Полный текст (378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
في الاسم المتقدم على الاستفهام الرفع إذا كان معناه بعد الاستفهام كمعناه قبله، والرفع قول يونس. ومن قال: "علمت زيدٌ أبو من هو" فرفع وعلق "علمت" و "رأيت" عنه لما ذكرت لك، قال: "أرأيتك زيداً ما صنع" فنصب زيداً ولم يرفعه بعد "أرأيتك" كما رفعه بعد هذه الأفعال الأخر، وذلك أن "أرأيتك" قد صار كقوله "أخبرني"، فكما أنك لا تعلق "أخبرني" وما أشبهه من الأفعال التي لا تلغى، كذلك لا تعلق "أرأيتك" في قولك: "أرأيتك زيداً ما فعل"، ولا تقتصر فيه على مفعول واحد، كما يفعل ذلك في "أخبرني" لأنه في الأصل متعد إلى مفعولين، ولأن المعنى: أخبرني عن كذا.
والتاء في "أرأيتك" على لفظ التذكير والإفراد، كان الفاعل مفرداً أو مثنى أو مجموعاً، أو مؤنثاً، استغنى بما لحق من علامة الخطاب على هذه الوجوه على تثنية الضمير وجمعه وتأنيثه، فمن ثم جاء ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرةً﴾.
ومثل ذلك قولهم "هاك" و "هاكما"، ولو لم يلحق الكاف غيرت، كما قال ﴿هاؤم اقرؤوا﴾: فجمع لما لم يلحق الكاف.
فأما الكاف فلا موضع لها من الإعراب، وإنما هي علامة للخطاب؛ الا ترى أنه لو كان لها موضع لكان نصباً، ولوجب أن يكون
стр. 72
الاسم الواقع بعدها إياها في المعنى. وفي كون الاسم الواقع بعدها غيرها دلالة على أنها ليست المفعول الأول، فغذا لم تكن المفعول الأول لم يكن لها موضع من الإعراب، كما ليس لكاف "ذلك" و "هنالك" و"رويدك" في من جعله اسماً للعفل موضع من الإعراب. ومثل هذه الكاف تاء "أنت".
فأما الاسم المنصوب بعد "أرأيتك" فالمفعول الأول، وما بعده من الاستفهام في موضع المفعول الثاني، وموضعه نصب بذلك.
فأما قوله ﴿أرأيت الذي ينهى. عبداً إذا صلى. أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر بالتقوى. أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم بأن الله يرى﴾ فـ"أرأيت" الثانية بدل من الأولى، والاستفهام في موضع المفعول الثاني للفعل الأول. ويجوز أن يكون المفعول الثاني محذوفاً من الأول لدلالة قوله ﴿ألم يعلم بأن الله يلى﴾ على ذلك، كأنه "ناج" أو "غير مأخوذ بفعله" أو ما أشبه ذلك. وقد يجوز أن يكون كرر توكيداً، كما كرر "قل" توكيداً في قوله ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾. فـ"قل" ههنا توكيد؛ لأن "أرأيتك" و "أرأيت" تعمل على ضربين:
أحدهما: أن يكون بمعنى "أخبرني". وإذا كان كذلك فلا بد من أن يتعدى إلى مفعول ينتصب به، ويوقع الاستفهام في أكثر الأمر في موضع المفعول الثاني.
стр. 73
والآخر: أن يكون بمعنى "انبته". فإذا كان الأمر على ما وصفنا لزم أن يكون "قل" تكريراً؛ ليقع الاستفهام الذي بعدها في موضع المفعول الثاني.
ويقارب ذلك في التوكيد والاعتراض بين المفعول الأول والثاني قوله ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾ ح لأن المفعول الأول لما تعدى إليه "أرأيتم" لازم أن يتعدى إلى الثاني الذي هو الاستفهام، فصار "أروني" تأكيدا" لما دل عليه "أرأيتم"؛ ألا ترى أن "أرأيتم" بمنزلة "أخبروني" [و"أخبروني"] و"أعلموني" متقاربان. وإنما وقع الاستفهام في خبرها لأنه بقوله "أرأيتك" مستفهم، إنما يريد: أرأيت زيداً ما حمل زيداً، فكرره مرتين للتأكيد.
ومن ذلك قوله ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله﴾. ومثله قوله ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل﴾. فأما قوله ﴿أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل على مثله﴾ فقد حذف الاستفهام الذي يقع في موضع المفعول الثاني، وكأن التقدير: أتأمنون عقوبة الله؟ أو: لا تخشون انتقامه؟
وأما ما جاء "أرأيت" فيه بمعنى "انتبه" و"انتبهوا" كما أن ﴿ألم تر﴾ كذلك، فقوله ﴿أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت﴾ كأن
стр. 74
المعنى: انتبه، فإني نسيت الحوت، ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجواء. ومثله ﴿أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم﴾، كأنه قال: انتبهوا، فمن يأتيكم، كما كان قوله ﴿فإني نسيت الحوت﴾ كلك. ولا يكون جواب الجزاء الذي هو ﴿إن أصبح ماؤكم غوراً﴾، ولكن جواب ما دل عليه "أرأيتم" الذي هو بمعنى "انتبه"، كما أن الفاء في قوله ﴿فسلامٌ لك من أصحاب اليمين﴾ ليس هو بجواب، إنما هو جواب "أما". وقد جوز أبو الحسن زيادة الفاء في هذا النحو، إنما هو جواب (أما). وقد جوز أبو الحسن زيادة الفاء في هذا النحو، فيكون الاستفهام بعد تقدم زيادة الفاء قد سدت مسدّ المفعولين. ولا يكون "أرأيتم" بمعنى "أخبرني" على هذا؛ لأن تلك تتعدى إلى مفعول قبل الاستفهام، أو يلحق الكلام ما يكون بدلاً من لمفعول، كقولهم: أرأيتك أنت من حملك على هذا، فـ"أنت" قد صار بدلاً من المفعول به، حتى لم يستعمل معه المفعول، كما لم يستعمل الواو في قولهم "لاها الله ذا".
فأما قوله ﴿أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألكم الذكر﴾، فهو بمنزلة "أخبروني"، فتعدى "أرأيت" إلى المفعول، ووقع الاستفهام في موضع المفعول الثاني، والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله ألكم الذكر.
