Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.
стр. 11131
قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا إِسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْتُ
ــ
(قلت) لهم: (من هما) أي من الرجلان اللذان قالا مثل ما قلت؟ (قالوا) أي قال أولئك الرجال هما (مرارة) بضم الميم وتخفيف الراءين (ابن ربيعة) وفي البخاري ابن الربيع بدل ربيعة وهو المشهور (العامري) قال النووي: هكذا هو العامري في جميع نسخ مسلم، وأنكره العلماء وقالوا هو غلط إنما صوابه العمري بفتح العين المهملة وسكون الميم كما في البخاري نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن مرسلًا أن سبب تخلفه أنه كان له حائط حين زها فقال في نفسه: قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا فلما تذكر ذنبه قال: اللهم إني أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك (و) ثانيهما (هلال) بكسر الهاء (ابن أمية الواقفي) بتقديم القاف على الفاء نسبة إلى واقف بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس أبو بطن من الأنصار، وذكر ابن أبي حاتم في مرسل الحسن المذكور سبب تخلفه أنه كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال: لو أقمت هذا العام عندهم فلما تذكر ذنبه قال: اللهم لك علي أن لا أرجع إلى أهلي ولا مالي اه قسطلاني (قال) كعب: (فذكروا) أي ذكر أولئك الرجال (لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما) لي (أسوة) بضم الهمزة وكسرها أي قدوة، وقد استشكل هذا بأن أهل السير لم يذكروا واحدًا منهما فيمن شهد بدرًا ولا يعرف ذلك في غير هذا الحديث وممن جزم بأنهما شهدا بدرًا الأثرم وهو ظاهر صنيع البخاري وتعقب الأثرم ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط لكن قال الحافظ ابن حجر إنه لم يصب، قال: واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدرًا بما وقع في قصة حاطب وأن النبي ﷺ لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جسَّ عليه بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس، قال في الفتح: وليس ما استدل به بواضح لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها وليس كذلك فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب قد جلد قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري وإنما لم يعاقب ﷺ حاطبًا ولا هجره لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشًا خشية على أهله وولده بخلاف كعب وصاحبيه فإنهم لم يكن لهم عذر أصلًا (قال) كعب: (فمضيت) أي ذهبت إلى منزلي ولم أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه
стр. 11132
حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.
قَالَ: وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ.
قَالَ: فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ. وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الأَرْضُ. فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ
ــ
وسلم اعتذارًا إليه بالكذب كما قالوا لي (حين ذكروهما) أي حين ذكر أولئك الرجال (لي) الرجلين الصالحين اللذين لي بهما قدوة حسنة (قال) كعب: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا) والمحاورة معنا (أيها الثلاثة) بضم البناء الثابت له في حالة النداء في نحو قولهم يا أيها الثلاثة أقبلوا إلى لأنه نكرة مقصودة وهنا منصوب على الاختصاص بفعل محذوف وجوبًا تقديره أخص أيها الثلاثة (من بين من تخلف عنه) وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، الثلاثة تابع للفظ أي لأنه صفة له والجار والمجرور في قوله من بين متعلق بأخص المحذوف، قال سيبويه نقلًا عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وهذا مثله والمعنى أخص هذه الثلاثة خصوصًا من بين من تخلف عنه، قال أبو سعيد السيرافي: إنه مفعول فعل محذوف أي أُريد الثلاثة أي أخص الثلاثة، وخالفه الجمهور وقالوا: أي منادى والثلاثة صفة له وإنما أوجبوا ذلك لأنه في الأصل كان كذلك فنُقل إلى الاختصاص، وكل ما نُقل من باب إلى باب فإعرابه بحسب أصله كأفعال التعجب اه قسطلاني. وليس هذا من الهجران الممنوع لكونه لسبب ديني منصوص كما تقدم تفصيله في البر والصلة باب تحريم الهجران فوق الثلاث.
(قال) كعب: (فاجتنبنا الناس) بفتح الموحدة أي ابتعدوا عن كلامنا ومحاورتنا (وقال) كعب: (تغيروا لنا) أي تغير الناس علينا كأنهم لا يعرفوننا وتغير جميع ما في الأرض علينا (حتى تنكَّرت لي) أي حتى تغيرت عليَّ (في نفسي الأرض فما هي) أي فما الأرض التي ولدنا فيها (بالأرض التي أعرف) لتوحشها عليّ وهذا يجده الحزين والمهموم في كل شيء حتى يجده في نفسه، وفي رواية معمر عند أحمد وتنكرت لي الحيطان حتى ما هي بالحيطان التي نعرف وتنكر لنا الناس حتى ما هم الذين نعرف، وزاد البخاري في التفسير (وما من شيء أهم إليّ من أن أموت فلا يصلي عليّ رسول الله
стр. 11133
فَلَبِثنَا عَلَى ذلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ. وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ. فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ. وَآتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَل حَرَّكَ شَفَتَيهِ بِرَدِّ السَّلَامِ، أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ. فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صلَاتِي
ــ
ﷺ أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليَّ).
قال السهيلي: وإنما اشتد الغضب على من تخلف وإن كان الجهاد فرض كفاية لكنه في حق الأنصار خاصة فرض عين لأنهم كانوا بايعوا على ذلك ومصداق ذلك قولهم وهم يحفرون الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة لأنه كالنكث لبيعتهم اه. وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين في زمنه ﷺ اه من القسطلاني.
قال كعب: (فلبثنا) أي مكثنا معاشر الثلاثة (على ذلك) الهجران (خمسين ليلة) استنبط منه جواز الهجران أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق ثلاث فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعيًا (فأما صاحباي) مرارة وهلال (فاستكانا) أي خضعا ولزما الاستكانة في البيوت وصبرا عليه (وقعدا في بيوتهما) حالة كونهما (يبكيان) ليلًا ونهارًا (وأما أنا فكنت أشب القوم) الثلاثة أي أصغرهم سنًا (وأجلدهم) أي أجلد القوم الثلاثة وأقواهم قلبًا (فكنت أخرج) من بيتي (فاشهد) أي أحضر (الصلاة) أي جماعتها في المسجد (وأطوف) أي أتجول وأدور (في الأسواق) في المدينة (و) الحال أنه (لا يكلمني أحد) من المسلمين (وآتي رسول الله ﷺ أي أحضره (فأسلم عليه وهو) ﷺ (في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي) أي في قلبي (هل حرَّك شفتيه برد السلام) عليَّ (أم لا) يحركهما وإنما لم يجزم بتحريك شفتيه ﷺ برد السلام عليه لأنه لم يكن يديم نظره إليه من الخجل (ثم أصلي) النوافل (قريبًا منه) أي في مكان قريب إليه أو حالة كوني قريبًا منه (وأسارقه النظر) بالسين المهملة والقاف أي انظر إليه خفية (فإذا أقبلت) أنا (على صلاتي) أي على الاستقبال فيها ولم
стр. 11134
نَظَرَ إِلَيَّ. وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي. حَتَّى إِذَا طَالَ ذلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَى السَّلَامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللهِ، هَل تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
ــ
ألتفت يمنة ولا يسرة (نظر إليّ) رسول الله ﷺ (وإذا التفتُ) أنا (نحوه) أي جهته (أعرض عني) بوجهه (حتى إذا طال ذلك) الهجران (عليَّ) حالة كون ذلك الهجران (من جفوة المسلمين) بفتح الجيم وسكون الفاء أي من إعراضهم عني في الكلام (مشيت) من بيتي (حتى تسوَّرت) وصعدت وعلوت أعلى (جدار حائط أبي قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي ﵁ أي جدار بستانه أي أعلى سور بستانه، وفيه دليل على جواز دخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يدل عليه وينبسط إليه ويعرف أنه لا يكره له ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك اه نووي. أي علوت سور بستانه ولعل ذلك من بشاشة العشرة فيما بينهما لكونه ابن عمه كما قال (وهو) أي أبو قتادة (ابن عمي) لأنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب (وأحب الناس إليّ) أي عندي (فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام) لعموم النهي عن كلام الثلاثة (فقلت له) أي لأبي قتادة: (يا أبا قتادة أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة من باب نصر، وأصله من النشيد وهو الصوت، قال في المصباح: نشدتك الله، وبالله أنشدك؛ ذكرتك به واستعطفتك أو سألتك به مقسمًا عليك اه أي أسألك (بالله هل تعلمنَّ) أنت يا أبا قتادة (أني أحب الله ورسوله؟ قال) كعب (فسكت) عني أبو قتادة فلم يرد على جوابًا (فعدت) أي رجعت إلى تكليمه (فناشدته) أي سألته بالله (فسكت فعدت فناشدته فقال) لي أبو قتادة: (الله ورسوله أعلم) ذلك أي محبتك إياهما وليس ذلك تكليمًا لكعب لأنه لم ينو به ذلك لأنه منهي عنه بل أظهر اعتقاده فلو حلف لا يكلم زيدًا فسأله عن شيء فقال: الله أعلم ولم يرد جوابه ولا إسماعه لا يحنث، قال القرطبي: ظاهر هذا الكلام أنه أجابه عند إلحاحه عليه بالسؤال فيكون قد كلمه مخالفًا للنهي، وقد يؤول بأن أبا قتادة قال ذلك لنفسه مخبرًا عن اعتقاده ولم يقصد كلامه ولا إسماعه. [قلت]: ويحتمل أن يقال إن أبا قتادة فهم أن الكلام الذي نُهي عنه إنما هو
стр. 11135
فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ.
فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيُّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامٍ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ. يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُون لَهُ إِلَيَّ. حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ. وَكُنْتُ كَاتِبًا. فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ. وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ
ــ
الحديث معه والمباسطة وإفادة المعاني فأما مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعاد والمنافرة فلا، والله أعلم ألا ترى أنه لم يرد ﵇ ولا التفت لحديثه اه من المفهم.
قال كعب: (فـ) لما قال أبو قتادة ذلك (فاضت) أي سألت (عيناي) دموعًا (وتوليت) عنه أي أدبرت عنه وذهبت من عنده (حتى تسورت) أي علوت (الجدار) أي جدار سور البستان للخروج منه (قال) كعب كما في رواية البخاري (فبينا أنا أمشي في سوق المدينة) أي فبينما أوقات مشيي في سوق المدينة، وإذا في قوله (إذا نبطييٌّ) أي فلاح وحراث (من نبط) وفلاح (أهل الشام ممن قدم بالطعام) من الشام لـ (يبيعه بالمدينة يقول) ذلك النبطي، فجائية رابطة لجواب بينا أي فاجاني قول نبطي من أنباط الشام (من يدلـ) ـني (على كعب بن مالك) والنبطي بفتح النون والموحدة وكسر الطاء المهملة واحد الأنباط وهم فلاحو العجم وحراثهم للأرض، وكان نصرانيًا، ولم أر من ذكر اسمه وهو مشتق من استنباط الماء واستخراجه من الأرض وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، وفي رواية معمر عند أحمد (إذا نصراني جاء بطعام له يبيعه) (قال) كعب: (فطفق) أي شرع (الناس يشيرون له) أي لذلك النبطي (إليّ) يعني ولا يتكلمون بقولهم مثلًا هذا كعب مبالغة في هجره والإعراض عنه (حتى جاءني) ذلك النبطي إليَّ (فدفع إليّ كتابًا من ملك غسان) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة اسمه جبلة بن الأيهم، وقيل الحارث بن أبي شمر، وكان ملكًا لنصارى العرب له عهد وصداقة مع نصارى الروم، وعند ابن مردويه (فكتب إليَّ كتابًا في سرقة حرير) قال كعب: (وكنت كاتبًا) أي عارفًا لقراءة الكتابة (فقرأته) أي فقرأت ذلك الكتاب (فإذا فيه) أي في ذلك الكتاب (أما بعد) ما ذُكر (فإنه) أي فإن الشأن والحال (قد بلننا) ووصلنا (أن صاحبك) الذي آمنت به (قد جفاك) وأهانك وطردك (ولم يجعلك الله بدار هوان) وذل (ولا مضيعة) بفتح الميم
стр. 11136
فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ، حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذهِ أَيضًا مِنَ الْبَلَاءِ. فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ،
ــ
وسكون الضاد وفتح الياء أو بكسر الضاد وسكون الياء اسم مكان من ضاع أي ولا بمكان يضيع فيه حقك ولا بدار يهان فيه قدرك (فالحق بنا) بفتح الحاء المهملة أي فات إلينا (نواسك) بضم النون وكسر السين المهملة من المواساة أي إن لحقت بنا نحسن إليك ببعض أموالنا ونشاركك فيها بالجزم في جواب الطلب، وفي بعض النسخ (نواسيك) بإثبات الياء على الاستئناف وهو صحيح أيضًا أي ونحن نواسيك ونعطيك من أموالنا (قال) كعب (فقلت) في نفسي (حين قرأتها) أي قرأت تلك الرسالة أو الصحيفة المكتوب فيها، وذكر المقول بقوله (وهذه) الصحيفة (أيضًا) أي كهجران المسلمين (من البلاء) أي من الاختبار، وفي رواية لابن أبي شيبة (فقلت: إنا لله، وقد طمع فيّ أهل الكفر) (فتياممت) هكذا هو في جمع النسخ التي ببلادنا وهي لغة من تيممت أي قصدت (بها) بتلك الصحيفة (التنور) بفتح الفوقية وتشديد النون المشددة المضمومة هو المكان الذي يُخبز فيه فرميتها فيه (فسجرتها) بالسين المهملة المفتوحة والجيم أي أوقدت نار التنور (بها) أي بتلك الصحيفة، وفي رواية البخاري (فسجرته) أي أوقدت التنور وألهبته بها والضمير المؤنث في بها للصحيفة أو الرسالة المفهومة من لفظ الكتاب وهذا يدل على قوة إيمانه وشدة محبته لله ورسوله على ما لا يخفى، وعند ابن عائذ أنه شكا حاله إلى رسول الله ﷺ وقال: ما زال إعراضك عنّي حتى رغب فيَّ أهل الشرك اه قسطلاني.
