Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالاتفاق أربعون درهمًا كما في المصباح والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب قال القاضي عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتَّى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وهذا يلزم منه أن النبي ﷺ أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنَّه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلًا وزن عشرة وعشرةٌ وزن ثمانية فاتفق الرأي على أن ينقش بكتابة عربية ويصير وزنها وزنًا واحدًا وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام وأما الدرهم فاجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم كذا في الفتح وقال الشيخ بدر الدين: وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص الحديث والإجماع وأما الذهب فعشرون مثقالًا والمعول عليه فيه الإجماع إلَّا ما روى عن الحسن البصري والزهري وسيأتي الكلام فيه مبسوطًا إن شاء الله تعالى اهـ فتح الملهم.
قال القرطبي: قال أبو عبيد: والأوقية هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهمًا كيلًا ودرهم الكيل زنته خمسون حبة وخمسًا حبة وسمى درهم الكيل لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان أي بتقديره وتحقيقه وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها على وجه الدهر نوعان نوع عليه نقش فارس ونوع عليه نقش الروم أحد النوعين يقال له البغلية وهي السود الدرهم منها ثمانية دوانق والأخرى يقال لها: الطبرية (نسبة إلى طبرستان) وهي العتق الدرهم منها أربعة دوانق فجاء الإسلام وهي كذلك فكان الناس يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب ذكر هذا أبو عبيد وغيره فلما كان عبد الملك بن مروان تحرج من نقوشها فضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى معاملتهم الإطلاقية فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق وبين درهم طبري من أربعة دوانق فكان اثني عشر دانقًا فقسمها نصفين فضرب الدرهم من نصفها وهو ستة دوانق والدانق ثمان حبات وثلث حبة وثلث خمس حبة من الشعير المطلق.
واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور لمواققته ما كان معتبرًا من عهد
стр. 4517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ إلى أن ضربت وأن نصاب الزكاة مائتا درهم من دراهم الكيل وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث ولم يخالفه في ذلك إلَّا من زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجرى عندهم من الدراهم صغرت أو كبرت وهو مذهب ابن حبيب الأندلسي والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ويعضده قوله ﷺ (الوزن على وزن أهل مكة) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس ﵁ وهو حديث صحيح وقد تقدم أن هذا المقدار المذكور هو الَّذي كان على وزن أهل مكة في عصر النبي ﷺ .
وأما دينار الذهب فهو أربعة وعشرون قيراطًا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة وهو مجمع عليه.
ولم يجر في هذا الحديث ذكر لنصاب الذهب ولا وقع في الصحيحين ولا ما يدل
على اشتراط الحول في الزكاة وقد ذكر أبو داود ما يدل عليهما فروى بإسناد صحيح إلى
أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب
﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها
الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك (يعني في الذهب) حتَّى يكون لك عشرون دينارًا
فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك
ولا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ وليس في مال
زكاة حتَّى يحول عليه الحول رواه أبو داود (١٥٧٣).
(قلت): هذا الحديث غاية ما قيل فيه إن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة وهو ثقة وبين الحارث الأعور وهو كذاب ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا على علي فقال من رد ذلك الحديث: لعل جريرًا سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا وسمعه عنه من الحارث في هذا الحديث مسندًا ولذلك فرق بينهما وكان الإسناد متلقًى عن الحارث وهذا لا ينبغي أن يرد الخبر له لأنه وهم وظن غير محقق بل هو مردود لأن المعتمد ثقة.
جرير وأمانته وقد أخبر أنَّه سمعه منهما في مساق واحد وظاهره أنَّه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر فيعتمد على رواية الثقة وتلغى رواية غيره ولا
стр. 4518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يضر وقف من وقفه إذا كان الَّذي رفعه ثقة قال القاضي عياض: فأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا والمعول في تحديده على الإجماع وقد حكي فيه خلاف شاذ وورد فيه أيضًا حديث عن النبي ﷺ اهـ.
(قلت) وأما نصاب الغنم فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء وقد خرج البخاري فيه كتاب النبي ﷺ لأبي بكر الصديق وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك وقد روى في ذلك النسائي عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة وعن كل حالم دينارًا أو عدله معافر والمعافر برود (أي ملابس) يمنية منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن.
غير أنَّه منقطع لم يلق مسروقٌ معاذًا وقد خرجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه ورواه مالك عن طاوس عن معاذ من فعله موقوفًا وطاوس لم يدرك معاذًا وأحسن ما في الباب ما خرجه الدارقطني عن الشعبي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (في كل أربعين من البقر مسنة وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة) رواه الدارقطني (٢/ ١٠٣) ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس (١٠٩٧٤).
قال أبو محمد بن حزم: وقد صح الإجماع المتيقن المقطوع به الَّذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك فمختلف فيه ولا نص في إيجابه.
(قلت): وحديثا جابر وأبي سعيد المذكوران في مسلم وغيره يدلان على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة ولا خلاف في ذلك إلَّا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره والحديثان حجة عليهم وقال داود: كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق وما عداه مما لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة قال القاضي عياض: وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة ولا تجب في أقل منها إلَّا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه أن لاصدقة في أقل من أربعين دينارًا والأشهر منهما ما روي عن الجماعة وروي عن بعض السلف أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيه الزكاة فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه واتفقوا على أن
стр. 4519
(٢١٤٤) (٠) (٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
ما زاد من الحب على خمسة أوسق أن الزكاة في قليله وكثيره ولا وقص فيه واتفقوا على الأوقاص في المواشي واختلفوا في الذهب والفضة فذهب مالك وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقص فيهما وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلى أنَّه لا شيء فيما زاد.
على المائتي درهم حتَّى تبلغ أربعين ولا العشرين دينارًا حتَّى تبلغ أربعة دنانير فإذا زادت على ذلك ففي كل أربعين درهمًا درهم وفي كل أربعة دنانير درهم ومعتمدهم في هذا حديث ضعيف لا أصل له ومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضم الذهب والفضة على اختلاف بينهم فمالك وجماعة يراعون الوزن والضم على الإجزاء لا على القيم وينزلون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة وقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد لا يضم منهما شيء إلى شيء ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه وذهب آخرون إلى أنَّه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب فيضم الآخر ويزكى الجميع اهـ من المفهم.
قال الخطابي: وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الصدقة لا تجب في شيء من الخضراوات لأنه يزعم أنها لا توسق ودليل الخبر أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويكال من الحبوب والثمار دون ما لا يكال من الفواكه والخضراوات ونحوها وعليه عامة أهل العلم اهـ من العون.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٤٤ - ٤٥) والبخاري (١٤٤٧) وأبو داود (١٥٥٨) والنسائي (٥/ ١٧) وابن ماجة مختصرًا.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢١٤٤) (٠) (٠) وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي المصري (أخبرنا الليث) بن سعد المصري (ح وحدثني عمرو) بن محمد (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حَدَّثَنَا عبد الله بن إدريس) الأودي الكوفي كلاهما) أي كل من الليث وعبد الله رويا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه يحيى بن عمارة عن أبي سعيد (مثله) مفعول ثان لما
стр. 4520
(٢١٤٥) (٠) (٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. وَأَشَارَ النَّبِيّ ﷺ بِكَفًهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَينَةَ.
(٢١٤٦) (٠) (٠) وحدَّثني أَبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَينِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ) حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بن غَزِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ:
ــ
عمل في المتابع وهو يحيى بن سعيد والضمير عائد إلى ابن عيينة والتقدير: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن يحيى مثل ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن يحيى.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢١٤٥) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه يحيى بن عمارة) المازني المدني (قال: سمعت أبا سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن يحيى (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول و) الحال أنَّه قد (أشار النبي ﷺ بكفه) وقوله: (بخمس أصابعه) بدل من قوله: (بكفه) أي أشار بخمس أصابعه إلى خمسة أوسق وإلى خمس ذود وإلى خمس أواق (ثم ذكر) ابن جريج (بمثل حديث ابن عيينة).
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢١٤٦) (٠) (٠) (وحدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجَحْدري) البصري (حَدَّثَنَا بشر يعني ابن مفضل) بن لاحق الرقاشي البصري (حَدَّثَنَا عمارة بن كزية) الأنصاري المازني المدني وثقه أحمد وأبو زرعة وقال في التقريب: لا بأس به من السادسة (عن يحيى بن عمارة) المازني المدني (قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول) وهذا السند من
стр. 4521
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ".
(٢١٤٧) (٠) (٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ"
ــ
خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان غرضه بيان متابعة عمارة بن غزية لعمرو بن يحيى في رواية هذا الحديث عن يحيى بن عمارة: (قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس فيما دون خمس أواق صدقة) وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة رابعًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢١٤٧) (٠) (٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب) النسائي (قالوا) أي قال كل من الثلاثة: (حَدَّثَنَا وكيع) بن الجراح الكوفي (عن سفيان) الثوري الكوفي (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي المكي ثقة من (٦) (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة الأنصاري المازني أبي عبد الله المدني ثقة من (٤) (عن يحيى بن عمارة) بن أبي حسن المازني المدني (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة كوفيون وواحد مكي أو كوفيان ونسائي وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة غرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن يحيى بن حبان لعمرو بن يحيى بن عمارة في رواية هذا الحديث عن يحيى بن عمارة.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمسة أوساق) هكذا هو في الأصول (خمسة أوساق) وهو صحيح جمع وسق بكسر الواو كحمل وأحمال (من تمر) بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الميم (ولا حب) هذا بيان ما أجمل في الروايات المتقدمة (صدقة) أي زكاة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 4522
(٢١٤٨) (٠) (٠) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَن يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَن النَّبِيّ ﷺ قَال: "لَيسَ في حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَة. حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ".
