تحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم تحتج إليه في قولك "أقائمٌ الزيدان" ومثل ذلك قولهم "الرجال وأعضادها" و "النساء وأعجازها" لما كان المعنى: الرجال مع أعضادها، والنساء مع أعجازها، استغنيت عن خبر الابتداء بذلك، فكما استغنيت عن خبر المبتدأ بما كان معطوفاً عليه لما كان المعنى معنى "مع"، كذلك يدخل عليه "إن" على هذا الحد.
ومثل ذلك قولهم "كل رجلٍ وضيعته". ومثله مما دخل عليه "إن"
следующие страницы →