Полный текст (11 982 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ. حَدَّثَنَا قَيسٌ. قَال: سَمِعْتُ مُسْتَوْرِدًا، أَخَا بَنِي فِهْرٍ، يَقُولُ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "وَاللهِ، مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ يَحْيَى بِالسَّبَّابَةِ- فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟ "
ــ
سبع وسبعين ومائة (١٧٧) (ح وحدثني محمَّد بن رافع) القشيري (حدَّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة عبد الله بن إدريس وعبد الله بن نمير ومحمد بن بشر وموسى بن أعين وأبي أسامة رووا (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعيد البجلي الأحمسي الكوفيّ، ثقة، من (٤) روى عنه في (٨) أبواب (ح وحدثني محمَّد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (١١) بابا (واللفظ له حدَّثنا يَحْيَى بن سعيد) القطان البصري (حدَّثنا إسماعيل) بن أبي خالد (حدَّثنا قيس) بن أبي حازم عوف بن عبد الحارث البجلي الأحمسي الكوفيّ، أحد كبار التّابعين وأعيانهم، ثقة مخضرم، من (٢) روى عنه في (١٠) أبواب (قال سمعت مستوردًا) بن شداد بن عمرو القرشي الفهري الحجازي نزيل الكوفة، الصحابي المشهور ﵁ (أخا بني فهر يقول) وهذه الأسانيد كلُّها من خماسياته (قال رسول الله ﷺ : والله ما الدُّنيا في الآخرة) أي بالنسبة إلى الآخرة وبمقابلتها (إلَّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه وأشار يَحْيَى) القطان (بالسبابة في اليم) متعلق بيجعل أي إلَّا قدر ما يعلى بالإصبع من الماء إذا جعل أحدكم إصبعه في اليم أي في البحر (فلينظر) أحدكم (بم يرجع) أي بم يأخذ بإصبعه من ماء البحر إذا رفع إصبعه من البحر، ومعناه لا يعلق بها كثير من الماء قال النووي: ومعنى الحديث ما الدُّنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام نعيمها ولذاتها إلَّا كنسبة الماء الذي يعلى بالإصبع إلى باقي البحر، وهذا التمثيل للتقريب إلى الأفهام وإلا فالآخرة أعظم وأجل من البحر لأنَّ البحر مهما كان واسعًا فإنَّه فإن متناه ونعيم الآخرة باق غير متناه، قال النووي: ضبطوا (بم يرجع) بالتاء المثناة فوق فضمير الفاعل يعود إلى الإصبع، وبالمثناة تحت فالضمير يرجع إلى أحدكم، والأول أظهر وأشهر، ويحتمل أنَّه تمثيل لنسبة مساحة الدُّنيا من مساحة الآخرة وبين ذلك حديث أدنى أهل الجنَّة منزلة من
стр. 11412
وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا، غَيرَ يَحْيَى: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذلِكَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: عَنِ المُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ، أَخِي بَنِي فِهْرٍ.
وَفِي حَدِيثِهِ أَيضًا: قَال: وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِالإِبْهَامِ.
٧٠٢٥ - (٢٨٣١) (١٩١) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَن حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ،
ــ
له مثل الدُّنيا وعشرة أمثالها، ويحتمل أنَّه تمثيل لقلة نعيم الدُّنيا وكثرة نعيم الآخرة، أو تمثيل لانقطاع نعيم الدُّنيا ودوام نعيم الآخرة ونسبة أمر الدُّنيا في ذلك كنسبة ما تعلق بالإصبع من الماء إلى ما بقي في البحر (وفي حديثهم جميعًا) أي وفي حديث هؤلاء الستة الذين رووا عن إسماعيل ابن أبي خالد (غير يَحْيَى) القطان لفظة (سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك) الحديث أي قال المستورد: سمعت رسول الله ﷺ ، ففي روايتهم جميعًا تصريح بسماع المستورد من النَّبيِّ ﷺ (وفي حديث أبي أسامة) وروايته عن إسماعيل بن أبي خالد لفظة (عن المستورد بن شداد أخي بني فهر) أي ففي روايته العنعنة (وفي حديثه) أي وفي حديث أبي أسامة وروايته عن إسماعيل (أيضًا) أي كما في حديثه العنعنة عن المستورد (قال) أبو أسامة (وأشار إسماعيل) بن أبي خالد (بالإبهام) بدل السبابة، قال القاضي: كذا لجميعهم، وعند السمرقندي (بالبهام) وهو خطأ، لأنَّ البهام جمع بهمة وهي صغار الضأن، والمعروف رواية السبابة في الأوَّل لأنَّها التي تقع بها الإشارة اهـ من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث التِّرمذيُّ في الزهد باب بلا ترجمة [٢٣٢٣]، وابن ماجة في الزهد باب مثل الدُّنيا [٤١٦٠].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الحشر وهو الجزء السادس من الترجمة أيضًا بحديث عائشة ﵂ فقال:
٧٠٢٥ - (٢٨٣١) (١٩١) (وحدثني زهير بن حرب حدَّثنا يَحْيَى بن سعيد) القطان (عن حاتم بن أبي صغيرة) مسلم أبو يونس البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (حدثني) عبد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التميمي
стр. 11413
عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بعْضٍ؟ قَال ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بعْضٍ"
ــ
أبو بكر المكيّ، ثقة، من (٣) روى عنه في (٢٠) بابا (عن القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصِّديق التَّيميُّ المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته (قالت) عائشة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول يحشر) أي يجمع (النَّاس) في المحشر (يوم القيامة) حالة كونهم (حفاة) جمع حاف وهو من ليس في رجليه فعل أو حذاء، وحالة كونهم (عراة) جمع عار وهو من ليس على جسده لباس، وحالة كونهم (غرلًا) بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف وهو الذي لم يختن وبقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر، قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع منه شيء يرد إليه حتَّى الأقلف، وقال أبو الوفا بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فتكون أرق فلما أزالوا تلك القطعة في الدُّنيا أعادها الله تعالى ليذيقها من حلاوة فضله اهـ فتح الباري.
(قوله عراة) وقد استشكل على هذا الحديث بحديث أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان أنَّه لما حضر أبا سعيد الخدري الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: "إن الميت يبعث يوم القيامة في ثيابه التي مات فيها" وجمع بعضهم بينهما بأن بعضهم يحشر عاريًا وبعضهم كاسيًا عملًا بالحديثين، أو بأنهم يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة، وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء، ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم، وقيل غير ذلك، وهذه التأويلات كلها خلاف الظاهر، ولعل أولاها بالقبول حمله على الشهداء فقط لأن ما جاء في حديث الباب مؤيد بقوله تعالى: (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾) اهـ فتح الباري باختصار [١١/ ٣٨٤].
قالت عائشة (قلت يا رسول الله النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى) عورة (بعض) حينئذٍ (قال ﷺ : يا عائشة الأمر) أي أمر يوم القيامة وهوله (أشد) أي أشغل (من أن ينظر بعضهم إلى بعض) أي من نظر بعضهم إلى عورة بعض.
стр. 11414
٧٠٢٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَابْنُ نُمَيرٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحمَرُ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ "غُرْلًا".
٧٠٢٧ - (٢٨٢٢) (١٩٢) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنَّكُمْ مُلاقو اللهِ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخاريّ في الرقاق باب الحشر [٦٥٢٧]، والنَّسائيُّ في الجنائز باب البعث [٢٠٨٣]، وابن ماجة في الزهد باب ذكر البعث [٤٣٣٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٧٠٢٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة و) محمَّد بن عبد الله (بن نمير قالا: حدَّثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفيّ، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن حاتم بن أبي صغيرة) مسلم البصري (بهذا الإسناد) يعني عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، غرضه بيان متابعة أبي خالد الأحمر ليحيى القطان (و) لكن (لم يذكر) أبو خالد (في حديثه) أي في روايته لفظة (غرلًا).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث ابن عباس ﵄ فقال:
٧٠٢٧ - (٢٨٢٢) (١٩٢) (حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم و) محمَّد بن يَحْيَى (بن أبي عمر) العدني المكي (قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخرون: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفيّ (عن ابن عباس) ﵄، وهذا السند من خماسياته، أنَّه (سمع النَّبيَّ ﷺ يخطب) أي يعظ النَّاس (وهو) ﷺ (يقول) للنَّاس: (إنكم) أيها النَّاس (ملاقو الله) لا محالة يوم القيامة مشاة حفاة
стр. 11415
مُشَاةً حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا"، وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيرٌ فِي حَدِيثِهِ: يَخطُبُ.