قال الحافظ في الفتح: دل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينه لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب هذا مع كونه من الشعراء الذين طُبعت نفوسهم على الرغبة، ولا سيما بعد الاستدعاء والحث على الوصول إلى المقصود من الجاه والمال، ولا سيما والذي استدعاه قريبه ونسيبه ومع ذلك فغلب عليه دينه وقوي عنده يقينه ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دُعي إليه من الراحة والنعيم حبًا لله ولرسوله اه منه.
ومكثنا على ذلك الهجران (حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي)
стр. 11137
إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَأْتِينِي. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا. بَلِ اعْتَزِلْهَا. فَلَا تَقْرَبَنَّهَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ
ــ
أي والحال أن الوحي قد استلبث وتأخر وأبطأ، أو معطوف على فعل الشرط لإذا، وإذا في قوله: (إذا رسولُ رسول الله ﷺ يأتيني) أي أتاني، فجائية رابطة لجواب إذا الشرطية أي مكثنا على ذلك الهجران حتى فاجأني إتيان رسول رسول الله ﷺ وقت مضى أربعين ليلة من الخمسين، قال الواقدي: هو خزيمة بن ثابت قال: وهو الرسول إلى مرارة وهلال بذلك، ولأبي ذر إذا رسولٌ لرسول الله ﷺ (فقال) لي ذلك الرسول: (إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل) أي تبتعد وتفارق (امرأتك) في السكنى وهي عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة عبد الله وعبيد الله ومعبد أو هي زوجته الأخرى خيرة بفتح الخاء المعجمة بعدها تحتية ساكنة التي كانت عنده يومئذٍ والله أعلم (قال) كعب (فقلت) لذلك الرسول هل (أطلقها أم ماذا أفعل؟ ) بها أي أي شيء أفعل بها كترك الاستمتاع بها أو المساكنة معها (قال) الرسول: (لا) يقول لك طلقها (بل) يقول لك (اعتزلها) بكسر الزاي مجزوم بالأمر أي بل يقول لك ابتعد عنها في الاستمتاع (فلا تقربنها) معطوف على اعتزلها أي ولا تجامعها (قال فأرسل) رسول الله ﷺ (إلى صاحبيّ) بتشديد الياء على التثنية (بمثل ذلك) الذي أرسل به إليّ أي بمثل ما أرسل به إليّ من عدم قربان كل منهما إلى زوجته (قال) كعب (فقلت لامرأتي الحقي) بفتح الحاء لأنه أمر مؤنث من لحق الثلاثي من باب سمع (بأهلك) واذهبي إليهم واسكني معهم حتى يحكم الله فيَّ ما يشاء كما قال (فكوني عندهم حتى يقضي الله) تعالى (في هذا الأمر) والهجران الذي نزل بنا فلحقت بهم.
وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحقي بأهلك ليس من ألفاظ الطلاق لا من صرائحه ولا من كناياته الظاهرة وغايته أن يكون مما يحتمل أن يراد به الطلاق فيقع به إذا نوى به الطلاق اه من المفهم.
[قلت]: وهذا من كنايته لأن الكناية كلى لفظ يحتمل الطلاق وغيره فيقع به الطلاق
стр. 11138
قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ. فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لا. وَلكِنْ لَا يَقْرَبَنَّكِ" فَقَالَتْ: إِنَّهُ، وَاللهِ، مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ. وَوَاللهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ؟ فَقَدْ أَذِنَ لاِمْرَأَةِ
ــ
إذا نوى به كما هو مقرر في كتب الفروع (قال) كعب (فجاءت امرأة هلال بن أمية) خولة بنت عاصم (رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع) أي ذو ضياع، والضياع الإهمال وترك المبالاة به حتى يضيع وفسرته بقولها أي (ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه) من خدم من باب نصر (قال) رسول الله ﷺ : (لا) أكره أن تخدميه (ولكن لا يقربنك) بالجماع بالنهي المؤكد بالنون الثقيلة، وفي رواية البخاري لا يقربك بالجزم على النهي بلا نون (فقالت) امرأته: (إنه) أي إن هلالًا (والله ما به حركة) بالاستمتاع (إلى شيء) من النساء (ووالله ما زال يبكي منذ) أي مدة (كان من أمره ما كان) من هجران المسلمين له أي من ابتداء مدة ما كان من أمره (إلى يومه هذا) الذي كان فيه الآن (قال) كعب (فقال لي بعض أهلي) بالإشارة لا بالكلام، قال في الفتح لم أقف على اسمه.
واستشكل هذا مع نهيه ﷺ الناس عن كلام الثلاثة وأجيب أنه عبِّر عن الإشارة بالقول يعني فلم يقع الكلام اللساني وهو المنهي عنه قاله ابن الملقن، قال في المصابيح: وهذا بناء منه على الوقوف عند اللفظ وإطراح جانب المعنى وإلا فليس المقصود بعدم المكالمة عدم النطق باللسان فقط بل المراد هو وما كان بمثابته من الإشارة المفهمة لما يفهمه القول باللسان، وقد يُجاب بأن النهي كان خاصًا بمن عدا زوجة هلال ومن جرت عادته بخدمته إياه من أهله ألا ترى أن النبي ﷺ إنما حظر على زوجة هلال غشيانه إياها وقد أذن لها في خدمته ومعلوم أنه لا بد في ذلك من مخالطة وكلام فلم يكن النهي شاملًا لكل أحد وإنما هو شامل لمن لا تدعو حاجة هؤلاء إلى مخالطته وكلامه من زوجة وخادم ونحو ذلك فلعل الذي قال لكعب من أهله (لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك) لتخدمك (فقد أذن لامرأة
стр. 11139
هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ . وَمَا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا اسْتَأَذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ. فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلَامِنَا. قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّ! تِي ذَكَرَ اللهُ مِنَّا. قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ،
ــ
هلال بن أمية أن تخدمه) كان ممن لم يشمله النهي، وعبارة العيني هنا: قوله: (فقال لي بعض أهلي) استشكل هذا مع نهي النبي ﷺ عن كلام الثلاثة وأجيب بأنه يحتمل أن يكون عبَّر عن الإشارة بالقول، وقيل لعله من النساء لأن النهي لم يقع عن كلام النساء اللاتي في بيوتهم، وقيل كان الذي كلمه منافقًا، وقيل كان ممن يخدمه فلم يدخل في النهي اه منه. قال كعب (فقلت) لذلك القائل: (لا أستأذن فيها) أي في خدمة امرأتي (رسول الله ﷺ وما يدريني) أي وما يعلمني (ماذا يقول رسول الله ﷺ لي (إذا استأذنته فيها) أي في خدمتها لي أي هل يكلمني كلام رضا وقبول أو كلام غضب وردٍّ لاستئذاني (وأنا) أي والحال أني (رجل شاب) قوي على خدمة نفسي قادر عليها أو خائف على نفسي من أن أُصيب امرأتي (قال) كعب (فلبثت بذلك) أي مكثت على ذلك الاعتزال لامرأتي وهجران الناس لي (عشر ليال فكمل) بتثليث حركة الميم (لنا) معاشر الثلاثة (خمسون ليلة من حين نُهي) المسلمون (عن كلامنا) وفي رواية البخاري (من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا) (قال) كعب: (ثم) بعدما كمل لنا خمسون ليلة (صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت) أي على سطح بيت (من بيوتنا) أي من بيوت أقاربنا (فبينا أنا جالس على الحال التي) قد (ذكر الله وأخبرها (منا) معاشر الثلاثة في كتابه العزيز من أنه (قد ضاقت عليّ) وعلى صاحبيَّ (نفسي) وأنفسهما (وضاقت عليّ) وعليهما (الأرض بما رحبت) أي مع رحبها وسعتها حقيقة، وما مصدرية، والرحب بضم الراء وسكون الحاء السعة، قوله: (ضاقت عليَّ نفسي) أي قلبي لا يسعه أنس ولا سرور من فرط الوحشة والغم (وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت) أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمره كأنه لم يجد فيها مكانًا يفر فيه قلقًا وجزعًا، وإذا كان هؤلاء لم يأكلوا مالًا حرامًا ولا سفكوا
стр. 11140
سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ، بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا. وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ.
قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ
ــ
دمًا حرامًا ولا أفسدوا في الأرض وأصابهم ما أصابهم فكيف بمن واقع الفواحش والكبائر اه من القسطلاني، وأما الحالة التي ذكرها الله فيهم هي ما ذكره في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.