(٢١٤٩) (٠) (٠) وحدَّثني عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ
ــ
(٢١٤٨) (٠) (٠) (وحدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي ثقة من (١١) (أخبرنا عبد الرحمن يعني ابن مهدي) بن حسان الأزدي البصري ثقة من (٩) (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة حجة من (٧) (عن إسماعيل بن أمية) الأموي المكي (عن محمد بن يحيى بن حبان) المازني المدني (عن يحيى بن عمارة) المازني المدني (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من سباعياته غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الرحمن بن مهدي لوكيع بن الجراح في رواية هذا الحديث عن سفيان الثوري (أن النبي ﷺ قال: ليس في حب ولا) في (تمر) بفتح المثناة وسكون الميم (صدقة) أي زكاة (حتَّى يبلغ) ويكمل (خمسة أوسق ولا فيما دون خمس ذود) أي إبل (صدقة ولا فيما دون خمسة أواق) من الفضة (صدقة) أي زكاة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة سادسًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢١٤٨) (٠) (٠) (وحدثني عبد بن حميد) بن نصر الكسي نسبة إلى شمس مدينة فيما وراء النهر ثقة من (١١) (حَدَّثَنَا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي الكوفي ثقة من (٩) (حَدَّثَنَا سفيان) بن سعيد (الثوري) الكوفي (عن إسماعيل بن أمية بهذا الإسناد) يعني عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري الجار والمجرر متعلق بحدثنا يحيى بن آدم وكذا قوله: (مثل حديث ابن مهدي) مفعول ثان غرضه بيان متابعة يحيى بن آدم لعبد الرحمن بن مهدي.
ثم ذكر المؤلف المتابعة سابعًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 4523
(٢١٥٠) (٠) (٠) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الزَّرَّاقِ. أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ آَدَمَ. غَيرَ أنَّهُ قَال بَدَلَ (التَّمْرِ): ثَمَرٍ.
(٥١٥١) (٩٤٣) - (٩٣) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. قَالا: حدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛
ــ
(٢١٥٠) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري ثقة من (١١) (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني ثقة من (٩) (أخبرنا) سفيان (الثوري ومعمر) بن راشد الأزدي البصري (عن إسماعيل بن أمية) المكي وقوله: (بهذا الإسناد) يعني عن محمد بن يحيى بن حبان الخ متعلق بحدثنا عبد الرزاق وكذا قوله: (مثل حديث ابن مهدي ويحيى بن آدم) مفعول ثان له غرضه بيان متابعة عبد الرزاق لهما واستثنى من المماثلة بقوله: (غير أنَّه) أي لكن أن عبد الرزاق (قال) في روايته (بدل التمر) بفتح المثناة وسكون الميم: ولا (ثمر) بفتح المثلثة وفتح الميم فيكون حجة لمن لم يشترط البقاء في وجوب العشر وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى فإن الخلاف بينه وبين صاحبيه كما تقرر في محله من الفقه في موضعين في اشتراط النصاب وفي اشتراط البقاء عندهما لا عنده فالعشر يجب عنده في كل ما أخرجته الأرض ولا يشترط فيه نصاب ولا أن يكون مما يبقى كالحنطة والتمر والزبيب حتَّى يجب في الثمار والخضراوات اهـ من بعض الهوامش.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي سعيد الخدري بحديث جابر ﵄ فقال:
(٢١٥١) (٩٤٣) (٩٣) (حَدَّثَنَا هارون بن معروف) المروزي نزيل بغداد ثقة من (١٠) (وهارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) ثقة من (١٠) (قالا: حَدَّثَنَا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري ثقة من (٩) (أخبرني عياض بن عبد الله) بن عبد الرحمن الفهري المدني ثم المصري وثقه ابن حبان وقال أبو حاتم: ليس بالقوي وقال في التقريب: فيه لين من السابعة روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مصريان وواحد مدني وواحد مكي وواحد إما مروزي أو أيلي
стр. 4524
أَنهُ قَال: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ. وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ. وَلَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ".
(٢١٥٢) (٩٤٤) - (٩٤) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ. كُلُّهُمْ
ــ
(أنَّه) ﷺ (قال: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) قال أهل اللغة: يقال: ورق بفتح الواو وكسر الراء وإسكانها والمراد به هنا الفضة كلها مضروبة كانت أو غير مضروبة لكن ينبغي أن يفسر ما في سورة الكهف بالمضروبة منها كما لا يخفى واختلف أهل اللغة في أصله فقيل: يطلق في الأصل على جميع الفضة وقيل: هو حقيقة في المضروب دراهم ولا يطلق على غير الدراهم إلَّا مجازًا وهذا قول كثير من أهل اللغة وبالأول قال ابن قتيبة وغيره منهم وهو مذهب الفقهاء ولم يات في الصحيح بيان نصاب الذهب وقد جاءت فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالًا وهي ضعاف ولكن أجمع من يعتد به في الإجماع على ذلك وكذا اتفقوا على اشتراط الحول في زكاة الماشية والذهب والفضة دون المعشرات كما مر اهـ من فتح الملهم وجعل الحول شرطًا لأنه عدل بين أرباب الأموال والمساكين لأن الأموال تنمو فيه وليس على المساكين إجحاف في الصبر إليه ولهذا المعنى لم يجعل شرطًا في زكاة الحب لأن النماء يحصل فيه قبل الحول اهـ أبي و (أواق) بالتنوين كجَوارٍ بإثبات التحتانية مشددًا ومخففًا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية وحكى بعضهم بحذف الألف وفتح الواو ومقدارها في هذا الحديث أربعون درهمًا كما مر (وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة) وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لجابر ﵁ فقال:
(٢١٥٢) (٩٤٤) (٩٤) (حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح) الأموي المصري (وهارون بن سعيد الأيلي وعمرو بن سواد) بتشديد الواو بن الأسود السرحي أبو محمد المصري ثقة من (١١) روى عنه في (٢) بابين (والوليد بن شجاع) بن الوليد بن قيس الكندي الكوفي ثقة من (١٠) روى عنه في (٨) أبواب (كلهم) أي كل من
стр. 4525
عَنِ ابْنِ وَهْبٍ. قَال أَبُو الطَّاهِرِ: أخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيرِ حدَّثَهُ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِي ﷺ قَال: "فِيمَا سَقَتِ الأنَّهَارُ وَالْغَيمُ الْعُشُورُ. وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ"
ــ
الأربعة رووا (عن) عبد الله (بن وهب) المصري (قال أبو الطاهر) في روايته: (أخبرنا عبد الله بن وهب) بصيغة السماع بالعنعنة (عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري أبي أمية المصري الفقيه المقرئ ثقة من (٧) (أن أبا الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم (حدثه) أي حدث لعمرو بن الحارث (أنَّه) أي أن أبا الزبير (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني (يذكر أنَّه سمع النبي ﷺ قال) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مصريون وواحد مدني وواحد مكي وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة قال النبي ﷺ : (فيما سقت الأنهار) جمع نهر وهو الماء الجاري على وجه الأرض (و) فيما سقت (الغيم) أي المطر والجار والمجرور خبر مقدم لقوله: (العشور) وهو مبتدأ مؤخر نظرًا إلى خفة المؤنة والأنهار جمع نهر وهو الماء الكبير الجاري على وجه الأرض كالفرات والنيل وفي رواية أبي دواد زيادة: (والعيون) جمع عين وهو الماء القليل الجاري على وجه الأرض والمراد بها الأنهار الجارية التي يستقى منها من دون اغتراف بآلة بل تساح إساحة (والغيم) المراد به ماء المطر أو الثلج أو البرد أو الطل والعشور بضم العين جمع عشر بدليل مابعده والمعروف في جمعه أعشار كقفل وأقفال وقدم في القاموس ذكر العشور على الأعشار لوروده في الحديث وأكثر الرواة على فتح العين وهو اسم للقدر المخرج من المال قال الطبري: والحكمة في فرض العشر أنَّه يكتب بعشرة أمثاله فكان المخرج للعشر تصدق بجميع ماله فافهم والله أعلم (وفيما سقي بالسانية) وهي البعير الَّذي يستقى به الماء من البئر ويقال له: الناضح يقال من سنا يسنو سنًّا إذا استقى به قال الحافظ: وذكر البعير كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم اهـ من فتح الملهم وفي بعض الهوامش: السانية هي حيوان يرفع بواسطة الماء من بئر أو نهر يكون ذلك الحيوان في بلاد العرب بعيرًا أو ناقة وفي بعض البلاد ثورًا أو حمارًا أو برذونًا يدور بالدولاب في ساحة بجانب البئر أو في شاطئ النهر والجمع سوان كجوار جمع جارية وفي المثل (سير السواني سفر لا ينقطع) والمراد بها كل ما فيه مؤنة (نصف العشر) نظرًا إلى ثقل المؤنة
стр. 4526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحديث يدل على أنَّه يجب العشر الكامل فيما سقي بماء السماء والأنهار وغيرهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة ونصف العشر فيما سقي بالسواني ونحوهما مما فيه كلفة قال النواوي: وهذا متفق عليه وإن وجد مما يسقى بالنضح تارةً وبالمطر تارةً أخرى فإن كان كذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر وإن اختلفا فيقسط كل وهو قول أهل العلم قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا بينهم وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعًا للأكثر عند أحمد والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وقيل: يؤخذ بالتقسيط قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه اهـ من العون.
قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على الأخذ بهذا الحديث في قدر ما يؤخذ واستدل أبو حنيفة بعمومه على وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض من الثمار والرياحين والخضر وغيرها إلَّا الحشيش وشبهه من الحطب والقصب وما يثمر من الشجر كالسمر وشبهه وما سبق من قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) إذا لم يحمل على زكاة التجارة كما تأوله الإمام كذلك خاص معارض لما هنا ولما لم يعلم التاريخ قدم العام الَّذي هو ما هنا لأنه أحوط.
وخالفه جماعة من العلماء في ذلك على اختلافهم في تفاصيل ذلك وقد أجمعوا على الحنطة والشعير والتمر والزبيب ورأى الحسن والثوري وابن أبي ليلى في آخرين أنَّه لا زكاة إلَّا في هذه الأربعة وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنها تجب في كل ما يقتات ويدخر للعيش غالبًا ونحوه قال الشافعي وأبو ثور إلَّا أنهما استثنيا الزيتون وقال ابن الماجشون من أصحابنا: تجب في ذوات الأصول كلها ما ادخر منها وما لا يدخر اهـ من المفهم وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٣٤١) وأبو داود (١٥٩٧) والنسائي (٥/ ٤٢) وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستدلال به على الجزء الأول والثاني من الترجمة وذكر فيه سبع متابعات والثاني حديث جابر الأول ذكره للاستشهاد والثالث حديث جابر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
***
стр. 4527
٤١٥ - (٣٣) باب لا زكاة فيما إتخذ للقنية وتقديم الزكاة وتحملها عمن وجبت عليه
(٢١٥٣) (٩٤٥) - (٩٥) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَيسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"
ــ
٤١٥ - (٢٣) باب لا زكاة فيما اتخذ للقنية وتقديم الزكاة وتحملها عمن وجبت عليه
(٢١٥٣) (٩٤٥) (٩٥) (وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس المدني (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني (عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة أحد الفقهاء السبعة (عن عراك بن مالك) الغفاري المدني ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلَّا يحيى بن يحيى فإنه نيسابوري.
(أن رسول الله ﷺ قال: ليس على المسلم في عبده) الَّذي اتخذه للخدمة (ولا) في (فرسه) الَّذي اتخذه للركوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله تعالى (صدقة) أي زكاة إجماعًا لأنه اتخذهما للقنية والانتفاع بهما أما إذا اتخذهما للتجارة فيهما ففيهما زكاة التجارة وهو ربع عشر قيمتهما آخر كل حول إن بلغت النصاب وهو مائتا درهم أو عشرون مثقالًا قال النواوي: هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة وبهذا الحديث استدل سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والشعبي والحكم وابن سيرين والثوري والزهري ومالك والشافعي وأحمد هاسحاق وأبو يوسف ومحمد من الأحناف وكافة أهل العلم من السلف والخلف على أنَّه لا زكاة في الخيل ولا في الرقيق إذا لم تكن للتجارة وقال الترمذي: والعمل عليه أي على حديث أبي هريرة المذكور في الباب عند أهل العلم أنَّه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة إلَّا أن يكونوا للتجارة فإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول وبلغت
стр. 4528
(٢١٥٤) (٠) (٠) وحدَّثني عَمْرو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، (قَال عَمْرٌو): عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (وَقَال زُهَيرٌ: يَبْلُغُ بِهِ)
ــ
النصاب وهو مذهب كافة العلماء وأئمة الفتوى إلَّا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان والنخعي وزفر أوجبوا الزكاة في الخيل إذا كافت إناثًا أوذكورًا في كل فرس آخر كل حول دينار وإن شاء قومها وأخرج عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وليس لهم حجة في ذلك وهذا الحديث صريح في الرد عليهم اهـ نواوي بزيادة وتصرف وفي البدائع: الخيل إن كانت لعلف للركوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها إجماعًا وإن كانت للتجارة وجيت فيها الزكاة إجماعًا وإن كانت تسام للدر والنسل وهي ذكور وإناث تجب عند هـ فيها الزكاة قولًا واحدًا وفي المذكور المنفردة والإناث المنفردة روايتان وفي المحيط: المشهور عدم الوجوب فيهما وجه رواية الوجوب الاعتبار بسائر السوائم من الإبل والبقر والغنم أنَّه تجب الزكاة فيها والصحيح أنَّه لا زكاة فيها لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال النامي ولا نماء فيها بالدر والنسل ولا اعتبار لزيادة اللحم لأن لحمها غير مأكول عنده بخلاف الإبل والبقر والغنم لأن لحمها مأكول فكان زيادة اللحم فيها بالسمن بمنزلة الزيادة بالدر والنسل والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٢٤٢ و ٢٥٤) والبخاري (١٤٦٤) وأبو داود (١٥٩٥) والترمذي (٦٢٨) والنسائي (٥/ ٣٥) وابن ماجه (١٨١٢).
ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه فقال:
(٢١٥٤) (٠) (٠) (وحدثني عمرو) بن محمد (الناقد (البغدادي (وزهير بن حرب) النسائي (قالا: حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) الكوفي (حَدَّثَنَا أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي أبو موسى الكوفي (عن مكحول) النوبي الهذلي مولاهم مولى امرأة منهم أبي عبد الله الشامي ثقة فقيه كثير الإرسال من (٥) روى عنه في (٤) أبواب (عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني (عن عراك بن مالك) الغفاري المدني (عن أبي هريرة) ﵁ (قال عمرو) الناقد: (عن النبي ﷺ وقال زهير) بن حرب: (يبلغ) أبو هريرة (به) أي بهذا الحديث إلى النبي ﷺ يعني يرفعه إليه ﷺ ولم
стр. 4529
"لَيسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ".
(٢١٥٥) (٠) (٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالِ. ح وَحدَّثَنَا قُتَيبَةُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ.
ح وَحدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. كُلُّهُمْ
ــ
يجعله موقوفًا عليه وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان وواحد شامي وواحد إما بغدادي أو نسائي غرضه بسوقه بيان متابعة مكحول لعبد الله بن دينار في رواية هذا الحديث عن سليمان بن يسار أنَّه ﷺ قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وفي بعض النسخ: (ولا في فرسه) بزيادة لفظة (في) وبها وبقوله: (قال عمرو: عن النبي ﷺ وقال زهير: يبلغ به) تظهر فائدة تكرار المتن.
وفي بعض الهوامش: حملوا العبد والفرس في هذا الحديث على عبد الخدمة وفرس الركوب وأما ما أعد للنماء والتجارة ففيه الزكاة قال ابن الملك في المبارق: وهذا الحديث بظاهره حجة لأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة في عدم وجوب الزكاة في الفرس وللشافعي في عدم وجوبها في العبد والخيل سواء كانت للتجارة أم لم تكن في قوله القديم وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في الفرس لقوله ﷺ : (في كل فرس سائمة دينار) وفي العبد إذا لم تكن للخدمة لما روى سمرة بن جندب أنَّه ﷺ كان يأمرنا بالزكاة من العروض التي نعدها للبيع وحمل العبد في الحديث على العبد للخدمة والفرس على فرس الغازي توفيقًا بين الأحاديث فإن قيل: هذا الحديث بإطلاقه يقتضي أن لا يجب في العبد صدقة الفطر على مولاه قلنا: قد جاء في رواية عن أبي هريرة ﵁ (إلَّا صدقة الفطر) فتحمل هذه المطلقة على تلك المقيدة اهـ قال ابن الهمام: الإضافة في قوله: (فرسه) تقتضي إن المراد به الفرس الملابس للإنسان ركوبًا ذهابًا ومجيئًا في العرف وكذا (عبده) هو الملازم له خدمة وشغلًا اهـ فخرج بهما ما أعد للتجارة أو للنماء ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢١٥٥) (٠) (٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا سليمان بن بلال) التيمي المدني ثقة من (٨) (ح وحدثنا قتيبة) بن سعيد البلخي (حَدَّثَنَا حماد بن زيد) الأزدي البصري من (٨). (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم المدني صدوق من (٨) (كلهم) أي كل من سليمان بن بلال
стр. 4530
عَنْ خُثَيمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
(٢١٥٦) (٠) (٠) وحدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ. قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ يُحدِّثُ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ
ــ
وحماد بن زيد وحاتم بن إسماعيل رووا (عن خثيم) مصغرًا (بن عراك بن مالك) الغفاري المدني روى عن أبيه في الزكاة والبيوع والفضائل وسليمان بن يسار ويروي عنه (خ م س) وحماد بن زيد وسليمان بن بلال وحاتم بن إسماعيل والفضل بن موسى وثقه النسائي وابن حبان وقال في التقريب: لا بأس به من السادسة وليس في مسلم من اسمه خثيم إلَّا هذا (عن أبيه) عراك بن مالك الغفاري (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ الجار والمجرور في قوله (بمثله) متعلق بما عمل في المتابع وهو خثيم بن عراك والضمير فيه عائد إلى سليمان بن يسار لأنه المتابع والتقدير: حَدَّثَنَا خثيم بن عراك عن أبيه عراك بن مالك بمثل ما حدث سليمان بن يسار عن عراك بن مالك غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة خثيم بن عراك لسليمان بن يسار في رواية هذا الحديث عن عراك بن مالك وفائدتها بيان كثرة طرقه.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢١٥٦) (٠) (٠) (وحدثني أبو الطاهر) المصري أحمد بن عمرو الأموي (وهارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي) التميمي (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري بضم التاء وسكون السين وفتح التاء الأخيرة نسبة إلى تستر بلدة بالأهواز لكونه يتجر فيها صدوق من (١٥) (قالوا) أي قال كل من الثلاثة: (حَدَّثَنَا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرني مخرمة) بن بكير بن عبد الله بن الأشج أبوالمسور المدني المخزومي مولاهم صدوق من (٧) (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري ثقة من (٥) (عن عراك بن مالك قال: سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته غرضه بيان متابعة بكير بن عبد الله لسلممان بن يسار في رواية هذا الحديث عن عراك بن مالك وفي هذا السند فائدة تصريح سماع عراك عن أبي هريرة وكرر المتن لما في هذه الرواية من زيادة
стр. 4531
قَال: "لَيسَ في الْعَبْدِ صدَقَةٌ إلا صَدَقَةُ الْفِطْرِ".