٧٠٢٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (وَاللَّفْظُ لابنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا
ــ
أي ماشين على أرجلكم إلى أرض المحشر جمع ماش (عراة) أي عارين عن اللباس (غرلًا) أي غير مختونين جمع أغرل وهو الذي لم يختن وبقيت عليه غرلته وهي قلفته وهي الجلدة تقطع في الختان، والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا لا شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتَّى الغرلة تكون معهم اهـ نووي (و) لكن (لم يذكر زهير في حديثه) أي في روايته لفظة (يخطب).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخاريّ في مواضع منها في الرقاق باب الحشر [٦٥٢٤ إلى ٦٥٢٦]، والترمذي في تفسير سورة الأنبياء [٣١٦٧]، والنَّسائيُّ في الجنائز باب ذكر أول من يكسى [٢٠٨٧].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٠٢٨ - (٠٠) (٠٠) (حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا وكيع ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ) العنبري البصري (حدَّثنا أبي) معاذ بن معاذ (كلاهما) أي كل من وكيع ومعاذ بن معاذ رويا (عن شعبة ح وحدثنا محمَّد بن المثني ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثني قالا: حدَّثنا محمَّد بن جعفر) الهذلي البصري غندر (حدَّثنا شعبة عن المغيرة بن النُّعمان) النَّخعيُّ الكوفيّ، روى عن سعيد بن جبير في صفة الحشر والتفسير وأبي الزُّبير وطائفة، ويروي عنه (خ م د ت س) وشعبة والثوري ومسعر وعتبة بن سعيد وشريك وغيرهم، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهم حديثان، وقال في التقريب: ثقة، من السادسة (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس) ﵄. وهذه الأسانيد كلُّها من سداسياته، غرضه بسوقها بيان متابعة المغيرة بن النُّعمان لعمرو بن دينار (قال) ابن عباس (قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا)
стр. 11416
بِمَوْعِظَةٍ. فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أَلا وإنَّ أَوَّلَ الْخَلائقِ يُكْسَى، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ، ﵇، أَلا وَإِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ. فَأقُولُ: يَا رَبِّ، أَصحَابِي
ــ
أي واعظًا (بموعظة) متعلق بخطيبًا وفائدة ذكره التأكيد أو متعلق بقام، والموعظة كل ما اشتمل على الترغيب والترهيب، والخطبة أعم منها (فقال) في خطبته (يا أيها الناس إنكم تحشرون) يوم القيامة في أرض المحشر راجعين (إلى الله) سبحانه للمحاسبة والمجازاة، حالة كونكم (حفاة) عن النعال (عراة) عن اللباس (غرلًا) أي غير مختونين، ومصداق ما ذكرته لكم قوله تعالى في كتابه العزيز (﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) قال الأبي: والأظهر أن مقام التكرمة عدم حشر الأنبياء كذلك. [فإن قلت] قوله أول من يكسى إبراهيم. فالجواب أنَّه يكسى عنه خروجه من القبر (ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ والحكمة في كونه أول من يكسى أنَّه جرد حين ألقي في النَّار، وقيل لأنَّه أول من استن التستر بالسراويل، وقيل إنَّه لم يكن في الأرض (أي في زمنه) أخوف لله منه فعجلت له الكسوة أمانًا ليطمئن قلبه.
قوله: (ألا وإن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) عبارة القرطبي هنا: هذا الحديث يدل على أن النَّاس كلهم الأنبياء وغيرهم يحشرون عراة كما قال في الحديث المتقدم وأن أهل السعادة يكسون من ثياب الجنَّة ولا شك في أن من كسي من ثياب الجنَّة فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه وحر الشَّمس والنَّار وغير ذلك فظاهر عمومه يقتضي أن إبراهيم يكسى قبل نبينا محمَّد ﷺ فيجوز أن يكون هذا من خصائص إبراهيم كما قد خص موسى ﵇ بأن النَّبيَّ ﷺ يجده متعلقًا بساق العرش، مع أن النَّبيَّ ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه مطلقًا بل هو أفضل من وافى القيامة وسيد ولد آدم كما دللنا عليه فيما تقدم، ويجوز أن يراد بالنَّاس من عداه من النَّاس فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
(ألا) أي انتبهوا واستمعوا (وإنَّه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم) أي يساق بهم (ذات الشمال) أي إلى جهة النَّار (فأقول يا رب) هم (أصحابي) أطلق عليهم لفظ
стр. 11417
فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأقُولُ، كَمَا قَال الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] قَال: فَيُقَالُ لي: إِنَّهُم لَم يزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أَعقَابِهِم مُنذُ فارَقتَهُم".
وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَمُعَاذٍ "فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ"
ــ
الأصحاب نظرًا إلى ما كانوا عليه في حياته ﷺ (فيقال) له من جهة الله (إنك لا تدري) ولا تعلم يا محمَّد (ما أحدثوا بعدك) من الارتداد (فأقول) حينئذٍ كما قال العبد الصالح) يعني عيسى ﵇: (﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]) (قال) رسول الله ﷺ : (فيقال لي إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم) أي راجعين إلى دينهم الأوَّل الذي هو الشرك بالله (منذ فارقتهم) أي بعدما فارقتهم بالوفاة (وفي حديث وكيع ومعاذ) بن معاذ أي في روايتهما لفظة (فيقال) لي: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) بدل ما قال غيرهما لفظة (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) والمعنى واحد.
وقد بسطنا الكلام على معنى هذا الحديث في كتاب الفضائل باب إثبات حوض النَّبيِّ ﷺ وذكرنا هناك أن الراجح أن مصداق هؤلاء الرجال الذي طردوا عن الحوض هم الذين ارتدوا في عهد أبي بكر ﵁.
(فإن قلت): قد دل هذا الحديث بقوله إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ على أن إبراهيم أفضل من نبينا ﷺ لأنَّه يكسى أول الخلائق.
(قلت): هذا فضل جزئي حصل له لما ذكرنا من الحكمة السابقة فلا يستلزم أن يكون أفضل من النَّبيِّ الكريم ﷺ على الإطلاق.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 11418
٧٠٢٩ - (٢٨٣٣) (١٩٣) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاثِ طَرَائِقَ: رَاغبِينَ رَاهِبِينَ. وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ. وَثَلاثةٌ عَلَى بَعِيرٍ. وَأَرْبَعَة عَلَى بَعِيرٍ. وَعَشَرَة عَلَى بَعِيرٍ. وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ. تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيثُ بَاتُوا. وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيثُ أَضبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيثُ أَمْسَوْا"
ــ
٧٠٢٩ - (٢٨٣٣) (١٩٣) (حدثني زهير بن حرب حدثنا أحمد بن إسحاق) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي مولاهم أبو إسحاق البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٧) أبواب (ح وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي، صدوق، من (١٠) (حدثنا بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) كلاهما (قالا جميعًا) يعني أحمد بن إسحاق وبهزًا (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني الحميري، ثقة، من (٦) (عن أبيه) طاوس بن كيسان، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذان السندان من سداسياته (عن النبي ﷺ قال: يحشر الناس) يوم القيامة (على ثلاث طرائق) أي على ثلاثة أقسام من الكيفيات، والمراد بالطرائق الأحوال المختلفة والكيفيات المتنوعة، قسم منها من يحشر حالة كونهم (راغبين) في الثواب (راهبين) أي خائفين في العقاب وهم عامة المؤمنين وهم من خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيترددون بين الخوف والرجاء يخافون عاقبة سيئاتهم ويرجون رحمة الله بأيمانهم وهم أصحاب الميمنة (و) قسم منها من يحشر راغبين (اثنان) منهم (على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير) وهم السابقون المقربون وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانًا، وقسم منها تحشرهم النار، وذكره بقوله: (وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا) من القيلولة وهو الاستراحة في وسط النهار (وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا) وهم أصحاب المشامة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الرقاق باب الحشر [٦٥٢٢]، والنسائي في الجنازة [٢٥٨٥].
стр. 11419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تتمة]: -
واختلف العلماء في معنى هذا الحديث فذكر بعضهم أن المراد من الحشر في هذا الحديث هو الحشر من القبور الذي سيقع في الآخرة والفرق الثلاثة المذكورة في الحديث نظير قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ فالمراد من قوله راغبين راهبين عامة المؤمنين وهم من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيترددون بين الخوف والرجاء يخافون عاقبة سيئاتهم ويرجون رحمة الله بإيمانهم وهؤلاء أصحاب الميمنة. وقوله: (واثنان على بعير وثلاثة على بعير إلى قوله وعشرة على بعير) يراد به السابقون المقربون وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانًا، وركوبهم يحتمل الحمل دفعة واحدة تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من البعران، ويحتمل أن يراد به التعاقب وإنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة كالأنبياء ليقع الامتياز بين النبي ومن دونه من السابقين في المراكب كما وقع في المراتب، وأما قوله: (وتحشر بقيتهم النار الخ) فإنما أراد به أصحاب المشأمة، والمراد من كون النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل حيث قالوا أنها تلزمهم كل وقت ولا تفارقهم، وهذا معنى على القول بأن المراد من الحشر المذكور في الحديث هو الحشر من القبور إلى الآخرة وعلى هذا المعنى حلنا السابق آنفًا.
وذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الحشر المذكور في هذا الحديث هو حشر يقع في الدنيا بقرب القيامة وهو من أشراط الساعة التي ستأتي في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعًا "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات" فذكر الدخان والدجال إلى أن قال وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم "وعلى هذا القول نقول في حل معنى الحديث (عن أبي هريرة) " ﵁ (عن النبي ﷺ أنه قال يحشر الناس على ثلاث طرائق) أي على ثلاث فرق فرقة تحشر (راغبين راهبين) وهذه الفرقة هي التي اغتنمت الفرصة وسارت على فصحة من الظهر وشمرة من الزاد راغبة فيما تستقبله راهبة عما تستدبره (و) الفرقة الثانية تقاعدت حتى قل الظهر وضاق على أن يسعهم لركوبهم فردًا فردًا فاشتركوا فركب منهم (اثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة) يعتقبون (على
стр. 11420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعير) ولم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة اكتفاء بما ذكر (وتحشر بقيتهم النار) لعجزهم عن تحصيل ما يركبونه وهي الفرقة الثالثة، والمراد بالنار هنا نار الدنيا لا نار الآخرة، وقيل المراد نار الفتنة وليس المراد نار الآخرة، قال الطيبي لقوله: وتحشر بقيتهم النار فإن النار هي الحاشرة ولو أريد ذلك المعنى لقال إلى النار، ولقوله: (تقيل) من القيلولة أي تستريح (معهم) حيث قالوا (وتبيت) من البيتوتة (معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا) فإنها جملة مستأنفة سيقت لبيان الكلام السابق فإن الضمير في تقيل راجع على النار الحاشرة وهو من الاستعارة فيدل على أنها ليست النار الحقيقية بل نار الفتنة كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ اهـ ولا يمتنع إطلاق النار على الحقيقية وهي التي تخرج من عدن، وعلى المجازية وهي الفتنة إذ لا تنافي بينهما، وفي حديث حذيفة بن أسيد بفتح الهمزة عند مسلم المذكور فيه الآيات الكائنة قبل قيام الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وفيه وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس، وفي رواية له تطرد الناس إلى حشرهم، وفي حديث معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم رفعه إنكم تحشرون ونحا بيده نحو الشام رجالًا وركبانًا وتجرون على وجوهكم رواه الترمذي والنسائي بسند قوي، وعند أحمد بسند لا بأس به حديث ستكون هجرة بعد هجرة وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم ولا يبقى في الأرض إلا شرارها تلفظهم أرضوهم وتحشرهم النار مع القردة والخنازير تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وفي حديث أبي ذر عند أحمد والنسائي والبيهقي حدثني الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم .. الحديث، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين فقال: يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ذات ظهر حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب أي يشتري الناقة المسنة لأجل ركوبها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار على الذي عزم الرحيل عنه، وعزة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، لكن استشكل قوله فيه يوم القيامة. وأجيب بأنه مؤول على أن المراد بذلك أن يوم القيامة يعقب ذلك فيكون من مجاز المجاورة ويتعين ذلك لما وقع فيه أن الظهر يقل لما يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل يشتري الشارف بالحديقة المعجبة فإن ذلك ظاهر جدًّا في أنه من أحوال الدنيا لا بعد
стр. 11421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البعث ومن أين للذين يبعثون بعد الموت حفاة عراة حدائق يدفعونها في الشوارف اهـ من القسطلاني.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنا عشر حديثًا؛ الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث حارثة بن وهب ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والرابع: حديث أبي هريرة الثالث ذكره للاستشهاد، والخامس: حديث عبد الله بن زمعة ذكره للاستشهاد، والسادس: حديث أبي هريرة الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والسابع: حديث أبي هريرة الخامس ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة، والثامن: حديث أبي هريرة السادس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والتاسع: حديث المستورد بن شداد ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة، والعاشر: حديث عائشة ذكره للاستشهاد به على الجزء السادس من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والحادي عشر: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني عشر: حديث أبي هريرة السابع ذكره للاستشهاد. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهذا آخر ما يسر الله تعالى لي في آخر المجلد الخامس عشر من هذا التعليق المختصر الذي وضعته مساعدة لطلاب هذا العصر في معرفة اصطلاحات صحيح مسلم لأنهم دفنوها كما دفنت الموءودة لقلة اعتنائهم بها ولكلة هممهم فيها.
وجملة ما شرحنا في هذا المجلد الخامس عشر من الأحاديث الغير المكررة استدلالًا واستشهادًا مائة وثلاث وتسعون (١٩٣) وجملة ما فيه من التراجم إحدى وعشرون ترجمة (٢١).
وهذا آخر ما أولانا الله سبحانه بإتمامه بعدما وفقنا بابتدائه فله الحمد على هذه المنة والشكر له على كل النعمة، ونسأله العفو والعافية والمعافاة الدائمة لنخدم بها أحاديث نبيه ﷺ كل الخدمة بقدر فهمنا السقيم وطاقتنا البشرية وسائر العلوم الدينية وجميع ما يتعلق بها من العلوم العربية.
стр. 11422
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكان الفراغ منه في أواخر يوم الجمعة بعد صلاة العصر الوسطى اليوم الثامن والعشرين من الشهر السادس ٢٨/ ٦ / ١٤٢٨ هـ من الهجرة المصطفية على صاحبها أفضل الصلاة والصلات وأزكى التحيات، وكان الشروع فيه أواخر ليلة الجمعة قبيل صلاة الفجر الليلة العشرين من الشهر الثاني في تاريخ ٢٠/ ٢ / ١٤٢٨ هـ ـ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية وعلى آله وأصحابه ذوي المقامات السنية وعلى التابعين لهم إلى يوم القيامة، وكانت مدة كتابته أربعة أشهر وستة عشر يومًا تقريبًا.
ولله در من قال:
كرر علي حديثهم يا حادي ... فحديثهم فيه الشفا لفؤادي
كرر علي حديثهم فلربما ... لان الحديد بضربة الحداد
والحمد لله الذي تتم به الصالحات، والصلاة والسلام على سيد الخليقات، وعلى آله وأصحابه السادات القادات، وتابعيهم بإحسان إلى يوم القيامات يوم الحشر والمجازات.
تم المجلد الخامس عشر من الكوكب الوهاج والروض البهاج على صحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى ويليه المجلد السادس عشر وأوله باب في صفة يوم القيامة (١).
أعاذنا الله سبحانه من جميع أهوالها بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أكمل ألف ألف آمينا
* * *
ــ
(١) وهذا حسب تقسيم المؤلف حفظه الله لنسخته الخطية في (١٦) مجلدًا، ثم ارتأى حفظه الله بعد دفعه للطباعة أن يكون في (٢٦) مجلدًا.
стр. 11423
شرح صحيح مسلم المسمى الكوكب الوهاج والروض البهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج
جمع وَتأليف
مُحمد الأَمِين بن عبد الله الأرمي
العَلَوي الهَرَريّ الشافِعيّ
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
البروفسور هاشم علي مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
الجزء السادس والعشرون
دار المنهاج
دار طوق النجاة
стр. 11424
الطبعَة الأولى
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
جميع الحقوق محفوظة للناشر
دار المنهاج
جدة- السعودية
دار طوق النجاة
بيروت- لبنان
стр. 11425
شرح صحيح مسلم
стр. 11426
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 11427
تفرج بالروض البهاج ... واستضيء بالكوكب الوهاج
فإنه وصلة المحتاج ... إلى صحيح مسلم بن الحجاج
وقد نظم بعضهم قول لقمان الحكيم لولده إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك فقال:
الصمت زين والسكوت سلامة ... فإذا نطقت فلا تكن مكثارًا
ما إن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارًا
قال الزمخشري:
قضاة زماننا صاروا لصوصًا ... عمومًا في القضايا لا خصوصًا
خشينا منهمو لو صافحونا ... للصوا من خواتمنا فصوصًا
وبعضهم:
ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد العيش لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت
стр. 11428
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٥٧ - (١) باب قيام الناس في عرقهم على قدر أعمالهم ودنو الشمس إليهم وخطبته ﷺ وتعليمه الناس
٧٠٣٠ - (٢٨٣٤) (١) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْب وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيدُ اللهِ
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتفرد بجلاله وجماله، المتصف بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله، والشكر له على نواله، شكرا يوافي محصوله، ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، شهادة عبد أقر بربوبيته، وقام بعبوديته، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، وعلى آله وصحبه ذوي التقا والكرم والجود، صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين، صلاة تحل بها العقد، وتفك بها الكرب، وتبلغ بها العبد غاية ما طلب، من رضاك الأدوم نهاية الأرب، صلاة أرقى بها مراقي الإخلاص، وأنال بها غاية الاختصاص، صلاتك التي صليت عليه دائمة بدوامك، باقية ببقائك، عدد ما أحاط به علمك، وجرى به قلمك، أنت الإله الأعز الأكرم.
أما بعد: فإني لما فرغت من تسطير المجلد الخامس عشر تفرغت لتسويد المجلد السادس عشر بما عندي من نفائس العلوم الناقلة وعرائس الفيوض الهاطلة، مستمدًا من فيض الله الكريم، ومستمطرًا من سحائب جوده العميم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، فقلت وقولي هذا:
٧٥٧ - (١) باب قيام الناس في عرقهم على قدر أعمالهم ودنو الشمس إليهم وخطبته ﷺ وتعليمه الناس
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة وهو قيامهم في عرقهم ودنو الشمس إليهم بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٠٣٠ - (٢٨٣٤) (١) (حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وعبيد الله
стр. 11429
ابْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيى، (يَعْنُونَ ابْنَ سَعِيدٍ)، عَنْ عُبَيدِ اللهِ. أَخبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] قَال: "يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشحِهِ إِلَى أنصَافِ أُذُنَيهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ المُثَنَّى قَال: "يَقُومُ النَّاسُ" لَمْ يَذكُرْ يَوْمَ
ــ
ابن سعيد) بن يحيى اليشكري النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (قالوا حدثنا يحيى يعنون ابن سعيد) بن فروخ التميمي البصري المعروف بالقطان، ثقة، من (٩) (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني (أخبرني نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذا المسند من خماسياته (عن النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] (قال) رسول الله ﷺ (يقوم أحدهم) أي أحد من أهل الموقف (في رشحه) أي في عرقه، والرشح بفتح الراء وسكون الشين العرق، واصلًا (إلى أنصاف أذنيه) عدل إلى جمع النصف دون تثنيه بقوله إلى نصفي أذنيه نظرًا إلى أفراد الناس أو فرارًا من ثقل إضافة تثنية إلى تثنية (وني رواية ابن المثنى) لفظة (قال) النبي ﷺ (يقوم الناس) بدل يقوم أحدهم (لم يذكر) ابن المثنى في روايته لفظة (يوم) يقوم الناس لرب العالمين، وفي رواية موسى بن عقبة وصالح الآتية (حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) وهذا في موقف الحشر، وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي شيبة في مصنفه، واللفظ له بسند جيد عن سلمان قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم الناس حتى تكون قاب قوسين فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة ثم ترتفع حتى يغرغر الرجل، وزاد ابن المبارك في روايته ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة، وسمي العرق رشحًا لأنه يخرج من بدنه شيئًا فشيئًا كما يترشح الإناء المتحلل الأجزاء، قال الطبري: العرق هو للزحام ولدنو الشمس حتى يغلي منها الرأس وحرارة الأنفاس وحرارة النار التي تحدق بالمحشر فترشح رطوبة بدن كل أحد، فإن قيل يلزم أن يسبح الجميع فيه سبحًا واحدًا ولا يتفاضلون في القدر، قيل يزول هذا الاستبعاد بأن يخلق الله تعالى في الأرض التي تحت كل واحد ارتفاعًا بقدر عمله فيرتفع العرق بقدر ذلك، وفيه جواب ثان وهو أن يحشر الناس جماعات متفرقة فيحشر من بلغ كعبيه في جهة ومن بلغ حقويه في جهة وهكذا اهـ سنوسي.
