← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.

стр. 10081

سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنَ النهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أكَلِّمُهُ. حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَينُقَاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَال: "أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ ــ سفيان) بن عيينة (عن عبيد الله بن أبي يزيد) المكي (عن نافع بن جبير) المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي عمر لأحمد بن حنبل (قال) أبو هريرة: (خرجت مع رسول الله ﷺ من المسجد (في طائفة من النهار) أي في قطعة منه، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات (في صائفة) بالصاد المهملة بدل طائفة أي في حر النهار يقال يوم صائف أي حار، حالة كونه ﷺ (لا يكلمني) هو (و) حالة كوني (لا أكلمه) ومشى (حتى جاء سوق بني قينقاع) وفي نون قينقاع الحركات الثلاث وهي سوق معروفة بالمدينة، أضيفت إلى بني قينقاع وهم قبيلة من اليهود، وأما عدم تكليم النبي ﷺ لأبي هريرة فلعله كان مشغولًا بذكر أو فكر، وأما عدم تكليم أبي هريرة إياه فللتوقير وللتأدب معه ﷺ وكان ذلك من دأب الصحابة معه ﷺ إذا لم يروا منه نشاطًا، وفيه أن ملازمة الشيخ وصحبته لا تخلو من فائدة وإن لم يكن بينه وبين تلميذه كلام (ثم انصرف) ورجع من السوق (حتى أتى خباء فاطمة) وبيتها رضي الله تعالى عنها، والخباء بكسر الخاء وبالمد حجرتها وهي في الأصل الخيمة وهي بيت من بيوت الأعراب ثم استعمل في غيره، وفي رواية البخاري (فجلس بفناء بيت فاطمة) (فقال) لفاطمة: (أَثَمَّ لُكع) بفتح المثلثة والميم المشددة اسم إشارة للمكان البعيد بمعنى هناك ولكن هنا بمعنى ها هنا للقريب أي أههنا الصغير، قال القاضي: واللكع بضم اللام وفتح الكاف بمعنى الغلام الصغير وهو المراد هنا، وقد يستعمل للتحقير وللتجهيل، واللكع أيضًا العبد والوغد من الرجال القليل العقل، ويحتمل أن يريد ﷺ هذا المعنى على وجه الممازحة لمافي الصغار من قلة الإدراك كأنه قال: يا أحمق، لا على وجه السب بل تقليلًا وقد يكون على القلب أي يا سيدًا كما يقال للجميلة يا قبيحة، وقالوا للغراب: أعور لحدة بصره [قلت]: وقيل يقال: يا لكع لما يدل عليه من الاستصغار استصغار الشفقة والرحمة كالتصغير في يا حميراء اهـ من الأبي، وقوله: (أثم

стр. 10082

لُكَعُ؟ " يَعْنِي حَسَنًا. فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحْبِسُهُ أُمُّهُ لأَنْ تُغَسِّلَهُ وَتُلْبِسَهُ سِخَابًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى. حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ" ــ لكع) مرة ثانية تأكيد للأولى (يعني) النبي ﷺ بقوله: (أثم لكع) (حسنًا) بن علي ﵄، والعناية وما بعدها من كلام أبي هريرة (فظننا) أي ظننت أنا والنبي ﷺ (أنه) أي أن الشأن والحال (إنما تحبسه) وتؤخره عن الخروج إلينا (أمه) فاطمة رضي الله تعالى عنها (لـ) أجل (أن تغسله) وتنظفه بغسل جسده (و) لأجل أن (تلبسه سخابًا) أي خرزًا، والسخاب بكسر السين وبالصاد أيضًا خيط ينظم فيه خرز ويجعل في عنق الصبيان ويُسمى سخابًا لصوت خرزه عند حركتها واحتكاك بعضها بعضًا من السخب وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها ولهذا يُلبس للصغار ليشغلهم صوته وللعب به، وقيل: السخاب من القلائد ما اتخذ من القرنفل والمسك والعود، وشبهه دون الجواهر من الذهب والفضة وغيرهما، وقال النووي: والسخاب بكسر السين المهملة والخاء المعجمة جمعه سخب وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب يعمل على هيئة المسبحة ويجعل قلادة للصبيان والجواري اهـ منه. وفيه من الفقه استحباب المحافظة على النظافة وعلى تحسين الصغار وتزيينهم وخصوصًا عند لقاء من يعظم ويُحترم (فـ) بعدما غسلته وألبسته السخاب (لم يلبث) الحسن ولم يتأخر من (أن جاء) إلينا حالة كونه (يسعى) ويجري ويعدو إلينا (حتى اعتنق كل واحد منهما) أي حتى يضع كل واحد من النبي ﷺ والحسن عنقه على عنق (صاحبه) قال القرطبي: وفي هذا ما يدل على تواضع النبي ﷺ ورحمته بالصغار وإكرامه ومحبته للحسن ولا خلاف فيما أحبه في جواز معانقة الصغار كما فعل النبي ﷺ ، وإنما الخلاف في معانقة الكبير في حالة السلام وكرهه مالك وأجازه سفيان بن عيينة وغيره، واحتج سفيان على مالك في ذلك بمعانقة النبي ﷺ جعفرًا لما قدم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوص بجعفر، وقال سفيان: ما يخص جعفرًا بل يعمنا، فسكت مالك، ويدل سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك، قال القاضي عياض: وهو الحق حتى يدل دليل على تخصيص جعفر بذلك. (فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أحبه فأحبه وأحبب من يحبه) قال

стр. 10083

٦١٠٣ - (٢٤٠٢) (١٥٧) حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَّدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ)، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ قَال: رَأَيتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبَّهُ فَأَحِبَّهُ" ــ المازري: محبة أهل البيت واجبة من حيث الجملة وخصوصًا من خص ﷺ على محبته بالتعيين وطلب من الله تعالى أن يحب من يحبه وتلك درجة جعلها الله سبحانه لمن يحبه حقيقة ويلعن باغضهما، وقد ظهرت بركة هذا الدعاء وقبوله بحقن دماء الأمة بسببه وتنزيهه من عرض الدنيا وتسليمه الملك خوف الفتنة وحرصًا على الأمة ونظرًا لدينه اهـ من الأبي. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث البراء ﵄ فقال: ٦١٠٣ - (٢٤٠٢) (١٥٧) (حدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدثنا أبي) معاذ بن معاذ العنبري البصري (حدثنا شعبة عن عدي وهو ابن ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا البراء بن عازب) الأنصاري الأوسي ﵁ روى عنه في (٦) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) البراء: (رأيت الحسن بن علي) ﵄ (على عاتق النبي ﷺ والعاتق ما بين المنكب والعنق، وقيل: هو موضع الرداء من المنكب وهما بمعنى (وهو) ﷺ (يقول: اللهم إني أحبه فأحبه) قال القرطبي: وفيه حمل الأطفال على الطهارة حتى تتحقق النجاسة فقد يعرق ويصيب جسده وثيابه من بصاقه ورطوبات وجهه ما يبل، ولم يأت عن السلف التحفظ من التحفظ ولا الوسوسة فيه واستحب مالك لأمه أن تصلي في ثوب غير ثوب التربية فإن لم تجد غيره صلت فيه وتغسل ما تحقق اهـ من المفهم، وقال النووي: كان في زمن النبي ﷺ يعملون على مقتضى الحنيفية السمحة فيمشون حفاة في الطين، ويجلسون في الأرض، ويلبسون الثياب الوسخة، ولا يتوسدون، وكل ذلك على غير ما عليه غلاة المتصوفة الآن فإنهم يبالغون في نظافة الظواهر، والبواطن وسخة خراب اهـ.

стр. 10084

٦١٠٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَأَبُو بَكرِ بنُ نَافِعٍ. قَال ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ)، عَنِ الْبَرَاءِ، قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاضِعًا الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ. وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبَّهُ فَأَحِبَّهُ". ٦١٠٥ - (٢٤٠٣) (١٥٨) حدَّثني عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيُّ، الْيَمَامِيُّ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ)، حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤]، والبخاري [٣٧٤٩]، والترمذي [٣٧٨٣] في مناقب الحسن والحسين. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث البراء ﵁ فقال: ٦١٠٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار وأبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع) العبدي البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (قال ابن نافع: حدثنا غندر) محمد بن جعفر (حدثنا شعبة عن عدي وهو ابن ثابت عن البراء) بن عازب ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة غندر لمعاذ بن معاذ (قال) البراء: (رأيت رسول الله ﷺ حالة كونه (واضعًا الحسن بن علي على عاتقه وهو) أي والحال أنه ﷺ (يقول: اللهم إني أحبه فأحبه). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث سلمة بن الأكوع ﵄ فقال: ٦١٠٥ - (٢٤٠٣) (١٥٨) (حدثني عبد الله) بن محمد المعروف بـ (ابن الرومي) أبو محمد (اليمامي) نزيل بغداد، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (وعباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل بن توبة (العنبري) أبو الفضل المروزي البصري، ثقة حافظ، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (قالا: حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجرشي -بالجيم المضمومة والشين المعجمة- الأموي مولاهم أبو محمد اليمامي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) (حدثنا عكرمة وهو ابن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا إياس) بن سلمة بن عمر بن الأكوع