وإن قلت: فقد نص على أن الموصول لا يحذف، فكيف ساغ هذا؟
قيل: جاز هذا لأن هذا المعنى قد تكرر فصار معلوماً لتكريره، فكذلك
стр. 75
احتمل الحذف، وكان الحذف بمنزلة الأداة؛ ألا ترى أنه جعل "كلاً" في قوله:
أَكُل امرئٍ تحسبين امرأً ... ونارٍ توقد بالليل نارا
بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به، وإن كان محذوفاً. وقد دل قوله ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾ على ذلك. وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة. فأما ما روي أنه كان يتصل بقراءة بقوله ﴿أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى﴾ ﴿وتلك الغرانقة العلا. وإن شفاعتهم لترتجى﴾ وقوله ﴿إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾ فقد ذهب قوم من أهل النظر إلى إنكار ذلك، وذهبوا إلى أن مثله لا يجوز على الأنبياء،
стр. 76
كما لا يجوز عليهم الكبائر. فإن ثبتت الرواية بذلك احتمل وجهين:
أحدهما: أن يعني بالغرانقة العلا الملائكة دون الأصنام؛ لأن الملائكة قد جرى ذكرهم، وشفاعة الملائكة ترتجى بقوله ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، وبقوله ﴿فاغفر للذين تابوا اتبعوا سبيلك﴾.
والآخر: أن يُعنى بالغرانقة العلا الأصنام، ولا يكون ذكر النبي ﷺ لها على الحد الذي أنكره من ذكرنا من أهل النظر، بل يكون على جهة التوبيخ لهم بذلك، كما أنهم يوبخون بعبادة اللات وغيرها وتعظيمهم، فيكون معنى الغرانقة وشفاعتهم ترتجى، أي: الغرانقة العلا عندكم، وشفاعتهم ترتجى عندكم، ويكون هذا مثل قوله ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ عند نفسك، وكقوله حكاية عن السحرة لموسى ﴿وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾.
فإن قال قائل: كان الساحر في ذلك الوقت يعظم.
فهو قول بعيد؛ لأن هؤلاء السحرة آمنوا بدلالة إخبار الله عنهم بذلك في غير موضع. وإذا آمنوا تبينوا بطلان ما كانوا عليه، وأنه لم يكن له حقيقة، فإذا تبينوا ذلك لم يكن الساحر معظماً عندهم، وإن كان معظماً عند غيرهم من
стр. 77
أهل عصرهم، فإذا كان غير معظم عندهم ثبت أن قوله ﴿يا أيها الساحر﴾ عند هؤلاء.
فإن قيل: فهذا على غير هذه الجهة، وهو على الحقيقة كقوله ﴿فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون﴾. فالذين قالوا ﴿يا أيها الساحر﴾ مؤمنون.
قيل: يكونون مؤمنين بدلالة إخبار الله بذلك، وإنما قال ﴿إذا هم ينكثون﴾ وعنى به من لم يؤمن من هؤلاء السحرة وغيرهم دون من آمن؛ لأن هؤلاء سألوا أن يدعو الله لهم، وأخبروا أنهم مهتدون.
ونظير هذا أيضاً قوله ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً﴾ أي: خيراً عندهم؛ لأن ذلك لو نالوه من المسلمين لم يكن ذلك خيراً في الحقيقة.
ونظيره أيضاً قولهم ﴿يا أبانا إن ابنك سرق﴾ في من فتح الأول وخفف، أي: سرق فيما نظن وفيما ظهر لنا.
ومثله أيضاً قول عالم موسى ﴿قال إنك لن تستطيع معي صبراً﴾ أي: في غالب ظني، وفي رأيي، وعندي، ونحو ذلك؛ ألا ترى إلى موسى ﵇ ﴿قال ستجدني إن شاء الله صابراً﴾ أي: في غالب ظني، فلولا أن ذلك على ما قلنا لكان موسى قد أكذبه، وتكذيبه لا يجوز، لأن هذا العبد الصالح نبي لإخباره بالغيب.
стр. 78
ومثل ذلك من الشعر ما أنشدناه بعضهم لجرير في جواب زهرة اليمن وقد قال فيه:
أبلغ كليباً، وأبلغ عنك شاعرها ... أنى الأعز، وأني زهرة اليمن
ألم يكن في وسومٍ قد وسمت بها ... من حان موعظةٌ يا زهرة اليمين
فعلى هذا النحو يكون تأويل "الغرانقة العلا" وروايته، وإذا صح فقد نسخ على وجهة النسيان من الناس له، لا على جهة التبديل له بشيء آخر؛ لأنه ليس بأمر، إنما هون خبر، وإنما نسخ لأنه كان أبلغ في المصلحة.
فإن قال قائل: فهلا لم ينزل لئلا يحتاج إلى إنسائه؟
قيل: كان إنزاله في الوقت الذي أنزله فيه أصلح من أن لا ينزل، فلذلك نزل.
وتقول: "رأي عيني زيداً يفعل ذلك"، فقولك "يفعل" في موضع نصب على الحال، كقولك "ضربي زيداً قائماً" و "أكثر شربي السويق ملتوتاً". ولو جعلت المصدر للمتعدية إلى مفعولين لم يجز أن لا تأتي له بخبر؛ لأن الحال لد سدّ مسدّ أخبار المصادر، والمفعول الثاني لم يسدّ مسدّ أخبار المصادر، ومن ثم لم يجز "سمع أذني زيداً يقول ذاك" حتى تقول "حسنٌ" أو "حقٌّ" ونحو ذلك؛ لأن "سمعت" إذا عُدّي إلى "زيد" ونحوه، لم يكن له من مفعول مما يسمع زيد، كقولك: سمعت زيداً يقول ذاك، أو: يشتم عمراً، ونحو ذلك من المفعولات التي تسمع.
стр. 79
فإن قلت: فقد جاء ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾، فعدي إلى المخاطبين، ولم يذكر مفعولاً آخر مما يسمع.
فالقول: إن المعنى: هل يسمعون دعائكم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعائكم﴾.