стр. 11430
٧٠٣١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسحَاقَ المُسَيَّبِيُّ. حَدَّثَنَا أَنسٌ، (يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ). ح وَحَدَّثَنِي سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيسَرَةَ. كِلاهُمَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. ح وَحَدَّثَنِي عَبدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ يَحْيَى. حَدَّثَنَا مَعْنٌ
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في تفسير سورة ويل للمطففين باب يوم يقوم الناس لرب العالمين [٤٩٣٨] وفي الرقاق باب قوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)﴾ [٦٥٣١]، والترمذي في تفسير سورة ويل للمطففين [٣٣٣٦]، وابن ماجه في الزهد باب ذكر البعث [٤٣٣٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٧٠٣١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن إسحاق) بن محمد بن عبد الرحمن بن المسيب المخزومي (المسيبي) نسبة إلى الجد المذكور أبو عبد الله المدني نزيل بغداد، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا أنس يعني ابن عياض) بن ضمرة بفتح فسكون بن عبد الرحمن الليثي المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١١) بابا (ح وحدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا حفص بن ميسرة) العقيلي مصغرًا الصنعاني صنعاء الشام أو صنعاء اليمن ثم العسقلاني، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٠) أبواب كلاهما) أي كل من أنس وحفص بن ميسرة رويا (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (ح وحدثنا أبو بكر بن أبر شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (وعيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٧) بابا، كلاهما (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني مولاهم أبي عون البصري، ثقة ثبت، من (٦) روى عنه في (١١) بابا (ح وحدثني عبد الله بن جعفر بن يحيى) بن خالد بن برمك البرمكي البصري ثم البغدادي، ثقة، من (١١) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم المدني، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب
стр. 11431
حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. كُل هَؤُلاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النبِيِّ ﷺ ، بِمَعْنَى حَدِيثِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ.
غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَصَالِحٍ: "حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيهِ".
٧٠٣٢ - (٢٨٣٥) (٢) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيثِ،
ــ
(حدثنا مالك) بن أنس الأصبحي المدني (ح وحدثني أبو نصر التمار) القشيري عبد الملك بن عبد العزيز النسائي من أهل نسأ سكن بغداد، ثقة، من (٩) روى عنه في (٢) بابين (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) (عن أيوب) السختياني البصري، ثقة، من (٥) (ح وحدثنا) الحسن بن علي (الحلواني) الخلال الهذلي المكي، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) الكسي، ثقة، من (١١) (عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد، ثقة، من (٨) (عن صالح) بن كيسان الغفاري المدني، ثقة، من (٤) (كل هولاء) الخمسة المذكورين من موسى بن عقبة وابن عون ومالك وأيوب وصالح رووا (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة لعبيد الله بن عمر، وساقوا (بمعنى حديث عبيد الله عن نافع غير أن) أي لكن أن (في حديث موسى بن عقبة وصالح) بن كيسان لفظة (حتى يغيب أحدهم) ويستتر (في رشحه) وعرقه (إلى أنصاف أذنيه) أي إلى نصفي أذنيه.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٧٠٣٢ - (٢٨٣٥) (٢) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد) بن عبيد الدراوردي المدني (عن ثور) بن زيد الديلي المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي الغيث) سالم المدني مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي
стр. 11432
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِنَّ الْعَرَقَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيَذهَبُ فِي الأَرْضِ سَبعِينَ بَاعًا. وَإِنهُ لَيَبلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَو إِلَى آذَانِهِمْ" يَشُكُّ ثَوْرٍ أَيَّهُمَا قَال.
٧٠٣٣ - (٢٨٣٦) (٣) حدَّثنا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ
ــ
العدوي، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (عن أبي هريرة ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال أن العرق) وهو رشحات البدن (يوم القيامة ليذهب في) عمق (الأرض سبعين باعًا) وهو ما بين أطراف أصابع اليدين إذا مدت اليدان من الجانبين وهو قدر أربعة أذرع (وإنه) أي وإن العرق (ليبلغ) ارتفاعًا (إلى أفواه الناس أو) قال لي أبو الغيث ليبلغ (إلى آذانهم يشك ثور أيهما) أي أي اللفظين (قال) أبو الغيث أي شك هل قال أبو الغيث لفظة إلى أفواه الناس أو لفظة إلى آذانهم، وفي رواية البخاري يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم، وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن الذي يلجمه العرق الكافر، أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عنه قال: يشتد كرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق قيل له فأين المؤمنون، قال على الكراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام، وبسند قوي عن أبي موسى قال: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تظلهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري في الرقاق باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [٦٥٣٢].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث المقداد بن الأسود ﵃ فقال:
٧٠٣٣ - (٢٨٣٦) (٣) (حدثنا الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي (أبو صالح) القنطري نسبة إلى القنطرة موضع ببغداد، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٧) أبواب (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة، من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن عبد الرحمن) بن يزيد (بن جابر) الأزدي
стр. 11433
حَدَّثَنِي سُلَيمُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: طتُدْنَى الشَّمْسُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنَ الْخَلْقِ، حَتى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ".
قَال سُلَيمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ، أَمِ المِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَينُ.
قَال:
ــ
الشامي الدمشقي الداراني، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (حدثني سليم بن عامر) الكلاعي الخبائري نسبة إلى الخبائر بطن من الكلاع أبو يحيى الحمصي، روى عن المقداد بن الأسود في صفة الحشر، وعوف بن مالك وأبي الدرداء وطائفة، ويروي عنه (م عم) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ومعاوية بن صالح وثور بن يزيد وصفوان بن عمر، وثقه النسائي، وقال العجلي: شامي تابعي، ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة مشهور، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، وغلط من قال أدرك النبي ﷺ ، مات سنة ثلاثين ومائة (١٣٠) (حدثني المقداد بن الأسود) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود البهراني الكندي حلفًا، وكان في حجر الأسود بن يغوث الزهري، فنسب إليه الصحابي المشهور ﵁، روى عنه (ع) ويروي عنه في (٤) أبواب. وهذا السند من خماسياته (قال) المقداد (سمعت رسول الله ﷺ يقول: تدنى) بالبناء للمجهول أي تقرب (الشمس يوم القيامة من الخلق) فوق رؤوسهم (حتى تكون منهم كمقدار) أي مثل قدر (ميل) ارتفاعًا منه، قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (قال) لنا (سليم بن عامر) الكلاعي الحمصي (فوالله ما أدري) ولا أعلم (ما يعني) ويقصد المقداد (بالميل) أي ما أدري (أ) قصد المقداد بالميل المذكور في الحديث (مسافة الأرض) التي هي أربعة آلاف خطوة بخطوة البعير (أم) قصد به (الميل) أي العود (الذي تكتحل به العين) أي العود الصغير الذي يؤخذ به الكحل من المكحلة، ثم يمسح به على أجفان العين لأن لفظ الميل اسم مشترك بين المسافة المعروفة وبين ميل المكحلة الذي يكتحل به ولكون الميل لفظًا مشتركًا بين المعنيين أشكل على سليم بن عامر، والأولى به ها هنا معنى مسافة الأرض لأنها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود فهي متصلة بالرأس لقلة مقدار المرود اهـ أبي. فـ (قال) النبي صلى
стр. 11434
"فَيَكُونُ الناسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعبَيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكبَتَيهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيهِ. وَمِنهُم مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا".
قَال: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ
ــ
الله عليه وسلم معطوف بعاطف مقدر على تدني (فيكون الناس على قدر أعمالهم) الصالحة كثرة وقلة (في) شأن (العرق) خفة وشدة (فمنهم من يكون) عرقه واصلا (إلى كعبيه) في الارتفاع من الأرض (ومنهم من يكون) عرقه واصلًا (إلى ركبتيه ومنهم من يكون) عرقه واصلًا (إلى حقويه) العظمان اللذان يعقد عليهما الإزار في وسط البدن من الجانبين كما مر (ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا) أي يدخل فمه كلجام الفرس (قال) المقداد (وأشار رسول الله ﷺ بيده) الشريفة (إلى فيه) أي إلى فمه الشريف عندما ذكر إلجام العرق إيضاحا لمعنى الحديث بالإشارة.
قوله (فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق) وتفصيله فيما أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبه، ومنهم من يبلغ فاه -وأشار بيده فألجمها فاه- ومنهم من يغطيه -وضرب بيده على رأسه-".