стр. 10085

عَنْ أَبِيهِ. قَال: لَقَدْ قُدْتُ بِنَبِيِّ اللهِ ﷺ وَالْحَسَنِ وَالحُسَينٍ، بَغلَتَهُ الشَّهْبَاءَ، حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ . هَذَا قُدَّامَهُ وَهَذَا خَلْفَهُ. ٦١٠٦ - (٢٤٠٤) (١٥٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيرٍ، (وَاللَّفْظُ لأبَي بَكْرٍ)، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيبَةَ، ــ الأسلمي أبو سلمة المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبيه) سلمة بن عمر بن الأكوع الأسلمي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) سلمة: والله (لقد قُدت) من قاد يقود قيادة من باب قال والقيادة إمساك حبل الجمل مثلًا والمشي قدامه سواء كان عليه راكب أو لا، والسوق المشي وراءها أي لقد جررت (بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته) ﷺ (الشهباء) أي البيضاء (حتى أدخلتهم) أي أدخلت الثلاثة وأوصلتهم (حجرة النبي ﷺ وبيته حالة كون الولدين راكبين معه ﷺ حالة كون (هذا) أي الحسين مثلًا راكبًا (قدامه) ﷺ (و) كون (هذا) يعني الحسن مثلًا راكبًا (خلفه) ﷺ ، قال القرطبي: هذا يدل على جواز ركوب ثلاثة على دابة لكن إذا لم يثقلوها، وقد رُوي عن علي وغيره كراهة ذلك، ورُوي في ذلك نهي عن النبي ﷺ لكن محله والله تعالى أعلم إذا أثقلوها وأتعبوها فلا معارضة بين الركوب والنهي عنه، ومقصود الراوي بيان حب رسول الله ﷺ للحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما حيث أجلس كليهما معه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في الأدب باب ما جاء في ركوب ثلاثة على دابة [٢٧٧٥]. ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة وهو فضل أهل بيته ﷺ بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٠٦ - (٢٤٠٤) (١٥٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير واللفظ لأبي بكر قالا: حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١١) بابا (عن زكرياء) بن أبي زائدة بن خالد بن ميمون الهمداني أبي يحيى الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٣) بابا (عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن

стр. 10086

عَنْ صَفِيَّة بنْتِ شَيبَةَ. قَالتْ: قَالتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةً وَعَلَيهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ، مِنْ شَعَرٍ أَسْوَدَ. فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ جَاءَ الْحُسَينُ فَدَخَلَ مَعَهُ. ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا. ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ. ثُمَّ قَال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ــ عثمان بن طلحة الحجي المكي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٣) أبواب (عن) عمة أبيه (صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية المدنية، لها رؤية، روى عنها في (٥) أبواب (قالت) صفية: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (خرج النبي ﷺ من بيتي يومًا من الأيام (غداة) أي بكرة وهي أولى النهار إلى بيت فاطمة (وعليه) ﷺ أي خرج والحال أن عليه (مرط) أي كساء (مرحل) أي منقوش بصورة الرحل، والرحل ما يوضع على البعير للركوب. قوله: (مرط) المرط بكسر الميم وسكون الراء الكساء (مرحل) على صيغة اسم المفعول يروى بالحاء المهملة أي فيه صور الرحال، ويُروى بالجيم أي فيه صور الرجال، أوفيه صور المراجل وهي القدور يقال: ثوب مراجل أو ثوب مرجل، وفي المرقاة: المرحل بفتح الحاء المشددة ضرب من برود اليمن وُصف بذلك لما عليه من تصاوير الرحل اهـ، وبالجيم عليه تصاوير الرجال وهذا قول الشارحين ويظهر لي أن المرجل بالجيم ممشوط خمله بالأمشاط من الترجيل وهو تسريح الشعر بالمشط، ولا يصح أن يفسر بأنه هو الذي عليه تصاوير الرجال لأنه ﷺ كيف يلبس ما فيه تصاوير الحيوان، وقد نهي عن ذلك، وهتك الستر الذي هي فيه وغضب عند رؤيته ذلك كما تقدم في كتاب اللباس اهـ من المفهم. منسوج ذلك الكساء (من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله) أي أدخل الحسن تحت المرط بالأمر أو بالفعل اهـ دهني (ثم جاء الحسين فأدخل معه) أي مع الحسن تحت المرط أي بإدخال أو بغيره لصغره وفي رواية فأدخله اهـ مرقاة (ثم جاءت فاطمة فأدخلها) تحته (ثم جاء على فأدخله) تحته (ثم قال) ﷺ أي قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب / ٣٣] قال القرطبي: وقراءة النبي ﷺ هذه الآية في ذلك الوقت دليل على أن أهل البيت المعنيين في الآية هم المغطون بذلك المرط في ذلك الوقت (والرجس) اسم لكل ما يستقذر قاله الأزهري؛ والمراد بالرجس الذي أذهب

стр. 10087

٦٢١٢ - (٦٢) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ ــ عن أهل البيت هو مستخبث الخلق المذمومة والأحوال الركيكة، وطهارتهم هي عبارة عن تجنبهم ذلك واتصافهم بالأخلاق الكريمة والأحوال الشريفة اهـ مفهم، وفي المرقاة: قوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيتِ﴾ ... إلخ بنصب على النداء أو المدح، وفيه دليل على أن نساء النبي ﵇ من أهل بيته أيضًا لأنه مسبوق بقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وملحوق بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فضمير الجمع في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ إما للتعظيم أو لتغليب ذكور أهل البيت على ما يستفاد من الحديث اهـ منه، قال الأبي: قال ابن عطية: اختلف في المراد بأهل البيت في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وغيرهما: هم زوجاته لا ذكر معهن بناءً على أن المراد بالبيت المسكن، وقال الجمهور: المراد من أدخلهم ﷺ معه في المرط لا غير لأحاديث وردت. وقوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ بضمير جمع الذكور ولو أراد الزوجات لقال ويطهركن ولحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "نزلت هذه الآية فيّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين" وقال بعض الشافعية: أهل الرجل من يجمعهم وإياه مسكن، ثم تجوّز فيه فاستعمل فيمن يجمعهم وإياه نسب ثم نص في الحديث على ما ذكر اهـ أبي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في اللباس باب في لبس الصوف والأسود [٠٣٢ ٤]، والترمذي في الأدب باب ما جاء في الثوب الأسود [٤ ٢٨١] والحديث مشتمل على واقعة الكساء وآية التطهير، وقد مر الكلام عليهما في باب فضائل علي ﵁ في مبحث حديث زيد بن أرقم ﵁. ثم استدل المؤلف على الجزء الثالث من الترجمة وهو فضل زيد بن حارثة وابنه أسامة بحديث عبد الله بن عمر ﵄ فقال: ٦١٠٧ - (٢٤٠٥) (١٦٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتشديد الياء وتخفيف الراء نسبة إلى قارة قبيلة من العرب المدني حليف بني زهرة، ثقة، من (٨) روى عنه في (٨) أبواب (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن

стр. 10088

سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أبِيهِ؛ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدْعُو زَيدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيدَ بْنَ مُحَمَّدٍ. حَتَّى نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. قَال الشَّيخُ أَبُو أَحْمَدَ، مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: أَخْبَرَنَا أبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ الدُّوَيرِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ. ٦١٠٨ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، ــ سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب العدوي أبي عمر المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵄. وهذا السند من خماسياته (أنه) أي أن ابن عمر (كان يقول: ما كنا) في الجاهلية (ندعو) ونسمي (زيد بن حارثة إلا) بقولنا (زيد بن محمد) ﷺ (حتى نزل في القرآن) قوله تعالى في سورة [الأحزاب / ٥] (﴿ادْعُوهُمْ﴾) في أي ادعوا الأدعياء (﴿لِآبَائِهِمْ﴾) في الحقيقة وانسبوهم إليهم، ولذلك عداه باللام ولو كان الدعاء بمعنى النداء لعداه بالباء (﴿هُوَ﴾) أي دعاؤهم بآياتهم ونسبتهم إليهم (﴿أَقْسَطُ﴾) وأعدل (﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾) . وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٧٧]، والبخاري في تفسير سورة الأحزاب باب ادعوهم لآبائهم [٤٧٨٢]، والترمذي في تفسير سورة الأحزاب [٣٢٠٩]. (قال الشيخ أبو أحمد محمد بن عيسى) النيسابوري الجلودي الراوي غالبًا لهذا الجامع عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري الراوي عن المؤلف (أخيرنا أبو العباس السرّاج) بتشديد الراء (ومحمد بن عبد الله بن يوسف الدويري قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد بهذا الحديث) الذي رواه عمر وهو من كلام الجرودي، غرضه بيان أنه سمع هذا الحديث من غير واسطة مسلم، وجملة القول من كلام الجلودي على سبيل التجريد البياني. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٦١٠٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) النيسابوري،

стр. 10089

حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقبَةَ. حَدَّثَنِي سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ ــ ثقة، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا حبان) بن هلال الباهلي أبو حبيب البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا موسى بن عقبة حدثني سالم عن عبد الله) بن عمر وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة وهيب ليعقوب بن عبد الرحمن، وساق وهيب (بمثله) أي بمثل حديث يعقوب بن عبد الرحمن. قال القرطبي: أما زيد فهو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي أصابه سبي في الجاهلية، وسبب ذلك على ما رواه ابن سعد وغيره أن أم زيد بن حارثة -وهي سعدى- زارت قومها ومعها زيد فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية على أبيات بني معن فاحتملوا زيدًا وهو غلام يفعة فأتوا به في سوق عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بأربعمائة درهم فلما تزوجها رسول الله ﷺ وهبته له قبل أن يوحى إليه وزيد حينئذٍ ابن ثمان سنين فأعتقه ﷺ وتبناه، وكان يطوف به على حلق قريش ويقول: "هذا ابني وارثًا وموروثًا" وقال الزهري: لا أعلم أحدًا أسلم قبله، وعند الضياء أسلم قبل خديجة، وكان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي يُرجى أم دونه الأجل فحج ناس من كلب فرأوا زيدًا فعرفهم وعرفوه فقال: أبلغوا أهلي هذه الأبيات: أحن إلى قومي وإن كنت نائيًا ... بأني قطين البيت عند المشاعر فانطلقوا فأعلموا أباه ووصفوا له موضعًا فخرج حارثة وأخوه كعب بفدائه فقدما مكة فسألا عن النبي ﷺ فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه، فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا، وأحسن في فداءه فإنا سنرفع، قال: "وما ذاك "قالوا: زيد بن حارثة، فقال: "فهلا غير ذلك " قالا: ما هو إلا ذاك، قال: "ادعوه فخيِّروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي اختار على من اختارني فداء" قالوا: قد رددتنا على النصف وأحسنت، فدعاه فقال: "هل تعرف هؤلاء"

