Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.
стр. 11096
٦٨٢٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنٌ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعتُ الْعَلَاءَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٦٨٢٨ - (٢٧٤٢) (٩٣) حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُريعٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ. حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسعودٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً
ــ
وهذا الحديث انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٦٨٢٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر حَدَّثَنَا شعبة قال: سمعت العلاء) بن عبد الرَّحْمَن، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة شعبة لعبد العزيز بن محمَّد وساق شعبة (بهذا الإسناد) يعني عن أَبيه عن أبي هريرة ﵁.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ بحديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٦٨٢٨ - (٢٧٤٢) (٩٣) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري) البَصْرِيّ (كلاهما عن يزيد بن زريع) التَّيْميّ البَصْرِيّ (واللفظ لأبي كامل) قال أبو كامل: (حَدَّثَنَا يزيد) بن زريع بصيغة السماع (حَدَّثَنَا) سليمان بن طرخان (التَّيْميّ) البَصْرِيّ (عن أبي عثمان) النهدي الكُوفيّ عبد الرَّحْمَن بن مل (عن عبد الله بن مسعود) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رجلًا) من المسلمين (أصاب من امرأة قبلة) بفمه لفمها اسم الرَّجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو، وقيل عمرو بن غزية بن عمرو الأَنْصَارِيّ أبو حية التمار، وقيل ابن معتب رجل من الْأَنصار، وقيل أبو مقبل عامر بن قيس الأَنْصَارِيّ، وقيل سيهان التمار، وقيل عباد والمرأة لم أر من ذكر اسمها اه تنبيه المعلم، وذكر العيني رحمه الله تعالى في عمدة القاري [٢/ ٥١٥] ستة أقوال في تعيين هذا الرَّجل ورجح أنَّه أبو اليسر بفتح الياء والسين الأَنْصَارِيّ ﵁ كما وقع
стр. 11097
فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
ــ
التصريح بذلك في رواية التِّرْمِذِيّ ولفظها عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها فأتيت أَبا بكر ﵁ فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر ﵁ فذكرت له ذلك فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، فلم أصبر حتَّى أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله" بمثل هذا حتَّى تمنى أنَّه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة حتَّى ظن أنَّه من أهل النَّار، قال: فأطرق رسول الله ﷺ طويلًا حتَّى أوحى الله تعالى إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليّ رسول الله ﷺ فقال أصحابه: يَا رسول الله ألهذا خاصة أم للنَّاس عامة؟ قال: "بل للنَّاس عامة" قال التِّرْمِذِيّ: هذا حديث حسن غريب، وأبو اليسر هو بفتح الياء والسين واسمه كعب بن عمرو السلمي وهو من البدريين أي أصاب منها قبلة أي دون الفاحشة وهي الزنا في الفرج (فأتى) ذلك الرَّجل (النَّبِيّ ﷺ فذكر ذلك) الذي أصاب من المرأة (له) أي للنبي ﷺ (قال) ابن مسعود: (فنزلت) في ذلك آية قوله تعالى: (أقم) أَنْتَ يَا محمَّد وأمتك (الصلاة) المفروضة في (طرفي النهار) أي في جانبيه يعني في أوله وفي آخره، وهما الغداة والعشي كما فسره به الثعلبي، ورُوي عن ابن عباس أنَّه فسرهما بصلاة الفجر وصلاة المغرب وفسره الضحاك بالفجر والعصر، ومقاتل بالفجر والظهر كما في عمدة القاري (وزلفًا من الليل) أي وفي ساعات من الليل، والزلف بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة بضم الزاي وسكون اللام كغرف وغرفة وهي ساعة من أول الليل المتصل بالنهار، وفيها المغرب وساعة من آخر الليل المتصل بالنهار وفيها العشاء (إن الحسنات يذهبن السيئات) يعني أن الحسنات تكون كفارة للصغائر فإن ارتكب الإنسان صغيرة فإن الحسنات التي يأتي بها تكفر هذه الصغيرة ولا يتعدى هذا الحكم إلى الكبائر لما تقرر في موضعه أن الحسنات إنما تكفر الصغائر دون الكبائر لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ قال النووي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
стр. 11098
السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]. قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتي".
٦٨٢٩ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ. حَدَّثَنَا أَبُو عُثمَانَ،
ــ
السَّيِّئَاتِ﴾ اختلف العلماء في المراد بالحسنات هنا فنقل الثعلبي أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلَّا الله والله أكبر، ويحتمل أن المراد بالحسنات مطلقًا اه منه أقول ويؤيد الوجه الأول ما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس: الصلوات كفارة لما بينهن ..... الحديث (ذلك) المذكور من الآيات السابقة (ذكرى للذاكرين) أي عظة للمتعظين بها أي تذكر لمن تذكر بها واتعاظ لمن اتعظ بها ([هود/ ١١٤]) (قال) ابن مسعود: (فقال) ذلك (الرَّجل) الذي سأل النَّبِيّ ﷺ عن واقعته (ألي) خاصة (هذه) الآية (يَا رسول الله) أم عامة لجميع الأمة يعني بها هو السيئات بالحسنات فـ (قال) له رسول الله ﷺ : هي عامة (لمن عمل بها) أي بهذه الآية بأن فعل الحسنات بعد السيئات (من أمتي) إلى يوم القيامة، وفي رواية للبخاري في المواقيت (لجميع أمتي كلهم) والمراد أن كون الحسنات مكفرة للصغائر يعم جميع المسلمين فإن الله تعالى يغفر لهم سيئاتهم بما فعلوه من الحسنات والله تعالى أعلم. وقد بسطنا الكلام على هذه الآية في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه إن شئت.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٤٤٥]، والبخاري في مواقيت الصلاة باب الصلاة كفارة [٥٢٦] وفي تفسير سورة هود [٤٦٨٧]، وأبو داود في الحدود [٤٤٦٨]، والتِّرمذيّ في تفسير سورة هود [٣١١١]، والنَّسائيّ في الكبرى [٧٣٢٤]، وابن ماجه في الزهد باب ذكر التوبة [٤٣٠٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٦٨٢٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى) القيسي الصَّنْعانِيّ ثم البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حَدَّثَنَا المعتمر) بن سليمان التَّيْميّ، ثِقَة، من (٩) (عن أَبيه) سليمان بن طرخان البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٤) (حَدَّثَنَا أبو عثمان) النهدي
стр. 11099
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ . فَذَكَرَ أَنهُ أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ، إِمَّا قُبْلَةً، أَوْ مَسًّا بِيَدٍ، أَوْ شَيئًا. كَأَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا. قَالَ: فَأَنْزَلَ الله . ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ.
٦٨٣٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: أَصَابَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَةِ شَيْئًا دُونَ الْفَاحِشَةِ. فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَظَّمَ عَلَيْهِ
ــ
عبد الرَّحْمَن بن مل (عن ابن مسعود) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة المعتمر ليزيد بن زريع (أن رجلًا) من المسلمين، وقيل إن هذا الرَّجل هو عمرو بن غزية كان يبيع التمر فقال لامرأة: في البيت تمر أجود من هذا، فدخلت فوثب عليها وقبَّلها، ثم تركها نادمًا فجاء باكيًا إلى رسول الله ﷺ .. فنزلت الآية فقال له: "هل حضرت معنا الصلاة" فقال: نعم، قال: "غفر الله لك" وقيل إنها كانت صلاة العصر اه من المفهم (أتى النَّبِيّ ﷺ فذكر أنَّه أصاب من امرأة إما قبلة أو مسًا بيد أو شيئًا) آخر من الاستمتاعات كالمعانقة (كأنه) أي كأن ذلك الرَّجل (يسأل) النَّبِيّ ﷺ (عن كفارتها) أي عن كفارة تلك القبلة أي عما يكفرها ويمحوها عنه (قال) ابن مسعود: (فأنزل الله هذه الآية يعني أقم الصلاة .. إلخ (ثم ذكر) المعتمر بن سليمان وساق عن أَبيه (بمثل حديث يزيد) بن زريع.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٦٨٣٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) روى عنه في (١٨) بابًا (عن سليمان) بن طرخان (التَّيْميّ) البَصْرِيّ (بهذا الإسناد) يعني عن أبي عثمان عن ابن مسعود، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة جرير ليزيد بن زريع ومعتمر بن سليمان (قال) ابن مسعود: (أصاب رجل) من المسلمين (من امرأة شيئًا) من الاستمتاع (دون الفاحشة) أي غير الفاحشة وهي الزنا في الفرج كالقبلة والمباشرة (فأتى) ذلك الرَّجل (عمر بن الخطاب) ﵁ (فعظّم) عمر من التعظيم ذلك الشيء الذي فعله من المرأة أي عده ذنبًا عظيمًا مؤاخذًا (عليه)
стр. 11100
ثُمّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَعَظَّمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ وَالْمُعْتَمِرِ.
٦٨٣١ - (٠٠) (٠٠) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى -. (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً في أَقْصَى الْمَدِينَةِ. وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا
ــ
ومعاقبًا به (ثم أتى أَبا بكر) الصديق ﵁ (فعظّم عليه) أي عده ذنبًا عظيمًا معاقبًا عليه (ثم أتى) الرَّجل (النَّبِيّ ﷺ فذكر) جرير وساق (بمثل حديث يزيد) بن زريع (والمعتمر) بن سليمان.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٦٨٣١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التَّمِيمِيّ النَّيْسَابُورِيّ (وقتيبة بن سعيد) بن طريف الثَّقَفيّ البلخي (وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ ليحيى قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حَدَّثَنَا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكُوفيّ، ثِقَة، من (٧) (عن سماك) بن حرب بن أوس الذُّهليّ الكُوفيّ، صدوق، من (٤) روى عنه في (١٤) بابًا (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٥) روى عنه في (١١) بابًا (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النَّخَعيّ الكُوفيّ، ثِقَة مخضرم، من (٢) روى عنه في (٨) أبواب (والأسود) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ الكُوفيّ، ثِقَة مخضرم فقيه، من (٢) روى عنه في (٦) أبواب كلاهما رويا (عن عبد الله) بن مسعود ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة علقمة والأسود لأبي عثمان النهدي (قال) عبد الله بن مسعود: (جاء رجل إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يَا رسول الله إنِّي عالجت امرأة) أي حاولتها لأصيب منها غرضًا وشهوة أي تناولتها واستمتعت بها بالقبلة والمعانقة دون الوطء في الفرج في أقصى المدينة) وهو ما بعد منها يعني موضعًا خاليًا من النَّاس أي في نهايتها وطرفها الأبعد عن النَّاس (وإني أصبت منها ما) أي استمتاعًا
стр. 11101
دُونَ أَن أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا. فَاقْضِ فيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَتَرَكَ الله، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا. فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ. فَأَتْبَعَهُ النَّبِيّ ﷺ رَجُلًا دَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيهِ هَذِهِ الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ
ــ
(دون أن أمسها) أي دون مسها وجماعها أي استمتاعًا غير الجماع بها في الفرج كالقبلة والمعانقة أي لم أجامعها، والمعنى استمتعت بها بالمعانقة والتقبيل وغيره. وقوله: (ما دون أن أمسها) أراد به الجماع فإن المس ربما يستعار لمعنى الجماع ومراده أنَّه استمتع بها دون أن يجامعها (فأنا هذا) الحاضر بين يديك (فاقض) أي فاحكم (فيّ) أي عليّ (ما شئت) من حكم الله تعالى (فقال له) أي للرجل (عمر) بن الخطاب والله (لقد سترك الله) سبحانه على عيبك فـ (لو سترت نفسك) على عيبك فلم تخبر به أحدًا من النَّاس لكان خيرًا لك. فيه دليل على أن من صدر منه مثل ذلك لا يجب عليه أن يخبر به الحاكم أو أحدًا غيره بل يتوب إلى الله سبحانه ويستر على نفسه (قال) ابن مسعود: (فلم يرد النَّبِيّ ﷺ على الرَّجل (شيئًا) من الجواب (فقام الرَّجل فانطلق) أي فذهب من مجلس رسول الله ﷺ (فأتبعه النَّبِيّ ﷺ رجلًا) آخر (دعاه) وطلبه بالرجوع إلى النَّبِيّ ﷺ أي أرسل وراءه رسولًا يأمره بالرجوع إلى النَّبِيّ ﷺ فرجع إلى النَّبِيّ ﷺ (وتلا) أي قرأ رسول الله ﷺ (عليه) أي على ذلك الرَّجل الذي قبَّل المرأة بعد رجوعه إلى النَّبِيّ ﷺ (هذه الآية) يعني قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) لأن الله تعالى أنزل هذه الآية بعد انصرافه بسبب سؤاله عن حكمه وإقامة الصلاة القيام بفعلها على سنتها وهيئاتها المشروعة فيها والمثابرة عليها (وزلفًا من الليل) بفتح اللام على قراءة الجماعة وهي الساعات المتقاربة جمع زلفة وهي القربة والمنزلة، وقرأها يزيد بضم اللام وابن محيصن بسكونها (إن الحسنات يذهبن السيئات) يعني الصلوات الخمس كما قد جاء مفسرًا عنه ﷺ قاله الطبري، وقال مجاهد: هي (لا إله إلَّا الله، والله أكبر، والحمد لله) [قلت]: واللفظ بحكم عمومه صالح لما قالاه ولزيادة عليه كما قال ﷺ : "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" رواه أَحْمد ومسلم
стр. 11102
ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: "بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً".