وهذا ظاهر في أن العرق يحصل لكل شخص من نفسه، وقال عياض: ويحتمل أن يريد عرقه وعرق غيره فيشدد على بعض، ويخفف على بعض، وهذا كله بتزاحم الناس، وانضمام بعضهم إلى بعض حتى صار العرق يجري سائحا في وجه الأرض كالماء في الوادي بعد أن شربت منه الأرض وغاص فيها سبعين ذراعًا. واستشكل هذا الحديث بأن الجماعة إذا وقفوا في الماء الذي على أرض معتدلة كانت تغطية الماء لهم على حد سواء لكنهم إذا اختلفوا في الطول والقصر تفاوتوا، ولكن الظاهر أن تفاوت الناس في القامة ليس بمثابة أن يبلغ العرق أرجل بعض ورؤوس الآخرين. والجواب أن ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة ولا تقاس أحوال الآخرة بمقياس الدنيا، ثم اختلف أقوال العلماء هل يعم هذا العرق المؤمن والكافر أو يخص الكافر فقط، وقد مر من الأحاديث ما يؤيد الثاني وأن المؤمن يكون محفوظًا من حر الشمس لكن قال القرطبي: المراد من
стр. 11435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكون كامل الإيمان لما يدل عليه حديث المقداد وغيره أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب الأعمال، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء، ومن شاء الله فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار اهـ فتح الباري [١١/ ٣٩٤].
قال القرطبي: قوله حقويه بفتح الحاء وكسرها مع سكون القاف فيهما تثنية حقو كذلك وهما الخصران اللينان، وقيل هما طرفا الوركين، والأول هو المعروف والعرق هو إنما هو لشدة الضغط وحر الشمس التي على الرؤوس بحيث تغلي منها الهام جمع هامة وهي أم الرأس عظم الدماغ وحرارة الأنفاس وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر ولأنها تخرج منها أعناق تلتقط الناس من الموقف نعوذ بالله منها ومن جميع أهوال يوم القيامة آمين.
فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقهم في الأرض مقدار لسبعين باعا أو ذراعا أو عاما على اختلاف الروايات، فإن قيل فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحًا واحدًا فكيف يكونون متفاضلين بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى فمه وما بينهما. قلنا يزول هذا الاستبعاد بأوجه أقربها وجهان، أحدهما: أن يخلق الله تعالى ارتفاعًا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته. وثانيهما: أن يحشر الناس جماعات في تفرقة فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله فلا يتصل بغيره وإن وإن بإزاثه كما قد أمسك جرية البحر لموسى ﵇ حيث طلب لقاء الخضر ولبني إسرائيل حين أتبعهم فرعون والله تعالى أعلم بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل أن هذا المقام مقام هائل لا تفي بسهولة عبارات، ولا تحيط به الأوهام ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به الناطقون في ذلك ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي في صفة القيامة باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص [٢٤٢١].
стр. 11436
٧٠٣٤ - (٢٨٣٧) (٤) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ بْنِ عُثْمَانَ (وَاللَّفْظُ لأَبِي غَسَّانَ وَابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال، ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: "أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي، يَوْمِي هَذَا. كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا، حَلالٌ. وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ
ــ
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو خطبته ﷺ وتعليمه الناس بحديث عياض بن حمار ﵁ فقال:
٧٠٣٤ - (٢٨٣٧) (٤) (حدثني أبو غسان المسمعي) البصري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار بن عثمان) العبدي البصري (واللفظ لأبي غسان وابن المثنى قالا حدثنا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري (حدثني أبي) هشام الدستوائي (عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير) العامري الحرشي البصري، ثقة، من (٢) روى عنه في (٩) أبواب (عن عياض) بكسر أوله وتخفيف التحتانية آخره معجمة (ابن حمار) بكسر المهملة وتخفيف الميم، ويقال عياض بن حماد بن سفيان بن مجاشع التميمي (المجاشعي) البصري الصحابي المشهور ﵁ له ثلاثون حديثًا، انفرد له مسلم بحديث واحد، ويروي عنه (م عم) ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وعاش إلى حدود الخمسين، وكان صديقًا له ﷺ قديمًا. وهذا السند من سداسياته (أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم) أي يومًا من الأيام، فلفظ ذات مقحم (في خطبته) أي في عظته للناس (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني) الله (يومي هذا) ظرف لأعلمكم أي أمرني أن أعلمكم في يومي هذا أي الحاضر. وقوله (كل مال نحلته) أي أعطيته (عبدًا) من عبادي فهو له (حلال) مقول لمحذوف تقديره أي قال الله تعالى فيما أمرني بتعليمه إياكم كل مال أعطيته عبدًا من عبادي فهو له حلال، والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي وغير ذلك وأنها لا تصير حرامًا بتحريمكم، وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق الله أو حق آدمي (وإني خلقت عبادي حنفاء) أي مسلمين (كلهم) أي مستعدين لقبول الحق، وقيل طاهرين من المعاصي والشرك، وقيل مستقيمين،
стр. 11437
وَإِنَّهُمْ أتتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ. وَحَرَّمَتْ عَلَيهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ. وَأَمَرَتْهُمْ أَنَّ يُشرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنزِل بِهِ سُلْطَانًا. وَإنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
ــ
وقيل منيبين لقبول الهداية، وقيل المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى اهـ نووي (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم) أي أضلتهم وصرفتهم وخطفتهم (عن دينهم) الحق، قال النووي: هكذا هو في نسخ بلادنا (فاجتالتهم) وكذا نقله القاضي في رواية الأكثرين أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل، وقال شمر: اجتال الرجل الشيء ذهب به واجتال أموالهم ساقها وذهب بها (وحرمت عليهم) تلك الشياطين (ما أحللت) أنا (لهم) من البحيرة والسائبة وغيرهما (وأمرتهم) تلك الشياطين (أن يشركوا بي) في العبادة معي (ما) أي معبودا (لم أنزل) أنا (به) أي بعبادته (سلطانًا) أي حجة وبرهانًا، وهذا قيد لا مفهوم له كما هو مقرر في محله، سمي البرهان سلطانًا لتسلطه على القلوب بالقهر والغلبة، والمعنى ما ليس على إشراكه دليل عقلي ولا نقلي، وما اسم موصول في محل النصب مفعول به ليشركوا، وقوله (وإن الله نظر إلى أهل الأرض) معطوف على قوله ألا إن ربي أمرني، والمعنى ألا وإن الله نظر وأبصر إلى أهل الأرض نظرًا يليق به ليس كمثله شيء (فمقتهم) أي بغضهم وسخط عليهم، والمقت أشد البغض والمراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة رسول الله ﷺ (عربهم وعجمهم) والمراد بالعجم هنا من لا يتكلم بكلام العرب، والمعنى أن الله تعالى أبغضهم لسوء صنيعهم وخبث عقيدتهم واتفاقهم قبل بعثة النبي ﷺ على الشرك سواء كان بعبادة الأصنام كما وقع لمعظم جاهلية العرب أو بعبادة عيسى ﵇ كما وقع للنصارى أو بعبادة عزير ﵇ كما وقع لليهود (إلا بقايا) جمع بقية وهم الذين بقوا على دين نبيهم بلا تحريف ولا تبديل أي ألا بقية (من أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى بقوا على دين نبيهم، والظاهر أن المراد بهم هنا أتباع عيسى ﵇ الذين بقوا على دينه وشريعته بدون أن يرتكبوا فيه تحريفًا إلى أن بعث محمد ﷺ ولا اعتبار ببقايا اليهود لأن دين موسى رفع بدين عيسى ﵉ ولا ينفعهم البقاء عليه، قال القرطبي: (قوله إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم) إلخ، وذلك أن كلًّا
стр. 11438
وَقَال: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ. وَأنزَلتُ عَلَيكَ كِتَابًا لَا يَغسِلُهُ الْمَاءُ
ــ
من الفريقين كان يعبد غير الله أو يشرك معه غيره فكان الكل ضلالًا عن الحق خارجين عن مقتضى العقول والشرائع فأبغضهم الله لذلك أشد البغض لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولًا وأنزل عليهم كتابًا قطعًا لمعاذيرهم وإظهارًا للحجة عليهم، وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب لأنهم كانوا متمسكين بالحق الذي جاءهم به نبيهم، ويعني بذلك والله أعلم من كان في ذلك الزمان متمسكًا بدين المسيح لأن من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى ولا متمسكًا بما في التوراة ولا دخل في دين عيسى فلم يبق أحد من اليهود متمسكًا بدين حق ألا من آمن بالمسيح واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به فلا تنفعه يهوديته ولا تمسكه بها لأنه قد ترك أصلًا عظيمًا مما فيها وهو العهد الذي أخذ عليهم في الإيمان بعيسى ﵇ وكذلك نقول كل نصراني بلغه أمر نبينا وشرعنا فلم يؤمن به لم تنفعه نصرانيته لأنه قد ترك ما أخذ عليه من العهد في شرعه ولذلك قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار "رواه مسلم في كتاب الإيمان [١٥٣] اهـ من المفهم.