стр. 10090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: نعم هذا أبي وهذا عمي، قال: "فأنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما" فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: "اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه" فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما، وانصرفا فدُعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام اهـ من الإصابة [١/ ٢٤٥ و ٢٤٦] وكان زيد يُكنى أبا أسامة بابنه أسامة بن زيد. قوله: (ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد) فكان التبني معمولًا به في الجاهلية والإسلام يتوارث به ويتناصر إلى أن نسخ الله ذلك كله بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أعدل فرفع الله تعالى حكم التبني ومنع من إطلاق لفظه وأرشد بقوله أعدل إلى أن الأولى أن ينسب الرجل إلى أبيه نسبًا، ولو نُسب إلى أبيه من التبني فإن كان على جهة الخطأ وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد فلا إثم ولا مؤاخذة لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب / ٥] أي لا إثم فيه عليكم ولا يجرى هذا المجرى إطلاق ما غلب عليه اسم التبني كالحال في المقداد بن عمرو فإنه غلب عليه نسب التبني فلا يكاد يُعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية فعرف به فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه ولم يسمع فيمن مضى من عصى أي اعتبره عاصيًا لله، مطلق عليه دهان كان متعمدًا وليس كذلك الحال في زيد بن حارثة فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد فإن قاله أحد متعمدًا عصى لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب / ٥] أي فعليكم فيه الجناح والله تعالى أعلم، ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله تعالى فيها: "إنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ" [الحجرات / ١٠] والمولوية التي قال فيها: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقد تقدم أنه يطلق لفظ مولى على المعتِق والمعتَق وابن العم والناصر، وكان زيد قُتل بمؤتة من أرض الشام ﵁ ورحمه سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي صلى الله

стр. 10091

٦١٠٩ - (٢٤٠٦) (١٦١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. (قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا. وَأَمَّرَ عَلَيهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ. فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمْرَتِهِ ــ عليه وسلم أمّره في تلك الغزوة وقال: "إن قُتل زيد فجعفر، فإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة" رواه أبو داود [٢٦٢٧] فقُتل الثلاثة في تلك الغزاة، ولما أتى رسول الله ﷺ نعي زيد وجعفر بكى وقال: "أخواي ومؤنساي ومحدثاي" ذكره ابن الأثير في الاستيعاب [٢/ ٢٨٤]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عبد الله بن عمر هذا بحديث آخر له ﵄ فقال: ٦١٠٩ - (٢٤٠٦) (١٦١) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (ويحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قال يحيى بن يحيى: أخبرنا وقال الأخرون: حدثنا إسماعيل يعنون ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني (أنه سمع ابن عمر) ﵄ (يقول): وهذا السند من رباعياته (بعث رسول الله ﷺ بعثًا) أي جيشًا (وأمّر عليهم أسامة بن زيد) ﵄، وهذا البعث والله أعلم هو الذي أمر بتجهيزه في مرض موته، فأنفذه أبو بكر ﵁ وأمّر عليهم أسامة، وأمره أن يخرج إلى أطراف الروم ويغزو أُبنى وهي القرية التي هي عند مؤتة الموضع الذي قُتل فيه زيد أبو أسامة فأمره أن يأخذ بثأر أبيه، وكان في الجيش كبار الصحابة حتى عدَّ بعضهم منهم أبا بكر وعمر، وطعن من في قلبه ريب في إمارته من حيث إنه من الموالي، ومن حيث إنه كان صغير السن لأنه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، وممن طعن في إمرة أسامة عياش بن أبي ربيعة المخزومي فمات النبي ﷺ وقد برز هذا البعث عن المدينة ولم ينفصل بعد عنها، فنفذه أبو بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ (فطعن الناس) أي بعضهم ممن في قلبه ريب (في إمرته) أي في إمرة أسامة وولايته، قال القاضي عياض: والإمرة

стр. 10092

فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "إِنْ تَطعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ. وَايمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلأمْرَةِ، وإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدهُ" ــ بكسر الهمزة الولاية وبفتحها المرة الواحدة من الأمر يقال له علي إمرة مطاعة (فقام رسول الله ﷺ على المنبر كما هو مصرح في الرواية الثانية خطيبًا (فقال) رسول الله ﷺ : (إن تطعنوا) بفتح العين من باب فتح، قال النووي: يقال: طعن في الإمرة والعرض والنسب ونحوها يطعن بفتح العين، وطعن بالرمح وبإصبعه يطعن بالضم هذا هو المشهور، وقيل: لغتان فيهما اهـ، أي إن تعتّروا (في إمرته) أي في إمرة أسامة وولايته (فـ) لا غرابة لأنكم (قد كنتم تطعنون في إمرة أبيه) زيد بن حارثة (من قبل) أي من قبل إمرة أسامة، وذكر الحافظ في الفتح [٧/ ٤٩٨] أن زيد بن حارثة تأمر على سبع سرايا ثم على غزوة مؤتة، قال القرطبي: وهذا خطاب منه ﷺ لمن وقع له ذلك الطعن لكنه على كريم خلقه لم يعينهم سترًا لهم إذ معتبة كانت كذلك، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولى فشهد النبي ﷺ لأسامة وأبيه ﵄ بأنهما صالحان للإمارة لما يعلم من أهليتهما لها وأن كونهما موليين لا يغض من مناصبهما ولا يقدح في أهليتهما للإمارة حيث قال ﷺ : (وايم الله) أي اسم الله تعالى قسمي (إن) مخففة من الثقيلة بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها أي إنه أي إن الشأن والحال (كان) أبوه زيد بن حارثة (لخليقًا للإمرة) أي لمستحقًا لها لائقًا بها (وإن) أي دهانه (كان) أبوه زيد (لمن أحب الناس اليّ) أي عندي فكان حقيقًا لها فلا يقدح في إمارته كونه من الموالي (وإن هذا) الولد يعني أسامة بن زيد (لمن أحب الناس اليّ) أي عندي (بعده) أي بعد والده زيد بن حارثة أي بعد وفاته فليست حداثة السن قادحة في الأمر مانعة إن كان الأمير متصفًا بأوصاف الإمرة، قال النووي: ففيه جواز إمارة العتيق، وجواز تقديمه على العرب، وجواز تولية الصغير على الكبار، وقد كان أسامة صغيرًا جدًّا، توفي النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة، وقيل عشرين، وجواز تولية المفضول على الفاضل للمصلحة، وفي هذه الأحاديث فضائل ظاهرة لزيد وأسامة رضي الله تعالى عنهما اهـ منه. قال القرطبي: ولا خلاف أعلم في جواز إمارة المولى والمفضول، وقد تقدم

стр. 10093

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الكلام في استخلاف المفضول. قوله: (إن كان لخليقًا للإمرة) رويناها بكسر الهمزة بمعنى الولاية، وقال أبو عبيد: يقال لك عليَّ أمرة مطاعة بفتح الهمزة، وكذلك حكاه القتيبي وهي واحدة الأمر. [قلت]: وهذا على قياس جَلسة وجِلسة بالفتح للمصدر والكسر للهيئة، والخليق والحري والقمن والحقيق كلها بمعنى واحد. قوله: (وإن كان لمن أحب الناس إليّ) إن عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين (إن) المخففة وبين (إن) النافية، وعند الكوفيين (إن) نافية واللام بمعنى إلا وهذا نحو قول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية ترثي زوجها الزبير بين العوام ﵁ وتدعو على عمرو بن جرموز قائلة: شلت يمينك إن قتلت لمسلمًا. . ... حلت عليك عقوبة المتعمد تقديرها عند البصريين إنك قتلت مسلمًا، وعند الكوفيين ما قتلت إلا مسلمًا. وهذا من رسول الله ﷺ إخبار عن محبته لزيد ﵁ ثم أخبر عن محبته لأسامة فقال: "وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده" وكان أسامة الحب ابن الحب وبذلك كان يدعى ورضي الله عن عمر بن الخطاب لقد قام بالحق وعرفه لأهله، وذلك أنه فرض لأسامة في العطاء خمسة آلاف ولابنه عبد الله بن عمر ألفين، فقال له عبد الله: فضلت عليّ أسامة وقد شهدت ما لم يشهد؟ فقال عمر ﵁: إن أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، ففضل محبوب رسول الله ﷺ على محبوبه وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله ﷺ ويبغض ما أبغض، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه وذلك أنه مر بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله ﷺ فقال له مروان: إنما أردت أن يُرى مكانك فقد رأينا مكانك فعل الله بك وفعل قولًا قبيحًا فقال له أسامة: إنك آذيتني وإنك فاحش متفحش وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يبغض الفاحش المتفحش" رواه أحمد [٥/ ١٢٥٢]، وابن حبان [١٥٦٩٤] في الإحسان، فانظر ما بين الفعلين وقس ما بين الرجلين، فلقد آذى بنو أمية رسول الله ﷺ في أحبابه وناقضوه في محابه اهـ من المفهم.

стр. 10094

٦١١٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ، (يَعْنِي ابْنَ حَمْزَةَ)، عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ -يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ- فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. وَايمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لَهَا. وَايمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لأَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَايمُ اللهِ، إِنَّ هَذَا لَهَا لَخَلِيقٌ -يُرِيدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ-. وَايمُ اللهِ، إِنْ كَانَ لأحَبَّهُمْ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ" ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١١٠]، والبخاري في مواضع منها في مناقب زيد بن حارثة [٣٧٣٠] وفي باب بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد في مرضه [٤٤٦٨ و ٤٤٦٩]، والترمذي في مناقب أسامة بن زيد [٣٨١٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر هذا ﵄ فقال: ٦١١٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن عمر يعني ابن حمزة) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ضعيف، من (٦) روى عنه (م) متابعة في (٤) أبواب (عن) عمه (سالم) بن عبد الله بن عمر (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة سالم لعبد الله بن دينار (أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر) خطيبًا (إن تطعنوا في إمارته يريد) النبي ﷺ بمرجع الضمير في إمارته (أسامة بن زيد) وهذا تفسير مدرج من الرواي (فقد طعنتم في إمارة أبيه) زيد بن حارثة (من قبله) أي من قبل الطعن في إمارة أسامة (وايم الله) أي اسم الله قسمي، وقد مر البحث عن لفظ ايم الله في هذا الكتاب فراجعه (إن) أي إن الشأن والحال (كان) أبوه زيد بن حارثة (لخليقًا لها) أي للإمارة (وايم الله إن كان لأحب الناس إليّ وايم الله إن هذا) الولد (لها) أي للإمارة (لخليق) أي لحقيق (يريد) النبي ﷺ بمرجع اسم الإشارة (أسامة بن زيد وايم الله إن كان) هذا الولد (لأحبهم) أي لأحب الناس (إليّ من بعده) أي من بعد أبيه زيد بن حارثة (فاوصيكم) أيتها الأمة (به) أي بأسامة خيرًا أي باحترامه ورعاية حقوقه فإنه أفضل الناس وأجلهم، ثم أكد الوصية بقوله: (فإنه) أي فإن أسامة (من صالحيكم) أي من صالحي المؤمنين، قال القرطبي: فأكد الوصية به ونبه على

