← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18265

المسائل الحلبيات

أبو علي الفارسي

Полный текст (378 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ما لا يكون إلا مبنياً، وبنو الأسماء الموصولة التي لم يحملوها على مثل أو خلاف كـ"أي" لكونها كبعض أجزاء الاسم. فكذلك بني "عشر" من "اثني عشر" لوقوعه موقع الحرف المبني، ولم يمنعه البناء الذي بني عليه لوقوعه موقع الحرف من أن يفيد ما يفيد الاسم؛ ألا ترى أن "متى" لم يمنعه ما حصل فيه من البناء، لوقوعه موقع الحرف وتضمنه له، من أن يفيد ما تفيده الأسماء المعربة غير المبنية، كذلك جميع ما أشبهه، فكذلك لم يمنع هذا الاسم في "اثني عشر" من أن يدل على ما يدل عليه الأسماء المعربة. وإن شئت قلت في "عشر" من "اثني عشر" إنه بني لوقوعه موقع ما لا يكون إلا مبنياً من الأسماء، كما أن المنادى المفرد المعرفة بني لوقوعه موقع ما لا يكون إلا كذلك، ألا ترى أن "عشراً" وقع موقع الأسماء التي تكون للضمير، فتحذف النون معها في نحو "الضارباك" و"الضاربوك"، من حيث كانت هذه الأسماء بمنزلة الحروف في أنها لا تنفصل من الاسم، كما أن النون لا تنفصل منه، فلما اشتبها من هذه الجهة تعاقبا فلم يجتمعا، وما جاء في الشعر من قوله:

стр. 317

.............. والآمرونه ... .......................... [و]: ولم يرتفق والناس محتضرونه ... ......................... زعموا أنه مصنوع. وإن شئت قلت: إن "عشر" بني لمشابهته ضرباً آخر من الحروف غير الوجه الأول، وهو أنه لما حذف معه النون أشبه حرف الندبة في أنه حذف معه التنوين، فلما حذفت النون معه كما حذف التنوين مع حرف الندبة ضارع حرب الندبة، فبني لوقوعه موقعه. فإن قلت: لِم لَم تكن علامة الندبة بمنزلة علامة الإنكار، يثبت التنوين معها كقولك "واغلام زيداه"، كما يثبت في قولك "اعمرنيه"؟ إذا قيل لك "اضرب عمراً"؟ قيل: لم تثبت علامة الندبة كما ثبتت علامة الإنكار؛ لأن علامة الإنكار لم تلزم لزوم علامة الندبة، فلما لم تلزم لمعاقبة العلامة الأخرى له، وهو قولك "أعمرإنيه"، صار بمنزلة ما ينفصل من الاسم نحو لام المعرفة في "زيد الطويل" ونحوه، ولم تنفصل علامة الندبة، ولم تكن إلا على حرف واحد، فصارت التنوين في أنه على حرف، كما أنه على حرف، ولم تنفصل

стр. 318

من الكلمة كما لم ينفصل، فيعاقبها كذلك، ولم تكن علامة الإنكار مثلها لما ذكرنا. وأما قول سيبويه في "اثني عشر": "إنه لا يضاف ولا يضاف إليه"، فالذي يريد بقوله "لا يضاف" أنه لا يضاف الإضافة التي يراد بها التخصيص، نحو "غلام رجلٍ" و"دار زيدٍ". وإنما لم تجز إضافته لأن "عشراً" فيه بمنزلة التنوين، فلا يخلو إذا أضفته من أن تثبت فيه "عشراً" مع الإضافة أو تحذفه. فلا يجوز أن تثبت مع الإضافة، كما لا يجوز أن تضيف ما فيه نون التثنية مع إقرارها في الإضافة وترك حذفها؛ لأن هذه النون تعاقب الإضافة. ولا يجوز أن تحذف "عشراً" وتضيف كما تحذف النون من الاسم المثنى إذا أضفت؛ لأنك إذا حذفت لم يدل من أجل الحذف على المعنى الذي أردت من العدد. وإذا لم يخل من هذين، ولم يجز هذين، ولم يجز هذان، ثبت أن إضافته لا تجوز. والذي يريد بقوله "ولا يضاف إليه" أنه لا ينسب إليه، يريد إضافة التخصيص كاللفظة الأولى؛ ألا ترى أنه لا يمتنع أن تقول "هذا صاحب اثني عشر". ولكن الإضافة التي هي نسبة لا تجوز فيه؛ لأنك إذا نسبت إليه لم يخل من أن تحذف "عشراً" والألف أو تثبتهما، فإن أثبتها لم يجز مع إلحاقك ياءي الإضافة، لأنك لو أضفت إلى مُثنىً لزم حذف علامة التثنية، كما يلزم حذف علامة الجمع، وذلك لأنك لو أثبتها ولم تحذف، لاجتمع في الاسم الواحد علامتان للإعراب، فلما لم يجز ذلك حذفت العلامتين في التثنية والجمع. ولو سميت رجلاً "اثني عشر" فأضفت إليه، جازت الإضافة، كما أنك لو سميت بـ"رجلين" و"مسلمين" جازت الإضافة إليه، وحذفت الألف والنون، ولم يتمتنع ذلك كما امتنع فيه وهو اسم عدد؛ لأنه إذا كان علماً

стр. 319

لم تزل دلالته على عدد كما تزول إذا كان عدداً غير علم. فإن شئت قلت "اثني" كما تقول في الإضافة إلى ابن "ابني"، وإن شئت قلت "ثنويٌّ" فترد اللام إذا ذفت همزة الوصل. فإن قلت: فهل يجوز في قول من قال إذا سمي بـ"رجلين" "هذا رجلان"، فيعرب النون ويجعله كنون "عثمان"، أن تقول في الإضافة إلى رجل سميته بـ"اثني عشر": "اثنا عشريٌّ"، فثبت "عشراً" ولا تحذفه، كما تثبت النون إذا أضفت في قول من قال "رجلان" فضم، فتقول "رجلاني" كما تقول "عثماني" وكما قالت العرب في رجل "هذا خيلان" فضم؟ قيل: قد حكي عن أبي الحسن أنه أجاز ذلك على هذا القياس. وهذا غير ممتنع؛ لأنه كما وقع "عشر" في موضع النون المكسورة، كذلك يجوز أن يقع موقع النون التي هي حرف الإعراب. وينبغي أن يكون "عشر" في هذا القول مفتوح الآخر، كما كان في وقوعه موقع نون التثنية، لأن المعنى الموجب لبنائه هو وقوعه موقع الحرفي الموضعين جميعاً، والاسم إذا وقع موقع الحرف وجب بناؤه لدلالة بنائهم عامة الأسماء الموصولة، مع أن صلاتها توضيح لها، وأنها قد يرجع إليها منها ذكر، والكناية عن الاسم تؤذن بالتمام، فإذا بنيت الموصولة مع ما ذكرنا، كان بناء هذا الاسم الذي هو "عشر" إذا وقع موقع النون التي هي حرف إعرابه أولى؛ لأن الحرف الذي وقع هذا الاسم موقعه إنما هو جزء من جملة اسم، وليس كالموصولة التي قد لحق بعضها التثنية والجمع، وعاد الضمير إلى عامتها. فإذا بني مع ما ذكرنا، كان بناء "عشر" من "اثني عشر" في من جعل النون في موضع حرف الإعراب أولى؛ لخلوه من المعاني التي ذكرنا في الموصولة، وكونها حرفاً منفرداً من جملة اسم.