(٢١٥٧) (٩٤٦) - (٩٦) وحدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ
ــ
الاستثناء ونقص الفرس (قال) رسول الله ﷺ : (ليس في العبد) على سيده (صدقة) أي زكاة (إلا صدقة الفطر) بالرفع على البدلية من صدقة وبالنصب على الاستثناء وهذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده المسلم سواء كان للقنية أم للتجارة وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة وحكي عن داود أنَّه قال لا تجب على السيد بل تجب على العبد ويلزم السيد تمكينه من الكسب ليؤديها وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضًا ومذهب الشافعي وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه ولا على سيده وعن عطاء ومالك وأبي ثور وجوبها على السيد وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي لقوله ﷺ : (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) وفيه وجه أيضًا لبعض أصحابنا أنها تجب على المكاتب لأنه كالحر في كثير من الأحكام اهـ نواوي.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لأبي هريرة ﵁ فقال:
(٢١٥٧) (٩٤٦) (٩٦) (وحدثني زهير بن حرب) النسائي (حَدَّثَنَا علي بن حفص) المدائني أبو الحسن البغدادي روى عن ورقاء في الزكاة والأدب وحريز بن عثمان وشعبة ويروي عنه (م د ت س) وزو بن حرب وأحمد وابن رافع وثقه ابن المديني وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو داود وقال في التقريب: صدوق من التاسعة (٩) (حَدَّثَنَا ورقاء) بن عمر بن كليب اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن أصله من مرو وثقه أحمد وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات صدوق من (٧) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج) المدني (عن أبي هريرة) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد بغدادي وواحد نسائي (قال) أبو هريرة: (بعث رسول الله ﷺ عمر) بن الخطاب ﵁ أي أرسله عاملًا (على الصدقة) أي على الزكاة وهو مشعر بأنها صدقة الفرض لأن الصدقة
стр. 4532
فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ
ــ
التطوع لا يبعث عليها السعاة وقال ابن القصَّار المالكي: الأليق أنها صدقة التطوع لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض وتعقب بانهم ما منعوه كلهم جحدًا ولا عنادًا أما ابن جميل فقد قيل: إنه كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك اهـ كذا حكاه المهلب وجزم القاضي حسين في تعليقه أن فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ] الآية انتهى والمشهور أنها نزلت في ثعلبة وأما خالد فكان متأولًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة وكذلك العباس لاعتقاده ما سيأتي التصريح به ولهذا عذر النبي ﷺ خالدًا والعباس ولم يعذر ابن جميل اهـ فتح الملهم (فقيل) للنبي ﷺ (منع ابن جميل) أي امتنع عن دفع الزكاة قائل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قال الحافظ: وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث (وخالد بن الوليد) بن المغيرة المخزومي سيف الله (والعباس عم رسول الله ﷺ يعني أن هؤلاء منعوا الزكاة وامتنعوا دفعها وما أعطوها زاد ابن أبي الزناد عن أبيه عند أبي عبيد: (أن يعطوا الصدقة قال فخطب رسول الله ﷺ فذب عن اثنين العباس وخالد) (فقال رسول الله ﷺ ما ينقم) بكسر القاف أي ما ينكر أو ما يكره (ابن جميل إلَّا أنَّه كان) أولًا (فقيرًا فأغناه الله) تعالى وهذا ليس مما يكره وينكر ولا يصلح أن يكون علة لكفران النعمة يعني ما يغضب ابن جميل على طالب الصدقة إلَّا كفران هذه النعمة وهي أنَّه كان فقيرًا فأغناه الله وهذه ليست بمانعة عن الزكاة فعلم أنَّه لا مانع له أصلًا فيكون المراد به المبالغة على حد قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من ضراب الكتائب
قال الحافظ: وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ولأنه إذا لم يكن له عذر إلَّا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له وفيه التعريض بكفران النعمة والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان قال العيني ناقلًا عن بعضهم: كان ابن جميل منافقًا فمنع الزكاة فاستتابه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيرًا لَهُمْ﴾ فقال: استتابني ربي فتاب وصلحت حاله وفي المبارق وابن جميل هذا مذكور في عداد من عرف من الصحابة بآبائهم لا يعرف اسمه لكن قال ملا علي:
стр. 4533
وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا. قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ
ــ
والمشهور أنَّه منافق فلا يعد من الصحابة اهـ.
وفي البخاري (فأغناه الله ورسوله) قال الحافظ: إنما ذكر رسول الله ﷺ نفسه لأنه كان سببًا لدخوله في الإسلام فأصبح غنيًّا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم اهـ (وأما خالد) بن الوليد (فإنكم) أيها السعاة (تظلمون خالدًا) أي تصفونه بصفة من يمنع الزكاة وليست عليه زكاة لأنه (قد احتبس) ووقف (أدراعه) جمع درع وهو زرد الحديد الَّذي يجاهد به وهذا اعتذار منه صلى الله عليه وسم لخالد عن المنع وكان مقتضى الظاهر تظلمونه لكن أظهر في موضع الإضمار تأكيدًا ومبالغة ويقال: حبسه واحتبسه إذا وقفه ويقال للوقف حبسٌ والأدراع جمع درع كالدروع (وأعتاده) جمع عتد بفتحتين لا جمع عتاد كما قيل فإن جمعه أعتدة كأزمنة فعتاد وعتد كزمان وزمن وهو ما يستأهبه الرجل للحرب من السلاح والدواب وقيل: الخيل خاصة يقال: فرس عتيد أي صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب أقوال وفي رواية (وأعتده) كما هو لفظ البخاري والأعتد بضم التاء جمع عتد أيضًا كازمان وأزمن في جمع زمن أي وقف ملابسه الحربية وأسلحته ودوابه (في سبيل الله) ظرف لاحتبس يعني أن منقولاته موقوفة في سبيله تعالى وأنتم تظلمونه بأن تعدوها من عروض التجارة فتطلبون الزكاة منه.
وفي فتح الملهم: هذه القصة على أوجه: أحدها: أن المعنى أنَّه ﷺ لم يقبل بإخبار من أخبره بمنع خالد حملًا على أنَّه لم يصرح بالمنع وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه ويكون قوله: (تظلمونه) أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله ثانيها: أنهم ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها فأعلمهم ﵊ بأنه لا زكاة عليه فيما حبس وهذا يحتاج لنقل خاص فيكون حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة ولمن أوجبها في عروض التجارة ثالثها: أنَّه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله لأن أحد الأصناف في سبيل الله وهم المجاهدون وهذا يقوله من يجيز إخراج القيم في الزكاة كالحنفية ومن يجيز التعجيل كالشافعية كذا في الفتح اهـ.
ومعنى حديث أنهم طلبوا من خالد زكاة: أعتاده ظنًّا منهم أنها للتجارة وأن الزكاة واجبة فيها فقال لهم لا زكاة لكم علي فقالوا للنبي ﷺ إن خالدًا منع
стр. 4534
وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ. وَمِثْلُهَا مَعَهَا". ثُمَّ قَال: "يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟ "
ــ
الزكاة فقال لهم إنكم تظلمونه لأنه حبسها ووقَفَها في سبيل الله قبل حولان الحول عليها فلا زكاة فيها.
(وأما العباس فهي) أي صدقته للسنة الماضية (عليَّ) أنا أؤديها عنه (ومثلها معها) أي والحال أن مثل تلك الصدقة في كونها فريضة عام آخر كائنة معها أي هي علي أيضًا أؤديها عنه معناه أني تسلفت منه زكاة عامين لحاجة بي وتكفلت عنه بها فلا تطلبوه بها (ثم قال) رسول الله ﷺ لعمر: (يا عمر أما شعرت) بفتح العين أي أما علمت (أن عم الرجل صنو أبيه) أي صنو أبي الرجل أي مثل أبيه ونظيره يعني أنهما من أصل واحد وهو جد الرجل يقال لنخلتين طلعتا من عرق واحد صنوان وأحدهما صنو ويكون جمعه جمع تكسير على صورة مثناة المرفوع ويتميزان بالإعراب ومثله قنو وقنوان والصنو الغصن والقنو العذق فهما متقاربان وفي الحديث تعظيم حق العم وتفضيله على غيره وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري (١٤٦٨) وأبو داود (١٦٢٣) والنسائي (٣٣١٥).
(تتمة): وعبارة القرطبي في هذا الحديث: (قول أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ بعث عمر على الصدقة) ظاهر هذا اللفظ أنها الصدقة الواجبة وإليه صار الجمهور وعلى هذا فيلزم استبعاد منع مثل هؤلاء المذكورين لها ولذلك قال بعض العلماء كانت صدقة تطوع وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث وفيه أن النبي ﷺ ندب الناس إلى الصدقة رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٨٦٢) وذكر الحديث قال ابن القصار: وهذا أليق بالقصة فلا يظن بأحد منهم منع الواجب قال: فيكون عذر خالد واضحًا لأنه لما أخرج أكثر ماله حبسًا في سبيل الله لم يحتمل صدقة التطوع فعذره النبي ﷺ ويكون ابن جميل شح في التطوع الَّذي لا يلزمه فعتب عليه النبي ﷺ كما جاء في الحديث وأخبر أن العباس يسمح بما طلب منه ومثله معه وأنه ممن لا يمتنع مما حضه عليه النبي ﷺ بل يعده كاللازم.