(وقال) الله لي (إنما بعثتك) إليهم (لأبتليك) أي لأمتحنك بتبليغ الرسالة والصبر على معاناة أهل الجاهلية وإيذاء الكفرة والمشركين لك (و) لـ (أبتلي) أي أمتحن (بك) غيرك هل يصدقونك أو يكذبونك أي فمن آمن بك واتبعك أثبته، ومن كذبك وخالفك انتقمت منه وعاقبته (وأنزلت عليه كتابًا لا يغسله الماء) وهو القرآن، يعني أنه محفوظ في الصدور لا يتطرق إليه الذهاب بل يبقى على ممر الزمان، والمعنى أي كتابًا يسرت تلاوته وحفظه فخف على الألسنة ووعته القلوب فلو غسلت المصاحف لما انغسل من الصدور ولما ذهب من الوجود ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ٣٢] وفي الإسرائيليات أن موسى ﵇ قال: يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد "قال الطيبي: والمراد من هذا الكلام أن القرآن الكريم لا يبقى محفوظًا في الصحف والزبر فقط، بل يبقى محفوظًا في صدور المؤمنين فمن أراد محوه من الصحف والزبر والعياذ بالله لم تنعدم نسخه لبقائه في صدور الحفاظ وهذا من معجزات النبي ﷺ وقيل معناه أنه يبقى كتابًا مستمرًا متداولًا
стр. 11439
تَقْرَؤُهُ نَائِمًا ويقْظَانَ. وَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيشًا. فَقُلْتُ: رَبِّ، إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً
ــ
بين الناس لا ينسخ ولا ينسى بالكلية وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة أو كتابًا واضحا آياته بينا معجزاته لا يبطله جور جائر، ولا يدحضه شبهة مناظر، فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة، وقيل كنى به عن غزارة معناه وكثرة جدواه من قولهم مال فلان لا يفنيه الماء والنار اهـ منه. (تقرأه نائمًا ويقظان) قال الطيبي: أي يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال فلا تغفل عنه نائمًا ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به هو يفعله نائمًا، وقال الشيخ علي القاري: أقول لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه الشريف لأنه ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه، وقد شوهد كثير من الناس صغيرًا وكبيرًا أنهم يقرؤون وهم نائمون اهـ. قال القرطبي: وقد شاهدنا المديمين على تكرار القرآن يقرؤون منه الكثير وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم (و) قال رسول الله ﷺ أيضًا: (أن الله أمرني أن أحرق قريشًا) أي أمرني أن أهلكهم أي الكفار منهم، وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير [١٧/ ٣٥٩] "وإن الله أمرني أن أغزو قريشًا" ومن طريق معمر عنده أيضًا "إن الله أوحى إلي أن أغزو قريشًا" (فقلت) يا (رب إذا) بالتنوين حرف جواب وجزاء لمحذوف ينصب المضارع بعده أي إن حرقتهم إذًا (يثلنوا) بفتح اللام أي يشدخوا (رأسي) ويشجوه كما يشدخ الخبز ويكسر (فيدعوه) أي فيتركوا رأسي (خبزة) مشدوخة أي مثل خبزة، ومعنى هذا أنه شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت لتثرد. قال القرطبي: قوله: (إن الله أمرني أن أحرق قريشًا) أي أن أغيظهم بما أسمعهم من الحق الذي يخالف أهواءهم وأولم قلوبهم بعيب آلهتهم وتسفيه أحلام آبائهم وقتالهم ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار ولا يصح أن يحمل ذلك على حقيقته لأن النبي ﷺ لم يصح عنه أنه حرق أحدًا من قريش بالنار، بل قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: "لا يعذب بالنار إلا الله" رواه البخاري وأبو داود والترمذي.
قال القرطبي: وهذا الذي قاله النبي ﷺ من نحو ما قاله موسى ﵇ حين أمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ ﴿قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ
стр. 11440
قَال: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخرَجُوكَ. وَاغزُهُمْ نُغْزِكَ. وَأَنْفِقْ فَسَنُتفِقَ عَلَيكَ. وَابْعَثْ جَيشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثلَهُ
ــ
صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ [الشعراء: ١٢ - ١٤] فهذا صريح في أنهما خافا غير الله وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ﴾ وهذا نص في أن الرسل لا تخشى أحدًا ألا الله وهذا هو المناسب لمعرفتهم بالله وأنه ليس في الوجود فاعل ولا خالق ألا هو وخصوصا لأولي العزم من الرسل وخصوصًا لمحمد وموسى صلى الله وسلم عليهما ويرتفع التعارض من وجهين: أحدهما أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكنهم وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم وقبل تأمينهم فلما مكنوا وأمنوا لم يخشوا ألا الله ولذلك كان النبي ﷺ في أول أمره يحرس وهو في منزله فلما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] أخرج رأسه إليهم فقال: اذهبوا فقد عصمني ربي" رواه الترمذي [٣٠٤٦]. وثانيهما على تسليم: أن يكون ذلك منهم غير بدايتهم لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فجأته ووقوع بادرته حتى إذا راجع الإنسان عقله وتدبر أمره اضمحل ذلك الخوف أي اضمحلال وحمل لي من معرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال والله تعالى أعلم.
(قال) الله لي (استخرجهم) أي أخرج قريشًا من مكة (كما استخرجوك) أي كما أخرجوك منها فالسين والتاء زائدتان كما يقال استجاب بمعنى أجاب وقد رواه العذري: "كما أخرجوك" وهذا يدل على أن هذا القول صدر عن النبي ﷺ بالمدينة بعد الهجرة فإن أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة اهـ مفهم. وفي هذا إشارة إلى ما وقع من الإعلان يوم البراءة أن كفار جزيرة العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف (واغزهم) أمر من غزا الثلاثي أي اعزم على غزوهم واشرع فيه (نغزك) بضم النون وسكون الجن وكسر الزاي مضارع من أغزى الرباعي مجزوم بالطلب السابق يقال أغزيته إذا جهزته للغزو وهيأت له أسبابه أي واشرع فيه نعنك على غزوهم وننصرك عليهم (وأنفق) أي واصرف ما عندك من المال في سبيل الله والجهاد (فسننفق عليك) أي نخلف لك بدله في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (وابعث جيشًا) لجهادهم (نبعث خمسة مثله) يعني نبعث
стр. 11441
وَقَاتِل بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ. قَال: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ. وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى، وَمُسْلِمٍ. وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ. قَال: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ،
ــ
لنصرك خمسة أمثال جيشك من الملائكة كما فعل ببدر ويدل هذا على أن هذا القول وقع قبل غزوة بدر لأن النبي ﷺ كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه ونيف وقيل ثلاثة عشر، وقيل سبعة عشر فأمده الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة كما نطق به القرآن الكريم (وقاتل بمن أطاعك) أي آمن بك واتبعك (من عصاك) أي من كفر بك وخالفك (قال) رسول الله ﷺ (وأهل الجنة) أي المتأهلون لدخولها الصالحون له (ثلاثة) أنفار أحدها رجل (ذو سلطان) أي صاحب سلطنة وولاية (مقسط) أي عادل في رعيته أي يقيم فيها العدل والحق، قال الأبي: ويدخل فيه الرجل في أهله لحديث "كل راع مسؤول عن رعيته" وحديث "لا يؤمن من الرجال في سلطانه" وقوله مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات لذو وهي بمعنى صاحب (متصدق) أي معط للصدقات (موفق) بصيغة اسم المفعول أي مسدد لفعل الخيرات (و) ثانيها (رجل رحيم) أي كثير الرحمة والإحسان (رقيق القلب) أي لينه عند التذكر والموعظة ويصح أن يكون بمعنى الشفيق (لكل ذي قربى) أي لكل صاحب قرابة (و) لكل (مسلم) ومسلمة وهو بالجر لكونه معطوفًا على ذي قربى، والمعنى رحيم لكل ذي قربى ولكل مسلم (و) ثالثها رجل (عفيف) أي متصف بالعفة طبيعة (متعفف) أي متكلف بالعفة مكتسب لها، والعفيف من كانت العفة سجية وطبيعة له، والمتعفف من يكلف نفسه بالعفة ويكتسبها بعد أن لم تكن، والعفة التوقي عن الحرام، والمعنى عفيف عن الحرام في نفسه طبيعة متعفف (ذو عيال) أي متعفف عن كسب الحرام وإن كان ذا عيال، وفي رواية للطبراني "ورجل غني عفيف متصدق" و (قال) رسول الله ﷺ أيضًا (وأهل النار خمسة) أنواع أحدها (الضعيف الذي لا زبر) ولا عقل (له) يزبره ويمنعه مما لا ينبغي شرعًا وعقلًا من المحرمات وخارم المروءات، وقيل هو الذي لا مال له، وقيل هو الذي ليس عنده ما يعتمده ويتوكل عليها (والزبر) بفتح الزاي وسكون الباء ما يزبر الإنسان أي يمنعه عما لا ينبغي ويطلق عمومًا على العقل لأنه يكف الإنسان عما لا ينبغي، فالمعنى الضعيف الذي لا عقل له يمنعه من المحرمات، وقيل المراد من لا مال عنده، ورده القرطبي: وقال لا
стр. 11442
الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يتْبَعُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا
ــ
شيء، وقال الطيبي في شرح المشكاة [٩/ ١٧٤] المعنى لا تماسك له عند مجيء الشهوات فلا يرتدع عن فاحشة ولا يتورع عن حرام، قال القرطبي: وسمي العقل زبرًا لأن الزبر في أصله هو المنع والزجر يقال زبره يزبره من باب نصر زبرًا وزبرًا إذا انتهره ومنعه ولما كان العقل هو المانع لمن اتصف به من المفاسد والزاجر عنها سمي بذلك وأفرد الموصول في قوله الذي لا زبر له نظرًا للفظ الضعيف وجمعه في قوله (الدين هم فيكم تبعًا) مع كونه صفة ثانية للضعيف نظرًا إلى معناه لأن المراد به الجنس الصادق بالقليل والكثير لأن المعنى أحدها هم الضعفاء الذين لا زبر ولا عقل لهم الذين هم كانوا فيكم تبعًا لا قادة ولا رؤساء (لا يتبعون) ولا يطلبون ولا يريدون (أهلًا) يتعففون بهم عن الفاحشة (ولا مالًا) يتكففون به عن مسألة الناس، قال القرطبي: وهذا تفسير من النبي ﷺ لقوله أولًا الضعيف الذي لا زبر له يعني بذلك أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية ولا فضيلة نفسية ولا دينية بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام اهـ من المفهم.