وذكر جواب بينا بقوله أي بينا أنا جالس على الحالة التي ذكر الله في كتابه: (سمعت صوت صارخ) أي مناد يرفع صوته (أوفى) بالفاء مقصورًا أي طلع وصعد وارتفع وأشرف (على) جبل (سلع) بفتح السين وسكون اللام جبل معروف بالمدينة، وزاد ابن مردويه (وكنت ابتنيت خيمة على ظهر سلع فكنت أكون فيها) صرخ و (يقول باعلى صوته) أي بأرفع صوته (يا كعب بن مالك أبشر) بهمزة قطع، وعند الواقدي: وكان الذي أوفى على سلع أبا بكر الصديق فصاح بقوله: (قد تاب الله على كعب) (قال) كعب: (ف) لما سمعت صوت صارخ (خررت) أي سقت على الأرض حالة كوني (ساجدًا) سجود شكر لله تعالى على قبول هذه التوبة، وفيه مشروعية سجدة الشكر وكرهها أبو حنيفة ومالك اه عيني، قال القرطبي: وظاهر هذا الحديث أنها كانت معلومة عندهم معمولًا بها فيما بينهم، وقال بها الشافعي ومالك في أحد قوليه ومشهور مذهبه الكراهة (وعرفت) بسماع صوته (أن قد جاء فرج) أي مجيء فرج لنا من الله تعالى وكشف كربة عنا (قال) كعب: (فآذن) بالمد من الرباعي أي أعلم وأعلن (رسول الله ﷺ الناس) الحاضرين عنده وقتئذٍ (بتوبة الله) (علينا) معاشر الثلاثة (حين صلى صلاة الفجر) أي فرغ منها، ووقع في رواية إسحاق بن راشد ومعمر عند أحمد: فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري فقال: "يا أم سلمة تيب على كعب" قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره، قال: "إذًا يحطمَكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة" حتى إذا صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا (فذهب الناس) من عند رسول الله صلى الله عليه
стр. 11141
يُبَشِّرُونَنَا. فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا. وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي. وَأَوْفَى الْجَبَلَ. فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي. فَنَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ. وَاللهِ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ
ــ
وسلم إلى بيوتنا، حالة كونهم (يبشروننا) أيها الثلاثة بتوبة الله علينا (فذهب قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (صاحبي) مرارة وهلال (مبشرون) يبشرونهما (وركض رجل إليّ) بتشديد الياء أي أجرى إجراءً شديدًا (فرسًا) له إلى جهة بيتي أي استحثه على العدو ليبشرني، وعند الواقدي هو الزبير بن العوام (وسعى) أي عدا برجله (ساع من أسلم قبلي) أي جهة بيتي (وأوفى الجبل) أي سعد جبل سلع وصاح إليّ بالبشارة وهو حمزة بن عمرو الأسلمي رواه الواقدي، وعند ابن عائذ أن اللذين سعيا أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لكنه صدره بقوله زعموا (فكان الصوت) أي صوت الذي أوفى (أسرع) أي أسبق إليّ (من) مجيء صاحب (الفرس) ووصوله إليّ فلما جاءني الرجل (الذي سمعت صوته) أولًا بنفسه وذاته، حالة كونه (يبشرني) بصراخه وهو حمزة بن عمرو الأسلمي، والفاء في قوله: (فنزعت) أي خلعت (له) أي لإكسائه وإعطائه (ثوبي) بتشديد الياء على التثنية أي إزاري وردائي زائدة في جواب لما كما هي ساقطة في رواية البخاري، وفي قوله: (فكسوتهما) عاطفة على نزعت أي فكسوت ثوبي (إياه) أي ذلك المبشر أولًا (ببشارته) أي في مقابلة بشارته إياي بتوبة الله تعالى، وعبارة البخاري هنا (فكسوته إياهما ببشراه) فهي الأفصح على القاعدة النحوية لتقديمها الآخذ على المأخوذ وهو الأفصح في باب كسا بخلاف عبارة مسلم، والباء في قوله: (ببشراه) باء المقابلة، والحال أني (والله ما أملك) من الثياب (غيرهما) أي غير الثوبين اللذين كسوته إياهما (يومئذٍ) أي يوم إذ كسوته إياهما، وقد كان له مال غيرهما كما سيصرح به فيما يأتي اه قسطلاني، نعم له مال غيرهما من نوع العقار والأراضي ومثلها لا يعطى ولا يليق للمبشر فلا يرد عليه شيء من الاعتراض والله أعلم اه دهني. وكسوته للبشير ثوبيه مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين وجواز البذل والهبات عندها، وقد نحر عمر لما حفظ سورة البقرة جزورًا اه مفهم.
стр. 11142
وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا. فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ . يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ،
ــ
وحاصل ما في المقام أن رجلًا ركض إليّ فرسًا وآخر جعل يسعى على قدميه كل منهما يريد أن يبشرني، وذكر الواقدي أن الذي ركض فرسًا هو الزبير بن العوام والذي سعى على قدميه هو حمزة بن عمرو الأسلمي، قال الواقدي أيضًا: وكان الذي بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه يعني لما كان فيه من الجهد فقد قيل إنه امتنع من الطعام حتى كان يواصل الأيام صائمًا ولا يفتر من البكاء، وكان الذي بشر مرارة بتوبته سلكان بن سلامة أو سلمة بن سلامة بن وقش.
(واستعرت ثوبين) إزارًا ورداءً من أبي قتادة كما ذكره الواقدي (فلبستهما وانطلقت) أي ذهبت من بيتي حالة كوني (أتأمم) أي أقصد، قال الطبري هي لغة في تميم اه سنوسي (رسول الله ﷺ لزيارته، حالة كوني (يتلقاني الناس) أي يستقبلوني في الطريق (فوجًا فوجًا) أي زمرة زمرة وجماعة بعد جماعة، حالة كونهم (يهنئوني) أي يبشروني (بالتوبة) من الله تعالى (ويقولون) عطف تفسير ليهنئوني (لتهنئك) بكسر اللام وفتح التاء وسكون الهاء وكسر النون، وزعم ابن التين والسفاقسي بأنه بفتحها، والمعروف الكسر وسكون الهمزة بالجزم بلام الدعاء أي لتبشرك (توبة الله عليك) وفي رواية البخاري (لتهنك) بكسر النون وحذف الهمزة، قال في القاموس: التهنيء على وزن التكميل التبريك والاستسعاد يقابله التعزية يقال: هنأه تهنئة وتهنيئًا ضد عزاه اه وفي المصباح هنؤ الشيء بالضم مع الهمزة هناءة بالفتح والمد تيسر من غير مشقة ولا عناء فهو هنيء، ويجوز الإبدال والإدغام وهنأني الولد يهنؤني مهموزًا من بابي نفع وضرب، وتقول العرب في الدعاء ليهنئك الولد بهمزة ساكنة وبإبدالها ياء اه دهني. وفي الحديث دليل على جواز التهنئة بأمور الخير بل على ندبها إذا كانت دينية فإنه إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم وإظهار المحبة وتصفية القلب بالمودة اه مفهم. أي فما زال الناس يتلقوني ويهنئوني (حتى دخلت المسجد) النبوي (فإذا) فجائية والفاء عاطفة (رسول الله ﷺ جالس في المسجد) أي ففاجأني جلوس رسول الله صلى
стр. 11143
وَحَوْلَهُ النَّاسُ. فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي. وَاللهِ، مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ.
قَالَ: فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ: "أَبْشِرْ بِخَيرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"
ــ
الله عليه وسلم في المسجد (وحوله) أي والحال أن حوله ﷺ (الناس) جالسين (فقام) إليَّ بتشديد الياء كما في البخاري (طلحة بن عبيد الله) مصغرًا أحد العشرة المبشرين بالجنة حالة كونه (يهرول) أي يسير سيرًا بين المشي والعدو (حتى صافحني) بيده يدي (وهنأني) أي بشرني بالتوبة من الله تعالى، وفيه دليل لمن قال بجواز القيام للداخل والمصافحة، وفيه خلاف بيّناه في الجهاد اه مفهم، قال كعب: (والله ما قام) إليّ كما في البخاري (رجل من المهاجرين غيره) أي غير طلحة قالوا سبب ذلك أن النبي ﷺ كان آخى بين كعب وطلحة، والذي ذكره أهل المغازي أن كعبًا كان أخا الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فكعب أخو أخيه كذا في الفتح (قال) عبد الله بن كعب: (فكان) والدي (كعب لا ينساها لطلحة) أي لا ينسى كعب تلك الخصلة وهو بشارته إياه بالتوبة أي لا يزال يذكر إحسانه إليه بتلك وكان رهين مسرته، وفي القرطبي: أي لا ينسى تلك القومة والبشاشة التي صدرت له منه، ومعناه أن تلك الفعلة أكدت في قلبه محبته وألزمته حرمته حتى عدّها من الأيدي الجسيمة والمنن العظيمة، وفي رواية البخاري (ولا أنساها لطلحة) (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال) رسول الله ﷺ كما هو مصرح في رواية البخاري وهو جواب لما (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يبرق وجهه) ويلمع ويستنير (من السرور) بتوبة الله تعالى علينا، والجملة الاسمية حال من فاعل قال الذي هو جواب لما، وقوله: (ويقول) تحريف من النساخ وزيادة منهم كما هو ساقط من رواية البخاري، وقوله: (أبشر) يا كعب (بخير يوم) أي بأفضل يوم (مر عليك منذ ولدتك أمك) أي من وقت ولادة أمك إياك، مقول لقال الذي هو جواب لما، ولفظ البخاري هنا (قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك")
стр. 11144
قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: "لَا. بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ" وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ
ــ
وقوله: (بخير يوم) .. إلخ، قال النووي: معناه سوى يوم إسلامه وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه، وعبارة القسطلاني أي سوى يوم إسلامه وهو مستثنى تقديرًا وإن لم يُنطق به أو إن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه فيوم إسلامه بداية سعادته ويوم توبته مكمل لها فهو خير من جميع أيامه وإن كان يوم إسلامه خيرها فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير من يوم إسلامه المجرد عنها اه منه (قال) كعب (فقلت) له ﷺ : (أ) هذه البشارة (من عندك يا رسول الله أم) هي (من عند الله؟ ) تعالى (فقال) رسول الله ﷺ : (لا) أي ليست من عندي (بل) هي (من عند الله) تعالى زاد ابن أبي شيبة "أنتم صدقتم الله فصدقكم" (وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ) على صيغة المجهول أي إذا حصل له السرور (استنار وجهه) أي تنوَّر وجهه (كأن وجهه قطعة قمر، قال) كعب: (وكنا) معاشر الصحابة (نعرف ذلك) أي كون استنارة وجهه علامة على سروره فيما بيننا، قيل: وإنما قال كأنه قطعة قمر ولم يقل كأنه قمر احترازًا من السواد الذي في القمر أو إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين الذي يظهر فيه السرور، وقالت عائشة: إذا كان مسرورًا تبرق أسارير وجهه فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يُشبّه ببعض القمر اه من القسطلاني (قال) كعب: (فلما جلست بين يديه) ﷺ (قلت: يا رسول الله إن من) علامات صدق (توبتي) أو من تمام توبتي أو من شكر توبتي (أن أنخلع) وأخرج (من) جميع (مالي) وأتصدق به حالة كونه (صدقة) مصروفة (إلى الله) تعالى (وإلى رسوله ﷺ أي خالصة لوجه الله ورضاه ومصروفة إلى رسوله ﷺ ليقسمها بين مستحقيها. وقوله: (صدقة) قال الزركشي وتبعه البرماوي وابن حجر وغيرهما: هي مصدر فيجوز انتصابه بأنخلع لأن معنى أنخلع أتصدق، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال أي متصدقًا، وتعقبه في المصابيح فقال: لا نُسلّم أن الصدقة مصدر وهي اسم لما يُتصدّق به، ومنه قوله تعالى:
стр. 11145
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ. فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قَالَ: فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ. وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَاّ صدْقًا مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللهُ
ــ