وأما من قال: إنها صدقة الفرض فيشكل عليه امتناع هؤلاء الكبراء والفضلاء من الصحابة عن أدائها واحتسابه ﷺ لخالد فيها بما كان حبس من آلة الجهاد مع أنَّه قد كان يعدها على وجه الحبس على ما هو ظاهر الحديث.
стр. 4535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و(قوله: إنكم تظلمون خالدًا) و (قوله: هي على ومثلها معها) وقد انفصل عن استبعاد منعهم بانهم لم يمنعوها عنادًا بل توقفًا من ابن جميل إلى أن يرى هل يسامح بها وقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولًا فمنع الزكاة فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] فقال: استتابني ربي فتاب صلحت حاله وتأولًا من خالد بأنه يحتسب له بها ومن العباس بأن النبي ﷺ قام يحملها عنه أو بأنه غريم أو بغير ذلك من أنواع التأويلات المسوغة ولم يكن فيهم أبعد تأويلًا من ابن جميل ولذلك عتب عليه النبي ﷺ .
وأما (قوله: إنكم تظلمون خالدًا) فهو خطاب منه للعمال على الصدقة حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة وكأن خالدًا والله أعلم رأى أن الحاجة قد تعينت للجهاد في سبيل الله وقد جعل الله للجهاد حظًّا من الزكاة فرأى أن يصرفها فيه فأخرج زكاته واشترى بها مايصلح للجهاد كما يفعله الإمام ولما تحقق النبي ﷺ ذلك قال: فإنكم تظلمون خالدًا فإن قد صرفها مصرفها وأنتم تطلبونه بها وعند ذلك يكون قول النبي ﷺ ذلك إمضاءً لما فعل خالد ويكون معنى احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله رفع يده عنها وأبانها عن ملكه وخلى بين الناس وبينها في سبيل الله لا أنَّه حبسها وقفًا على التأبيد والأدراع جمع درع الحديد والأعتاد جمع عتد وكذلك الأعتد في غير هذه الرواية وكلاهما جمع قلة وهو الفرس الصلب وقيل: هو المعد للركوب وقيل السريع الوثب وقال الهروي: هو ما أعده الرجل من سلاح ودواب وآلة للحرب ويجمع أيضًا على أعتدة وفي غير مسلم (أعتده) بضم التاء وفتح الدال وروى أيضًا أعبده بالباء الموحدة جمع عبد.
(وأما قوله ﷺ في حق العباس: فهي علي ومثلها معها) فقد اضطربت ألفاظ الرواة فيه فقيل ما ذكرناه وفي البخاري (فهي عليه صدقة ومثلها معها) وفي غيرهما (فهي له ومثلها معها) فأما رواية مسلم فظاهرها أنَّه تحملها عنه ومثلها ويحتمل أنها كانت له عليه إذ قد كان قدمها له وفيه بعد من حيث اللفظ وإن كان الدارقطني قد روى من حديث موسى بن طلحة عن طلحة أن النبي ﷺ قال: إنا كنا احتجنا إلى مال فتعجلنا من العباس صدقة ماله لسنتين رواه الدارقطني (٣/ ١٣٤) وبهذا يحتج من يرى تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها وهو مذهب أبي حنيفة
стр. 4536
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأوزاعي والشافعي وفقهاء المحدثين ومن هؤلاء من يجيز تقديم زكاة عامين أخذًا بهذا الحديث ومنع ذلك الليث ومالك وهو قول عائشة وابن سيرين فقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبهما كالصلاة وعن مالك خلاف فيما قرب وكان هؤلاء لم يصح عندهم الحديث والله أعلم ولا ارتضوا ذلك التأويل.
وقيل في قوله ﷺ : (هي عليَّ ومثلها): إنه ﷺ كان قد تسلف من العباس مالًا احتاج إليه في السبيل فقاصه به عند الحول وهذا ما لا يختلف في جوازه وحينئذ لا يكون حجة على جواز التقديم وأما رواية البخاري فنص في أنَّه تركها له ومثلها وذلك لأنه قد فدى نفسه وعقيلَا فكأنه كان غريمًا وإليه يرد قوله: (وهي له ومثلها) ويحتمل فهي له علي كما تقدم وبحسب هذه التأويلات تنزل الأحكام.
و(قوله: ما ينقم ابن جميل) أي ما يعيب يقال نقم ينقم من باب ضرب ونقم ينقم من باب فرح ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨] وقال الشاعر:
ما نقم الناس من أمية ... إلَّا أنهم يحلمون إن غضبوا
وإنهم سادة الملوك ... ولا تصلح إلَّا عليهم العرب
و(قوله: أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه) أي يرجع مع أبيه إلى أصل واحد ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] وأصله من النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد والصنوان جمع صنو كقنوان وقنو ويجمع على أصناء كأسماء فإذا كثرت قلت الصّني والصُّني وهذا تعظيم لحق العم وهو مقتض ومناسب لأن يحمل قوله ﷺ : (هي علي) على أنَّه تحملها عنه احترامًا له وميزة وإكرامًا حتَّى لا يتعرض له بطلبها أحد إذ تحملها عنه رسول الله ﷺ عنه اهـ من المفهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان:
الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات.
والثاني حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة ولم يذكر فيه متابعة والله أعلم.
***
стр. 4537
٤١٦ - (٣٤) باب الأمر بزكاة الفطر وبيان من تخرج عنه وما تخرج منه ومتى تخرج
(٢١٥٨) (٩٤٦) - (٩٦) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مَالِك. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ
ــ
٤١٦ - (٣٤) باب الأمر بزكاة الفطر وبيان من تخرج عنه وما تخرج منه ومتى تخرج
وأضيفت الزكاة إلى الفطر من رمضان لكونها تجب بالفطر منه ويقال: صدقة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر مضان قبل العيد بيومين قاله القسطلاني وهي تجبر الخلل الواقع في صوم رمضان كما أن سجود السهو يجبر الخلل الواقع في الصلاة قاله وكيع بن الجراح وهي من خصائص هذه الأمة كما أن عيد الفطر من خصائصهم.
(٢١٥٨) (٩٤٦) (٩٦) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) الحارثي القعنبي أبو عبد الرحمن المدني البصري ثقة من (٩) (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (قالا: حدثنا مالك) بن أنس الأصبحي المدني (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (واللفظ له قال) يحيى: (قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر).
وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد إما بصري أو بلخي أو نيسابوري.
(أن رسول الله ﷺ فرض) أي أوجب قال ابن عبد البر: قوله: فرض يحتمل وجهين: أحدهما: وهو الأظهر فرض بمعنى أوجب والآخر بمعنى قدر كما تقول فرض القاضي نفقة اليتيم أي قدرها والذي أذهب إليه أن لا يزال قوله فرض عن معنى الإيجاب إلا بدليل الإجماع وذلك معدوم فإن القول بانها غير واجبة شاذ أو في معنى الشاذ اهـ فتح الملهم.
قال القرطبي: جمهور أئمة الفتوى على أنها واجبة وهو المنصوص عن مالك محتجين بقوله: فرض فإن عرفه الشرعي أوجب وبأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وذهب بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك إلى أنها سنة ورأوا أن فرض بمعنى قدر وهو أصله في اللغة كما قال تعالى ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ولم يروها
стр. 4538
زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ. صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ
ــ
داخلة في عموم ما ذكر وقال أبو حنيفة: هي واجبة وليست بفريضة على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض (زكاة الفطر) هذا اللفظ يشير إلى كون صدقة الفطر زكاة فيشترط لها النصاب وأضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان كما في الفتح.
وقد استدل بقوله زكاة الفطر (من رمضان) على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد لأن الليل ليس محلًا للصوم وإنما يتبين الفطر الحقيقي من رمضان بالأكل بعد طلوع الفجر والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد واحدى الروايتين عن مالك والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك ويقويه قوله في بعض أحاديث الباب (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
قال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر اهـ.
وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر أي صدقة النفوس والذوات والفطرة أصل الخلقة وهذا بعيد بل مردود بقوله (صدقة الفطر من رمضان) والأول أظهر.
وقوله: (على الناس) يشمل أغنياءهم وفقراءهم خلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: لا تلزم من يحل له أخذها واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك ومشهور مذهبه أنها تجب على من فضل عن قوته يوم الفطر بقدرها ويدخل في ذلك الحاضر والبادي خلافًا لليث وربيعة والزهري وعطاء في قصر وجوبها على أهل الحواضر والقرى دون أهل العمود (كل خباء يقوم على أعمدة كثيرة يقال لأهله أهل العمود) وأهل الخصوص جمع خص وهو بيت من شعر أو قصب وقوله: (صاعًا من تمر) بدل من زكاة الفطر (أو صاعًا من شعير) معطوف على ما قبله ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين القوتين إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع فزاد (السلت والزبيب) فأما السلت فهو بضم المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية نوع من الشعير وأما الزبيب فهو عنب جفف.
وقوله: (على كل حر) بدل من قوله على الناس بدل تفصيل من مجمل قوله: (أو عبد)
стр. 4539
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ــ
معطوف على حر (ذكر) عطف بيان لحر (أو أنثى) معطوف على ذكر. وقوله: (على كل حر أو عبد) قال الحافظ: ظاهره إخراج العبد عن نفسه ولم يقل به أحد إلا داود فقال: يجب على السيد أن يمكن العبد من الاكتساب بها كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة وخالفه أصحابه والناس واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: (ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر) أخرجه مسلم كما مر ومقتضاه أنها على السيد.
