Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الرواة من أنَّ هؤلاء قوم لا يذاع هذا الذي غاب عنهم، فهو يراهم في النوم، لتسوقه إليهم بدافع أن يكون على ما ذكره. وأما قول العجاج:
٣٦ - قواطنا مكة ......
فمن /٧ آذهب فيه إلى أنه أراد به (حمام)، ورخم ثم أبدل من الألف الياء، كما ذكرت لك من مناسب الألف لها، فإنَّ ذلك لا يصح إنه لا يخلو من أن يكون رخمه، وفيه الألف واللام، أو لم يكونا فيه، فإن كانا فيه، لم يصح ترخيمه. ألا ترى أن ما فيه الألف واللام في النداء لا يبنى كما يبنى المفرد المعرفة. فإذا لم يجز فيه بناء النداء، فإن لا يجوز فيه الترخيم أولى. وإن رخمه بعد نزع لام التعريف منه، لم يجز أيضًا لأنه إسم جنس، وليس واحدًا مخصوصًا. والترخيم يجيء في الأعلام، ولا يجيء في الأسماء الشائعة إلا فيما كان واحده تاء التأنيث كقوله:
٣٧ - جاري لا تستنكري عذيري
وليس هذا الإسم كذلك، وإذا كان على ما وصفت لك، لم يجز تقدير الترخيم في هذا، لأن التجوز للضرورة إنما هو أن يجوز في غير النداء ما يجوز في النداء. فأما ما لا يجوز في النداء، فكيف يتجوزه إلى غيره؟. ولكن الأمثل من هذا أن تقدر حذف الألف من (الحمام) للضرورة، كما يقصر الممدود. فإذا حذف الألف، اجتمع مثلان، فأبدل من الثاني (الياء) وليس ذلك في الكثيرة كأمليت، وتقضيت ونحوه في الفعل. ولكن حكى أحمد بن يحيى. لا وربيك ما أفعل، يريد: لا
стр. 37
وربك. فأبدل من المثل الثاني في الياء.
قال أحمد: وهي عمانية. فهذا نظيرهما في البيت. وأما قول العجاج:
٣٨ - خالط من سلمى خياشيم وفا
فإني أذكر لك أصله لتتبين مواضع الشذوذ فيه.
أعلم أنَّ أصل هذه الكلمة (فعل) الفاء منها مفتوحة نسمعها كذلك، والعين منها (واو)، واللام منها (هاء). وحروف العلة إذا كانت لامات، فقد تحذف لما يعتورها من من الحركات، وهي مستنكرة فيها لمجانستها لها فحذفت للتخفيف، ولكن لا يكثر في كلامهم جملة ما يستثقلون. وأما ما سبق لهذه الحروف لخفائها، وقربها من مخرج الألف، وكونها بمنزلة في بيان الحركة ومن ثم كان الإختيار، والأقيس في نحو: (عليه) "س ..... وألقي عنده ..... "، و " ..... خذوه فغلوه"، حذف الحرف اللين اللاحق لهذا الضمير في الوصل-، فلما أشبهت الهاء هذه الحروف، فأجريت مجراها فيما ذكرت لك، حذفت لاماتها أيضًا، كما حذفت لامات في غير موضع، فمن ذلك قولهم: سنة، وعضة وشية، وشاة، وكان حذفها أجدر لما ذكرت. إذ قد حذف من هذه الحروف ما هو أدخل في الفم منها، وأبعد شبها بحروف اللين منها، ومن ثم أيضًا اعتورها الحرف اللين في الكلمة الواحدة، وذلك قولك في عضة: عضاة، واللام هنا على هذا القول، ومن ثم قال:
٣٩ - وعضوات تقطع اللهازما
стр. 38
كان اللام هذه واو. وكذلك (سنة). فمن قال: ليست السنهاء، اللام هاء عنده. ومن قال: المساناة، وأسنتوا، أن اللام عنده (واو). واللام والتاء في (أسنتوا) من الياء على حد (أعزب).
فأما شفة، فليس فيه إلا (التاء). تقول: شفاه، وشافهت، فكذلك هذا الحرف، لما حذفت لام منه، كما حذفته مما ذكرت لك، وبقيت العين التي هي حرف علة، حرف إعراب.
وهذه الحروف إذا وقعت حروف إعراب، لزم إنقلابها ألفا، لكونها متحركة طرفا. واقعة بعد متحرك. وإذا إنقلبت ألفا، سكنت، ويلحقها التنوين فليزم أن تحذف لإلتقاء الساكنين فيبقى الإسم على حرف واحد. فلما كسرت، أبدت من هذه العين الميم لمشاركته لما في المخرج، كما أبدلت من الياء (الواو). وكذلك يبقى الإسم على حرفين.
وكون الأسماء على حرفين من هذه المحذوفات غير ضيق. فمن ثم قالوا: في الأفواه (فم) فإذا أضفت إلى مالك، لم تبدل، وتركت العين على حالها، لأن بقاء الإسم على حرف واحد لمعاقبة الإضافة، والتنوين. ومن ثمًّ لم يستعمل في حال الإضافة بالميم، إلا في شعر كقوله:
٤٠ - يصبح ظمان وفي البحر فمه
وكان القياس على من أفراد أن يبدل من العين الميم، لما أعلمتك. فلما ترك هذا القائل إلا بدال، صار العين حرف إعراب فانقلبت ألفا، ولحق التنوين، فانحذف الساكن الأول فبقي الإسم على حرف واحد، فكان خارجًا. وجملة الأمر الأكثر مما عليه الأسماء المظهرة المتمكنة. ألا ترى أنك لا تجد إسمًا مظهرًا في كلامهم
стр. 39
على حرف واحد؟. فإن قلت: فقد قالوا في القسم (م الله لأفعلن)، ومن النحويين من ذهب إلى أنه محذوف من (ايمن)، كان اللام حيث كانت نونا، حذفت، كما حذفت من قولهم دد تراهم أتموا فقالوا: ددن. مثل حزن. وهو أيضًا مشاره في الخفايا للحروف اللينة، وواقع أيضًا مواقعها في الزيادة، وكونها إعرابًا، وإغامًا في (الياء) و (الواو). فلما كان كذلك، حذفت لامها، كما حذفت لامات، وحذفت الفاء التي هي ياء، لأنها تعتل بمواضع فيبقى الإسم على حرف واحد. فإن ذلك حرف نادر، وجاز ذلك عند القائلين بهذا القول لمشابهته الحرف، ولزومه موضعًا واحدًا. ألا ترى أنَّه لا يتعدى القسم، وليس (م) كذلك؟. على أن أبا بكر كان يقول: إنها ليست محذوفة عند من (قال) ايمن، وإنما هي (من الله) فحذف النون، ألا تراهم قد إستعملوا هذا الحرف في القسم فقالوا: (من ربي لأفعلن). وغيروا أيضًا، فضموا الميم منه. والنون قد تحذف لإلتقاء الساكنين حذفا كالمطرد. ألا ترى أن بعض القراء قد قرأ " ... أحد الله ..... ". "وقالت اليهود عزير إبن الله ... " وقد جاء: "حميد الذي أحج دراه" وأنشد أبو عمرو.
٤١ - وحاتم الطائي وهاب المئي
وهذا كثير في الشعر، وأجري ٧ ب النون مجرى حرف العلة في الحذف
стр. 40
لإلتقاء الساكنين، ومن ثُّم قالوا: لم تك منطلقًا. فإن قلت: إنَّ هذه النون من نفس الحرف، تقع أيضًا في موضع، الحركة فهذا لم يمتنع تأويله هنا. كما لم يقولوا: لم يك الرجل منطلقًا، ولكن أثبتوا لمفارقته حرف اللين في هذا الموضع، لمكان الحركة. قيل: إنها وإن كانت تقع موقع الحركة فقط جاءت محذوفًة. ألا ترى أنهم قد أنشدوا:
٤٢ - لم يك الحقُّ على أن هاجه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فحذفت مع كونها في موضع الحركة. فكذلك لا يمتنع الحذف في ذلك التأويل، لمكان الحركة، فإن قلت: أن الحروف لا يحذف منها إلا أن تكون مضاعفة، وليس في (من) تضعيف؟، قيل: قد حذفت النون بعينها لإلتقاء الساكنين في الحروف في قوله:
٤٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولاك أسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وقالوا: هلمَّ فإذا كان كذلك، كان حمله على هذا الوجه أسوغ من حمله على أنه مظهر على حرف واحد. لأن ذلك لم يجيء في موضع. وقد حكي أن كثيرًا من الناس قد لحنوا العجاج في قوله هذا. ووجه ذلك غير جلي.