واعلم أن المضارع من "رأى" على "يفعل" مفتوح العين للهمزة التي هي عين الفعل. ويوافق أهل التحقيق أهل التخفيف في تخفيفها، حتى صار التحقيق فيها شاذاً عن الاستعمال، كما بني "يذر" و "يدع" ونحوه مما رفضوه في استعمالهم، وإن كان القياس يوجبه، قال سيبويه: "مما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قولك: أرى وترى ويرى، وذلك أن كل شيء أوله زائدة سوى ألف الوصل من رأيت فقد أجمعت العرب على تخفيفه لكثرة الاستعمال، جعلوها تعاقبها زائد المضارعة. وذكر أبو الخطاب أنه يسمع من يقول من العرب الموثوق بهم: قد أرآها". وربما في الشعر كما يجيء "وذر" و"ودع" وإظهار التضعيف الذي لا يظهر في الكلام، فمن ذلك قول سراقة البارقي، أنشده أبو زيد:
стр. 80
أُرِي عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالمٌ بالترهات
وأنشد أبو زيد أيضاً:
ألم تر ما لاقيت، والدهر أعصرٌ ... ومن يتمل العيش يرأ ويسمع
وأنشد:
لما استمر بها شيحان مبتجح ... بالبين عنك بما يراك شنآنا
وقال: "الشيحان: الغيور، والمبتجح: المفتخر". فأما قول الشاعر:
وتضحك مني شيخةٌ عبشميةٌ ... كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً
стр. 81
فينشد على ضربين: كأن لم ترى، بالياء، وكأن لم ترى. فمن أنشد "كأن لم تري"، فعلى أنه خاطب بعد الغيبة كقوله تعالى ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ بعد ﴿الحمد لله﴾، كما أخبر بلفظ الغيبة بعد الخطاب في نحو ﴿وما آتيتم من زكاةٍ﴾ ثم قال ﴿فأولئك هم المضعفون﴾. ومثل هذا البيت:
تسائل أسماء الرفاق وتبتلي ... ومن دون ما تهوين بابٌ وحاجب
ومن أنشد "كأن لم ترى" فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون شبه الألف بالياء فلم يحذفها للجزم، كما لم يحذف الياء في قوله:
ألم يأتيك، والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
وكأنه حذف عنها الضمة، ولا يستقيم هذا التقدير في الألف؛ ألا ترى أن كون الحرف ألفاً بمنزلة ثبات الحركة فيها، فإذا كان كذلك لم يستقم تقدير حذف الحركة منها مع ما يوجب إثباتها، لتدافع ذلك، ولكن تقول: إنها
стр. 82
شبهت بالياء هنا كما شبهت الياء بها في الإسكان في موضع النصب كقوله:
أكاشر أقواماً حياءً وقد أرى ... صدورهم بادٍ علي مراضها
وقال:
سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تفليل ما قارعن من سمر الطرق
وهذا من مستحسن الضرورة، فكما شبهوا الياء بالألف في هذه المواضع، كذلك شبهت بها في أن لم تحذف في موضع الجزم كما لم تحذف. ومثل ذلك ما أنشده أبو زيد:
إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق
والوجه الآخر: أن يكون حقق الهمزة من "تري"، وحذف الألف المنقلبة من الياء التي هي لام الجزم، ثم خفف الهمزة، فلم يحذفها
стр. 83
ويلق حركتها على الساكن، ولكن خففها بقلبها ألفاً على قياس ما حكاه سيبويه في تخفيفهم "الكماة" و"المراة" في "المرأة والكمأة".
وأما قوله تعالى ﴿فإما ترين من البشر أحداً﴾ فإنك تقول للمرأة " أنت ترين يا هذه"، فتحذف الألف التي هي منقلبة عن اللام لالتقاء الساكنين، فيصير "ترين" كما تقول "أنت تخشين"، فلما ألحقت الجازم الذي هو "إن" حذفت النون للجزم، فبقيت الياء التي هي علامة الضمير ساكنة، ولقيتها النون الساكنة، وهي الأول من النونين، فالتقى ساكنان، فحركت الياء بالكسر لالتقاء الساكنين، كما تحركه بالكسر مع لام المعرفة وغيرها من السواكن، نحو: لم ترى الرجل، ولم تخشي القوم، فكذلك حركتها مع النون الشديدة بالكسر في قوله ﴿فإما ترين﴾، ولم ترد اللام التي حذفتها لالتقاء الساكنين لتحرك الساكن الذي كنت حذفت اللام لالتقائها معه؛ لأن تحريكه لالتقاء الساكنين، كما لم ترد في قولك: رمت ابنك، ورمتا؛ لأن التقدير فيما يحرك لالتقاء الساكنين السكون؛ بدلالة قولهم: آردد ابنك، ونحوه.
والعم أن قولك للمرأة الواحدة "أنت ترين" الياء فيه علم للضمير، وليست لام الفعل؛ لأن لام الفعل قد حذفت كما أعلمتك. فإن خاطبت بذلك جماعة نسوة فقلت "كيف ترين؟ " فالياء لام الفعل، وليست التي للضمير كما كانت في خطاب الواحدة؛ ألا ترى أن قولنا لجماعتهن "أنت تذهبن" يلي فيه الباء التي هي لام الفعل علامة الضمير والتأنيث التي هي النون، فقياس المعتل من هذا قياس الصحيح. وكذلك لو قلت للواحدة: "كيف ترينك صانعة"؟ لكانت النون علامة الرفع، والياء علامة الضمير. ولو قلت لجماعة
стр. 84
النساء: "كيف ترينكن صانعاتٍ"؟ لكانت النون علامة الضمير، والياء لام الفعل، كما أن الواو في قوله ﴿إلا أن يعفون﴾، والياء التي في قوله ﴿إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ﴾ لاما الفعل، فلو لحق الجزم والنصب "ترين" و"تأتين" لحذفت النون للجزم والنصب، ولو لحقا فعل الجميع لم يحذف في "لم تضربن" و "يريد أن تضربن".