قال الطيبي: جعل وجوب الفطرة على السيد كالوجوب على العبد.
وقوله: (ذكر أو أنثى) قال في الفتح: ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب على زوجها إلحاقًا لها بالنفقة وفيه نظر.
وقوله: (من المسلمين) صريح في أنها لا تخرج إلا عن مسلم فلا يلزمه عن عبده وزوجته وولده ووالده الكفار وإن وجبت عليه نفقتهم وهذا مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء وقال الكوفيون وإسحاق وبعض السلف: تجب عن العبد الكافر.
قال الطيبي: قوله: (من المسلمين) صفة لحر وما بعده أو حال منه لوقوعه في معرض التفصيل وأما قوله: (صاعًا من كذا أو صاعًا من كذا) ففيه دليل على أن الواجب في الفطرة عن كل نفس صاع.
(واعلم) أن الصاع صاعان حجازي وعراقي فالصاع الحجازي خمسة أرطال وثلث رطل والعراقي ثمانية أرطال وإنما يقال له: العراقي لأنه كان مستعملًا في بلاد العراق مثل الكوفة وغيرها وهو الذي يقال له: الصاع الحجاجي لأنه أبرزه الحجاج الوالي وأما الصاع الحجازي فكان مستعملًا في بلاد الحجاز وهو الصاع الذي كان مستعملًا في زمن النبي ﷺ وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر في عهده ﷺ وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور وهو الحق وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بالصاع العراقي وكان أبو يوسف يقول بقوله فلما دخل المدينة وناظر الإمام مالكًا رجع عن قوله وقال بقول الجمهور اهـ تحفة الأحوذي.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أحمد (٣/ ٦٣) والبخاري (١٥٠٤) وأبو داود (١٦١١) والترمذي (٦٧٦) والنسائي (٥/ ٤٨) وابن ماجه (١٨٢٦).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
стр. 4540
(٢١٥٩) (٠) (٠) حدَّثنا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ. صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ
ــ
(٢١٥٩) (٠) (٠) (حدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (واللفظ له) أي لأبي بكر لا لمحمد بن نمير (قال) أبو بكر: (حدثنا عبد الله بن نمير وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني (عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبيد الله لمالك (قال) ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ أي أوجب (زكاة الفطر) من رمضان (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل عبد أو حر صغير أو كبير) وكرر المتن لما بين الروايتين من بعض المخالفة.
والحكمة في إيجاب الفطرة أن الصوم لما كان من العبادات التي يطول زمنها ويشق التحرز فيها من أمور تفوت كمالها جعل الفطرة فيه لتكون كفارة وجبرًا لما يقع في الصوم من لغو وغيره كما جعل في الحج والعمرة الهدي ليكون جبرانًا لما يقع فيهما من النقص كما جاء في حديث آخر أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث واستشكل بأن الصبي ليس محتاجًا إلى التطهير لعدم الإثم وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس ولا يمتنع أن لا يوجد التطهير من الذنب كما أنها تجب على من لا ذنب له كصالح محقق الصلاح وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة فإنها تجب عليه مع عدم الإثم وكما أن القصر جوز في السفر للمشقة فلو وجد من لا مشقة عليه فله القصر اهـ نواوي بتصرف.
(فائدة): وقد ذكر القفال الشاشي في محاسن الشريعة معنى لطيفًا في إيجاب الصاع وهو أن الناس تمتنع غالبًا من الكسب في العيد وثلاثة أيام بعده ولا يجد الفقير من يستعمله فيها لأنها أيام سرور وراحة عقب الصوم والذي يتحصل من الصاع عند جعله خبزًا ثمانية أرطال من الخبز فإنه خمسة أرطال وثلث كما مر ويضاف إليه نحو الثلث من الماء فيكفي المجموع الفقير في الأربعة أيام كل يوم رطلان وفي هذه الحكمة نظر لأن الصاع لا يختص به شخص واحد بل يجب دفعه للأصناف الثمانية اللَّهُمَّ إلا أن يقال: إنه نظر لقول من يجوز دفعها لواحد ولأن ما ذكره من كونه يضاف إليه نحو الثلث من الماء لا يظهر في نحو التمر
стр. 4541
(٢١٦٠) (٠) (٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَال: فَرَضَ النَّبِي ﷺ صَدَقَةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالذكَرِ وَالأنثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
قَال: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
(٢١٦١) (٠) (٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ
ــ
واللبن إلا أن يجاب بان ذلك بالنظر للغالب اهـ بيجوري على أبي شجاع.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
(٢١٦٠) (٠) (٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا التميمي العيشي البصري ثقة من (٨) (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني العنزي البصري (عن نافع عن ابن عمر) ﵄ غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أيوب لمالك بن أنس (قال) ابن عمر: (فرض) أي أوجب (النبي ﷺ صدقة) أي زكاة الفطر من (رمضان على الحر والعبد والذكر والأنثى صاعًا من تمر) عطف بيان من صدقة رمضان (أو صاعًا من شعير) وتخصيصهما بالذكر لكونهما غالب القوت في المدينة المنورة وقتئذ كما جاء ذلك مبينًا في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري وكان الأقط والزبيب أيضًا من جملة الأقوات فيها أيضًا (قال) ابن عمر: (فعدل الناس) من الصحابة (به) أي بالصاع المذكور أي جعل الناس (نصف صاع من بر) عدله أي مثل الصاع المذكور في الإجزاء في الفطرة وأراد بالناس معاوية ومن وافقه كما سيأتي التصريح بذلك في حديث أبي سعيد الخدري.
ثم ذكر المؤلف المتابعة فيه ثالثًا فقال:
(٢١٦١) (٠) (٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (ح وحدثنا محمد بن رمح) المصري (أخبرنا الليث عن نافع أن عبد الله بن عمر) ﵄ (قال) وهذا السند من رباعياته غرضه بيان متابعة الليث لأيوب السختياني: (إن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر) أي أمر إيجاب فإن الأمر الثابت بظني إنما يفيد الوجوب وهو بمعنى فرض أيضًا.
стр. 4542
صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ. قَال ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّينِ مِنْ حِنْطَةٍ.
(٢١٦٢) (٠) (٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بن رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. أَوْ رَجُلٍ أَو امْرَأَةٍ. صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ. صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ
ــ
وقوله: (صاع من تمر) عطف بيان من زكاة الفطر (أو صاع من شعير) معطوف على ما قبله (قال ابن عمر: فجعل الناس) يعني معاوية ومن وافقه (عدله) أي عدل الصاع المذكور أي مثله ونظيره في الإجزاء (مدين من حنطة) نظرًا للقيمة وكسر العين في (عدله) أظهر من فتحها كما في العيني قال الفيومي: وعدل الشيء بالكسر مثله من جنسه أو مقداره (وعدله) بالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ اهـ باختصار.
وفي النهاية: وقد تكرر ذكر العدل والعدل بالكسر والفتح في الحديث وهما بمعنى المثل وقيل: هو بالفتح ما عادله من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه وقيل بالعكس اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
(٢١٦٢) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النسابوري (حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) يسار الديلي المدني صدوق من (٨) (أخبرنا الضحاك) بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي أبو عثمان صدوق من (٧) (عن نافع عن عبد الله بن عمر) وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة الضحاك لمالك بن أنس لأنه لم يذكر لفظة: (من المسلمين) إلا مالك (أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين) وبهذا القيد احتج مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور على أنه لا يجب على أحد إخراج صدقة الفطر عن عبده الكافر وهو قول عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والنخعي واحتج الحنفية ومن وافقهم بعموم قوله ﷺ : (ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر) وقد تقدم وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام فعموم قوله: (في عبده) مخصوص بقوله: (من المسلمين) اهـ فتح الملهم.
(حر أو عبد) عطف بيان لنفس أو بدل منها (أو رجل أو امرأة صغير أو كبير) وقوله: (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير) عطف بيان لزكاة الفطر.
стр. 4543
(٢١٦٣) (٩٤٧) - (٩٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ
ــ
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٢١٦٣) (٩٤٧) (٩٧) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال: قرأت على مالك) ابن أنس المدني (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني (عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح) بمهملات القرشي العامري المكي ثقة من (٣) (أنه سمع أبا سعيد) الأنصاري (الخدري يقول) وهذا السند من خماسياته.
رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد نيسابوري: (كنا) معاشر الصحابة (نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام) أي من بر.
قال الحافظ: وهذا الحديث يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكره بعده وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات بعده والحنطة أعلاها فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات ولا سيما حيث عطفت عليها بحرف أو التفصيلية وقال هو وغيره: وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب اهـ من فتح الملهم.
(أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف وفي آخره طاء سكن قافه في الشعر وهو لبن جفف قبل نزع زبده فإن أفسد الملح جوهره لم يجز وإن ظهر عليه ولم يفسده وجب بلوغ خالصه صاعًا وأما الجبن فلبن جفف بعد نزع زبده فلا يجزئ في الفطرة لأنه ليس بقوت بل يؤكل تفكُهًا وإدامًا كذا في كتب الفقه فراجعها والله أعلم قال ابن الملك: في الأقط خلاف وظاهر الحديث على جوازه في حق من هو قوتهم اهـ (أو صاعًا من زبيب).