ومما يجري مجرى (فم) في الإضافة في كونه على حرفين أحدهما حرف لين لأمن التنوين قولهم: ذو مال. ومنه أيضًا ما حكاه أبو الحسن، عن يونس، عن أبي عمرو من أنه كان ينشد:
стр. 41
٤٤ - أبى جوده لا البخل واستعجلت به
نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
فهذا على قول أبي عمرو مضاف كما ترى. فإذا أضافه، جعله إسمًا، وإذا جعله إسمًا، لزمه أن يكون على ما تكون عليه الأسماء، وليس في مفرداتها شيء على حرفين أحدهما حرف لين. وهكذا القياس في هذا، إذا آثر أن يجعله إسمًا. إلا أنه لما كان مضافًا، كان بمنزلة ما ذكرت لك من قولهم: فوك، وذو مال. وساغت الإضافة لأن (ل) قد تكون للجود، كما تكون للبخل. فقياس الألف في (لا) أن تكون عينًا في موضع حركة، ولا تكون على حدها قبل النقل. ألا ترى أن الضمة في قولك: هي الفلك غير الضمة في قولك: هو الفلك. ومن ثم رد النحويون الفاء في ترخيم (شيه) إسم رجل على حدّ من قال: يا حار. فأجمعوا على الرد، وإن اختلفوا في غيره، فقد تعين لك من جملة ما ذكرنا موضع الشذوذ في هذه الكلمة. فأما قوله:
٤٥ - هما نفثا في فّي من فمويهما. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فمن النحويين من يذهب إلى أنه أوقع الحرف موقع اللام، واجتمع مع ما هو بدل منه. قال أبو بكر: والذي حسن ذلك له أن الكلمة كانت قبل الرد ناقصة، ولولا نقصانها، لم يسهل هذا. فإن قلت: فلم لا تكون (الواو) بدلاً من (الهاء) التي هي لامها، وتكون هي والهاء تتعاقبان على الكلمة، كما تعاقبتا في (عضة) و (سنة)، فإنك لا تجد (الواو) لا ما في هذه الكلمة في غير هذا الموضع. فليس
стр. 42
هو إذن كما ذكرت لك في سنة وعضة، فإن قلت: إني وإن لم أجده في موضع، لم يمتنع أن أحمله عليه لأني لا أجد العوض والمعوض فيه يجتمعان. فهو مذهبه. ومما يجيزه النحويون في إضطرار الشعر، قطع همزة الوصل في الدرج، ووجه ذلك أن الوصل يجري مجرى الوقف، كما أجرى الوصل مجرى الوقف في (سيسبا) و (عهيلّ) وأمثل ذلك أن تكون في نصف البيت كقول الشاعر:
٤٦ - أو مذهب جدد على الواحة
الناطق المبروز والمختوم
وفي هذا ضرب آخر من الضرورة، وهو قولهم: المبروز. والمراد: المبروز به، فحذف، وحكم الضمير المنصوب إذا إتصل بإسم الفاعل الداخلة عليه الألف واللام على معنى الذي أن لا يستحسن حذفه من الفعل في صلة (الذي) قال أبو عثمان: فإن حذف الضمير من إسم الفاعل كان قبيحًا، وهو جائز في القياس، ولا يكاد ذلك يوجد في كلام، ولا شعر. فإذا لم يحسن حذف الضمير المتصل من إسم الفاعل مع حسن حذفه من صلة الذي، فإن لا يحسن حذف الضمير المتوصل بالجار المنفصل من إسم الفاعل مع إسم الفاعل، أجدر إذ كان حذف ذلك من صلة الذي غير مجوز. ألا ترى أن من قال: الذي ضربت أخوك، لم يقل الذي مررت زيد، وهو يريد به. كما لا تقول: الذي ضربت عمرو وهو يريد: ضربت أخاه. لإجتماع الضمير في الموضعين في الإنفصال عن الفعل، فإذا كان كذلك، علمت أن هذا الحذف في هذا البيت قبيح، ولا يستقيم إلا على هذا التقدير.
ألا ترى أنك تقول: برز زيد، وأبرزته، وبرزت به. وعلى هذا قال:
٤٧ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر
стр. 43
وكان الذي يسوغ ذلك في الضرورة أن الجار مع المجرور في موضع نصب. بدلالة أنك تعطف عليه، كما تعطف على المنصوب، وكما إستجاوزا حذف الجار مع المجرور، ولم يكن الجار وإن كان منفصلاً عن الصلة -كأخه وغيره من الأسماء المنفصلة، لأن ذلك يقصد في نفسه، وليس الجار كذلك، لأنه متعلق أبداً بالمجرور، فكأنه من أجل ذلك بمنزلة ما هو من جملة الإسم. وإستجازتهم لهذا مع أنه لم يجر ذكر حرف جار يدل على المحذوف، مما يقوى مذهب الخليل وسيبويه وأبي عثمان في قول الراجز.
٤٨ - إن الكريم وأبيك يعتمل
إن لم يجد يوما على من يتكل
والمعنى عندهم: إن لم يجد يوما على من يتكل عليه. فحذف، وكان حذف هذا /٨ آأحسن من الأول لجري ذكر حرف الجر. ألا ترى أنه إستجاز: (على من تمرر، أمرر). وعلى أيهم تنزل. إنزل. فتحذف الجار من الفعل الثاني. ولو قلت من تكرم، أنزل عليه، لم يسغ، كما ساغ في الأول من حيث لم يجر ذكر الحرف كما جرى في الأول.
فأما (على) في قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إن لم تجد يوما على. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مزيدة في قولهم، والمعنى: إن لم تجد من تتكل عليه. تعدى الفعل بالحرف
стр. 44
كما تقول: ضربت لزيد. وفي التنزيل: (... ردف لكم ...) و (... إن كنتم للرؤيا تعبرون) وقال تعالى: (ألم يعلم بأن الله يرى) (... ويعلمون أن الله هو الحقُّ المبين). فوصل الفعل مرة بالحرف ومرة بلا حرف، فكذلك: هذا وجدته، ووجدت عليه، بمعنى. فأما المحذوف من الصلة، فيكون على أنه حذف الجارَّ والمجرور، كما قرئ: (.. ولا تجزي نفس عن نفس شيئًا ...) أن فيه مرادًا. وإن شئت، قلت: حذف الحرف، فوصل، واتصل الضمير، ثم حذف، كما حذفت في نحو: (... أهذا الذي بعث الله رسولاً)، وهذا التقدير أسهل من الأول. وأشندنا عن أبي العباس:
٤٩ - فمن يك لم يغرض، فإني وناقتي
بفلج إلى أهل الحمى عرضان
أحنُّ كما حنت وأبكي صبابة
وأخفي الذي لولا الأسى لقضائي
يريد: قضى علّي، فحذف، وأوصل. قرأ بعضهم: (... من فضة قدرها ....) يريد: قدروا عليها، فأوصل الفعل بعد الحذف. وقول البغداديين في البيت (إن لم تجد يوما) بمنزلة: يعلم، كأنه: (إن لم علم على من يتكل)، فالكلام في تأويلهم
стр. 45
هذا إستفهام وموضع الجملة نصب. كقوله: (إنَّ الله يعلم ...) كأنه قال: إن لم (... يعلم ما تدعون من دونه ....) (إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيله ...) فالجاز في قولهم متصل (بيتكل) وهو المجرور في موضع نصب بـ (يجد) وقول الرياشي في هذا كقول البغداديين.
ومن الضرورة غير المستحسنة ما أنشده أبو بكر عن السكري عن أبي حاتم.