٦٨٣٢ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعِجْلِيُّ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَحُدِّثُ، عَنْ خَالِهِ الأسوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ، وَقَالَ في حَدِيثِهِ: فَقَالَ مُعَاذٌ:
ــ
والتِّرمذيّ وابن ماجه (ذلك) المذكور (ذكرى للذاكرين) [هود/ ١١٤] (فقال رجل من القوم) الحاضرين عند رسول الله ﷺ : (يَا نبي الله هذا) أي تكفير الحسنات بالسيئات (له) أي لهذا الرَّجل الذي قبّل المرأة (خاصة) أي مخصوصة به أم عامة للأمة (قال) رسول الله ﷺ : (بل) هذا التكفير (للناس) كلهم حالة كونهم (كافة) أي جميعًا هكذا تستعمل كافة حالًا أي كلهم ولا تضاف فيقال كافة النَّاس ولا الكافة بالألف واللام وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم اه نووي، والرجل القائل قيل هو أبو اليسر أَيضًا، وقيل معاذ، وقيل عمر ذكر ذلك الخَطيب البغدادي، وسيأتي في (م) أنَّه معاذ اه من التنبيه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن مسعود ﵁ فقال:
٦٨٣٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا أبو النُّعمان الحكم بن عبد الله العجلي) أو القيسي أو الأَنْصَارِيّ البَصْرِيّ، روى عن شعبة في التوبة والفتن، وابن أبي عروبة، ويروي عنه (خ م ق س) ومحمَّد بن المثنَّى وأَحمد البزي، قال الخَطيب: كان ثِقَة، ووثقه الذُّهليّ وقال ابن حبان: كان حافظًا ربما أخطأ، وقال في التقريب: ثِقَة له أوهام، من التاسعة، وله عند (خ) فرد حديث (حَدَّثَنَا شعبة عن سماك بن حرب) الذُّهليّ الكُوفيّ (قال) سماك: (سمعت إبراهيم) بن يزيد النَّخَعيّ (يحدّث عن خاله الأسود) بن يزيد بن قيس النَّخَعيّ الكُوفيّ (عن عبد الله) بن مسعود (عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة شعبة لأبي الأحوص، وساق شعبة (بمعنى حديث أبي الأحرص وقال) شعبة (فِي حديثه) وروايته لفظة (فقال معاذ) بن جبل رضي الله
стр. 11103
يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لِهَذَا خَاصَّةً، أَوْ لَنَا عَامَّةً؟ قَالَ: "بَلْ لَكُمْ عَامَّةً".
٦٨٣٣ - (٢٧٤٣) (٩٤) حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ. حَدّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ
ــ
عنه (يَا رسول الله هذا) التكفير كائن (لهذا) الرَّجل الذي قبّل المرأة حالة كونه (خاصة) به أي مخصوصًا بهذا الرَّجل (أو) كائن (لنا) حالة كونه (عامة) أي عامًا لجميع الأمة فـ (قال) رسول الله ﷺ (بل) هو أي هذا التكفير كائن (لكم) أيتها الأمة حالة كونه (عامة) أي عامًا لجميع الأمة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث أنس ﵄ فقال:
٦٨٣٣ - (٢٧٤٣) (٩٤) (حَدَّثَنَا الحسن بن عليّ الحلواني) أبو علي الهذلي الخلال المكيّ، ثِقَة، من (١١) (حَدَّثَنَا عمرو بن عاصم) بن عبيد الله بن الوازع الكلابي أبو عثمان البَصْرِيّ، صدوق، من صغار (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حَدَّثَنَا همام) بن يحيى بن دينار الأَزدِيّ البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٧) روى عنه في (١٢) بابًا (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأَنْصَارِيّ المدنِيُّ، ثِقَة، من (٤) (عن) عمه (أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أنس: (جاء رجل) من المسلمين ولم أر من ذكر اسم هذا الرَّجل (إلى النَّبِيّ ﷺ فقال) ذلك الرَّجل: (يَا رسول الله أصبت حدًا) أي ارتكبت موجب حد في ظني، قال النووي: هذا الحديث معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي من الصغائر لأنها كفرتها الصلاة ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث اه دهني (فأقمه) أي فأقم الحد (عليّ، قال) أنس: (وحضرت الصلاة) أي وقت إقامتها (فصلى مع رسول الله ﷺ تلك الصلاة (فلما قضى) الرَّجل (الصلاة) وأتمها (قال: يَا رسول الله إنِّي أصبت) وفعلت (حدًا) أي موجب حد عليّ (فأقم فيّ) أي
стр. 11104
كِتَابَ اللهِ. قَالَ: "هَلْ حَضَرْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "قَدْ غُفِرَ لَكَ".
٦٨٣٤ - (٢٧٤٤) (٩٥) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ
ــ
أقم عليّ (كتاب الله) أي حكم كتاب الله تعالى من الحد أو التعزير فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (هل حضرت الصلاة) أي فعلتها وصليتها (معنا) فـ (قال) الرَّجل: (نعم) صليتها معكم فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (قد غفر لك) أي قد غفر موجب الحد وستر عنك ومحي به عن صحفك بفضل من الله تعالى بسبب صلاتك معنا لأن الصلاة تكفر السيئات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في الحدود باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه [٦٨٢٣] وقوله في حديث أنس ﵁: (أصبت حدًا) يحتمل أن يكون هذا الرَّجل هو الذي سبقت قصته في حديث ابن مسعود ﵁ وكان قد زعم أن ما فعله بالمرأة موجب للحد، ولأجل أنَّه لم يكن موجبًا للحد في نفس الأمر لم يقمه عليه رسول الله ﷺ بل بشره بالمغفرة بالصلاة، ويحتمل أن تكون هذه قصة أخرى وقد ذكر الحافظ في الفتح [١٢/ ١٣٤] عن أبي بكر البرزنجي أنَّه رواه بلفظ (أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ فقال: يَا رسول الله إنِّي زنيت فاقم عليّ الحد) ولو صح فإنَّها قصة غير قصة أبي اليسر قطعًا فإنَّه صرح بأنه لم يجامع المرأة لكن يشكل عليه مغفرة الزنا بالصلاة فإن الزنا كبيرة وإنها لا تكفِّرها الحسنات، ويحتمل أنَّه زعم ما ليس بزنا زنًا، ويحتمل أن يكون الراوي عبر بالزنا من قوله أصبت حدًا فرواه بالمعنى الذي ظنه، والأصل ما في الصحيح فهو الذي اتفق عليه الحفاظ، ويحتمل أن يكون ذلك خصوصية لذلك الرَّجل.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي أُمامة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٨٣٤ - (٢٧٤٤) (٩٥) (حَدَّثَنَا نصر بن عليّ) الأَزدِيّ (الجهضمي) أبو عمر البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) روى عنه في (١٧) بابًا (وزهير بن حرب واللفظ لزهير قالا: حَدَّثَنَا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي أبو حفص اليماميّ، ثِقَة، من (٩) روى عنه في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار) العجلي الحنفي اليماميّ، صدوق، من (٥) روى عنه
стр. 11105
حَدَّثَنَا شَدَّادٌ. حَدّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا. فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ . ثُمّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًا. فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ. وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ. وَاتبَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ. فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
ــ
في (٩) أبواب (حَدَّثَنَا شداد) بن عبد الله القُرشيّ الأُموي مولاهم معاوية أبو عمار الدِّمشقيّ، ثِقَة، من (٤) روى عنه في (٧) أبواب (حَدَّثَنَا أبو أُمامة) الباهليّ صدي بن عجلان مصغرًا ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو أُمامة: (بينما رسول الله ﷺ جالس (في المسجد) النبوي (ونحن) معاشر الحاضرين معه (قعود) أي قاعدون (معه) ﷺ (إذ جاء) هـ ﷺ (رجل) من المسلمين، لم أر أحدًا من الشراح عين اسم هذا الرَّجل، قال ابن حجر في الفتح [١/ ٣٢٠] وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به، قال في تنبيه المعلم: وكنت قد بدأت بجمع المحدودين فلما وقفت على كلام ابن حجر هذا ضربت عما بدأت صفحًا اه منه (فقال) الرَّجل: (يَا رسول الله إنِّي أصبت حدًا) أي ارتكبت موجب حد (فأقمه عليّ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثم أعاد) الرَّجل كلامه ثانيًا (فقال) عطف تفسير للإعادة أي فقال له ﷺ : (يَا رسول الله إنِّي أصبت حدًا فأقمه عليّ فسكت عنه) رسول الله ﷺ (وأقيمت الصلاة فلما) فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة (انصرف) أي ذهب (نبي الله ﷺ من المسجد (قال أبو أُمامة) راوي الحديث: (فاتَّبع الرَّجل) السائل إقامة الحد عليه أي لحق (رسول الله ﷺ حين انصرف) وخرج قال أبو أُمامة: (واتبعت) أي لحقت (رسول الله ﷺ حالة كوني أريد أن (انظر) وأسمع (ما يرد) رسول الله ﷺ (على الرَّجل) من الجواب، قال أبو أُمامة: (فلحق الرَّجل) السائل (رسول الله ﷺ فقال)
стр. 11106
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أَلَيسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ " قَالَ: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاةَ مَعَنَا؟ " فَقَالَ: نَعَنم. يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ - أَوْ قَالَ: - ذَنْبَكَ".
