Полный текст (378 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
منقول من اسم هذا الحدث، كما أن قولنا "زيد" اسم رجل منقول من مصدر "زاد يزيد".
فأما دخول لام التعريف فيه في حال النقل فإن الأسماء الأعلام على ضربين: أحدهما لا تدخله لام التعريف كـ "طلحة" و "عثمان" و "بكر" و "زيد"، وهذا هو القياس؛ لأنها قد تعرفت بتعليقها على ما سمي بها، واختصت من هذه الجهة، فأغنى ذلك عن التعريف باللام. والآخر تدخله لام التعريف كـ "الحارث" و "العباس" و "القاسم". ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي سمي بها وفيها الألف واللام، أنها بمنزلة صفات غالبة كـ "النابعة" و "الصعق"، فلذلك تدخله الألف واللام. ومن لم يرد هذا الوجه، وأراد الوجه الأول الذي هو تعريف العلم، قال "حارث" و "عباس" و "قاسم" كما قال "طلحة" و "بكر" و "زيد".
والدليل على صحة مذهب الخلي فيما وصفنا، وأن العرب أجرت هذا الضرب على مأخذ الخليل، قول الأعشى:
أتاني وعيد الحوص من آل جعفرٍ ... فيا عبد عمروٍ لو نهيت الأحاوصا
فتكسيه الاسم على "الحُوص" يدلك على أنه ذهب به مذهب "الحارث" و "العباس"؛ ألا ترى أن "فُعلاً" إنما تُكسر عليه الصفات التي هي على "أفعل" دون الأسماء، نحو "أحمر" و "حُمر"، و "أسود" و "سُود"، ولو كان "أفعلُ" اسماً غير صفة لم يكسر على "فُعل".
стр. 282
وقوله "الأحاوصا" يدلك على أنه أجراه مجرى "حارث" و "عباس"؛ ألا ترى أنه كسره تكسير الأسماء نحو "أزمل" و "أزامل" و "أرمل" و "أرامل"، وعلى هذا قالوا "أبطح" و "أباطح" و "أدهم" و "أداهم"، فكسروه على "أفاعِل" حيث استعملت استعمال الأسماء، فكما جعلوه في التسكير مرة بمنزلة الصفة، ومرة بمنزلة الاسم الذي هو غير صفة، كذلك يكون في إلحاق لام التعريف به وترك الإلحاق، يكون على هذين المذهبين.
ومثلُ قول الأعشى "أتاني وعيدُ الحوص" ما أنشده الأصمعي:
أحوى من العوج وقاح الحافر
فـ "العوج" و "الحوص" على مذهب قول من قال "الحارث"، كُسرا تكسير الصفات غير الأسماء، كما أدخل لام التعريف على "العباس" من حيث جعل في المعنى: الذي يعبس، وإن كان قد غلب حتى أغنى عن تعريف العلم في المسمى كما أغنى "الصعق" و "النابغة" عن ذلك. ويدل أيضاً على لحاق اللام في هذا الضرب للمعنى الذي ذكرنا، أن من قال "الحارث" و "العباس" لم يقل إذا سمى باسم جنس غير صفة بإلحاق لام التعريف؛ ألا
стр. 283
ترى أنهم لم يقولوا في رجل اسمه "ثور" أو "يربوع" أو "أسد": "الثور" ولا "الحجر" ولا نحو هذا.
فإن قلت: فقد قالوا "الفضل" في رجل اسمه "فضل".
فإنما ذلك لأنه على حد الصفة، كأنهم جعلوه عبارة عن الحدث الذي هو خلاف النقص من حيث جاز في "حسنٍ" أن يقصد بالتسمية ذلك، كما حسُن أن يقصد بـ "الحارث" و "العباس"، فدخلت اللام في هذا على حد دخولها في "الحارث" و "الصعق". وعلى هذا دخلت في قولنا "القرآن".
فأما قول الشاعر:
أما ودماءٍ لا تزال كأنها ... على قنة العُزى وبالنسر عندما
فقال "بالنسر". وفي التنزيل ﴿ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾. وما حكاه سيبويه من أنهم يقولون "هذا يوم اثنين مباركاً فيه" ويقولون أيضاً "يوم الاثنين"، وما حكاه أبو زيد، من قولهم: لقيته الندرى وندرى وفي الندرى وندرى، وفينة والفينة بعد الفينة، فليس من باب "الحارث" و "حارث"، ولكنه مما تعاقب عليه ضربان من التعريف مختلفان، وعلى هذا جاء "إلاهة" و "الإلاهة" في اسم الشمس.
стр. 284
وإن شئت قلت: إن اللام في نحو "النسر" زائدة، كما جاءت زائدة في قول الآخر:
باعد أم العمرو من أسيرها
وكقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي
وأنشد أبو عثمان عن الأصمعي:
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وحكى عنه أنه قال: "الألف واللام فيه زائدتان". ويجوز أن يكون قد اعتوره تعريفان مثل "فينة" و "الفينة". ويجوز أن تجعله للتعريف على أن "أوبر" نكرة، وإنما امتنع من الصرف في قولهم "بنات أوبر" للوصف لا للتعريف؛ ألا ترى أن سيبويه قد أجاز في "ابن عِرْس" في قول من قال "هذا ابن عِرْسٍ مُقْبِلٌ" أن يكون نكرة، فكذلك يكون "أوبر" نكرة على هذا الحد، ثم يتعرف باللام.
стр. 285
فأما [ما] في التنزيل من قوله ﴿واليسع﴾ فقد تكون اللام فيه زائدة؛ لأن نحو "يزيد" و "يشكر" و "تغلب" إذا جعلت أعلاماً لم تدخلها اللام كما تدخل "الحارث". ومن قال ﴿الليسع﴾ أمكن أن يكون من باب "الحارث" لأنه على ألفاظ الصفة كـ "الضيغم" و "الجيدر"، وإن كان أعجمياً في هذا الوجه أيضاً فالأشبه أن تكون زائدة؛ لأن الأعجمية تلحق هذه اللام شيئاً منها. ومما يقوي زيادة هذه اللام أن أبا الحسن حكى أنهم يقولون "الخمسة العشر درهماً".
فاعلم أن لام المعرفة لا تخلو من اربعة أضرب: أحدها أن تكون تعريفاً للجنس. الآخر: أن تكون تعريفاً للواحد من الجنس. والثالث: أن تكون تعريفاً للإشارة إلى حاضر. والرابع: أن تكون زائدة.
فأما كونها تعريفاً للجنس فكقولك "الملك أفضل من الإنسان" و "أهلك الناس الدينار والدرهم"، وفي التنزيل ﴿إن الإنسان خلق هلوعا﴾ ثم قال ﴿إلا المصلين﴾، فدل استثناء الجماعة منه على أن المراد به الكثرة والعموم لامتناع استثناء الجماعة من الواحد. وهذه الإشارة في أسماء الأجناس إنما هي إلى ما في عقول الناس وأفهامهم من معرفة الجنس، وليس على حد الإشارة إلى الواحد من الجنس الذي عرف حساً كقولنا "الرجل"
стр. 286
ونحن نعني به واحداً بعينه مخصوصاً بعهد لنا به؛ ألا ترى أن جميع الجنس لا يعلمه أحد من الناس من هذا الوجه كما نعلم من هذه الجهة الواحد من الجنس، فإذا كان كذلك تبين أن الجنس لم يعلم من حيث عُلم الآحاد منه.
وأما ما كان تعريفاً بالإشارة إلى حاضر فنحو "مررت بهذا الرجل" و ﴿يا أيها الإنسان﴾.
و [أما] الزيادة فنحو ما حكي من قولهم "الخمسة العشر درهماً"، فاللام في "العشر" لا تكون إلا زائدة؛ لأن "خمسة عشر" اسمان جعلا اسماً واحداً، فإن جعلت اللام الثانية غير زائدة لم تخل من أحد أمرين: إما أن تعرف بعض الاسم، أو تعرفه بتعريفين، ولا يجوز تعريف بعض الاسم، كما لا يجوز أن تعرفه بتعريفين، وإذا لم تخل من أحد هذين، ولم يجز واحد منهما ثبت أنها زائدة.