٥٠ - أضرب عنك الهموم طارقها
ضربك بالسيف قونس الفرس
الباء متحركة بالفتح على تقدير إرادة النون الخفيفة، ولا يخلو من أن يريد به الوقف، أو الوصل فإن أراد الوصل، كان الحكم أن تثبت نونا في الصلة كقوله: (... لنفسعا بالناصية). وإن أراد الوقف وجب أن يبدل منها الألف كما يبدل منها في (لنسفعا) فلم يجيء على واحد من الأمرين، ولكنه حذف الحرف لدلالة الفتحة عليه، ومثل ذلك في خروجه عن حد الوقف والوصل جميعًا قول الشاعر:
стр. 46
٥١ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ما حجَّ ربه في الدنيا ولا اعتمرا
الوصل في هذا أن تلحق الواو، وأجرى الوصل مجرى الوقف (في) (ربَّه في الدنيا).
كقول الآخر:
٥٢ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومطواي مشتاقان له أرقان
فهذا أجرى الوصل مجرى الوقف. والآخر ليس من ذلك. ولكن حذف الحرف له في الوصل لدلالة الضمة عليه، وحذف هذا أسهل من حذف الواو من الضمير المنفصل المرفوع، لأنَّ هذه الواو قد تحذف في الوقف، والوصل جميعًا إذا سكن ما قبلها. والواو في (هو)، والياء في (هي) لا تحذفان في حال سعة، وإنما جاء في ضرورة الشعر في قوله:
٥٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذه من هواكا
وقول الآخر:
٥٤ - فبيناه يشري رحله. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وعلى وجه التشبيه بهذا الحرف اللين اللاحق بضمير المنصوب، أو المجرور، لإجتماعهما في أنهما علامتا ضمير، وأن الحروف في القبيلين حروف لين، وإن اختلفا فيما ذكرت لك، فإن قلت فهل يكون هذا البيت المحذوف فيه الخفيفة على قياس قول من حذف التنوين من الإسم في موضع النصب كقول الأعشى:
стр. 47
٥٥ - إلى المرء قيس أطيل السرى
وآخذ من كل حي عصم
فحذف البدل من التنوين، كما يحذفه من المجرور والمنصوب. والخفيفة ثبت البدل منها إذا انفتح ما قبلها، كما ثبت البدل من التنوين إذا إنفتح ما قبله، فإن ذلك لا يكون على هذا القياس لثبات الفتحة. ألا ترى أنه، لو كان على قياس (عصم)، لوجب أن تسكن اللامّ كما سكنت منه. فإن تحرك اللام منه. دلالة على أنه على هذا الحد.
وأما قول الآخر:
٥٦ - لا تهين الفقير غلك أن
تركع يومًا، والدهر قد رفعه
فعلى تقدير الخفيفة، وهو مستقيم مقيس إلا أنك حذفتها لإلتقاء الساكنين، ولم تثبتها في: زيد العاقل. وكذلك حدهما في الكلام، وحال السعة، وأخبرنى أبو بكر عن أبي العباس؛ عن أبي عثمان قال: أخبرني إبن قطرب عن أبيه أنه سمع من العرب من يقول:
٥٧ - ألا أيهذا الزاجري، أحضر الوغى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بنصب (أحضر) على إضمار (أن) وهذا قبيح. ألا ترى أنَّ (أن) لا تكاد تعمل مضمرة حتى تثبت عنها عوضًا نحو: (الفاء، أو الواو) تعطف على إسم. فأما
стр. 48
أعمالها على هذا الحد، فغير موجود، إلا أنَّ نصب الفعل يدل عليها، كما أن الفتحة في البيت تدل على النون المحذوفة. ومما حذف منه في الضرورة ما لا يستحسن حذفه في حال السعة والإختيار كقوله /٨ ب.
٥٨ - وقبيل من لكيز شاهد
رهط مرجوم، ورهط إبن المعل
حذف الألف من (المعل) في القافية تشبيهًا بالياء في قوله:
٥٩ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بعض القوم يخلق ثم لا يفر
فقد أريتك بعض ما بين الألف والياء من التشابه فيما تقدم. فكما حذفت الياء من القوافي والفواصل، كذلك حذف هذا الألف، ولم يكن ينبغي، لأنَّ من يقول: (.... ذلك ما كنا نبغ .....)، ويقول (والليل إذا يغشى) فلا يحذف، كما أن الذي يقول: هذا عمرو، يقول: رأيت عمرا (وقال الراجز).
٦٠ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قد رابني حفص فحرك حفصا
إلا أن (المعلى) في الضرورة لا يمتنع للتشبيه ويؤكد ذلك أن (أبا) الحسن قد أنشد.
стр. 49
٦١ - فلست بمدرك ما فات عني
بلهف، ولا بليت ولا لوانى
فقال: (ليت) وهو يريد: (ليتني) فحذف النون اللاحق مع الضمير للضرورة ثم أبدل من الياء الألف، ثم حذف، وقد يمكن أن يكون.
٦٢ - يا إبن أمّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على هذا كأنه محذوف من قول من قال:
٦٣ - يا إبنة عمي لا تلومي واهجعي:
فأبدل، ثم حذف، وعلى هذا تأول أبو عثمان قول من قرأ (... يا أبة لم تعبد ....) ومن الضرورة غير السهلة ما أنشدناه أبو إسحاق.
٦٤ - إن العرارة والنبوح لدارم
والمستخف أخوهم الأثقالا
قال: مروى (والمستخف) بالرفع، والنصب على موضع (أن) ولفظها، ولم يذكر لنا غيره، ولو انشد منشد بالجر، لكان أسوغ، فانتصب المفعول بها في الصلة، ولم يحتج بأن تقدر له ناصبًا آخر. ومثل هذا في القبح:
стр. 50
٦٥ - لسنا كمن جعلت إياد دارها
تكريت ترقب حبها أن يحصدا
وليس هذا كما أنشده أبو إسحاق عن الأحوال للبيد:
٦٦ - لعمرك أن كان المخبر صادقا
لقد رزئت في آخر الدهر جعفر
إذا كان أما كلُّ شئ سألته
فيعطى، وأما كلُّ ذنب فيغفر
ألا ترى أنَّ في التنزيل: (يوم يرون الملائكة، لا بشرى يومئذ للمجرمين ....)
وقال (ينبئكم إذا مزقتم كلُّ ممزق أنكم لفى خلق جديد). ومن الضرورة التي تستقيم لا تستجاز في الكلام ما يفعله الشاعر لإقامة الوزن من تحريف الإسم، ووضعه موضعه لفظا على معناه، وإن لم يكن العلم المتعارف، من ذلك ما أنشده أبو الحسن الأخفش:
٦٧ - بني رب الجواد فلا تفيلوا
فما أنتم فنعذركم لفيل
قال أبو بكر: أراد: ربيعة الفرس، فلم يستقم الوزن له. فعدل إلى (رب الجواد) قال:
стр. 51
ومثل هذا قول الآخر:
٦٨ - وفاء عليه الليث أفلاذ كبده
وكله قلد من البطن من دم
ومثله:
٦٩ - تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارسا
فقلت: أعبد الله ذلكم الردي
وفي هذا الشعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنا غضاب لمعبد
فجعله مرة (معبد). وأظنه قال الإسم (عبد الله) ومثله:
٧٠ - ربَّ مسقي بغيلي أسد
قد تقدمت بقراظ السباء
ومن ذلك قول البعيث في جرير بن عطية:
٧١ - أبوك عطاء ألأم الناس كلّهم
فقبح من كهل، وقبحت من نسل
فأما ما أنشده أحمد بن يحيى:
стр. 52
٧٢ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . من نسج داود أبي سلام
فالأولى أن يكون اشتقه من لفظ (سليمان) كما اشتق (عطاء) من عطية، ولا يحمله على الغلط كقوله:
٧٣ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كأحمر عاد. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكقول الآخر:
٧٤ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الركب عثمان بن عفانا
ومن قبيح الضرورة قول الشاعر:
٧٥ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مثل الحماليج بأيدي التلام
قالوا: يريد التلامذة، فحذف، وقد أعلمتك أن ذلك لا يكون على الترخيم في ما تقدم إلا أنه قد جاء من هذا النحو ما لا يكون في الترخيم كقوله:
стр. 53
٧٦ - درس المنا بما بمتالع فأبان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قالوا: يريد المنازل. ومثل ذلك ما أنشده لأبي دواد الأيادي:
٧٧ - يجعلن جندل حائر لمتونه
فكأنما تذكي سنابكها حبا
قبل: يريد الحباحب. أي: نار الحباحب، وفي التنزيل:
(فالموريات قدحا) وأنشد أحمد بن يحيى:
٧٨ - من لي من هجر ليلى من لي
والحبل من حبالها المنحل
(فالمنحل) لا يخلو من أن يكون محمولاً على الحبل، أو على الحبال، وكلا الأمريين قبيح. وأنشد الكسائي:
٧٩ - مثل الفراخ نتفت حواصله
وفي هذه الأرجوزة.