стр. 10095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الموجب لذلك وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه فإنه لم يدخل في شيء من الفتن فسلمه الله تعالى من تلك المحن إلى أن تُوفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل سنة أربع وخمسين ﵁ اهـ من المفهم. [تنبيه]: لما روى موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أحب الناس إليّ أسامة" فما حاشا فاطمة ولا غيرها وهذا يعارضه ما تقدم من قوله ﷺ : "إن أحب الناس إليّ عائشة ومن الرجال أبوها" ويرتفع التعارض من وجهين أحدهما أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبه لأسامة ب (من) التي للتبعيض كما قد نص عليه بقوله هنا: "إنه لمن أحب الناس إليّ" وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن أسامة بن زيد أحب الناس إليّ أو من أحب الناس إليّ" فعلى هذا يحمل أن يكون النبي ﷺ قال: "إن من أحب الناس إليّ أسامة" فأسقطها بعض الرواة. والوجه الثاني على تسليم أن صحيح الرواية بغير من فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه وبيان ذلك أنه ﷺ ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة فإن أسامة كان أسود أفطس وإنما كان يحبهم من حيث المعاني والخصائص التي كانوا موصوفين بها فكان أبو بكر ﵁ أحب إليه من حيث إنه كان من أهلية النيابة عنه والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها أحب النساء إليه من حيث أن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء كما فُضل الثريد على سائر الطعام، وكان أسامة ﵁ أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه فإنه أفضلهم وأجلهم اهـ من المفهم. ثم استدل المؤلف على الجزء الرابع من الترجمة وهو فضل عبد الله بن جعفر بحديثه ﵁ ويُكنى أبا جعفر، وأمه أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة وهو أول مولود من المسلمين وُلد بها، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين وهو ابن تسعين سنة، وكان عبد الله كريمًا جوادًا طريفا حليمًا عفيفًا سخيًّا، يُسمى ببحر الجود يقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك فقال: إن الله عوّدني عادة وعوّدت الناس

стр. 10096

٦١١١ - (٢٤٠٧) (١٦٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ. قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ لابْنِ الزُّبَيرِ: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّينَا رَسْولَ اللهِ ﷺ ، أَنَا وَأَنْتَ وَابْن عَبَّاسٍ؟ قَال: نَعَمْ. فَحَمَلَنَا، وَتَرَكَكَ. ٦١١٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ ــ وأنا أخاف إن قطعتها قُطعت عني، وأخباره في الجود شهيرة وفضائله كثيرة. وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا أخرج له منها في الصحيحين حديثان فقال: ٦١١١ - (٢٤٠٧) (١٦٢)) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ابن علية عن حبيب بن الشهيد) الأزدي البصري، ثقة ثبت، سن (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن عبد الله) بن عبيد الله (بن أبي مليكة) بالتصغير زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، ثقة، سن (٣) روى عنه في (٢٠) بابا، قال ابن أبي ملسكة: (قال عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب (لـ) عبد الله (بن الزبير) ﵃ أجمعين. وهذا السند من خماسياته (أتذكر) أي هل تتذكر (إذ تلقينا) واستقبلنا (رسول الله ﷺ أنا) تأكيد لضمير الفاعل ليعطف عليه قوله: (وأنت وابن عباس، قال) ابن الزبير: (نعم) أتذكره ولم أنس، وقوله: (فحملنا وتركك) معطوف على تلقينا، وجملة الجواب معترضة، وأصل الكلام أتذكر يا ابن الزبير إذ تلقينا أنا وأنت وابن عباس رسول الله ﷺ حين قدومه من السفر فحملنا رسول الله ﷺ على دابته وتركك يا ابن الزبير على الأرض لضيق الدابة عنك (قال) ابن الزبير في جواب استفهام ابن جعفر (نعم) أتذكر ذلك ولم أنس، والحاصل أن المحمول ابن جعفر وابن عباس والمتروك ابن الزبير اهـ دهني. وفيه فضيلة ظاهرة لابن جعفر ﵁. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الجهاد باب استقبال الغزاة رقم [٣٠٨٢] وأبو داود في الجهاد باب في ركوب ثلاثة على دابة [٢٣٦٦] وابن ماجه في الآداب باب ركوب ثلاثة على دابة [٣٨١٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن جعفر ﵁ فقال: ٦١١٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا أبو أسامة عن

стр. 10097

حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وإسْنَادِهِ. ٦١١٣ - (٢٤٠٨) (١٦٣) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ -وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- (قَال أَبُو بَكرٍ: حَدَّثَنَا. وَقَال يَحْيَى: أَخبَرَنَا) أَبُو مُعَاويةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ مُوَرِّقٍ العِجْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيتِهِ. قَال: وإِنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيهِ، فَحَمَلَنِي بَينَ يَدَيهِ، ــ حبيب بن الشهيد) غرضه بيان متابعة أبي أسامة لإسماعيل ابن عليّة، وساق أبو أسامة (بمثل حديث ابن علية) لفظًا ومعنى (و) أسنده بـ (إسناده) أي بإسناد ابن علية يعني عن ابن أبي مليكة عن ابن جعفر. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن جعفر هذا بحديث آخر له ﵄ فقال: ٦١١٣ - (٢٤٠٨) (١٦٣) (حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ ليحيى قال أبو بكر) بن أبي شيبة: (حدثنا وقال يحيى: أخبرنا أبو معاوية) الضرير التميمي الكوفي (عن عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري، ثقة، من (٤) روى عنه في (١٧) بابا (عن مورق) بصيغة اسم الفاعل بن مشمرج بوزن مدحرج بن عبد الله (العجلي) نسبة إلى بني عجلة اسم قبيلة أبي المعتمر البصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢) الصوم والفضائل (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب ﵄. وهذا السند من خماسياته (قال) عبد الله بن جعفر كان رسول الله ﷺ إذا قدم) وحضر (من سفر تلقّى) أي استقبل (بصبيان أهل بيته) وأقاربه، إنما كانوا يتلقونه بصبيان أهل بيته لما يعلمونه من محبته لهم ومن تعلق قلبه بهم ولفرط فرح الصغار برؤيته ولتنالهم بوادر بركته ﷺ (قال) عبد الله بن جعفر: (وانه) ﷺ (قدم) وجاء يومًا (من سفر) من أسفاره (فسُبق) بالبناء للمجهول (بي) نائب فاعل أي سبق بي سابق من أهلي (إليه) أي إلى استقباله ﷺ قبل أحد من الصبيان (فحملني) رسول الله ﷺ على دابته (بين يديه) أي قدامه. وهذا يدل على أن عبد الله بن جعفر من أهل البيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا،

стр. 10098

ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَي فَاطِمَةَ. فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ. قَال: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ، ثَلاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. ٦١١٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ عَاصِمٍ. حَدَّثَنِي مُوَرِّقٌ. حَدَّثَنِي عَبدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ. قَال: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِنَا. قَال: فَتُلُقِّيَ بِي وَبِالحَسَنِ أَو ــ ويدل أيضًا على محبة النبي ﷺ لعبد الله بن جعفر وعلى شدة تهممه به وإكرامه له، وكان ﷺ يخص ولد جعفر بزيادة احترام وإكرام جبرًا لهم وشفقة عليهم إذ كان أبوهم جعفر قُتل بمؤتة شهيدًا ﵁. وقد تقدم القول على ركوب ثلاثة على دابة، (ثم جيء بأحد ابني فاطمة) ﵃ إما الحسن أبو الحسين أي أتى آت بأحدهما استقبالًا لرسول الله ﷺ (فأردفه) أي أركب رسول الله ﷺ ذلك الأحد على دابته (خلفه) أي خلف ظهره (قال) عبد الله بن جعفر (فأدخلنا) بالبناء للمفعول (المدينة) أي أدخلنا قائد الدابة المدينة، ونحن (ثلاثة) راكبون (على دابة) واحدة أنا والنبي ﷺ وأحد ابني فاطمة ﵃، ففيه جواز ركوب ثلاثة على دابة واحدة إذا كانت مطيقة، وفيه أيضًا إذا تلقى الصبيان المسافر فالمستحب أن يركبهم وأن يردفهم ويلاطفهم والله أعلم اهـ دهني. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٥]، وابن ماجه في الطهارة باب الارتياد للغائط والبول [٣٤٦] وفي الجهاد باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم [٢٥٤٩]، وسبق للمؤلف في الحيض باب التستر عند البول. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٦١١٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة، من (٨) روى عنه في (٦) أبواب (عن عاصم) الأحول (حدثني مورق) بن مشمرج العجلي (حدثني عبد الله بن جعفر) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الرحيم لأبي معاوية (قال) ابن جعفر: (كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر تلقي) أي استقبل النبي ﷺ (بنا) معاشر صبيان أهل بيته (قال) عبد الله بن جعفر (فتُلقي بي) أي استقبل النبي ﷺ بي (وبالحسن) بن علي (أو) قال

стр. 10099

بِالْحُسَينِ. قَال: فَحَمَلَ أَحَدَنَا بَينَ يَدَيهِ وَالآخَرَ خَلْفَهُ. حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ. ٦١١٥ - (٢٤٠٩) (١٦٤) حدَّثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ، مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَال: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا، لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ ــ الراوي أو من دونه تُلقّى بي و (بالحسين، قال) ابن جعفر: (فحمل أحدنا) أي أحد الولدين (بين يديه) أي قدامه (والآخر خلفه) أي ورائه فمشينا ونحن ثلاثة على دابة واحدة (حتى دخلنا المدينة). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن جعفر الأول بحديث آخر له أيضًا ﵁ فقال: ٦١١٥ - (٢٤٠٩) (١٦٤) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي، صدوق، من (٩) (حدثنا مهدي بن ميمون) الأزدي أبو يحيى البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب) التميمي الضبي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن الحسن بن سعد) بن معبد الهاشمي مولاهم (مولى الحسن بن علي) بن أبي طالب الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٢) بابين (عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب ﵄. وهذا السند من خماسياته (قال) عبد الله بن جعفر (أردفني) أي أركبني (رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه) على دابته (فاسر) أي أخبر (إليّ حديثًا) سرًّا أي بلا إسماع أحد غيري، وجملة قوله إلا أُحدّث به) أي بذلك الحديث (أحدًا من الناس) أبدًا صفة لحديثًا أو معطوفة على أسر بتقدير الفاء العاطفة أي فأسر إلي حديثًا فلا أحدّث به أحدًا لأنه أمرني بكتمانه والله أعلم بذلك الحديث، وزاد المؤلف في الطهارة بعده (وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل) وفيه دليل على علو مكانته عند النبي ﷺ وكمال فضله وأهليته لأن يتخذه النبي ﷺ موضع سره وهذه أهلية شريفة وفضيلة منيفة اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢٥٢٩].