٦٨٣٥ - (٢٧٤٥) (٩٦) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي،
ــ
له: (يَا رسول الله إنِّي أصبت حدًا فأقمه عليّ قال أبو أُمامة فقال له رسول الله ﷺ : أرأيت) أي أخبرني (حين خرجت من بيتك أليس) الشأن (قد توضأت فأحسنت الوضوء) أي أكملته بفرائضه وآدابه (قال) الرَّجل: (بلى) توضأت (يَا رسول الله قال) له رسول الله ﷺ (ثم) بعد وضوئك (شهدت) أي حضرت (الصلاة) أي صلاة الجماعة (معنا، فقال) الرَّجل: (نعم) حضرت الصلاة معكم (يَا رسول الله قال) أبو أُمامة: (فقال له) أي للرجل (رسول الله ﷺ أبشر (فإن الله) سبحانه (قد غفر لك حدك) أي موجبه بسبب الصلاة معنا (أو قال) أبو أُمامة: قال رسول الله ﷺ : قد غفر الله لك (ذنبك) بدل حدك، والشك من شداد بن عبد الله فيما قاله أبو أمامة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الحدود باب في الرَّجل يعترف بحد ولا يسميه [٤٣٨١].
وقوله في هذا الحديث: (إنِّي أصبت حدًا) الكلام في هذا الحديث مثل ما تقدم في حديث أنس، ويحتمل أن تكون قصته عين القصة المذكورة في حديث أنس، ويحتمل أن تكون غيرها والله أعلم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثالث من الترجمة وهو قبول توبة القاتل بحديث أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ فقال:
٦٨٣٥ - (٢٧٤٥) (٩٦) (حَدَّثَنَا محمَّد بن المثنَّى ومحمَّد بن بشار واللفظ لابن المثنَّى قالا: حَدَّثَنَا معاذ بن هشام) الدستوائي البَصْرِيّ (حَدَّثني أبي) هشام الدستوائي
стр. 11107
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ. فَأَتاهُ فَقَالَ: إنهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا. فَقَتَلَهُ. فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ. فَهَل لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّ بِهَا أُناسًا
ــ
(عن قتادة) بن دعامة (عن أبي الصدّيق) بوزن سكتتين الناجي بالنُّون والجيم بكر بن عمرو أو ابن قيس البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٣) روى عنه في (٢) بابين الصلاة والتوبة (عن أبي سعيد الخُدرِيّ) ﵁. وهذا السند من سداسياته (أن نبي الله ﷺ كان فيمن كان قبلكم) من الأمم، وفي رواية شعبة عند البُخَارِيّ: كان في بني إسرائيل (رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا) فندم على قتله (فسأل) ذلك الرَّجل النَّاس (عن أعلم أهل الأرض فدُلّ) بصيغة المجهول أي دله النَّاس (على راهب) أي على عابد من رهبان النصارى وعبادةم، واستنبط الحافظ في الفتح [٦/ ٥١٧] من لفظ الراهب أن ذلك كان بعد رفع عيسى ﵇ لأن الرهبانية إنما ابتدعه أتباعه بعد رفعه إلى السماء كما دل عليه القرآن الكريم (فأتاه) أي فأتى القاتل الراهب (فقال) للراهب: (إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة) عند الله تعالى (فقال) الراهب للقتَّال: (لا) توبة لك (فقتله) أي قتل الراهب (فكمل به) أي بالراهب (مائة) نفس مقتولة، وأخذ بعضهم من قوله: (لا) أن هذا الراهب لم يكن عالمًا وإنما أفتى بغير علم، ورد عليه الأبي باحتمال أن يكون في توبة القاتل خلاف في شريعتهم كما هو عندنا فأفتاه الراهب بقول من يقول منهم لا توبة للقاتل وعلى كل حال فجواب الراهب كان على خلاف المصلحة لأنه وإن كانت المسألة مجتهدًا فيها لم يكن له أن يقطع بعدم صحة توبته ويوقعه في اليأس بعد ما ظهر ندمه على فعله (ثم) بعد ما قتل الراهب (سأل) النَّاس مرة ثانية (عن أعلم أهل الأرض فدُلّ) بالبناء للمجهول أي دله النَّاس (على رجل عالم) فذهب إليه (فقال) القتّال للرجل العالم (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال) الرَّجل العالم له: (نعم) له توبة (ومن) أي ومن الذي (يحول) ويحجز (بينه) أي بين ذلك القتّال (وبين التوبة انطلق) أي اذهب أيها القتّال إن أردت التوبة (إلى أرض كذا وكذا فإن بها) أي بتلك الأرض (أناسًا
стр. 11108
يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ. وَلَا تَرْجِعْ إلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالَتْ مَلَائكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ. فَجَعَلُوهُ بَينهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا
ــ
يعبدون الله) تعالى (فاعبد الله) تعالى (معهم ولا ترجع إلى أرضك) التي قتلت فيها (فإنَّها) أي فإن أرضك (أرض سوء) وذنب أسأت به.
وفي قوله: (انطلق إلى أرض كذا) الحض على مفارقة الأرض التي اقترف فيها الذنب وعلى مفارقة الإخوان الذين ساعدوه عليه مبالغة في التوبة وعلى استبدال ذلك بصحبة أهل الخير والصلاح، ووقع في المعجم الكبير للطبراني أن اسم تلك القرية التي هاجر إليها (نصرة) واسم القرية التي أذنب فيها (كفرة) ذكره الحافظ.
وفي قوله: (ولا ترجع إلى أرضك) .. إلخ استحباب مفارقة التائب الأرض التي تكثر فيها الدواعي للذنوب وأن يلتمس صحبة أهل الخير والصلاح فإنَّها أكبر عون له في إصلاح نفسه وتزكية خلقه وسلوكه.
قال النَّبِيّ ﷺ : (فانطلق) أي ذهب ذلك الرَّجل إلى جهة قرية نصرة (حتَّى إذا نصف الطريق) أي وصل وبلغ وسط مسافة الطريق التي بين القريتين (أتاه الموت) أي مقدمات الموت (فاختصمت) أي تخاصمت (فيه) أي في قبض روحه (ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) كلاهما من أعوان ملك الموت (فقالت ملائكة الرحمة جاء) أي صار هذا الرَّجل (تائبًا) أي راجعًا عن ارتكاب المعاصي (مقبلًا بقلبه) أي متوجهًا بقلبه (إلى) طاعة (الله) تعالى وامتثال أمره ونحن أحق بقبض روحه، قال القاضي عياض ﵀: علموا ذلك بإطلاع الله تعالى إياهم على ما في قلبه من ذلك ولو أطلع عليه ملائكة العذاب لم تنازع ولكن شهدت بما علمت من ظاهر أمره كما قال (وقالت ملائكة العذاب أنَّه) أي إن هذا الرَّجل (لم يعمل خيرًا) أي عملًا صالحًا يثاب عليه (قط) أي فيما مضى من عمره من الأزمنة (فأتاهم) أي أتى الفريقين من الملائكة (ملك) متصور (في صورة آدمي) وشكله (فجعلوه) أي فجعل الفريقان من الملائكة ذلك الملك المتصور بصورة آدمي محكمًا (بينهم) فيما تنازعوا فيه (فقال) لهم ذلك الملك (قيسوا) أي حاسبوا
стр. 11109
مَا بَينَ الأَرْضَيْنِ. فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى، فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ. فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ".
قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا؛ أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.
٦٨٣٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ :
ــ
بالمساحة قدر مسافة (ما بين الأرضين) أي القريتين التي خرج منها والتي ذهب إليها (فإلى أيتهما) أي إلى أية الأرضين (كان) ذلك الرَّجل (أدنى) وأقرب (فهو) أي فذلك الرَّجل (له) أي لذلك الأقرب إليه من الأرضين (فقاسوه) أي حاسبوا قدر مسافة ما بين الأرضين (فوجدوه) أي فوجدوا ذلك الرجل (أدنى) وأقرب (إلى الأرض التي أراد) وهاجر إليها بقدر شبر كما في الرواية الآتية (فقبضته) أي قبضت روح ذلك الرَّجل (ملائكة الرحمة) فكان من أهل الجنة بفضل الله وكرمه تعالى، قال هشام الدستوائي: (قال) لنا (قتادة) بالسند السابق (فقال) لنا الحسن البَصْرِيّ: (ذُكر لنا) أي رُوي لنا في هذا الحديث (أنه) أي أن ذلك الرَّجل (لما أتاه الموت) أي أمارة الموت ومقدماته (نأى) أي ارتفع من الأرض (بصدره) مع ثقل ما أصابه من الموت ومال به إلى جهة الأرض التي أراد الذهاب والهجرة إليها فكان من أهلها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في الأنبياء [٣٤٧]، وابن ماجه في الديات [٢٦٢٢].
وقد يشكل على توبة هذا القاتل أنَّه ارتكب ذنبًا يتعلق بحقوق العباد فكيف يغفر له بدون أن يعفو عنه صاحب الحق وهو مقتول لا يمكن إرضاؤه، وأجاب عنه الحافظ في الفتح والعيني في العمدة [٧/ ٤٦٩] بأن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
٦٨٣٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري) البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا أبي) معاذ بن معاذ (حَدَّثَنَا شعبة عن قتادة أنَّه سمع أَبا الصدّيق الناجي) بكر بن عمر البَصْرِيّ (عن أبي سعيد الخُدرِيّ عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه
стр. 11110
"أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَجَعَلَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ. فَقَتَل الرَّاهِبَ. ثُمُّ جَعَلَ يَسْأَلُ. ثُمَّ خَرَجَ من قَرْيَةٍ إلى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ. فَلَمَّا كَانَ في بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ. فَنَأَى بِصَدْرِهِ. ثُمَّ مَاتَ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاِئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ. فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ. فَجُعِلَ من أَهْلِهَا".
٦٨٣٧ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا محمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، وَزَادَ فِيهِ: "فَأَوْحَى اللهُ إلى هَذِهِ: أَنْ تَبَاعَدِي. وَإِلَى هَذِهِ: أَنْ تَقَرَّبِي"
ــ
بيان متابعة شعبة لهشام الدستوائي في رواية هذا الحديث عن قتادة (أن رجلًا) ممن كان قبلكم (قتل تسعة وتسعين نفسًا فجعل) أي شرع ذلك الرَّجل (يسأل) النَّاس (هل له من توبة) ويبحث عنها (فأتى راهبًا) أي عابدًا من رهبان النصارى (فسأله) أي فسأل الرَّجل ذلك الراهب هل له من توبة (فقال) له الراهب: (ليست لك توبة فقتل الراهب ثم جعل) أي شرع (يسأل) النَّاس هل له من توبة (ثم خرج من قرية) قتل فيها النَّاس (إلى قرية) كان (فيها قوم صالحون فلما كان من بعض الطريق أدركه الموت) وحلَّ به (فنأى بصدره) أي مال به إلى جهة القرية التي يذهب إليها مع ما به من ثقل الموت وذلك دليل على صحة توبته وصدق رغبته (ثم مات فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها) أي من القرية الفاسدة (بشبر) أي بقدر شبر (فجُعل من أهلها) أي من أهل القرية الصالحة فأخذته ملائكة الرحمة وهي ملائكة الجنة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا فقال:
٦٨٣٧ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا محمَّد بن بشار حَدَّثَنَا) محمَّد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حَدَّثَنَا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد) يعني عن أبي الصديق عن أبي سعيد، غرضه بيان متابعة ابن أبي عدي لمعاذ بن معاذ، وساق ابن أبي عدي (نحو حديث معاذ بن معاذ و) لكن (زاد) ابن أبي عدي (فيه) أي في ذلك النحو لفظة (فأوحى الله) سبحانه (إلى هذه) القرية التي خرج منها أي ألهمها بـ (أن تباعدي) عنه أي عن هذا الرَّجل التائب (وإلى هذه) القرية التي هاجر إليها بـ (أن تقربي) إليه.