стр. 54
٨٠ - تعرضت لي بمكان حبل
تعرض المهرة في الطّول
تعرضا لم تعد عن (قتلا) لي
قال أبو الحسن يكون عن (قتلا) على الحكاية، ويكون أن يريد (النون) فيبدل منها العين. يريد على ما يجيء في لغة تميم من القلب في هذا النحو، وهو الذي يسمى (عنعة) تيم كقول الشاعر منهم:
٨١ - إعن تغنت على ساق مطوفة /٩ آ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفي هذه الأرجوزة
٨٢ - أن تبخلي يا جمل أو تعتلي
أو تصبحي في الظاعن المولي
إلى قوله:
موقع رجلي راهب يصلي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنشده أبو زيد. وقال أبو عثمان: يريد بالظاعن: إسم حنس. ومثل ما قال أبز عثمان -في هذا قول الآخر:
стр. 55
٨٣ - إنى كاني لدى النعمان خبره
بعض الأودى بقول غير مكذوب
والمعنى: الأودين. ألا ترى أن البعض يقتضي أن يكون الكل؟ فهذا أنشاد قوم، وأنشده أحمد بن يحيى: (بعض الأود) جعله على (افعل) جمعا (لود (وحكي: رجل ودوود فاما
٨٤ - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العيهل
و. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الكلكل
فاستعمالهما بتخفيف اللام، مقدر الوقف عليه مضاعف إرادة للبيان، وهذا ينبغي أن يكون في الوقف دون الوصل لأنَّ ما لا يتصل به في الوصل يبين الحرف، وحركته، فمن ذلك. قال من قال في الوقف: هذا خالد. فإذا وصل، قال: هذا خالد. كما ترى، ويضطر الشاعر فيجري الوصل بهذه الإطلاقات في القوافي التي تجري مجرى الوقف. وقد جاء ذلك في النصب أيضا. قال:
٨٥ - مثل الحريق وافق القصبا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا لا ينبغي أن يكون في السعة، فأما قول بعض العرب: هذا طلحة. وهذه رحمة، في الوقف، فإنه أمثل من (عيهل) ونحوه، لأنَّ الأصل (الهاء) ألا ترى أن الهاء لا يؤت بها؟. وأما قولك: هذه أمة الله. فالهاء بدل (التاء) فيجوز أن يكون أصحاب هذه اللغة جاءوا بها على الأصل، ولم يبدلوا في الوقف منها الهاء. وهذا البدل من تغييرات الوقف. ألا ترى أنك تبدل فيه من التنوين الألف إذا إنفتح ما
стр. 56
قبله؟. وكذلك تبدلها من النون الخفيفة. ومما جاء على هذه اللغة ما أنشده أبو الحسن:
٨٥ - ما بال عين عن كراها قد جفت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأبيات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن الشواذ عن القياس والاستعمال، ما حكي من قولهم: نزال يريد: نزال أخبرنا محمد بن الحسن وأنشدنا:
٨٧ - لقد علمت خيلي بموقان أنني
أنا الفارس الحامي إذا قيل: نزال
والاستعمال في هذا الباب التخفيف في العين، وترك تكريرها كقولهم: تراك، ومناع، وصمي، وصمام: وأنشدنا أبو الحسن الأخفش:
٨٨ - فرت يهود، وأسلمت جيرانها
صمي كما فعلت يهود صمام
ومن الشاذ ما أنشده أبو زيد:
٨٩ - هل تعرف الدار ببيدا أنه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأبيات. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا يجيء على وجوه شاذة، وفيما ذكرنا من هذه الفنون ما يدخل إلى كثير مما يرد منها.
стр. 57
هذا باب الإعراب والبناء
الإعراب تغير أواخر الكلم، وإختلافها بإختلاف العوامل. والبناء خلاف ذلك فالمعرب من الكلم الثلاث، الإسم، والفعل. فأما حروف المعاني، فكلها مبنية، وما تختلف به أواخر الكلم للإعراب: الحركة، أو السكون أو حرف غير حركة. فالحركات على ضربين: حركة ظاهرة في اللفظ مسموعة منه. وحركة منوية، غير خارجة إلى اللفظ.
والحركات الظاهرة التي تكون للإعراب: الرفع، والنصب، والجر والسكون -هو الجزم- نحو: لم يذهب.
والأسماء على ضربين: معرب، وغير معبر. فالمعرب منها ما كان متمكنًا، وهو الذي لم يشابه الحرف، ولم يتضمن معناه. وهي أسماء الأنواع الأول، أو ما اشتق منها للصفات، ونحوها، أو ما كان منقولاً عن ذلك للأعلام المخصوصة، فالمنقول بحسب المنقول منه. وهو إما إسم غير صفة كأسد، وكلب، وحمار، وزيد،، وفضل. وأما إسم صفة كحارث، وعباس، وحسن، وسهل، وربما استغنوا ببعض الأسماء التي تجري مجرى الأسماء الأعلام من إسم النوع. فهذا جمهور أقسام الأسماء المتمكنة. وهذه الأسماء المتمكنة على ضربين: منصرف وغير منصرف.
стр. 58
فالمنصرف ما لم يشبه الفعل فدخلته الحركات الثلاث مع التنوين، وذلك نحو قولك: هذا رجل. ورأيت رجلا. ومررت برجل قبل.
وغير المنصرف ما كان ثانيا من جهتين، ومعنى ذلك أن يجتمع فيه ثقلان، وسببان من هذه الأسباب التسعة وهي: وزن الفعل، والصفة، والتأنيث، والعجمة، والعدل، (والمعرفة)، والجمع، وأن يجعل إسمان إسمًا واحدًا، وأن يكون في آخر الإسم ألف ونون زائدتان. فمتى اجتمع من هذه الأسباب سببان في إسم، منعاه الصرف، فلم يدخله الجر، والتنوين كما لم يدخلا الفعل. فإن أضيف شيء من ذلك، أو دخله الألف واللام، أنجرَّ لزوال شيبه الفعل لذلك، وأمن التنوين، وذلك قولك: مررت بالأحمر، وابن عيهل. فإن قلت: إذا كان السببان من هذه الأسباب، إذا اجتمعا، منعاه الصرف فهلا لم تصرف نحو طويلة، وقائمة، وشديدة في الكسرة للتأنيث، والوصف اللذين اجتمعا فيها؟ فالقول في ذلك: أن أحد السببين لم يلزم الإعتداد به. وإذا لم يلزم ذلك، كان الذي يبقى سببًا واحدًا، وهو لا يزيل ما للإسم من التمكن فيخرج به إلى شبه الفعل. ويدلك على أن التاء لا يلزم الإعتداد بها إنها غير لازمة للكلمة في حال تذكيرها، لأنه ليس فيها ما/٩ ب (يحظرها) ويمنع من إسقاطها، وما لم يلزم من الحروف، وكان قلقا في مكانه، وموضعه لا يعتدون به. ألا ترى أن الواوين إذا وقعتا أولا في التحقير والتكسير وغيرهما، ألزم الأولى منهما القلب، وذلك قولك في تحقير (واصل) وتكسيره (أو يصل) و (أواصل) وعلى هذا قوله:
стр. 59
٩٠ - ضربت صدرها إلّي وقالت
يا عديا لقد وقتك ألا واقي
وقالوا: التولج. وقال:
٩١ - متخذًا من عضوات تولجا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فأبدل من الأولى (التاء)، كما أبدل منها الهمزة في (أواصل) وفي التنزيل: (... ما وورى عنهما من سوءاتهما ...)، فلم يبدل الأولى منهما، حيث كانت الثانية غير لازمة. ألا ترى أنك إذا بنيت الفعل للفاعل، إنقلبت ألفا، فلما لم تلزم الثانية هنا لزومها في الباب (لم تلزم) الأولى منهما القلب إلا على حد (اقتت). ومن ذلك أيضًا قوله في (بيضة) و (جوزة) بتحريك العين، لم يقلبوا العين ألفا، وإن كانت في موضع حركة. كما انقلبت في دارات، وساعات، لأنَّ الحركة غير لازمة. فلما لم يلزم، كان الحرف في حال كونها فيه بمنزلة ساكنا، ومن ذلك قولهم في تخفيف موألة، وحوأبة وجيئل: موله، وحوبة، وجيل. فصحت حروف العلة حيث كانت الحركة فيهن لحروف غيرهن. ومن ذلك قولهم في تخفيف ضوء: ضو، فتحرك الواو (لأنها) صحت طرفا مع سكون ما قبلها، حيث كانت الحركة غير لازمة.