وأما قوله ﴿أرنا اللذين أضلانا﴾، فأصل وزنه "أفعلنا"، وهو منقول بالهمزةفي رأيت التي هي بمعنى أبصرت، والياء التي هي لام الفعل محذوفة للوقف كما تحذف للجزم ولاجتماع الموضعين على السكون، وإن اختلف السكونان فكان أحدهما إعراباً والآخر بناء. فأما الراء فمتحركة بحركة الهمزة التي حذفت للتخفيف، وألقيت حركتها عليها. ومن قال ﴿أرنا﴾ فأسكن الراء، فإنما شبهها بالإسكان من "كتفٍ" و"علم". ونحوه قول الأخطل:
стр. 85
وإن أهجه يضجر كما ضجر بازلٌ ... من الأدم دبرت صفحتاه وكاهله
فشبه المنفصل بالمتصل لما لم يفصل عن الكلمة كما ينفصل عنها ما هو من نفسها. وعلى هذا قالوا ﴿فهو خير لكم﴾ و ﴿لهو خير الرازقين﴾ و ﴿لَهْيَ الحيوان﴾، لما كانت هذه الحروف لا تنفصل لكون كل واحد منها على حرف واحد، صارت بمنزلة الفاءات، فخففها على ذلك. ومن قال "وهو" و"لهو" لم يقل على هذا ﴿ثم هو﴾ ولا ﴿ثم ليقضلوا﴾ بالإسكان؛ لأن "ثم" مما ينفصل، ولا يلزم أن تكون متصلة بما بعدها لصحة الوقف عليها، فلم تشبه ما هو من نفس الكلمة، فلما عربت من شبه الفاءات لم يجز ما أجيز فيما أشبهها مما هو على حرف.
стр. 86
فإن قيل: إن الحركة التي في "أرنا" للهمزة المحذوفة، وهي دلالة عليها، فإذا حذفت لم يبق ما يدل على الهمزة.
قيل: إن هذا لا يمنع من هذا الوجه؛ لأن هذا الإسكان لم يلزم الكلمة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: "أَرِ زيداً" و "أرِ ابنك" زال هذا الإسكان، وما كان من هذا النحو غير لازم لم يقع به اعتماد، فكأن الحركة ثابتة في اللفظ.
فأما مثال الأمر من "رأى " فلم يلزموه التخفيف كما ألزموا المضارع، وذلك أن الزيادة التي لحقته، وهي همزة الوصل، تسقط في الدرج ولا تلزم، فلم تكن مثل حروف المضارعة التي تثبت في الوصل والوقف، فلم تكن بدلاً كحروف المضارعة، فتقول على الإتمام "ارء ذاك"، فتجتلب همزة الوصل لسكون الراء، فإذا خففت الهمزة حذفت، وألقيت حركتها على الراء، فسقطت همزة الوصول لزوال ما كانت اجتلبت له من سكون الحرف، فصار "ر ذاك"، فإن وقفت قلت "ره"، فلحقت الهاء للوقف، لا يكون غير ذلك.
وزعم سيبويه أن الأكثر في الوقف على "ارم" و "اغز" و "اخش" بإلحاق الهاء، قال: "ومنهم من لا يلحق الهاء، ويسكن الحرف، فيقول: اغز، وارم، واخش". قال "فأما إن تق إقه، وإن تع أعه، فكلهم يقف عليه بالهاء". فإذا لم يقفوا على "عه" إلا بالهاء، كان أن لا يقفوا على "ره"
стр. 87
إلا بالهاء أولى. وهذا يؤكد ما قلته من أن "عه" ونحوه لا ينبغي أن يكتب إلا بالهاء؛ لأن الخط فيه على حسب اللفظ به.
ولو سمي رجل بـ "ره" إذا أمرت من "رأيت" لكان قياس قول سيبويه - عندي - "رأى كما ترى". أما الفاء فتكون مفتوحة؛ لأنه كذلك كان قبل الرد، وهو يترك الحركة في الحرف بعد الرد على حاله قبل الرد، فمرة قال "ياوشى" إذا رخَّم "شية" على "يا حار". وكذلك تقول في الإضافة إلى يدٍ، وغدٍ: يدوي، وغدوي. فلما كانت هذه الراء مفتوحة قبل الرد، تركها على فتحها، وحرك الهمزة بالفتح؛ لأن أصلها قبل الحذف التحرك بالفتح؛ ألا ترى أنه كان "إرأى" في النكرة. وإنما كان كذلك لأنه إذا رد إليه ما له حذف منه ما لم يكن له؛ ألا ترى أنه لما حرك العين من "شية" بحركة الفاء، ورد الفاء إليها، أسكن العين، فكذلك هنا في "ره" إذا رد العين أسكن الفاء؛ لأنها كانت متحركة بحركة العين، كما كانت العين من "شية" متحركة بحركة الفاء، فلما رد الفاء سكن العين. وكذلك إذا رد العين في "افعل" أسكن الفاء في "إرأى". فإذا أسكن الفاء اجتلب همزة الوصل وقطعها للتسمية بها، فصار مثل "إصبع"، فيلحقه التنوين في النكرة، فيكون "إرأى"، ولا يلحقه في التعريف.
ولو سميت رجلاً "يرى" ثم حقرته لكان "يريءٍ"، وجاز أيضاً
стр. 88
"يريُّ". فوجه القول الأول أنه على قول من قال في "يضع": "يويضع"، وفي "هارٍ": "هويئر"، فرد الساقط وإن كان بناء التحقير بغير رد يتم. وكذلك رد العين في "يرى" في التحقير.
ومن قال في "أحوى": "أُحي" فإنه يقاول هنا "يريٍ"؛ لأن الياءات لم يجتمعن هنا كما اجتمعن في تحقير "أحوى"؛ ألا ترى أن الوسطى الواقعة بعد ياء التحقير بدل من الهمز، وأن تخفيفه تخفيف قياسي. فإذا كان كذلك كانت الهمزة كأنها باقية في اللفظ، كما أنها في "رويا" وفي "ضوءٌ" كذلك؛ ألا ترى أن الواو في الأولى ثبتت، وفي الآخرة صحت، كما أن الهمزة لو ثبتت كانت كذلك، فكما أنه لو كانت الهمزة في "يرىٍ" ثابتة لصحت الياءات وثبتت فلم تحذف، فكذلك إذا خففتها ثبتت وصحت؛ لأن التخفيف كالتحقيق للدلالة التي وصفنا.
وأما وجه من قال "يريُّ" فعلى من قال في "يضع": "يضيع"، فلم يرد الساقط من حيث لم يحتج إليه لما لم يكن بالبناء وصحته افتقار إلى رده، فالياء الآخرة لام أدغم فيها ياء التحقير. ولم يصرف لأنه وزن فعل ومعرفة، ومثاله من بناء التحقير "فُعيل"، ومن الفعل "يُفيل".