وتأول أبو الحسن ﴿اللات﴾ في قول الله تعالى ﴿أفرأيتم اللات والعُزى﴾ أن الألف واللام فيه زائدتان. والدليل على صحة ذلك -عندي- أنه اسم علم، والأعلام لا تدخلها لام المعرفة إلا على حد ما دخلت في "الحارث" و "العباس" و "الفضل"، وليس "اللات" من واحد من هذين القبيلين، فإذا لم تكن منهما، ولم تدخل الأعلام اللام إلا على هذا الحد، ثبت أنه زيادة.
فأما قوله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه
стр. 287
وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ فقال أبو الحسن: كان يحرك به لسانه ليستذكره، فقال ﴿لا تحرك به لسانك﴾ إنا سنحفظه عليك. وهذا - والله أعلم- في المعنى مثل قوله ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه﴾. ومثله ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ﴾. ومثله ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ أي: مما يرفع تلاوته للنسخ.
وليس المراد بقوله ﴿جمعه وقرآنه﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، ولكنه المصدر المنقول عنه هذا الاسم. ويدل على ذلك أن الضمير المضاف إليه هذا المصدر هو ضمير للتنزيل، وإنما أضمر في قوله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك﴾ وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر في قوله تعالى ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ لذلك، وإن كان أول سورة، ولم يجر له في هذا الكلام ذكر، ومثل هذا كثير في التنزيل وغيره. وإذا كان هذا الذكر
стр. 288
المضاف إليه المصدر في قوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ راجعاً إلى التنزيل، ثبت أن المصدر لا يكون عبارة عنه لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه؛ ألا ترى أنك لا تقول "رجلُ زيدٍ" وأنت تعني بـ "رجل" زيداً نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول ههنا، ولم يذكر الفاعل كما أضيف إليه في قوله ﴿لا يسأم الإنسان من دعاء الخير﴾ و ﴿بسؤال نعجتك﴾، والمعنى: من دعائه الخير، وبسؤاله نعجتك، فكما أن المعنى في قوله تعالى ﴿من دعاء الخير﴾ إنما هو: من دعائه الخير، كذلك المعنى: قرآننا إياه، وجمعنا إياه. وكذلك في التقدير في قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾.
فإن قال قائل: فإذا كان تأويل قوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ مجازه في قول أبي عبيدة: تأليف بعضه إلى بعض، وكان قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾ تأويله: وجمعه، فكيف ساغ أن يتكرر على تأويله لفظان لمعنى واحد؟ وهل يحسن على هذا: إن علينا جمعه وجمعه، و: إن علينا قرآنه وقرآنه؟
قيل: إن الآية على نظم ليس يدخل معه هذا السؤال؛ لأن لقولنا "الجمع" نحواً من الاتساع في التصرف ليس لقولنا "قرآن"، ألا ترى أنك تقول
стр. 289
"جمعت الناس" و "أجمعت الرأي" وفي التنزيل ﴿جامع الناس﴾ وفيه ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾. ولو قلت: قرأت الناس، وقرأت الرأي على هذا/ الحد لم يُسغ، فلما دخل قولنا "القرآن" هذا الاختصاص الذي دخله حسن التكرير، كما أنك إذا قلت: أعلمت زيداً وأنذرته حسن ذلك، ولم يكن بمنزلة قولك "أعلمت زيداً أعلمته" لاختصاص الإنذار بمعنى التخويف المتعري منه "أعلمت"؛ ألا ترى أن كل مُنذرٍ مُعلمٌ وإن لم يكن كل مُعلمٍ مُنذراً، فكما أن الإنذار أخصُّ من الإعلام، فكذلك "قرأت" أخص من "جمعت"، كما أن "ضممت" أخص منه، [و] إذا كان المعنى الواحد إذا جاء بلفظين مختلفين قد جاء واستجيز استعمالهما نحو "أقوى" و "أقفر"، فهذا النحو الذي يختص فيه إحدى الكلمتين بمعنى ليس في الأخرى أجدر أن يُستحسن وأولى أن يُستعمل.
فإن قال قائل: فما تُنكر أن يكون ما تأولناه في قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾: "إذا بيناه لك بالقراءة فاعمل بما بيناه لك بالقراءة". أولى من قول قتادة وأبي عُبيدة في قوله تعالى ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾: "إنه حفظه وتأليفه" بدلالة أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ في غير آية من تنزيله باتباع ما أُوحي إليه، ولم يُرخص له في ترك اتباع
стр. 290
شيء من أمره إلى وقت تأليفه القرآن له، ولو وجب أن يكون معنى قوله ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾: فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه لك فيه، لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، ولا فرض ﴿يا أيها المدبر* قم فأنذر﴾ قبل أن يؤلف ذلك إلى غيره من القرآن، وذلك - إن قاله قائل- خروج من قول أهل الملة.
فالقول: إن هذا الذي ذكره السائل لا يلزم له أن يكون التأويل الذي ذكره أولى من قول قتادة، وذلك أن قوله ﴿يا أيها المدير * قم فأنذر﴾ و ﴿اقرأ باسم ربك﴾ قرآن في الاسم والحكم، وإذا كان كذلك كان داخلاً تحت قوله تعالى ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾ قبل أن يُضم إلى غيره، كما أنه بعد ذلك واقع تحته. على أن قوله تعالى ﴿فإذا قرأناه﴾ لا يدل على أنه إذا لم يجمع إلى غيره؛ ألا ترى أنه قد جاء ﴿فإن لم يكونا رجُلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾، وقال ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ ولو وجد رجلين فعداهما وعدل عنهما مع وجوده لهما، وأشهد رجلاً وامرأتين، لكان ذلك جائزاً له غير مضيق عليه. فكذلك نحو قوله ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ و ﴿يا أيها المدثر* قم فأنذر﴾ لا يلزمك ألا يجب اتباعه قبل أن يضم إليه غيره من الآي، وإن كان قد جاء ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾. فإذا كان كذلك ثبت صحة قول قتادة وما تأوله أبو عبيدة من قوله ﴿فاتبع قرآنه﴾: إنما هو جمعه لما استشهد به على ذلك من قولهم: "ما قرأت هذه الناقة سلى
стр. 291
قط"، وبيت عمرو بن كلثوم. على أن حمله على "القراءة" لا يخرج من تأويل أبي عبيدة لموافقته له في المعنى ألا ترى أن القارئ بقراءته متبع الحروف بعضه بعضاً، فهو كالضام بعضه إلى بعض.
فأما قول الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يُقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
فإنه يحتمل ضربين:
أحدهما: أن يكون المعنى يُقطع الليل تسبيحاً وقراءة قرآنٍ، فحذف القراءة، وأقام القرآن مقامها، كما أن قوله تعالى ﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ أي: في خلقكم، كما أن قوله ﴿فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يُسارعون فيهم﴾ أي: في اتباعهم، أو: في
стр. 292
نصرهم، و ﴿إلا كنفسٍ واحدةٍ﴾ أي: كخلق نفسٍ واحدة، وهذا واسع فاشٍ. وعلى هذا قوله تعالى ﴿لا تحرك به لسانك﴾ أي: بتلاوته ﴿لتعجل به﴾ أي: بتلاوته. ومثل ذلك قول زهير:
القائد الخيل منكوباً دوابرُها ... قد أُحكمت حكماتِ القِدِّ والأبقا
أي: أُحكمت حكمات القِد وحكمات الأبق، والأبق: الكتان، زعموا. وقال أمية:
وترى شياطيناً ترُوغُ مُضافةً ... ورواغُها ضمنٌ إذا ما تُطردُ
المعنى: قدر رواغها. وقد كثر هذا الحذف فيما لا يلبس، حتى قد استجازت الشعراء ذلك فيما أدى حذفه إلى الإلباس، أنشدنا محمد بن السري عن محمد بن زيد لكثير في ابن الحنفية:
تُخبر من لاقيت أنك عائذٌ ... بك العائذُ المحبوسُ في سجنِ عارمِ
стр. 293
وصي النبي المصطفى وابن عمه ... وفكاكُ أعناقٍ، وقاضي مغارمِ
إنما يريد: ابن وصي النبي وابن عمه. وقد جاء أبيات غير هذا أُخر.