стр. 11111
٦٨٣٨ - (٢٧٤٦) (٩٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَفَعَ الله إلى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا. فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ".
٦٨٣٩ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدّثَنَا هَمَّامٌ
ــ
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الرابع من الترجمة وهو فداء المسلم بالكافر بحديث أبي موسى الأَشْعريّ ﵁ فقال:
٦٨٣٨ - (٢٧٤٦) (٩٧) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا أبو أسامة عن طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التَّيْميّ المدنِيُّ نزيل الكوفة، صدوق، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى (عن أبي موسى) الأَشْعريّ ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل) رجل (مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول) الله للمسلم: أيها المسلم (هذا) اليهودي أو النصراني (فكاكك) بفتح الفاء وكسرها والفتح أفصح وأشهر أي فداؤك وخلاصك (من النَّار) أي من العذاب، وظاهر هذا اللفظ أن الكافر يكون فدية للمسلم وهذا الظاهر غير مطابق لما تقرر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وتفسيره الصحيح ما ذكره النووي رحمه الله تعالى قال: ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ "لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النَّار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النَّار" لاستحقاقه ذلك بكفره ومعنى (فكاكك من النَّار) أنك كنت معرضًا لدخول النَّار وهذا فكاك لأن الله تعالى قدّر لها عددًا يملؤها فهذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين. وهذا الحديث مما انفرد به الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة فقال:
٦٨٣٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان بن مسلم) بن عبد الله الأَنْصَارِيّ مولاهم الصفّار البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) (حَدَّثَنَا همام) بن يحيى بن دينار
стр. 11112
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ؛ أَنَّ عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ حَدَّثَاهُ؛ أنَّهمَا شَهِدَا أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّث عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إلَّا أَدْخَلَ الله مَكَانَهُ، النَّارَ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا". قَالَ: فَاسْتَحْلَفَة عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ أَنَّ أَبَاهُ حدثهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ. قَالَ: فَلَمْ يُحَدِّثنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ َعَلَى عَوْنٍ قَوْلَهُ
ــ
الأَزدِيّ البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٧) (حَدَّثَنَا أن عونًا) ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أَبا عبد الله الكُوفيّ الزَّاهد، ثِقَة، من (٤) روى عنه في (٤) أبواب (وسعيد بن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأُموي الكُوفيّ، ثِقَة، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (حدثاه) أي حدثا لقتادة (أنهما شهدا) أي حضرا (أَبا بردة) عامر بن أبي موسى، حالة كونه (يحدّث عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأُموي الأمير المدنِيُّ (عن أَبيه) أي عن أبي بردة يعني عن أبي موسى الأَشْعريّ (عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة عون بن عبد الله وسعيد بن أبي بردة لطلحة بن يحيى بن عبيد الله في رواية هذا الحديث عن أبي بردة (قال) النَّبِيّ ﷺ : (لا يموت رجل مسلم إلَّا أدخل الله) سبحانه (مكانه) أي بدله (النَّار يهويًا أو نصرانيًا، قال) عون بن عبد الله بنعتبة (فاستحلفه) أي استحلف أَبا بردة أي طلب منه الحلف (عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلَّا هو ثلاث مرات) أي حلّفه عمر ثلاث مرات لتأكيد الكلام على (أن أباه) أي أَبا أبي بردة يعني أَبا موسى الأَشْعريّ (حدّثه) أي حدّث أَبا بردة (عن رسول الله ﷺ وإنما استحلفه لزيادة الاشتياق والطمأنينة ولما حصل له من السرور بهذه الإشارة العظيمة للمسلمين أجمعين ولأنه إذا كان عنده فيه شك وخوف غلط أو نسيان أو اشتباه أو نحو ذلك أمسك عن اليمين فهذا حلف تحقق انتفاء هذه الأمور وعُرف صحة الحديث اه نووي (قال) عون بن عبد الله: (فحلف) أبو بردة (له) أي لعمر بن عبد العزيز على أن أَبا موسى حدّثه (قال) قتادة: (فلم يحدثني سعيد) بن أبي بردة (أنَّه) أي أن عمر بن عبد العزيز (استحلفه) أي استحلف أَبا بردة على ذلك (ولم ينكر) سعيد بن أبي بردة (على عون) بن عبد الله (قوله) أي قول عون إن عمر بن عبد العزيز استحلف أَبا بردة على ذلك يعني أن سعيد بن أبي بردة وإن لم يذكر قصة
стр. 11113
٦٨٤٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ. أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ. حَدّثَنَا قَتَادَةُ. بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ عَفَّانَ. وَقَالَ: عَوْنُ بْنُ عُتْبَةَ.
٦٨٤١ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ
ــ
الاستحلاف التي ذكرها عون لكنه لم ينكر على عون في ذكره للاستحلاف فكأنه سكت عن إثباته أو نفيه، وإنما نبه الراوي على ذلك الإشعار بأن سكوت سعيد عن قصة الاستحلاف لا يدل على أنها لم تقع لأن المثبت مقدم على النافي فعلى الساكت أولى اه تكملة. وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز والشافعي رحمهما الله تعالى أنهما قالا في هذا الحديث. هو أرجى حديث للمسلمين اه نووي.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي موسى الأَشْعريّ ﵁ فقال:
٦٨٤٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (ومحمَّد بن المثنَّى جميعًا) أي كلاهما رويا (عن عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبري البَصْرِيّ، صدوق، من (٩) روى عنه في (١٦) بابًا (أخبرنا همام) بن يحيى بن دينار (حدثنما قتادة بهذا الإسناد) يعني عن عون وسعيد عن أبي بردة عن أبي موسى، غرضه بيان متابعة عبد الصمد لعفان بن مسلم في الرواية عن همام، وساق عبد الصمد (نحو حديث عفان) بن مسلم (و) لكن (قال) عبد الصمد في روايته أن (عون بن عتبة) وسعيد بن أبي بردة حدثاه بزيادة كلمة عتبة، ومراده عون بن عبد الله بن عتبة فنسبه إلى جده عتبة والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي موسى ﵁ فقال:
٦٨٤١ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثَنَا محمَّد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد) ويقال له محمَّد بن عمرو بن جبلة بحذف لفظ عباد العتكي البَصْرِيّ، صدوق، من (١١) روى عنه في (١١) بابًا، روى عنه (م د) فقط (حَدَّثَنَا حرمي بن عمارة) بن أبي حفصة ثابت
стр. 11114
حَدَّثَنَا شَدَّادٌ، أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "يَجِيءُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمينَ، بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ. فَيَغْفِرُهَا الله لَهُمْ. وَيضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى" فِيمَا أَحْسِبُ أَنَا.
قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
ــ
بنون فموحدة فمثناة، ويقال ثابت بمثلثة العتكي مولاهم أبو روح البَصْرِيّ، صدوق، من (٩) روى عنه في (٤) أبواب (حَدَّثَنَا شداد) بن سعيد (أبو طلحة الراسبي) البَصْرِيّ، روى عن غيلان بن جرير في فداء المسلم، ويزيد بن عبد الله بن الشخير ومعاوية بن قرة، ويروي عنه (م ت س) وحرمي بن عمارة وابن المبارك وأبو الوليد، وثقه أَحْمد والنَّسائيّ وابن عدي وابن معين، وقال أَحْمد: شيخ ثِقَة ليس بالقوي، وقال في التقريب: صدوق يخطئ، من الثامنة (عن غيلان بن جرير) الأَزدِيّ المعولي بفتح الميم، وقيل بكسرها وسكون ثانيه وفتح ثالثه نسبة إلى معولة بطن من الأزد، ثِقَة، من (٥) روى عنه في (٨) أبواب (عن أبي بردة عن أَبيه) أبي موسى (عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة غيلان بن جرير لطلحة بن يحيى وقتادة (قال) النَّبِيّ ﷺ : (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب) عظام (أمثال الجبال) أي أشباهها في العظم (فيغفرها الله) (لهم) أي لأولئك الأناس (ويضعها) أي يضع الله تلك الذنوب ويحملها (على اليهود والنصارى) قال الراسبي أو غيلان ويضعها على اليهود والنصارى (فيما أحسب) وأظن (أنا) أي قال شيخي لفظة ويضعها .. إلخ فيما أظن (قال أبو روح) حرمي بن عمارة (لا أدري) ولا أعلم (ممن) كان هذا (الشك) هل من الراسبي أو من غيلان أو من أبي بردة، قال النووي: قوله: (يجيء يوم القيامة ناس) .. إلخ معناه أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النَّار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين ولا بد من هذا التأويل لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ اه منه.
(قال أبو بردة) بالسند السابق (فحدثت به) أي بهذا الحديث (عمر بن عبد العزيز
стр. 11115
فَقَالَ: أَبُوكَ حَدَّثَكَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
٦٨٤٢ - (٢٧٤٧) (٩٨) حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ في النَّجْوَى؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ
ــ
فقال) لي عمر: هل (أبوك حدثك هذا) الحديث (عن النَّبِيّ ﷺ قال أبو بردة: (قلت) لعمر: (نعم) حدثني به أبي (قوله فيغفرها الله لهم) إما لتوبتهم أو أوانها أو لرحمته الخاصة التي لا تتقيد بالقواعد، وعلى الصورة الثَّانية لا يسع للمؤمن أن يجترئ على الذنوب والمعاصي رجاء رحمة الله تعالى لأن مثل هذه الرحمة مستثناة من القواعد العامة فلا سبيل إلى الجزم بأنه سوف ينالها، والأصل الذي نطقت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة أن الذنوب تستحق العقاب إلَّا إذا تداركها المؤمن بالتوبة في أوانها وبهذا صرح النَّبِيّ ﷺ في حديثه المعروف "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله".
