Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11166–11205 · переход к 11171.
стр. 11166
وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، شَهْرًا. وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. وَلَا أَشعُرُ بِشَيْءِ مِنْ ذلِكَ. وَهُوَ يُرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي
ــ
ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وزاد بعضهم عبد الله وأبا أحمد ابني جحش، وأنكر بعضهم كون حسان بن ثابت من جملة القاذفين فإنه أنكر ذلك صراحة (وكان الذي تولى) أي أسس ودبر واخترع واختلق (كبره) بكسر الكاف وضمها وسكون الباء وكبر الشيء معظمه أي كبر ذلك الإفك، والموصول في محل النصب خبر لكان مقدم على اسمه لإفادة الحصر و (عبد الله) اسمها مؤخر لأن العلم أعرف من الموصول ويجوز العكس و (ابن أُبي) بالرفع صفة أولى لعبد الله وهو اسم أبيه و (ابن سلول) صفة ثانية وهمزة الوصل تكتب لحصول الفاصل بين العلم وصفته، وسلول اسم أمه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث والمعنى على هذا الوجه وكان عبد الله بن أبي هو الذي اخترع معظم ذلك الإفك وأشاعه وهو رأس المنافقين في المدينة، والمراد أنه هو المرجع والمسؤول في أكثر ما قيل في الإفك لأنه هو الذي اخترع هذه التهمة الشنيعة (فقدمنا المدينة) مع رسول الله ﷺ (فاشتكيت) أي مرضت (حين قدمنا المدينة شهرًا والناس يُفيضون) بضم أوله أي يخوضون، يقال أفاض في قول إذا أكثر منه، ووقع في حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه فشاع ذلك في العسكر فبلغ النبي ﷺ فلما قدموا المدينة أشاع عبد الله بن أُبي ذلك في الناس فاشتد على رسول الله ﷺ أي والناس يخوضون (في قول أهل الإفك) ويشيعونه والإفك بكسر الهمزة وإسكان الفاء هذا هو المشهور كما مر وحكى القاضي فتحهما جميعًا قال هما لغتان كنجس ونجس وهو الكذب أو أشده (و) الحال أني (لا أشعر) ولا أعلم (بشيء من ذلك) الإفك الذي يشيعونه، وفي رواية ابن إسحاق وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبويّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وهو) ضمير شأن أو زائدة أي والشأن (يريبني) بضم الياء وفتحها من رابه الأمر وأرابه إذا أوقعه في شك مما يخاف عاقبته أي يشككني ويوهمني ذلك الإفك، وقوله: (في وجعي) متعلق بقوله: (أني لا) أرى أي يريبني ذلك الإفك أني لا أرى في وجعي هذا بما (أعرف من رسول الله ﷺ من (اللطف) والرفق والشفقة (الذي
стр. 11167
كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي. إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيفَ تِيكُمْ؟ " فَذَاكَ يَرِيبُنِي. وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ. حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ. وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا. وَلَا نَخْرُجُ إِلَاّ لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ. وَذلِكَ
ــ
كنتُ أرى منه حين أشتكي) وأمرض قبل ذلك، واللطف بفتح اللام والطاء المهملة والفاء ولأبي ذر اللطف بضم اللام وسكون الطاء أي الرفق اه قسط (إنما يدخل رسول الله ﷺ عليّ بتشديد الياء كما عند البخاري (فيُسلِّم) على من في الدار (ثم يقول كيف تيكم؟ ) بكسر الفوقية وهو اسم إشارة للمؤنث مثل ذاكم للذكر والكاف لخطاب الحاضرين أي كيف حال هذه الفتاة التي تمرضونها هل خف مرضها أم لا؟ ولابن إسحاق (فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني: "كيف تيكم؟ " وفهمت أم المؤمنين من ذلك بعض الجفاء منه ﷺ ولكنها لم تكن تدري السبب) ووقع في رواية أبي أويس (إلَّا أنه يقول وهو مارٌّ: "كيف تيكم؟ " ولا يدخل عندي ولا يعودني وسأل عن أهل البيت) وفي حديث ابن عمر: (كنت أرى منه جفوة ولا أدري من أي شيء) (فذاك) الذي أرى منه (يريبني) أي يشككني في تغير حاله (و) الحال أني (لا أشعر) ولا أعلم (بالشر) والإفك الذي تقوّله أهل الإفك (حتى خرجت) يومًا من بيتي قبل المناصع لقضاء حاجة الإنسان (بعدما نقهت) بفتح النون والقاف ويجوز كسرها أي بعدما أفقت من مرضي وحصلت لي الصحة ولكن لم تكمل لي القوة، وفي المصباح نقه من مرضه نقهًا فهو نقه من باب تعب إذا برئ ونقه ينقه من باب نقع لغة فهو ناقه، والناقه الذي أفاق من مرضه، ولم تتكامل صحّته والإنسان في هذه الحالة يغلب عليه الضعف (وخرجت معي أم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبعدها حاء مهملات واسمها سلمى بنت أبي رهم القرشية كما سيأتي في الحديث (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة المناصع متعلق بخرجت الأول والمناصع بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان اسم للمواضع التي كانت خارج المدينة كانوا يتبرَّزون فيها كما قالت (وهو) أي المناصع (متبرزنا) بفتح الراء المشددة أي موضع قضاء حاجتنا وهو اسم مكان من التبرز وهو الخروج إلى البراز لقضاء الحاجة والبراز الفضاء من الأرض التي من خرج إليها فقد برز أي ظهر وكُني به هنا عن الخروج للحدث (ولا نخرج) إليه (إلا ليلًا) ولا نخرج في النهار (إلى) دخول (ليل) آخر (وذلك) أي خروجنا
стр. 11168
قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَب الأوُلِ فِي التَّنَزُّهِ. وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ
ــ
إلى المناصع (قبل أن نتخذ) ونبني (الكنف) بضم الكاف والنون أي مواضع قضاء الحاجة جمع كنيف وهو الموضع الذي أُعدّ لقضاء حاجة الإنسان وهو في أصل اللغة الساتر لأنه يستر قاضي الحاجة عن أعين الناس حالة كون الكنف (قريبًا من بيوتنا) وأفرد الحال مع أن صاحبها جمع لأن فعيلًا يستوي فيه الجمع والمفرد أو منصوب بنزع الخافض أي قبل أن نتخذها في مكان قريب إلى بيوتنا ودورنا (وأمرنا) أي عادتنا في ذلك الوقت (أمر العرب) أي عادة العرب (الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو نعت للعرب جمع الأول بتشديدها وضبطه بعضهم (الأوّل) بفتح الهمزة وتشديد الواو فعلى هذا الوجه فهو مرفوع على أنه صفة للأمر (في التنزه) أي في طلب النزاهة والنظافة بالخروج إلى الصحراء فكانوا يتنزهون عن أن يكون في بيوتهم موضع تقضى فيه الحاجة والمراد أن العرب كانوا يخرجون إلى الفضاء لقضاء حوائجهم ولم يكونوا تخلقوا بأخلاق العجم باتخاذ الكنف في البيوت (وكنا نتأذى بـ) رائحة (الكنف) بـ (أن نتخذها عند بيوتنا) وجملة أن نتخذها صلة أن المصدرية أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من الكنف كما أشرنا إليه بتقدير الجار أي كنا نتأذى برائحة الكنف باتخاذها عند بيوتنا، وقوله: (فانطلقت أنا وأم مسطح) معطوف على خرجت (وهي) أي أُم مسطح أي اسمها سلمى (بنت أبي رهم) بضم الراء وسكون الهاء اسمه أُنيس مصغرًا (ابن المطلب بن عبد مناف وأمها) أي أم أم مسطح رائطة (ابنة صخر بن عامر) وقوله: (خالة أبي بكر الصديق) عطف بيان لابنة صخر فكانت أم مسطح بنت خالة أبي بكر الصديق ﵁ (وابنها) أي ابن أم مسطح (مسطح) بكسر الميم وسكون السين بوزن منبر (ابن أثاثة) بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف من غير تشديد (ابن عباد) بفتح العين وتشديد الباء (ابن المطلب) والمسطح بكسر الميم عود من أعواد الخباء وهو لقب له واسمه عوف وقيل عامر، وذكر الحافظ أن المعتمد هو الأول، وكان هو وأمه من المهاجرين الأولين، وكان أبوه مات وهو صغير فكفله أبو بكر لقرابة أم مسطح منه، وتُوفي مسطح سنة (٣٤)
стр. 11169
فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي. حِينَ فَرَغنَا مِنْ شَأْنِنَا. فَعَثَرَت أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا. فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ لَهَا:
ــ
هـ وقيل (٣٧) هـ بعد أن شهد صفين مع علي ﵄.
(فأقبلت) أي رجعت (أنا و) أم مسطح (بنت أبي رهم) من المناصع (قبل بيتي) أي جهة منزلي وحجرتي (حين فرغنا من) قضاء (شأننا) وحاجتنا (فعثرت) بالفاء والعين والراء المفتوحين، أي زلقت (أم مسطح في مرطها) أي في كسائها والمرط بكسر الميم وسكون الراء الكساء من صوف أو خز أو كتان أو إزار، وقال ابن فارس: ملحفة يؤتزر بها، وقال الهروي: المروط الأكسية، وضبطه ابن التين المرط بفتح الميم كذا في عمدة القاري.
ثم ظاهر هذا الحديث أن أم مسطح إنما عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ولكن وقع في رواية هشام بن عروة عند البخاري رقم [٤٧٥٧] (خرجت لبعض حاجتي ومعي أمُّ مسطح فعثرت وقالت: تعس مسطح، فقلت لها: أي أُم مسطح تسبين ابنك؟ وسكتت ثم عثرت الثانية فقالت تعس مسطح فقلت لها تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله ما أسبه إلَّا فيك فقلت: في أي شأني قالت فنقرت لي الحديث فقلت: وقد كان هذا؟ قالت نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلًا ولا كثيرًا) وكذلك وقع في رواية ابن إسحاق (فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي) وفي رواية ابن أبي أويس (فذهب ما كنت أجد من الغائط فرجعت عودي على بدئي) فهذه الروايات تدل على أنَّ أُمَّ مسطح عثرت في طريقهما إلى المناصع فرجعت عائشة رضي الله تعالى عنها دون أن تقضي حاجتها .. وجمع بينهما الحافظ بأن المراد من قولها في حديث الباب، وقد فرغنا من شأننا أي من شأن المسير لا من قضاء الحاجة وهو جمع مستبعد لأن لفظ حديث الباب صريح أنهما حين عثرت أم مسطح كانتا راجعتين على البيت فالتعارض بين هذه الرواية والروايات الأخرى واضح ولم أقف على طريق الجمع بينهما إلَّا أن يقال: إن أحد الرواة في حديث الباب وهم في تفصيل القصة والله أعلم اه من التكلمة.