стр. 320

مسألة سأل سائل: كيف تبني من "متى" في قولنا "متى انطلاقك؟ " مثل "جعفر"؟ والقول: إن البناء لا يصح منه وهو على ما هو عليه لمشابهته الحرف، كما أنه لا يصح البناء من الحروف. ومما يدل على ذلك أنهم لم يبنوا من هذه الكلم شيئاً، فإذا لم يصح البناء منه حتى ينقل بتسمية شيء به صح حينئذ البناء منه، كما جاز أن تبنيه إذا سمي به. ويدلك على أن هذه الكلم في حكم الحروف فيما ذكرنا، صحة الألف في الأواخر منها من غير أن تكون في موضع حركة، كما صحت في الحروف في نحو "ما" و"لا"، فتقول في مثل "جعفر" على حد ما ذكرنا "متيا" فتحكم بأن اللام ياء، وتزيد ياء أخرى، فتنقلب لوقوعها لاماً مفتوحاً ما قبلها، وهذا قياس قول سيبويه.

стр. 321

مسألة وسأل: كيف يبنى من "ضرب" مثل "أخت"؟ وليس يخلو هذا السؤال من أن يراد به: كيف يُبنى مثله في وزنه فقط مُعَرَّى من البدل الواقع في "أخت"، أو: كيف يُبنى منه مثل "أخت" ويبدل منه كما أبدل في "أخت" و"بنت". فإن أراد الوجه الأول كان البناء "ضربٌ"، وإن أراد الوجه الثاني لم يجز، لأن هذا البدل لم يقع إلا فيما لامه ياء أو واو نحو "أخت" و "بنت" و"ثنيتان"، وليس "ضرب" منه فيجوز البناء منه على الحد الذي ذكرت.

стр. 322

مسألة وسأل: كيف يبنى من "قد" و "هل" و "بل" مثل "عصفور"؟ والجواب: أن "هل" و "بل" ونحوه لا يجوز البناء منه وهي حروف؛ لأن هذه الحروف لا يبنى منها شيء وهي حروف؛ لأن البناء منها تصريف لها وحكم بأنها مثل المصادر، وهذه المعاني لا تصح لها مع كونها حروفاً حتى تنقل عن ذلك. فإن قلت: فإن الحروف بمنزلة الأصوات، وقد بنوا من بعض الأصوات أفعالاً كقولهم "دعدع" إذا قال: داع داع، و"بأبأ الصبي أياه" و"بأبأه أبوه" إذا قال: بابا، فإذا جاز بناء الأفعال من الصوت، فهلا جاز من الحروف؟ فالقول: إن هذه الأصوات التي بنى منه قليلة، ومع ذلك فإن البناء لم يقع منه إلا على التقدير الذي يجوز البناء فيه استدلالاً بنظائره. وكذلك ما حكى عن بعض رواة البغداذيين أنه قال: "سألتك حاجةً فلا ليت لي" أي: قلت لك: "لا"، و"سألتك حاجةً فلوليت لي" أي: قلت لي: "لولا"، هذا مما قد جعل بمنزلة الأصوات، وليس ذلك بالأكثر، إنما هو نادر، وإذا كان

стр. 323

كذلك لم يستقم القياس عليه ولا رد غيره إليه، ولكن يقاس على الأقيس وما هو أكثر، وهو أن يزاد على ما كان من هذا النحو على حرفين حرف لين، كما قال: ......................... ... .................... وإن لوَّعَناء ومما يدلك على أن هذا الوجه أولى من الأول، أن عامة ما كان من الحروف والأصوات وما جرى مجراها إذا كان على حرفين فجعلته اسماً، جعل الذي يلحق به حرف لين، وليس توجد هذه الأصوات قد اشتق منها عامتها؛ ألا ترى أن "غاق"، "وماء" لصوت الشاء، و"قب" و "طيخ": لوقع السيف، والضحك، لم يشتق منه شيء على حد "فعلت" غير مضاعف، ولا على حد "عاعيت" و"حاحيت" و "لاليت"، وعلى كلا الوجهين فقد أزيل عنه أحكام الحروف والأصوات، وألحق بالأسماء؛ ألا ترى أن "لوليت" مثل "قوقيت" و"زوزيت" و "لاليت" و "حاحيت" من باب "صيصية"، يعني أنه مضاعف، فهذا مما يبين لك أنه لا يجوز أن يبنى من "هل" و "بل" شيء وهما على ما هما عليه من كونهما حرفين، فإن آثرت أن تبني منه شيئاً لزم أن

стр. 324

تنقله فتجعله اسماً، فإذا نقلته جعلت الذاهب منه حرف علة، فيصير من الثلاثة، والحرف الذاهب الذي هو لام واوٌ، لأن ما حذف منه اللام وهو واوٌ أكثر من الياء، وهو قول أبي الحسن. فإذا كان كذلك، فبنيت مثل "عصفور" من "هل" قلت: "هلوي"، ومن "بل": "بلوي"، أبدلت الثالثة ياء. ومثل "دحرج": "هلوى زيدٌ" و"هلويت" أبدلت من اللام الثانية ياء كما أبدلت منها في "أغزيت".

стр. 325

مسألة وسأل سائل كيف تبني من "ضرب" مثل "إما" و"ألا". وهذا سؤال غير صحيح، ولا يستقيم أن يبنى من "ضرب" شيء على مثالهما؛ لأنهما كل واحد منهما مركب؛ ألا ترى أن "إما" لا تخلو من أن تكون "إما" التي في قوله ﴿فإما تريَّن﴾، ﴿وإما تخافنَّ﴾. وهذه "إن" الجزاء ألحقت "ما" كما ألحقت في قوله ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾. أو تكون "إما" التي في قوله ﴿إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً﴾. وهذه أيضاً مركبة عند سيبويه؛ ألا ترى أنه على هذا حمل ما أنشده من قول الشاعر:

стр. 326

لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعاً، وإن إجمال صبر على أن المعنى: فإما جزعاً وإما إجمال صبر. فإن كان كذلك لم يجز أن تبني من "ضرب" شيئاً مثل "إما" هذه؛ لأنك كأنك تقول للمسئول: اجعل المتصلة منفصلة بأن تحذف منها ما هو منها، وتضم إليها شيئاً ليس منها، وتجعل الكلمة مع ذلك حرفاً، وهي اسم متمكن أو فعل متصرف، وهذا بيِّن الفساد. وكذلك "ألا" هي في ما ذكرنا مثل "إما" ألا ترى أنها لا تخلو من أن تكون "أن" الناصبة للفعل، أو المخففة من الثقيلة، ضمت إليها "لا"، أو تكون "الا" التي تستعمل للتخصيص، وإنما هي "هل" ضمت إليها "لا"، فتغير المعنى لذلك، كما تغير المعنى في "لو" لما ضمت إليه "لا" في "لولا"، والهمزة بدل من الهاء. فالبناء من هذا لا يجوز، ولكن لو قلت: ابن من "أما" المفتوحة الهمزة، ومن "إلا" التي للاستثناء المكسورة الهمزة، بعد أن تنقلهما فتجعلهما اسمين، لكان سؤالاً صحيحاً في "أما" بلا خلاف علمته، وفي "إلا" التي للاستثناء في قول سيبويه وأصحابه، ومن ثم قال: إنك لو سميت بها رجلاً لأعربت [ولمي] تحك. ولم يجز في قياس قول البغداذيين على ما حكاه محمد بن يزيد من قولهم، لأنه حكى عنهم أنهم يقولون إن تقديرها "إن

стр. 327

لا". ولكان الجواب أن يقول في مثال "أما" من "ضربت": "ضربا كما ترى" في النكرة. فإن قلت: فكيف لم تقل فيه "أضرب"، فتجعل الهمزة زائدة؛ لأن من قول سيبويه أنها إذا وقعت أولاً حكم بزيادة حتى يقوم ثبتٌ يخرج عن ذلك؟ فالقول: إنك لم تفعل هذا ورفضته، لأنك لو فعلته لحكمت بأن الفاء والعين من موضع واحد، وما كانت فيه الهمزة فاء أكثر مما كانت فاؤه وعينه من موضع واحد، فقست على الأكثر، وعدلت إليه عن الآخر. فإن قلت: فهلا قلت "ضربنٌ"، فكررت اللام بإزاء الألف؛ لأن الألف وإن لم تكن في الأسماء والأفعال أصولاً، وإنما تكون زيادة أو منقلبة، فإنها في الحروف أصل. وإذا كان أصلاً وجب أن توازي به اللام؛ ألا ترى أنك لو بنيت مثل "جعفر" من "ضربت" لقلت "ضرببٌ"، فكررت اللام، ولم تقل "ضربا". فالقول: إنها وإن كانت في الحروف كما وصفت، فإنها في الأسماء كما ذكرنا من كونها زيادة أو منقلبة، وأنت إذا بنيت من حرف على مثال حرف شيئاً من هذه الأسماء المتمكنة أو الأفعال المتصرفة، فقد أخرجته إلى حيز الأسماء، وإذا أخرجتها إلى حيزها وجب أن تكون الألفات فيها على حد الألفات في الأسماء؛ ألا ترى أنك لو سميت رجلاً بـ"على" أو "إلى"

стр. 328

أو "متى" أو "بلى" لجعلت الألفات فيها منقلبة، وإن كانت قبل النقل على خلاف هذا الوصف، فكذلك الألف في "أما" تكون في الآخر، إذا نقلت الكلمة فجتلها اسماً، زائدةً للإلحاق، كما تكون في "أرطىً" كذلك. ولا فصل فبين "إلا" فيما ذكرنا وبين "أما" عندنا، إلا أنك تكسر الفاء، كما أنه في "إلا" كذلك.

стр. 329

مسألة وسألت - أعزك الله - فقلت: ما مثل "آوتاه"؟ والقول في ذلك: إنه لا يخلو من أن تكون الهمزة المبدوء بها في الكلمة أصلاً أو زائدة. فإن كانت أصلاً كانت "فاعلة". فأما حركة العين فلا تخلو من أن تكون من أقسام الحركات الثلاث. فالذي يجوز أن تتحرك به الكسرة أو الفتحة، فإن قدرت حركتها الكسرة كانت "فاعلة" بمنزلة "العاقبة" و"العافية" وما أشبه ذلك مما يكون على "فاعلة". وإن قدرت الفتحة كانت بمنزلة "الطابق" و"التابل" وما أشبه ذلك. ولا يستقيم أن تقدر حركة العين بالضم؛ لأنه ليس في كلامهم مثل "كابل". والأول أوجه - عندي - لأنه أكثر في الأسماء وأوسع تصرفاً؛ ألا ترى أنه قد جاء في الأسماء نحو "الكاهل" و"الغارب"، وفي المصادر نحو "العاقبة" و"العافية"، وجاء

стр. 330

اسماً للجمع نحو "الجامل" و "الباقر" و "السامر" و"الدابر"، وفي الصفات من الكثرة في نحو "ضارب" على ما لا خفاء به. وإن كانت الهمزة زائدة كان وزنها "أفعلة"، وحركة العين لا تخلو من أقسام الحركات الثلاث. فإن قلت: فعلى أي هذه الأوزان تحمل؟ فالقول: إنه لا يجوز أن تُحمل على واحد منها؛ ألا ترى أن الهمزة لو كانت زائدة لوجب أن تكون الألف منقلبة عن الفاء، والفاء التي يقدر انقلاب هذه الألف عنها تكون همزة، وهي التي يكون انقلاب الألف عنها في هذا النحو في الأمر العام الشائع. فلو كانت العين متحركة بالكسرة لوجب أن تبدل منها الياء، كما أبدلوها منها في "أيمة". ولو كانت متحركة بالفتح لوجب على قول أبي الحسن أن تبدل منها الواو، كما تقول "هذا أوَمّ من هذا". وكذلك لو كانت متحركة بالضمة. فثبات الألف بعد الهمزة دلالةٌ على أنها زائدة، وأنها ليست بفاء كالتي في "آدم" و "آخر" ونحوه. وإذا ثبتت زيادة الألف بعد الهمزة ثبت أن الهمزة في "آوتاه" فاءٌ، ليست زيادة على تقدير حركة المدغم، بالكسرة، لا تصح فيه لأنه لو كان كذلك لكانت "أفعلة"، و"أفعلة" بناء يختص الجموع، وليست الكلمة بجمع.