стр. 10100

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب تسعة أحاديث: الأول منها حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث البراء بن عازب ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث سلمة بن الأكوع ذكره للاستشهاد، والرابع: حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والخامس: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع: حديث عبد الله بن جعفر ذكره للاستدلال على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثامن: حديث عبد الله بن جعفر الثاني ذكره للاستشهاد به وذكر فيه متابعة واحدة، والتاسع: حديث عبد الله بن جعفر الثالث ذكره للاستشهاد. ***

стр. 10101

٧٠٦ - (٢٠) والباب الثامن منها باب فضائل خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها وأرضاها ــ ٧٠٦ - (٢٠) والباب الثامن منها باب فضائل خديجة الكبرى رضي الله تعالى عنها وأرضاها قال القرطبي: هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية رضي الله تعالى عنها، وفي قصي تجتمع مع رسول الله ﷺ ، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، تزوجها رسول الله ﷺ قبل النبوة ثيبًا بعد زوجين أبي هالة هند بن النباش التميمي، وولدلت له هندًا، وعتيق بن عائذ المخزومي، ثم تزوجها رسول الله ﷺ وهي بنت أربعين سنة وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان سن رسول الله ﷺ حين تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمسًا وعشرين سنة وهو الأكثر، وقيل: ثلاثين سنة، وأجمع أهل النقل أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وأسلمن وهاجرن؛ زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم، وأجمعوا على أنها ولدت له ابنًا يُسمى القاسم وبه كان يُكنى، واختلفوا "هل ولدت له ذكرًا غير القاسم فقيل: لم تلد له ولدًا ذكرًا غيره، وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور عبد الله والطيب والطاهر، وقيل: بل ولدت له عبد الله، والطيب والطاهر لقبان له، والخلاف في ذلك كثير والله تعالى أعلم، ومات القاسم بمكة صغيرًا، قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة ولم يكن النبي ﷺ وُلد له من غير خديجة إلا إبراهيم ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي، وهو رضيع ومات بنات النبي ﷺ كلهن قبل موته إلا فاطمة فإنها توفيت بعده بستة أشهر، وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات مال. وقد تقدم أنها أول من آمن بالنبي ﷺ وأنه ﷺ نُبئ يوم الإثنين فصلت آخر ذلك اليوم، وكانت عونًا للنبي ﷺ على حاله كله وردءًا له تثبته على أمره وتصدقه فيما يقوله وتصبّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، وسلم عليها جبريل ﵇ وبشرها بالجنة، وكان النبي ﷺ يقول: "رُزقت حبها" ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت قيل: كان وفاتها قبل مهاجر النبي ﷺ إلى المدينة بسبع سنين،

стр. 10102

٦١١٦ - (٢٤١٠) (١٦٥) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاويةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، (وَاللَّفْظُ حَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "خَيرُ نِسَائهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ. وَخَيرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيلِدٍ" ــ وقيل: بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بثلاث وهو أصحها وأشهرها إن شاء الله تعالى، وتوفيت هي وأبو طالب عم رسول الله ﷺ في سنة واحدة قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودُفنت بالحجون رضي الله تعالى عنها وأرضاها. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ٦١١٦ - (٢٤١٠) (١٦٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة و) عبد الله (بن نمير ووكيع وأبو معاوية ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (كلهم) أي كل من عبد الله بن نمير وأبي أسامة وأبي معاوية ووكيع وعبدة بن سليمان رووا (عن هشام بن عروة واللفظ) الآتي (حديث أبي أسامة) أي لفظ حديثه وأما غيره فروى معنى الحديث الآتي لا لفظه (ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة بن الزبير (قال) عروة: (سمعت عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشمي المدني ﵁ (يقول: سمعت عليًّا) بن أبي طالب الهاشمي ﵁ (بالكوفة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول): وهذه الأسانيد كلها من خماسياته (خير نسائها) أي خير نساء الدنيا في عصرها (مريم بنت عمران وخير نسائها) أي خير نساء الدنيا في عصرها (خديجة بنت خويلد) رضي الله

стр. 10103

قَال أَبُو كُرَيبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ــ تعالى عنها وجزاها الله تعالى عنا خير الجزاء (قال أبو كريب: وأشار وكيع) بن الجراح عند قوله خير نساءها (إلى السماء والأرض) قال النووي: أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نساءها وأن المراد جميع نساء الأرض أي كل من بين السماء والأرض من النساء، والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها اهـ. قال القرطبي: قوله: (خير نساءها مريم بنت عمران) هذا الضمير عائد على غير مذكور لكنه تفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا، وفي رواية: (وأشار وكيع إلى السماء والأرض) يريد الدنيا كأنه يفسر ذلك الضمير فكأنه قال: خير نساء الدنيا مريم بنت عمران وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدم الذي قال فيه: (خير نساء العالمين مريم) ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم قول الله تعالى حكاية من قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾ [آل عمران / ٤٢] فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة ويعتضد هذا الظاهر بأنها صدّيقة ونبية بلغتها الملائكة الوحي عن الله تعالى بالتكليف والإخبار والبشارة وغير ذلك كما بلغته سائر الأنبياء فهي إذًا نبية، وهذا أولى من قول من قال إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك ولم يُسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها فهي أفضل من كل نساء الأولين والاخرين، إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيدة نساء العالمين مريم وفاطمة ثم خديجة ثم آسية" رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وهذا الحديث حسن رافع لاشكال هذه الأحاديث، فأما من يرى أن مريم صدّيقة وليست نبية فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان: أحدهما أن معناها أن كل واحدة من أولئك الأربع خير نساء عالم زمانها وسيدة وقتها، وثانيهما أن هؤلاء النساء الأربع من أفضل نساء العالم وإن كن في أنفسهن على مزايا متفاوتة ورتب متفاضلة وما ذكرناه أوضح وأسلم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في الفضائل باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضلها [٣٨١٥]، والترمذي في المناقب [٣٨٧٧].

стр. 10104

وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ. وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَان، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطعَامِ". ٦١١٧ - (٢٤١١) (١٦٦) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبِ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ ــ [تنبيه مهم]: قد ذكر في أغلب نسخ مسلم بعد حديث علي حديث أبي موسى الأشعري ﵄، وليس هذا الباب محله لأنه ليس فيه ذكر خديجة بل محله باب فضل عائشة لأنها ذكرت فيه كما ذكره القرطبي في تلخيصه في باب فضل عائشة، وكذا ذكره البخاري في باب فضل عائشة في صحيحه ولذلك أخرنا شرحه إلى باب فضل عائشة لأن ذكره هنا يوقع المدرسين والطلبة في الإشكال لأنه لا يوافق ترجمة خديجة ولذلك أخرناه إلى باب فضل عائشة تحرزًا من إيقاعهم في الإشكال فانتظره هناك كما هو هناك في النسخ المخطوطة المنقولة عن نسخة المؤلف ولم ينبه لهذه الدقيقة جميع شراح مسلم فنذكر الآن حديث أبي هريرة بعد حديث علي كما هو على هذا الترتيب في نسخة القرطبي والله الموفق فنقول: ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بحديث أبي هريرة ﵄ فقال: ٦١١٧ - (٢٤١١) (١٦٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب و) محمد بن عبد الله (بن نمير قالوا: حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من (٩) (عن عمارة) بن القعقاع بن غزية الضبي الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) (قال) أبو زرعة: (سمعت أبا هريرة) ﵁. وهذا السند من

стр. 10105

قَال: أَتَى جِبْرِيلُ النبِي ﷺ . فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا ، وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ــ خماسياته (قال) أبو هريرة: (أتى جبريل) الأمين ﵇ (النبي ﷺ ووقع في رواية سعيد بن كثير عند الطبراني أن ذلك كان وهو بحراء ذكره الحافظ في الفتح [٧/ ١٣٨ و ١٣٩]، (فقال) جبريل: (هذه) المرأة المتوجهة إليك والقاصدة لك في هذا المكان لخدمتك بالطعام هي (خديجة قد أتتك) وجاءت إليك من بيتها في هذا المكان يعني غار حراء، والحال أنه كان (معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب) وأو هنا بمعنى الواو (فإذا هي أتتك) أي وصلت إليك في هذا المكان (فاقرأ ﵍ من ربها أي سلم عليها سلامًا كائنًا من ربها (و) سلامًا كائنًا (مني) عليها بأن يقول: السلام عليك من ربك ومن جبريل الأمين (وبشرها) بشارة صادرة لها من ربها بالجنة (ببيت) أي بقصر مدخر لها (في الجنة) كائن (من قصب) أي من لؤلؤ مجوف كالقصب المنبت (لا صخب) موجود (فيه) والصخب الصوت المرتفع المختلط (ولا نصب) أي لا تعب ولا مشقة ولا حزن ولا خوف فيه. قوله: (هذه خديجة قد أتتك) .. إلخ وكانت خديجة رضي الله تعالى عنها تأتي رسول الله ﷺ بطعام وشراب من بيتها وهو معتكف بحراء فقال جبريل ﵇ ذلك لما رآها تأتي إلى النبي ﷺ ، وأخرج النسائي من حديث أنس قال: (قال جبريل للنبي ﷺ إن الله يقرئ خديجة السلام يعني فأخبرها فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته) وزاد ابن السني من وجه آخر: وعلى من سمع السلام إلا الشيطان، قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقه خديجة لأنها لم تقل وعليه السلام كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد السلام على الله فنهاهم النبي ﷺ وقال: "إن الله هو السلام فقولوا التحيات لله" فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يُرَدُّ ﵇ كما يرد على المخلوقين، لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى وهو أيضًا دعاء بالسلامة وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله إلا الثناء