(فقالت) أُمُّ مسطح (تعس) بكسر العين وبفتحها لغتان مشهورتان (مسطح) أي أكبه الله على وجهه أو كَبَّ أو هلك أو لزمه الشر أو بعد، قالت عائشة: (فقلت لها) أي لأم
стр. 11170
بِئْسَ مَا قُلْتِ. أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ، أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ، فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيفَ تِيكُمْ؟ " قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟
ــ
مسطح (بئس) وقبح (ما قلت) في ابنك يا أُمَّ مسطح (أتسبين) وتشتمين (رجلًا قد شهد بدرًا) أي غزوتها أي تدعين عليه بالهلاك (قالت) لي أم مسطح: (أي هنتاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة أي يا هذه (أ) تقولين ذلك (ولم تسمعي ما قال) مسطح، قالت عائشة (قلت) لها: (وماذا قال) أي وأيُّ شيء قال (قالت) عائشة: (فأخبرتني) أم مسطح (بقول أهل الإفك) قالت عائشة: (فازددت مرضًا) بما سمعته منها (إلى مرضي) الأول. قوله: (أي هنتاه) بفتح الهاء وسكون النون وفتحها والسكون أشهر وتُضم الهاء الأخيرة وتسكن على أنها هاء سكت، ومعناها يا هذه، وقيل يا مرأة، وقيل: يا بلهى كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم ثم صيغة النداء هذه تختص بنداء البعيد وتستعمل للقريب حيث ينزل منزلة البعيد، قال القسطلاني: أي يا هذه نداء للبعيد فخاطبتها خطاب البعيد لكونها نسبتها إلى البله وقلة المعرفة بمكايد النساء. هذا ملخص ما في العمدة والفتح وإعرابه أي حرف نداء هنتاه منادى نكرة مقصودة في محل النصب مبني على الضم أو مبني بضم مقدر على الألف إن قلنا إن الهاء الأخيرة للسكت.
وقال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون قول أم مسطح تعس مسطح عمدًا لتتوصل به إلى إخبار عائشة بما قيل فيها وهي غافلة، ويحتمل أن يكون اتفاقًا أجراه الله على لسانها لتستيقظ عائشة عن غفلتها عما قيل فيها، قوله: (فأخبرتني بقول أهل الإفك) وفي رواية ابن أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني (إن مسطحًا وفلانًا وفلانًا يجتمعون في بيت عبد الله بن أُبي يتحدثون عنك وعن صفوان يرمونك به). قوله: (فازددت مرضًا إلى مرضي) وفي رواية هشام عند البخاري وعند الطبراني بإسناد صحيح عن أيوب عن أبي مليكة عن عائشة قالت: لما بلغني ما تكلموا به هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه. (قالت) عائشة كما هو ثابت في رواية البخاري (فلما رجعت إلى بيتي) أي واستَقْرَيتُ فيه (فدخل عليّ رسول الله ﷺ الفاء زائدة في جواب لما (فسلم) على من في البيت (ثم قال كيف تيكم؟ قلت) جواب لما (أتأذن لي أن آتي أبويّ) وفي رواية هشام عند البخاري فقلت:
стр. 11171
قَالَتْ، وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ. فَوَاللهِ، لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَاّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا،
ــ
(أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام) (قالت) عائشة: (وأنا حينئذٍ) أي حين إذ استأذنته (أريد أن أتيقن) هذا (الخبر) وأتثبت فيه تعني خبر أهل الإفك (من قبلهما) أي من جهتهما (فأذن لي رسول الله ﷺ في إتيان أبويّ (فجئت أبوي فقلت لأمي) أم رومان (يا أمتاه) بسكون الهاء زيدت للندبة أو للوقف (ما يتحدث الناس) به أي أيَّ شيء يتحدثون به (فقالت) أمي: (يا بنية) تصغير بنت تصغير شفقة (هوِّني) الأمر (عليك) أي أمر الإفك فلا تهلك نفسك بالهمِّ، وفي رواية هشام (خففي عليك الشأن) (فوالله لقلّما) واللام فيه رابطة لجواب القسم مؤكدة له وقل فعل ماض من الأفعال الأربعة المكفوفة عن الفاعل بدخول ما الكافة عليها وهي قلما كثرما طالما قصرما وما كافة لها عن الفاعل وتكون قل للنفي (كانت) فعلى ماضٍ ناقص (امرأة) اسمها (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازمة للنفي متعلق بكان (وضيئة) أي حسنة جميلة من الوضاءة وهو الجمال صفة لامرأة وفي نسخة لمسلم (حظية) أي ذات منزلة ووجاهة عند زوجها (عند رجل) خبر كان (يحبها) صفة رجل (ولها) خبر مقدم (ضرائر) مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية حال من الضمير المنصوب في يحبها (إلا كثرن) تلك الضرائر أو أصدقاء تلك الضرائر أو نساء زمانها أي إلَّا كثرن القول (عليها) أي على تلك المرأة الوضيئة أي القول في نقصها وعيبها والمعنى ما كانت قط امرأة وضيئة عند رجل يحبها والحال أن لها ضرائر إلَّا أكثرن تلك الضرائر أو أصحابها القول فيها بالعيب والنقص، ويحتمل كون ما في قلما مصدرية وجملة كان في تأويل مصدر فاعل قل وقط زائدة لعدم النفي في قل والمعنى قل كون امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلَّا أكثرن القول فيها بالعيب والنقص.
قوله: (ولها ضرائر) جمع ضرة، وزوجات الرجل ضرائر لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى بالغيرة والقسم وغيره والاسم منه الضِرُّ بكسر الضاد وحُكي ضمها. وقوله: (إلَّا كثرن) أي إلَّا أكثرن نساء زمانها القول في عيبها ونقصها فيكون الاستثناء منقطعًا أو
стр. 11172
قَالَتْ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ، فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثُمَّ
ــ
أكثرن بعض أتباع تلك الضرائر القول فيها كحمنة بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين فإن الحامل لها على القول كون عائشة ضرة أختها فيكون الاستثناء متصلًا لأن أمهات المؤمنين لم يقلن فيها شيئًا نظير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ فأطلق الإياس على الرسل والمراد بعض أتباعهم ولم تقصد أم رومان بقولها ولها ضرائر إلَّا أكثرن عليها قصة عائشة بنفسها وإنما ذكرت شأن الضرائر في العادة، وأما ضرائر عائشة وإن لم يصدر منهن شيء من القول فقد حصل ذلك ممن هو من أتباعهن كحمنة بنت جحش وأرادت أمها بذلك أن تهوِّن عليها بعض ما سمعت اه قسطلاني، قال الحافظ في الفتح: وفي هذا الكلام من فطنة أمها وحُسن تأتيها في تربيتها ما لا مزيد عليه فإنها علمت أن ذلك يعظم عليها فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له وأدمجت في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة وذلك مما يعجب المرأة أن توصف به مع ما فيه من الإشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش وأن الحامل على ذلك كون عائشة ضرة أختها زينب بنت جحش وأما ضرائرها فإنهن وإن لم يقع منهن في حقها شيء مما يصدر من الضرائر لكن وقع ذلك ممن لهن تبع كما وقع في حمنة لأن ورع أختها زينب منعها من القول في عائشة كما منع بقية أمهات المؤمنين وإنما اختصت زينب بالذكر لأنها التي كانت تضاهي عائشة في المنزلة اه منه.
(قالت) عائشة (قلت) لأمي: (سبحان الله) صيغة تعجب من قول الناس فيها ما قالوا مع براءتها أي عجبًا لله، قال القسطلاني: تعجبت من وقوع مثل ذلك في حقها مع تحققها براءتها اه (وقد تحدث الناس بهذا) الإفك (قالت) عائشة: (فبكيت تلك الليلة) في بيت أمي (حتى أصبحت لا يرقأ) أي لا ينقطع (لي دمع ولا أكتحل) عيني (بنوم) لأن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع، وفي رواية هشام بن عروة عند البخاري فاستعبرت فبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فقال لأمي ما شأنها؟ فقالت: بلغها الذي ذُكر من شأنها ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلَّا رجعت إلى بيتك، فرجعت ففي رواية مسلم حذف ما علم من رواية البخاري (ثم) رجعت إلى بيتي وبت
стр. 11173
أَصْبَحْتُ أَبْكِي. وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ. يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُمْ أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَاّ خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ. وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ
ــ
تلك الليلة لا يرقأ لي دمع حتى (أصبحت أبكي ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد) بن حارثة حين استلبث الوحي أي أبطأ وتأخر نزوله حالة كونه (يستشيرهما في فراق أهله) تعني نفسها (قالت) عائشة: (فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله) مما يقوله أهل الإفك (وبالذي يعلم) ويعتقد (في نفسه) أي في قلبه (لهم) أي لأهله ﷺ متعلق بيعلم وقوله: (من الود) بيان للموصول (فقال) أسامة: (يا رسول الله هم أهلك) العفائف اللائقات بك، وعبّر بالجمع إشارة إلى تعميم أمهات المؤمنين بالوصف المذكور أو أراد تعظيم عائشة (ولا نعلم) فيهم (إلَّا خيرًا) أي براءة مما يقوله الناس، ومعنى (هم أهلك) أي أن عائشة رضي الله تعالى عنها عفيفة لائقة بأن تكون أهلك، ووقع في بعض الروايات (أهلك) بالنصب بدون (هم) فهو مفعول لمحذوف تقديره أمسك أهلك ولا تسمع فيها أحدًا (وأما علي بن أبي طالب فقال): يا رسول الله (لم يُضيّق الله عليك والنساء سواها كثير) بلفظ التذكير على إرادة الجنس وفعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث إفرادًا وجمعًا، وقال ذلك لما رأى منه ﷺ من شدة القلق فرأى أن بفراقها يسكن ما عنده بسببها فإذا تحقق براءتها فيراجعها اه قسطلاني.
قال النووي: هذا الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده ولم يكن ذلك في نفس الأمر لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر وتقلقله فأراد إراحة خاطره وكان ذلك أهم من غيره، وقال الحافظ في الفتح: كان رسول الله ﷺ شديد الغيرة فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها، وقال ابن أبي جمرة: لم يجزم علي بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله:
стр. 11174
وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ " قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْراَ قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا،
ــ
وسل الجارية تصدقك، ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلَّا بما علمته وهي لم تعلم من عائشة إلَّا البراءة المحضة اه.
ثم قال علي ﵁ لرسول الله ﷺ : (وإن تسأل الجارية) أي بريرة عن حالها (تصدقك) الجارية أي تخبرك كلامًا صادقًا في شأنها وهو مجزوم على أنه جواب لإن الشرطية (فدعا رسول الله ﷺ بريرة) مولاة عائشة رضي الله تعالى عنهما، واستشكل قوله الجارية بريرة بأن قصة الإفك قبل شراء بريرة وعتقها لأنه كان بعد فتح مكة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن بريرة لما خُيرت واختارت نفسها كان زوجها مغيث يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها فقال رسول الله ﷺ للعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة" والعباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف في أواخر سنة ثمان وذلك رد على ابن القيم حيث قال تسميتها بريرة وهم من بعض الرواة فإن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح ولما كاتبتها عقيب شرائها وعتقت خُيرت فاختارت نفسها فظن الراوي أن قول علي وإن تسأل الجارية تصدقك أنها بريرة فغلط قال وهذا نوع غامض لا يتنبه له إلَّا الحذاق اه وتبعه الزركشي فقال إن تسمية الجارية بريرة مدرجة من بعض الرواة وأنها جارية أخرى وأجاب السبكي بأجوبة أحسنها احتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ اه قسطلاني (قالت) عائشة: (فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال) لها (أي بريرة) أي يا بريرة (هل رأيت من شيء) أي شيئًا (يريبك) أي يُشَكِّكُكِ فيما قالوا لها (من عائشة؟ قالت له) ﷺ (بريرة) مجيبة له على العموم نافية عنها كل نقص (والذي بعثك بالحق إن رأيت) أي ما رأيت فإن نافية (عليها) أي على عائشة (أمرًا) أي شيئًا (قط) أي فيما مضى من عمري (أغمصه) أي أعيبه (عليها) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة صفة لأمرًا أي أمر أعيبه في
стр. 11175
أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قَالَتْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ. قَالَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيتِي. فَوَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَاّ خَيْرًا. وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا
ــ
جميع أمورها (أكثر) أي أمر أكثر (من أنها جارية) أي بنت (حديثة السن) أي صغيرة (تنام عن عجين أهلها) لصغر سنها ورطوبة بدنها (فتأتي الداجن) أي الشاة المعلوفة في البيت (فتأكله) أي فتأكل الداجن العجين الذي وكلت بحفظه لكثرة نومها، والداجن بدال مهملة وبعد الألف جيم مكسورة فنون آخره الشاة التي تقتنى في البيت وتعلف فيه ولا تخرج إلى المرعى وقد يطلق على غيرها مما يألف البيوت من الطير وغيره، والعجين الدقيق المعجون بالماء ولفظ رواية مقسم عن عائشة عند أبي عوانة والطبراني (ما رأيت منها مذ كنت عندها إلَّا أني عجنت عجينًا لي فقلت احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نارًا لأخبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها).