стр. 331

فإن قلت: فـ"أفعلة" قد جاء في الآحاد نحو "أسمنة"، فهلا حملت الكلمة عليه؟ قالقول إن ذلك لا يصح حملها عليه لقلته، ولما ذكرته لك مما كان يلزم من إلقاء حركة المدغم في الفاء. فإن قلت: فهل يجوز أن تقدر انقلاب الألف في "آوتاه" عن الياء وعن اليواو؛ لأن الياء خاصة قد أبدلت منها ساكنةً الألف من مواضع، كقولهم في "الحيرة": "حاري"، وفي "طيِّئ": "طائيّ"، وقال سبويه في "آية" و "راية" و"ثاية": "قال غيره - يعني غير الخليل -: إنه فعلة، وأبدلت الألف من الياء". وأخذ بعض البغداديين هذا منه، فقال في قولهم "ضرب عليه سايةً": "إنما هو سية، أبدلت الألف من الياء المنقلبة عن الواو". وقال في "داويّة": إن الألف أيضاً منقلبة عن الواو. كأنه لما رآهم يقولون "الدو" ودوِّيّة" و"داوية" ذهب إلى انقلاب الألف، كما قال سيبويه ذلك في باب "ثاية" و "راية"؟

стр. 332

فالقول: إن تقدير انقلاب الألف في هذه الكلمة عن أحد هذين الحرفين لا يصح من حيث جاز انقلابها عن الياء فيما ذكرت؛ لأنها في هذا الموضع لو كانت واواً أو ياء للزم تحركها بإلقاء حركة المدغم عليها، وإذا حركت لم تقلب؛ ألا ترى أنهم يقولون "رجل أيَلُّ" و"الإوزّ"، وقالوا في جمع "وَدٍّ": "أوُدُّ"، قال: إني كأني لدى النعمان أخبره ... بعض الأود حديثاً غير مكذوب فصححوا الواو والياء في هذه المواضع لما لزم تحريكها. على أن قولهم "تأوَّه" وظهور الهمزة يوضح أن تلك الهمزة فاء في الكلمة، قال: ......................... ... .............................. تأوهاً وذميلا وإذا ثبتت الهمزة فاء ثبت أن الألف زائدة. وكما أن قولهم "تأوه" يدل على أن الهمزة فاء، كذلك يدل قولهم "تأله" على أن الهمزة فاء الفعل، وأن من قال: إن إلهاً مأخوذ من وله العباد إليه مخطئٌ خطأً فاحشاً؛ ألا ترى أن أبا زيد أنشد لرؤبة: سبَّحن واستجعن من تألهي

стр. 333

ومن قال في "وشاح": "إشاح"، ورأى بدل الهمزة من الواو المكسورة [فكسروأ]، لم يقل "توشح" إلا بتصحيح الواو. فأما من ذهب إلى أن الالف في "داويّة" بدل من العين التي هي واو، فقوله لا دلالة عليه؛ لأنه يجوز أن يكون بنى من "الدو" "فاعلة"، وألحقه ياءي النسب، فحذف اللام كما حذف مما أنشده من قوله: كأس عزيزٍ من الأعناب عتقها ... لبعض أربابها حانيةٌ حوم وكما قالوا "رجل ضاويّ"، وإنما هو "فاعلٌ" من "الضوى"، ألحق ياءي الإضافة كما ألحق في قولهم "أحمر" و "أحمريّ" و "أعجم" و"أعجميّ"، والمعنى واحد. وكذلك يجوز أن تكون "داويّة". وإذا احتمل هذا فلا دلالة على ما ذهب إليه من أن الألف في "داويّة" بدل من الواو. ومنع من ذلك أن الواو لم يكثر بدل الألف منها كما أبدل من الياء فيما ذكرنا، وفي نحو "عاعيت" و "حاحيت". وإذا كانت مواقع البدل ينبغي أن تعتبر كما تُعتبر مواقع الزيادة، فنفس الحرف المبدل أولى بأن تعتبره. فأما ما أنشده أبو زيد من قوله:

стр. 334

والخيل قد ....................... ... .................... تعتسف الداوية فإن شئت قلت: بنى من "الدو" "فاعلة"، وأبدل من اللام الياء كما أبدل منها في "غازية". وإن شئت قلت: أراد "الداويّة" المحذوفة اللام كـ"الحانية" إلا أنه خفف كما خففها فيما أنشده أبو زيد: بكى بعينك واكف القطر ... إبن الحواري العاليَ الذكر ثم نرجع إلى المسألة، فنقول: إن الهمزة قد ثبت أنها فاء الفعل في الكلمة، وثبتت أن الألف زائدة فيها، إما أن تكون ألف "فاعل" أو "فاعل"، إذ لم يجز أن تكون الهمزة زائدة والألف منقلبة عن الفاء، بدلالة ثباتها ألفاً، وأنها لو كانت فاء لم تثبت ألفاً؛ ألا ترى أنهم قالوا "أيّمة" فقلوا، ولم تثبت الفاء كما ثبتت في "أوى" و "إوز". فإن قلت: هلا لم يجز أن يكون وزنها "فاعلة" لأنها لو كانت كذلك للزم أن تنقلب اللام ألفاً لوقوعها طرفاً وانفتاح ما قبلها، كما أنك لو قلت "أقواه زيدٌ" تريد "أفعله" من "القوة" لانقلبت ألفاً، وفي صحة الواو وسكون ما قبلها دلالة على أنها لا يجوز أن تكون "فاعلة"؟ قيل: لا يجوز أن لا تكون "فاعلة" لما ذكرت؛ لأنه لو امتنع أن تكون على هذا الوزن لما أوردته لامتنع أيضاً أن تكون "فاعلة"؛ لأنك لو بنيت "فاعلة" من القوّة للزم انقلاب اللام ياء، كما لزم انقلابها في "غازية"

стр. 335

و"محنية"، وكما لزم انقلابها ألفاً في "أقوى زيدٌ عمراً"، فكما أن ما أوجب من قلب اللام في "فاعلة" إلى الياء لم يمنع من الحكم بأنها "فاعلة"، وإنما جاز ذلك في الموضعين جميعاً لأن الكلمة لما لم تصرَّف، ولم تقع اللام طرفاً، لم يلزم فيها انفصال أحد المثلين من الآخر، كما لزم ذلك في باب "قوة" و "حوة"، لتصرفهما، فلما لم يلزم ذلك صارا بمنزلة الصحيح؛ ألا ترى أن منهم من أدغم ﴿حيَّ عن بيِّنةٍ﴾، و: عيُّوا بأمرهم ............... ... ......................... لما اجتمع المثلان لازمين في هذه الكلمة، فجعل ذلك بمنزلة الصحيح، وإن كانت هذه اللام هي التي في "يُحيي" و "لم يحي" و "أريد أن يُحيي". فإذا جعلوا هذه المتصرفة في هذا الموضع لما لزم بمنزلة الصحيح، كانت هذه الكلمة التي لم يصرف منها فعل ولا غيره أجدر أن تكون بمنزلة الصحيح في لزوم الإدغام لها، مع بنائهم إياها على التأنيث.