ويجوز أن يكون جعل "قرآناً" مصدراً لـ "قرأت" ولا يكون هذا الذي هو اسم التنزيل، كأنه قال: "تسبيحاً وقراءة".
وزعم بعض أهل التأويل أن "القرآن" من قرنت الشيء بالشيء. وهذا سهو منه، وذلك أن لام الفعل من "قرأت" همزة، ومن "قرنت" نون، فالنون في "قرآن" لست كالذي في "قرن"؛ لأنها في "قرآن" زائدة، وفي "قرن" لام الفعل. ونُرى أن الذي أشكل هذا عليه من أجله هو أنه إذا خففت الهمزة من "قرآن" حذفت، وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، فصار لفظ "قرآن" إذا كان مخفف الهمزة كلفظ "فُعال" من "قرنت" وليس هو مثله؛ ألا ترى أنك لو سميت رجلاً بـ "قُران" مخفف الهمزة لم تصرفه في المعرفة، كما لا تصرف "عُثمان" اسم رجل، ولو سميته بـ "قران" وأنت تريد به "فُعالاً" من "قرنت" لانصرف في المعرفة والنكرة. وأما قوله تعالى ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ﴾ فهو عبارة عن التنزيل، وليس كقوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ لمكان قوله ﴿لتقرأه على الناس على مكثٍ﴾ وكذلك قوله تعالى ﴿قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ﴾ هو حال من (القرآن) في قوله ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثلٍ﴾، ولا يمتنع أن يُنكر ما جرى في
стр. 294
كلامهم معرفة من نحو هذا، ومن ثم أجاز الخليل في قول الشاعر:
يا هند هندٌ بين خلبٍ وكبد
أن يكون المعنى: يا هندُ أنت هندٌ بين خلبٍ وكبد، فجعله نكرة لوصفه بالظرف: ومثل ذلك قوله الآخر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... ....................
فأما انتصاب "قُرآن" في قوله ﴿وقرآناً فرقناه﴾ فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون محمولاً على ﴿أنزلناه﴾ كأنه قال: بالحق أنزلناه وأنزلنا قرآناً، فانتصابه على أنه مفعول به، ولا يجوز أن ينتصب على الحال كما أجزنا في قوله ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن ... قرآناً عربياً﴾ أن يكون انتصابه على الحال، ألا ترى أنك لو قلت: "جاءني زيدٌ وراكباً" لم يستقم حمل هذا على الحال، لمكان حرف العطف.
والوجه الآخر في قوله ﴿وقرآناً فرقناه﴾ أن تعطفه على ما يتصل به، كأنه: وما أرسلناك إلا مُبشراً ونذيراً وذا قرآن وصاحب قُرآن، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
стр. 295
القول في الفرقان
قد ثبت أن "الفُرقان" اسم القرآن، بدلالة قوله تعالى ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾. قال أبو عبيدة: "تقديره تقدير رجل قُنعان، أي يرضى الخصمان به ويقنعان".
فإن قال قائل: هلا قال: إن "القرآن" أيضاً صفة كما زعم أن "الفُرقان" صفة؟
قيل: إن الدلالة قد قامت على أن "القرآن" لا يكون صفة كما جاز أن يكون "الفرقان" صفة، ألا ترى أن "القرآن" قد أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾، ولو كان صفة لم تجز هذه الإضافة فيها؛ لأن من أضاف المصدر إلى الفاعل نحو قوله تعالى ﴿ولولا دفع الله الناس﴾ لم يضف إليه اسم الفاعل فيقول: "هذا ضاربُ زيدٍ" فيضيف الصفة، إلى الفاعل؛ من حيث كان اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيءُ لا يضاف إلى نفسه، فكذلك لو كان "القرآن" صفة كما أن "الفُرقان" صفة في قول أبي عبيدة، لم تجز إضافته إلى التنزيل في قوله ﴿جمعه وقرآنه﴾، فدل جواز هذه الإضافة فيه على أنه مصدر في الأصل، وليس بصفة، وليس يمتنع المصدر أن يضاف إلى الفاعل، كما لا يمتنع أن يضاف إلى المفعول لأنه غير الفاعل، كما أنه غير الفاعل، فمن ثم ساغ إضافته إلى الفاعل كما ساغ إضافته إلى المفعول.
فإن قال: فهلا جاز أن يجري صفة على موصوفه كما قيل "رجلٌ قنعانٌ"، فأجري صفة على الموصوف؟
стр. 296
قيل له: ليس يمتنع أن يكون صفة وإن لم يجر على الموصوف؛ لأن كثيراً من الصفات قد يستعمل استعمال الأسماء؛ ألا ترى أنك تقول: هذا عبدٌ، ورأيت عبداً، وهو في الأصل صفة، ولا تكاد تقول: هذا رجلٌ عبدٌ. وعلى هذا عندهم "صاحبٌ"، ومن ثم لم يُعمل إعمال أسماء الفاعلين نحو "ضاربٍ" و "آكلٍ"، وحسُن لهذا ترخيمه في نحو:
أصاح أُريك برقاً هب وهناً ... .........................
وإن لم يرخموا من هذا الضرب من الأسماء غيره.
وكذلك "الأجرع" و "الأبطح" و "الأدهم"، ولذلك كسروه "أجارع" و "أباطح" و "أبارق"؛ ألا ترى أنه لو لم يستعمل استعمال الأسماء لما تعدوا فيه "فُعلاً" أو "فُعلاناً" كـ "أحمر وحُمر وحُمران" و"أسود وسُود
стр. 297
وسودان"، فإذا كثُر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي تجري مجرى الأسماء في أن لا تجري على الموصوف، وفي أن تكسر تكسير الأسماء، لم يدل امتناعهم من إجراء "الفرقان" صفة على موصوف على أنه ليس بصفة. ويقوي كونه صفة مجيئه على وزن جاءت عليه الصفات نحو "عريان" و"خصمان".
فأما قوله تعالى ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ فقال أبو عبيدة: الفرقان ما فرَّق بين الحق والباطل. وأجاز غيره أن يكون المعنى: وإذ آتنيا موسى الكتاب وآتيناك الفرقان، وشبه بما جاء من قولهم:
....................... ... متقلِّداً سيفاً ورُمحا
ويدل على أن "الفرقان" في قوله ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ محمولٌ على هذا الفعل الظاهر دون الفعل المضمر الذي ذكره غير أبي عبيدة قوله تعالى ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً وذكراً للمتقين﴾، فكما أن "الفرقان" في هذه الآية لا يكون إلا محمولاً على هذا الفعل المظهر، فكذلك يكون في الآية الأخرى محمولاً عليه. وإذا كان كذلك كان "الفرقان"
стр. 298
منتصباً بالعطف بالواو على الفعل الظاهر، وكان مما أوتيه موسى كما أنه في الآية الأخرى كذلك.
وقال في تفسير قوله ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً﴾: إنه المخرج. إنما اعتبر - والله أعلم - قوله ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾. وقيل في قوله تعالى ﴿فالفارقات فرقاً﴾: الملائكة تفرق بين الحلال والحرام. وقال مجاهد في قوله ﴿يوم الفرقان﴾: "يوم فرق الله فيه بين الحق والباطل". وهذا لأن المسلمين علت كلمتهم بالغلبة، ونصروا على العدو يوم بدر، كما نصروا قبله بالحجة. وإذا جاء "الفرقان" على هذا المعاني من الفصل بين الحلال والحرام، والحق والباطل، كان تأويل أبي عبيدة قوله تعالى ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ على أنه ما فرق به بين الحق والباطل، أولى ممن تأول وقال: إنه انفراق البحر؛ لأنه يعم انفراق البحر وغيره، ولأنه قد استعمل في هذه المواضع على معان غير عين، ولأن مصدر "فرقت" قد جاء في التنزيل ﴿فرقاً﴾، ولم يجيء "فرقاناً" وإن كان بعض أمثلة المصادر قد جاء على مثال "فعلان".