(قالت) عائشة: (فقام رسول الله ﷺ على المنبر فاستعذر) بالذال المعجمة أي طلب أن يعذر ويسمح له في انتقامه (من عبد الله بن أبي ابن سلول) ولا يلام على الانتصار منه (قالت) عائشة (فقال رسول الله ﷺ في استعذاره (وهو) ﷺ (على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني) ويسمح لي ولا يلومني في الانتقام (من رجل قد بلغ أذاه) أي إذايته (في أهل بيتي) الغاية القصوى، وقوله: (من يعذرني) بفتح أوله وكسر المعجمة من باب ضرب أي من يقيم عذري إن كافأته على قبيح فعله أو ينصرني (من رجل) يريد ابن أبي، وفي رواية البخاري (قد بلغني أذاه) بنون الوقاية في أهل بيتي أي في زوجتي، قال القاضي: فيه شكوى السلطان غيره ممن يؤذيه، ومعنى من يعذرني أي من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه ولا يلومني اه وقال بعضهم: من ينصرني والعذير الناصر (فوالله ما علمت على) ولأبي ذر في (أهلي إلَّا خيرًا) أي إلَّا براءة مما قالوا فيها (ولقد ذكروا) أي ذكر أهل الإفك في رميها (رجلًا) يعني صفوان بن معطل ﵁، وزاد الطبري في روايته (صالحًا) ووقع في رواية أبي أويس عند أبي عوانة والطبراني وكان صفوان بن معطل قعد لحسان فضربه ضربة قوية بالسيف وهو يقول:
стр. 11176
مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَاّ خَيْرًا. وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَاّ مَعِي" فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا. وَلكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ
ــ
تلق ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فصاح حسان ففر صفوان فاستوهب النبي ﷺ من حسان ضربة صفوان فوهبها له (ما علمت عليه إلَّا خيرًا) أي براءة مما قالوا فيه (وما كان) ذلك الرجل (يدخل على أهلي إلَّا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري) واستشكل كون سعد بن معاذ حاضرًا في قصة الإفك لأنه مات بعد الأحزاب متصلًا عند غزوة بني قريظة وكانت غزوة الخندق سنة أربع عند أكثر أصحاب السير وسنة خمس عند الواقدي وعلى كلا التقديرين كانت الأحزاب قبل غزوة المريسيع التي وقع فيها قصة أهل الإفك فكيف يكون سعد بن معاذ حاضرًا فيها؟ وأجاب العلماء عن هذا الإشكال بطرق مختلفة منها إن ذكر سعد بن معاذ في هذه الرواية وهم من أحد الرواة وإنما وقعت المكالمة هنا بين أسيد بن حضير الأوسي وبين سعد بن عبادة الخزرجي وبهذا جزم ابن حزم وابن عبد البر وابن العربي والقرطبي والقاضي عياض رحمهم الله تعالى كما في عمدة القاري [٦/ ٢٦٦] ورجح الحافظ ابن حجر نفسه أن كلًا من غزوة المريسيع والخندق وقعت سنة خمس (وما ذكره البخاري عن موسى بن عقبة من أن المريسيع وقعت سنة أربع سبق قلم) فيمكن أن تكون المريسيع وقعت قبل الأحزاب وحينئذٍ فلا إشكال في كون سعد بن معاذ حاضرًا في قصة الإفك والله أعلم، وقيل غير ذلك مما يطول بذكره الكلام (فقال) سعد: (أنا أعذرك) أي أنتقم لك (منه) أي من ذلك الرجل (يا رسول الله إن كان) ذلك الرجل (من الأوس) قبيلتنا (ضربنا عنقه) لأن حكمه فيهم نافذ إذ كان سيدهم ولأن من آذاه ﷺ وجب قتله (وإن كان) ذلك الرجل (من إخواننا الخزرج أمرتنا) فيه بما شئت (ففعلنا) فيه (أمرك) فيه من القتل أو الجلد (قالت) عائشة: (فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج) بعد فراغ ابن معاذ من مقالته (وكان) ابن عبادة قبل ذلك (رجلًا صالحًا ولكن اجتهلته) في ذلك اليوم أي حملته (الحمية) أي العصبية من مقالة ابن معاذ على قول الجهل وأغضبته، قال النووي: كذا وقع لمعظم رواة مسلم (اجتهلته) بالجيم والهاء أي استخفته وأغضبته وحملته على الجهل، وفي رواية ابن ماهان (احتملته) بالحاء والميم
стр. 11177
فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَفتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ
ــ
وكذا رواه مسلم بعد هذا من رواية يونس وصالح وكذا رواه البخاري ومعناه أغضبته فالروايتان صحيحتان كذا في شرح النووي (فقال) سعد بن عبادة (لسعد بن معاذ كذبت) يا ابن معاذ (لعمر الله) قسمي بفتح العين أي بقاء الله قسمي (لا تقتله) أي لا تقتل ذلك الرجل بنفسك (ولا تقدر على قتله) بأمر النبي ﷺ لأنا نمنعك منه بل نقتله إن كان منا بأمر النبي ﷺ إن أمرنا بقتله ولا سيطرة لك على الخزرج ولم يرد ابن عبادة الرضا بقول ابن أبي لكن كان بين الحيين مشاحنة زالت بالإسلام وبقي بعضها بحكم الأنفة فتكلم ابن عبادة بحكم الأنفة والعصبية ونفى أن يحكم فيه ابن معاذ، وليس المراد أنك لا تقدر على قتله ولو أمرك النبي ﷺ بقتله وحاشا سعد بن عبادة أن يقصد ذلك، وإنما المراد كما قال ابن التين عن الداودي أن النبي ﷺ لا يجعل حكمه إليك فلا تقدر على قتله، وأما قوله كذبت فالمراد منه قوله: (إن كان من الأوس ضربنا عنقه) فنسبه إلى الكذب في هذه الدعوى وأنه يقتله إن كان رهطه مطلقًا وأنه إن كان من غير رهطه إن أُمر بقتله قتله وإلا فلا فكأنه قال له بل الذي تعتقده على العكس مما نطقت به وأنه لو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل ولكنه كان من غير رهطك فأنت تحب أن يُقتل، وفي رواية ابن إسحاق فقال سعد بن عبادة لابن معاذ ما قلت هذه المقالة إلَّا أنك علمت أنه من الخزرج.
والحاصل أن سعد بن عبادة قد فهم من كلام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهما أنه انتهز هذه الفرصة للحمل على الخزرج لأنه كان يعلم أن من ارتكب القذف في هذه الواقعة يتعلق بالخزرج فأشار على رسول الله ﷺ بقتله وإنما جاء بذكر الأوس توطئة لكلامه لئلا ينسب إليه أنه يشير بقتل أحد من الخزرج فرد كلام سعد بن معاذ بناءً على أن النبي ﷺ لم يأمر بقتله بعد وكأن هذا الزعم من سعد بن عبادة مبني على ما كان بينهم في الجاهلية من الضغائن وأن الإسلام وإن كان نجاهم منها ولكن كانت تظهر بعض آثارها في بعض الوقائع على مقتضى البشرية والله تعالى أعلم اه من التكملة.