стр. 89
فأما قولنا "مرٍ" في اسم الفاعل من "أرى "، فإن الخليل ويونس يختلفان في الوقوف على اسم الفاعل في النداء إذا كان معتل اللام فقط، فيقول الخليل "يا قاضي"، فيثبت الياء في الوقف؛ لأن هذه الياء تثبت في الوصل ولا تسقط. وأما يونس فيقول "يا قاض" في الوقف، يحذف الياء لأن النداء موضع تخفيف وحذف؛ الا ترى أن فيه الترخيم. وقالا جميعاً في اسم الفاعل من "أرى": "هذا مُرِي"، فوقنا بالياء. فالخليل على أصله في قوله "يا قاضي"، وأما يونس فإنه كره أن يحذف الياء في هذا الاسم كما حذفه من قاضٍ؛ لبقاء الكلمة لا شيء فيه من أصل بنائها إلا حرف واحد. فهذه جملة من القول على لفظ "رأى" وما تصرف منه.
وهذا ذكر القول على خطه. قد تقدم أن الألف في "رأى" منقلبة عن الياء، وما كان من بنات الثلاثة معتل اللام بالانقلاب إلى الألف، لم يخل من أن يكون منقلباً عن ياء أو واو. فما كان من الواو على ثلاثة أحرف، فلا اختلاف في كتابته بالألف اسماً كان أو فعلاً، فالاسم نحو "عصاً" و "رجاً"، والفعل نحو "غزا" و "دعا". وما كان من الياء فالكُتَّاب وكثير من غيرهم يكتبونه بالياء، وإن كان في اللفظ ألفاً كالمنقلب عن الواو. وقالوا: إنما كتبناه بالياء لنفصل بذلك بين ما كان منقلباً من الياء، وبين ما كان منقلباً من الواو، فيعلم بكتبنا "يسعى" بالياء أن الألف منقلبة عن الياء، كما يعلم بكتبنا "رحى" أن الألف في الأصل ياء بدلالة "رحيت"، وقولهم في تثنية
стр. 90
"رحى":
......................... ... ................... رَحَيَامُدِيِر
فقيل لهم: أرأيتم إن كتبتم فيما كان من الياء بالياء وإن لم يكن في اللفظ كذلك؛ لتدلوا على أن الأصل فيها الياء، هلا كتبتم ما كان بالواو أيضاً بالواو لتدلوا على أن الأصل الواو؟
فإن قالوا: اتباعنا الفصل في أحد النوعين يعلم به أن الآخر على خلافه؛ الا ترى أنه ليس الانقلاب إلا عن أحد هذين الحرفين، فإذا كتب ما كان أصله الياء بالياء، علم أن المكتوب بالألف من الواو.
قيل لهم: فهلا أجريتم ذلك على عكس ما فعلتموه، فرددتم ذوات الواو إلى الأصل دون ذوات الياء، فكتبتموها بالواو كما كتبتم ذوات الياء بالياء، فلم يعلم في ذلك فصل بيّن. فإذا كان الأمر على هذا، فالقياس أن يعتبر في ذلك اللفظ، فيكتب على ما عليه اللفظ، ولا يعتبر الأصل المنقلب عنه كما فعل ذلك في هذين الحرفين. وكذلك "قال" و "باع". وكذلك "موسر" و "موقن"، فكتبوا ذلك كله على اللفظ في غير هذا الموضع؛ ألا ترى أنهم كتبوا "سقاء" و "غزاء" ونحو ذلك على صورة واحدة، ولم يفصلوا بين الهمزة المنقلبة عن الياء، والهمزة المنقلبة عن الواو، ولا بين الألفين المنقلبتين عنهما غير لامين، فكذلك كان القياس في الألف أن تكتب ألفاً في
стр. 91
الموضعين جميعاً؛ ألا ترى أن سائر الحروف التي تبدل إنما تكتب على ما عليه اللفظ بالحرف دون المبدل منه، ونحو "اصبر" و "اظلم" إنما تكت صاداً أو ظاء، ولا تكتب تاء وإن كان الأصل فيها تاء "افتعل". فإذا لم يجروا الأمر في "دعا" و "سعى" على القياس، فكتبوه ياء مع أن القياس أن يكون بالألف، وفعلوا ذلك إذا لم يتصل به مضمر منصوب، فواجب ألا يكتب إذا اتصل المضمر المنصوب إلا بالألف على القياس وأصل ما كان ينبغي أن يكون عليه الخط، ولا يستقيم أن يكتب إلا على القياس لرفضهم غيره في هذا الموضع.
فإن قيل: إن كتابة هذا الضرب تجوز بالياء قياساً على ما كتبوا في المصحف ﴿إحداهما﴾ بالياء مع أنه متصل بالضمير، فكذلك تكتب "رآه": "رأنه" [و "رمان": "رمه"] بالياء لاجتماع الحرفين في أنهما ألفان، وكل واحدة من الكلمتين اللتين هما فيه متصل بالضمير.
قيل: لا يستقيم كتابة هذا النحو قياساً على ما ثبت في المصحف من هذا؛ ألا ترى أنه قد ثبت في المصحف أشياء قد ترك الناس القياس عليها اليوم، فلم يكتبوا (الملأ) على هذه الصورة، وهي "الملؤا" وإن كان قد ثبت في بعض المصاحف كذلك. فكذلك لا يقاس على ما ثبات في المصحف من هذا، ولكن يكتب على أصل القياس وما عليه اللفظ. ويؤكد ذلك اتصاله بالضمير، والاتصال بالضمير من المواضع التي ترد فيها الأشياء
стр. 92
إلى أصولها؛ ألا ترى أن من كسر اللام الجارة مع الأسماء المظهرة نحو "لزيدٍ" إذا وصلها بالضمير فتحها، فقال "هذا له" ومن قال "أعطيتكم مالاً" إذا وصله بالضمير قال "أعطيتكموه". وعلى هذا جاء ﴿أنلزمكموها﴾. ومن قال "قمت اليوم" فنصبه نصب الظرف، قال إذا كنى عن اليوم في الإخبار "الذي قمت فيه اليوم". فكما ردت هذه الأشياء إذا اتصلت بالضمير في اللفظ إلى الأصل، كذلك ينبغي أن يرد في الخط مع اتصال الضمير إلى الأصل؛ لأن الخط يجري مجرى اللفظ؛ لقيامه مقالمه، وكونه بمنزلته. وما يدل على ذلك أنهم كتبوا نحو "قرؤوا" و "كفروا" بألف بعد واو الضمير، وهذه الألف كان القياس فيها ألا تكتب لأنها ليست في اللفظ، فلما وصلوه بالضمير كقولهم "لم يضربوه" ﴿وما يفعلوا من خيرٍ فلن يكفروه﴾، فأسقطوا الألف مع الضمير، ورد إلى الأصل معه، كذلك ينبغي أن يكتب "رآه" و "رماه" بالألف، ولا يجوز غيره، كما لم يجز إلا ترك إثبات الألف بعد الواو في قولهم "لم يضربوه" فيرد إلى القياس في الموضعين جميعاً من أجل الاتصال بالضمير. فإذا كان كذلك كان الصواب في كتابه "رآه" و "رماه" وما أشبه ذلك أن يكتب بالألف دون الياء.