ولو كانت لازمة، لم يسغ هذا. ألا ترى أن باب (عصا) و (رحى)، لا يصح في شيء منه حرف العلة؛ فكما أن هذه الأشياء وغيرها مما لم يذكر، لا يعتد بها
стр. 60
لأنها غير لازمة، كذلك، لم يلزم الإعتداد بالتاء في هذا الضرب من النكرة. فإن قال قائل: فهلا صرف في المعرفة أيضًا وفيه هذه التاء -كما قلتم- إنه لا يعتد به في النكرة؟. قيل لزم الإعتداد به في المعرفة، وإن لم يلزم ذلك في النكرة، لأنَّ التسمية تحيل الإسم وتحظره فيمتنع من إسقاط شيء منه، وقت التسمية، وهو فيه، كما يمنع من أن يضم إليه ما ليس منه. وإذا كّان كذلك، كان معتدًا بهذا، وإذا إعتد به، إنضّم إلى السبب الآخر، فمنع الصرف، كما يمنع الصرف الرابع من بنات الأربع إذا كان الإسم مما غلب عليه التأنيث نحو: عقرب وعناث، ومن أجل ما ذكرت لك من حظ التسمية إسقاط التاء ما لم يجز النحويون في نحو: طلحة، أن يجمع إذا كان إسمًا لمذكر بالواو وأّلنون. ألا ترى أنه لو جمع به، كان لا يخلو من أحد أمرين. أما أن تثبت التاء مع حرف الجمع فيجمع بذلك بين ما لا يجتمع، ويعاقب أحدهما الآخر، أو تحذف التاء، وحذفها غير سائغ للتحريف، وبعد الإسم عما سمي به، ولا يلزم إذا (جمع) بالألف والتاء، لأن التأنيث المجتلب، يصير بدلاً من المحذوف، فكأنه لم يحذف، ومع ذلك فلم يجز جمع بيّن تأنيثه.
وقد أجاز البغداديون جمع هذا الضرب من الأسماء بالواو والنون على ضعف عندهم. ووجه فساده ما قدمناه ذكره. والذي ثبت به الاستعمال أيضًا خلاف ما أجازوه. ألا ترى أنهم حين جمعوا طلحة إسم رجل. قالوا: طلحات وعلى هذا قول الشاعر:
стр. 61
٩٢ - نصرّ الله أعظما دفنوها
بسجستان طلحة الطلحات
فلما ثبت استعمال بخلافه، ودفعه القياس، لم يكن لإجازته وجه، واستدلوا على إجازتهم ذلك بما أنشده، أحمد بن يحيى:
٩٣ - وعقبة الإعقاب في الشهر الأصم
هذا أن سلم أنه جمع (عقبة) مع إحتماله غير ذلك، فليس فيه ما يدل على جواز جمعه بالواو، والنون. ألا ترى أنه ليس كل ما يجمع مكسرا، يجمع بالواو والنون. فإن ما له وجه الدلالة في ذلك أنه حذف التاء في هذا التكسير، وإن كانت التسمية وقعت بالإسم وهي فيه، فكما جاز حذفه في هذا التكسير، كذلك يجوز الحذف مع الواو والنون؟. قيل: لا يجوز جمعه بالواو والنون من حيث جاز تكسيره على هذا الحد، وإن اجتمع الجمعان في حذف التاء منهما. ألا ترى أنك إذا كسرت، عاقبت الإسم بالتكسير، وتأنيثه الذي كان يكون في الواحد، فصار لذلك بمنزلة الجمع بالألف والتاء. فكما جاز الجمع بالألف والتاء، لأنَّ دلالة التأنيث لا تخترم فتصير بذلك كأنها ثابتة فيه، لذلك جاز التكسير لما تعاقب الإسم به في التأنيث. وليس الجمع بالواو والنون كذلك. فإذا لم يكن مثله ولم يعاقب الإسم به تأنيث، كما عاقب بالتكسير، لم يجب جوازه في الإسم من حيث جاز التكسير. فإذا كان كذلك، لم يكن في هذا الذي أورد هذا دلالة على إجازة مما أجازوا. مما يدل على حظر الكلمة بالتسمية، وتقدير الحرف/ ١٠ آفيما كان ثابتًا فيه إمتناع تقدير ما لم يكن داخلاً عليه قبل التسمية فيه وذلك نحو: ارطى،
стр. 62
ومعزى، ولو سميت بهما مذكرًا، لم تصرف للتعريف، وأن الألف شابهت في حال التسمية، ألف التأنيث لزيادتها. وإمتناع التاء من الدخول عليه يحظر التسمية كإمتناعها من الدخول على ألف التأنيث. ألا ترى أنّك إذا سميت بأرطى، إمتنع دخول التاء على الإسم، ولم يجز كما كان يجوز في حال النكرة، فأشبه حبلى. فكما إمتنع من أجل التسمية دخول ما كان يدخله قبل، كذلك يمتنع سقوط ما كان يسقط قبل. فإذا لزم ثباته، لزم الإعتداد به، فصار السببان يمنعان في (طلحة) الصرف، وإن لم يكن أحد السببين في (قائمة) معتدًا به. ومثل ألف الإلحاق فيما ذكرت لك من أن التاء تمتنع من الدخول عليه للتسمية.
الألف والنون في عثمان وعريان يصيران كاللتين في عطشان، لإمتناع التاء من الدخول عليهما في حال التسمية وللتسمية. كأمتناعها من الدخول في باب عطشان ونحوه، كما في باب أرطى في التسمية كباب حبلى كذلك صار نحو: سرحان، كنحو عطشان.
فأما مساجد ونحوه: فيما يمنعه من الصرف أنه جمع، وأنه ليس في أبنية الآحاد مثله، فإن قلت: فهلا لم ينصرف نحو: أفعال، وأفعل أيضًا لأنهما جمعان، وليس في أبنية الآحاد مثلهما؟. قيل: إنَّ أفعالاً، وأفعلا، يشبهان الواحد. ألا ترى أن أفعالاً جرى وصفا على المفرد نحو: (ثوب أكياش)، (وحبل أرمام، واقطاع). وقال (تعالى) (... نسقيكم مما في بطونه ...) وقد تقدم ذكر (الأنعام) وقد كسر (هو) وأفعل تكسير الآحاد نحو: أبايت. وأراهط، وقربها من الآحاد أيضًا في المعنى فلما كان كذلك، لم يكونا كباب مساجد. ويدلك على أن
стр. 63
كونه خارجًا من أمثلة الآحاد الأول، ثقل، وسبب مانع، أنه إذا وقع وافق بناء الواحد، إنصرف، وذلك نحو: الكراهية، والطواعية، وحمار حزابية. فمن ها هنا صرف نحو: صياقلة، وزنادقة. فإن قلت: (فهذا) امتنع لمكان التأنيث المعاقب لذلك البناء الأول المختص به اجمع، فإنَّ ذلك ليس بسؤال على ما قدمت ذكره لك. فهذه الأسماء التي لا تنصرف تنفتح الأواخر منها في موضع الجر. وهذه الحركة التي هي الفتحة في موضع الجر حركة إعراب، وليست حركة بناء. يدلك على ذلك أنّ البناء لا يوجد في شيء من الأسماء، إلا لمشابهة الحرف، ولا شيء في هذا الإسم من مشابهة الحرف. وإذا كان كذلك، لم يسغ الحكم ببنائه.