стр. 299
القول في الكتاب
فأما "الكتاب" فهو مصدر قولك "كتبت". والدلالة على كونه مصدراً انتصابه عما قبله في نحو قول الله تعالى ﴿كتاب الله عليكم﴾، وقوله ﴿وما كان لنفسٍ أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً﴾. فمذهب سيبويه في هذا النحو أنه لما قال ﴿حُرِّمت عليكم أمهاتكم﴾ دل هذا الكلام على "كتب عليكم"، وكذلك دل قوله ﴿وما كان لنفسٍ أن تموت﴾ دل على "كتب الله موته ومدة حياته"، فانتصب بـ"كتب" الذي دل عليه الفعل المظهر. ومذهب غيره من أصحاب أنه انتصب بالفعل الظاهر. وكيف كان الأمر فقد تبين من ذلك أن "الكتاب" مصدر، كما أن "الوعد" و"الصنع" من قوله ﴿صنع الله الذي أتقن كل شيءٍ﴾، وقوله ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾ مصدران انتصبا لما ذكر قبلهما من قوله ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾، وقوله ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين﴾. فإذا ثبت أنه مصدر لـ"كتب" وسمي به التنزيل بدلالة قوله تعالى ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيماً﴾، علمنا أنه مما أجري عليه اسم المصدر، والمراد به المفعول كقولهم "الخلق" يريدون به المخلوق لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع،
стр. 300
ولكن كما تقول "جاءني الخلق" و"كلمت الخلق". وكذلك "هذا الدرهم ضرب الأمير" و"هذا الثوب نسج اليمن"، وإنما يراد "مضروبه" و"منسوج اليمن". فكذلك "الكتاب" يراد به المكتوب. وكذلك ما يروى عن النبي ﷺ : "الراجع في هيبته" يراد: في موهبة الذي هو العين القائم لا الحدث الذي قد تقضى. وعلى هذا تأول أحد فقهائنا قوله تعالى ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ أي: للمقول فيه، وهو من ظاهر منه من النساء. ومن ثم لم يوجب أبو حنيفة الكفارة على من حلف، فقال: "وعلم الله لأفعلن"، ثم حنث؛ لأن علم الله سبحانه قد صار يتعارف به المعلوم؛ ألا ترى أن في عادة الناس أن يقولوا "غفر الله لك علمه فيك"، قالوا: فلا مصرف لهذا الكلام إلا إلى هذا الوجه؛ لأن الله - سبحانه - عالم بنفسه لا بعلم، فإذا تصرف ذلك إلى المعلوم لم يكن يميناً، ولو قال "وقدرة الله" كان عنده يميناً، ولم يكن كالعلم الذي يراد به المعلوم، ولم يكن المراد بالقدرة المقدور؛ لأنه لم يتعارف تعارف العلم في هذا، قالوا: ولأن الموجودات إذا وجدت خرجت عن أن تكون مقدورات، فإذا خرجت بوجودها عن أن تكون مقدورات لم توجه القدرة إلى المقدور كما وجه العلم إلى المعلوم؛ لأن المعلوم ليس يخرجه وجوده عن أن يكون معلوماً، كما يخرج الموجود المقدور عن أن يكون مقدوراً، فإذا خرج "القدرة" بما ذكرنا عن أن يكون المراد به
стр. 301
"المقدور"، ثبت أنه يراد به "القادر" تعالى، إذ هو سبحانه قادر بنفسه. وإنما أجري اسم المصدر على المفعول به فيما ذكرنا من قولهم "الخلق" و"ضرب الأمير" و"نسج اليمن"، كما أجري على الفاعل في نحو "رجلٌ عدلٌ ورضاً" و"هم رضاً" و"هم عدلٌ" و ﴿إن أصبح ماؤكم غوراً﴾، ويسوي بين الفاعل والمفعول في هذا كما سوي بينهما في إضافة المصدر إليهما، وكما سوي بينهما في أن بني لكل واحد منهما فعل يختص به، كقولنا للفاعل "ضرب" وللمفعول به "ضرب"، فلما سوي بينهما في إسناد الفعل إلى كل واحد منهما، وإضافة المصدر إلى كل واحد منهما، كذلك سوي بينهما بالوصف بالمصدر، ولم يسغ ذلك في سائر المصادر والمفعولات؛ لأن الفعل لا يُبنى له كما يبنى للمفعول به، إلا أن يتسع فيجعل غير المفعول به بمنزلة المفعول به، كالظرفين من الزمان والمكان، والمصدر.
وما تأولناه في قولنا "الكتاب" المسمى به التنزيل أنه لا يراد به المكتوب، أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي بذلك لما فرض فيه، وأوجب العمل به؛ ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضاً، وإذا كان كذلك كان العام الشامل لجميع المسمى أولى مما كان بخلاف هذا الوصف.
وأما قوله تعالى ﴿لولا كتابٌ من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ﴾ فهو مصدر يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون المراد بقوله (كتاب) ما في الآية الأخرى من قوله
стр. 302
﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفورٌ رحيمٌ﴾.
والآخر: يكون المراد به قوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾. والوجه الأول - والله أعلم - أشبه بتأويل قول الله تعالى ﴿لولا كتابٌ من الله سبق﴾؛ لأن المعنى بقوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ عذاب الاصطدام، وهذا الضرب من العذاب لا يعذب به أمةً نبيها بين أظهرها؛ لما ذكر الله -تعالى- في قصة لوط. يدل على المراد بقوله (ليعذبهم) عذاب الاصطلام قوله ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾، فهذا الضرب غير الأول، وإنما هو عذاب السيف أو نحوه، وليس بانتقام عام شامل كالأول.
وسأل سائل عن قول الله - تعالى - ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله﴾ ما معنى (في كتاب الله) بعد قوله (عند الله)؟ وإذا كان في كتاب الله فهو عند الله.
стр. 303
والجواب: أن في قوله - سبحانه - ﴿في كتاب الله﴾ من الاختصاص ما ليس في قوله (عند الله)؛ ألا ترى أنه قد توصف أشياء بأنها عنده - سبحانه - ولا توصف بأنها في كتابه، كقوله تعالى ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾. وإذا كان كذلك كان في قوله (في كتاب الله) من التخصيص معنى زائد على ما في (عند الله)، فجرى في هذا المعنى مجرى قولك: خرج من الدار من البيت، في حصول الفائدة في الظرف الثاني.
فأما القول في الظرفين، وبما يتعلقان، فإن (عند الله) متعلق بالمصدر الذي هو العدة، وهو العامل فيه. وقوله (في كتاب الله) متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة لـ (اثني عشر). ولا يجوز أن يكون بدلاً من قوله (عند الله)؛ لأنك إن أبدلت على هذا فصلت بين الصلة والموصول. وقد يجوز في قوله تعالى (في كتاب الله) شيء آخر، وهو أن يكون متعلقاً بـ (حُرُ)، تقديره: منها أربعة حُرُم فيما كتب الله يوم خلق السموات والأرض، كأنه قال: منها أربعة حرم في كتاب الله، والمعنى أن الحرم منها في كتاب الله، أي: فيما فرض كونه حرماً أربعة أشهر لا أكثر منها، فإذا نسأتم أنتم الشهور جعلتم أكثر من أربعة أشهر، وحللتم ما حرم الله، وحرمتم ما أحل الله، كما ذمهم الله تعالى بفعل ذلك، وجعله زيادة في كفرهم، فقال: ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله﴾. فأما ﴿يوم خلق السموات والأرض﴾ فمتعلق بالمصدر الذي هو (كتاب).