(فقام أً سيد بن حضير) بالتصغير فيهما الأنصاري الأوسي (وهو ابن عم سعد بن معاذ) الأوسي من رهطه فقال أسيد (لسعد بن عبادة) الخزرجي: (كذبت) يا ابن عبادة
стр. 11178
لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ. فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَثَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. حَتَّى هَمَّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذلِكَ. لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِيَ الْمُقْبِلَةَ. لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَمَا هُمَا
ــ
(لعمر الله لنقتلنه) بالنون ولو كان من الخزرج رهطك إذا أمرنا رسول الله ﷺ (فإنك) يا ابن عبادة (منافق تجادل) أي تخاصم وتدافع (عن المنافقين) تفسير لقوله فإنك منافق فليس المراد بقوله إنك منافق نفاق الكفر، قال المازري: إن ذلك وقع منه على جهة الغيظ والمبالغة في زجر سعد بن عبادة عن المجادلة لابن أبي وغيره ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر ولعله ﷺ إنما ترك الإنكار عليه لذلك اه، قوله: (تجادل عن المنافقين) لم يثبت عن سعد بن عبادة ﵁ أنه دافع عن ابن أبي ولا يتصور من مثله ذلك وإنما قال ما قال ردًا على ما فهم من كلام سعد بن معاذ من الحمل على الخزرج ومراد أسيد بن حضير أن نتيجة كلامه أن ينفع المنافقين الذين تولوا قذف عائشة رضي الله تعالى عنها (فثار) أي قام ونهض (الحيّان الأوس والخزرج) أي تناهضوا للنزاع والعصبية وتواثبوا أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حتى همّوا) وقصدوا (أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم) أي يأمرهم بخفض الأصوات وجلوس كل في محله (حتى سكتوا) أي سكت الحيّان (وسكت) رسول الله ﷺ (قالت) عائشة: (وبكيت يومي ذلك) الذي قام فيه رسول الله ﷺ على المنبر حالة كوني (لا يرقأ لي) أي لا ينقطع عني (دمع) يقال: رقأ الدمع إذا انقطع (ولا أكتحل بنوم) أي لا أنام أصلًا قليلًا ولا كثيرًا وهي استعارة جيدة كأنها قالت لم يأتني النوم حتى بمقدار ما يكون الكحل في عين المكتحل (ثم بكيت ليلتي المقبلة) لذلك اليوم (لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي) أي أبي وأمي (يظنان أن البكاء فالق) أي شاق كبدي) لكثرته أي أن كبدي انشق بسبب حزني وبكائي (فبينما) بميم (هما) أي
стр. 11179
جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا. فَجَلَسَتْ تَبْكِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ. يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ. وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ. فَاسْتَغْفِرِي
ــ
أبواي (جالسان عندي) في بيتي (وأنا أبكي) جملة حالية (استأذنت) جواب بينما أي طلبت الإذن في الدخول (عليّ امرأة من الأنصار) لم أر من ذكر اسمها (فأذنت لها) في الدخول فدخلت (فجلست) المرأة حالة كونها (تبكي) معي تحزنًا على (قالت) عائشة: (فبينا نحن) أي أنا وأبواي وتلك المرأة كائنون (على ذلك) الحال من بكائي وبكاء المرأة معي وجلوس أبويّ معي (دخل علينا رسول الله ﷺ وفي رواية هشام المذكورة (دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي) وفي رواية ابن حاطب عند الطبري (وقد جاء رسول الله ﷺ حتى جلس على سرير وجاهي) وفي حديث أم رومان عند البخاري في المغازي رقم [٤١٤٣] فجاء النبي ﷺ فقال: "ما شأن هذه؟ " قلت يا رسول الله أخذتها الحمى بنافض، وقال: فلعل في حديث تحدث به قالت نعم فقعدت عائشة اه من التكلمة (فسلم) علينا (ثم جلس، قالت) عائشة: (ولم يجلس) رسول الله ﷺ (عندي مذ قيل لي ما قيل) أي بعدما قيل فيّ ما قيل من الإفك غير تلك الجلسة (و) الحال أنه (قد لبث) ومكث (شهرًا) كاملًا (لا يُوحى إليه في) بيان (شأني) وأمرى الذي نزل بي من إفك أهل الإفك (بشيء) من البيان والحكم (قالت) عائشة: (فتشهد رسول الله ﷺ أي قال بالشهادتين (حين جلس) عندنا (ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه) أي فإن الشأن والحال (قد بلغني عنك) أي من جهتك (كذا وكذا) كناية عما رماها به أهلى الإفك، وهذا يدل على أن كذا وكذا يكنى بها عن الأحوال كما يكنى بها عن الأعداد اه مفهم (فإن كنت بريئة) أي خالصة من ذلك الإفك (فسيبرئك الله) سبحانه أي يظهر الله براءتك من ذلك الإفك قريبًا بوحي ينزله (وإن كنت ألممت) واقترفت (بذنب) أي وقع منك مخالفًا لعادتك (فاستغفري
стр. 11180
اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيهِ" قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً. فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
الله) تعالى (وتوبي إليه) منه. قوله (ألممت) من الإلمام وهو النزول النادر غير المتكرر، وقال الكرماني: أي فعلت ذنبًا مع أنه ليس من عادتك اه عيني، وقال في المصباح: اللمم بفتحتين مقاربة الذنب، وقيل هو الصغائر، وقيل هو فعل الصغيرة ثم لا يعاوده كالقُبلة ويقال ألم بالذنب فعله وألم الشيء قرب اه (فإن العبد إذا اعترف) وأقر على نفسه (بذنب ثم تاب) منه، فيه دليل على أن مجرد الاعتراف لا يغني عن التوبة بل إذا اعترف به متصلًا نادمًا اه مفهم (تاب الله عليه) أي قبل توبته المستكملة للشروط، قال الداودي: أمرها بالاعتراف ولم يندبها إلى الكتمان المفرق بين أزواج النبي ﷺ وغيرهن فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهن ولا يكتمنه إياه لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء الناس فإنهن ندبن إلى الستر لأنفسهن مع التوبة منه (قالت) عائشة: (فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته) تلك (قلص) بالقاف واللام والصاد المهملة أي انقطع مني (دمعي) واستمسك نزوله (حتى ما أحس) ولا أجد (منه قطرة) أي نقطة، قال القرطبي ومعنى قلص انقض وارتفع وإنما كان ذلك لأن الحزن والموجدة قد انتهت نهايتها وبلغت غايتها ومتى انتهى الأمر إلى ذلك جف الدمع لفرط حرارة المصيبة كما قال الشاعر:
عيني سُحّا ولا تشُحّا ... جل مصابي عن الدواء
إن الأسى والبكا جميـ ... ـعًا ضدان كالداء والدواء
اه من المفهم، ويحتمل أيضًا أنها لما سمعت من النبي ﷺ أنها إن كانت بريئة فسيبرئها الله قل حزنها وسكن جاشها فانقطع الدمع (فقلت لأبي أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال، فقال) أبي (والله ما أدري) ولا أعلم (ما أقول لرسول الله ﷺ ولأبي أويس (فقال: لا أفعل هو رسول الله صلى الله
стр. 11181
فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي، وَاللهِ، لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُنم بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ. فَإِنْ قُلتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَا تُصَدِّقُونِي بِذلِكَ. وَلَئِنِ اعْتَرَقتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُونَنِي. وَإِنِّي،
ــ
عليه وسلم والوحي يأتيه) قال الحافظ: إنما قالت عائشة لأبيها مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر وهو لا اطلاع له على ذلك لكن قالته إشارة إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه فكأنها قالت له: برئني بما شئت وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: لا أدري، لأنه كان كثير الاتباع لرسول الله ﷺ فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكّي ولده وكذا الجواب عن قول أمها: لا أدري اه، قال الأبي: وفي قولها: (أجب عني) .. إلخ دليل على تقديم الكبير للكلام في مهمات الأمور ومخاطبة أولى الأمر، وقولها: (ما ندري) لأن الأمر الذي سألها عنه لم يقفا منه على زائد على ما عند النبي ﷺ قبل نزول الوحي إلَّا حسن الظن بها اه منه (فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال (فقالت) أمي: (والله ما أدري) ولا أعلم (ما أقول لرسول الله ﷺ قالت عائشة (فقلت) أنا في جواب رسول الله ﷺ (وأنا) أي والحال أني (جارية) أي بنت (حديثة السن) أي قليلة العمر وأنا أيضًا (لا أقرأ كثيرًا من القرآن) وهذا توطئة لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب ﵇، وقوله: (إني والله) .. إلخ مقول قلت: (لقد عرفت) وتيقنت (أنكم قد سمعتم) وقبلتم (بهذا) الإفك الذي قيل فيّ (حتى استقر) ورسخ (في نفوسكم) أي في قلوبكم (وصدقتم به) أي بهذا الإفك، قيل مرادها من صدق به من أصحاب الإفك وضمت إليهم من لم يكذبهم تغليبًا (فإن قلت لكم إني بريئة) من هذا الإفك (والله) (يعلم أني بريئة) منه، والجملة الاسمية معترضة بين إن الشرطية وجوابها اعترض بها لتأكيد الكلام (لا تصدقوني) فيما قلت لكم من براءتي ولا تقطعون (بذلك) أي بصدقي (ولئن اعترفت) وأقررت (لكم بأمر) أنا بريئة منه وأثبته على نفسي تعني ما قيل فيها من الإفك (والله) سبحانه (يعلم أني بريئة) منه (لتصدقونني) فيما أقررت لكم من قول أهل الإفك وحينئذٍ فالمرء مؤاخذ بإقراره (وإني
стр. 11182
وَاللَّهِ، مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَاّ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ.
قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي. قَالَتْ، وَأَنَا، وَاللهِ، حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ. وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءتِي. وَلكِنْ، واللهِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى. وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بَأَمْرٍ يُتْلَى
ــ
والله ما أجد لي ولكم مثلًا) أي شبهًا في سؤالكم وجوابي لكم (إلا كما قال أبو يوسف) ﵉، وفي رواية أبي أويس (نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف أي لا أجد لي في جواب سؤالكم إلَّا قولًا مثل قول أبي يوسف إذ قال لأولاده: (فصبر جميل) أي فصبري على ما قلتم صبر جميل لا جزع فيه (والله المستعان على ما تصفون) أي على ما تقولون من الكذب (قالت) عائشة (ثم) بعد مقالتي هذه (تحولت) أي تنقلت عن محل قعودي (فاضطجعت على فراشي) زاد ابن جريج ووليت وجهي نحو الجدار (قالت) عائشة: (وأنا والله حينئذٍ) أي حين إذ قلت تلك المقالة واضطجعت على الفراش (أعلم) أي أتيقن (أني بريئة) مما قال أهل الإفك (و) أعلم (أن الله) سبحانه (مبرئي) بميم مضمومة فموحدة مفتوحة فراء مشددة وهمزة مكسورتين فتحتية ساكنة أي مُظهر براءتي للناس (ببراءتي) أي بسبب براءتي مما قالوا حقيقة (ولكن) بتخفيف النون استدراك على قولها، وأعلم أن الله مُبرّئي (والله ما كنت أظن أن يُنزل في شأني وحي يُتلى) على رسول الله ﷺ واللام في قولها (ولشأني) لام الابتداء (كان أحقر) وأهون (في نفسي) وقلبي (من أن يتكلم الله فيّ) أي في بيان شأني وبراءتي (بأمر) أي بقرآن (يُتلى) أي يُقرأ على النبي ﷺ وعلى الناس إلى يوم القيامة.
قال القرطبي: وهذا الذي قالته عائشة دليل على أن الذي يتعين على أهل الفضل والعلم والعبادة والمنزلة احتقار أنفسهم وترك الالتفات إلى أعمالهم ولا إلى أحوالهم وتجريد النظر إلى لطف الله ومنته وعفوه ورحمته وكرمه ومغفرته وقد اغتر كثير من الجهال بالأعمال فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات وإجابة الدعوات وزعموا
стр. 11183
وَلكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤيا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللهِ، مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ . فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْي، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ
ــ
أنهم ممن يُتبرك بلقائهم ويُغتنم صالح دعائهم وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيتمسَّح بأثوابهم وتُقبّل أيديهم ويرون أن لهم من المكانة عند الله تعالى بحيث ينتقم لهم ممن تنقّصهم في الحال وبحيث يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال وهذه كلها نتائج الجهل العميم والعقل غير المستقيم فإن ذلك إنما يصدر من جاهل متعجب بنفسه غافل عن جرمه وذنبه مغتر بإمهال الله له عن أخذه ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان فاستتبعوا العوام وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات الصدور وإلى الله عاقبة الأمور اه من المفهم.
(ولكني) بالتشديد استدراك على الاستدراك الأوَّل (كنت أرجو) وآمل من الله سبحانه (أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا) أي منامًا (يبرئني الله) تعالى أي يُظهر الله براءتي (بها) أي بتلك الرؤيا لرسول الله ﷺ (قالت) عائشة: (فوالله ما رام) وفارق (رسول الله ﷺ مجلسه) الذي تشهد فيه وقال لي ما قال (ولا خرج من أهل البيت) الذين كانوا حاضرين حينئذٍ (أحد) ومعنى ما رام أي ما فارق وهو من رام يريم ريمًا من باب باع وأما رام يروم رومًا من باب قال فمعناه قصد، قال القرطبي: قوله: (ما رام مجلسه) أي ما برحه ولا قام عنه يقال رامه يريمه ريمًا أي برحه ولازمه ويقال: رمت فلانًا ورمت من عند فلان، قال الأعشى:
أبانا فلا رمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
وأما رام بمعنى طلب فيقال منه رام يروم رومًا اه مفهم (حتى أنزل الله الوحي (على نبيه ﷺ فأخذه) ﷺ (ما كان) دائمًا (يأخذه من البرحاء) بضم الموحدة وفتح الراء أي من العرق من شدة الوحي (عند الوحي حتى إنه) ﷺ (ليتحدر) أي ليتصبب ويسيل (منه مثل الجمان) أي مثل الدر (من العرق في اليوم الشات) أي البارد (من ثقل) وشدة (القول الذي أُنزل عليه)
стр. 11184
قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "أَبْشِرِي. يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ" فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ
ــ
والبرحاء على زنة فعلاء شدة الحمى وغيرها وهو البرح أيضًا يقال لقيت منه برحًا بارحًا ولقيت منه البرحين والبرحين بضم الباء وكسرها أي الشدائد والدواهي. قوله: (مثل الجمان) بكسر الميم وسكون المثلثة مرفوعًا على أنه فاعل يتحدر والجُمان بضم الجيم وتخفيف الميم الدر، قال الشاعر:
كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر
وقال الداودي: هو شيء كاللؤلؤ يُصنع من الفضة والأول هو المعروف اه قسطلاني، شُبهت قطرات عرقه ﷺ بحبات اللؤلؤ لمشابهتها في الصفاء والحسن. وقوله: (في اليوم الشات) متعلق بيتحدر أي يتصبب منه في يوم بارد من الشتاء أصله في اليوم الشاتي أي المنسوب إلى الشتاء، وفي المصباح شتا اليوم إذا برد فهو شات من باب قال إذا اشتد برده اه دهني تأمل، وزاد ابن جريج قال أبو بكر: فجعلت انظر إلى رسول الله ﷺ أخشى أن ينزل من السماء ما لا مرد له وأنظر إلى وجه عائشة فإذا هو منبق فيطمعني فيها، وفي رواية ابن إسحاق من حديث عائشة فأما أنا فوالله ما فزعت قد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فما سُرّي عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقًا من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس.