وكانت الحركة للإعراب، فإن قلت فإنَّ الأسماء المفردة المعربة تجرى متمكنة في أحوالها الثلاث، ولا يمنعها ذلك أن تبنى في النداء فكذلك ما تنكر أن يجرى الإسم غير المنصرف معربًا في موضع الرفع، والنصب، ويبنى في الجر؟ فإن بناء ذلك في الجر لا يستقيم من حيث بني المفرد، المعرفة في النداء. ألا ترى أنها في هذا الباب، واقعة موقع ما يغلب عليه شبه الحرف. وهو جار مجراه، وهي الأسماء المضمرة الموضوعة للخطاب. والحرفية على هذه الأسماء أغلب في معنى الإسم. ألا ترى أن كل موضع يكون فيه إسمّا،، لا تنفك فيه من شبه الحرف. وقد تتجرد حروف، ولا معنى إسم فيها، فيعلم بهذا أن كون معنى الحرف منها أعم وأغلب. فإذا وقعت الأسماء المفردة المعرفة موقعها، وجب بناؤها، كما أن سائر الأسماء ما وقع منها موقع الحرف، وسد مسده وجب بناؤه. ويدلك على أنَّ هذا الإسم معرب في هذه الحال غير مبني فيها، أنَّ هذه الحركة، وجبت فيه بعامل. والحركات اليت تجب بعوامل لا تكون حركات نباء. ولو جاز مع الجر بها بالعامل أن تكون حركة بناء، لجاز ذلك في سائر حركات (الإعراب)، فإمتناع ذلك في غير هذا الموضع، دلالة على أن الحكم بها ها هنا فاسد. فإن قلت
стр. 64
فقد قالوا: لا رجل عندك. وهذه الحركة حركة بناء، وهي موجودة مع عامل قد عمل ذلك فيه. فما تنكر مثل ذلك في ما لا ينصرف في حال الجر؟، قيل: إنَّ العامل هنا لم يعلم حركة بناء، وإنما نصب الإسم نصبًا صحيحًا. ألا ترى: أنَّ سيبويه قد قال: أن (لا) تنصب ما بعدها كنصب (أن) لما بعدها. وبذلك على أنها نصبت الإسم.
إنّ الإسم المنفيَّ بها إذا كان مطولاً، أو مضافًا؟ ظهرت فيه فتحة النصب، كقولك: لا خيرًا من زيد. ولا أمرًا يوم الجمعة لك، فنصبها للمفرد على حد نصبها لهذا المطور. والموجب للبناء فيه غير الموجب للإعراب، وهو جعلهم الإسم مع (لا) كالشيء، الواحد. فهذا الذي هو المعنى الواجب للبناء. وإذا جعلت كلمتان كلمة واحدة، فهم مما يبنونهما على الفتح وذلك كضمهم الإسم إلى الإسم في الموضع الذي يدخلهما مع الحرف وكضم /١٠ ب الصوت إلى الإسم، أو الفعل إلى الإسم في قول النحويين، والحرف إلى الفعل، والحرف إلى الإسم، والصوت إلى الصوت، فهذه الأنواع مع إختلافها يغلب عليها البناء، فلما بنى إذا ضم الصوت كذلك، بنى إذا ضمّ إليه الحرف في هذا الباب فهذا هو المعنى الموجب للبناء. ألا ترى أن حركة البناء حدثت بعامل. إلا أنَّ حركة البناء في هذا المبني هي الحركة التي كانت تكون للإعراب في هذا المبنى قبل حاله المفضية به إلى البناء. ونظيره في هذا المعنى (قوله):
يا بان أم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 65
فيمن جعلها اسمًا واحدًا. فإن قلت: فقد اتفقت الحركتان، وصارت في حالتين مختلفتين على صورة واحدة. وهذا مما يكون في المبنى. ألا تراهم قالوا: جئت من قبل وقبل ونحو ذلك. فإنَّ إتفاق الصور في هذه الأشياء لا يدل على البناء. ألا ترى أن صورتى الرفع والجر في باب القاضي والغازي متفقان وهو مع ذلك معرب. وكذلك باب المثنى والمعلى في الأحوال الثلاث على صورة واحدة، وهو مع ذلك معرب. فليس إتفاق الصور مما يوجب البناء في الكلم المبنية، وإنما الموجب ما ذكرت لك من مشابهة الحرف.
فأما موافقة الجر النصب هنا فهو كموافقة النصب الجرّ في التثنية، والجمع الذي على حدها. فلو جاز أن يكون الإسم غير المنصرف مبنيًا في هذه الحال، لكانت التثنية والجمع كذلك أيضًا، فليس هذا الإتفاق للبناء وإنما هو لإجتماع النصب، والجر في كونهما فضلتين وكاملتين بعد استعمال الجملة المتضمنة للفعل أو معنى الفعل بجزئيها اللذين هما الحدث - والمحدث عنه، ومن ثم اتفقا أيضًا في باب الضمير.
والأفعال على ضربين: معرب، ومبني. فالمعرب منها بالحركات الظاهرة هي الأفعال المضارعة، وهي التي تلحق أوائلها زيادة من إحدى هذه الزيادات، الأربع، وهي الهمزة والنون، والتاء، والياء وذلك قولك: أفعل أنا، ونفعل نحن وتفعل أنت، وهي في المؤنث الغائب، ويفعل هو. فهذه الأفعال هي الأفعال المعربة، وإنما أعربت بجملة الإعراب لمشابهتها الإسم، وخصَّ كلّ ضرب من الإعراب بعامل عمل فيه ذلك. فعامل الرفع غير عامل النصب، والجزم، كما أنَّ كل عامل من الناصب والجازم غير الآخر، فإعراب هذا الضرب من الفعل، الرفع والنصب، والجزم، ولا جرّ فيه كما كان في الإسم، وإنما إمتنع الجر فيه لأنه لا يكون إلا
стр. 66
بالإضافة. ألا ترى (أنّ) الجرّ يكون بأحد أمرين: أما إضافة إسم إلى إسم. أو إضافة فعل إلى إسم، وكلاهما يوجب تخصيصًا، والغرض في صياغة هذه الأمثلة (التي تسمى) بالأفعال، خلاف التخصيص. ألا ترى أنها تكون الجرّ المستفاد من الجملة. والغرض في الإضافة التخصيص، وإخراج المضاف بها من الإشاعة إلى المخصوص، فمنها ما تضع اليد عليه كغلام زيد، ودار الخليفة، ومنها ما يكون ضربًا من التخصيص، وإن لك يكن كالأول، كغلام رجل، وصاحب إمرأة. فلما لم تخل الإضافة في كلا ضربيها من أن تحدث تخصيصًا، وكان الغرض في صياغة الفعل خلاف ذلك، لما أعلمتك، لم تستقم الإضافة إليه. لأنه يصير نقصًا، لذلك الغرض الذي قصد به، ووضع من أجله. فمن أجل هذا لم تضف إليه، كما لم يضف إليه، لأن الإضافة توجب التعريف، ووضع الفعل بخلافه، وكذلك لم تدخل عليه لام التعريف، لأنه في باب إيجابه التخصيص مثل الإضافة، وتوصل في محاولة ذلك فيه إلى لفظ آخر غيره، جعل بمعناه، كما توصل إلى نداء ما فيه الألف واللام حيث لم يسغ إجتماعها مع حرف النداء إلى نداء شيء آخر جرى عليه ما فيه الألف واللام، وذلك قولهم: يا أيها الرجل، فكذلك حيث لم يسغ دخول (الألف) واللام على الفعل من حيث كان مؤدي إلى نقص الذي وضع له الفعل، أدخل على ما دلّ عليه، وذلك قولهم: هذا الضارب زيدًا أمس. فلولا كون إسم الفاعل بمعنى الفعل، لم يجر هذا. ألا ترى أنك لو قلت: رأيت ضاربًا زيدًا أمس، لم يستقم. فإن قلت: هلا أضيف إلى الفعل. وإن كان لا يختص كما أضيف إلى النكرة المضاف إليها، لم توضع لخلاف التخصيص.