стр. 304
مسألة
سأل سائل عن قولهم "اثنا عشر": كيف أُعرب من بين سائر الأعداد التي بين العشرة والعشرين؟
والقول في ذلك إنه أعرب من بين ما أشبهه من الأعداد؛ لأن "عشراً" من "اثني عشر" بمنزلة النون، وليس "عشر" معه بمنزلته مع سائر الأعداد الذي يشبهه مما ضم "عشر" فيه إلى ما قبله وبني معه، فلما لم يكن مثله فلم يلزم بناؤه؛ إذ المعنى الموجب فيه للبناء هو تضمنه معنى حرف العطف منضماً إلى الصدر، فلما عَرِيَ قولهم "اثنا عشر" من ذلك لم يلزم فيه البناء، ووجب إعرابه، كما وجب إعراب سائر الأسماء المتمكنة العارية من شبه الحرف وتضمنه لمعناه. ومن الدليل على أن "عشراً" من "اثني عشر" ليس كسائر هذه الأعداد، أنها عاقبت النون فلم تجتمع معه، فلما عاقبتها علم أنها بدل منها، إذ ليس هنا إضافة توجب حذف النون لها، فهذه النون إنما تحذف للإضافة.
ويدل على ذلك أيضاً أن "عشراً" فيه لا يخلو من أن يكون مضموماً إلى الأول على حد "أحد عشر" و"ثلاثة عشر" ونحوه مما جعل الاسمان فيه اسماً واحداً، لوجب أن يكون "اثنا عشر" في جميع الأحوال الثلاث بالياء؛ لأنه كان يلزم أن يفتح آخر الصدر، كما تفتح أواخر الصدور إذا لم تكن حروف لين،
стр. 305
من هذه الأسماء "خمسة عشر" و"بيت بيت"؛ لأن الفتح نظير النصب؛ ألا ترى أن من فتح "هيهاة" في الواحد قال في جمعه "هيهات" فكسر، فجعله في كسر التاء في جمعه بمنزلة ما كان الواحد منه منصوباً، فكذلك لاو كان "عشر" مضموماً إلى "اثنين" من "اثني عشر" لوجب أن يكون بالياء في جميع الأحوال، كما أنها لو كانت منصوبة كانت بالياء؛ لأن الفتح بمنزلة النصب، ومن ثم قالوا إنك لو سميت رجلاً بنحو "زيدين" و "البحرين" ثم ناديته في قول من قال "يا زيد بن عمروٍ" لقلت "يا بحرين بن زيدٍ" و"يا زيدين بن بكرٍ". وكذلك لو سميت بـ"فلسطين" في قول من قال "هذه فلسطون" و"سكنت فلسطين"، قلت: "يا فلسطين بن زيدٍ" و"يا يبرين بن عمروٍ"، فتحتها. وكذلك "يا أذرعات بن زيدٍ"، فتكسره في موضع الفتحة، كما تكسره في موضع النصبة، ومن ثم قالوا "لا يدين بها لك"، فجعلوها في موضع الفتح بالياء، كما جعلوه في موضع النصب بها. وهذا أصل هذه المسائل؛ لأن قولهم "لا يدين بها لك" مسموع منهم.
فإن قلت: فلم لا تكون الياء فيه للنصب الصحيح، ولا تكون للبناء، كما أن الفتحة في "لا غلام رجلٍ عندك" نصبٌ صحيح، كما قال من خالف سيبويه؟
فالقول: إن ذلك ليس بنصب صحيح كالفتحة التي تكون في "لا مثل زيدٍ" و"لا خيراً في زيد عندك"؛ لأن قولك "لا يدين بها لك" بمنزلة "لا رجل لك" و"لا قوة إلا بالله"؛ ألا ترى أنه ليس بمضاف إلى شيء، كما أن
стр. 306
ما ذكرت من ذلك نحو "لا غلام رجلٍ" مضاف، وإذا لم يكن مضافاً كان في حكم الأسماء المفردة المبنية على الفتح في هذا الباب، وكون حرف التثنية فيه لا يمنع من بنائه مع "لا" وجعله معها بمنزلة اسم واحد؛ ألا ترى أن حرف التثنية ليس بشيء مضاف إليه كـ"رجل" في "لا غلام رجلٍ"، وإنما هو بمنزلة تاء التأنيث وألفيه، وكياءي النسب. فكما أنك لو قلت "لا كرسي لك" و "لا بصري عندك" و"لا جمعة له"، لم يمتنع أن تبني هذه الأسماء مع "لا"، فتجعلها معها كاسم واحد، كذلك لا يمتنع في ذلك من المثنى والمجموع لموافقتهما ما ذكرنا في أنه ليس بمضاف، وأنه في حكم الإفراد.
ومما يدل على جواز بناء ذلك مع "لا" أن آخر المجموع بمنزلة سائر أواخر الكلم المعربة، فمن حيث جاز بناء سائر الكلم المعرفة مع "لا"، كذلك يجوز في المثنى والمجموع.
فأما كون النون في الآخر في التثنية والجميع فليس مما يمنع ذلك، للحاقها ما يلحق سائر المبنية من هاء الوقف في "مسلمونه" و"تعلينه"، كما لم تمنع الميم اللاحقة لقولهم "اللهم" أن يجري البناء المطرد في النداء على حرف الإعراب الذي قبله. وإذا كان كذلك كان "لا يدين بها لك" مثل "لا غلام لك"، وقعت الياء في التثنية من حيث كانت الفتحة بمنزلة النصبة، فساوتها في لفظ التثنية، كما تساويا في لفظ الإفراد. وليس قول من قال إنه لا يجوز ذلك؛ لأنه لم يجد مثله، بمستقيم في هذا؛ لأن الشيء إذا دلت الدلالة على صحته، لم يقدح في دلالته أن لا نظير له، وإن كان في إيجاد النظير بعض الإيناس. فالصحيح في هذا عندنا ما ذهب إليه سيبويه.
ولو جعلت نحو "أذرعاتٍ" و"مسلماتٍ" مع اسم آخر اسماً / واحداً
стр. 307
على حد "حضرموت" و"بعلبك"، أو على حد "بيت بيت"، جعلت نحو "أذرعات" الصدر، وسميت به رجلاً أو غيره، لقلت "هذا أذرعات زيد"، فكسرت التاء، كما أنه لو يكان مفرداً لفتحت آخره. فإن أخرت الذي فيه الألف والتاء منهما قلت على قياس "حضرموت" "هذا سرح أذرعات" فتضم التاء، وتكسرها في موضع الجر والنصب.
وتقول في قول من قال "بيت بيت" و"كفة كفة" على قياس قول أبي عثمان "هذا سرح "أذرعات" فتفتح التاء، ولا تكسرها؛ لأن الفتحة الآن ليست للاسم الثاني وحده، كما كانت تكون للاسم وحده إذا وقع صدراً في نحو قولك "هذا أذرعات زيد"؛ لأن الفتحة للاسم الأول وحده، وهذه الفتحة تكون في موضعها في هذه التاء الكسرة.
ولو قلت "لا أذرعات لك"، فأخرجته مخرج النكرة على قولك:
لا هيثم الليلة للمطيِّ
فجعلت "لك" للإضافة كالتي في قولك "لا أبا لك" و "لا غلامي لك"، لكسرت التاء لأنها في موضع نصب، وهي تكسر في هذا المكان لأنها مضافة في موضع نصب، ولذلك لم تنون التاء، كما تقول "إن مسلماتك". ولو جعلت "لك" خبراً أو تبييناً، وأصمرت الخبر، لقلت "لا أذرعات لك"،
стр. 308
ففتحت التاء؛ لأن الفتحة الآن ليست للاسم وحده، إنما هي لـ"لا" وللاسم.