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الخامس من الترجمة وهو مناجاة الله مع المؤمن يوم القيامة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٨٤٢ - (٢٧٤٧) (٩٨) (حَدَّثَنَا زهير بن حرب حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي البَصْرِيّ المعروف بابن عليّة (عن هشام) بن أبي عبد الله (الدستوائي) البَصْرِيّ (عن قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي ابن زياد المازنِيّ البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٤) روى عنه في (٢) بابين الأيمان والنجوى (قال) صفوان: (قال رجل): لم أر من ذكر اسمه (لابن عمر) ﵄. وهذا السند من سداسياته (كيف سمعت) يَا ابن عمر (رسول الله ﷺ يقول في) شأن (النجوى) أي في مناجاة الله مع عبده المؤمن يوم القيامة هل هي أمر ثابت؟ أم لا، أي كيف سمعت من رسول الله ﷺ في شأن مناجاة الله للعبد يوم القيامة أي في مكالمته إياه سرًا عن أهل الموقف، والنجوى اسم مصدر من ناجى يقوم مقام المصدر يقال ناجى يناجي مناجاة ونجوى (قال) ابن عمر للرجل: (سمعته) ﷺ (يقول: يدنى المؤمن) بصيغة المجهول (يوم القيامة من ربه
стр. 11116
عَزَّ وَجَلَّ. حَتَّى يَضَعَ عَلَيهِ كَنَفَهُ. فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَعْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيكَ في الدُّنْيَا، وَإنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَينَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى الله"
ــ
أي يدنى ويقرب إليه تعالى من الإدناء أي يدني إليه دنوًا يليق بذاته تعالى ودنو الله تعالى لعبده صفة ثابتة له نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ليس كمثله شيء وهو السميع البصير أي يدنى المؤمن من موقف مناجاة ربه يوم القيامة (حتَّى يضع) رب العزة (عليه) أي على المؤمن (كنفه) بفتحتين أي ستره عن أهل الموقف حتَّى لا يطلع على سره غيره تعالى أي يدنى العبد المؤمن إلى ربه يوم القيامة فيضع عليه ستره كي لا يطلع على سره غيره تعالى (فيقرره) أي فيحمله على الإقرار (بذنوبه) من التقرير بمعنى العمل على الإقرار (فيقول) في تقريرها: (هل تعرف) يَا عبدي أنك فعلت ذنب كذا وكذا في مكان كذا وكذا في يوم كذا وهذا، وجملة القول تفسير للتقرير (فيقول) العبد لربه (أي رب) أي يَا رب (اعرفـ) ـها (قال) الرب : (فإنِّي قد سترتها) أي تلك الذنوب (عليك في الدنيا واني أغفرها) أي أغفر تلك الذنوب (لك اليوم) يعني يوم المحاسبة والمجازاة، قال رسول الله ﷺ كما في رواية ابن ماجه (فيعطى) ذلك المؤمن (صحيفة حسناته) أي كتاب حسناته (بيمينه) كما في رواية ابن ماجه (وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم) من جهة الله تعالى (على رؤوس الخلائق) الحاضرين الموقف وأشرافهم من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين (هؤلاء) الكفرة والفسقة هم (الذين كذبوا على الله) سبحانه في الدنيا، وفي رواية ابن ماجه زيادة (ألا لعنة الله على الظالمين) بالشرك والافتراء على ربهم فيساقون إلى جهنم وردًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ في مواضع كثيرة منها في التوحيد باب كلام الله يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم [٧٥١٤]، وابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية [١٧١] والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب عشرة أحاديث: الأول: حديث ابن مسعود ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني:
стр. 11117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ذكره للاستشهاد ثم ذكر المتابعة في حديث أبي هريرة والمتابعة في حديث أسماء، والرابع: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث ابن مسعود الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات، والسادس: حديث أنس ذكره للاستشهاد، والسابع: حديث أبي أُمامة ذكره للاستشهاد، والثامن: حديث أبي سعيد الخُدرِيّ ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والتاسع: حديث أبي موسى الأَشْعريّ ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والعاشر: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس عن الترجمة والله أعلم.
***
стр. 11118
٧٤٥ - (١٠) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
٦٨٤٣ - (٢٧٤٨) (٩٩) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ. أَخبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ. وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ وَنَصَارَى الْعَرَبِ بِالشَّامِ
ــ
٧٤٥ - (١٠) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
أما كعب فهو كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن كعب الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - أبو عبد الله المدني، الشاعر، أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، شهد العقبة، له ثمانون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد (ح) بحديث و (م) بحديثين، وقال في التقريب: صحابي مشهور، مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما، وقال في التهذيب: قال الواقدي: مات سنة (٥٠) خمسين، وقال الهيثم بن عدي: سنة (٥١) إحدى وخمسين، وأما صاحباه فهما مرارة بن ربيعة العمري نسبة إلى بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفي رضي الله تعالى عنهما كما سيأتيان في الحديث.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث كعب بن مالك نفسه ﵁ فقال:
٦٨٤٣ - (٢٧٤٨) (٩٩) (حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح) الأموي (مولى بني أمية) المصري الفقيه (أخبرني) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب قال) ابن شهاب بالسند الآتي (ثم) بعدما أعلن لهم جهة الخروج للجهاد وأمرهم بالتجهز والنفير (غزا رسول الله ﷺ أي خرج من المدينة قاصدًا (غزوة تبوك وهو يريد) ويقصد أن يجاهد (الروم ونصارى العرب) النازلين (بالشام) إقليم معروف في الشمال.
"وتبوك" مكان معروف وهو نصف طريق المدينة إلى دمشق وهو من المدن المشهورة اليوم في المملكة العربية السعودية في أقصى شمالها والروم جنس معروف من
стр. 11119
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ، مِنْ بَنِيهِ، حِينَ عَمِيَ. قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ. إِلَاّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ. وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهُ
ــ
أولاد سام بن نوح ونصارى العرب هم بنو لخم وبنو جذام وغيرهم كبني تغلب وبني تنوخ وكان السبب في غزوة تبوك ما ذكره ابن سعد وغيره من أن الأنباط الذين كانوا يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أخبروا المسلمين بأن الروم جمعت جموعًا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من منتصرة العرب وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء فندب النبي ﷺ الناس إلى الخروج وأعلمهم بجهة غزوهم، وتدل بعض الروايات على أن الذي حث هرقل على الخروج هم نصارى العرب وكتبوا إليه بأن النبي ﷺ هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلًا من عظمائهم يقال له قباذ وجهز معه أربعين ألفًا أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين ﵁.
(قال ابن شهاب) بالسند السابق (فأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري السلمي أبو الخطاب المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٤) أبواب (أن عبد الله بن كعب) بن مالك الأنصاري، ثقة، من (٢) يقال له رؤية، روى عنه في (٥) أبواب و (كان) عبد الله (قائد كعب من) بين (بنيه) يقوده ويمشي به (حين عمي) كعب وفقد بصره وكان بنوه أربعة عبد الله وعبد الرحمن ومحمد وعبيد الله (قال) عبد الله: (سمعت) والدي (كعب بن مالك يحدّث حديثه) أي قصته (حين تخلف عن) الخروج مع (رسول الله ﷺ في غزوة ثبوك) وهي آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ (قال كعب بن مالك) في قصته تلك (لم أتخلف) مضارع مسند إلى المتكلم أي لم أتخلف أنا في المدينة (عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها) رسول الله ﷺ (قط) أي فيما مضى من عمري (إلا في غزوة تبوك غير أني) أي لكن أني (قد تخلفت) عنه (في غزوة بدر ولم يعاتب) أي لم يلم رسول الله ﷺ ولم يعنف ولم يتعرض (أحدًا تخلف عنه) في بدر، وفي البخاري
стр. 11120
وإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ. حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ. حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ. وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ. وَإِنْ كَانَت بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ
ــ
في غزوة بدر في رواية الكشمهيني بلفظ (ولم يعاتب الله أحدًا تخلف عنه) (و) إنما لم يعاتب أحدًا تخلف عن بدر لأنه (إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون) معه حالة كونهم (يريدون عير قريش) التي جاءت من الشام أي يريدون أخذها بغتة، والعير بكسر العين الإبل التي عليها أحمالها، وقوله: (حتى جمع الله) معطوف على خرج وحتى عاطفة بمعنى الفاء أي فجمع الله (بينهم) أي بين المسلمين (وبين عدوهم على غير ميعاد) أي من غير وقوع مواعدة للقتال بين الفريقين، والحاصل أن غزوة بدر لم تقع بعزم سابق فلم يكن فيه النفير عامًا إنما خرج رسول الله ﷺ بمن تيسر من أصحابه يريد عير قريش فقط، وهذا بيان لسبب عدم العتاب على من تخلف عن غزوة بدر (ولقد شهدت) وحضرت (مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة) أي بيعة ليلة العقبة وهي الليلة التي بايع رسول الله ﷺ الأنصار فيها على الإسلام وعلى أن يؤوه وينصروه وهي العقبة التي في طرف منى التي يضاف إليها جمرة العقبة وكانت بيعة العقبة مرتين في سنتين في السنة الأولى كانوا اثني عشر رجلًا وفي الثانية كانوا سبعين كلهم من الأنصار ﵃ يريد أنه وإن لم يتشرف بحضور غزوة بدر لكنه تشرف بحضور ليلة العقبة التي بايع فيها الأنصار رسول الله ﷺ على مؤازرته والدفاع عنه فأبدله الله تعالى عن نعمة الحضور في غزوة بدر بنعمة أخرى وهي شهود ليلة العقبة (حين تواثقنا) أي تعاقدنا عقد الميثاق مع رسول الله ﷺ (على الإسلام) وتبايعنا عليه وتعاهدنا (وما أحب أن لي بها) أي بدل العقبة (مشهد بدر) أي وما أحب أن يكون لي مشهد بدر بدل العقبة، قال الأبي: ومذهبه أن مشهد العقبة أفضل من مشهد بدر (وإن كانت) غزوة (بدر أذكر) أي أكثر ذكرًا (في الناس) وأشهر في الفضيلة (منها) أي من بيعة العقبة عندهم يعني أن غزوة بدر كانت أعظم ذكرًا في الناس بالنسبة إلى ليلة العقبة ولكني لا أحب أن أستبدل ليلة العقبة بغزوة بدر لأن الشرف الذي حصل لي بشهود ليلة العقبة أجل عندي قدرًا من أن أستهين به (وكان من
стр. 11121
خَبَرِي، حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَاللهِ، مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ. حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ. وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا. وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا. فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ
ــ
خبري) وقصتي وشأني وحالي (حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك) وجملة أن في قوله: (أني لم أكن قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية (أقوى) أي أشد قوة في الجسم (ولا أيسر) أي ولا أكثر مالًا (مني) أي من قوتي ويساري (حين تخلفت عنه) ﷺ (في تلك الغزوة) أي في غزوة تبوك في تأويل مصدر مرفوع على أنه اسم كان مؤخرًا، والجار والمجرور في قوله من خبري خبرها مقدمًا، والتقدير وكان عدم كوني أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنه كائنًا من شأني وحالي حين تخلفت عنه وذلك لأني (والله ما جمعت قبلها) أي قبل غزوة تبوك (راحلتين قط) أي فيما مضى من عمري (حتى جمعتهما) أي فجمعتهما (في تلك الغزوة فغزاها) أي فغزا تلك الغزوة (رسول الله ﷺ في حر شديد) أي في وقته (واستقبل) أي استأنف وابتدأ (سفرًا بعيدًا) مسافته (و) سلك (مفازًا) أي برية طويلة قليلة الماء يخاف فيها الهلاك (واستقبل) أي قابل (عدوًا كثيرًا) عددهم نحو أربعين ألفًا كما مر عن الطبراني (فـ) لأجل ذلك (جلا) أي كشف وبيّن وأظهر وأوضح (للمسلمين أمرهم) وشأنهم ومقصدهم وعرفهم ذلك على وجهه من غير تورية، من جلوت الشيء أي كشفته وبينته بتخفيف اللام، ووقع في بعض روايات البخاري (فجلا) بتشديد اللام، وهما بمعنى وزاد البخاري قبله ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلَّا ورى بغيرها، وسيأتي في رواية محمد بن عبد الله بن مسلم، والمقصود أن النبي ﷺ كان من عادته أن لا يعلن جهة خروجه للقتال بل كان من عادته التورية بذلك فإن كان يريد جهة المشرق مثلًا توجه إلى المغرب عند الخروج ثم عاد إلى المشرق لئلا يتبين أمره للمنافقين ولطلائع العدو، كان ذلك من تدبير الحرب وسياسته فإن الحرب خدعة ولكنه لم يفعل مثل ذلك في غزوة تبوك بل أعلن جهة خروجه قبل أن يخرج لما رأى من طول السفر وكثرة العدو وزيادة المشقة فالمراد أن يكون المسلمون على بينة من الأمر
стр. 11122
لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ. فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ. وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَثِيرٌ. وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ حَافِظٍ، (يُرِيدُ بِذلِكَ الدِّيوَانَ)، قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَعيَّبَ، يَظُنُّ أَنَّ ذلِكَ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ
ــ
ويستعدوا لهذا السفر بما يتيسر لهم، أي جلا لهم أمرهم (ليتأهبوا) أي ليأخذوا (أهبة غزوهم) بضم الهمزة وسكون الهاء وهي ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحرمه اه دهني. أي مؤنة غزوهم وسفرهم بأخذ ما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك من زاد ومزادة وعدة وسلاح (فأخبرهم) رسول الله (بوجههم) أي بمقصدهم (الذي يريد) هـ بهم (والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير) وسيأتي في رواية معقل عن الزهري أنهم يزيدون على عشرة آلاف، وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة زيادة على ثلاثين ألفًا، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدي بسند آخر موصول وزاد: إنه كان معه عشرة آلاف فرس، فتحمل رواية معقل على إرادة عدد الفرسان اه فتح الباري [٨/ ١١٨] (ولا يجمعهم) أي لا يجمع المسلمون لكثرة عددهم كتاب حافظ) بإضافة الأول إلى الثاني في رواية مسلم أي حسابُ شخص ماهر في الحساب، ورواية البخاري (كتاب حافظ) بالتنوين فيهما على كون الثاني وصفًا للأول وفسره الزهري بقوله: (يريد) كعب (بذلك) الكتاب (الديوان) أي الدفتر الذي يجمع فيه أسماء الجيش والديوان بكسر الدال على المشهور وحكي فتحها وهو فارسي معرب وقيل عربي اه أُبي. والمعنى لم يكن هناك كتاب أو ديوان تسجل فيه أسماء المشاركين في الغزوة (قال كعب) بن مالك: (فقل رجل) منهم (يريد أن يتغيب) من الجيش إلَّا (يظن) أي إلَّا ظن ذلك الرجل (أن ذلك) الغياب (سيخفى له) لعدم تسجيل الأسماء ولكثرة الجيش (ما لم ينزل فيه) أي في غيابه (وحي من الله وقوله: (يظن) هكذا هو في رواية مسلم وفيها إسقاط إلَّا كما قدرناه، ورواية البخاري (فقل رجل يريد أن يتغيَّب إلَّا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي) بإثبات إلَّا وهي الصحيحة والمعنى أن من كان يريد أن يتغيب عن الغزوة فإنه كان من السهل عليه أن يفعل ذلك لأنه كان يظن أن لا يطلع على غيابه أحد لعدم تسجيل الأسماء إلَّا أن ينزل في ذلك وحي من الله تعالى على رسوله والله أعلم.