(قالت) عائشة: (فلما سُرِّي) بالبناء للمجهول مع تشديد الراء أي كشف وأزيل (عن رسول الله ﷺ شدة ما يجده عند الوحي (وهو) أي والحال أنه ﷺ (يضحك) جملة حالية، وقوله: (فكان أول كلمة) جواب لما والفاء زائدة في جوابها وأول كلمة بالنصب على أنه خبر كان مقدم على اسمها وجملة (تكلم بها) صفة لكلمة وجملة قوله: (أن قال أبشري يا عائشة) في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم كان مؤخرًا والتقدير كان قوله أبشري يا عائشة أول كلمة تكلم بها حين سُرّي عنه الوحي (أما الله) بتشديد ميم أما على أنها شرطية (فقد برأك) بالقرآن مما قاله أهل الإفك أي مهما يكن من شيء فالله قد برأك مما قالوا وأما الناس فقد افتروا عليك بهتانًا عظيمًا (فقالت لي أمي) أم رومان: (قومي إليه) ﷺ لأجل ما بشرك به
стр. 11185
فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَا أَقُومُ إِلَيْهِ. وَلَا أَحْمَدُ إِلَاّ اللهَ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] عَشْرَ آيَاتِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ، لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ
ــ
(فقلت) لها: (والله لا أقوم إليه) ﷺ (ولا أحمد) أي ولا أشكر أحدًا (إلا الله) (هو الذي أنزل براءتي) وزاد في رواية الأسود عن عائشة عند أبي عوانة والطبراني (وأخذ رسول الله ﷺ بيدي فانتزعت يدي منه فنهرني أبو بكر) قال ابن الجوزي إنما قالت ذلك إدلالًا وعتيًا كما يدل الحبيب على حبيبه، وروى الطبري وأبو عوانة عن مجاهد قال: قالت لما نزل عذرها قبّل أبو بكر رأسها فقلت: ألا عذرتني! فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم (قالت) عائشة: (فأنزل الله براءتي قوله في الكتاب العزيز: (إن الذين جاووا بالإفك عصبة) أي جماعة قليلة (منكم) أيها المؤمنون، وقوله: (عشر آيات) بدل من مفعول أنزل أي فأنزل عشر آيات إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقالت أيضًا (فأنزل الله هؤلاء الآيات) العشر لأجل (براءتي) وأقيم الحد على من أقيم عليه (قالت) عائشة (فقال أبو بكر) الصديق: (وكان ينفق على مسطح) بن أثاثة (لقرابته منه) كان ابن خالته (وفقره) أي لأجلهما (والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة) ما قال:
قولها: (فأنزل الله إن الذين جاؤوا بالإفك) قال الزمخشري لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية مثل ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ والرجز العنيف واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة وأساليب متقنة كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلَّا بما هو دون ذلك وما ذلك إلَّا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ وتطهير من هو نبيل اه ثم إن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت هاهنا أن الذي نزل في هذه القصة عشر آيات وهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ لكن وقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري عند أبي عوانة في صحيحه والطبراني (فأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا﴾ .. إلى قوله .. ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعدد الآي إلى هذا الموضع اثنتا عشرة آية وبين الروايتين معارضة من حيث العدد وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأن عائشة ألغت الكسر هاهنا وقد يُجمع بينهما بأن ما نزل
стр. 11186
فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ، إِنِّي لأحُبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَأَلَ زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
ــ
في خصوص تبرئة عائشة عشر آيات كما ذكرته هاهنا في هذه الرواية ثم بعدها حلف أبو بكر على أن لا ينفق على مسطح نزلت الآيتان ففصلت عائشة في رواية الباب، ووقع في رواية عطاء الإجمال فذكرت اثنتي عشرة بالجملة. قوله: (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا) يؤخذ منه مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودًا لأن أبا بكر لم يقطع نفقة مسطح إلَّا بعد تحقيق ذنبه فيما وقع منه.
(فأنزل الله ولا يأتل) أي لا يحلف (أولو الفضل منكم) في الدين أبو بكر (والسعة) في المال من (أن يوتوا) وينفقوا (أولى القربى) والمساكين والمهاجرين في سبيل الله) صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا (إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم) قال المؤلف رحمه الله تعالى (قال) لنا (حبان بن موسى) بن سوّار السُلمي المروزي (قال عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي المروزي (هذه) الآية يعني قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم (أرجى آية في كتاب الله) لكونه بشر بالمغفرة من يعفو ويصفح عن خطإ غيره (فـ) لما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية (قال أبو بكر) الصديق ﵁: (والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع) بالتخفيف (إلى مسطح النفقة التي كان ينفقـ) ـها (عليه) أي على مسطح أولًا (وقال) أبو بكر: (لا أنزعها) أي لا أقطع تلك النفقة (منه) أي من مسطح (أبدًا) أي مدة حياتي وحياته، وفي رواية للطبراني أنه صار معطيه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك (قالت عائشة وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه
стр. 11187
وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِي: "مَا عَلِمْتِ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟ " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي. وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ إِلَاّ خَيْرًا.
قَالَت عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ. وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا. فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهذَا مَا
ــ
وسلم عن أمري) وشأني فيما تقوَّل عليّ أهل الإفك فقال لها: (ما علمت) في شأن عائشة (أو) قال: (ما رأيت) في شأنها بالشك من الراوي (فقالت) زينب له ﷺ (يا رسول الله أحمي سمعي وبصري) أي أصون وأحفظ سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر (والله ما علمت) منها (إلا خيرًا) أي براءة مما قالوا فيها، قال القاضي في سؤالها الكشف عن الأمر المسموع لمن يهمه أو يعنيه وأما من غيره فتجسس ممنوع اه (قالت عائشة وهي) أي زينب (التي تُساميني) أي تفاخرني وتضاهيني بجمالها ومكانتها عند النبي ﷺ وهي مفاعلة من السمو وهو الارتفاع (من أزواج النبي ﷺ أي هي التي تطلب من العلو والارتفاع والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب أو هي التي تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده (فعصمها الله) أي حفظها (بالورع) من أن تقول قول أهل الإفك (وطفقت) بكسر الفاء أي جعلت أو شرعت (أختها حمنة) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وفتح النون فهاء تأنيث (بنت جحش تُحارب لها) أي تغضب لأختها زينب وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتُعلي منزلة أختها زينب (فهلكت) بالعقوبة (فيمن هلك) أي مع من هلك من أصحاب الإفك فحدَّت فيمن حد أو أثمت مع من أثم، ثم اختلف العلماء هل أقام النبي ﷺ حد القذف على من ارتكبه في عائشة رضي الله تعالى عنها، وصحح الحافظ في الفتح أنه ﷺ أقام الحد على الذين تكلموا بالإفك وفيهم عبد الله بن أُبي كما ثبت بحديث عائشة عند ابن إسحاق وبحديث أبي هريرة عند البزار وبرواية أبي أويس عند الحاكم في الإكليل.
(قال الزهري) بالسند السابق (فهذا) الذي ذكرناه من الحديث السابق هو (ما
стр. 11188
انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.
٦٨٤٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِى الْحُلْوَانِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاِهيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ. كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ. بِإِسْنَادِهِمَا
ــ
انتهى) ووصل (إلينا) بالسند السابق (من أمر هولاء الرهط) الذين تقولوا على عائشة رضي الله تعالى عنها بالإفك العظيم (وقال) ابن المبارك (في حديث يونس احتملته الحمية) أي أغضبته العصبية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ١٩٥]، والبخاري في (١٥) خمسة عشر بابًا منها في تفسير سورة النور باب إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم [٤٧٤٩]، والترمذي في تفسير سورة النساء [٢١٧٩]، والنسائي في الطهارة باب بدء التيمم [٣١٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٦٨٤٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الربيع العتكي) الزهراني سليمان بن داود البصري (حدثنا فليح) مصغرًا (ابن سليمان) بن أبي المغيرة الخزاعي أو الأسلمي أبو يحيى المدني، صدوق، من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (ح وحدثنا الحسن بن علي الحلواني) الهذلي المكي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٨) أبواب (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٨) (عن صالح بن كيسان) الغفاري المدني، ثقة، من (٤) (كلاهما) أي كل من فليح وصالح رويا (عن الزهري) غرضه بيان متابعتهما ليونس ومعمر، وساقا أي ساق فليح وصالح (بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما) أي بإسناد يونس ومعمر يعني عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله عن عائشة رضي الله تعالى عنها
стр. 11189
وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ. كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ.
وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ كَقَوْلِ يُونُسَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ. وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ
ــ
(و) لكن (في حديث فليح) وروايته لفظة (اجتهلته الحمية كما قال معمر وفي حديث صالح احتملته الحمية كقول يونس وزاد) إبراهيم بن سعد (في حديث صالح) بن كيسان وروايته لفظة (قال عروة كانت عائشة) رضي الله تعالى عنها (تكره أن يسب) ويشتم (عندها حسان) بن ثابت (وتقول) عائشة: لا تسبوا حسان (فإنه قال) في المدافعة عن رسول الله ﷺ :
(فإني أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء)
أي وقاية عن طعن عرض محمد وهجوه وذلك لكمال حبها لرسول الله ﷺ وكان حسان يذب عن رسول الله ﷺ بشعره فكرهت أن يذكر عندها بسوء، وتقدم في باب مناقب حسان عن السهيلي أنه لم يقع في القذف والله تعالى أعلم (وزاد) إبراهيم في حديث صالح (أيضًا) أي كما زاد فيه أولًا لفظة (قال عروة قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل) في رميه تعني به صفوان بن معطل ﵁ (ليقول) عندما سمع الإفك الذي قيل فيه (سبحان الله) أي تنزيهًا لله تعالى وعجبًا لإفكهم (فوالذي) أي فأقسمت بالإله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (ما كشفت عن كنف أنثى) أي ما كشفت أنا عن أنثى كنفها وثوبها للاستمتاع بها (قط) أي فيما مضى من عمري فكيف يأفكون عليّ يعني ما جامعتها في حرام أو كان حصورًا، والكنف هنا بفتح الكاف والنون الثوب الذي يستر المرأة وهو كناية عن كونه لم يقارب امرأة قط، وقد تقدم ما فيه في شرح قول عائشة في هذا الحديث (فأدلج فأصبح عند منزلي) (قالت) عائشة (ثم قُتل) ذلك الرجل (بعد ذلك) أي بعدما رموه (شهيدًا في سبيل الله) تعالى في
стр. 11190
وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزاقِ: مُوغِرِينَ.
قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ.
٦٨٤٩ - (٠٠) (٠٠) (حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ
ــ
غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في خلافة عمر ﵄ كما قاله ابن إسحاق (وفي حديث يعقوب بن إبراهيم) أي في روايته لفظة (موعرين في نحر الظهيرة) يعني بالعين المهملة من قولهم أوعر به الطريق أي صار وعرًا صعبًا، ولكن هذه الرواية ضعفها النووي، والصحيح موغرين بالغين المعجمة، وقد تقدم شرحه (وقال عبد الرزاق موغرين) بالغين المعجمة (قال عبد بن حميد قلت لعبد الرزاق ما قوله) أي ما معنى قول الراوي يعني عائشة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا (موغرين) في نحر الظهيرة (قال) عبد الرزاق هي مأخوذة من الوغر و (الوغرة شدة الحر) في وقت الظهيرة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٦٨٤٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني (قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، من (٩) (عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام للزهري (قالت) عائشة (لما ذُكر من شأني الذي ذُكر) من قول أهل الإفك (وما علمت) أي والحال أني ما علمت ولا سمعت (به) أي بالذي ذُكر في شأني (قام رسول الله ﷺ على المنبر (خطيبًا) جواب لما (فتشهد) أي أتى بالشهادتين (فحمد الله) تعالى بوصفه بالكمالات (وأثنى عليه) بتنزيهه من النقائص أي حمده وأثنى عليه (بما) أي بوصف وتنزيه (هو) سبحانه (أهله) أي مستحق له أو بوصف
стр. 11191
ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ. أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُناسٍ أَبنُوا أَهْلِي. وَايمُ اللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ. وَأَبَنُوهُمْ، بِمَنْ، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَاّ وَأَنَا حَاضِرٌ. وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَاّ غَابَ مَعِي"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتي فَسَأَلَ جَارَيتِي. فَقَالَتْ: وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَاّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ عَجِينَهَا. أَوْ قَالَتْ: خَمِيرَهَا - (شَكَّ هِشَامٌ) - فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ
ــ
وتنزيه هو أي ذلك الوصف أهله أي لائق به تعالى (ثم) بعد حمد الله وثنائه (قال: أما بعد أشيروا عليّ) أي تشاوروا لأجل (في) شأن (أناس) ورهط (أبنوا) وعيبوا (أهلي) ومعنى (أبنوا أهلي) بفتح الهمزة والباء المخففة أي اتهموا وعابوا يقال: أبنه يأبنه من بابي نصر وضرب إذا اتهمه ورماه بخلة سوء فهو مأبون (وأيم الله) أي واسم الله قسمي (ما علمت على أهلي من سوء) أي من عيب (قط) أي في زمن من الأزمنة الماضية (وأبنوهم) أي وأبنى أهل الإفك أهلي وعابوهم (بمن) أي برجل بريء (والله ما علمت عليه من سوء) أي من عيب (قط) أي في زمن مضى من عمري (ولا دخل بيتي قط إلَّا وأنا حاضر) فيه يعني من اتهموا أهلي به يعني صفوان رجل لم يُعلم إلَّا خير (ولا غبت) أنا (في سفر إلَّا غاب) ذلك الرجل (معي وساق) أي ذكر هشام بن عروة (الحديث) السابق الذي ذكره الزهري (بقصته) أي ذكره هشام بتفاصيل قصته كما ذكره الزهري من تنازع الأنصاريين وتواثبهم حتى خفضهم النبي صلى الله عليه ويسلم (وفيه) أي وفي الحديث الذي ساقه هشام لفظة قالت عائشة (ولقد دخل رسول الله ﷺ بيتي) أي منزلي (فسأل جاريتي) أي خادمتي بريرة عن شأني وحالي (فقالت) له الجارية (والله ما علمت عليها) يا رسول الله (عيبًا إلَّا أنها كانت ترقد) وتنام فتستغرق في نومها (حتى تدخل الشاة) من الدواجن بيتها (فتأكل عجينها) أي دقيقها المعجون للخبز (أو) قال عروة (قالت) الجارية (خميرها) بدل عجينها (شك هشام) فيما قال عروة والخمير العجين المخلوط بالخميرة والخميرة ما يُخلط بالعجين ليصلح للخبز بسرعة (فانتهرها) أي فانتهر الجارية وأزعجها وخوّفها (بعض أصحابه) ﷺ (فقال) لها ذلك البعض (اصدقي) من باب نصر أي أخبري (رسول الله ﷺ خبر
стр. 11192
حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بهِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللهِ، مَا عَلِمْتُ عَلَيهَا إِلَاّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ.
وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيَل لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللَّهِ، مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ.
قَالَتْ عَائِشَةُ:
ــ
صدق وقوله: (حتى أسقطوا لها) أي حتى صرّح أولئك البعض لها أي للجارية (به) أي بالأمر الذي جرى من الإفك غاية لقوله فانتهرها بعض أصحابه أو حتى أوقعوا لها في الأمر الذي جرى أو حتى قاربوا إسقاطها في الإفك، وفي رواية أبي أويس عند الطبراني أن النبي ﷺ قال لعلي: "شأنك بالجارية" فسألها عني وتوعدها فلم تخبره إلَّا بخير ثم ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سوءًا (حتى أسقطوا لها به) من قولهم أي أسقط الرجل إذا أتى بكلام ساقط، والضمير في قوله به للحديث أو للرجل الذي اتهموها به، وقال ابن الجوزي: حتى صرحوا لها بالأمر الذي جرى، وقيل حتى جاؤوا في خطابها بسقط من القول بسبب ذلك الأمر وضمير لها للجارية وبه عائد على ما تقدم من انتهارها وتهديدها وإلى هذا التأويل كان يذهب أبو مروان بن سرّاج، وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون من قولهم سقط إلى الخبر إذا علمه والمعنى ذكروا لها الحديث وشرحوه (فقالت) الجارية: (سبحان الله والله ما علمت عليها) أي على عائشة (إلَّا ما يعلم الصائغ) الذي يصوغ ويسبك المعادن (على تبر الذهب الأحمر) بالغت في نفي العيب كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
والتبر: القطعة الخالصة من الذهب ووصفه بالأحمر صفة كاشفة، قالت عائشة: (وقد بلغ الأمر) أي أمر الإفك (ذلك الرجل الذي قيل له) أي عنه من الإفك ما قيل تعني صفوان فاللام هنا بمعنى عن كهي في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي عن الذين آمنوا كما قاله ابن الحاجب أو بمعنى في أي قيل فيه ما قيل فهي كقوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي في حياتي (فقال) ذلك الرجل (سبحان الله والله ما كشفت عن كنف أنثى) وسترها (قط) أي فيما مضى من عمري (قالت عائشة
стр. 11193
وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وًيجْمَعُهُ. وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ، وَحِمْنَةُ.
٦٨٥٠ - (٢٧٤٠) (١٠١) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
ــ
وقُتل) ذلك الرجل تعني صفوان (شهيدًا في سبيل الله) في غزوة أرمينية في خلافة عمر رضي الله عنهماه وقوله: (وفيه) معطوف على قوله أولًا (وفيه ولقد دخل رسول الله ﷺ أي وفي حديث هشام (أيضًا) أي كما قلنا أولًا وفيه (من الزيادة) على حديث الزهري (وكان الذين تكلموا به) أي بالإفك، والموصول خبر مقدم لكان واسمها قوله: (مسطح وحمنة وحسان) أي وكان هؤلاء الثلاثة من المسلمين الذين تكلموا بهذا الإفك مع المنافقين (وأما المنافق) الذي هو (عبد الله بن أُبي فهو الذي كان يستوشيه) أي يستوشي الإفك ويستخرجه (ويجمعه) بالبحث والمسألة عنه ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا يدعه يخمد وينعدم (وهو) أي عبد الله بن أُبي هو (الذي تولى) وأشاع (كبره) أي كبر الإفك ومعظمه (وحمنة) بنت جحش أخت أمهات المؤمنين زينب كذلك أي مثل عبد الله بن أُبي في إشاعته.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو براءة حرمه ﷺ من الريبة بحديث أنس ﵁ فقال:
٦٨٥٠ - (٢٧٤٠) (١٠١) (حدثني زهير بن حرب حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الصفّار الأنصاري البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٥) بابًا (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابًا (أخبرنا ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رجلًا) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ ذكر القاضي عياض أنه كان قبطيًا وكان يتكلم مع مارية القبطية رضي الله تعالى
стр. 11194
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيِّ: "اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ" فَأَتَاهُ عَلِيٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ. فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ. فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ. ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنهُ لَمَجْبُوبٌ، مَا لَهُ ذَكَرٌ
ــ
عنها لكونها من أهل وطنه فاتهمه بعض الناس من أجل ذلك (فقال رسول الله ﷺ لعلي) بن أبي طالب ﵁: (اذهب) يا علي إلى ذلك الرجل (فاضرب عنقه) أي فاقتله، وهذا الأمر مشكل جدًا لأن مجرد التهمة لا يكفي للحكم بقتل المتهم حتى يثبت ما يوجبه ببينة أو إقرار، والظاهر أنه لم يكن هناك إقرار ولا بينة لظهور أنه كان مجبوبًا، وذكر بعض العلماء أن النبي ﷺ لم يأمر بقتله بسبب التهمة بل يحتمل أن يكون قد ارتكب فعلًا آخر يُوجب القتل أو كان من المنافقين ولكن يعكر عليه بأن عليًا ﵁ أمسك عن قتله بعدما رآه مجبوبًا فلو كان السبب الموجب للقتل شيئًا آخر غير تهمته بالفاحشة لما أمسك عن ذلك، وقيل أن النبي ﷺ علم بالوحي أنه مجبوب وأن عليًا سيرى منه ذلك فإنما بعثه لتنكشف حقيقته وترتفع تهمته اه من الأبي نقلًا عن القاضي عياض (فأتاه) أي فأتى ذلك الرجل (علي فإذا هو) أي ذلك الرجل (في) جوف (ركي) أي في بئر لم تطو (يتبرد فيها) أي يغتسل فيها طلبًا للبرودة (فقال له علي اخرج فناوله) علي (يده) بدل بعض من ضمير ناوله (فأخرجه) علي (فإذا هو مجبوب) أي مقطوع الذكر (ليس له ذكر فكف علي) نفسه (عنه) أي عن قتله (ثم أتى) علي (النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر) فتركت قتله.
وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم عن أصحاب الأمهات.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان: الأول: حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة والله أعلم.
[تتمة]: -
قال القرطبي: وحديث الإفك هذا فيه أحكام كثيرة لو تُتبعت لطال الأمر فيها وأفضى إلى الملال ومن تفقدها من أهل الفطنة وجدها اه وقد سردها النووي في شرحه، والحافظ في الفتح قالا:
стр. 11195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) منها جواز أن يخدم الأجانب المرأة من وراء حجاب لأن رجالًا من الصحابة كانوا يحملون هودج عائشة رضي الله تعالى عنها وهي فيه.