стр. 336

ومثل ذلك في الإدغام ما قاله سيبويه في جمع "هبيّ" و "هبيّة" من أن جمعه "هبأيُّ" بالإدغام. ووجه قوله أنه لما جرى مجرى الصحيح في الواحد لسكون ما قبله وتعاقب حركات الإعراب عليه، جعله بمنزلة "مرضّة" ونحوها، فقال في الجمع "هبايّ" كما تقول "مراضّ". وحكي عن أبي عثمان، وأبي عمر أيضاً، أنه قال: أقول "هبايي" فأُظهر ولا أدغم؛ لأن ما بعد ألف الجمع حكمه أن يكون متحركاً. كأن أبا عثمان جعله بمنزلة "معايٍ"، ولم يجعله بمنزلة "مراضّ"؛ لأن الضاد الثانية مرازمة للأخرى، والياء الثانية لا تلزم الأولى في "معايٍ"؛ ألا ترى أنها تسقط في الجر والرفع، فلما لم تلزم لم يجز الإدغام، ولم يجز الإدغام في حال النصب كما لم يجز في قوله ﴿أن يحيي الموتى﴾ من حيث كانت تسكن في الرفع، وتحذف في الجزم، والفصل بينه وبين "معيية" بيّن؛ لأن الإدغام كما لم يجز في واحد "معايٍ" لتصرفه، كذلك لم يجز في جمعه لذلك وأن الثاني منهما غير لازم، وليس كذلك الواحد من "هبايّ"؛ الا ترى أن كل واحد من المثلين قد لزم صاحبه في الواحد ولم ينفصلا، وكما كانا في الواحد بمنزلة الصحيح في هذا المعنى، كذلك كانا في الجمع بمنزلته، فكان تشبيهه بـ"مراضّ" لما ذكرنا أولى من تشبيهه بـ"معايٍ". وإذا كانوا قد قالوا في جمع "حياء": أحيَّة" و"أحيية"، فأجازوا الإدغام مع أن الثانية لا تلزم الأولى في كثير من تصرف الكلمة كلزوم الأولى الثانية، وجب أن لا يجاز في "هبأيّ" إلا الإدغام؛ لأن الثانية ملازمة غير مفارقة.

стр. 337

ويدل على صحة قول سيبويه في هذه المسألة هذه الكلمة؛ ألا ترى أنهم ألزموها الإدغام، ولم يجعلوها كـ"فاعلة" من "قويت" لما لزمت حالة واحدة من الجمود والامتناع من التصرف. على أن لهذه الكلمة مزية في التصحيح على قولك في جمع "هبيّ": "هبايّ"، وذلك أنها مبنية على التأنيث، والبناء على التأنيث قد جاز معه ما لم يجز مع غيره؛ ألا ترى أنهم قد احتملوا له نحو "ترقوة" و "عرقوة" و "قلنسوة"، ولولا البناء على التأنيث لم يكن هذا النحو في الأسماء. وكذلك "النهاية" والشقاوة". وكما جاز هذا النحو في تاء التأنيث لما كان بناء الكلمة عليها، ولم يكن التذكير أولاً ثم دخل التأنيث بعد، كذلك احتملوا ذلك في الاسم إذا بني على التثنية نحو "مدروان" و "عقلته بثنايين" وهاتان لما بنيتا في أول أحوالهما على التثنية لم يفرد لهما، ولولا ذلك لم تصح الواو كما لم تصح في نحو "رجل مغزىً" إذا بنيت منه مثل "مِحرب". ونظير هذا في التثنية من الجمع قولهم "مقتوو، " في أحد قولي سيبويه

стр. 338

حيث لم يكن له واحد يُفرد. يريد أنه لما بني "مذروان" على التثنية، كذلك بني هذا على الجمع حيث لم يفرد له واحد من هذا اللفظ، كما لم يستعمل واحد "مذروين". وقال فيه أيضاً: "إن شئت قلت: جاؤوا به على الأصل كما قالوا مقاتوة، حدثنا بذلك أبو الخطاب" يريد: إن شئت صححت الواو في جمع التصحيح كما صحت في جمع التكسير؛ لأن جمع التصحيح قد جرى مجرى التكسير؛ ألا ترى أنهم قالوا "الأشعرون" كما قالوا "الأشاعرة"، كانهم كسّروا "أشعر"، كما أنهم في "الأشعرون" إياه جمعوا، فكما أجروا التصحيح مجرى التكسير في هذا، كذلك أجروه مجراه في التصحيح. ويحتمل - عندي - وجهاً ثالثاً، وهو أن تكون الواو صحت في هذا الموضع ليكون تصحيحها دلالة على إرادة النسب وأمارة له، كما صحت العين في "عور" وأجتوروا" ليكون دلالة على أن المراد "اعورَّ" و "تجاوروا"، فكذلك صححت في "مقتوىّ" ليكون التصحيح دلالة على إرادتهم النسب، قال أبو عثمان: ولم يجئ في كلامهم مثل "مقاتوة" إلا قولهم "قوم سواسوة"، سمعته من أبي عبيدة. وإذا كان البناء على التأنيث وما أشبه التأنيث من التثنية والجمع قد احتمل ما لا يحتمله غيره من تصحيح ما لا يصحح إذا لم يقع البناء على التأنيث؛ كانت هذه الكلمة جديرة بالتصحيح لبنائها على التأنيث مع ما ذكرنا من ملازمة المثل الثاني الأول، وأنها لا تتصرف.

стр. 339

والدليل على أنها مبنية على التأنيث وأن التاء له ما حكاه أبو الحسن من أنهم يقولون "آوتاه"، وإبدالهم إياهم تاء في الدرج، ولا يمتنع بناؤها، وأنها لم تتصرف للحاق تاء التأنيث بها؛ ألا ترى أنهم قد قالوا: كان من الأمر ذيَّة وذيّة، وكيَّة وكيَّة، فألحقوا تاء التأنيث هذه الأسماء وإن كانت مبنية. وقالوا "هيهاة"، فألحقوها التاء. وقالوا "منه" في الوقف. وأحلقوا التاء في الحروف في نحو "لات" و"ثُمَّت" و"رُبَّت". فإذا لحقت الحروف لم يمنع أن تلحق هذه الكلمة أيضاً. فإن قلت: ما حروف هذه الكلمة؟ فالقول: إن الفاء منها همزة، والعين واللام واوان. أما كون الفاء همزة فقد تقدمت الدلالة عليه. وأما لاعين فبيّن أنها واو؛ ألا ترى أنها لو كانت ياء لم تصح الواو المدغم فيها، كما لم تصح في "سيد" ونحوه. فإن قلت: فلم لا تكون اللام همزة وقد أبدلت واواً للتخفيف على حد قولهم [في] أبو أيوب: "أبوَّيُّوب"، وكما قالوا في المتصل "سوَّة" في "سوءة"؟ قيل: لا ينبغي ذلك لأمرين: أحدهما أن هذا النحو من القلة بحيث لا يجب أن يقاس عليه. والآخر أنه لو كان كذلك لكان التحقيق قد جاء فيه كما جاء في "سوءة"، ولم يجئ هذا النحو مثل "النبي" و "البرية" و"الخابية". ومن هنا يفسد قول من قال: إن "أول" مأخوذ من "وأل". ويفسد أيضاً قولهم "أولى"، لأنه لو كان كما زعم لجاز تصحيح الفاء. وعلى