стр. 93
مسألة في آمِين
اختلف في "آمين"، فقال قائلون: إنه اسم من الأسماء التي يسمى بها الفعل، نحو "صه" و "مه" و"إيه" و"رويد"، وما أشبه ذلك وقال قائلون هو اسم من أسماء الله.
فمما يدل على أنه اسم سمي به الفعل ما روى حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ قال: كان موسى يدعو وهارون
стр. 94
يؤمن. وروى حجاج عن ابن جريج عن عكرمة قال: أمَّن هارون على دعاء موسى، فقال الله ﴿قد أجيبت دعونتكما فاستقيما﴾.
فكما أن قول موسى ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ جملة مستقلة وكلام تام، ولولا أنه كذلك لم يكن هارون داعياً؛ لأن من تكلم باسم مفرد أو كلمة مفردة لم يكن داعياً، كما لا يكون آمراً؛ الا ترى أن الدعاء لفظة كلفظ الأمر، فقول القائل "اللهم اغفر لي" في اللفظ، كقوله لصاحبه "أذهب بي"، إلا أنه استعظم أن يقال في الدعاء إنه أمر. فكما أن قولهم صه بمنزلة: اسكت، ومه بمنزلة: أكفف، كذلك قولهم في الدعاء: آمين، بمنزلة: استجب. وفيه ضمير مرفوع بأنه فاعل، كما أن في سائر هذه الأسماء التي سمي بها الفعل أسماء مضمرة مرتفعة بذلك. ويدل على ذلك ما رواه عبد الوهاب عن إسماعيل بن مسلم قال: كان الحسن إذا سئل عن "آمين" قال: تفسيرها: اللهم استجب.
عبد الوهاب عن عمرو بن عبيد عن الحسن في "آمين": ليكن ذلك.
стр. 95
ومن حيث كان دعاء لما ذكرنا، أخفي في قول أبي حنيفة وأصحابه في الصلاة ولم يجهر به؛ لأن المسنون في الدعاء الإخفاء، بدلالة قول الله تعالى ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً﴾، ولما روي من قول النبي ﵇ من أنه قال لقوم رافعي أصواتهم بالدعاء: "إنكم لا تنادون أصم ولا غائباً"، وإن الذي تنادونه أقرب إليكم من رؤوس مطيكم".
ومما يدل على أن هذه الأسماء المسمى بها الفعل فيها ضمير فاعل، كما أن في قولنا "اضرب" وما أشبهه من أمثلة الأمر ضمير فاعل، أنك لما عطفت عليه المرفوع أكّدته، كما أنك لما عطفت على المضمر المرفوع في مثال الأمر أكدته، وذلك نحو قوله ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾ لما عطفت "الشركاء" على "مكانكم"، وكان قوله (مكانكم) بمنزلة قوله "اثبتوا" واسماً لهذا الفعل، أكد بـ (أنتم)، كما أنه لما عطف على المضمر المرفوع في مثال الأمر أكد في قوله تعالى ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ و ﴿اسكن أنت
стр. 96
وزوجك الجنة﴾. فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير، كما احتملته أمثلة الأمر، ثبت أنها جمل، وإذا كانت جملاً لم يصح أن تكون من أسماء الله سبحانه، وأن القائل بذلك مخطئ لادعائه ما لا دليل عليه وما قامت الدلالة على فساده؛ ألا ترى أن أسماء الله سبحانه ليس فيها ما هو جملة، وأنها كلها مفردة، نحو قولنا "شيء"، وما عداه من الأسماء على حرفين، وهي على ضربين: أحدهما ما كان صفة نحو عالم، وقادر، ورازق. والآخر ما كان مصدراً نحو الإله، والسلام، والعدل. فإذا لم تخل من هذين الضربين، ولم يكن "آمين" من واحد منهما، ولا اسماً غير وصف ولا مصدراً كقولنا "شيء"، ثبت أنه ليس منها.
فأما ما روي عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور عن هلال بن يساف، قال: آمين اسم من أسماء الله. وروى شريك عن ليث عن
стр. 97
مجاهد مثله، فإن تأويله عندنا أن هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع الذي وصفنا، وكان ذلك الضمير مصروفاً إلى الله سبحانه، قال: إنه اسم الله على هذا التقدير، ولم يرد أن الكلمة اسم من أسماء الله تعالى دون الضمير، كعالم، ورازق. فإذا احتمل هذا الذي وصفت لم يكن فيما روي عن مجاهد حجة لمن قال إن جملة الكلمة اسم.
ومما يدل على أنه ليس باسم من أسماء الله، وأنه من أسماء الأفعال على ما ذكرت، أنه مبني [كما أن هذه الأسماء الموضوعة للأمر مبنية، وليس في أسماء الله تعالى اسم مبني] على هذا الحد. فلما كان هذا الاسم مبنياً كـ "صه" و "إيه" ونحوهما، دل ذلك على أنه بمنزلتها، وليس من أسماء القدير سبحانه، إذ ليس من أسمائه اسم مبني على هذا الحد.
فإن قال قائل: فقد حكى سيبويه وجميع البصريين "لهي أبوك" وزعم أنهم يريدون به "لله أبوك". وهذا الاسم مبني؛ لأنه لا يخلو من
стр. 98
أن يكون على قول من قال "الله لأفعلن"، فأضمر حرف الجر. أو على قول من قال:
ألا رُبَّ من قلبي له - الله - ناصحٌ ......................