أخبرني أبو بكر عن أبي العباس، قال: سألته - يعني أبا عثمان - عن "لا أذرعات لك" إذا أراد الإضافة، فقال "لا أذرعات لك". فقلت: لِمَ وأنت تفتح التاء في غير الإضافة؟ فقال: لأني إذا لم أضف فالفتحة لـ"لا" ولـ"أذرعات" جميعاً؛ لأنه اسم واحد، فقد زال ما كان لـ"أذرعات" وحدها، وإذا إضفتها فهي منفصلة من "لا" لأنها مضافة، فهي منصوبة بـ"لا"، كأني قلت "لا أذرعاتك". ولذلك منعتها التنوين.
ورويت عن أبي عثمان من غير هذا الطريق أنه قال: إذا قلت "لا مسلمات لك" وأنت لا تضيف، ولكن تجعل "لا" و"مسلمات" اسماً واحداً، فتحت التاء لأنها مبنية، فصار بمنزلة "خمسة عشر"، ولا تكسر التاء لأنه ليس بمعرب، فإذا نويت الإضافة قلت "لا مسلمات لك"، كأنك قلت "لا مسلماتك"؛ لأنك لا تجعل "لا" و"مسلمات" والكاف اسماً واحداً، لأنها ثلاثة أشياء، ولكن "لا" عاملة في "مسلمات"، قال: والفتحة في "خمسة عشر" للاسمين جميعاً.
ومن قال "خمسة عشر" قال "هذا مسلمات زيدٌ" إذا أراد اسم رجل، كسر التاء لأنها في موضع الفتح، وكسرة التاء في الجميع نظيرة فتحة الهاء في "مسلمة"، كما أن الكسرة في "هيهات" حين جعله جمعاً نظيرة الفتح من "هيهاة". وكذلك إذا قلت "لا مسلمة لك"، وأنت تريد أن تضيف إلى "لك"، تقول في الجماعة "لا مسلمات لك"، فكسرة التاء نظيرة فتحة الهاء.
وقال أبو عثمان أيضاً "لا مسلمات لك"، إنما فتحت التاء ولم تكسرها، وهي نظيرة الهاء في قولك "لا مسلمة لك". وإذا كانت الهاء مفتوحة تكون
стр. 309
التاء مكسورة، من قبل أنك جعلت "لا" والمسلمات اسماً واحداً، وهو بناء، ولم تُعمل فيه "لا" إنما هو بناء كبناء "خمسة عشر"، فصارت الحركة التي في التاء لكل الاسم لـ"لا" وللمسلمات، وليست هي لـ"مسلمات" دون "لا" فتكسرها؛ لأنك قد استأنفت بناء اسم من اسمين، فلا تكسر التاء؛ لأنك لا تريد معنى الجماعة، ولأن الأول، وهو "لا" الذي جعلته مع "مسلمات" اسماً واحداً، قد شرك "مسلمات"، وصار كبعض حروفها، فصارت التاء كأنها هاء، وليست جماعة. فإذا لم تجعل "لا" مع "مسلمات" اسماً واحداً، ونويت الإضافة، قلت "لا مسلمات لك"، فتكسر التاء لأنها نظيرة الهاء في الفتح، ولأن الكسرة الآن لـ"مسلمات" دون "لا"، و"لا" هي العاملة في "مسلمات"، فلا تغير التاء لأنك لم تجعلها مع "لا" اسماً واحداً، فالحركة الآن في التاء هي للمسلمات خاصة دون "لا".
وكذلك ﴿يابن أُمَّ﴾، فتحة الميم هي للابن وللأم؛ لأنك جعلت ﴿ابن أُمَّ﴾ كله اسماً واحداً، كما أن الحركة في الراء في "خمسة عشر" لكل الاسم بني عليه، والحركة في النون هي لـ"ابن" خاصة دون الأم؛ لأنه ليس منتهى الاسم. وكذلك الحركة في الهاء من "خمسة عشر" هي لـ"خمسة دون "عشر"؛ لأنك لا تريد أن تجعل "خمسة" اسماً، وإنما منتهاه "عشر" فإذا سميت رجلاً "مسلمات زيد" كسرت التاء لأنها نظيرة الهاء إذا قلت "هذه مسلمة زيد"، فكما كانت الهاء مفتوحة، كذلك تكسل التاء؛ لأن الكسرة في "مسلمات زيد" هي للمسلمات خاصة دون "زيد"؛ لأن زيداً هو منتهى الاسم، والحركة في الدال من زيد لـ"المسلمات" ولـ"زيد".
стр. 310
ومن قال "هذه خمسة عشر" قال "هذه مسلمات زيد" ففتحة الدال لكل الاسم للمسلمات ولزيد، فالحركة التي تكون في آخر الاسمين من الاسمين اللذين يجعلان اسماً واحداً، هي لكل الاسم للأول والثاني، مبنياً كان أو معرباً، والحركة التي في آخر الاسم الأول للاسم الأول خاصة دون الآخر، لأنه ليس منتهى الاسم، كما أن الحركة التي في الزاي من "زيد" هي للزاي دون سائر الاسم، والحركة التي في الدال لكل الاسم. انتهت الحكاية عن أبي عثمان.
وكما أن الكسرة قد وقعت موقع الفتحة في الإعراب والبناء في قولهم "رأيت مسلماتٍ" و"إن مسلماتٍ" و"لا مسلمات لك"، وفي البناء في جمع "هيهاة": "هيهات"، كذلك وقعت فتحة الإعراب في موضع كسرته في باب ما لا ينصرف، نحو "رأيت إبراهيم" و"مررت بإبراهيم".
قيل: وإنما وقع كل واحد من ذلك موضع الآخر في الإعراب لاتفاقهما في المعنى، كما اتفقا في المواضع الأخر لذلك، وأُتبع الفتح النصب في البناء، وليس الفتح في موضع الجر فيما لا ينصرف حركة بناء، إنما هو حركة إعراب. يدل على ذلك أن البناء لا يوجد في شيء من الأسماء إلا لمشابهته الحرف، ولا شيء في هذا الاسم من مشابهة الحرف. فإذا كان كذلك لم يسغ الحكم ببنائه، وكانت الحركة للإعراب.
فإن قلت: إن الأسماء المفردة المعربة تجري متمكنة في أحوالها الثلاث، ولا يمنعها ذلك أن تبنى في النداء، فكذلك ما ينكر أن يجري الاسم غير المنصرف معرباً في موضع الرفع والنصب، ويُبنى في الجر.
فإن بناء ذلك لا يستقيم من حيث بُنيت المفردة المعرفة في النداء؛ الا ترى أنها في هذا الباب واقعة موقع ما يغلب عليه شَبَهُ الحرف، وهو جارٍ مجراه، وهي الأسماء المضمرة الموضوعة للخطاب، وشبه الحرف على هذه
стр. 311
الأسماء أغلب من معنى الاسم؛ ألا ترى أن كل موضع تكون فيه اسماً لا تنفك فيه من شبه الحرف، وقد تتجرد حروف ولا معنى اسم فيها، فتعلم بهذا أن كون معنى الحرف فيها أعم وأغلب، فإذا وقعت الأسماء المفردة المعرفة موقعها، وجب بناؤها، كما أن سائر الأسماء، ما وقع منها موقع الحرف وسدّ مسدّه، وجب بناؤه.
ومما يدلك على أن هذا الاسم معرف في هذه الحال غير مبني فيها، أن هذه الحركة وجبت بعامل، والحركات التي تجب بعامل لا تكون حركات بناء، ولو جاز مع وجوبها بالعامل أن تكون حركة بناء لجاز ذلك في سائر حركات المعربة، فامتناع ذلك في غير هذا الموضع دلالة على أن الحكم به هنا فاسد.