стр. 11123
وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ. فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ. فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ. وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ. فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا. وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذلِكَ، إِذَا أَرَدْتُ. فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ
ــ
وعبارة القرطبي هنا: قوله: (فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له) كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم وفي نسخه، وسقط من الكلام (إلَّا) قبل (يظن) وبذكر إلَّا يستقيم الكلام وهي إيجاب بعدما تضمنه (قل) من معنى النفي لأن معنى قوله: (قل رجل) بمعنى ما رجل فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلَّا ظن أن ذلك سيخفى له اه من المفهم.
(وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة) يعني غزوة تبوك (حين طابت) وأدركت (الثمار) ونضجت (و) كثر (الظلال) بتورق الأشجار (فأنا إليها) أي إلى التفرج والتمتع بالثمار والظلال (أصعر) أي أميل بقلبي من باب فتح أي أشد ميلًا إليها من الخروج إلى الغزوة. وقوله: (حين طابت الثمار والظلال) يعني حين كانت الثمار ناضجة على الأشجار وهو موسم كان أهل المدينة يشتاقون إليه لوفور الثمار فيه ولكونها زمن تجارتهم فيها والحصول على الأرباح فيها وهي التي كانت أساس معيشتهم في ذلك الزمان، قوله: (فأنا إليها أصعر) أي أميل، وفي رواية لأحمد فأنا في ذلك أصغو إلى الثمار والظلال (فتجهز) أي تهيأ باستعداد الجهاز (رسول الله ﷺ و) تجهز (المسلمون معه) ﷺ (وطفقت) أي شرعت (أغدو) وأبكر من بيتي (لكي أتجهز) للخروج (معهم فأرجع) إلى منزلي (ولم أقض) وأحصل (شيئًا) من جهازي وأهبة سفري (وأقول في نفسي) أي في قلبي (أنا قادر على ذلك) أي على تحصيل جهازي وجمع أهبة سفري (إذا أردت) أي في أي وقت أردت ذلك (ولم يزل ذلك) أي التسويف في جمع جهازي (يتمادى بي) أي يستمر بي ويلازمني ويؤخرني عن الخروج يعني أن تردد رأيي في الخروج والقعود لم يزل يؤخرني عن الخروج (حتى استمر) ولازم (بالناس الجد) بكسر الجيم وضم الدال المشددة على أنه فاعل استمر أي الاجتهاد والاهتمام والاعتناء بالخروج، وأصله استمر الناس بجدهم في الخروج، وفي رواية البخاري (أشتد الناس الجد) والحاصل أن الصحابة غيري جدوا في مسيرهم فخرجوا
стр. 11124
فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ. وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا. ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا. فَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ. فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ. فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ. ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلِكَ لِي. فَطَفِقْتُ، إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ، بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةَ. إِلَاّ رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ،
ــ
(فأصبح رسول الله ﷺ أي فكان رسول الله ﷺ في الصباح (غاديًا) أي مبكرًا إلى الخروج (و) أصبح (المسلمون) غادين (معه) ﷺ أي مبكرين (ولم أقض) أي والحال أني لم أجد ولم أجمع (من جهازي) بفتح الجيم وكسرها أي من أهبة سفري ومؤنته (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا (ثم غدوت) أي خرجت من منزلي مبكرًا لأجمع جهازي (فرجعت) إلى منزلي (و) الحال أني (لم أقض) ولم أجد (شيئًا) من جهازي (فلم يزل ذلك) الغدو والرجوع إلى المنزل بلا قضاء شيء من جهازي (يتمادى بي) أي يستمر بي ويلازمني (حتى أسرعوا) أي حتى أسرع المسلمون في الخروج وبادروا إليه (وتفارط الغزو) أي أهله أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا حتى لا يوجد أحد منهم في المدينة، والفرط والفارط المتقدم وجمعه فراط (فهممت) أي فقصدت (أي أرتحل) وأخرج من المدينة (فأدركهم) في الطريق (فيا) هؤلاء (ليتني) أي أتمنى لنفسي لو (فعلت) ذلك أي ارتحالي وإدراكهم (ثم) بعد همي ذلك (لم يقدر) ولم يحكم (ذلك) الارتحال والإدراك (لي) من جهة الله تعالى (فطفقت) أي شرعت وكنت (إذا خرجت) من منزلي (في) زقاق المدينة واطلعت على (الناس بعد خروج رسول الله ﷺ لسفره ذلك، وقوله: (يحزنني) ويؤسفني ويقلقني خبر طفقت أي كنت يحزنني أي يدخل في قلبي الحزن والأسف (أني لا أرى) ولا أبصر (لي أسوة) أي قدوة لي أي فكنت يحزنني عدم وجدان من يكون قدوة لي في القعود إذا خرجت من منزلي في الناس بعد سفر رسول الله ﷺ (إلا رجلًا مغموصًا) أي مطعونًا (عليه في) دينه بسبب (النفاق) قال العيني: قوله: (إلَّا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق) بالغين المعجمة وبالصاد المهملة أي مطعونًا عليه في دينه بالنفاق، وقيل معناه مستحقرًا يقال: غمصت فلانًا إذا استحقرته وكذلك أغمصته اه منه، قال القرطبي: والمغموص المعيب المتهم المستحقر يقال: غمصت فلانًا إذا استحقرته والمعنى إلَّا رجلًا مطعونًا
стр. 11125
أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكًا فَقَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي انقَؤمِ بِتَبُوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ " قَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيهِ. فَقَالَ لَهُ
ــ
عليه في دينه متهمًا بالنفاق مستحقرًا بين الناس (أو) إلَّا (رجلًا ممن عذر) هـ (الله) تعالى على لسان رسوله ﷺ ورخص له في القعود حالة كونه (من الضعفاء) والمرضى والزمنى والأعمى وغيرهم (ولم يذكرني رسول الله ﷺ بلسانه ولا بقلبه (حتى بلغ تبوكًا) بالتنوين والنصب كذا في أكثر نسخ مسلم وكذا في البخاري وكأنه صرفه لإرادة الموضع دون البقعة، وفي أكثر الروايات حتى بلغ تبوك غير منصرف لإرادة البقعة (فـ) لما بلغ رسول الله ﷺ تبوك (قال: وهو) ﷺ (جالس في القوم) من الصحابة (بتبوك) بعدم الصرف (ما فعل) أي أي شيء فعل (كعب بن مالك) حين تخلّف عنا في المدينة (قال رجل من بني سلمة) بفتح السين وكسر اللام واسم القائل هو عبد الله بن أنيس السلمي بفتح السين واللام قاله الواقدي اه من التنبيه (يا رسول الله حبسه) أي منعه من الخروج معنا (برداه) أي التزين ببرديه ردائه وإزاره (والنظر في عطفيه) بكسر العين وسكون الطاء تثنية عطف بمعنى الجانب أي النظر في جانبي بدنه وكبرهما، وهو إشارة إلى إعجابه بجسمه وبلباسه، قال الهروي: العطفان هما جانبا جسده وقال في موضع آخر ناحيتا عنقه ومنكب الرجل عطفه، وقال المبرد: العطف ما انثنى من العنق، وقال غيره: العرب تضع الرداء موضع البهجة والبهاء ويسمونه عطفًا لوقوعه على عطفي الرجل والمعنى حبسه بهاء لباسه وبهجة جسده، قال القرطبي: البردان يعني بهما الرداء والإزار أو الرداء والقميص وسماها بردين لأن القميص والإزار قد يكونان من برود والبرود ثياب تجلب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن تسميتهما بردين على طريقة العمرين والبكرين والقمرين، والعطف الجانب وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد، ولعله كان منافقًا فنسب كعبًا إلى الزهو والكبر وكانت نسبة باطلة بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل إذ قال: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلَّا خيرًا، وفيه جواز الذم والتقبيح للمتكلم في حق المسلم بالعيب والقبيح ونصرة المسلم في حال غيبته والرد عن عرضه اه من المفهم (فقال له) أي لذلك القائل
стр. 11126
مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَاّ خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيهِ وَسَئمَ. فَبَينَمَا هُوَ عَلَى ذلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُنْ أَبَا خَيثَمَة"، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ
ــ
(معاذ بن جبل بئس) أي قبح (ما قلت) من الكلام، قال النووي فيه رد لغيبة المسلم الذي ليس بمنهمك في الباطل ولذا لم ينكر ﷺ على قائل ذلك اكتفاء بإنكار معاذ اه أبي (والله يا رسول الله ما علمنا عليه) أي على كعب (إلا خيرًا) وإيمانًا خالصًا (فسكت رسول الله ﷺ فبينما هو) ﷺ (على ذلك) السكوت (رأى) رسول الله ﷺ (رجلًا مبيضًا) بتشديد الياء المكسورة اسم فاعل من بيض الرباعي فهو مبيض أي أظهر بياض نفسه في السراب أي رجلًا لابسًا الثياب البيض (يزول به السراب) أي يتحرك ويضطرب به السراب، والسراب ما يرى نصف النهار كأنه ماء اه مفهم، قال الطبري: المبيض بكسر الياء لابس البياض والمبيضة والمسودة لابس البياض والسواد (يزول به السراب) أي يتحرك والسراب ما يظهر في الهواجر في البراري كأنه الماء اه سنوسي (فقال رسول الله ﷺ مخاطبًا لذلك الرجل المبيض الذي رآه (كن) أيها المرئي لنا (أبا خيثمة) قال ثعلب: تقول العرب كن زيدًا أي أنت زيد فمعناه حينئذٍ أنت أبو خيثمة اه نووي، قال القاضي عياض: والأشبه أن كن هنا للتحقق والوجود أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو معنى قول صاحب التحرير تقديره: اللهم اجعله أبا خيثمة اه، وقال القرطبي: هذه صيغة أمر ومعناها الخبر أي هو أبو خيثمة، وقيل معناها لتوجد أبا خيثمة واسمه عبد الله وقيل مالك بن قيس، وقيل سعد بن خيثمة وهذا الأخير أخرجه الطبراني من حديثه ولفظه تخلفت عن رسول الله ﷺ فدخلت حائطًا فرأيت عريشًا قد رش بالماء ورأيت زوجتي فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله ﷺ في السموم والحر وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت فلما طلعت على العسكر فرآني الناس قال رسول الله ﷺ : كن أبا خيثمة فجئت فدعا لي رسول الله ﷺ كذا في الفتح والقسطلاني (فإذا هو) أي الرجل المبيِّض (أبو خيثمة) سعد بن
стр. 11127
الأَنْصَارِيُّ. وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ الْمُنَافِقُونَ.
فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيِ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ. حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا. فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ. وَصَبَّحَ
ــ
خيثمة (الأنصاري وهو) أي أبو خيثمة هو (الذي تصدق بصاع التمر حين) أُمروا بالصدقة و (لمزه) أي عيبه وطعنه (المنافقون) فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، وهذا تفسير مدرج من الراوي ولعله ابن شهاب (فقال كعب بن مالك فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه) أي أقبل وقدم (قافلًا) أي راجعًا (من تبوك) إلى المدينة (حضرني بثي) وحزني أي أخذني البث والهم، والبث أشد الحزن أي صرت مهمومًا بأني كيف أُواجه رسول الله ﷺ (فطفقت) أي أخذت وشرعت وهي من أفعال المقاربة أن (أتذكر الكذب) في اعتذاري من التخلف عن رسول الله ﷺ (وأقول) في نفسي (١) أي باي اعتذار (أخرج) وأتخلص (من سخطه) وغضبه ﷺ حين جاء (غدًا) وذكر ابن سعد أن قدوم رسول الله ﷺ المدينة كان في رمضان (و) كنت (أستعين) أي أطلب الإعانة لي (على ذلك) أي على أسباب الاعتذار إليه (كل ذي رأي) أي بكل ذي رأي وعقل (من أهلي) أي من أقاربي (فلما قيل لي إن رسول الله ﷺ قد أظل) وصار (قادمًا) أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى عليَّ ظله اه نووي (زاح) أي زال وبعد (عني الباطل) أي الكذب في الاعتذار إليه وحتى في قوله: (حتى عرفت) بمعنى الواو العاطفة كما في رواية البخاري أي وعرفت وتيقنت (أني لن أنجو) وأخرج (منه) أي من غضبه (بشيء) من الاعتذار (أبدًا) هو ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان ملازم للنفي متعلق بأنجو كما هو مقرر في محله (فأجمعت صدقه) أي عزمت على صدقه وجزمت عليه قصدي أي عقدت نيتي على إخباره بالكلام الصادق، ولابن أبي شيبة (وعرفت أنه لا ينجيني منه إلَّا الصدق) وهو من الإجماع بمعنى العزم الصميم، والمراد أني عزمت على أني لا أتكلم عند رسول الله ﷺ إلَّا بصدق (وصبّح) بتشديد الباء وفي رواية البخاري
стр. 11128
رَسُولُ اللهِ ﷺ قَادِمًا. وَكَانَ، إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ. فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ. وَيَحْلِفُونَ لَهُ. وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا. فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ. وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ. حَتَّى جِئْتُ. فَلَمَّا سَلَّمْتُ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ
ــ
وأصبح (رسول الله ﷺ أي صار (قادمًا) المدينة في الصباح أي في أول النهار (وكان) ﷺ دائمًا (إذا قدم من سفر بدأ بـ) دخول (المسجد) قبل دخول منزله فدخل المسجد (فركع) أي صلى (فيه ركعتين) تحية المسجد (ثم جلس) في المسجد مستعدًا (للناس) المسلمين عليه، قال القرطبي: إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته وليقوم بشكر نعمة الله تعالى عليه في سلامته وليسلم عليه الناس وليسن ذلك في شرعه اه من المفهم (فلما فعل) رسول الله ﷺ (ذلك) الجلوس في المسجد (جاءه المخلّفون) الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم عن غزوة تبوك (فطفقوا) أي شرعوا (يعتذرون) أي يظهرون العذر (إليه) ﷺ من تخلفهم عن تبوك (ويحلفون له) ﷺ ليصدقهم في اعتذارهم (وكانوا) أي وكان المتخلفون عنه (بضعة وثمانين رجلًا) من منافقي الأنصار قاله الواقدي، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه من غير هؤلاء وكانوا عددًا كثيرًا. والبضع بكسر الموحدة وسكون الضاد المعجمة ما بين ثلاث إلى تسع على المشهور، وقيل إلى الخمس، وقيل ما بين الواحد إلى الأربعة أو من أربع إلى تسع أو سبع وإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع فلا يقال بضع وعشرون أو يقالى ذلك وهو مع المذكر بهاء ومع المؤنث بغير هاء فتقول بضعة وعشرون رجلًا وبضع وعشرون امرأة ولا يُعكس قاله في القاموس.
(فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم) أي ظواهرهم (وبايعهم) على الإسلام والنصرة له (واستغفر لهم) ما وقع منهم من التخلف (ووكل) بفتحات مع التخفيف أي فوض (سرائرهم إلى الله) تعالى، قال كعب: واستمر ﷺ جالسًا (حتى جئت) أنا إليه (فلما سلمت) عليه (تبسَّم تبسُّم المنضب) بصيغة اسم
стр. 11129
ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيهِ. فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي، وَاللهِ، لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذرٍ. وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا. وَلَكِنِّي، وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبِ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ. وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقِ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللهِ، وَاللهِ، مَا كَانَ لِي عُذْرٌ. وَاللهِ، مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا، فَقَدْ صَدَقَ. فَقُمْ
ــ
المفعول أي تبسُّم من أخذه الغضب (ثم قال) لي: (تعال) أي أقبل إليَّ (فجئتـ) ـه (أمشي) على هينتي (حتى جلست بين يديه) وعند ابن عائذ في مغازيه فأعرض عنه فقال: يا نبي الله لم تعرض عني فوالله ما نافقت ولا ارتبت ولا بدلت (فقال لي ما خلَّفك) عن الغزو أي ما السبب الذي جعلك متخلفًا عن غزوة تبوك (ألم تكن قد ابتعت) واشتريت (ظهرك) أي مركوبك (قال) كعب: فـ (قلت) له: (يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا) وملوكهم (لرأيت) أي لظننتُ (أني سأخرج من سخطه) وغضبه (بعذر و) الله (لقد أعطيت جدلًا) بفتحتين أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج من عهدة ما يُنْسب إليّ بما يُقبل ولا يُرَدُّ اه قسطلاني (ولكني والله لقد علمت لثن حدثتك) وأخبرتكَ (اليومَ حديثَ كذب) أي عُذرٍ كذبٍ (ترضى به عني ليوشِكَنَّ الله) أي ليقربن الله وُيسْرِعَنَّ (أن يُسخطك عليّ) بإظهار كذبي لك (ولئن حدَّثتك) اليومَ (حديث صدق) وخَبَر حق (تجد) بكسر الجيم من الموجِدَة بمعنى الغضب أي تغضبُ (عليّ) اليومَ (فيه) أي بذلك الحديث (إني لأرجو) وأطمع (فيه) أي في إخبارك خبر صدق (عقبَى الله) وثوابه، وفي رواية البخاري عفوَ الله أي أَنْ يُعْقِبَني ويُثيبني عليه وذلك الحديث الصدق هو ما أذكره لك بقولي (والله) أي أُقسمتُ لك بالإله الذي لا إله غيره (ما كان لي عذر) أصلًا في التخلُّف عن الغزو (والله ما كنت قط) أي فيما مضَى من عمري (أقوى) أي أشدَّ قوة في الجسم (ولا أيسر) مالًا أي أكثر مالًا (مني) أي من قوتي ويساري الحاصلَينِ لي (حين تخلفت عنك) في الخُروج للغزو فـ (قال رسول الله ﷺ أما هذا) القائلُ هذا الكلامَ يعني كعبًا (فقد صدق) فيما أخبر لي (فقم) من عندي فقد سمِعْتُ كلامَك
стр. 11130
حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ" فَقُمْتُ. وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي. فَقَالُوا لِي: وَاللهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا. لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ. فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ.