ألا ترى أنَّ النكرة قد يعاقبها التعريف، فعلم بذلك إنها لم يقصد بها الإشاعة في جميع أحوالها، كما كان القصد في الفعل أن يكون لخلاف التخصيص
стр. 67
في جميع أحواله، للزوم هذا المعنى له وإمتناع تعريفه. فليس النكرة في جواز الإضافة إليها يدل على جواز الإضافة (إليه) مما يدل على جواز الإضافة إلى الفعل كذلك.
وليس في الأسماء الجزم الذي في الأفعال، لأن عوامل الجزم لا معنى لدخولها على الإسم، وعملها ذلك فيه. ألا ترى أن المجازاة، والأمر، والنهي، ونفي الماضي على لفظ الأمر /١١ آ. لا يوجد في الإسم. فهنا إمتناع من جهة المعنى. وأما اللفظ فلأن الأسماء أدخل في الإعراب من الأفعال، فلما كان جزمه يؤدي إلى ضرب من البناء، رفض ذلك على أنه لو جزم على حد الفعل، لم يخل من أن تحذف له الحركة دون التنوين. أو التنوين دون الحركة. أو يحذفا جميعًا، فلا يستقيم حذف التنوين دون الحركة، لأنه ليس بإعراب، وإنما هو حرف تابع له. والجزم يحذف حركات الإعراب. فإذا لم يكن التنوين إياها، لم يجز حذفه له، أو تحذف له الحركة دون التنوين، وهذه الحركة لا تحذفه ويترك التنوين، فلا يحذف بل قد يحذف التنوين، وتبقى الحركة، وذلك في نحو الإسم الذي لا ينصرف، فأما أن تحذف الحركة، ويبقى التنوين، فلا يكون. فإن قلت فهلا جزم ما كان من هذا الضرب من الأسماء لشبهه بالفعل.؟، فإنَّ ذلك لا يستقيم. ألا ترى أن إمتناعه من الانصراف، لم يمنع أن يضاف إليه كما يضاف إلى سائر الأسماء. فكما أجرى مجرى سائر الأسماء من جراء الإضافة إليه وأن كان ممتنعًا في الفعل، كذلك إمتنع جزمه من حيث لم يكن إلا في الفعل، لأنَّ هذا الضرب من الأسماء في أحكام الأسماء المنصرفة، وإن كان الجر مع التنوين يمنعان من الدخول إليه. وإمتناعهما من ذلك، لا يمنع من تقدير ذلك له في الأصل، ووجوبه أن كان الشبه العارض للفعل قد منع منه. وما كان مقدرًا في
стр. 68
المعنى، كان بمنزلة المثبت في اللفظ. ويقوى ذلك إخراج الشاعر له إلى اللفظ عند الحاجة، فأنه يرده إلى ما يجب له في الأصل ولولا ذلك، لم يجز، ولم يستقم أن يحذفا له جميعًا، لأنه في الفعل يحذف شيئًا واحدًا، ولا يحذف في شيئين، فإن قلت: فقد يحذف حرفا متحركا في الفعل الذي تلحقه تثنية، الفاعلين وجمعهم، وفي المخاطب المؤنث، وذلك شيئان. فإنَّ الحركة في هذا القبيل لما كانت لإلتقاء الساكنين، كان المحذوف كأنه شيء واحد. يدلك على ذلك، حذف اللام له إذا كان حرفًا لينا، وهو حرف واحد مفرد من الحركة، فإذا كان الجزم يحذف له مفرد لم يستقم إن يحذف له شيئان لمخالفة ما يكون عليه في غير هذا الموضع. فأما إعراب هذا الضرب من الفعل، وهو الذي يلحق أوله زيادة من الزيادات الأربع، فلمشابهة الإسم. ووجهة الشبة أن لفظه وأن كانّ أصله لما كان حاضرًا فقد وقع على الآتي، وقوعه على الحاضر فصار أحدهما لا ينفصل من الآخر. كما أن رجلاً لا يدل على زيد دون عمرو.
فإذا أدخلت على الإسم حرفًا خصه لبعض ما كان يدل عليه، كما أنَّ لام التعريف إذا دخلت على الإسم، خصته بغير ما كان يقع عليه، وزالت الإشاعة التي كانت قبل دخول الحرف. فهذا وجه من الشبه الذي يختص به هذا الضرب من الفعل دون أمثلة الآتي، وأمثلة الحاضر. ومن شبه هذا الضرب بالإسم دخول لام الإبتداء، عليه في حال وقوعه خبرًا، ووجه الشبه إن هذه اللام تختص بالدخول على الأسماء المبتدأة دون الأفعال، وكان حقها في هذا الوضع أيضًا أن تقع أولاً، وصدرًا، كما تقع في غير هذا الموضع، وذلك في نحو: أزيد منطلق، ولعمرو ذاهب. فكما لم يستقم إجتماع الحرفين أولاً لكونهما بمعنى واحد. والحرفان إذا كانا بمعنى واحد، لم يجز إجتماعهما آخرًا إلى الخبر من حيث كان الخبر في المعنى هو المخبر عنه، وما يؤول إلى ما هو المخبر عنه في المعنى. فدخل على هذا الضرب من الفعل من حيث كان مشابهًا له ومقارنًا. فلم يدخل على غيره
стр. 69
غير موجودة في الأصل المصور
стр. 70
وإن كانت في اللفظ قد وقعت غير صدر. يدلك على ذلك أن التقدير به التقديم، أجازه النحويون (نحو) أن زيدًا طعامك لآكل. /١١ ب فلولا أنه تقدم في التقدير، لم يجز تقديم المفعول به عليه، كما لم يجز هنا. ولو قلت: أن زيدًا آكل لطعامًا، لم يجز هنا. ولو قلت: أن زيدًا آكل لطعامًا، لم يجز، لأن حكم اللام، أن تدخل على الخبر إذا كان في المعنى المبتدأ أو ما يؤول إلى ما هو هو. فإذا اقتضى الخبر، فلا مدخل لها في ما كان فضلة. وإنما دخلت عليها حيث كانت متقدمة للخبر. لأنَّ التقدير بهذا الدخول عليه، كما كان التقدير به التقديم، وعلى هذا قوله:
٩٤ - أن أمرأ خصني عمدا مودته
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فدخلت على الفضلة حيث كان الخبر بعدها. ومما يدلك على أنَّ التقدير به التقديم قولهم: إنك لرجل صدق. فوقعت على (أن)، وصار هذا الإبدال إلى الهمزة من الفصل الموقع بينهما بالمبتدأ في المعنى، أو بالظرف، وذلك نحو: إن عندك لزيدا و (.... إن في ذلك لآية .....) وإن زيدا لقائم، فالأبدال هنا كالفصل. ألا ترى (إنما) لم تجتمع مع الحرف على الصورة التي تكون عليها في أكثر الكلام، فأما اللام فيشبه أن تكون زائدة. ومما جاء في ذلك ما أنشده أبو زيد:
٩٥ - وأما لهنك من تذكر أهلها
لعلى شفا يأس، وأن لم تيأس
стр. 71
وأنشد أحمد بن يحيى:
٩٦ - ألا ياسنا برق على قلل الحمى
لهنك من برق علي كريم
وأما الحركة المنوية التي هي غير خارجة إلى اللفظ، فتكون من الأسماء والأفعال. فالأسماء المقدر فيها ذلك على ضربين: أحدهما أن ينوي في حرف إعرابه الحركة في حال الرفع، والجر ويظهر في حال النصب، والآخر أن ينوى في حرف إعرابه الحركات الثلاث، ولا يظهر شيء من الحركات في فعله، كما ظهر فيما قبل فمثال الأول قولك: هذا القاضي. وهذا الغازي، وبالقاضي والغازي، وكذلك العمي، والشقي، والمجعبي، وكذلك قلنسوة وقلنسي، وعرقوة، وعرقو، على شعرة، وشعير. وتقول في النصب: رأيت قاضيا، وغازيًا، وعميا، وشقيا، ومجعبيا، فتحركت في النصب بالفتحة. وتقول في الفعل: هو يغزو، وهو يرمي وكذلك يستجزى، ويستدعي، وتحركه في النصب فتقول: لن يغزو، ولن يرمي وكذلك هو يخشى، ولن يخشى، فالحركة في هذه اللامات منوية مقدرة. وكذلك هو يسلقى، ويجعبى، ويدلك على تقدير الحركة هنا، وحذفها لمجانستها حروف اللين أنها منها، وبعضها يحذف، وكرهت كما يكره اجتماع، الأمثال، والمقاربة. فيخفف، ذلك بأشياء تارة بالإدغام، وتارة بالحذف، وتارة بالقلب فكذلك الحركة فيما ذكرت لك، حذفت، وإن كانت مرادة في المعنى تحذف (في) نحو قولهم: علم أبو فلان وأحسنت. ونحو ذلك مما يدل على نية الحركة هنا، أن الشاعر إذا اضطر، أخرج ذلك، فلو أنه الأصل، ما كان ليفعل هذا، كما أنه إذا احتاج إلى تحريك الأول في المثالين (اللذين) يجتمع فيهما على الإدغام، بيِّن كقوله:
стр. 72
٩٧ - يشكو الوجا من اظلل واظلل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكما قال:
٩٨ - مهلا اعاذل قد جريت من خلقي
إني أجود لأقوام، وأن ضننوا
وكما أظهر الحركة هنا التي هي من أصل البناء للحاجة، أن تتحرك بها، وذلك قول الشاعر:
٩٩ - ما أن رأيت، ولا أرى في مدتي
كجواري يلعبن بالصحراء
وقال:
١٠٠ - فيوما يوافينا الهوى غير ماضي
ويوما ترى فيهنّ غولاً تغول
وعلى هذا قوله:
١٠١ - قد عجبت مني، ومن يعيليا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 73
وعلى هذا قول الآخر في الفعل.