стр. 10106

قَال أَبُو بَكرٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. وَلَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: وَمِنِّي ــ عليه فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه اهـ فتح الباري. (قال أبو بكر في روايته) لفظة (عن أبي هريرة) بالعنعنة (ولم يقل) أبو بكر كغيره لفظة (سمعت) أبا هريرة بصيغة السماع بدل العنعنة (ولم يقل في الحديث) أبو بكر أيضًا لفظة (ومني) بل اقتصر على قوله: (فاقرأ ﵍ من ربها ولم يقل معه لفظة ومني وقوله في هذه الرواية عن أبي هريرة، قال النووي: أبو هريرة لم يدرك أيام خديجة ولم يذكره سماعًا من النبي ﷺ فيحتمل أنه سمعه منه أو من صحابي فيكون مرسلًا لكنه مرسل صحابي، والصحيح أنه حجة اهـ من الأبي. قال القرطبي: وقوله: (بشر خديجة ببيت في الجنة) .. إلخ قال الهروي: وغيره القصب هنا اللؤلؤ المجوف المستطيل، والبيت القصر. [قلت]: وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: "إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا" متفق عليه، وفي لفظ آخر: "من درة بيضاء طولها ستون ميلًا" سيأتي إن شاء الله تعالى، والصخب بالصاد والسين اختلاط الأصوات وارتفاعها والنصب التعب والمشقة، ويقال نصب ونُصب كحزن وحُزن أي لا يصيبها ذلك لأن الجنة منزهة عن ذلك كما قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر / ٤٨] وقيل: معناه أن هذا البيت خالص لها لا تنازع فيه فيُصخب عليها فيه، والمعنى هذا البيت خاص بها لا شريك لها فيه فيفضي إلى الصخب اهـ دهني. وذلك من فضل الله تعالى عليها لا بنصبها في العبادة ولا باجتهادها في ذلك، وإبلاغ الملك لها أن الله يقرأ ﵍ فضيلة عظيمة وخصوصية شريفة لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبي إلا لعائشة رضي الله تعالى عنها على ما سيأتي في فضائلها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الفضائل باب فضل خديجة [٣٨٢٠] وفي التوحيد باب يريدون أن يبدلوا كلام الله [٧٤٩٧]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيا لحديث عبد الله بن جعفر بحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵃ فقال:

стр. 10107

٦١١٨ - (٢٤١٢) (١٦٧) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ. قَال: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيتٍ فِي الْجَنَّةِ؟ قَال: نَعَمْ، بَشَّرَهَا بِبَيتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. لا صَخَبَ فِيهِ وَلا نَصَبَ. ٦١١٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ وَجَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، ــ ٦١١٨ - (٢٤١٢) (١٦٧) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (ومحمد بن بشر) بن الفرافصة (العبدي) الكوفي كلاهما رويا (عن إسماعيل) بن أبي خالد سعيد البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة، من (٤) روى عنه في (٨) أبواب (قال) إسماعيل: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد الأسلمي أبي إبراهيم الكوفي الصحابي المشهور ﵁ روى عنه في (٥) أبواب. وهذا السند من رباعياته (أكان) بهمزة الاستفهام التقريري أي هل كان (رسول الله ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة؟ قال) لي ابن أبي أوفى: (نعم بشرها) رسول الله ﷺ (ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الفضائل باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضلها [٣٨١٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ فقال: ٦١١٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا أبو معاوية ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري (وجرير) بن عبد الحميد (ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر حدثنا سفيان) بن عيينة (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة أبي معاوية ووكيع والمعتمر بن سليمان وجرير وسفيان رووا (عن إسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى

стр. 10108

عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. ٦١٢٠ - (٢٤١٣) (١٦٨) حدَّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: بَشرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيلدٍ، بِبَيتٍ فِي الْجَنَّةِ. ٦١٢١ - (٢٤١٤) (١٦٩) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: مَا غِرْتُ عَلَى ــ عن النبي ﷺ وهذه الأسانيد كلها من رباعياته، غرضه بيان متابعة هؤلاء الخمسة لعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر، وقوله: وساق هؤلاء الخمسة (بمثله) بإفراد الضمير تحريف من النساخ لأن المتابع اثنان لا واحد، والصواب أن يقال: وساقوا (بمثلهما) بالتثنية أي ساقوا بمثل حديث عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن جعفر بحديث عالة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٦١٢٠ - (٢٤١٣) (١٦٨) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (قالت) عائشة: (بشر رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد) القرشية الأسدية رضي الله تعالى عنها (ببيت في الجنة). وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم كما في تحفة الأشراف. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعا لحديث عبد الله بن جعفر بحديث اخر لعائشة ﵃ فقال: ٦١٢١ - (٢٤١٤) (١٦٩) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام) بن عروة (عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (قالت) عائشة: (ما) نافية (غرت) من الغيرة وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولًا يشترك فيه المذكر والمؤنث نظير صبور أي ما أنفت (على

стр. 10109

امْرأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَت قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذكُرُهَا وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيتِ مِنْ قَصَبٍ فِي الْجَنَّةِ، وإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِيهَا إِلَى خَلائِلهَا ــ امرأة) من أزواج النبي ﷺ (ما غرت) وما مصدرية، أو موصولة؛ أي ما غرت على امرأة من أزواج النبي ﷺ غيرة مثل غيرتي (على خديجة) أو غيرة مثل الغيرة التي غرتها على خديجة فإن غيرتي على خديجة أشد وأزيد من غيرتي على غيرها منهن (و) الحال أنها (لقد هلكت) فاللام زائدة، والجملة حالية أي والحال أن خديجة قد هلكت وماتت (قبل أن يتزوجني) رسول الله ﷺ (بـ) مقدار مدة (ثلاث سنين) أشارت بهذه الجملة إلى أنها لو كانت موجودة في زمانها لكانت غيرتها منها أشد قاله الحافظ في الفتح وإنما كانت غيرتي عليها أشد (لما كنت أسمعه) ﷺ حالة كونه (يذكرها) ويثني عليها لمحبته إياها، واللام في لما تعليلة، وما مصدرية أي وإنما كانت أشد لسماعي ذكر رسول الله ﷺ إياها كثيرًا وثنائه عليها، وفيه إثبات الغيرة الطبيعية وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء عمن دونهن ما لم يحدث بسببها محرم شرعًا من الحسد وغيره اهـ من القسطلاني. وقوله: (لما كنت أسمعه يذكرها) أي يمدحها ويثني عليها ويذكر فضائلها وذلك لفرط محبته إياها، ولما اتصل له من الخير بسببها وفي بيتها، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ : "إني رزقت حبها" وكونه ﷺ يهدي لخلائل خديجة دليل على كرم خلقه وحسن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خويلد إذا رآها وينهض أي يهش إكرامًا لها وسرورًا بها اهـ من المفهم. (ولقد أمره) ﷺ (ربه أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة وإن كان) وإن مخففة من الثقيلة أي وإنه كان ﷺ (ليذبح الشاة) أي شاة الأكل لأهله (ثم يهديها) أي يهدي بعض لحم تلك الشاة (إلى خلائلها) أي إلى خلائل خديجة وأصدقائها، والخلائل جمع خليلة بمعنى صديقة، وفيه أن من حقوق الميت الإحسان إلى أصدقائه، وفي رواية للبخاري: "وربما ذبح الشاة ثم بقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة".

стр. 10110

٦١٢٢ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: مَا غِرْتُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا عَلَى خَدِيجَةَ. وإِنِّي لَمْ أُدْرِكْهَا. قَالتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَيَقُولُ: "أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ" قَالتْ: فَأغْضَبْتُهُ يَوْما فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَال ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٢٧٩]، والبخاري في مواضع منها في الفضائل باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضائلها [٣٨١٦ و ٣٨٨٦] والترمذي في المناقب باب مناقب خديجة رضي الله تعالى عنها [٣٨٨٥ و ٣٨٨٦]، وابن ماجه [١٩٩٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة هذا رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٢٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا سهل بن عثمان) بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة حفص بن غياث لأبي أسامة (قالت) عائشة: (ما غرت على نساء النبي ﷺ وأزواجه (إلا على خديجة و) الحال (إني لم أدركها) أي لم أدرك زمن كونها مع النبي ﷺ ولو أدركت زمن كونها مع النبي ﷺ لكانت غيرتها عليها أشد (قالت) عائشة: (وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة) لأكل أهله، والفاء في قوله: (فيقول) ﷺ : زائدة في جواب إذا، والمعنى قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ لشدة حبه لخديجة إذا ذبح شاة لحم وأكل يقول لمن عنده من الخدم (أرسلوها بها) أي منها أي من بعض لحمها فالباء بمعنى من التبعيضية (إلى أصدفاء خدبجة) وخلائلها و (قالت) عائشة أيضًا: (فأغضبته) ﷺ (يومًا) من الأيام (فقلت) له في إغضابه تذكر (خديجة) وتقول خديجة خديجة كل وقت كأنه ليس في الدنيا امرأة إلا خديجة (فقال) لي