فإن قلت: فقد قالوا "لا رجل عندك"، وهذه الحركة حركة بناء، وهي موجودة مع عامل قد عمل ذلك فيه، فما تنكر من مثل ذلك فيما لا ينصرف في حال الجر؟
قيل: العامل هنا لم يعمل حركة بناء، وإنما نصب الاسم نصباً صحيحاً؛ ألا ترى أن سيبويه قال: "إن لا تنصب ما بعدها كنصب إن لما بعدها". ويدلك على أنها نصبت الاسم، أن الاسم المنفي بها إذا كان مضافاً أو ممطولاً ظهرت فيه صحة النصب، كقولك "لا خيراً من زيد" و"لا امرأ يوم الجمعة لك". فنصبها للمفرد على حد نصبها لهذا الممطول، والموجب للبناء فيه غير الموجب للإعراب، وهو جعلهم الاسم مع "لا" كشيء واحد. فهذا هو المعنى الموجب للبناء فيه. فإذا جُعلت كلمتان كلمةً واحدة فهم مما يبنونها على الفتح، وذلك كضمهم الاسم إلى الاسم حيث
стр. 312
يدخلهما معنى الحرف، وكضم الفعل إلى الاسم في قول النحويين، والحرف إلى الاسم، والصوت إلى الصوت. فهذه الأنواع مع اختلافها يغلب عليها البناء على الفتح، فكما بني إذا ضم إليه الصوت، كذلك بني إذا ضم إليه الحرف في هذا الباب. فهذا هو المعنى الموجب للبناء، لا أن حركة البناء حدثت بعامل، إلا أن حركة البناء في هذا المبني هي الحركة التي كانت تكون للإعراب في هذا المبني قبل حاله المفضية به إلى البناء. ونظيره في هذا المعنى قوله ﴿بابن أُمَّ﴾ في من جعلهما اسماً واحداً.
وما احتججنا به في أن آخر ما لا ينصرف معرب غير مبني، فإنه حجة على من قال إن تاء التأنيث اللاحقة مع الألف في الجمع مبني في موضع النصب غير معرب.
فإن قلت: كيف فتح "عشر" من "اثني عشر"، فبني ولم يعرب؟
فإن القول في ذلك إنه لو أعرب لم يخل إعرابه من أحد أمرين: إما أن يضاف الأول إليه أو بأن يجعل الأول معه بمنزلة اسم واحد، نحو "بعلبك". فلم تستقم الإضافة فيه من حيث لم يكن المعنى عليه؛ ألا ترى أنه ليس يراد اثنان لعشرة، ولا اثنان من عشرة، وإنما المعنى: اثنان وعشرة، فلما كان المعنى على هذا لم يكن للإضافة فيه وجه.
فإن قلت: فمن البغداديين من قد أنشد:
стр. 313
بنت ثماني عشرةٍ من حِجته
فإن ذلك مما لا يصح الاعتراض به، وذلك أن ذلك إن كان ثبتاً، فإن الشاعر شبهه بما لا يشبهه، وهو أنه لما رأى "كفة كفة" و"بيت بيت"، وكان مثل "خمسة عشر" في البناء، ووجدهم يقولون "كفة كفة" و"كفةَ كفةٍ"، شبهه [به] حيث اتفقا في البناء على الفتح وضم أحدهما إلى الآخر، كما أن هذا تشبيه لفظ، وليس المعنى عليه، كما أن الشاعر شبه قولهم "ثمانٍ" بـ"جوارٍ" حيث كان مثله في اللفظ، وإن لم يكن مثله في التكسير، وذلك في قوله:
يحدو ثماني مولعاً بلقاحها ... ....................
على أن هذا أقرب من الأول؛ لأن الاسم في المعنى جمع، وإن لم يكن تكسيراً، فالإضافة في هذا لا تجوز؛ لأن المعنى ليس عليها لما قدمنا. ولو جازم ذلك فيما بعد العشرة إلى العشرين، لجاز فيما بعد العشرين إلى الثلاثين، فكنت تقول "أحد عشرين" و"اثنا عشرين".
стр. 314
فكما لم يستجيروا ذلك في هذا الباب، فكذلك ما قبله. ولم يجز أيضاً أن تجعل "عشر" مع ما قبله بمنزلة اسم واحد نحو "حضرموت"، لأن سائر أمثال على خلاف ذلك، فكأنهم كرهوا إخراج هذا الاسم عن حال نظائره وما هي عليه؛ لأن من كلامهم أن يشاكلوا بين الأشياء المشتبهة؛ ألا ترى أنهم أتبعوا حركة التاء اللاحقة مع الألف في جمع المؤنث جمع المذكر، فجعلوا الكسرة للجر والنصب ليكون بمنزلة الياء في جمع المذكر، ولم يفتحوا التاء في الجمع، وإن كان ذلك غير ممتنع في اللفظ، لولا ما آثروا فيه من تشبيهه بجمع المذكر والإجراء عليه. فإذا أتبعوا ذلك جمع المذكر من حيث اجتمعا في أنه جمع تصحيح مع مخالفة التأنيث التذكير [أجدر]؛ الا ترى أن المعنى: اثنان وعشرة، كما أن المعنى في "خمسة عشر": خمسةٌ وعشرةٌ، وكذلك سائر ما أشبهه. وليس معنى "مَعدي كرب" و "رامهرمز" معنى العطف والمعطوف عليه، إنما هما بمنزلة حروف الاسم، ليس يراد بكل واحد منهما في التسمية به معنى مفرداً من الآخر، كما يراد العدد الأول والثاني في باب "اثني عشر".
فإن قلت: فإذا جاز أن يخالف "اثنا عشر" سائر نظائره في أن أعربت هي، ولم يعرب سائر ما أشبهه، فما كان ينكر من أن يضم الآخر فيه إلى الأول على حد "بعبلك" و"حضرموت"، فيخالف سائر نظائره في ذلك أيضاً؟
قيل: لم يكن يستقيم أن يخالفه فيما ذكرت، كما خالفه في إعراب الاسم الأول منهما؛ لأن قليل الخلاف بينه وبينهن إذا احتملا لم يلزم أن يحتمل كثيره؛ ألا ترى أنهم احتملوا كون الاسم ثانياً من جهة واحدة، ولم يخرجوه لذلك من أحكام الأسماء، ولو انضم إليه معنى آخر لأخرجوه إلى بعض أحكام الفعل في منعه من الجر والتنوين، وعلى هذا جميع
стр. 315
ما لا ينصرف. على أن التثنية قد جاءت فيما ليس بمعرب، وذلك قولهم في العدد "واحد": "اثنان"، فلحقت المبني، وجرت مجراه، كما لحقت المعرب إذا كان كذلك، فكأن "اثني عشر" لم يخالف أمثاله لمجيء التثنية في موضع البناء؛ لأن الألف حرف إعراب وليس بإعراب، فلذلك أقره قوم في أحوال الاسم الثلاث على صورة واحدة، كما أقروا الألف في "رحى" و"عصا" و"مُثنى" و"معلى" و"حبنطي" و"حبلى" و"قبعثرى" على صورة واحدة، حيث اجتمعن في أنهن حروف إعراب مع اختلافهن في غير ذلك. فإنما فتح الآخر من "عشر" من "اثني عشر" ليكون على لفظ أمثاله، وإن لم يفتح من حيث فُتحن، كما قالوا "إداوة" و"أداوى" و"حُبلى" و"حبالى"، فجعلوا أواخر الجمع على لفظ أواخر آحادها، وإن لم يكن تقدير الجمع في ذلك كتقدير الآحاد، فـ"عشر" من "أحد عشر" فتح آخره من حيث جعل مع الاسم الذي قبله بمنزلة اسم واحد، وبني لتضمنه معنى حرف العطف، وفتح الآخر من "عشر" من "انثى عشر" لوقوعه موقع الحرف الذي عاقبه، والاسم إذا وقع موقع الحرف بُني؛ ألا ترى أنهم بنوا أسماء الضمير حيث وقع موقع حروف الخطاب، وبنوا المفرد المعرفة حيث وقع موقع
стр. 316
ما لا يكون إلا مبنياً، وبنو الأسماء الموصولة التي لم يحملوها على مثل أو خلاف كـ"أي" لكونها كبعض أجزاء الاسم. فكذلك بني "عشر" من "اثني عشر" لوقوعه موقع الحرف المبني، ولم يمنعه البناء الذي بني عليه لوقوعه موقع الحرف من أن يفيد ما يفيد الاسم؛ ألا ترى أن "متى" لم يمنعه ما حصل فيه من البناء، لوقوعه موقع الحرف وتضمنه له، من أن يفيد ما تفيده الأسماء المعربة غير المبنية، كذلك جميع ما أشبهه، فكذلك لم يمنع هذا الاسم في "اثني عشر" من أن يدل على ما يدل عليه الأسماء المعربة.