стр. 340

أن باب "قوة" أكثر من باب "أجأٍ" بكثير، ولو لم يكن إلا هذا لكان كافياً. والهاء قد تقدم أنها للتأنيث بدلالة ما حكاه أبو الحسن من قولهم "آوتاه"، وقلبهم لها في الصلة تاء، كما فعل بغيرها مما ألحق للتأنيث. فأما قولهم "تأوه" فيحتمل - عندي - قولين: أحدهما - وقد قيل - أنه يكون مأخوذاً من جملة الكلام، كقولهم "هلل" و "لبَّى"، فأخذ من حروف قولنا "لا إله إلا الله" حروفٌ صيغ منها هذا الفعل، وكذلك أُخذ "لبَّى" من "لبيك" مع ما فيه من حرف التثنية. فكما أُخذ من الكلمة وما فيها من حرف التثنية، كذلك أخذ من هذه الكلمة مع ما فيها من تاء التأنيث. فإن قيل: فما تنكر أن يكون "هلل" من الإهلال الذي هو الصوت كقولهم "استهل المولود"، وقوله: يهل بالفرقد ركبانها ... .................... ونحو ذلك؟ قيل: لو كان على هذا الذي ذكرته لكان "هلل" قد استعمل في المواضع التي يستعمل فيها "أهل"، فيقال: هلل المولود، وهلل بالحجز ففي امتناعهم من ذلك وقصرهم "هلل" على من قال "لا إله إلا الله" دلالة على

стр. 341

ما قلناه، وأنه مأخوذ من حروف الكلمة على حد قولهم "بأبأ" و "دعدع" و "تأتأ بالتيس" و"سأسأ بالحمار"، إذا صوت بهذه الأصوات المأخوذة هذه الأمثلة منها. وكذلك "لبى" لا يكون "لبب"، ثم أبدل على حد "تقضيب". والآخر: أن تكون الهاء لغة في الكلمة، فتكون اللام مرة هاء ومرة واواً، كما أن "سنة" كذلك، لقولهم "أسنتوا"، فأبدل من الياء المنقلبة من اللام في "سنوات" التاء، وقولهم "ساناه"، فاللام واو على هذا. وقالوا "سهناء". وكذلك "عضة" في من قال "بعير عاضةٌ"، وقال: ......................... ... نسعٌ لها بعصاه الأرض تهزيز فاللام عنده هاء. ومن قال:

стр. 342

وعضواتٌ تقطع اللهازما كانت اللام عنده واواً. وهذا يمكن أن يكون قوله: هما نفثا فيْ فيَّ من فمويهما ... ....................... لو قال قائل: إن الواو التي في موضع اللام بمنزلة التي في "سنوات"، لكان مذهباً. فكذلك هذا الحرف في من قال: ........................... ... تأوه آهة الرجل الحزين كانت اللام عنده هاء، بدلالة قوله "تأوه" و "آهة". ومن قال: فأولذاكراها ..................... ... ...........................

стр. 343

فاللام عنده واو كـ "القوة" و "الحوة"، و"أو" مثل "قو زيداً". فكما أن الكلم المتقدم تكون اللام منه مرة واواً ومرة هاء، فكذلك هذه الكلمة تكون على ذلك. فأما قولهم "يا هناه أقبل" فالقول فيه إن الهاء الآخرة لا تخلو من أن تكون لاماً على حد اللام في "شفة"، أو على حد اللام في "سنة"، أو بدلاً. أو تكون هاء الوقف لحقت الكلمة وحركت كما حكي عن أحد عملائنا. فلا يتجه أن تكون على هذا النحو؛ لأن هذه الهاء لم تجعل بمنزلة ما في نفس الكلمة في شيء، ولم تحرك في شيء من كلامهم يكون ثبتاً عندنا، فإذا كان كذلك لم يجز هذا القول لدفع الأصول له، وتعرية من دلالة تقوم عليه. فإذا لم يجز ذلك بقي أن تكون لاماً. فلا يجوز أن تكون لاماً على حد اللام في "شفة" لقولهم "هنوك"، وأن اللام في "شفة" هاء في جميع تصرف الكلمة. ولا يقرب أن تجعلها لاماً على نحو ما جعلته في "سنة"؛ لأن الفاء أيضاً هاء، وقد قلّت الهاء في الموضع الذي يكثر فيه التضعيف، وإنما جاء - فيما علمته - في "الفهه" و "مهاهٍ". فإذا قل في الموضع الذي يقل فيه التضعيف، ألا ترى أن باب "قوة" و "حية" لما قلا في هذا الموضع لم يجئ من نحو "سلس" و "قلق" إلا "يديت إليه يداً" وقولهم "واو"، فكذلك إذا قل هذا فيما ذكرنا وجب أن لا تحمل "هناه" أيضاً على أنه من نحو "سلس" و "قلق"، وإذا لم يحمل عليه حمل على أن الهاء بدل من الواو التي هي

стр. 344

لام في قولهم "هنوك" و "هنوات". وأبدلت الواو منها كما أبدلت هي من [الواو] في هذه الكلمة، وكما أبدلت الهمزة منها في "ماء"؛ لأن هذه الحروف تتقارب؛ الا ترى أنها قد أجريت مجرى حروف اللين في نحو قوله: ........................ ... وعرِّي أفراس الصبا ورواحله وقوله: ....................... ... وبَكِّي النساء على حمزة فإن قال قائل: فإذا كان بدلاً من اللام كما ذكرت، فهلا ثني الاسم عليه فقيل "يا هناهان"؟ قيل: إن امتناعهم من تثنيته على هذا لا يدل على أنه ليس ببدل؟ لأن البدل قد يختص المكان المخصوص؛ ألا ترى أنهم قالوا "تالله" و "الله" ولم يلحقوهما المضمر، وقالوا "هذه" فأبدلوا الهاء في الاسم، ولم يثن عليه، فكذلك يكون قولهم "يا هناه". فإن قلت: هل لهذه الكلمة موضع من الإعراب؟ وما هي؟ فالقول فيها: إنها من الكلم التي سميت بها الأفعال في غير الأمر

стр. 345

والنهي كـ"شتان" و "سرعان" و "شكان"، وأقرب إليها في الشبه منهن "هيهات" ألا ترى أنها مثلها في أنها ليست مشتقة، وقد دخلت عليه تاء التأنيث كما دخلت عليه. ومثله "أو"، كأن هذه الكلمة اسم لقولك "أتألم"، كما أن "هيهات" اسم لـ"بَعُدَ"، وكما أن "أُفٍ" بمنزلة "أتضجر". وكانهم لم يستعملوا معها "لك" كما قالوا "أُفٍ لك"؛ لأن المتكلم إنما يعني بها نفسه، فاستغنى عن "لك" التي للتبيين لذلك.