فأوصل الفعل لما حذف الجار، وأعمله، فبيّن أنه ليس على إضمار حرف الجر إذ هو مفتوح في اللفظ. وليس أيضاً على قول من قال:
ألا رب من قلبي له الله ناصح ... .......................
لأنه ليس بمنون، وليس من نحو "إبراهيم" و "عمر" فيكون مفتوحاً في موضع الجر، أو منصوباً بلا تنوين، نحو "رأيت عمر" لتعري الاسم مما يمنع الصرف. فإذا لم يكن على شيء من هذه الأنحاء التي ينبغي أن يكون المعرب عليها، ثبت أنه مبني، وإذا كان مبنياً لم يمنع أن يكون "آمين" اسماً مثله وإن كان مبنياً.
قيل له: إنما بني هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه معنى
стр. 99
التعريف؛ ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا به "لله أبوك"، فلما لم يذكر لام المعرفة لم تضمن الاسم معناها، بني كما بني "أمس" لما تضمن معنى الألف واللام، وكما بني "خمسة عشر" لما تضمن معنى حرف العطف، و"كم" و"كيف" و "أين" لما أغنت عن حروف الاستفهام، والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. فأما "آمين" فلم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، ولا على نحو "كيف" و "كم"، وإنما بني كما بني "صه" و "مه" و "تراك" و "نزال" و"حذار" ونحو ذلك من الأسماء التي تستعمل في الأمل للخطاب.
وحكى قُطرُب "له أبوك" بإسكان الهاء. وهذا صحيح في القياس مستقيم، وذلك أنه لما وجب البناء، وحرك الأخير منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف حرف اللين الواقع موقع اللام، كما حذف في نحو "يدٍ" و "دمٍ"، وبقي على حرفين، زال التقاء الساكنين، فبني على السكون لزوال ما كان يوجب التحريك من التقاء الساكنين.
стр. 100
فإن قال قائل: فهلا بني على الحركة وإن كان على حرفين؛ لأنه قد جرى متمكناً في غير هذا الموضع، كما بني "عل" عند سيبويه على الحركة في قولهم "من عل" وإن كان على حرفين، [تجريه] [غير متمكن مجراه] متمكناً قبل حال البناء.
قيل: لم يشبه هذا "عل"؛ لأن "عل" ونحوه مما ليحقه الإعراب والتمكن على اللفظ الذي هو عليه، و"له" من قولهم "له أبوك" لحقه الحذف من شيء لم يتمكن قط في كلامهم. فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل "عل" لمفارقته لـ "عل" في أنه لم يجر الاسم المحذوف هنا عنه متمكناً. فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم "مذ" من "منذ" في أن المحذوف مبني كما أن المحذوف منه مبني، وفي أن المحذوف يسكن لزوال ما له حرك بالحذف، وهو التقاء الساكنين.
فأما قوله تعالى ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾ فالقول فيه إنه مبني غير معرب من حيث صار اسماً للفعل، كما كان "صه" و "هلم" ونحوهما مبنية.
стр. 101
فإن قلت: إن (مكانكم) منصوب، والنصبة فيه ظاهرة.
قيل: ليست هذه الفتحة بنصب، وذلك أن انصابه لا يخلو من أن يكون بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسماً للفعل، أو أن يكون بعد التسمية به في الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك. فلا يجوز أن يكون انتصابه الآن وقد سمي به الفعل على ما كان قبل؛ ألا ترى أن تقديره معمولاً لذلك العامل واتصاله به، لا يصح كما يصح اتصاله به في المواضع التي لا يكون فيها اسماً للفعل، وذلك قولك "زيد مكانك" و"الذي مكانك زيد" فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه، وأغنى عنه من حيث كان تقدير العامل الذي تعلق به هذا الظرف في الأصل غير ممتنع، نحو: زيد استقر مكانك، أو مستقر، والذي استقر مكانك. ولو قدرت هذا العامل في الموضع الذي سمي الفعل به، لم يتعلق [به] على حد تعلق الظروف والمعمولات بعواملها؛ ألا ترى أنك إن علقته بها على أن ظرف بطل أن يكون جملة، وزال عنه معنى الأمر، فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسماً للفعل كما كان يتصل به قبل، وإذا لم يتصل به لم يكن معمولاً له، وإذا لم يكن معمولاً له لم يجز أن يكون، وهو اسم للفعل، معرباً بالإعراب الذي [كان] يعرب به قبل.
стр. 102
ولا يجوز [أيضاً] أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسماً للفعل، وذلك أنه بمنزلة أمثلة الأمر، وهو نفسه العامل، كما أن مثال الأمر نفسه العامل، فكما أنه لا عمل لشيء في أمثلة الأمر، كذلك ما اقيم مقامه [نحو] "عليك زيدا" و "ضربك" و "عندك"، تأمره به، [قال سيبويه] حدثنا [بذلك] أبو الخطاب. [والمتعدي "حذرك زيداً"، و"حذارك" لا يتعدى، و"فرطك" تحذره من شيء بين يديه، أو تأمره أن يتقدم، و"أمامك" تحذره بين يديه، و"وراءك"].
فإن قلت: إن الأفعال المضارعة عاملة في فاعليها، ولم يمنعها ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر، فكذلك ما تنكر أن لا يمنع كون "مكانك" ونحوه عاملاً في الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضاً معمولاً لغيره، كما لم يمنع المضارع أن يكون معمولاً لغيره وإن كان عاملاً في فاعله.
стр. 103
قيل: إن المضارع لما أشبه الأسماء، ووقع موقعها في بعض المواضع الذي تعرب فيه، لم تمنع أن يعرب للمشابهة التي بينه وبين الاسم على ما ذكر في مواضع ذلك. وهذه الأسماء إذا سمي بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فوجب بناؤها لوقوعها موقع ما لا يكون إلا مبنياً، كما بني قولهم "فداءً لك" لما وقع موقع الأمر، وكما بني المضارع في قول أبي عثمان لما وقع موقع فعل الأمر نحو ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾، فكما بنيت هذه الأشياء لوقوعها موقع فعل الأمر، كذلك بني "دونك" و"حذرك" ونحوه لوقوعه موقع [فعل] الأمر؛ لألا ترى أنهم بنوا "رويد" في هذا الباب مع أنه مصغر، فما عداه من هذه الأسماء أجدر بالبناء. وإذا كان كذلك لم يجز أن يعرب "مكانك" بإعراب بعد ما سمي به الفعل، فإذا لم يجز أن يعرب بما كان معرباً به قيل أن سمي به الفعل، ولم يجز أن يعرب شيء بعدما سمي به، ثبت أنه غير
стр. 104
معرب، وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش. وإذا لم يكن معرباً كان مبنياً، ولم يجز أن يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جر؛ لأن ما يعمل في الأسماء لا يعمل فيه الآن. فأما ما يعمل في الفعل فلا يعمل فيه أيضاً؛ لأنه ليس بفعل، وإذا كان كذلك ثبت أنها غير معربة.