قوله (الذي هم فيكم تبعًا) كذا وقع منصوبًا في نسخ صحيح مسلم، وفي رواية الطبراني (هم فيكم تبع) بالرفع وهو أوفق بالقياس، وأما كونه منصوبًا فيمكن تأويله على أنه حال من فعل محذوف كأنه قال: هم يعيشون فيكم تبعًا، وفي رواية أحمد "هم فيكم تبعًا أو تبعاء" شك يحيى، وعلى تقدير الأخير هم جمع تابع كفاضل وفضلاء والله أعلم. وقوله (لا يتبعون أهلًا ولا مالًا) روي لا يتبعون بتشديد التاء وتخفيفها كليهما فعلى الأول فهو مضارع اتبع الخماسي، وعلى الثاني فمضارع تبع الثلاثي، ووقع في بعض النسخ (لا يبتغون) أي لا يطلبون، وهذه الجملة تفسير (للضعيف الذي لا زبر له) كما مر آنفًا، ومعناه أنهم لا يسعون في تحصيل منفعة دينية أو دنيوية بل يهملون أنفسهم إهمال الأنعام فلا يطلبون أهلًا ولا مالًا بطريقة معروفة بل هم تبع لقادتهم يسيرون معهم حيث ساروا وإنما استحقوا النار لأنهم لم يستعملوا ما وهبهم الله تعالى من العقل والفكر لتمييز الكفر من الإيمان فوقعوا في الكفر تبعًا لقادتهم، وقال علي القاري في المرقاة [٩/ ٢٢] (لا يبغون أهلًا) أي لا يطلبون زوجة ولا سرية فأعرضوا عن الحلال وارتكبوا الحرام (ولا مالًا) أي ولا يطلبون مالًا حلالًا من طريق الكد والكسب الطيب فقيل هم
стр. 11443
وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ. وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ". وَذَكَرَ الْبُخلَ أَو الْكَذِبَ
ــ
الخدم الذين يكتفون بالشبهات والمحرمات التي سهل عليهم أخذها عما أبيح لهم وليس لهم داعية إلى ما وراء ذلك من أهل ومال، وقيل هم الذين يدورون حول الأمراء ويخدمونهم ولا يبالون من أي وجه يأكلون ويلبسون أمن الحلال أم من الحرام ليس لهم ميل إلى أهل ولا إلى مال بل قصروا أنفسهم على المأكل والمشرب اهـ.
(و) ثانيها (الخائن) فيما أؤتمن عليه كالوديعة (الذي لا يخفى) أي لا يظهر (له طمع) فيما أؤتمن عليه. وقوله (وإن دق) وقل ذلك الذي طمع فيه (إلا خانه) وكلمة ألا مقحمة أو بمعنى ثم أو بمعنى الفاء وإن غائية مؤخرة، والمعنى والخائن الذي لا يظهر له طمع في الوديعة مثلًا عند الإيداع ثم خان الذي ائتمنه في أمانته فأخذ منها شيئًا لينتفع به وإن دق وقل ذلك الذي أخذه فهو من أهل النار لخيانته، قال القرطبي: والخائن هو الذي يأخذ مما أؤتمن عليه بغير إذن مالكه ويخفى هنا بمعنى يظهر فهو من الأضداد يقال خفيت الشيء أي أظهرته وسترته اهـ.
وهذا هو القسم الثاني من أهل النار والطمع هنا مصدر بمعنى المفعول أي لا يخفى عليه شيء مما يمكن أن يطمع فيه وإن دق بحيث لا يكاد أن يدرك ألا وهو يسعى في التفحص عنه والتطلع إليه حتى يجده فيخونه وهذا هو الإغراق في الوصف بالطمع والخيانة، وذكر أهل اللغة أن كلمة خفي من الأضداد فتأتي بمعنى ظهر كما تأتي بمعنى استتر وجاءت هنا بمعنى لا يظهر أي لا يظهر له طمع وإن دق إلا سعى في تحصيله وإن كان بطريق الخيانة والله أعلم اهـ من التكملة. وما قلنا أولًا هو أوضح من جهة العربية.
(و) ثالثها (رجل لا يصبح) أي لا يدخل في الصباح (ولا يمسي) أي لا يدخل في المساء (إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك) فهو من إطلاق الطرفين وإرادة الكل، والمعنى ورجل لا يمر عليه زمن من الأزمان ليلًا ونهارًا إلا والحال أنه يريد خداعك في أهلك وزوجتك بفعل الفاحشة بها وفي مالك يأخذه ظلمًا سرقة أو غضبًا أو نهبًا فعن بمعنى في.
ورابعها ما أشار إليه الراوي بقوله (وذكر) النبي ﷺ (البخل) أي صاحب البخل عن الواجبات في أهل النار (أو) ذكر النبي ﷺ (الكذب)
стр. 11444
"وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ"، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ: "وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيكَ"
ــ
أي صاحب الكذب في أهل النار، وقال التوربشتي: أي البخيل والكذاب أقام المصدر مقام اسم الفاعل، وقال الطيبي: ولعل الراوي نسي ألفاظًا ذكرها ﷺ في شأن البخيل أو الكذاب فعبر بهذه الصيغة، ووقع في أكثر النسخ البخل أو الكذب بالترديد، وفي بعض النسخ البخل والكذب بالواو وحينئذ تتم الأقسام الخمسة بالكذب ويكون الشنظير تفسيرًا للقسم الثالث الذي هو "رجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهله ومالك، ونقول على الرواية المشهورة ورابعها (البخل) أي البخيل عن أداء الواجبات فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، أو قال النبي ﷺ ورابعها الكذاب بالشك من الراوي في أي الكلمتين ذكر النبي ﷺ (و) خامسها (الشنظير) وفسره بقوله وهو (الفحَّاش) أي السيء الخلق، وقال الطيبي: الشنظير السيء الخلق والفحاش نعت للشنظير وليس بتفسير له أي يكون مع سوء خلقه فحاشًا اهـ، وقال النووي: إنه تفسير للشنظير كما ذكرناه أولًا (ولم يذكر أبو غسان في حديثه) لفظة (وأنفق فسننفق عليك) وعبارة القرطبي هنا قوله (وذكر البخل والكذب) هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بأو التي للشك، قال القاضي: ولعلها الصواب، وبه تصح القسمة لأنه ذكر أن أصحاب النار خمسة الضعيف الذي وصف والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف، قال: وذكر البخل والكذب ثم ذكر الشنظير الفحاش فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف كما جمعهما في الشنظير الفحاش وكذلك قوله "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين، وعفيف متعفف ذو عيال" كذا قيدناه بخفض مسلم عطفًا على ما قبله، وفي رواية أخرى ومسلم عفيف بالرفع وحذف الواو [قلت] العفيف هو الكثير العفة وهي الانكفاف عن الفواحش وعما لا يليق، والمتعفف المتكلف للعفة، والشنظير السيء الخلق، وفي الصحاح رجل شنظير وشنظيرة أي سيء الخلق قالت امرأة من العرب:
شنظيرة زوجنيه أهلي ... من حمقه يحسب رأسي رجلي
كأنه لم ير أنثى قبلي
وربما قالوا: شنذيرة بالذال المعجمة لقربها من الظاء لغة أو لثغة، والفحاش الكثير
стр. 11445
٧٠٣٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذكُرْ فِي حَدِيثِهِ "كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبدًا، حَلالٌ".