(٢) ومنها جواز تحلي المرأة بالقلادة ونحوها في السفر لأن عائشة لبست القلادة في السفر ولم ينكر عليها رسول الله ﷺ .
(٣) ومنها أنه يستحسن للمرء أن يتفقد ماله ويصونه من الضياع وإن كان قليلًا لأن قلادة عائشة قليلة لأنها لم تكن من ذهب ولا فضة بل كانت من جزع ظفار وهي غير ثمينة ومع ذلك رجعت عائشة إلى موضع ضياعها مرة ثانية للبحث عنها.
(٤) ومنها أنه يجوز لبعض الجيش أن يتأخروا عن عامة الجيش لحاجة تعرض لهم.
(٥) ومنها أن الإنسان إذا ضاع من رفقته في السفر ينبغي له أن يلزم المكان الذي ضاع فيه ليتيسر وجدانه على رفقته إذا طلبوه لا سيما المرأة لأنه إذا فارق ذلك المكان ربما عسر وجدانه على الباحثين عنه.
(٦) ومنها أن الأدب أن لا يتكلم الرجل مع الأجنبيات بكلام كثير إذا خلا بهن في السفر كما فعل صفوان مع عائشة ﵄.
(٧) ومنها أن الرجل إذا اضطر إلى السير مع الأجنبية في خلوة يتقدم عليها لتأمن من رؤية شيء من جسمها أمامه.
(٨) ومنها أن المرأة تغطي وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحًا أو طالحًا كما فعلت عائشة مع صفوان ﵄.
(٩) ومنها إيثار ذوي الفضل والقدر بالركوب على دابتك وتحمل المشقة لأجل ذلك كما فعل صفوان مع عائشة ﵄.
(١٠) ومنها كتمان أقارب الإنسان عنه ما يؤذيه سماعه حتى يسمعه من غيرهم كما فعل بعائشة أهل بيتها حيث لم يخبروها بما أشاع فيها أهل الإفك حتى سمعت ذلك من أم مسطح.
(١١) ومنها جواز الإعراض عن ملاطفة الزوجة وحُسن المعاشرة معها عند إشاعة
стр. 11196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يقتضي النقص فيها لتتفطن بتغير حال الزوج فتتوب أو تعترف.
(١٢) ومنها وجوب التثبت في أمر من أشيع فيه خبر قبيح وعدم اتهامه بسوء حتى يظهر ما يثبته بطريق شرعي.
(١٣) ومنها أن أزواج النبي ﷺ أولى بالدفاع عنها من أولاد المرء كما سبت أم مسطح ولدها لدفاع الإفك عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
(١٤) ومنها أن أهل بدر لا يمنع وقوع الذنب منهم لأنهم غير معصومين ولكنه مقرون بالتوبة والمغفرة.
(١٥) ومنها توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كان الخروج إلى بيت أبويها كما استأذنت عائشة رضي الله تعالى عنها للنبي ﷺ .
(١٦) ومنها جواز ذكر عيب يسير في المرء لدفع تهمة كبيرة عنه ولا يعد ذلك غيبة كما ذكرت الجارية نوم عائشة رضي الله تعالى عنها عن عجين أهلها ليستدل به على براءتها لأن ذلك أكبر ما رأت فيها من العيب ولكن ينبغي أن يذكر السبب في ذلك العيب اليسير كما قالت الجارية إنها جارية حديثة السن.
(١٧) ومنها أن إدلال المرأة على زوجها لا ينافي تعظيمه فإن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت للنبي ﷺ والله لا أقوم إليه.
والله أعلم إلى غير ذلك من الأحكام المستنبطة من هذا الحديث.
وصلنا إلى هذا المحل في التسويد في تاريخ ٢٠/ ٥/ ١٤٢٨ هـ.
стр. 11197
(١٣) باب صفات المنافقين وأحكامهم
٦٨٥١ - (٢٧٤١) (١٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيةَ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ لأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ
ــ
٧٤٧ - ٧٤٧ - (١٣) باب صفات المنافقين وأحكامهم
٦٨٥١ - (٢٧٤١) (١٠٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن موسى) البغدادي أبو علي الأشيب، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا زهير بن معاوية) بن حديج الجعفي الكوفي، ثقة، من (٧) روى عنه في (١٠) أبواب (حدثنا أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١١) بابًا (أنه سمع زيد بن أرقم) بن قيس بن النعمان الأنصاري الخزرجي المدني الصحابي المشهور ﵁ (يقول): وهذا السند من خماسياته (خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة) ومجاعة وعطش وهي سفر غزوة تبوك، وعند أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق وأيده ابن كثير بأن عبد الله بن أبي لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك بل رجع بطائفة من الجيش لكن أيد في الفتح القول بأنها غزوة تبوك بقوله في رواية زهير هذه (في سفر أصاب الناس فيه شدة) اه قسطلاني (فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه) من المنافقين (لا تنفقوا على من عند رسول الله) ﷺ من المهاجرين (حتى ينفضوا) أي يتفرقوا عنه ويمشوا (من حوله) أي من عنده وجانبه ويبقى محمد ﷺ وحيدًا.
(قال زهير) بن معاوية بالسند السابق: (وهي) أي لفظة من حوله في قول ابن أبي (قراءة من خفض حوله) أي موافقة لقراءة من قرأ حوله بالخفض ولكن لفظ (من حوله) ليس موجودًا في القرآن الكريم ولم يقصد الراوي تلاوة الآية وإنما أراد حكاية كلام عبد الله بن أُبي، قال النووي: قوله: (وهي قراءة من خفض حوله) يعني قراءة من يقرأ (من حوله) بكسر ميم من وبجر لام حوله بها واحترز به عن القراءة الشاذة أي عن قراءة من يقرأ (مَنْ حَوْلَه) بفتح ميم من ولام حوله اه وقال بعض العلماء أن (من حوله) كان
стр. 11198
قَالَ زُهَيْرٌ: وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ خَفَضَ حَوْلَهُ.
وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةٍ ليُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَى فَسَأَلَهُ فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ
ــ
موجودًا في قراءة عبد الله بن مسعود وقرأه بعضهم بكسر الميم واللام في لفظ (مِن حولِه) وبعضهم بفتحهما (مَن حَولَه) وعلى هذا الوجه الثاني تكون من الموصولة بدلًا من ضمير الفاعل في ينفضوا وعلى كلا التقديرين ليس هو موجودًا في القراءات المتواترة اليوم، والظاهر أنها كانت زيادة تفسيرية من قبل عبد الله بن مسعود وثبت أن مثل هذه الزيادات التفسيرية ربما سُميت بالقراءات والله أعلم (وقال) عبد الله بن أُبي أيضًا فهو معطوف على قوله: (فقال عبد الله بن أُبي) والله (لئن رجعنا) من عنده ﷺ كما عند البخاري (إلى المدينة ليخرجن الأعز) يريد نفسه (منها) أي من المدينة (الأذل) يريد رسول الله ﷺ وأصحابه وسبب قوله هذا ما مر في حديث جابر في نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا من كتاب البر والصلة أن رجلًا من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار فقال: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "دعوها فإنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أُبي فقال لئن رجعنا إلى المدينة .. إلخ، فـ (قال) زيد بن أرقم: (فأتيت النبي ﷺ فأخبرته) ﷺ (بذلك) أي بما قاله ابن أُبي، فيه جواز رفع الأمور المنكرة للحاكم لا سيما فيما يخشى عود ضرره على المسلمين اه أبي. وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق (فقال رسول الله ﷺ : "لعلك أخطأ سمعك، لعلك شُبِّه عليك") وفي رواية البخاري: (فذكرت ذلك لعمي) سعد بن عبادة وليس هو عمه حقيقة وإنما هو سيد قومه الخزرج (أو لعمر) بن الخطاب بالشك (فذكره للنبي ﷺ فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أُبي وأصحابه) .. إلخ فلا معارضة بين الروايتين لأنه في رواية مسلم أسقط الواسطة اختصارًا وفي رواية البخاري ذكرها إيضاحًا (فأرسل) رسول الله ﷺ (إلى عبد الله بن أُبي) ليسأله عن مقالته هذه (فسأله) النبي ﷺ عنها (فاجتهد) عبد الله (يمينه) أي بالغ في يمينه وبذل وسعه فيها على أنه (ما فعل) أي ما قال ذلك
стр. 11199
فَقَالَ: كَذَبَ زَيْدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ. حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١].
قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيسْتَغْفِرَ لَهُمْ. قَالَ: فَلَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤]. وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ
ــ
الكلام، وفي رواية البخاري (فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه) (فقال) ابن أُبي للناس وأشاع بينهم (كذب زيد) بن أرقم (رسول الله ﷺ أي أخبره بالكذب بما لم أقله (قال) زيد: (فوقع في نفسي) أي في قلبي (مما قالوه) يعني قولهم كذب زيد رسول الله ﷺ (شدة) أي هم وحزن (حتى أنزل الله) (تصديقي) قال النووي: فيه منقبة له أي ما يصدقني في كتابه العزيز يعني قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ وعند النسائي حتى بلغ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (قال) زيد (ثم دعاهم) أي دعا ابن أُبي وأصحابه (النبي ﷺ ليستغفر لهم) مما قالوا (قال) زيد: (فلووا رؤوسهم) أي عطفوها إعراضًا واستكبارًا عن استغفار الرسول ﷺ لهم أي لوى عبد الله بن أُبي وأصحابه أي حركوا رؤوسهم إشارة إلى الإباء من استغفاره ﷺ لهم ولفوا أعناقهم ووجوههم إلى وراء ظهورهم (وقوله) تعالى مبتدأ (كأنهم خشب) بإسكان الشين وضمها (مسندة) بتشديد النون مقول للمبتدإ والخبر قوله (وقال) زيد بن أرقم معناه (كانوا) أي كان المنافقون (رجالًا أجمل شيء) ممن له جمال، والواو في قوله (وقال) زيادة من النساخ كما هي ساقطة من رواية البخاري ولفظه (وقوله خشب مسندة قال: كانوا رجالًا أجمل شيء) وساقطة أيضًا من نسخة شرح الأبي في الداخل لا في الهامش، قال الحافظ ابن حجر: وهذا وقع في نفس الحديث وليس مدرجًا فقد أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن عمرو بن خالد شيخ المؤلف فيه بهذه الزيادة وكذا أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن زهير اه قسطلاني. قوله: (كأنهم خشب مسندة قال: كانوا رجالًا أجمل شيء) قال الأبي قلت آية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ نزلت توبيخًا لهم لأنهم كانوا رجالًا أجمل شيء وأفصحه منظرهم يروق وقولهم مخلب ولكن لم يغن ذلك عنهم بل كانوا كالخشب المسندة في أنهم لا أفهام لهم نافعة ولا نظير كالخشب المسندة في أنها أجرام لا عقول
стр. 11200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لهم معتمدة على غيرها، ويحتمل أن المشبه بالخشب اصطفافهم في الأندية ولا أفهام لهم كالخشب، وكان من حديث زيد بن أرقم أن عبد الله بن أُبي خرج مع رسول الله ﷺ في غزاة بني المصطلق وهي المريسيع - وهو ما في ناحية قديد مما يلي الساحل - فانتهى الناس إلى ماء سبق إليه المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعض غلب، فورد الماء الجهجاه - بفتح الجيمين وسكون الهاء الأولى - ابن قيس أو ابن سعد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب بفرس لعمر ليسقيه فازدحم هو وسنان بن وبرة الجهني حليف لابن أُبي ابن سلول يعني حليفًا للأوس فكسع - بكاف وسين وعين مهملات مفتوحات - أي ضرب الجهجاه سنانًا فغضب سنان ودعا: يا للأنصار ودعا الجهجاه: يا للمهاجرين، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما دعوى الجاهلية" فأُخبر، فقال: "دعوها فإنها منتنة" واجتمع ابن أُبي في قوم من المنافقين فقال لهم: قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلاليب فلم تسمعوا مني - وكان المنافقون يسمون المهاجرين الجلاليب - وقد تعالوا علينا والله ما مثلنا ومثلهم إلَّا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وقال لهم: إنما بقي هؤلاء المهاجرون مع محمد إلَّا لنفقتكم عليهم ولو قطعتموها تفرّقوا عنه وكان معهم زيد بن أرقم صغيرًا لا يُتحفظ منه فذهب زيد إلى عمه فأخبره بذلك فقال: يا زيد أغضبت عليه أو لعلك وهمت، فحلف زيد ما كان شيء من ذلك ولقد سمعته يقول ذلك فعتب رسول الله ﷺ ابن أُبي في رجال من الأنصار فبلغ ذلك ابن أُبي فجاء وحلف أنه ما قال ذلك، ولقد كذب زيد فكذب رسول الله ﷺ زيدًا وصدّق أيمان ابن أُبي فبقي زيد في منزله لا ينصرف حياءً من الناس، فنزلت هذه السورة عند ذلك فبعث رسول الله ﷺ إلى زيد وقال: "قد صدّقك الله يا زيد ووفت أذنك" فخزي ابن أُبي ومقته الناس ولامه المؤمنون من قومه، وقال له بعضهم: امض إلى رسول الله ﷺ فاعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكارًا لهذا الأمر وقال: قد أشرتم عليّ بالإيمان فآمنت وأشرتم عليّ بإعطاء زكاة مال ففعلت فلم يبق لكم إلَّا أن تأمروني بالسجود لمحمد ﷺ فنزلت الآية اه من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في تفسير سورة
стр. 11201
٦٨٥٢ - (٢٧٤٢) (١٠٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ - وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيبَةَ - (قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ. فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. وَنَفَثَ عَلَيهِ مِنْ رِيقِهِ. وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. فَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
المنافقين [٤٩٠٠]، والترمذي في التفسير باب من سورة المنافقين [٣٣٠٩ و ٣٣١٠].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث زبد بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٨٥٢ - (٢٧٤٢) (١٠٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأحمد بن عبدة) بن موسى (الضبي) نسبة إلى ضبة بن أن بن طابخة أبو عبد الله البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قال ابن عبدة: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (أنه سمع جابرًا) ابن عبد الله (يقول): وهذا السند من رباعياته (أتى النبي ﷺ بالرفع على الفاعلية (قبر عبد الله بن أُبي) ابن سلول رئيس المنافقين (فأخرجه) النبي ﷺ (من قبره فوضعه على ركبتيه ونفث) أي نفخ النبي ﷺ (عليه) أي على ابن أُبي (من ريقه) الخفيف (وألبسه) النبي ﷺ (قميصه) ثم دفنوه (فالله أعلم) بحكمة فعل رسول الله ﷺ به ذلك، قيل إنما فعل ذلك به مبرة بابنه لأنه كان رجلًا صالحًا وأنه سأله أن يعطيه قميصه. وقد تقدم الكلام على ذلك.
قوله: (فأخرجه من قبره) وكان أهل عبد الله بن أُبي خشوا على النبي ﷺ المشقة في حضوره فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي ﷺ فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه إنجازًا بوعده في تكفينه بقميصه والصلاة عليه كذا في فتح الباري [٣/ ١٣٩] وإنما فعل به النبي ﷺ هذا مع علمه بكونه منافقًا إجراءً له على ظاهر حاله وإكرامه لابنه لأنه كان مؤمنًا صادقًا وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في مواضع منها في باب اللباس باب لبس القميص [٥٧٩٥]، والنسائي في الجنائز باب إخراج الميت من اللحد [٢٠١٩
стр. 11202
٦٨٥٣ - (٠٠) (٠٠) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ، بَعْدَمَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
٦٨٥٤ - (٢٧٤٣) (١٠٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَما تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، ابْنُ سَلُوَلَ، جَاءَ ابْنُهُ، عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ
ــ
و٢٠٢٠] وباب القميص في الكفن [١٩٠١]، وابن ماجه في الجنائز باب في الصلاة على أهل القبلة [١٥٢٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
٦٨٥٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني أحمد بن يوسف) بن خالد بن سالم (الأزدي) السلمي المعروف بحمدان النيسابوري، ثقة، من (١١) روى عنه في (١١) بابًا (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) (أخبرني عمرو بن دينار) الجمحي المكي (قال: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵁ (يقول): وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة (جاء النبي ﷺ إلى عبد الله بن أُبي بعدما أُدخل حفرته) أي قبره (فذكر) ابن جريج (بمثل حديث سفيان) بن عيينة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث زيد بن أرقم بحديث ابن عمر ﵃ فقال:
٦٨٥٤ - (٢٧٤٣) (١٠٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص العمري المدني، ثقة، من (٥) (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عمر (لما تُوفي) ومات (عبد الله بن أُبي) اسم أبيه صفة أولى لعبد الله (ابن سلول) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث بالرفع صفة ثانية اسم أمه ولذا كُتب فيه همزة الوصل لفصله عن موصوفه بالصفة الأولى كما هو القاعدة عند النحاة (جاء ابنه عبد الله بن عبد الله) بن أُبي
стр. 11203
إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ. فَأَعْطَاهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا خَيرَنِي اللهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾
ــ
وكان رجلًا صالحًا، والجملة جواب لما (إلى رسول الله ﷺ فسأله) أي سأل ذلك الابن رسول الله ﷺ (أن يعطيه قميصه) حالة كونه يريد أن (يكفن فيه أباه فأعطاه) أي فأعطى النبي ﷺ لذلك الابن قميصه، قال الكرماني: لِمَ أعطى قميصه لمنافق فأجاب بقوله أعطى لابنه وما أعطى لأجل أبيه عبد الله بن أُبي، وقيل كان ذلك مكافأة له على ما أعطى يوم بدر قميصًا للعباس لئلا يكون للمنافق عليهم منة اه (ثم سأله) أي ثم سأل ذلك الابن النبي ﷺ (أن يصلي) النبي ﷺ (عليه) أي على أبيه عبد الله بن أُبي صلاة الجنازة وإنما سأله ذلك بناءً على أنه حمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام ولدفع العار عنه وعن عشيرته فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ ووقعت إجابته إلى سؤاله على حسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك اه عيني (فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر) بن الخطاب ﵁ (فأخذ) أي أمسك (بثوب رسول الله ﷺ فقال) عمر: (يا رسول الله أتصلي عليه) أي على عبد الله المنافق (وقد نهاك الله) (أن تصلي عليه) أي على عبد الله وعلى سائر المنافقين، لعل عمر ﵁ استفاد النهي من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، أو استفاد من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ الآية، فإنه إذا لم يكن للاستغفار فائدة فالصلاة عليهم تكون عبثًا فيكون منهيًا، وقال القرطبي: لعل ذلك النهي وقع في خاطر عمر فيكون من قبل الإلهام والفراسة كذا في العيني (فقال رسول الله ﷺ لعمر: (إنما خيّرني الله) بين الاستغفار لهم وترك الاستغفار لهم (فقال) الله سبحانه في تخييري (﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]
стр. 11204
وَسَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ" قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
٦٨٥٥ - (٠٠) (٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى،
ــ
(وسأزيده) أي أزيد الاستغفار لهم (على سبعين) مرة ليغفر الله لهم (قال) عمر (إنه) أي إن عبد الله بن أُبي (منافق) فلا ينبغي لك يا رسول الله أن تصلي عليه فأبى النبي ﷺ من قبول قول عمر (فصلى عليه) أي على ابن أُبي (رسول الله ﷺ معرضًا عما قال عمر (فأنزل الله في ذلك على وفق قول عمر قوله: (﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾) التوبة: ٨٤].
قوله: (﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾) سد لباب الاستغفار والدعاء للمشركين، قال الزمخشري: (فإن قلت) كيف خفي على النبي ﷺ أن السبعين مثل في التكثير لا تحديد وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاتهم (قلت): إنه لم يخف عليه ذلك ولكنه خيل بما قال إظهارًا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليهم كقول إبراهيم ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي إظهار النبي ﷺ الرحمة والرأفة لُطف لأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض اه باختصار، قال في فتوح الغيب: قوله: (خيّل) أي صوّر في خياله أو في خيال السامع ظاهر اللفظ وهو العدد المخصوص دون المعنى الخفي المراد وهو التكثير اه منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري أخرجه في مواضع منها في تفسير سورة براءة باب ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [٤٦٧٢]، والترمذي في تفسير سورة التوبة [٣٠٩٨]، وهذا الحديث أخرجه المصنف أيضًا في باب فضائل عمر ﵁ وتقدم تخريجه وشرحه هناك مبسوطًا.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٦٨٥٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قالا: حدثنا يحيى) بن
стр. 11205
(وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ: فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ.
٦٨٥٦ - (٢٧٤٤) (١٠٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ. أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ. قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ. كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ
ــ
سعيد (وهو القطان عن عبيد الله) بن عمر بن حفص، غرضه بيان متابعة يحيى لأبي أسامة (بهذا الإسناد) يعني عن نافع عن ابن عمر، وساق (نحوه) أي نحو ما حدّث أبو أسامة (وزاد) يحيى القطان لفظة (قال) ابن عمر (فترك) النبي ﷺ (الصلاة عليهم) أي على المنافقين بعد هذه الآية.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث زيد بن أرقم بحديث ابن مسعود ﵄ فقال:
٦٨٥٦ - (٢٧٤٤) (١٠٥) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) محمد العدني (المكي) صدوق، من (١٠) (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة، من (٥) روى عنه في (٢٠) بابًا (عن مجاهد) بن جبر المخزومي المكي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن أبي معمر) عبد الله بن سخبرة الأسدي الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٥) أبواب (عن ابن مسعود) ﵁. وهذا السند من سداسياته (قال) عبد الله: (اجتمع عند البيت) أي عند الكعبة (ثلاثة نفر قرشيان وثقفي) وذكر الثعلبي وتبعه البغوي أن الثقفي عبد ياليل بن عمرو بن عمير والقرشيان صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف اه فتح الباري [٨/ ٥٦٢] (أو) قال الراوي (ثقفيان وقرشي) وعند بشكوال القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريف والآخر لم يسم اه قسط، وهذا الشك من أبي معمر تلميذ مجاهد وأخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود ولفظه ثقفي وختناه قرشيان ولم يشك وأخرجه المصنف في الرواية الآتية لكنه لم يسق لفظه، وفي رواية روح بن القاسم عند البخاري كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف، والختن بفتحتين كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ (قليل فقه قلوبهم) أي فهمها (كثير شحم بطونهم) فيه إشارة إلى سمنهم وإلى أن سمن الجسم ربما لا يجتمع مع
следующие страницы →