стр. 346

مسألة ذكرت - أعزك الله - "الأسكُرَّجة"، وهل لها اشتقاق؟ وهل الهمزة فيها أصل أم لا؟ وكيف تصغيرها؟ والقول فيها: إنها لا اشتقاق لها في اللغة العربية؛ لأنها فارسية ترجمتها "مقرب الخل". والقول في الأسماء الأعجمية المعربة إنها على ضربين: أحدهما ما نقل معرفاً نحو "إسماعيل" و "إبراهيم" و "إسحاق" و"يعقوب". والآخر ما نقل منكوراً، وذلك نحو "الآجر" و "الإبريسم" و "الفرند" و"الديباج" و"الديوان". فهذا الضرب وإن كان مثل الأول في العجمة، فإنه أشبه بما أصله معرَّب من الأول، بدلالة إدخالهم الألف واللام عليه كإخالهم إياهما على أسماء الأجناس التي هي الأول عندهم، ولصرفهم ما كان منه

стр. 347

عاريا من المعاني التي تمنع الأسماء العربية من الصرف في المعرفة، ولاشتقاقهم منه على حد ما اشتقوا من العربية؛ ألا ترى أن رؤبة قال: هل ينجيني خلفٌ سختيت ... أو فضة أو ذهب كبريت فـ "سختيت": "فعليل" من السخت، وهو الشديد بالفارسية، فصار "سختيت" من "سخت" كـ"زحليل" من باب "زحل". وهذا وإن كان كما ذكرنا، فليس يخرجه عن مساواة الضرب الأول في أنه لا يكون مشتقاً من الألفاظ العربية، كما لا يكون الأول مشتقاً منها، لمخالفة هذين الضربين الأسماء العربية في الخبر. وإذا كان العجمي الموافق للعربية في حروفه التي صيغ منها المماثل بناؤه لبنائها، لم يكن مع ذلك مشتقاً منه، فما خالفه في الحروف وفي البناء أجدر أن يكون مشتقاً منه؛ ألا ترى أن "قابوس" و"سابور" و "إدريس" و "إبليس"، وإن كانا من لفظ القبس والسبر، وكانا على مثال "عوقول" و "حاطوم" و "جاروف"، فليسا منهما، ولو كانا منهما انصرفا اسمي رجلين، وفي امتناعهم من صرفه في قوله:

стр. 348

..................... ... وملك أبي قابوس أضحى وقد نجز وقوله: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والبلد الحرام دلالةٌ على أنه ليس منه، ولو كان منه لصرفت، كما أنك لو سميت بـ"عاقول" رجلاً لصرفت، وليس "سابور" من "سبرت الجراحة والأمر"، وإنما هو في الفارسية "شاة بور"، وعلى هذا أتى به في قوله: أقام به شاهبور الجنو دحولين تضرب فيه القدم وكذلك "إبليس" ليس من قوله ﴿يبلس المجرمون﴾؛ لأنه لو كان منه لصُرف؛ ألا ترى أنك لو سميت بـ"إخريط" و "إجفيل" رجلاً لصرفته في المعرفة. وكذلك " قارون"، وهو "فاعول" من "قرن"، ولا يكون مثل "زيتون"، [فيجب] أن يكون من "دار قوراء"؛ لأنه لو كان كذلك لصحت الواو لسكونها.

стр. 349

وكذلك "هامان" لا يكون "فعلان" من "هومت" ولا من "هام يهيم". فإن قلت: أليس لو جعلته "فعلان" من واحد منهما لم تصرفه اسم رجل، فهلا قلت في "هامان" إنه عربي؟ قيل: إنه وإن كان كما ذكرت، فإنه لم يمنع من الصرف من حيث امتنع "سعدان" ونحوه من الانصراف في المعرفة، ولكن من أجل العجمة والتعريف؛ ألا ترى أنك لو جعلت الألف زائدة، وجعلت الكلمة مثل "ساباط" لم تصرف أيضاً. فأما "طالوت" من قوله ﴿فلما فصل طالوت بالجنود﴾ فلا يكون "فعلوت" من الطول كـ"الرغبوت" و "الرهبوت" و "التربوت"، وإن كان قد روي في بعض الآثار أنه كان أطول من كان في ذلك الوقت. كما أن "جالوت" لا يكون "فعلوت" من "الجولان"، وإن كنت لو بنيت من "طُلت" و"جلت" مثل "الرغبوت" لكان على هذا اللفظ؛ لأنهما غير منصرفين في التنزيل، ولو لم يكن أعجمياً لصرف؛ لأنك لو سميت رجلاً بمثل "الرغبوت" و "الرهبوت" لصرفت في المعرفة. فإذا كان الأمر في هذا النحو على ما ذكرنا من أنه غير مشتق من العربي بالدلالة التي وصفنا،

стр. 350

فـ"أسكُرَّجة" ونحوها من المخالفة للعربي في الحروف والبناء، أجدر أن لا يكون مشتقاً. وهذه الكلم المعرفة التي الهمزة في أوائلها ليس تخلو من أن تكون من ذوات الثلاثة، أو مما هو أكثر منه، وليس في حكم الأسماء الأعجمية أن يحكم في بعض حروفها بالزيادة، كما حكم بذلك في الأسماء العربية؛ لأن المعنى الذي يتوصل به إلى علم ذلك من الاشتقاق وغير ذلك، ليس في لغة العجم، فإذا كان كذلك كان بمنزلة الحروف في اللغة التي لما لم يشتق منها ولم تصرف كما صرفت الأسماء والأفعال، لم يحكم في شيء من الحروف التي فيها بالزيادة؛ ألا ترى أن النحويين يجعلون الألف في الحروف نحو "لا" و "ما" و "يا" أصلاً، وإن لم يجعلوها في الأسماء والأفعال إلا زائدة أو منقلبة، فكذلك الحكم في الأسماء الأعجمية أن لا يحكم في حروف الزيادة منها بالزيادة، إلا أنها إذا أعربت ودخلت بالتعريب في كلامهم، جاز أن يجعل حكم حروفها كحكم حروف العربي في الزيادة والأصل، ولم يمتنع أن يتكلم فيه على أنها قد صارت بمنزلة العربية، أو على أنها لو كانت منها كيف كان يكون حكمها. فمما جاء من المعربة من بنات الثلاثة في أولها الهمزة " استبرقٌ "، لا يخلو من أن يكون من بنات الثلاثة أو من غيرها، فلا يجوز أن تكون حروفها كلها أصولاً؛ لأن أكثر ما يبلغه الأسماء العربية من الحروف الأصول خمسة أحرف، فإن جعلتها كلها أصولاً لم يجز لخروجه عما عليه الأسماء، وخروجه إلى ما تدفعه الأصول. ولا يجوز أن تجعل الهمزة زائدة لتبقى خمسة أحرف تكون أصولاً؛ لأن الحروف التي تلحق زائدة أوائل بنات الثلاثة، لا تلحق