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وفي الصحاح الصدقة ما تُصدِّق به على الفقراء فعلى هذا يكون نصبها على الحال من مالي كما قررناه في حلنا، وقوله: (إلى الله وإلى رسوله) أي صدقة خالصة لله ولرسوله فإلى بمعنى اللام، قال القرطبي: قوله: (أن أنخلع من مالي) أي إن عليّ ذلك فهي صيغة نذر والتزام خرج مخرج الشكر وابتغاء الثواب أقرَّ عليه النبي ﷺ فكان ذلك جائزًا، ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه بقوله: "لا تنذروا" رواه أحمد والبخاري ومسلم وقد بينا ذلك فيما تقدم، وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيرًا محتاجًا وربما يُفضي به ذلك إلى سؤال الناس وإلى الدخول في مفاسد اكتفى الشرع منه ببعضه فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" وهذا البعض الذي أمره بإمساكه هو الأكثر، والمتصدَّق به هو الأقل، كما قال في حديث سعد "الثلث والثلثُ كثير" متفق عليه اه من المفهم، قال النووي: وفي الحديث استحباب الصدقة شكرًا للنعم المتجددة لا سيما ما عظم منها وإنما أمره ﷺ بالاقتصار على الصدقة ببعضه خوفًا من تضرره بالفقر وأن لا يصبر على الإضافة ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر الصديق ﵁ بجميع ماله لأنه كان صابرًا راضيًا (فإن قيل) كيف قال أن أنخلع من مالي فأثبت له مالًا مع قوله أولًا (نزعت ثوبيَّ والله ما أملك غيرهما) فالجواب أن المراد بقوله أن أنخلع من مالي الأرض والعقار ولهذا قال فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وأما قوله ما أملك غيرهما فالمراد به من الثياب ونحوهما مما يخلع ويليق بالبشير اه منه (فقال) له (رسول الله ﷺ : أمسك بعض مالك فهو خير لك) خوفًا من تضرره بالفقر وعدم صبره على الإضافة (قال) كعب: (فقلت) له ﷺ : (فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال) كعب: (وقلت يا رسول الله إن الله) (إنما أنجاني) من غضبه (بالصدق) في إخباري لك بعدم العذر لي في تخلفي عنك في غزوة تبوك (وإن من) قبول (توبتي) أيضًا (أن لا أحدث إلَّا) كلامًا (صدقًا ما بقيت) بكسر القاف في الدنيا (قال) كعب: (فوالله ما علمت أن أحدًا من المسلمين أبلاه الله) تعالى
стр. 11146
فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ. وَاللهِ، مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللهُ فِيمَا بَقِيَ.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ
ــ
أي أنعمه الله تعالى (في صدق الحديث) أي بصدق الحديث، وفي بمعنى الباء أي بإخبار الكلام الصادق والأمر الواقع (منذ ذكرت) وأخبرت (ذلك) الأمر الواقع مني من تخلفي عن الغزو بلا عذر (لرسول الله ﷺ أي من مدة ذكري ذلك لرسول الله ﷺ (إلى يومي هذا) الذي كنت الآن فيه، وقوله: (أحسن مما أبلاني) وأنعمني (الله به) صفة لمصدر محذوف والمعنى ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله بصدق الحديث إبلاء أحسن مما أبلاني به من وقت ذكري ذلك الأمر الواقع مني لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وفيه نفي الأفضلية لا نفي المساواة لأنه شاركه في ذلك مرارة وهلال اه قسطلاني، قال القاضي: يقال أبلاه الله إذا أنعم عليه ومنه ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي نعمة، والبلاء يُطلق على الخير والشر وأصله الاختبار وأكثر ما ياتي مطلقًا في الشر فإذا كان في الخير جاء مقيدًا كما قال تعالى: ﴿بَلَاءً حَسَنًا﴾ اه، قال النووي: كما قيده هنا فقال أحسن مما أبلاني به اه (والله ما تعمدت) وقصدت (كذبة) بفتح الكاف وكسرها مع سكون الذال فيهما أي مرة من الكذب (منذ قلت) وأخبرت (ذلك) الأمر الواقع من تخلفي بلا عذر (لرسول الله ﷺ أي من وقت إخباري ذلك لرسول الله ﷺ (إلى يومي هذا) أي إلى وقتي هذا الذي أنا فيه (وإني لأرجو) وأطمع من فضل الله وكرمه (أن يحفظني الله) تعالى (فيما بقي) من عمري من الكذب (قال) كعب: (فأنزل الله في قبول توبتنا في الكتاب العزيز (لقد تاب الله على النبي) ﷺ أي تجاوز عنه إذنه للمنافقين في التخلف كما قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (و) على (المهاجرين والأنصار) وفيه حث للمؤمنين على التوبة وأنه ما من مؤمن إلَّا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار. وقوله:
стр. 11147
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
قَالَ كَعْبٌ: وَاللَّهِ، مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللهُ لِلإِسْلَامِ، أَعْظَمَ فِي نَفْسِي، مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ . أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا. إِنَّ
ــ
(الذين اتبعوه في ساعة العسرة) والشدة والضيق صفة لكل من المهاجرين والأنصار (من بعد ما كاد) وقرب أن (يزيغ) ويميل عن الحق (قلوب فريق منهم) لشدة الضيق وتأخر النصر (ثم) بعدما كاد قلوب فريق منهم أن تزيغ (تاب عليهم) أي ألهمهم أسباب التوبة وأعانهم عليها ليتوبوا (إنه) تعالى (بهم رؤوف رحيم و) لقد تاب الله (على الثلاثة) كعب وهلال ومرارة (الذين خُلِّفوا) أي أُخِّروا في قبول توبتهم عن سائر المنافقين الذين اعتذروا فقبل النبي ﷺ عذرهم عملًا بظواهرهم (حتى إذا ضاقت) أي أُخِّروا إلى أن ضاقت (عليهم الأرض بما رحبت) أي مع رحبها وسعتها (وضاقت عليهم أنفسهم) بسبب هجران المسلمين عليهم أي فأنزل الله في توبتهم هذه الآيات (حتى بلغ) التنزيل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الآيات الثلاث/١٧ و ١٨ و ١٩ من التوبة (قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط) أي فيما مضى من عمري (بعد إذ هداني الله) ووفقني (للإسلام أعظم في نفسي) أي ما أنعم الله تعالى عليّ إنعامًا أعظم في نفسي (من صدقي رسول الله ﷺ أي من إخباري لرسول الله ﷺ الخبر الصادق الموافق لما في الواقع في تخلفي عنه. وقوله: (أن لا أكون كذبته) في تأويل مصدر مجرور على البدلية من صدقي. وقوله: (فأهلك) معطوف على أكون، ولا نافية والتقدير إنعامًا أعظم في نفسي من صدقي عدم كذبي فعدم هلاكي، قال النووي: قالوا لفظة لا زائدة ومعناه أن أكون كذبته فأهلك أي من كذبي فهلاكي نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ اه عيني، والأول هو الصواب كما قررناه في حلنا فلا أصلية نافية لا زائدة أي فأهلك هلاكًا (كما هلك) المنافقون (الذين كذبوا) في اعتذارهم إلى رسول الله ﷺ أي هلاكًا كهلاكهم فـ (أن
стр. 11148
اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ، شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ. وَقَالَ اللَّهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلِّفْنَا، أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ، عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ. فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ. فَبِذلِكَ
ــ
الله) (قال للذين كذبوا) في اعتذارهم (حين أنزل الوحي) على رسوله ﷺ (شر ما قال) أي أقبح ما قال (لأحد) من الكاذبين أي قال قولًا شر ما قال لأحد بالإضافة أي شر القول الكائن لأحد من الناس، والواو في قوله: (وقال الله سيحلفون بالله) بمعنى الفاء العاطفة على ما قال الأول كما في رواية البخاري أي فقال الله فيهم سيحلفون بالله (لكم إذا انقلبتم) أي رجعتم (إليهم) من الغزو (لتعرضوا عنهم) أي عن توبيخهم (فأعرضوا عنهم إنهم رجس) نجس الاعتقاد (ومأواهم) أي مقرهم ومنزلهم في الآخرة (جهنم) حالة كونها (جزاء) لهم (بما) أي على ما (كانوا يكسبونـ) ـه من النفاق، وقال سبحانه فيهم أيضًا (يحلفون لكم) على اعتذارهم بالكذب (لترضوا) أي لتقبلوا (عنهم) اعتذارهم الكاذب (فإن ترضوا) وتقبلوا (عنهم) اعتذارهم الكاذب (فإن الله لا يرضى) ولا يقبل (عن القوم الفاسقين) اعتذارهم الكاذب ([التوبة/ ٩٥ و ٩٦]) أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطًا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها (قال كعب: كنا خُلّفنا) بالبناء للمجهول أي أُخّر أمر توبتنا أخص (أيها الثلاثة) يعني نفسه ومرارة وهلالًا وأي في محل النصب بعامل محذوف مبني على الضم لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًا، وكانت الحركة ضمة لشبهها بأسماء الغايات، وها حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي من الإضافة والثلاثة صفة له تابع للفظه أي أُخّر أمر توبتنا معاشر الثلاثة (عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ اعتذارهم (حين حلفوا) له على أن تخلفهم كان لعذر (فبايعهم) معطوف على قبل (واستغفر لهم وأرجأ) بالجيم والهمزة آخره أي أخّر (رسول الله ﷺ أمرنا) أيها الثلاثة (حتى قضى الله) سبحانه وحكم (فيه) أي في أمرنا بالتوبة (فبذلك) أي ففي ذلك أي في
стр. 11149
قَالَ اللهُ : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وَلَيسَ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّفْنَا، تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ. وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا، عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ.
٦٨٤٤ - (٠٠) (٠٠) (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. سَوَاءً
ــ
بيان أمرنا (قال الله : و) لقد تاب الله (على الثلاثة الذين خُلِّفوا) أي أُخِّروا في أمر التوبة (وليس) الأمر (الذي ذكر الله) سبحانه في هذه الآية (مما خُلِّفنا) أي من تخليفنا بيان للموصول (تخلفنا) بالنصب خبر ليس (عن الغزو وإنما هو) أي التخلف الذي ذكره في هذه الآية (تخليفه) أي تأخيره (إيانا) في التوبة (وإرجاؤه) أي تأخيره (أمرنا) أي بيان أمرنا وحكمنا (عمن حلف له) ﷺ (واعتذر إليه) ﷺ (فقبل منه) رسول الله ﷺ اعتذاره والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٣٨٦]، والبخاري في عشرة أبواب منها في تفسير سورة براءة باب سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم [٤٦٧٣] وباب لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [٤٦٧٦] وباب وعلى الثلاثة [٤٦٧٧]، وأبو داود في الطلاق [٢٢٠٢] وفي الجهاد باب إعطاء البشير [٢٧٧٣]، والترمذي في التفسير باب ومن سورة براءة [٣١٠١]، والنسائي في الطلاق باب الحقي بأهلك [٣٤٢٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال:
٦٨٤٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا حُجين بن المثنى) اليمامي أبو عمرو البغدادي، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (عن عقيل) بن خالد المصري (عن ابن شهاب) وهذا السند من ثمانياته، غرضه بيان متابعة عقيل ليونس بن يزيد، وساق عقيل (بإسناد يونس) يعني عن عبد الرحمن عن عبد الله عن كعب (عن الزهري) مثله أي مثل حديث يونس، حالة كون حديثهما (سواء) أي متساويين في اللفظ والمعنى.
стр. 11150
٦٨٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ، مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِبم الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ كَعْب بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ، عَلَى يُونُسَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَمَّا يُرِيدُ غَزْوَةَ إِلَاّ وَرَّى بِغَيْرِهَا،
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث كعب بن مالك ﵁ فقال:
٦٨٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عبد بن حميد) الكسي، ثقة من (١١) (حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم) بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب المدني الزهري (ابن أخي الزهري) صدوق، من (٦) روى عنه في (٣) أبواب (عن عمه محمد ابن مسلم الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبيد الله بن كعب بن مالك وكان) عبيد الله (قائد كعب حين عمي قال) عبيد الله (سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه) وقصَّتَه (حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك) ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضُه بيانُ متابعة محمد بن عبد الله بن مسلم ليونس بن يزيد. وقولُه (أنَّ عبيد الله بن كعب) قال النووي: كذا قال في هذه الرواية عبيد الله بضم العين مصغرًا، وكذا قاله في الرواية التي بعدها رواية معقل بن عبيد الله عن الزهري عن عبد الرحمن عن عبيد الله بن كعب مصغرًا وقال قبلهما في رواية يونس المذكورة أولَ الحديث عن الزهري عن عبد الله بن كعب مكبرًا، قال الدارقطني: الصوابُ روايةُ من قال عبد الله مكبرًا، ولم يذكر البخاري في الصحيح إلَّا روايةَ عبد الله مكبرًا مع تكراره الحديثَ اه منه (وساق) أي ذكَر محمدُ بن عبد الله بن مسلم (الحديثَ) المذكور في الروايةِ الأولى (و) لكن (زاد) محمدُ بن عبد الله بن مسلم (فيه) أي في الحديث (على يونس) لفظةَ (فكان رسول الله ﷺ قَلَّمَا يُريد غزوة إلَّا وَرَّى) وسَتَر عنها (بِـ) ذِكْرِ (غيرها) بدلَها أَي أَوْهَم إرادَتَه غَيْرها، وأصلُه مِنْ ورَاءَ كأنه
стр. 11151
حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ.
وَلَمْ يَذْكُرْ، فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، أَبَا خَيْثَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ .
٦٨٤٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ (وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ. وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ أُصيبَ بَصَرُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ لأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَ:
ــ
جعل البيانَ وراءَ ظهرِه، قال الأبي: ينبغي للأمير أن يَفْعَل ذلك لِئلَاّ يَتْبَعه الجَواسيسُ فيقع التحرز إلَّا إذا كانت سفرة بعيدة فَيُعلِمهم لِيَأْخُذوا الأُهبةَ اه (حتى كانت) وحصَلَت (تلك الغزوة) يعني غزوةَ تبوك فلَمْ يُورِّ عنها بل صرَّح بها قاله النووي، والمرادُ هنا التوريةُ الفعليةُ لا اللفظيةُ فكان بِفِعْلِهِ يُوهم أعداءَه أنه يخرج لجهةٍ أخرى (ولم يذكر) يعقوب بن إبراهيم (في حديث) محمد (بن) عبد الله (أخي الزهري) قصةَ كُنْ (أبا خيثمة و) قصةَ (لحوقِه) أي لحوقِ أبي خيثمة (بالنبي ﷺ في طريق تبوك بعد تخلفه عنهم أولًا في المدينة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث كعب بن مالك ﵁ فقال:
٦٨٤٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري ثم المكي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا الحسن) بن محمد (بن أعين) نُسب إلى جده لشهرته به الأموي مولاهم مولى بني مروان الحراني، صدوق، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا معقل وهو ابن عبيد الله) الجزري الحراني أبو عبد الله العبسي مولاهم، صدوق، من (٨) روى عنه في (٩) أبواب (عن الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن كعب وكان) عبيد الله (قائد كعب) من بين بنيه (حين أصيب بصره) أي عمي بصر كعب (وكان) عبيد الله (أعلم قومه) بني سلمة بفتح السين واللام أي أعلمهم بالأحكام الشرعية وأفقههم (وأوعاهم) أي أوعى قومه وأحفظهم (لأحاديث) وقصص (أصحاب رسول الله ﷺ قال) عبيد الله:
стр. 11152
سَمِعْتُ أَبِي، كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ. غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَغَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ. وَلَا يَجْمَعُهُمْ دِيوَانُ حَافِظٍ
ــ
(سمعت أبي) ووالدي (كعب بن مالك) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة معقل بن عبيد الله ليونس بن يزيد (وهو) أي والدي كعب بن مالك (أحد الثلاثة الذين تيب عليهم) أي قبلت توبتهم عن ذنب التخلف عن غزوة تبوك أي سمعت والدي كعبًا وهو (يحدّث) أي والحال أنه يحدِّث (أنه) أي أن كعبًا (لم يتخلف عن) الخروج مع (رسول الله ﷺ في غزوة غزاها) رسول الله ﷺ أي خرج فيها رسول الله ﷺ (قط) أي في زمن مضى من عمري (غير غزوتين) أي إلَّا في غزوتين غزوة بدر وغزوة تبوك (وساق) أي ذكر معقل بن عبيد الله (الحديث) السابق الذي ساقه يونس بن يزيد عن الزهري (و) لكن (قال) معقل (فيه) أي في روايته لفظة (وغزا رسول الله ﷺ أي خرج في تلك الغزوة (بناس) أي مع ناس (كثير يزيدون على عشرة آلاف) جندي (و) بناس كثير (لا يجمعهم ديوان) أي دفتر شخص (حافظ) أي ماهر في معرفة الحساب، قال النووي: هكذا وقع هنا زيادة على عشرة آلاف ولم يبين قدرها، وقد قال أبو زرعة الرزاي: كانوا سبعين ألفًا، وقال ابن إسحاق: كانوا ثلاثين ألفًا وهذا أشهر، وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عبد التابع والمتبوع جميعًا، وابن إسحاق عدَّ المتبوع فقط فكان الكل سبعين نفرًا والله أعلم اه منه.
(فائدة): وقد دل حديث كعب بن مالك ﵁ على فوائد كثيرة ذكرها النووي والحافظ في الفتح:
(١) منها فضيلة أهل العقبة لأن كعبًا لم يفضّل عليها فضيلة حضور بدر.
(٢) ومنها جواز الحلف من غير استحلاف عند غير القاضي لقول كعب عنده ﷺ والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.
стр. 11153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(٣) ومنها أنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يورّي عنها بغيرها خوفًا من فتنة الأعداء.
(٤) ومنها جواز التأسف على ما فات من الخير وتمني فعله لقول كعب فيا ليتني فعلت.
(٥) ومنها ردُّ غيبة المسلم لقول معاذلمن ذكر كعبًا بالسوء بئس ما قلت.
(٦) ومنها فضيلة الصدق والثبات عليه وإن كان فيه مشقة فإن فيه عقبى خير.
(٧) ومنها استحباب صلاة القادم من سفر.
(٨) ومنها قعوده في المسجد ليسلم عليه الناس إذا كان مشهورًا بالفضل يقصده الناس للسلام عليه.
(٩) ومنها الحكم بظواهر أحوال الناس وتفويض سرائرهم إلى الله تعالى في قبول معاذيرهم.
(١٠) ومنها جواز هجران من ارتكب معصية ومقاطعته زجرًا له وتنكيلًا لغيره.
(١١) ومنها استحباب البكاء على نفسه إذا صدرت منه معصية.
(١٢) ومنها أن مسارقة النظر في الصلاة والالتفات فيها لا يبطلها.
(١٣) ومنها جواز إحراق الورق الذي فيه ذكر الله لمصلحة لأن كعبًا أحرق رسالة الغساني وفيها لم يجعلك الله بدار هوان.
(١٤) ومنها الورع والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه لأن كعبًا لم يستأذن في خدمة امرأته له خشية الوقوع في محظور.
(١٥) ومنها استحباب سجود الشكر عند حدوث ما يسر به.
(١٦) ومنها استحباب تهنئة من رزقه الله خيرًا أو نعمة.
(١٧) ومنها استحباب إكرام المبشر بجائزة أو بخلع الثياب له.
(١٨) ومنها جواز تخصيص الألفاظ العامة في اليمين بما أراده الحالف لقول كعب والله لا أملك غيرهما وأراد تخصيصه بالثياب.
стр. 11154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١٩) ومنها استحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه.
(٢٠) ومنها استحباب التصدق لمن حصلت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة ظاهرة.
(٢١) ومنها استحباب المواظبة على العمل الصالح لمن حصلت له نعمة بعمل صالح كما فعل كعب حيث أنجاه الصدق فحافظ عليه.
(٢٢) ومنها استحباب النهي لمن رأى من يريد أن يتصدق لكل ماله عن ذلك وأمره بإمساك بعض ماله.
(٢٣) ومنها مؤاخذة القوي في الإيمان بأشد مما يؤاخذ به الضعيف فيه.
(٢٤) ومنها كون الجهاد فرض عين على الأنصار أو على جميع الصحابة في عهده ﷺ ولذلك وقعت هذه المعاتبة الشديدة على التخلف.
ومنها غير ذلك من الفوائد التي لا تحصى والله أعلم.
стр. 11155
٧٤٦ - (١١) باب في حديث الإفك وقبول توبة القادف وبراءة حرم النبي ﷺ من الريبة
٦٨٤٧ - (٢٧٤٩) (١٠٠) حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الأَيْلِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ. قَالَ يُونُسُ وَمَغمَرٌ. جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ،
ــ
٧٤٦ - (١١) باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف وبراءة حرم النبي ﷺ من الريبة
٦٨٤٧ - (٢٧٤٩) (١٠٠) (حدثنا حبان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة (ابن موسى) بن سوار السلمي أبو محمد المروزي روى عن عبد الله بن المبارك حديث الإفك، ويروي عنه (خ م ت س) والحسن بن سفيان والفريابي، قال إبراهيم بن الجنيد: ليس صاحب حديث ولا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٣٣) ثلاث وثلاثين ومائتين، وليس له في صحيح مسلم ذكر إلَّا في هذا الموضع اه نووي (أخبرنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم المروزي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٠) أبواب (أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي) الأموي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قال ابن رافع: حدثنا وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (والسياق) الآتي أي واللفظ المسوق المذكور فيما سيأتي (حديث معمر) وروايته، حالة كونه (من رواية عبد وابن رافع) لا من رواية إسحاق (قال يونس) في السند الأول (ومعمر) في السند الثاني (جميعًا) أي كلاهما رويا لي (عن الزهري) قال: (أخبرني سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني من سادات التابعين (وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص) الليثي المدني، ثقة، من (٢) روى عنه في (٣) أبواب (وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذلي المدني، ثقة، من
стр. 11156
عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، زَوْج النَّبِيِّ ﷺ . حِينَ قَالَ لَهَا أَهْل الإِفْكِ مَا قَالُوا. فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالَوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا. وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ. وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا. وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي. وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا
ــ
(٣) روى عنه في (٩) أبواب، قال الزهري: هؤلاء الأربعة رووا لي (عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها (حين قال لها أهل الأفك) بكسر الهمزة وسكون الفاء الكذب الشديد والافتراء المزيد (ما قالوا) مما لا يليق بها (فبرأها الله) سبحانه (مما قالوا) بما أنزله في محكم كتابه، قال الزهري (وكلهم) أي كل من الأربعة المذكورين (حدثني) بالإفراد (طائفة) أي بعضًا (من حديثها) فجميعه من مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم اه قسطلاني (وبعضهم) أي وبعض هؤلاء الأربعة (كان أوعى) أي أحفظ (لحديثها) أي لحديث عائشة المذكور (من بعض) آخر (وأثبت) أي أحسن (اقتصاصًا) وإيرادًا وأوضح سردًا للحديث ومساقًا، قال الزهري: (وقد وعيت) أي حفظت (عن كل واحد منهم) أي من هؤلاء الأربعة (الحديث الذي حدثني) به (وبعض حديثهم يُصدّق بعضًا) آخر في حديثه، قال في الفتح: كأنه مقلوب والمقام يقتضي أن يقول: وحديث بعضهم يُصدّق بعضًا، ويحتمل أن يكون على ظاهره أي إن بعض حديث كل منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحُسن سياقه وجودة حفظه اه.
وحاصل ما في هذا المقام أن الزهري سمع حديث الإفك عن أربعة من التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كل واحد منهم يروي طرفًا من القصة عن عائشة رضي الله تعالى عنها فجمع الزهري رواياتهم وجعلها حديثًا واحدًا، وذكر القاضي عياض اعتراض العلماء على صنيع الزهري هذا حيث لفق بين الروايات وكان عليه أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر ولكن ذلك لا يقدح في صحة الحديث.
قال النووي: وهذا الذي ذكره من جمع الحديث عنهم جائز لا مانع ولا كراهة فيه لأنه قد بيّن أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعض آخر منهم وهؤلاء الأربعة أئمة حُفّاظ ثقات من أجلِّ التابعين فإذا ترددت اللفظة بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضره وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو
стр. 11157
ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ
ــ
وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به.
ثم إن قصة الإفك مروية بعدة طرق وقد تتبعها الحافظ في الفتح [٨/ ١٥٦ و ١٥٧] وذكر أن جملة من رواها من الصحابة غير عائشة ستة وهم عبد الله بن الزبير وأم رومان وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو اليسر، ورواها عن عائشة عشرة من التابعين فيهم هؤلاء الأربعة الذين روى عنهم الزهري، وقد رواها عن الزهري جماعة كثيرة من تلامذته.
قال الزهري: وقد (ذكروا) أي ذكر لي هؤلاء الأربعة المذكورون (أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ دائمًا (إذا أراد أن يخرج سفرًا) أي إلى سفر فهو منصوب بنزع الخافض أو فيه تضمين لمعنى الإنشاء أي إذا أراد أن ينشئ سفرًا (أقرع) أي أسهم (بين نسائه) وزوجاته أي ساهم بينهن تطييبًا لقلوبهن (فأيتهن) بتاء التأنيث (خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ مصحوبة (معه) في السفر.