١٠٢ - ألم يأتيك، والأنباء تنمي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا أسكنه من الضمة التي قدر حذفها للجزم، كما يحذفها من (يضرب) ونحو ذلك من الصحيح الذي تعتقبه الحركات، ولا يمتنع شيء منها أن تدخل عليه. وأما قول الآخر:
١٠٣ - إذا العجوز غضبت فطلق
ولا ترضاها، ولا تملق
وقول الآخر:
١٠٤ - وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانياً
(فترضاها) لا يستقيم أن تقدر فيه، ما قدرت في: (ألم يأتيك). ألا أنَّ الألف شبيهة بالياء فأجريته مجراها. وكذلك قوله: (كأن لم ترى). وبعض البغداديين يذهب في ذلك على ما حكي لي أنه حذف لام الفعل المجزم. وأن هذه الألف هي المبدلة من الهمزة، وليس هذا بالواسع على أن سيبويه قد حكى المرأة، والكماة فقياس هذا قياس لم تره في قول القائل.
стр. 74
والضرب الآخر هو ما ينوي في حرف إعرابه الحركات الثلاث، ولا يظهر شيء منها في حالة من أحوال الإسم فهو نحو: الرجا، والعصا، والمعلى، والمثنى، والمسرى، والمعزى، والأرطى، وحبارى، وحبلى، وقرقرى، فحرف الإعراب في هذا القبيل يكون على صورة واحدة في الرفع، والنصب، والجر، تقول: هذا المعلى، ورأيت المعلى، ومررت بالمعلى، فتستوى الصورة في الأحوال الثلاث في ظاهر اللفظ، والحركة مقدرة منوية. يدلك على ذلك إنقلاب اللامات في هذه الأشياء إلى الألف. ولولا تقدير الحركة، لم تنقلب. ألا ترى أنهم، قالوا: (الواو) و (ولي) فصحت الحروف حيث كانت في مواضع سكون، وتقول: (غزونا) و (رمينا) فتصححهما لسكونهما، ولا تقلب، كما قلبت في (غزا) و (رمى) حيث كانا في موضع حركة. وكذلك هذه/ ١٢ آاللامات، انقلبت إلى، الألف لكونها في مواضع الحركة، وتقدر ذلك فيها. وهذا مما يدل أن الغرض من الأسماء أن تكون معرضة للعوامل، والأخبار عنها. ألا ترى أن الحركة تجب لها بالعوامل، وأنك لا تجد لهذه الأسماء حالا تصح فيها هذه اللامات فهذا من أمر الإسم يدل على أن الغرض فيه الأخبار عنه، وما جرى مجرى الأخبار من التعريض للعوامل. وليس العصا، والرجا في هذا كغزا، ورمى، لأن الحركة في الفعل حركة بناء، وحركة الإسم حركة إعراب، والإعراب لا يكون إلا بعوامل. فالوجه فيه ما ذكرناه. فأما قولك: هو يغشى. وفي النصب، لن يغشى. فالألف في الموضعين في تقدير حركة. والحركة توجب القلب، إذا كانت ضمة، كما توجبه إذا كانت فتحة.
إلا أن هذه الحروف كلها تجتمع في الحذف للجزم لمعاقبتها الحركة، فإنها من جنسها، فكما حذفت الحركات للجزم، كذلك حذفت هذه الحروف له، وما يختلف آخره بالحروف على ضربين: أحدهما أن يكون الحرف زائدًا، والآخر أن يكون الحرف غير زائد.
وغير الزائد يمثله النحويون بالفاء، والعين واللام. والزائد هو النون اللاحقة
стр. 75
لفعل المخاطب المؤنث بعد الياء التي هي علامة لضميره، وفي فعل الاثنين والجمع المذكر، وذلك قولك: أنت تضربين، وأنتما تضربان، وأنتم تضربون. فهذه النون في دلالتها على الرفع، وكونها علامة له، بمنزلة الضمة في قولك: هو يضرب. ومن ثم حذفت حيث تحذف الضمة. ألا ترى أنك تقول: هل تضربان؟ وهل تضربن؟. فتحذف هذه النون في المواضع التي تحذف فيها الرفعة من الفعل. وتحذفها أيضًا في الجزم. وتضم النصب إلى الجزم هنا كما ضممت النصب إلى الجر في الإسم فهذا الحرف الزائد.
فأما غير الزائد، فإن لامات الفعل إذا كن ياء، أو واوا، أو ألفا منقلبا عن أحدهما، لما حذفن في الجزم لمشابهتها الحركات، ومجانستها لها، صار ثباتها يدل على غير الجزم. كما صار ثبات الحركات في الأفعال المضارعة دالاً على الإعراب. فأما الألف في يخشى فإنها ثبتت في حال الرفع، والنصب.
وتجرى الياء التي هي زائدة في نحو: يسلقى، مجرى هذه اللامات في الحذف للجزم. فالحذف في هذين الضربين قد جرى في كونه إعرابا مجرى الحركة، كما أجريت الحركة مجرى الحرف في غير هذا الموضع من كلامهم. وإنما كان كذلك لأن هذه الحركات وإن كان الصوت بها نقص عن الصوت بالحروف، من حيث كانت خارجة من مخارج بعض الحروف. ألا ترى أن الصوت ببعض الحروف، أزيد منه في بعض؟ ولا يخرج ما يزيد الصوت فيه على الآخر من مساواته له في أنه حرف كما أنه حرف، وفي أنه يعتد به إعتداد الأنقص الصوت. فكذلك قام الحرف مقام الحركة، كما قامت الحركة مقام الحرف. ومما جرى الحرف فيه مجرى الحركة أنَّ الإسم إذا كان ساكن الأوسط مؤنثا معرفًة، فمن العرب من يصرفه. فإذا تحرك الأوسط نحو: قدم، لم يصرفه أحد. كما أنه إذا كان على هنا وأجريت مجراه.
ومما أجريت الحركة فيه مجرى الحرف، أن الإسم إذا كان على أربعة أحرف
следующие страницы →