قال القرطبي: و (قوله: كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ مثل هذا ملحق بالمسند المرفوع عند المحققين من الأصوليين لأن مثل هذا لا
стр. 4544
(٢١٦٤) (٠) (٠) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ (يَعْنِي ابْنَ قَيسٍ) عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ؛ قَال: كُنَّا نُخْرِجُ، إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ. حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ. صَاعًا
ــ
يأمر به غير النبي ﷺ ولا يخفى مثله عنه ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج إلا وهو مرفوع إلى النبي ﷺ اهـ من المفهم.
وقوله: (صاعًا من طعام) الطعام هنا هو القمح بدليل ذكر الشعير وقد رواه أبو داود وقال: (أو صاعًا من حنطة) مكان من طعام وهو حجة على من قال: لا تخرج من البر وهو خلاف شاذ وهو مسبوق بإجماع السلف وهو حجة على من يقول: إنه يخرج من البر نصف صاع وهو جماعة من السلف وأبو حنيفة واحتجوا بأحاديث لم يصح عند أهل الحديث شيء منها وقال الليث: مدان بمد هشام والأوزاعي: مدان بمد أهل بلده والجمهور على التمسك بما ذكرناه (وقوله: أو صاعًا من أقط) حجة لعامة أهل العلم على من منع إخراج الأقط فيها وهو (الحسن) وهو أحد قولي الشافعي وقصر أشهب إخراجها على هذه الأصناف الأربعة المذكورة في هذا الحديث واختلف فيه قول مالك فالمشهور عنه أنه ألحق بهذه الأربعة ما في معناها من المقتاتات كالذرة والدخن والسلت (وهو نوع من شعير) وزاد ابن حبيب العلس (نوع من القمح وقيل هو العدس) واختلف عنه في القطنية والسويق والتين إذا كان عيشًا لأهل البلد وتفصيل هذا في الفقه اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٩٨) وأبو داود (١٦١٦) والنسائي (٥/ ٥١ و ٥٣) وابن ماجه (١٨٢٩).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢١٦٤) (٠) (٠) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) القعنبي البصري ثقة من (٩) (حدثنا داود يعني ابن قيس) الفراء الدباغ أبو سليمان القرشي المدني ثقة فاضل من (٥) (عن عياض بن عبد الله) القرشي المكي (عن أبي سعيد الخدري) المدني وهذا السند من رباعياته غرضه بسوقه بيان متابعة داود بن قيس لزيد بن أسلم في رواية هذا الحديث عن عياض بن عبد الله (قال) أبو سعيد: (كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر) من رمضان بالنصب مفعول نخرج (عن كل صغير) ولو طفلًا إذا أدرك شمس آخر يوم من رمضان (وكبير حر أو مملوك صاعًا) بدل من زكاة الفطر أو عطف
стр. 4545
مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتى قَدِمَ عَلَينَا مُعَاويةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا. فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَال: إِنِّي أُرَى أَنَّ مُدَّينِ مِنْ سَمْرَاءِ الشامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِذلِكَ.
قَال أَبُو سَعِيدٍ: فَامَّا أنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ
ــ
بيان له (من طعام) أي من حنطة لأنه عام أريد به خاص للعرف فيه كما مر (أو صاعًا من أقط) والحديث حجة على من منع إخراج الفطرة منه (أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب) قال أبو سعيد (فلم نزل نخرجه) أي نخرج الصاع من هذه المذكورات من طعام أي حنطة وما بعدها (حتى قدم) من الشام مارًا (علينا) في المدينة (معاوية بن أبي سفيان) الأموي ﵁ حالة كونه (حاجًّا أو) قال أبو سعيد: (معتمرًا) والشك من عياض (فكلم) معاوية (الناس) أي خطبهم حالة كونه قائمًا (على المنبر) النبوي (فكان فيما كلم به الناس) في خطبته (أن قال) أي قوله للناس: (إني أرى) بضم الهمزة وفتحها أي أظن أو أعلم (أن مدين) تثنية مد وهو ربع الصاع فالمدان نصفه (من سمراء الشام) أي من حنطته (تعدل) أي تساوي في الإجزاء (صاعًا من تمر) يعني أن نصف الصاع من الحنطة يساوي صاعًا من تمر في الإجزاء في الفطرة كما أنه يساويه في القيمة وقتئذ (فأخذ الناس) أي تمسك بعض الناس من الصحابة والتابعين (بذلك) الذي قاله معاوية برأيه بلا حجة عندهم فأخرجوا نصف صاع من الحنطة في الفطرة (قال أبو سعيد) ﵁ (فأما أنا) بنفسي (فلا أزال أخرجه) أي أخرج الصاع الكامل من أي قوت كان سواء كان من حنطة أو غيرها وقوله: (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان متعلق بلا أزال وقوله: (ما عشت) ما مصدرية ظرفية والظرف متعلق بأخرجه الأول زاده تأكيدًا لأبدًا فلا أزال أبدًا أخرجه مدة معاشي (كما كنت أخرجه) في حياة رسول الله ﷺ وبهذا ونحوه أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأجيب بأنه قال في أول الحديث (صاعًا من طعام) وهو في الحجاز الحنطة فهو صريح في أن الواجب منها صاع وقد عدد الأقوات فذكر أفضلها قوتًا عندهم وهو البر لا سيما وعطفت بأو الفاصلة فالنظر إلى ذواتها لا قيمتها ومعاوية إنما صرح بأنه رأيه فلا يكون حجة على غيره اهـ قسط.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
стр. 4546
(٢١٦٥) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. قَال: أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِينَا، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ. حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ. مِنْ ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذلِكَ حَتَّى كَانَ مُعَاويةُ. فَرَأَى أَنَّ مُدَّينِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
قَال أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذلِكَ
ــ
(٢١٦٥) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرازق) ابن همام الصنعاني (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي المكي ثقة من (٦) (قال) إسماعيل: (أخبرني عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح) القرشي المكي (أنه سمع أبا سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة إسماعيل بن أمية لداود بن قيس في رواية هذا الحديث عن عياض بن عبد الله قال النواوي: وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال: خالف سعيد بن مسلمة معمرًا فيه فرواه عن إسماعيل بن أمية عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن عياض. قال الدارقطني: والحديث محفوظ عن الحارث قلت: وهذا الاستدراك ليس بلازم فإن إسماعيل بن أمية صحيح السماع عن عياض والله أعلم اهـ منه.
حالة كون أبي سعيد (يقول: كنا نخرج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ حي (فينا عن كل صغير وكبير حر ومملوك) وقوله: (من ثلاثة أصناف) أي أنواع من القوت متعلق بنخرج وقوله: (صاعًا من تمر) الخ بدل من زكاة الفطر أو بيان له (صاعًا من أقط صاعًا من شعير فلم نزل نخرجه) أي نخرج واجب الفطر حالة كونه كائنًا (كذلك) أي صاعًا من تمر الخ (حتى كان) من إمارة (معاوية) بن أبي سفيان (فرأى) أي فاجتهد معاوية فأفتى (أن مدين من بر تعدل) أي تساوي في الإجزاء عن الفطرة (صاعًا من تمر قال أبو سعيد) فتمسك الناس برأيه: (فأما أنا فلا أزال أخرجه) أي أخرج واجب الفطرة حالة كونه كائنًا (كذلك) أي صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
стр. 4547
(٢١٦٦) (٠) (٠) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي ذبَابٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَال: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ: الأقَطِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ.
(٢١٦٧) (٠) (٠) وحدَّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ
ــ
(٢١٦٦) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا ابن جريج) الأموي المكي (عن الحارث بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن سعد (بن أبي ذباب) بضم الذال المعجمة وبالباء الموحدة قاله النواوي الدوسي المدني صدوق من (٥) (عن عباض بن عبد الله بن أبي سرح) القرشي المكي (عن أبي سعيد الخدري) ﵁ وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة الحارث بن أبي ذباب لإسماعيل بن أمية في رواية هذا الحديث عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح (قال) أبو سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر) إذ كان فينا رسول الله ﷺ (من ثلاثة أصناف الأقط والتمر والشعير) قال القرطبي: وقد زاد في الرواية المتقدمة على هذه الثلاثة الطعام وصارت الأصناف المذكورة في الحديث أربعة اهـ من المفهم.
قال الحافظ: وكان الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لمّا كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان فلا فرق بين الحنطة وغيرها هذه حجة الشافعي ومن تبعه وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن لكن لا يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كل زمان فيختلف الحال ولا ينضبط وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصع من حنطة اهـ فتح الملهم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لم يكن يعرف في الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب وفي بعض روايات الطحاوي: (ولا يخرج غيره) فظهر أنه إنما أنكر على معاوية إخراجه المدين من القمح لأنه ما كان يعرف القمح اهـ فتح الملهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢١٦٧) (٠) (٠) (وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان
стр. 4548
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ مُعَاوَيةَ، لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرِ، أَنْكَرَ ذلِكَ أَبُو سَعِيدٍ. وَقَال: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إلا الَّذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ.
(٢١٦٨) (٩٤٨) - (٩٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عن عبد الله بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى، قَبْلَ
ــ
البغدادي (حدثنا حاتم بن إسماعيل) مولى بني الدار أبو إسماعيل المدني صدوق من (٨) (عن) محمد (بن عجلان) القرشي أبي عبد الله المدني وثقه أحمد وابن معين وروى عنه (م) متابعة و (خ) تعليقًا وذكره من الضعفاء وقال في التقريب: صدوق من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح) المكي (عن أبي سعيد الخدري) وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن عجلان لإسماعيل بن أمية (أن معاوية) بن أبي سفيان (لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع) أي مثل صاع (من تمر أنكر ذلك) أي جعله مثل ذلك (أبو سعيد) الخدري (وقال) أبو سعيد: (لا أخرج فيها) أي في الفطرة (إلا) قدر (الذي كنت أخرجـ) ـه (في عهد رسول الله ﷺ وزمنه وقوله: (صاعًا من تمر) بدل من المستثنى أعني الموصول أو عطف بيان له وقوله: (أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط) معطوفات على قوله: (صاعًا من تمر).