стр. 10111

رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي قَدْ رُزِقتُ حُبَّهَا". ٦١٢٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيبٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيثِ أبِي أُسَامَةَ. إِلَى قِصَّةِ الشَّاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا. ٦١٢٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ــ (رسول الله ﷺ اعتذارًا عن إكثار ذكره إياها (إني قد رزقت حبها) والجملة علة لمحذوف تقديره وإنما أكثرت من ذكرها لأني قد أعطيت حبها وطُبعت عليها لأنها واست لي في مالها ونفسها وأولادها، قال النووي: فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت له. قال الحافظ: ولعل ما هنا اختصارًا لما جاء في صحيح البخاري من حديثها: (فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) ووقع عند أحمد من حديث مسروق عن عائشة: "آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء" اهـ من فتح الباري [٧/ ٣٧]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيا في حديث عائشة هذا رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٢٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا زهير بن حرب وأبو كريب جميعًا عن أبي معاوية حدثنا هشام) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي معاوية لأبي أسامة، وساق أبو معاوية (بهذا الإسناد) يعني عن عروة عن عائشة (نحو حديث أبي أسامة إلى) أن وصل (قصة) ذبح (الشاة) ولكن لم يذكر قصة الشاة (ولم يذكر) أيضًا أبو معاوية (الزيادة) التي زادها حفص بن غياث (بعدها) أي بعد قصة الشاة من قولها فأغضبته يومًا .. إلخ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٢٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) الكسي (اخبرنا عبد الرزاق أخبرنا

стр. 10112

مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ. لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَمَا رَأَيتُهَا قَطُّ. ٦١٢٥ - (٢٤١٥) (١٧٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخبَرَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالت: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ. ٦١٢٦ - (٢٤١٦) (١٧٠) حدَّثنا سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، ــ معمر) بن راشد (عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الزهري لهشام بن عروة (قالت) عائشة: (ما غرت للنبي ﷺ أي لأجله أو بسببه (على امرأة من نسائه) أي أزواجه (ما غرت) أي غيرة مثل غيرتي (على خديجة) فغيرتي عليها أشد من غيرتي على غيرها، دهانما كانت أشد (لكثرة ذكره) ﷺ (إياها) أي خديجة فكثرة ذكره إياها يدل على شدة محبته إياها فيشتد غيرتي عليها من ذكرها (و) الحال أني (ما رأيتها قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية من عمري. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث عبد الله بن جعفر بحديث آخر لعائشة ﵃ فقال: ٦١٢٥ - (٢٤١٥) (١٧٠) (حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (قالت) عائشة: (لم يتزوج النبي ﷺ امرأة (على خديجة) رضي الله تعالى عنها في حياتها (حين ماتت) خديجة. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث عبد الله بن جعفر بحديث آخر لعائشة ﵃ فقال: ٦١٢٦ - (٢٤١٦) (١٧٠) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل أبو محمد الحدثاني، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا علي بن مسهر)

стр. 10113

عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالت: اسْتأذَنَتْ هَالةُ بِنْتُ خُوَيلِدٍ، أخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاحَ لِذَلِكَ. فَقَال: "اللَّهُمَّ هَالةُ بِنْتُ خُوَيلِدٍ" فَغِرْتُ فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ ــ القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (قالت) عائشة: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة) رضي الله تعالى عنهما؛ أي طلبت الإذن في الدخول (على رسول الله ﷺ وهالة هي أخت خديجة وزوجة الربيع بن عبد العزى والد أبي العاص زوج زينب بنت رسول الله ﷺ وقد ذكروها في الصحابة وهو ظاهر هذا الحديث، وقد هاجرت إلى المدينة لأن دخولها عليه ﷺ كان بها أي بالمدينة، ويحتمل أن تكون دخلت على النبي ﷺ بمكة حيث كانت معه عائشة في بعض أحيانه والله أعلم (فعرف) النبي ﷺ من استئذانها أي تذكر (استئذان خديجة) في حياتها أي صفة استئذان خديجة لشبه صوتها أي صوت هالة بصوت أختها خديجة فتذكر بذلك خديجة. قال القرطبي: (قوله فعرف استئذان خديجة) أي تذكر عند استئذان هالة أخت خديجة وكأن نغمة هالة كانت تشبه نغمة خديجة، وأصل هذا كله أن من أحب محبوبًا أحب محبوباته وما يتعلق به وما يشبهه اهـ مفهم. (فارتاح) النبي ﷺ أي فرح واهتز سرورًا (لذلك) أي لمجيئها لتذكره بها خديجة وأيامها وفي هذا كله دليل لحسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب والعشير في حياته ووفاته وإكرام أهل ذلك الصاحب اهـ نووي، وفي البخاري (فارتاع) بالعين المهملة أي فزع وتغير لونه تذكرا لخديجة وأيام حياتها (فقال) ﷺ (اللهم) هذه (هالة بنت خويلد) لا خديجة، يجوز في هالة الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هذه هالة فاكرمها وأحسن إليها يا إلهي، والنصب على إضمار فعل أي أكرم هالة واحفظها وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليق بالمقام اهـ من المفهم، قالت عائشة: (فغرت) أي أخذتني الغيرة لذكره خديجة (فقلت) له ﷺ : (وما تذكر) ما استفهامية في محل الرفع مبتدأ وجملة تذكر خبره (من عجوز) مفعول

стр. 10114

مِنْ عَجَائِزِ قُرَيشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَينِ، هَلَكَت فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدلَكَ اللهُ خَيرًا مِنْهَا! ــ تذكر، ومن زائدة و (من عجائز قريش) صفة لعجوز (حمراء الشدقين) صفة ثانية لعجوز أي وأي سبب تذكر لأجله عجوزًا من عجائز قريش حمراء الشدقين أي حمراء شقي الفم وجانبه تعني عجوزة كبيرة جدًّا حتى قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبق لشدقيها بياض شيء من الأسنان إنما بقي فيهما حمرة لثاتها اهـ نووي، وقوله: (هلكت) أي ماتت تلك العجوز (في الدهر) أي في الزمن القديم صفة ثالثة لعجوز، وقوله: (فأبدلك الله) تعالى معطوف على هلكت أي جعل الله لك (خيرًا منها) أي أشب وأجمل منها بدلًا عنها. قال القرطبي: (وقول عائشة رضي الله تعالى عنها وما تذكر من عجوز من عجائز قريش .. الحديث) قول أخرجه من عائشة فرط الغيرة وخفة الشباب والدلال لم ينكر عليها النبي ﷺ شيئًا مما قالت، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن الغيرى لا تؤاخذ بما يصدر عنها في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا لأن الغيرة هنا جزء السبب لا كل السبب وذلك أن عائشة رضي الله تعالى عنها اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة الغيرة والشباب ولعل ذلك كان قبل بلوغها والدلال وذلك أنها كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة فإحالة الصفح عنها على بعض هذه الأمور تحكم لا يقال، إنما يصح إسناد الصفح إلى الغيرة لأنها هي التي نصت عليها عائشة فقالت: فغرت لأنا نقول لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها بل يحتمل أن تكون الغيرة وحدها ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف لا سيما ولم ينص النبي ﷺ على المسقط ما هو فبقي الأمر محتملًا للأمرين فلا تكون فيه حجة على ذلك والله أعلم. وقوله: (حمراء الشدقين) بكسر الشين وسكون الدال قيل: معناه أنها بيضاء الشدقين، والعرب تسمي الأبيض أحمر كراهة في اسم البياض لأنه يشبه البرص وهذا كما قاله النبي ﷺ لعائشة: "يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يذهب بهاء الوجه" يعني يا بيضاء ذكره ابن الجوزي في الموضوعات [٣/ ٣٣] وفيه يحيى بن هاشم، قال يحيى: هو دجال هذه الأمة، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث، قال العقيلي: ليس لهذا الحديث أصل ولا يحفظ من وجه يثبت. [قلت]: وهذا فيه بُعد في هذا الموضع فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل

стр. 10115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حمراء الشدقين بيضاء الشدقين فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها وإنما معنى هذا عندي والله أعلم أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكبر وذلك أن من جاوز سن الكهولة ولحق سن الشيخوخة وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السمرة والله تعالى أعلم. وقولها: (قد أبدلك الله خيرًا منها) تعني بخير أجمل وأشب تعني نفسها لا أنها خير منها عند الله وعند رسوله لما تقدم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام وكونه ﷺ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت يدل على عظيم قدرها عنده ومحبته لها وعلى فضل خديجة أيضًا لأنها اختصت برسول الله ﷺ ولم يشاركها فيه أحد صيانة لقلبها من التغيير والغيرة ومن مكابدة الضرة اهـ من المفهم. قوله: (فأبدلك الله خيرًا منها) تمسك به بعض العلماء في إثبات فضل عائشة على خديجة رضي الله تعالى عنهما لأن النبي ﷺ سكت على قولها فكأنه أقره، ولكن هذا الاستدلال ليس بصحيح لأنه ثبت في رواية أخرى أن النبي ﷺ أنكر على قول عائشة هذا، وذلك فيما رواه أحمد والطبراني من طريق أبي نجيح عن عائشة فقلت: (أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن فغضب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير) وبهذا الحديث تبين أن عائشة لم تقصد فضيلة نفسها على خديجة في الدين وفي أحكام الآخرة، وإنما أرادت خيريتها من جهة حداثة السن وحسن الصورة. وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف رحمه الله تعالى عن أصحاب الأمهات. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث سبعة: الأول: حديث عبد الله بن جعفر ذكره للاستدلال به على الترجمة، والثاني: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث عبد الله بن أبي أوفى ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث عائشة ذكره للاستشهاد، والخامس: حديث عائشة الثاني ذكر فيه ثلاث متابعات، والسادس: حديث عائشة الثالث ذكره للاستشهاد، والسابع: حديث عائشة الأخير ذكره للاستشهاد والله أعلم. وصلنا إلى هذا المحل قبيل صلاة العشاء في ليلة الثلاثاء تاريخ ٧/ ٥ / ١٤٢٧ هـ. ***