قال العيني في العمدة [٦/ ٣٦١] وكيفية القرعة بالخواتيم يؤخذ خاتم هذا وخاتم هذا ويدفعان إلى رجل فيخرج منهما واحدًا، وعن الشافعي يجعل رقاعًا صغارًا يكتب في كل واحد اسم ذي السهم ثم يجعل في بنادق طين ويغطى عليها ثوب ثم يدخل رجل يده فيخرج بندقة وينظر من صاحبها فيدفعها إليه، وقال أبو عبيد بن سلام: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام نبينا ويونس وزكرياء ﵈، قال القرطبي: وهذا الحديث دليل على أن للقرعة مدخلًا شرعيًا في الحقوق المشتركة وهو قول الكافة، قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء يونس وزكرياء ومحمد صلى الله وسلم عليهم أجمعين، قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يُقسم بين الشركاء ولا معنى لقول من ردها، وحُكي عن أبي حنيفة إجازتها قال: ولا تقسيم في القياس ولكنَّا تركنا القياس للآثار.
"قلت": ومقتضى هذا أنه قصرها على المواضع التي وردت في الأحاديث دون
стр. 11158
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَينَنَا فِي غَزْوَةِ غَزَاهَا
ــ
تعديتها إلى غيرها وهو قول مالك أيضًا والمغيرة وبعض أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها وأنكرها بعض الكوفيين وقال هي كالأزلام (وبإجازتها) في المشكلات (قال الشافعي)، قال القاضي: وهو مشهور مذهب مالك.
وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا فقد اختلف العلماء فذهب مالك في أحد قوليه والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهن إلَّا من خرجت عليها القرعة تمسكًا بظاهر هذا الحديث فإنه كالنص في ذلك، وقال مالك أيضًا: إن له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة وإن القسمة هنا سقطت للضرورة إذ كانت إحداهن أخف محملًا وأقل مؤونة وأصلح للسفر والأخرى أصلح للمقام في بيته لسد ضيعته وللقيام بولده وقد تكون أثقل جسمًا وأكثر مؤونة.
"قلت": والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في هذا وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء فإذا كان فيهن من تصلح للسفر ومن لا تصلح تعين من تصلح ولا يمكن أن يقال يجب أن يسافر بمن لا تصلح لأن ذلك ضرر ومشقة عليه ولا ضرر وضرار وإنما تدخل القرعة إذا كن كلهن صالحات للسفر فحينئذٍ تتعيّن القرعة لأنه لو أخرج واحدة منهن بلا قرعة لخيف أن يكون ذلك ميلًا إليها ولكان للأخرى مطالبته بحقها فإذا خرج بمن وقعت عليها القرعة انقطعت حجة الأخرى وارتفعت التهمة عنه وطاب قلب من بقي منهن والله تعالى أعلم اه من المفهم.
(قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها بالسند السابق (فأقرع بيننا) رسول الله ﷺ (في غزوة غزاها) أي خرج فيها وهي غزوة بني المصطلق بكسر اللام وهم بطن من بني خزاعة كما ذكره البخاري في المغازي معلقًا عن الزهري وصرّح به محمد بن إسحاق في روايته وكذا أفلح بن عبد الله عند الطبراني، وكانت سنة ست فيما جزم به ابن التين وقيل في شعبان سنة خمس، ورُوي عن موسى بن عقبة سنة أربع، والصحيح الذي عليه المحققون أنها وقعت ممنة خمس وكان سببها أن النبي ﷺ بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وأرسل عينًا يأتيه بخبر المسلمين فخرج النبي ﷺ إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع قريبًا من الساحل ولذلك تسمى هذه الغزوة غزوة المريسيع أيضًا فزاحف الناس
стр. 11159
فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي. فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَذلِكَ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ. فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ، مَسِيرَنَا. حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ،
ــ
فاقتتلوا فهزمهم الله تعالى وقُتل منهم ونفل رسول الله ﷺ نساءهم وأبناءهم وأموالهم كذا ذكره ابن إسحاق بأسانيد مرسلة (فخرج فيها) أي في تلك الغزاة (سهمي) أي سهم قرعة سفري معه ﷺ ، وعند ابن إسحاق (فخرج سهمي عليهن) وهو يُشعر بأنه لم يخرج معه يومئذٍ غيرها (فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك) السفر (بعدما أنزل الحجاب) أي آية احتجاب النساء عن الرجال أي الأمر بالحجاب، وإنما قالت هذا توطئة للسبب في كونها مستترة في الهودج حتى أفضى ذلك إلى تحميله وهي ليست فيه وهم يظنون أنها فيه بخلاف ما كان قبل الحجاب فلعل النساء حينئذٍ كن يركبن ظهور الرواحل بغير هوادج أو يركبن الهوادج غير مستترات (فأنا أُحمل في هودجي) على الراحلة (وأُنزل) من راحلتي (فيه) أي في هودجي في (مسيرنا) وسفرنا ذلك لنزول الحجاب، وقوله: أُحمل وأُنزل بضم همزة أُحمل وأُنزل مع التخفيف بالبناء للمفعول فيهما، والهودج بفتح الدال مركب من مراكب العرب أُعد للبناء اه عيني، وقال القسطلاني: هو محمل له قبة تستر بالثياب ونحوها يوضع على ظهر البعير ويركب فيه النساء ليكون أستر لهن اه منه (فسرنا) إلى بني المصطلق كما في رواية البخاري (حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه) وجهاده ذلك (وقفل) أي رجع منه إلى جهة المدينة (ودنونا) أي قربنا (من المدينة آذن) رُوي بالمد وتخفيف الذال، ورُوي بالقصر وتشديدها جواب إذا أي أعلم (ليلة) أي قبل الفجر (بالرحيل) أي بالارتحال والذهاب من ذلك المنزل إلى جهة المدينة.
قولها: (فأنا أُحمل في هودجي وأُنزل فيه) وفي رواية ابن إسحاق (فكنت إذا رحلوا بعيري جلست في هودجي ثم يأخذون بأسفل الهودج فيضعونه على ظهر البعير) وهو معنى قولها في رواية مسلم أُحمل في هودجي وكذلك معنى قولها أُنزل فيه أي كانوا يُنزلون الهودج عن ظهر البعير إلى الأرض وهي فيه قوله: (مسيرنا) بنصب الراء تعني وقع ذلك في سائر مسيرنا أي سفرنا فهو منصوب بنزع الخافض. وقوله: (آذن ليلة بالرحيل)
стр. 11160
فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ. فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ. فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ. فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ
ــ
وفي رواية ابن إسحاق (فنزل منزلًا فبات فيه بعض الليل ثم آذن بالرحيل) أي أعلن بالسفر والذهاب من ذلك الموضع.
(فقمت) من منزلي (حين آذنوا) وأعلنوا (بالرحيل) أي بالارتحال والذهاب من ذلك المنزل (فمشيت) لقضاء حاجتي (حتى جاوزت الجيش) وبعُدت عنهم (فلما قضيت) وفرغت (من شأني) وحاجتي التي ذهبت لأجلها ولم تذكرها لاستقباح ذكرها (أقبلت) وجئت (إلى الرحل) أي إلى منزلي الذي كنت فيه أولًا (فلمست صدري) بيدي (فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع) مني وسقط وضاع أي ففاجأني انقطاعه مني وسقوطه فإذا فجائية والفاء عاطفة على لمست، والعقد بكسر العين وسكون القاف قلادة تُعلّق في العنق للزينة، والجزع بفتح الجيم وسكون الزاي خرز معروف في سواده بياض كان يُجلب من اليمن والصين وغيرهما ويقال ليس في الحجارة أصلب من الجزع فكانوا لا يتيمنون به فيزعمون أن من تقلد به كثرت همومه ورأى أحلامًا رديئة حتى قيل إن وجه تسميته بالجزع أنه يورث الجزع، وأما ظفار فهي بفتح الظاء والفاء على وزن حذام وراؤها مبنية على الكسر لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا لتضمنه معنى حرف التأنيث وهو التاء وإنما حُرك فرارًا من التقاء الساكنين وكانت كسرة لأنها الأصل في حركة التخلص، وفي القسطلاني: فالظفار بالظاء المعجمة والفاء بعد الألف راء مكسورة مبنية على الكسر كخضار وحذام مدينة باليمن تقول هذه ظفار ودخلت ظفار وذهبت إلى ظفار بكسر الراء بغير تنوين في الأحوال كلها، وفي رواية أبي ذر من جزع أظفار بالهمزة المفتوحة وتنوين الراء وهي جمع ظفر وهو أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به فإن ثبتت هذه الرواية فلعل الظفر عمل مثل الخرز فأطلقت عليه جزعًا تشبيهًا به ونظمته قلادة إما لحسن لونه أو لطيب رائحته، وقد حكى ابن التين أن قيمته كانت اثني عشر درهمًا وهذا يؤيد أنه ليس جزعًا ظفاريًا إذ لو كان ذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك كذا في فتح الباري [٨/ ٤٥٩].
ووقع في رواية الواقدي (فكان في عنقي عقد من جزع ظفار كانت أمي أدخلتني به على رسول الله ﷺ قال القرطبي: والصواب جزع ظفار بلا همزة كما
стр. 11161
فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي. فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ.
قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ. إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ
ــ
قاله ابن السكيت، وفي الصحاح ظفار مثل قطام مدينة باليمن يقال: من دخل ظفار حمّر وجزع ظفاري منسوب إليها وكذلك عود ظفاري وهو العود الذي يُتبخر به، وقيل اسم جبل وكان أهلها من حمير تُنسب إليها القلائد الثمينة وعلى هذا فمن قال فيه جزع أظفار بألف فقد أخطأ وبالوجه الصحيح رويته أنا اه من المفهم بتصرف وزيادة.