فأما تحرك بعض هذه الأسماء بحركة كانت يجوز أن تكون للإعراب نحو "مكانك" و "حِذرك" و"فرطك"، فإن ذلك لا يدل على أنها معربة؛ ألا ترى أن الحركات قد تتفق صورها وتختلف معانيها، كقولك "يا منص" في ترخيم رجل اسمه "منصور" على قول من قال "يا حارِ" و"يا حارُ". وكذلك من قال "درع دلاصٌ" و"أدرع دِلاصٌ" لا تكون الكسرة التي في الجميع الكسرة التي في الواحد؛ لأن التي في الواحد مثل التي في كِناز" و "ضِناك"، والتي في الجمع مثل التي في "شِراف" و "ظِراف". وكذلك قوله تعالى ﴿في الفُلك المشحون﴾، فضمة الفاء
стр. 105
مثل ضمة "قُفل" و "بُرد". وقوله ﴿والفُلك التي تجري في البحر﴾ ضمة الفاء منه للجمع على حد "أسد" و "أُسد" و"وثن" و "وُثن". فكذلك لا ينكر أن تتفق الحركتان في "مكانك" ويختلف معناهما بما ذكرنا من الدلالة، فتكون، إذا كان ذلك ظرفاً أو مصدراً، حركة إعراب، وإذا كان اسماً للفعل حركة بناء؛ ألا ترى اتفاق حركة الإعراب وحركة البناء في ﴿ابن أم﴾ و"لا رجل عندك"، فكذلك اتفاقهما في "مكانك" ونحوه.
стр. 106
وفي "آمين" لغتان. "أَمين" على وزن "فعيل"، و"آمين" على وزن "هابيل" و "حاميم".
فأما الذي وزنه "فعيل" فلا إشكال فيه لأنه على وزن يكون عليه أوزان الكلم العربية كثيراً.
وأما الممدود فقال أبو الحسن الأخفش فيه: إنه اسم أعجمي مثل "شاهين". وقال: "فإن سميت به رجلاً لم ينصرف". وقال محمد بن يزيد: "آمين على مثال عاصين".
فأما وجه قول أبي الحسن "إنه أعجمي"، فإنما قال ذلك لأنه وزن لم يجئ عليه شيء من العربي، وإنما جاء في العجمي نحو "هابيل" و "قابيل"، فلما لم يجئ مثاله في العربي، ووجد ما جاء على مثاله غير مصروف في المعرفة، كما أن سائر الأعجمية كذلك، حكم فيه بالعُجمة. فمما جاء على مثاله غير مصروف ما أنشده سيبويه:
стр. 107
يذكرني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقال:
وجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها مني تقي ومعرب
وقال:
أو كتباً بُيِّنًّ من حاميما
стр. 108
وللقائل أن يقول: إنه ليس بأعجمي، وذلك أن الأعجمية لا تخلو من أحد أمين: إما أن تكون اسم جنس نحو "النيروز" و"الفرند" و"اللجام"، أو علماً كـ"إبراهيم" و "إسماعيل" و "إسحاق". فإذا لم يخل العجمي من هذين الضربين، ولم يكن "آمين"، في من مد الألف، على واحد منهما، دل ذلك على أنه ليس بأعجمي؛ ألا ترى أن هذا البناء بعينه في الأعجمية، لم يعد ما جاء منه من أن يكون على هذين النحوين. فما جاء من أسماء الأجناس فنحو "شاهين". وما جاء منه من أسماء الأعلام فنحو "هابيل" و"قابيل"، و"حاميم" من هذا النحو؛ ألا ترى أنه اسم سور مختصة. فأما "آمين" فبمنزلة ما ذكرنا من الأسماء المصوغة للأمر في المواجهة نحو "آفعل"، فكما أن تلك الأسماء الأخر عربية، فكذلك "آمين".
فأما لحاق هذه الألف فيه، وزيادة البناء بها على لفظ "آمين" الذي هو على وزن "فعيل" فلحقت هذه الألف كما لحقت في قول ابن هرمة:
وأنت من الغوائل حين تُرمى ... ومن ذم الرجال بمنتزاح
وإنما هو "مفتعل" من "نزح" إذا بعد. وقد يكون على هذا قوله:
стр. 109
ينباع من ذفرى غضوبٍ .......... ... ............................
إنما هو المضارع من "نبع"، ولا تجعله "ينفعل" وإن كان على لفظ ينقاد؛ لأن ذلك الوجه كأنه أظهر في المعنى. وكما أنشد أحمد بن يحيى:
وأنني حوثما يثني الهوى بصري ... من حوثما سلكوا أدنوا فأ، ظور
وإنما أراد "أنظر" فزاد واواً. فكما لا يسوغ لقائل أن يقول إن "منتزاح" و"أنظور" أعجميان؛ لأنه ليس في الأسماء شيء على "مفتعال" ولا في
стр. 110
الأفعال شيء على "أفعول" فكذلك لا يسوغ أن تقول ذلك في "آمين" في من ألحق الألف بعد الهمزة.
فأما قول الأعشى:
أمن جبل الأمرار صرت خيامكم ... على نبأٍ أن الأشافيَّ سائل
فيحتمل "الأُشافيّ" ضربين من الوزن:
أحدهما: أن يكون على مثال "أُجارد" في الأسماء، و"أُباتر" و"أُدابر" في الصفة، فيكون على هذا "أُشافٍ" إلا أنه زاد ياء كما زيدت واو في "أنظور"، وألف في "منتزاح".
ويجوز أن يكون الياءان للإضافة مثل "سدادسي". وعلى هذا يتجه عندي ما أنشده سيبويه للفرزدق:
следующие страницы →