стр. 10116

٧٠٧ - (٢١) والباب التاسع منها باب فضل عائشة رضي الله تعالى عنها ٦١٢٧ - (٢٤١٧) (١٧١) حدَّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ ــ ٧٠٧ - (٢١) والباب التاسع منها باب فضل عائشة رضي الله تعالى عنها وعائشة هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما تُكنى بام عبد الله بن الزبير وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر، أباح لها النبي ﷺ أن تكتني به، تزوجها النبي ﷺ بمكة بعد موت خديجة وقبل الهجرة بثلاث سنين، وهو أول ما قيل في ذلك، وهي بنت ست سنين وابتنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين، وقال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ تزوج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة، وقد روي عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبض عني وأنا بنت ثمان عشرة. رواه مسلم [١٤٢٢] وتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تُدفن ليلًا فدُفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة ﵁، ونزل في قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكانت فاضلة عالمة كاملة، قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة وقال: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ قال: ما في روايتي في رواية عائشة ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، وجملة ما روت عن النبي ﷺ ألفا حديث ومئتا حديث وعشرة أحاديث أُخرج منها في الصحيحين ثلاثمائة إلى ثلاثة أحاديث. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديثها رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٢٧ - (٢٤١٧) (١٧١) (حدثنا خلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البزار

стр. 10117

وَأَبُو الرَّبِيعِ. جَمِيعًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ، (وَاللَّفْظُ لأبي الرَّبِيعِ)، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّها قَالتْ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُرِيتُكِ فِي الْمَنَام ثَلاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ. فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ فَإذَا أَنْتِ هِيَ. فَأقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، يُمْضِهِ" ــ بالراء آخره البغدادي المقرئ، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (وأبو الربيع) الزهراني سليمان بن داود البصري (جميعًا) أي كلاهما رويا (عن حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (واللفظ لأبي الربيع) قال أبو الربيع: (حدثنا حماد حدثنا هشام عن أبيه) عروة (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (أنها) أي أن عائشة (قالت: قال رسول الله ﷺ : أُريتك) بضم الهمزة على صيغة المبني للمجهول وبكسر الكاف خطابًا لها أي أراني الله إياك (في المنام) قبل زواجك وخطبتك (ثلاث ليال) وذلك أني (جاءني بك) أي بصورتك (الملك) أي ملك الرؤيا أو جبريل ﵇، وفي رواية أبي أسامة عن هشام عند البخاري (إذا رجل يحملك) فكأن الملك تمثل له حينئذٍ رجلًا، ووقع في رواية ابن حبان من طريق أخرى عن عائشة جاء بي جبريل إلى رسول الله ﷺ أي جاءني بك جبريل ملفوفة (في سرقة) بفتحات أي في خرقة كائنة (من حرير) والسرقة بفتح المهملة والراء والقاف واحدة السرق وهي شقق الحرير البيض والمراد القطعة من الحرير وفي رواية ابن حبان في خرقة حرير، وفيه دليل على أن للرؤيا ملكًا يمثل الصور في النوم (فيقول) لي الملك: (هذه) الملفوفة في الخرقة (امرأتك) أي زوجتك في الدنيا والاخرة (فأكشف) مضارع بمعنى الماضي عبّر عنه بالمضارع مشاكلة لما قبله وما بعده أي فلما تزوجتك الآن كشفت (عن وجهك فإذا أنت) الحاضرة عندي (هي) أي تلك الصورة التي رأيتها في المنام، قال القرطبي: أي إنه رآها في النوم كما رآها في اليقظة فكان المراد بالرؤيا ظاهرها، قال الطيبي: يحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما: كشفت عن وجه صورتك فإذا أنت الآن تلك الصورة وثانيهما: كشفت عن وجهك عندما شاهدتك فإذا أنت مثل الصورة التي رأيتها في المنام وهو تشبيه بليغ حيث حُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه كذا في المرقاة، وقوله: (فأقول): معطوف على قوله: فيقول الملك هذه امرأتك وما بينهما اعتراض أي فأقول في نفسي: (إن يك هذا) المنام (من عند الله) تعالى (يمضه) الله سبحانه ويتمه، واستشكل البعض هذا الكلام

стр. 10118

٦١٢٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٦١٢٩ - (٢٤١٨) (١٧٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. قَال: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: قَال لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، وإِذَا ــ بأن رؤيا الأنبياء وحي فكيف تردد النبي ﷺ في كونها من عند الله، فأجاب عنه القاضي عياض بأنه يحتمل أن يكون وقع ذلك المنام قبل البعثة فلا إشكال فيه حينئذٍ لأن حكمه حكم البشر في عدم تخليص منامه عن الأحلام، وإن كان بعد البعثة فمبنى التردد هل هي زوجته في الدنيا أو في الآخرة، ويحتمل أن يكون التردد في تأويل هذه الرؤيا في أنه هل يقع عين ما رآه أو أن للرؤيا تعبيرًا آخر يخالف الظاهر والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في الفضائل باب تزوج النبي ﷺ عائشة [٣٨٥٩]، والترمذي في المناقب باب من فضل عائشة رضي الله تعالى عنها [٣٨٨٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٦١٢٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا) محمد (بن نمير حدثنا) عبد الله (بن إدريس) الأودي الكوفي (ح وحدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة جميعًا) أي كل من ابن إدريس وأبي أسامة رويا (عن هشام بهذا الإسناد) يعني عن عروة عن عائشة (نحوه) أي وساق ابن إدريس وأبو أسامة نحو ما حدّث حماد عن هشام. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة هذا بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها فقال: ٦١٢٩ - (٢٤١٨) (١٧٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال) أبو بكر: (وجدت) أي رأيت (في كتابي) وثبتي الذي جمعت فيه ما رويته (عن أبي أسامة حدثنا هشام) بن عروة، وجملة التحديث مفعول محكي للرؤية (ح وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان من خماسياته (قالت) عائشة: (قال لي رسول الله ﷺ : إني لأعلم) ما (إذا

стр. 10119

كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى" قَالتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَينَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ قَال: "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبَّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا، وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ" قَالتْ: قُلْتُ: أَجَل، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ــ كنت عني راضية و) ما (إذا كنت عليّ غضبى) أي غاضبة غير راضية (قالت: فقلت) له ﷺ : (ومن أين) أي ومن أي شيء (تعرف ذلك؟ ) أي كوني راضية عنك أو غير راضية (قال) النبي ﷺ لها: (أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين) في المحاورة معي (لا) أي ليس الأمر كذلك (ورب محمد) أي أقسمت لك برب محمد (وإذا كنت غضبى) أي غير راضية (قلت) لي في المحاورة معي: (لا) أي ليس الأمر كذلك (ورب إبراهيم) أي أقسمت لك برب إبراهيم (قالت) عائشة (قلت) للنبي ﷺ : (أجل) أي نعم كذلك حال في محاورتي معك إذا كنت راضية أذكر اسمك، وإذا كنت غضبى عليك أذكر اسم إبراهيم (والله) أي أقسمت لك (يا رسول الله) بالإله الذي لا إله غيره (ما أهجر) ولا أكره حينئذ (إلا) ذكر (اسمك) لغضبي عليك. قوله: (وإذا كنت غضبى عليّ) قال في المبارق: غضبها على النبي ﷺ كان من جهة الغيرة وهي معقدة عن النساء، حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة: إذا قذفت المرأة زوجها بالفاحشة حين أخذتها الغيرة يسقط الحد عنها، رُوي أن النبي ﷺ قال: "ما يدري صاحب الغيرة أعلى الجبل من أسفله" اهـ. قال القرطبي: غضب عائشة على النبي ﷺ للأسباب التي ذكرناها في حديث خديجة أو لبعضها، والغالب أنها كانت للغيرة التي لا تتمالك المرأة نفسها معها، قال القاضي عياض: يعفى عن النساء في كثير من الأحكام لأجل الغيرة حتى قد ذهب مالك إلى إسقاط الحد عن المرأة إذا رمت زوجها بالزنا، قوله: (قلت: لا ورب إبراهيم) فيه جواز الاستدلال بالأفعال على ما في البال، وعن هذا قيل من أحب شيئًا أكثر من ذكره. قال الحافظ في الفتح [٩/ ٣٢٦]: قوله: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية) .. إلخ يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل وعدمه والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك لأنه ﷺ جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها اسمه وشكوتها فبنى على تغير الحالين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من

стр. 10120

٦١٣٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: "لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ". وَلَمْ يَذكُرْ مَا بَعْدَهُ. ٦١٣١ - (٢٤١٩) (١٧٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ ــ الرضا والغضب، أما غضبها على رسول الله ﷺ مع أنه كبيرة من الكبائر؛ فالمراد منه غيرتها على رسول الله ﷺ التي يبعثها الدلال وشدة محبتها لرسول الله ﷺ وهي مغتفرة، وأما قولها ما أهجر إلا اسمك فالمراد أن حبك يا رسول الله مستقر بقلبي لا ينفك عنه حتى في حالة الغيرة والغضب وغاية ما تحملني الغيرة عليه أن أهجر اسمك، ثم إنها كانت تذكر اسم إبراهيم ﵇ لكونه أقرب إلى رسول الله ﷺ لأنه جده الأعلى اهـ. والمعنى هجراني مقصور على اسمك أي على تسمية اسمك وذكره ولا يتجاوز إلى ذاتك الشريفة وقلبي وحبي إلى ذاتك كما كان اهـ دهني. قال القرطبي: تعني بذلك أنها وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها فقلبها مغمور بمحبته ﷺ لم يتغير منها شيء، وفي هذا ما يدل على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحسن العشرة، وفيه ما يدل على أن الاسم غير المسمى اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٦١ و ٢١٣]، والبخاري في مواضع منها في النكاح باب غيرة النساء ووجدهن [٥٢٢٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٦١٣٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد (بن نمير حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن هشام بن عروة بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن عائشة، غرضه بيان متابعة عبدة لأبي أسامة، وساق عبدة الحديث السابق (إلى قوله) أي إلى قول النبي ﷺ لعائشة: "وإذا كنت غضبى قلت: (لا ورب إبراهيم" ولم يذكر) عبدة في روايته (ما بعده) أي ما بعد قوله: (ورب إبراهيم) من قوله: (قالت قلت أجل) .. إلخ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها فقال: ٦١٣١ - (٢٤١٩) (١٧٢) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا عبد العزيز بن
следующие страницы →