قَالَ: فَوَاللهِ، مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ. قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ. فَقِيلَ لَهُمَا مِثلَ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ:
ــ
(حتى يقضي الله) ويحكُم (فيك) ما شاء (فقمت) من عنده فمضيتُ (وثارَ) إليّ وقام (رجالٌ مِنْ) قومي (بني سلمة) بكسر اللام ووَثَبُوا عليَّ (فَاتَّبعُوني) بوصل الهمزة وتشديد التاء الفوقية (فقالوا لي والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا) التخلُّف (لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرتَ إلى رسول الله ﷺ ولفظةُ في بمعنى عن، ولا زائدة أي لقد عجزت عن أن تكون معتذرًا إلى رسول الله (بما اعتذر به) أي بمثلِ ما اعتذر به (إليه) ﷺ هؤلاء (المخلَّفَون) عنه (فقد كان كافيَك) بفتح الياء (ذنبَك) أي عن عقوبة ذنبك بالكذب (استغفارُ رسول الله ﷺ لك) كما استغفر لهؤلاء المخلّفين، برفع استغفارِ بقوله كافيك لأن اسم الفاعل يعملُ عملَ فعله (قال) كعب بن مالك (فوالله) أي فأقسمتُ لكم بالله (ما زالوا) أي ما زال أولئك الرجال (يُؤَنِّبُوني) بضم الياء وهمزة مفتوحة فنون مشددة مكسورة فموحدة مضمومة ونونين أي ما زالوا يلومونني لومًا عنيفًا شديدًا (حتى أردت) وقصدت (أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذّب نفسي) فيما قلت له وأعتذر إليه بعذر كذب (قال) كعب (ثم قلت لهم) أي لأولئك الرجال: (هل لقي) وقال (هذا) الذي قلت لرسول الله ﷺ من كلام صدق (معي من أحد) أي أحد من المتخلّفين (قالوا) أي قال أولئك الرجال (نعم لقيه) أي لقي هذا الذي قلت لرسول الله ﷺ وقاله (معك رجلان) من المتخلّفين (قالا) لرسول الله ﷺ (مثل ما قلت) له من الكلام الحق (فقيل لهما) من جهة الرسول ﷺ (مثل ما قيل لك) من جهته يعني قوله ﷺ له: قم حتى يقضي الله فيك (قال) كعب:
стр. 11131
قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا إِسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْتُ
ــ
(قلت) لهم: (من هما) أي من الرجلان اللذان قالا مثل ما قلت؟ (قالوا) أي قال أولئك الرجال هما (مرارة) بضم الميم وتخفيف الراءين (ابن ربيعة) وفي البخاري ابن الربيع بدل ربيعة وهو المشهور (العامري) قال النووي: هكذا هو العامري في جميع نسخ مسلم، وأنكره العلماء وقالوا هو غلط إنما صوابه العمري بفتح العين المهملة وسكون الميم كما في البخاري نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن مرسلًا أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زها فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا فلما تذكر ذنبه قال: اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك (و) ثانيهما (هلال) بكسر الهاء (ابن أمية الواقفي) بتقديم القاف على الفاء نسبة إلى واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس أبو بطن من الأنصار، وذكر ابن أبي حاتم في مرسل الحسن المذكور سبب تخلفه أنه كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام عندهم فلما تذكر ذنبه قال: اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهلي ولا مالي اه قسطلاني (قال) كعب: (فذكروا) أي ذكر أولئك الرجال (لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما) لي (أسوة) بضم الهمزة وكسرها أي قدوة، وقد استشكل هذا بأن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما فيمن شهد بدرًا ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا الأثرم وهو ظاهر صنيع البخاري وتعقب الأثرم ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط لكن قال الحافظ ابن حجر إنه لم يصب، قال: واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب وأن النبي ﷺ لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جسَّ عليه بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس، قال في الفتح: وليس ما استدل به بواضح لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها وليس كذلك فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب قد جلد قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري وإنما لم يعاقب ﷺ حاطبًا ولا هجره لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا (قال) كعب: (فمضيت) أي ذهبت إلى منزلي ولم أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه
стр. 11132
حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.
قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ.
قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ. وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ. فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ
ــ
وسلم اعتذارًا إليه بالكذب كما قالوا لي (حين ذكروهما) أي حين ذكر أولئك الرجال (لي) الرجلين الصالحين اللذين لي بهما قدوة حسنة (قال) كعب: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا) والمحاورة معنا (أيها الثلاثة) بضم البناء الثابت له في حالة النداء في نحو قولهم يا أيها الثلاثة أقبلوا إلى لأنه نكرة مقصودة وهنا منصوب على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا تقديره أخص أيها الثلاثة (من بين من تخلف عنه) وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، الثلاثة تابع للفظ أي لأنه صفة له والجار والمجرور في قوله من بين متعلق بأخص المحذوف، قال سيبويه نقلًا عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وهذا مثله والمعنى أخص هذه الثلاثة خصوصًا من بين من تخلف عنه، قال أبو سعيد السيرافي: إنه مفعول فعل محذوف أي أُريد الثلاثة أي أخص الثلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: أي منادى والثلاثة صفة له وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك فنُقل إلى الاختصاص، وكل ما نُقل من باب إلى باب فإعرابه بحسب أصله كأفعال التعجب اه قسطلاني. وليس هذا من الهجران الممنوع لكونه لسبب ديني منصوص كما تقدم تفصيله في البر والصلة باب تحريم الهجران فوق الثلاث.
(قال) كعب: (فاجتنبنا الناس) بفتح الموحدة أي ابتعدوا عن كلامنا ومحاورتنا (وقال) كعب: (تغيروا لنا) أي تغير الناس علينا كأنهم لا يعرفوننا وتغير جميع ما في الأرض علينا (حتى تنكَّرت لي) أي حتى تغيرت عليَّ (في نفسي الأرض فما هي) أي فما الأرض التي ولدنا فيها (بالأرض التي أعرف) لتوحشها عليّ وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى يجده في نفسه، وفي رواية معمر عند أحمد وتنكرت لي الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف وتنكر لنا الناس حتى ما هم الذين نعرف، وزاد البخاري في التفسير (وما من شيء أهم إليّ من أن أموت فلا يصلي عليّ رسول الله
стр. 11133
فَلَبِثنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ. وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ. فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ. وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَل حَرَّكَ شَفَتَيهِ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ. فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صلَاتِي
ــ
ﷺ أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليَّ).
قال السهيلي: وإنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم كانوا بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لأنه كالنكث لبيعتهم اه. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه ﷺ اه من القسطلاني.
قال كعب: (فلبثنا) أي مكثنا معاشر الثلاثة (على ذلك) الهجران (خمسين ليلة) استنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا (فأما صاحباي) مرارة وهلال (فاستكانا) أي خضعا ولزما الاستكانة في البيوت وصبرا عليه (وقعدا في بيوتهما) حالة كونهما (يبكيان) ليلًا ونهارًا (وأما أنا فكنت أشب القوم) الثلاثة أي أصغرهم سنًا (وأجلدهم) أي أجلد القوم الثلاثة وأقواهم قلبًا (فكنت أخرج) من بيتي (فاشهد) أي أحضر (الصلاة) أي جماعتها في المسجد (وأطوف) أي أتجول وأدور (في الأسواق) في المدينة (و) الحال أنه (لا يكلمني أحد) من المسلمين (وآتي رسول الله ﷺ أي أحضره (فأسلم عليه وهو) ﷺ (في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي) أي في قلبي (هل حرَّك شفتيه برد السلام) عليَّ (أم لا) يحركهما وإنما لم يجزم بتحريك شفتيه ﷺ برد السلام عليه لأنه لم يكن يديم نظره إليه من الخجل (ثم أصلي) النوافل (قريبًا منه) أي في مكان قريب إليه أو حالة كوني قريبًا منه (وأسارقه النظر) بالسين المهملة والقاف أي انظر إليه خفية (فإذا أقبلت) أنا (على صلاتي) أي على الاستقبال فيها ولم
стр. 11134
نَظَرَ إِلَيَّ. وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي. حَتَّى إِذَا طَالَ ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَى السَّلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللهِ، هَل تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
ــ
ألتفت يمنة ولا يسرة (نظر إليّ) رسول الله ﷺ (وإذا التفتُ) أنا (نحوه) أي جهته (أعرض عني) بوجهه (حتى إذا طال ذلك) الهجران (عليَّ) حالة كون ذلك الهجران (من جفوة المسلمين) بفتح الجيم وسكون الفاء أي من إعراضهم عني في الكلام (مشيت) من بيتي (حتى تسوَّرت) وصعدت وعلوت أعلى (جدار حائط أبي قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي ﵁ أي جدار بستانه أي أعلى سور بستانه، وفيه دليل على جواز دخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يدل عليه وينبسط إليه ويعرف أنه لا يكره له ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك اه نووي. أي علوت سور بستانه ولعل ذلك من بشاشة العشرة فيما بينهما لكونه ابن عمه كما قال (وهو) أي أبو قتادة (ابن عمي) لأنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب (وأحب الناس إليّ) أي عندي (فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام الثلاثة (فقلت له) أي لأبي قتادة: (يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة من باب نصر، وأصله من النشيد وهو الصوت، قال في المصباح: نشدتك الله، وبالله أنشدك؛ ذكرتك به واستعطفتك أو سألتك به مقسمًا عليك اه أي أسألك (بالله هل تعلمنَّ) أنت يا أبا قتادة (أني أحب الله ورسوله؟ قال) كعب (فسكت) عني أبو قتادة فلم يرد على جوابًا (فعدت) أي رجعت إلى تكليمه (فناشدته) أي سألته بالله (فسكت فعدت فناشدته فقال) لي أبو قتادة: (الله ورسوله أعلم) ذلك أي محبتك إياهما وليس ذلك تكليمًا لكعب لأنه لم ينو به ذلك لأنه منهي عنه بل أظهر اعتقاده فلو حلف لا يكلم زيدًا فسأله عن شيء فقال: الله أعلم ولم يرد جوابه ولا إسماعه لا يحنث، قال القرطبي: ظاهر هذا الكلام أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسؤال فيكون قد كلمه مخالفًا للنهي، وقد يؤول بأن أبا قتادة قال ذلك لنفسه مخبرًا عن اعتقاده ولم يقصد كلامه ولا إسماعه. [قلت]: ويحتمل أن يقال إن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نُهي عنه إنما هو
стр. 11135
فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ.
فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيُّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامٍ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ. يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُون لَهُ إِلَيَّ. حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ. وَكُنْتُ كَاتِبًا. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ. وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ
ــ
الحديث معه والمباسطة وإفادة المعاني فأما مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعاد والمنافرة فلا، والله أعلم ألا ترى أنه لم يرد ﵇ ولا التفت لحديثه اه من المفهم.
قال كعب: (فـ) لما قال أبو قتادة ذلك (فاضت) أي سألت (عيناي) دموعًا (وتوليت) عنه أي أدبرت عنه وذهبت من عنده (حتى تسورت) أي علوت (الجدار) أي جدار سور البستان للخروج منه (قال) كعب كما في رواية البخاري (فبينا أنا أمشي في سوق المدينة) أي فبينما أوقات مشيي في سوق المدينة، وإذا في قوله (إذا نبطييٌّ) أي فلاح وحراث (من نبط) وفلاح (أهل الشام ممن قدم بالطعام) من الشام لـ (يبيعه بالمدينة يقول) ذلك النبطي، فجائية رابطة لجواب بينا أي فاجاني قول نبطي من أنباط الشام (من يدلـ) ـني (على كعب بن مالك) والنبطي بفتح النون والموحدة وكسر الطاء المهملة واحد الأنباط وهم فلاحو العجم وحراثهم للأرض، وكان نصرانيًا، ولم أر من ذكر اسمه وهو مشتق من استنباط الماء واستخراجه من الأرض وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، وفي رواية معمر عند أحمد (إذا نصراني جاء بطعام له يبيعه) (قال) كعب: (فطفق) أي شرع (الناس يشيرون له) أي لذلك النبطي (إليّ) يعني ولا يتكلمون بقولهم مثلًا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه (حتى جاءني) ذلك النبطي إليَّ (فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة اسمه جبلة بن الأيهم، وقيل الحارث بن أبي شمر، وكان ملكًا لنصارى العرب له عهد وصداقة مع نصارى الروم، وعند ابن مردويه (فكتب إليَّ كتابًا في سرقة حرير) قال كعب: (وكنت كاتبًا) أي عارفًا لقراءة الكتابة (فقرأته) أي فقرأت ذلك الكتاب (فإذا فيه) أي في ذلك الكتاب (أما بعد) ما ذُكر (فإنه) أي فإن الشأن والحال (قد بلننا) ووصلنا (أن صاحبك) الذي آمنت به (قد جفاك) وأهانك وطردك (ولم يجعلك الله بدار هوان) وذل (ولا مضيعة) بفتح الميم
следующие страницы →