قالت عائشة: (فرجعت) إلى المكان الذي ذهبت إليه أولًا لقضاء حاجتي فضاعت القلادة فيه (فالتمست) أي طلبت فيه (عقدي وحبسني) أي منعني وأبطأني عن الرجوع إلى منزلي (ابتغاؤه) أي طلب ذلك العقد في ذلك المكان الذي ضاع فيه، وفي رواية الواقدي: (وكنت أظن أن القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي) (وأقبل) ولأبي ذر (فأقبل) بالفاء بدل الواو (الرهط الذين كانوا يرحلون لي) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الحاء المهملة مع التخفيف، والرهط ما دون العشرة أي يشدون الرحل على بعيري ويجعلونه عليه، وذكر الحافظ عن الواقدي أن أحدهم كان أبا موهوبة مولى رسول الله ﷺ وهو أبو مويهبة الذي روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا في مرض رسول الله ﷺ ووفاته أخرجه أحمد وغيره، وقال البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يخدم بعير عائشة رضي الله تعالى عنها (فحملوا هودجي) أي أخذوه (فرحلوه) بالتخفيف أي شدوه (على بعيري الذي كنت) أنا (أركبـ) ـه (وهم يحسبون) أي يظنون (أني فيه) أي في هودجي (قالت) عائشة: (وكانت النساء إذ ذاك) أي في ذلك الزمن (خفافًا) أي خفيفات غير ثقيلة (لم يهبّلن) بضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة المفتوحة على صيغة المبني للمجهول أي لم يثقلن باللحم يقال هبّله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه فيجوز فيه ضم الياء وسكون الهاء وتخفيف الباء من باب أكرم، ويحتمل أن يكون بفتح الياء وسكون الهاء وضم الباء يَهْبُلن (ولم يغشهن اللحم) أي لم يغطهن اللحم (إنما يأكلن) النساء (العلقة) بضم العين وسكون اللام وبالقاف أي القليل (من الطعام) ويُقال لها أيضًا البلغة، قال في المصباح:
стр. 11162
فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ انقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ. وَكُنْتُ جَارِيةً حَدِيثَةَ السِّنِّ. فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا. وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ. فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ. فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ
ــ
يقال فلان لا يأكل إلَّا علقة أي إلَّا ما يُمسك نفسه ويسد رمقه، قال القرطبي: كان المراد بها الشيء القليل الذي يسكت الرمق ويقال له البلغة أيضًا والحاصل أن النساء وقتئذٍ كن لا يأكلن الكثير من الطعام فكن خفيفة الوزن فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها كذلك فلما حمل الهودج أصحابه لم يشعروا بأنها ليست جالسة فيه وظنوا أنها فيه فرحلوا (فلم يستنكر القوم) الذين حملوا الهودج (ثقل الهوج) أي لم يشعروا عدم ثقله ولم ينتبهوا له (حين رحلوه) أي حين حملوه (ورفعوه) على البعير وشدوه عليه، قالت عائشة: (وكنت) أنا (جارية) أي بنتًا (حديثة السن) أي قليلة العمر وإنما بلغت حينئذٍ ذاك خمس عشرة سنة، ولعلها أشارت بذلك إلى خفة وزنها أو إلى بيان عذرها فيما فعلته من الحرص على العقد ومن استقلالها بطلبه في تلك الحال وترك إعلام أهلها بذلك. قوله: (ولم يستنكر القوم ثقل الهودج) وفي رواية البخاري (فلم يستنكر القوم خفة الهودج) وهي أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه فكأنها تقول كانت لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها اه قسطلاني. قوله: (وكنت جارية حديثة السن) قال القسطلاني: لأنها إذ ذاك لم تبلغ خمس عشرة سنة أي إنها مع نحافتها صغيرة السن ففيه إشارة إلى المبالغة في خفتها أو إلى بيان عذرها فيما وقع منها من الحرص على العقد الذي انقطع واشتغلت بالتماسه من غير أن تعلم أهلها بذلك وذلك لصغر سنها وعدم تجاربها بالأمور (فبعثوا الجمل) أي أثاروه (وساروا) به أي وهم يظنون أنها عليه (ووجدت) أي رأيت (عقدي) أي قلادتي (بعدما استمر الجيش) هو استفعل من مر أي بعدما طال وبعُد مرورهم وذهابهم عني (فجئت) أنا (منازلهم) بصيغة الجمع أي منازل الجيش التي كانوا نازلين بها أولًا (وليس بها) أي والحال أنه ليس فيها (داع) أي مناد ينادي لضائعهم وطالب لمن بقي منهم فيها (ولا مجيب) لذلك المنادي من الضائعين الذين بقوا فيها، والمعنى أنه ليس فيها طالب ولا مطلوب، وفي رواية فليح عند البخاري (وجئت منزلهم وليس فيه أحد) قالت عائشة: (فتيممت) أي قصدت النزول والجلوس في (منزلي الذي كنت) نازلًا
стр. 11163
فِيهِ. وَظَنَنْتُ أَن الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ. وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ
ــ
(فيه) أولًا (وظننت) أي تيقنت، والظن هنا بمعنى العلم لأن فقدهم إياها محقق قطعًا وهو معلوم عندها (أن القوم) الذين يحملون هودجي (سيفقدوني) بكسر القاف وبنون واحدة، وفي رواية (سيفقدنني) بنونين لعدم الناصب والجازم والأولى محمولة على أنها لغة أو على حذف إحدى النونين لتوالي المثلين (فتيممت منزلي) .. إلخ أي قصدته ولزمت ذلك المكان وهذا من كمال عقلها وإلا فإن النساء في مثل تلك الحالة تغلب عليهن الفزع ويبعثهن على الاضطراب من مكان إلى مكان ولكنها علمت أن رسول الله ﷺ لا يطلبها أولًا إلَّا في نفس المكان الذي تركها فيه فلزمته أي فقصدت الجلوس والملازمة لمنزلي الذي نزلت فيه أولًا، والحال أني قد تيقنت أنهم يفقدونني قريبًا (فيرجعون إليّ) أي إلى منزلي الذي نزلت فيه لطلبي فيه (فبينا أنا جالسة في منزلي) أي فبينا أوقات جلوسي في منزلي الأول (غلبتني عيني) بالإفراد أي غلب النوم عيني (فنمت) بسبب شدة الغم إذ من شأن الغم وهو وقوع ما يكره غلبة النوم بخلاف الهم وهو توقع ما يكره فإنه يقتضي السهر وغلبة النوم من كمال طمأنينتها وثقتها بالله تعالى وإلا فالفزع في مثل هذه الحالة ربما يمنع من النوم أو أن الله تعالى لطف بها فألقى عليها النوم لتستريح من وحشة الانفراد في البرية بالليل اه قسطلاني (وكمان صفوان بن المعطل) بتشديد الطاء المفتوحة (السلمي) بضم السين وفتح اللام نسبة إلى سُليم قبيلة كبيرة له (ثم الذكواني) بفتح الذال المعجمة نسبة إلى بني ذكوان قبيلة صغيرة له لأنه نسبة إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهشة بن سليم وهو بطن من بني سليم، وكان صحابيًا فاضلًا شجاعًا خيِّرًا شاعرًا، أول مشاهده عند الواقدي الخندق وعند ابن الكلبي المريسيع وسيأتي آنفًا ما يدل على تقدم إسلامه كما بينا هناك، وقد ذكر ابن إسحاق أنه استشهد في غزاة أرمينية في خلافة عمر سنة تسع عشرة، وقيل بل عاش إلى سنة أربع وخمسين فاستشهد بأرض الروم في خلافة معاوية رضي الله تعالى عنهما (قد عرس) ونزل في آخر الليل (من وراء الجيش) أي نزل في منزل كان خلف منازل الجيش، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني وغيره بيان سبب تأخر صفوان ولفظه (سأل النبي صلى الله
стр. 11164
فَادَّلَجَ. فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي. فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ. فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي. وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ عَلَيَّ. فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي. فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي. وَوَاللهِ، مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ. حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ
ــ
عليه وسلم أن يجعله على الساقة فكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم أتبعهم فمن سقط له شيء أتاه به) وفي حديث أبي هريرة عند البزار وكان صفوان يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والإداوة، وفي مرسل مقاتل بن حيان عند الحاكم في الإكليل (فيحمله فيقدم به فيعرفه في أصحابه) (فـ) لما ارتحل الجيش (أدلج) أي سار في آخر الليل وارتحل من منزله (فأصبح) أي فوصل وقت الصباح (عند منزلي فرأى سواد إنسان) أي شخص إنسان (نائم) لا يدري أهو رجل أم امرأة (فأتاني فعرفني حين رآني) لعلها انكشف وجهها نامت (وقد كان يراني) ولأبي ذر وكان رآني (قبل أن يضرب) ويُجعل (الحجاب عليّ) وعلى سائر النساء، وهذا يدل على قدم إسلام صفوان بن معطل فإن الحجاب نزل سنة ثلاث أو أربع في الأصح فلما رآني استرجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (فاستيقظت) أي انتبهت من نومي (باسترجاعه) أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، والمراد أن صفوان لما رآها نائمة وحدها تفطّن أنها تخلفت عن الجيش فاسترجع على ذلك (حين عرفني فخمّرت) بالخاء المعجمة والميم المشددة أي فغطيت (وجهي بجلبابي) تعني الثوب الذي كان عليها وهو بكسر الجيم (و) إنه (والله ما يكلمني كلمة) وفي رواية البخاري (ما كلمني كلمة) والتعبير بالمضارع أحسن من الماضي لما فيه من الإشارة إلى أنه استمر على ترك المخاطبة إذ الماضي يخص النفي بحال الاستيقاظ اه قسطلاني (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته) أي حتى أبرك وأضجع راحلته، فيه نفي لكلامه لها بغير الاسترجاع إلى أن أناخ ولا يمنع ما بعد الإناخة، وفي رواية أبي ذر (حين أناخ راحلته) فالنفي مقيد بحال إناخة الراحلة فلا يمنع ما قبل الإناخة ولا ما بعدها، وقد فهم أكثر الشراح من هذه العبارة أن صفوان لم يخاطبها بكلام غير أنه استرجع فقط فقالوا استعمل معها الصمت اكتفاء بقرائن الحال مبالغة منه في الأدب وإعظامًا لها وإجلالًا، ولكن قد دلت بعض الروايات الأخرى على أنه خاطبها بكلام يتوقع في مثله، فقد وقع في رواية ابن إسحاق أنه قال لها ما خلفك؟
стр. 11165
فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا. فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ. حَتَّى أَتَينَا الْجَيْشَ. بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي
ــ
وأنه قال لها: اركبي .. واستأخر، وفي رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني فاسترجع وأعظم مكاني أي حين رآني وحدي، وقد كان يعرفني قبل أن يُضرب علينا الحجاب فسألني عن أمري فسترت وجهي عنه بجلبابي وأخبرته بأمري فقرّب بعيره فوطئ على ذراعه فولاني قفاه فركبت، وفي حديث ابن عمر عند الطبراني فلما رآني ظن أني رجل فقال: يا نومان قم فقد سار الناس، وفي مرسل سعيد بن جبير عن ابن أبي حاتم فاسترجع ونزل عن بعيره وقال: يا أم المؤمنين ما شأنك فحدثته بأمر القلادة، ومن أجل هذه الروايات رجَّح الحافظ في الفتح [٨/ ٤٦٣] أن مرادها في حديث الباب نفي الكلام غير الاسترجاع إلى أن ينيخ راحلته لأن لفظها (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته) تعني أنه لم يكلمها بشيء إلى أن أناخ راحلته، فأما بعد أن أناخها فقد كلمها بما وقع في الروايات الأخرى والله أعلم (فوطئ) أي قام (على يدها) أي ذراعها ليكون أسهل لركوبها ولا يحتاج إلى مسها (فركبتها فانطلق) حالة كونه (يقود) ويجر (بي الراحلة) وفي مرسل مقاتل بن حيان بالمهلمة عند الحاكم في الإكليل أنه ركب معها مردفًا لها، وما في الصحيح هو الصحيح (حتى أتينا الجيش) ووصلنا إليهم (بعدما نزلوا) حال كونهم (موغرين) أي نازلين وداخلين في وقت الوغرة أي في وقت شدة الحر (في نحر الظهيرة) أي في وقت وقوف الشمس ووصولها وسط السماء، وقوله: (موغرين) بضم الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة أي نازلين في وقت الوغرة بفتح الواو وسكون الغين وهي شدة الحر وقت كون الشمس في كبد السماء، ومنه أُخذ وغر الصدر وهو توقده من الغيظ بالحقد وأوغر فلان إذا دخل في ذلك الوقت كأصبح وأمسى، وقوله: (في نحر الظهيرة) تأكيد لقولها موغرين فإن نحر الظهيرة أوّلها، والظهيرة بفتح المعجمة وكسر الهاء وصول الشمس منتهاها في الارتفاع كأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر، ووقع في رواية ابن إسحاق (فوالله ما أدركنا الناس ولا افتقدت حتى نزلوا واطمأنوا طلع الرجل يقودني) (فهلك) بسبب الإفك (من هلك في شأني) وفي رواية أبي أويس عند الطبراني (فهنالك قال فيّ وفيه أهل الإفك ما قالوا) أي هلكوا بقذفها مع صفوان بن معطل رضي الله تعالى عنهما بما هي بريئة منه وأشارت بذلك إلى من تكلموا بالإفك وخاضوا في ذلك، ووقع في بعض الروايات أنهم عبد الله بن أُبي