وإن شئت قلت في "عشر" من "اثني عشر" إنه بني لوقوعه موقع ما لا يكون إلا مبنياً من الأسماء، كما أن المنادى المفرد المعرفة بني لوقوعه موقع ما لا يكون إلا كذلك، ألا ترى أن "عشراً" وقع موقع الأسماء التي تكون للضمير، فتحذف النون معها في نحو "الضارباك" و"الضاربوك"، من حيث كانت هذه الأسماء بمنزلة الحروف في أنها لا تنفصل من الاسم، كما أن النون لا تنفصل منه، فلما اشتبها من هذه الجهة تعاقبا فلم يجتمعا، وما جاء في الشعر من قوله:
стр. 317
.............. والآمرونه ... ..........................
[و]:
ولم يرتفق والناس محتضرونه ... .........................
زعموا أنه مصنوع.
وإن شئت قلت: إن "عشر" بني لمشابهته ضرباً آخر من الحروف غير الوجه الأول، وهو أنه لما حذف معه النون أشبه حرف الندبة في أنه حذف معه التنوين، فلما حذفت النون معه كما حذف التنوين مع حرف الندبة ضارع حرب الندبة، فبني لوقوعه موقعه.
فإن قلت: لِم لَم تكن علامة الندبة بمنزلة علامة الإنكار، يثبت التنوين معها كقولك "واغلام زيداه"، كما يثبت في قولك "اعمرنيه"؟ إذا قيل لك "اضرب عمراً"؟
قيل: لم تثبت علامة الندبة كما ثبتت علامة الإنكار؛ لأن علامة الإنكار لم تلزم لزوم علامة الندبة، فلما لم تلزم لمعاقبة العلامة الأخرى له، وهو قولك "أعمرإنيه"، صار بمنزلة ما ينفصل من الاسم نحو لام المعرفة في "زيد الطويل" ونحوه، ولم تنفصل علامة الندبة، ولم تكن إلا على حرف واحد، فصارت التنوين في أنه على حرف، كما أنه على حرف، ولم تنفصل
стр. 318
من الكلمة كما لم ينفصل، فيعاقبها كذلك، ولم تكن علامة الإنكار مثلها لما ذكرنا.
وأما قول سيبويه في "اثني عشر": "إنه لا يضاف ولا يضاف إليه"، فالذي يريد بقوله "لا يضاف" أنه لا يضاف الإضافة التي يراد بها التخصيص، نحو "غلام رجلٍ" و"دار زيدٍ". وإنما لم تجز إضافته لأن "عشراً" فيه بمنزلة التنوين، فلا يخلو إذا أضفته من أن تثبت فيه "عشراً" مع الإضافة أو تحذفه. فلا يجوز أن تثبت مع الإضافة، كما لا يجوز أن تضيف ما فيه نون التثنية مع إقرارها في الإضافة وترك حذفها؛ لأن هذه النون تعاقب الإضافة. ولا يجوز أن تحذف "عشراً" وتضيف كما تحذف النون من الاسم المثنى إذا أضفت؛ لأنك إذا حذفت لم يدل من أجل الحذف على المعنى الذي أردت من العدد. وإذا لم يخل من هذين، ولم يجز هذين، ولم يجز هذان، ثبت أن إضافته لا تجوز.
والذي يريد بقوله "ولا يضاف إليه" أنه لا ينسب إليه، يريد إضافة التخصيص كاللفظة الأولى؛ ألا ترى أنه لا يمتنع أن تقول "هذا صاحب اثني عشر". ولكن الإضافة التي هي نسبة لا تجوز فيه؛ لأنك إذا نسبت إليه لم يخل من أن تحذف "عشراً" والألف أو تثبتهما، فإن أثبتها لم يجز مع إلحاقك ياءي الإضافة، لأنك لو أضفت إلى مُثنىً لزم حذف علامة التثنية، كما يلزم حذف علامة الجمع، وذلك لأنك لو أثبتها ولم تحذف، لاجتمع في الاسم الواحد علامتان للإعراب، فلما لم يجز ذلك حذفت العلامتين في التثنية والجمع.
ولو سميت رجلاً "اثني عشر" فأضفت إليه، جازت الإضافة، كما أنك لو سميت بـ"رجلين" و"مسلمين" جازت الإضافة إليه، وحذفت الألف والنون، ولم يتمتنع ذلك كما امتنع فيه وهو اسم عدد؛ لأنه إذا كان علماً
стр. 319
لم تزل دلالته على عدد كما تزول إذا كان عدداً غير علم. فإن شئت قلت "اثني" كما تقول في الإضافة إلى ابن "ابني"، وإن شئت قلت "ثنويٌّ" فترد اللام إذا ذفت همزة الوصل.
فإن قلت: فهل يجوز في قول من قال إذا سمي بـ"رجلين" "هذا رجلان"، فيعرب النون ويجعله كنون "عثمان"، أن تقول في الإضافة إلى رجل سميته بـ"اثني عشر": "اثنا عشريٌّ"، فثبت "عشراً" ولا تحذفه، كما تثبت النون إذا أضفت في قول من قال "رجلان" فضم، فتقول "رجلاني" كما تقول "عثماني" وكما قالت العرب في رجل "هذا خيلان" فضم؟
قيل: قد حكي عن أبي الحسن أنه أجاز ذلك على هذا القياس. وهذا غير ممتنع؛ لأنه كما وقع "عشر" في موضع النون المكسورة، كذلك يجوز أن يقع موقع النون التي هي حرف الإعراب. وينبغي أن يكون "عشر" في هذا القول مفتوح الآخر، كما كان في وقوعه موقع نون التثنية، لأن المعنى الموجب لبنائه هو وقوعه موقع الحرفي الموضعين جميعاً، والاسم إذا وقع موقع الحرف وجب بناؤه لدلالة بنائهم عامة الأسماء الموصولة، مع أن صلاتها توضيح لها، وأنها قد يرجع إليها منها ذكر، والكناية عن الاسم تؤذن بالتمام، فإذا بنيت الموصولة مع ما ذكرنا، كان بناء هذا الاسم الذي هو "عشر" إذا وقع موقع النون التي هي حرف إعرابه أولى؛ لأن الحرف الذي وقع هذا الاسم موقعه إنما هو جزء من جملة اسم، وليس كالموصولة التي قد لحق بعضها التثنية والجمع، وعاد الضمير إلى عامتها. فإذا بني مع ما ذكرنا، كان بناء "عشر" من "اثني عشر" في من جعل النون في موضع حرف الإعراب أولى؛ لخلوه من المعاني التي ذكرنا في الموصولة، وكونها حرفاً منفرداً من جملة اسم.
стр. 320
مسألة
سأل سائل: كيف تبني من "متى" في قولنا "متى انطلاقك؟ " مثل "جعفر"؟
والقول: إن البناء لا يصح منه وهو على ما هو عليه لمشابهته الحرف، كما أنه لا يصح البناء من الحروف. ومما يدل على ذلك أنهم لم يبنوا من هذه الكلم شيئاً، فإذا لم يصح البناء منه حتى ينقل بتسمية شيء به صح حينئذ البناء منه، كما جاز أن تبنيه إذا سمي به. ويدلك على أن هذه الكلم في حكم الحروف فيما ذكرنا، صحة الألف في الأواخر منها من غير أن تكون في موضع حركة، كما صحت في الحروف في نحو "ما" و"لا"، فتقول في مثل "جعفر" على حد ما ذكرنا "متيا" فتحكم بأن اللام ياء، وتزيد ياء أخرى، فتنقلب لوقوعها لاماً مفتوحاً ما قبلها، وهذا قياس قول سيبويه.
следующие страницы →