٧٠٣٦ - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِّيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ؛
ــ
الفحش، وقيل الشنظير هو الفحاش، قال صاحب العين: يقال شنظر بالقوم شتم أعراضهم، والشنظير الفحاش من الرجال الغلق وكذلك من الإبل اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث ابن ماجه في الزهد مختصرًا باب في البراءة عن الكبر والتواضع [٤٢٣٢] وأحمد [٤/ ١٦٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فقال:
٧٠٣٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد بن المثنى العنزي حدثنا محمد) بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (عن سعيد) بن أبي عروبة البصري (عن قتادة) بن دعامة، غرضه بيان متابعة سعيد لهشام الدستوائي، وساق سعيد (بهذا الإسناد) يعني عن مطرف عن عياض مثله (و) لكن (لم يذكر) سعيد (في حديثه) لفظة (كل مال نحلته عبدًا) فهو له (حلال).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عياض ﵁ فقال:
٧٠٣٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثني عبد الرحمن بن بشر) بن الحكم بن حبيب بن مهران (العبدي) أبو محمد النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي القطان البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٣) بابا (عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر الربعي أبي بكر البصري (صاحب الدستوائي) بفتح الدال والمثناة بينهم مهملة ساكنة وبالمد نسبة إلى دستواء من كور الأهواز، وكان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها، ثقة، من (٧) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا قتادة عن مطرف) بن عبد الله (عن عياض بن حمار) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة
стр. 11446
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَقَال فِي آخِرِهِ: قَال يَحْيَى: قَال شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ. قَال: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
٧٠٣٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني أَبُو عَمَّارٍ، حُسَينُ بْنُ حُرَيثٍ. حَدَّثَنَا الفَضلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الحُسَينٍ، عَنْ مَطَرٍ. حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ، قَال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا. فَقَال: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي". وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثلِ حَدِيثِ
ــ
يحيى القطان لمعاذ بن هشام (أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم وساق) يحيى القطان (الحديث) السابق مثله (و) لكن (قال) عبد الرحمن بن بشر (في آخره) أي في آخر الحديث (قال) لنا (يحيى) القطان (قال شعبة) أي حدثنا شعبة كما حدثنا هشام (عن قتادة قال) قتادة (سمعت مطرفًا) بن عبد الله (في هذا الحديث) أي سمعته يحدث بهذا الحديث، وفي روايته عن شعبة تصريح سماع قتادة عن مطرف فانزاح ما أوهمت العنعنة فيه من التدليس لأنه مدلس.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عياض ﵁ فقال:
٧٠٣٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو عمار حسين بن حريث) بالتصغير فيهما بن الحسن بن ثابت الخزاعي مولاهم مولى عمران بن الحصين المروزي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا الفضل بن موسى) الرازي السيناني بكسر السين نسبة إلى سينان قرية من خراسان، وقيل إحدى قرى مرو، ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (عن الحسين) بن ذكوان المعلم المكتب العوذي البصري، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٠) أبواب (عن مطر) بن طهمان الوراق أبي رجاء السلمي الخراساني ثم البصري، صدوق، من (٦) روى عنه في (٦) أبواب (حدثني قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار أخي بني مجاشع) ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة مطر لهشام الدستوائي (قال) عياض (قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيبًا فقال إن الله أمرني وساق) مطر (الحديث) السابق (بمثل حديث
стр. 11447
هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَزَادَ فِيهِ: "وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ". وَقَال فِي حَدِيثِهِ: "وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْغُونَ أَهْلا وَلَا مَالًا".
فَقُلْتُ: فَيَكُونُ ذلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ؟ قَال: نَعَمْ، وَاللهِ، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُمْ فِي الْجَاهِلِيةِ. وَإِن الرَّجُلَ لَيَرْعَى عَلَى الْحَيِّ، مَا بِهِ إِلَّا وَلِيدَتُهُمْ يَطَؤُهَا
ــ
هشام عن قتادة و) لكن (زاد فيه) مطر على هشام لفظة (وإن الله أوحى إلي) بـ (أن تواضعوا) وتخضعوا لله تعالى (حتى لا يفخر) ويتكبر (أحد) منكم (على أحد) آخر منكم (و) حتى (لا يبغي) من باب رمى ولا يتعدى (أحد على أحد) ولا يظلمه (وقال) مطر أيضًا (في حديثه) أي في روايته لفظة (وهم فيكم) بزيادة الواو (تبعًا لا يبنون أهلًا ولا مالًا) بالغين المعجمة أي لا يطلبونهما على طريق الحلال.
قال قتادة (فقلت) لمطرف بن عبد الله: (أفيكون) ويوجد (ذلك) الضعفاء الذين لا يتبعون أهلًا ولا مالًا بل يكتفون بالفواحش والمحرمات (يا أبا عبد الله) كنية مطرف، والكلام على تقدير همزة الاستفهام الاستخباري (قال) مطرف (نعم) يوجد ذلك الضعفاء الذي لا زبر لهم ويكتفون بالمحرمات ولا يطلبون لأنفسهم حلالًا (والله لقد أدركتهم) ورأيتهم (في) أواخر زمن (الجاهلية) وآثارهم وأنا صغير (وإن الرجل) من أولئك الضعفاء (ليرعى) المواشي (على الحي) أي للحي والقبيلة (ما به) أي ما لذلك الرجل الراعي لهم شيء من الأجرة (إلا وليدتهم) أي إلا أمتهم، حالة كونه (يطرها) في مقابلة الرعي لهم بلا نكاح والله أعلم. قال المازري: أبو عبد الله هو مطرف، والقائل له ذلك قتادة وهو يدل على صحبة مطرف لإدراكه الجاهلية، ولم يذكره أبو عمر وحقه أن يذكره لمقتضى شرطه لأنه ولد في زمن النبي ﷺ وذكر ابن قتيبة أن مطرفا ولد في حياته ﷺ ومات عمر وهو ابن عشرين، وتوفي سنة سبع وثمانين اهـ من الأبي.
قوله (وإن الرجل ليرعى على الحي) الظاهر أن معناه أن رجلًا في الجاهلية ربما كان يرعى غنم الحي بأجمعه ولا يأخذ على ذلك أجرًا معينًا ألا أنه كان يطأ وليدة لهم وهذا تفسير لقوله ﷺ : "وهم فيكم تبع لا يبتغون أهلًا ولا مالًا" فإن مثل ذلك الراعي كان خادمًا لأهل حيه تابعًا لهم لا يبتغي زوجة حلالًا ولا مالًا حلالًا وإنما يفعل ذلك لأجل جارية يطأها اهـ من التكملة.
стр. 11448
٧٥٨ - (٢) باب إذا مات المرء عرض عليه مقعده، وما جاء في عذاب القبر، وسماع الميت قرع النعال، وفي إثبات الحساب، والأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت
٧٠٣٨ - (٢٨٣٨) (٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِن أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبعَثَكَ اللهُ إِلَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
ــ
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعة الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني أبي هريرة ذكره للاستشهاد، والثالث حديث المقداد بن الأسود ذكره للاستشهاد، والرابع حديث عياض بن حمار ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
٧٥٨ - (٢) باب إذا مات المرء عرض عليه مقعده، وما جاء في عذاب القبر، وسماع الميت قرع النعال، وفي إثبات الحساب، والأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأول من الترجمة وهو عرض مقعد المرء عليه عند الموت بحديث ابن عمر ﵄ فقال:
٧٠٣٨ - (٢٨٣٨) (٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم) أيها الناس (إذا مات عرض عليه مقعده) أي مقره ومنزله في الآخرة (بالغداة والعشي) أي في الصباح والمساء (إن كان من أهل الجنة فمن) مقاعد (أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن) مقاعد (أهل النار) ثم (يقال) له (هذا) القبر (مقعدك) ومقرك (حتى ببعثك الله) تعالى (إليه) أي إلى ذلك المقعد الأخروي (يوم القيامة) أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. قال القرطبي: قوله (إذا مات أحدكم
стр. 11449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عرض عليه مقعده) الخ هذا منه ﷺ إخبار عن غير الشهداء، فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها، وغير الشهداء إما مؤمن وإما غير مؤمن فغير المؤمن هو الكافر فهذا يرى مقعده من النار غدوًا وعشيًّا، وهذا هو المعني بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦] وأما فإما أن لا يدخل النار أو يدخلها بذنوبه فالأول يرى مقعده من الجنة لا يرى غيره رؤية خوف، وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه فله مقعدان مقعد في النار زمن تعذيبه ومقعد في الجنة بعد إخراجه فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي إلا إن قلنا إنه أراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف كان فلا يحتاج إلى ذلك التفسير والله أعلم.
وهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الموت ليس بعدم وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح للبدن ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحده ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن والله أعلم بحقيقة ذلك، والمراد بالغداة والعشي وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء اهـ من المفهم.
قال النووي: والغرض من ذكر هذه الأحاديث إثبات عذاب القبر على مذهب أهل السنة وقد تظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه وإذا لم يمنعه العقل وورد الشرع به وجب قبوله واعتقاده اهـ بأدنى تصرف والتفصيل فيه.
قوله (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) قال العيني: يعني إن كان الميت من أهل الجنة فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه كما أشرنا إليه في حلنا أولًا. قال الطيبي: يجوز أن يكون المعنى إن كان من أهل الجنة فسيبشر بما لا يكتنه كنهه لأن هذا المنزل الطليعة تباشير السعادة الكبرى لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الفخامة اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١١٣]، والبخاري في مواضع كثيرة منها في الجنائز باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي [١٣٧٩]، والترمذي
стр. 11450
٧٠٣٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عُرِضَ عَلَيهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. إِن كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَالْجَنَّةُ. وَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَالنَّارُ" قَال: "ثُمَّ يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ الَّذِي تُبْعَثُ إِلَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
٧٠٤٠ - (٢٨٣٩) (٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَأَبُو بَكرٍ بْنُ أبِي شَيبَةَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. قَال ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. قَال: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضرَةَ،
ــ
في الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر [١٠٧٢]، والنسائي في الجنائز باب وضع الجريدة على القبر [٢٠٧١]، وابن ماجه في الزهد باب ذكر القبر والبلى [٤٣٢٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٧٠٣٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن الزهري عن سالم عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سالم لنافع (قال) ابن عمر (قال النبي ﷺ : إذا مات الرجل عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فالجنة) تعرض عليه (وإن كان من أهل النار فالنار) تعرض عليها (قال) رسول الله ﷺ (ثم يقال) له و (هذا) المقعد الذي عرض عليك (مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة).
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة وهو إثبات عذاب القبر بحديث زيد بن ثابت ﵁ فقال:
٧٠٤٠ - (٢٨٣٩) (٦) (حدثنا يحيى بن أيوب) البغدادي المقابري (وأبو بكر بن أبي شيبة جميعًا) أي كلاهما رويا (عن) إسماعيل بن إبراهيم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية قال) يحيى (ابن أيوب: حدثنا ابن علية) بصيغة السماع (قال) ابن علية: أخبرنا غير الجريري (وأخبرنا) سعيد بن إياس (الجريري) البصري، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن أبي نضرة) العبدي العوقي -بفتح المهملة والواو ثم القاف-
следующие страницы →