стр. 11166
وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، شَهْرًا. وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. وَلَا أَشعُرُ بِشَيْءِ مِنْ ذلِكَ. وَهُوَ يُرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي
ــ
ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وزاد بعضهم عبد الله وأبا أحمد ابني جحش، وأنكر بعضهم كون حسان بن ثابت من جملة القاذفين فإنه أنكر ذلك صراحة (وكان الذي تولى) أي أسس ودبر واخترع واختلق (كبره) بكسر الكاف وضمها وسكون الباء وكبر الشيء معظمه أي كبر ذلك الإفك، والموصول في محل النصب خبر لكان مقدم على اسمه لإفادة الحصر و (عبد الله) اسمها مؤخر لأن العلم أعرف من الموصول ويجوز العكس و (ابن أُبي) بالرفع صفة أولى لعبد الله وهو اسم أبيه و (ابن سلول) صفة ثانية وهمزة الوصل تكتب لحصول الفاصل بين العلم وصفته، وسلول اسم أمه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث والمعنى على هذا الوجه وكان عبد الله بن أبي هو الذي اخترع معظم ذلك الإفك وأشاعه وهو رأس المنافقين في المدينة، والمراد أنه هو المرجع والمسؤول في أكثر ما قيل في الإفك لأنه هو الذي اخترع هذه التهمة الشنيعة (فقدمنا المدينة) مع رسول الله ﷺ (فاشتكيت) أي مرضت (حين قدمنا المدينة شهرًا والناس يُفيضون) بضم أوله أي يخوضون، يقال أفاض في قول إذا أكثر منه، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه فشاع ذلك في العسكر فبلغ النبي ﷺ فلما قدموا المدينة أشاع عبد الله بن أُبي ذلك في الناس فاشتد على رسول الله ﷺ أي والناس يخوضون (في قول أهل الإفك) ويشيعونه والإفك بكسر الهمزة وإسكان الفاء هذا هو المشهور كما مر وحكى القاضي فتحهما جميعًا قال هما لغتان كنجس ونجس وهو الكذب أو أشده (و) الحال أني (لا أشعر) ولا أعلم (بشيء من ذلك) الإفك الذي يشيعونه، وفي رواية ابن إسحاق وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وهو) ضمير شأن أو زائدة أي والشأن (يريبني) بضم الياء وفتحها من رابه الأمر وأرابه إذا أوقعه في شك مما يخاف عاقبته أي يشككني ويوهمني ذلك الإفك، وقوله: (في وجعي) متعلق بقوله: (أني لا) أرى أي يريبني ذلك الإفك أني لا أرى في وجعي هذا بما (أعرف من رسول الله ﷺ من (اللطف) والرفق والشفقة (الذي
стр. 11167
كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي. إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيفَ تِيكُمْ؟ " فَذَاكَ يَرِيبُنِي. وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ. حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ. وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا. وَلَا نَخْرُجُ إِلَاّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ. وَذلِكَ
ــ
كنتُ أرى منه حين أشتكي) وأمرض قبل ذلك، واللطف بفتح اللام والطاء المهملة والفاء ولأبي ذر اللطف بضم اللام وسكون الطاء أي الرفق اه قسط (إنما يدخل رسول الله ﷺ عليّ بتشديد الياء كما عند البخاري (فيُسلِّم) على من في الدار (ثم يقول كيف تيكم؟ ) بكسر الفوقية وهو اسم إشارة للمؤنث مثل ذاكم للذكر والكاف لخطاب الحاضرين أي كيف حال هذه الفتاة التي تمرضونها هل خف مرضها أم لا؟ ولابن إسحاق (فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني: "كيف تيكم؟ " وفهمت أم المؤمنين من ذلك بعض الجفاء منه ﷺ ولكنها لم تكن تدري السبب) ووقع في رواية أبي أويس (إلَّا أنه يقول وهو مارٌّ: "كيف تيكم؟ " ولا يدخل عندي ولا يعودني وسأل عن أهل البيت) وفي حديث ابن عمر: (كنت أرى منه جفوة ولا أدري من أي شيء) (فذاك) الذي أرى منه (يريبني) أي يشككني في تغير حاله (و) الحال أني (لا أشعر) ولا أعلم (بالشر) والإفك الذي تقوّله أهل الإفك (حتى خرجت) يومًا من بيتي قبل المناصع لقضاء حاجة الإنسان (بعدما نقهت) بفتح النون والقاف ويجوز كسرها أي بعدما أفقت من مرضي وحصلت لي الصحة ولكن لم تكمل لي القوة، وفي المصباح نقه من مرضه نقهًا فهو نقه من باب تعب إذا برئ ونقه ينقه من باب نقع لغة فهو ناقه، والناقه الذي أفاق من مرضه، ولم تتكامل صحّته والإنسان في هذه الحالة يغلب عليه الضعف (وخرجت معي أم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبعدها حاء مهملات واسمها سلمى بنت أبي رهم القرشية كما سيأتي في الحديث (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة المناصع متعلق بخرجت الأول والمناصع بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان اسم للمواضع التي كانت خارج المدينة كانوا يتبرَّزون فيها كما قالت (وهو) أي المناصع (متبرزنا) بفتح الراء المشددة أي موضع قضاء حاجتنا وهو اسم مكان من التبرز وهو الخروج إلى البراز لقضاء الحاجة والبراز الفضاء من الأرض التي من خرج إليها فقد برز أي ظهر وكُني به هنا عن الخروج للحدث (ولا نخرج) إليه (إلا ليلًا) ولا نخرج في النهار (إلى) دخول (ليل) آخر (وذلك) أي خروجنا
стр. 11168
قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَب الأوُلِ فِي التَّنَزُّهِ. وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ
ــ
إلى المناصع (قبل أن نتخذ) ونبني (الكنف) بضم الكاف والنون أي مواضع قضاء الحاجة جمع كنيف وهو الموضع الذي أُعدّ لقضاء حاجة الإنسان وهو في أصل اللغة الساتر لأنه يستر قاضي الحاجة عن أعين الناس حالة كون الكنف (قريبًا من بيوتنا) وأفرد الحال مع أن صاحبها جمع لأن فعيلًا يستوي فيه الجمع والمفرد أو منصوب بنزع الخافض أي قبل أن نتخذها في مكان قريب إلى بيوتنا ودورنا (وأمرنا) أي عادتنا في ذلك الوقت (أمر العرب) أي عادة العرب (الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو نعت للعرب جمع الأول بتشديدها وضبطه بعضهم (الأوّل) بفتح الهمزة وتشديد الواو فعلى هذا الوجه فهو مرفوع على أنه صفة للأمر (في التنزه) أي في طلب النزاهة والنظافة بالخروج إلى الصحراء فكانوا يتنزهون عن أن يكون في بيوتهم موضع تقضى فيه الحاجة والمراد أن العرب كانوا يخرجون إلى الفضاء لقضاء حوائجهم ولم يكونوا تخلقوا بأخلاق العجم باتخاذ الكنف في البيوت (وكنا نتأذى بـ) رائحة (الكنف) بـ (أن نتخذها عند بيوتنا) وجملة أن نتخذها صلة أن المصدرية أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من الكنف كما أشرنا إليه بتقدير الجار أي كنا نتأذى برائحة الكنف باتخاذها عند بيوتنا، وقوله: (فانطلقت أنا وأم مسطح) معطوف على خرجت (وهي) أي أُم مسطح أي اسمها سلمى (بنت أبي رهم) بضم الراء وسكون الهاء اسمه أُنيس مصغرًا (ابن المطلب بن عبد مناف وأمها) أي أم أم مسطح رائطة (ابنة صخر بن عامر) وقوله: (خالة أبي بكر الصديق) عطف بيان لابنة صخر فكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر الصديق ﵁ (وابنها) أي ابن أم مسطح (مسطح) بكسر الميم وسكون السين بوزن منبر (ابن أثاثة) بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف من غير تشديد (ابن عباد) بفتح العين وتشديد الباء (ابن المطلب) والمسطح بكسر الميم عود من أعواد الخباء وهو لقب له واسمه عوف وقيل عامر، وذكر الحافظ أن المعتمد هو الأول، وكان هو وأمه من المهاجرين الأولين، وكان أبوه مات وهو صغير فكفله أبو بكر لقرابة أم مسطح منه، وتُوفي مسطح سنة (٣٤)
стр. 11169
فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي. حِينَ فَرَغنَا مِنْ شَأْنِنَا. فَعَثَرَت أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا. فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا:
ــ
هـ وقيل (٣٧) هـ بعد أن شهد صفين مع علي ﵄.
(فأقبلت) أي رجعت (أنا و) أم مسطح (بنت أبي رهم) من المناصع (قبل بيتي) أي جهة منزلي وحجرتي (حين فرغنا من) قضاء (شأننا) وحاجتنا (فعثرت) بالفاء والعين والراء المفتوحين، أي زلقت (أم مسطح في مرطها) أي في كسائها والمرط بكسر الميم وسكون الراء الكساء من صوف أو خز أو كتان أو إزار، وقال ابن فارس: ملحفة يؤتزر بها، وقال الهروي: المروط الأكسية، وضبطه ابن التين المرط بفتح الميم كذا في عمدة القاري.
ثم ظاهر هذا الحديث أن أم مسطح إنما عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ولكن وقع في رواية هشام بن عروة عند البخاري رقم [٤٧٥٧] (خرجت لبعض حاجتي ومعي أمُّ مسطح فعثرت وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أُم مسطح تسبين ابنك؟ وسكتت ثم عثرت الثانية فقالت تعس مسطح فقلت لها تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله ما أسبه إلَّا فيك فقلت: في أي شأني قالت فنقرت لي الحديث فقلت: وقد كان هذا؟ قالت نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا) وكذلك وقع في رواية ابن إسحاق (فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي) وفي رواية ابن أبي أويس (فذهب ما كنت أجد من الغائط فرجعت عودي على بدئي) فهذه الروايات تدل على أنَّ أُمَّ مسطح عثرت في طريقهما إلى المناصع فرجعت عائشة رضي الله تعالى عنها دون أن تقضي حاجتها .. وجمع بينهما الحافظ بأن المراد من قولها في حديث الباب، وقد فرغنا من شأننا أي من شأن المسير لا من قضاء الحاجة وهو جمع مستبعد لأن لفظ حديث الباب صريح أنهما حين عثرت أم مسطح كانتا راجعتين على البيت فالتعارض بين هذه الرواية والروايات الأخرى واضح ولم أقف على طريق الجمع بينهما إلَّا أن يقال: إن أحد الرواة في حديث الباب وهم في تفصيل القصة والله أعلم اه من التكلمة.
(فقالت) أُمُّ مسطح (تعس) بكسر العين وبفتحها لغتان مشهورتان (مسطح) أي أكبه الله على وجهه أو كَبَّ أو هلك أو لزمه الشر أو بعد، قالت عائشة: (فقلت لها) أي لأم
стр. 11170
بِئْسَ مَا قُلْتِ. أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيفَ تِيكُمْ؟ " قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟
ــ
مسطح (بئس) وقبح (ما قلت) في ابنك يا أُمَّ مسطح (أتسبين) وتشتمين (رجلًا قد شهد بدرًا) أي غزوتها أي تدعين عليه بالهلاك (قالت) لي أم مسطح: (أي هنتاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة أي يا هذه (أ) تقولين ذلك (ولم تسمعي ما قال) مسطح، قالت عائشة (قلت) لها: (وماذا قال) أي وأيُّ شيء قال (قالت) عائشة: (فأخبرتني) أم مسطح (بقول أهل الإفك) قالت عائشة: (فازددت مرضًا) بما سمعته منها (إلى مرضي) الأول. قوله: (أي هنتاه) بفتح الهاء وسكون النون وفتحها والسكون أشهر وتُضم الهاء الأخيرة وتسكن على أنها هاء سكت، ومعناها يا هذه، وقيل يا مرأة، وقيل: يا بلهى كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم ثم صيغة النداء هذه تختص بنداء البعيد وتستعمل للقريب حيث ينزل منزلة البعيد، قال القسطلاني: أي يا هذه نداء للبعيد فخاطبتها خطاب البعيد لكونها نسبتها إلى البله وقلة المعرفة بمكايد النساء. هذا ملخص ما في العمدة والفتح وإعرابه أي حرف نداء هنتاه منادى نكرة مقصودة في محل النصب مبني على الضم أو مبني بضم مقدر على الألف إن قلنا إن الهاء الأخيرة للسكت.
وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون قول أم مسطح تعس مسطح عمدًا لتتوصل به إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة، ويحتمل أن يكون اتفاقًا أجراه الله على لسانها لتستيقظ عائشة عن غفلتها عما قيل فيها، قوله: (فأخبرتني بقول أهل الإفك) وفي رواية ابن أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني (إن مسطحًا وفلانًا وفلانًا يجتمعون في بيت عبد الله بن أُبي يتحدثون عنك وعن صفوان يرمونك به). قوله: (فازددت مرضًا إلى مرضي) وفي رواية هشام عند البخاري وعند الطبراني بإسناد صحيح عن أيوب عن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه. (قالت) عائشة كما هو ثابت في رواية البخاري (فلما رجعت إلى بيتي) أي واستَقْرَيتُ فيه (فدخل عليّ رسول الله ﷺ الفاء زائدة في جواب لما (فسلم) على من في البيت (ثم قال كيف تيكم؟ قلت) جواب لما (أتأذن لي أن آتي أبويّ) وفي رواية هشام عند البخاري فقلت:
следующие страницы →