стр. 351

بنات الأربعة إلا أسماء الفاعلين والمفعولين والأفعال المضارعة منها [نحو] "مدحرجٍ" و "يدحرج"، فإذا لم تلحق بنات الأربعة كان من أن تلحق الخمسة أبعد، فلا يجوز إذاً أن تكون الهمزة زائدة وباقي الحروف أصولاً، فتكون الكلمة من بنات الخمسة. ولا يجوز أيضاً أن تكون السين على انفرادها زائدة والأخرى أصلاً، [ولا أن تكون التاء وحدها زائدة والأخرى أصلاً]؛ لأنهما ليسا من الحروف التي تزاد في هذه المواضع؛ ألا ترى أن التاء في "عنترٍ" و"بلتعٍ"، والسين في نحو "عسجدٍ" و "يستعور"، لا يحكم بزيادة واحدة منهما، فإذا لم يجز أن تكون هذا الحروف الثلاثة كلها أصولاً، ولم يجز أن تكون الهمزة مع السين زائدة والباقي أصلاً، ولا التاء مع الهمزة زائداً والسين أصلاً، ثبت أنها كلها زوائد. وإذا كانت كلها زوائد لم يخل من أن تكون كلمة التي فيها اسماً أو فعلاً، فلا يجوز أن تكون اسماً لما تقدم ذكره، فثبت أنه في الأصل كأنه بناء فعل نقل فسُمي به، وأشبه ذلك من كلامهم "اليرمع" و"اليعمل"؛ ألا ترى أنهما على وزن الفعل، وفي أوائلهما زيادته، وهما مع ذلك اسمان لجنسين، كما أن "إستبرق" اسم جنس، وعلى وزن الفعل، وفي أوله زيادته، وهو منصرف في النكرة، كما أنهما كذلك. ولو امتنع ممتنع من صرفه في النكرة لكان مخطئاً خطأ ظاهراً؛ لأنه على وزن الفعل، فلم يجتمع فيه سببان

стр. 352

يمنعان الصرف. فأما هذا الضرب من العجمة فلا اعتداد به في منع الصرف، إنما يعتد به في الضرب الآخر من الأعجمية، وهو ما نقل معرفة نحو "إبراهيم" و"يعقوب"، فأما ما نقل نكرة، وكان اسم جنس، فإن العجمة فيه لا يعتد بها معنى مانعاً من الصرف، ومن ثم كان "النيروز" و "اللجام" و "الديباج" و"السهريز" ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية النكرة مصروفة في المعرفة والنكرة، ولم يمنعه من الصرف إلا ما يمنع العربي المحض، ولذلك كان قولنا "إستبرق" مصروفاً في مواضع من التنزيل، فلو امتنع ممتنع من صرفه لكان مخطئاً تاركاً لمذهب العرب ولغتهم فيه. وفي هذه الكلمة - أعني قولهم إستبرق - موضع جعله النحويون أصلاً لفروع كثيرة قاسوها عليها، وردوها إليها، وهو أنهم إذا سموا بفعل في أوله همزة موصولة قبل التسمية بها، وذلك نحو رجل سميته بـ"اضرب" أو "اقتل" أو "اذهب"، فإن الهمزة في ذلك كله تقطع، فيصير "أقتل" بمنزلة "أبلم"، وإضرب" بمنزلة "إثمد" و "إذهب" بمنزلة "إصبع"، وذلك إذا وقعت التسمية بالفعل فارغاً من الفاعل، وإن سمي بشيء من ذلك وفيه ضمير الفاعل حُكي ولم يغير، وإنما تقطع الهمزة إذا وقعت التسمية بها مفردة؛

стр. 353

ألا ترى أن "إستبرق" مقطوعة الهمزة مصروفة في التنزيل. ولو حُقّر "إستبرق" أو كسر لكان التحقير "أُبيرقاً"، والتكسير "أبارق" بحذف السين والتاء جميعاً؛ لأنهما زائدتان زيدتا معاً، فجرتا لذلك مجرى الزيادة الواحدة، كما أنك لو رخمت مثل "حمراء" و "عقرباء" و "عنصلاء"، لحذفت الزيادتين كما تحذف الزيادة المفردة حيث جرتا مجراها في أن لم تنفصل إحداهما من الأخرى، فكذلك السين والتاء في "إستفعل" لما لحقتا معاً حذفتا معاً؛ لتكون الكلمة بعد حذفهما منه على مثال تكون عليه الأسماء، فـ "إستبرق" لما أعرب جعلوا حكمه حكم العربي، وجعلوه من بنات الثلاثة، فكذلك جمع المعربة حكمه حكم هذه الكلمة. فأما " إهليلج " فيقاي الهمزة فيها أن تكون زائدة؛ لأنها من الثلاثة؛ ألا ترى أن العين منها لام قد كررت. وإذا كان كذلك كان "إفعيعل". وحكم الهمزة إذا لحقت بنات الثلاثة [من] العربي أن يحكم بزيادتها حتى تقوم دلالة تخرجها من ذلك، فكذلك حكم الهمزة في هذه الكلمة. وكذلك الهمزة في "أشكر". وكذلك "الأردن". وإن شئت جعلت "الأردن" مثل "أُبلمٍ"، وجعلت التثقيل فيه من باب:

стр. 354

................... سَبْسَباً رجع إلى "أشكر"، حكم الهمزة فيه أن تكون زائدة؛ لأنها بمنزلة التي في "أترج" و " أسك فّة" و"أسطمَّة"، وهذه زوائد بلا إشكال، كما كانت التي في "أهليلجة" لاجتماعها معها في المعنى الذي وصفنا، ولأن العين قد تكررت بتوسط زيادة بينهما، فصار من باب "عقنقل" و"عثوثل". ومما ينبغي أن تكون الهمزة في أوله زائدة من الكلم المعربة قولهم في اسم الموضع الذي قرب من "أرجان": "آسك"، وهو الذي ذكره الشاعر في قوله: أألفا مسلمٍ فيما زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا و"آسك" مثل "آخر" و "آدم" في الزنة، ولو كانت على "فاعل" نحو "طابق" و "تابل"، لم ينصرف أيضاً للعجمة والتعريف. وإنما لم نحمله على "فاعل" لأن ما جاء من نحو هذه الكلم والهمزة في أوائلها زائدة، هو العام الكثير، فحملناه على ذلك، وإن كانت الهمزة الأولى لو كانت أصلاً، وكانت "فاعل"، لكان اللفظ كذلك.

стр. 355

ومثل ذلك في التنزيل من قوله ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ قياسه أن يكون "أفعل". وأخبرنا أبو إسحاق أنه ليس بين الناس اختلاف أن اسم أبي إبراهيم "تارح"، والذي في القرآن يدل على أن اسمه "آزر"، وقيل: "آزر" ذم في لغتهم، كأنه: لا مخطئ. قال: وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع. قال: وقد يكون على هذا الوجه صفة، كأنه: لأبيه المخطئ. ومحمله على أنه "أفعل"، وإن أمكن أن يكون "فاعل" قياساً على الأكثر. ومن العجمي الذي وافق لفظ العربي نحو "الإزار" و "الإزرة"، وفي
следующие страницы →