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لابن عمر ﵄ فقال:
(٢١٦٨) (٩٤٨) (٩٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو خيثمة) زهير بن معاوية الجعفي الكوفي (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني ثقة من (٥) (عن نافع) العدوي مولاهم أبي عبد الله المدني (عن عبد الله بن عمر) ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد كوفي وواحد نيسابوري وفيه التحديث والإخبار والعنعنة (أن رسول الله ﷺ أمر) أمر استحباب (بزكاة الفطر أن تودى) وتدفع إلى الفقراء (قبل
стр. 4549
خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ.
(٢١٦٩) (٠) (٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفطْرِ أَنْ تُؤَدَّى، قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ
ــ
خروج الناس إلى) المصلى لـ (الصلاة) أي لصلاة عيد الفطر وبهذ الحديث قال جمهور العلماء واستحسنوه ليتستغني بها المساكين عن السؤال في ذلك اليوم وروي مرفوعًا (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم) رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر وكرهوا تأخيرها عن يوم الفطر ورخص بعضهم في تأخيرها عنه وقاله مالك وأحمد بن حنبل وجعله بعض شيوخنا خلافًا من قول مالك وحاصل مشهور مذهب مالك أن آخر يوم الفطر آخر وقت أدائها وما بعد يوم الفطر وقت قضائها اهـ من المفهم.
وقال النواوي: وفي الحديث دليل للشافعي والجمهور على أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى المصلى والله أعلم اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ١٥١ و ١٥٧) والبخاري (١٥٠٩) وأبو داود (١٦١٥) والترمذي (٦٧٧) والنسائي (٥/ ٥٤).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
(٢١٦٩) (٠) (٠) (حدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا) محمد بن إسماعيل (بن أبي فديك) مصغرًا يسار الديلي المدني (أخبرنا الضحاك) بن عثمان الأسدي المدني صدوق من (٧) (عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الضحاك لموسى بن عقبة.
وجملة قوله: (أن تؤدى) في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من قوله: (بإخراج) أي أمرنا بادائها قبل خروج الناس إلى الصلاة.
وظاهر الأمر وجوب الأداء قبل صلاة العيد ولكنه محمول على الاستحباب وذلك ليحصل الغناء للفقراء في هذا اليوم ويستريحون عن الطواف على أبواب الناس ووقع في حديث أخرجه ابن سعد عن ابن عمر قال: أغنوهم يعني المساكين عن طواف هذا اليوم
стр. 4550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وحكى الخطابي الإجماع على هذا الاستحباب في معالم السنن ولم يحك الترمذي فيه خلافًا أما جواز تقديمها عليه وتأخيرها عنه ففيه الخلاف.
قال العيني: وقد ذكرنا فيما مضى أن وقت صدقة الفطر عند أبي حنيفة بطلوع الفجر يوم الفطر وهو قول الليث بن سعد ومالك في رواية ابن القاسم وابن وهب وغيرهما وفي رواية عنه: تجب باخر جزء من ليلة الفطر وأول جزء من يوم الفطر وفي رواية أشهب: تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق والثافعي في الجديد وكان قال في القديم ببغداد: وإنما تجب بطلوع فجر يوم الفطر وبه قال أبو ثور ومع هذا كله يستحب أن يخرجها قبل ذهابه إلى صلاة العيد دل عليه حديث الباب اهـ من فتح الملهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر الأول ذكره للاستدلال وذكر فيه أربع متابعات.
والثاني: حديث أبي سعيد الخدري ذكره للاستشهاد وذكر فيه أربع متابعات.
والثالث: حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
***
стр. 4551
٤١٧ - (٣٥) باب وجوب الزكاة في الذهب والبقر والغنم وإثم مانع الزكاة
(٢١٧٠) (٩٤٩) - (٩٩) وحدَّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ (يَعْنِي ابْنَ مَيسَرَةَ الصَّنْعَانِيَّ) عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ ابَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا،
ــ
٤١٧ - (٣٥) باب وجوب الزكاة في الذهب والبقر والغنم وإثم مانع الزكاة
(٢١٧٠) (٩٤٩) (٩٩) (وحدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني صدوق من (١٠) (حدثنا حفص يعني بن ميسرة) العقيلي مصغرًا أبو عمر (الصنعاني) ثقة من (٨) (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر بن الخطاب أبي عبد الله المدني ثقة من (٣) (أن أبا صالح ذكوان) السمان القيسي مولاهم ثقة من (٣) (أخبره) أي أخبر لزيد بن أسلم (أنه سمع أبا هريرة يقول) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد صنعاني وواحد هروي: (قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب ذهب ولا فضة) من زائدة لوقوعها بعد النفي أي ما صاحب ذهب ولا فضة (لا يؤدي) ولا يدفع (منها حقها) أي منهما زكاتهما قال القرطبي؛ كذا صحت الرواية بهاء التأنيث المفردة وظاهره أنه عائد على الفضة فإنه أقرب مذكور وهي مؤنثة وحينئذ يبقى ذكر الذهب ضائعًا لا فائدة له وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وقد حمل هذا على الاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كما قال الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مختلف
وقال الآخر:
لكل هم من الهموم سعهْ ... والصبح والمسي لا بقا معه
وقيل أعادها على معنى الكلمات المتقدمة وكأنه قال لا يؤدى من تلك الأمور
стр. 4552
إلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ
ــ
المذكورات حقها وأشبه من هذه الأوجه أن يقال إن الذهب والفضة يقال عليهما عين لغة فأعاد عليها الضمير وهي مؤنثة والله أعلم اهـ من المفهم.
وعبارة المرقاة: وقد جاء هذا الحديث على وفق الآية المذكورة فاكتفى ببيان حال صاحب الفضة عن بيان حال صاحب الذهب لأن الفضة مع كونها أقرب مرجع للضمير أكثر تداولًا في المعاملات من الذهب ولذا اكتفى بها في حديث أنس (ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) أفاده ملا علي. والحديث حجة في وجوب الزكاة في المذكورات لأن العقاب إنما يكون على ترك الواجب اهـ فتح الملهم.
وعبارة القرطبي: وهذا الحديث يدل على أن الذهب والبقر والغنم فيها الزكاة وإن لم يجئ ذكرها في حديث جابر المتقدم ذكره ولا في كتاب أبي بكر في الصدقة على ما ذكره البخاري ولا خلاف في وجوب الزكاة فيها وإن اختلفوا في نصاب البقر اهـ من المفهم.
(إلا إذا كان يوم القيامة) فعل وفاعل لأن كان تامة أي جاء يوم القيامة (صفحت) بضم الصاد وكسر الفاء المشددة على صيغة المبني للمفعول (له) أي لصاحبها (صفائح) بالرفع على أنه نائب فاعل لصفح والصفائح جمع صفيحة وهي العريضة من حديد وغيره وقيل: ما طبع عريضًا (من نار) صفة لصفائح أي إلا صلحت وصنعت له صفائح من نار وبالنصب مفعول ثان لصفحت لتضمينه معنى الجعل والتصيير ونائب فاعله ضمير يعود على الذهب والفضة وأنث إما على التأويل السابق وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو هو أي إلا جعلت له كنوزه الذهبية والفضية كامثال الألواح (من نار) يعني كأنها نار لا أنها نار حتى لا يستزاد قوله: (فأحمي) بالبناء للمجهول (عليها) أي على تلك الصفائح جار ومجرور نائب فاعل لأحمى أي أوقدت تلك الصفائح (في نار جهنم) والمعنى على الأول يجعل له صفائح من نار وعلى الثاني يجعل الذهب والفضة صفائح كأنها نار أو كأنها مأخوذة من نار يعني كان صفائح الذهب والفضة لفرط إحمائها وشدة حرارتها صفائح النار فتكوى بها.
(فيكوى) أي يحرق (بها) أي بتلك الفضة أو بتلك الصفائح (جنبه) أي ضلعه
стр. 4553
وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ. كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ. فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
ــ
(وجبينه) بتقديم الموحدة على النون أي جانبا جبهته والمراد جبهته (وظهره) قيل خصت هذه المواضع دون غيرها من البدن لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد وقيل المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن ومؤخره وجنباه وقيل: إن الكي في الوجه أبشع وأشهر وفي الظهر والجنب آلم وأوجع وقيل غير ذلك اهـ فتح الملهم وقال القرطبي: إنما خصت هذه المواضع بالكي دون غيرها من أعضائه لتقطيبه وجهه في وجه السائل وازوراره عنه بجانبه وانصرافه عنه بظهره اهـ من المفهم.
(كلما بردت) بالباء الموحدة على صيغة المعلوم كذا في رواية السجزي قال القرطبي: وهي الصواب والمعنى عليها كلما صارت تلك الصفائح باردة (أعيدت له) أي لأجله في نار جهنم فيحمى عليها فيكوى بها مرة ثانية ولكافة الرواة: (كلما ردت) بالبناء للمجهول من الرد والمعنى عليها كلما ردت تلك الصفائح عن بدنه إلى النار لتزيد حرارتها (أعيدت له) أي أعيدت عليه مرة ثانية أشد ما كانت عليه من الحرارة اهـ من المرقاة بتصرف.
وقال الطيبي: أي كلما بردت ردت إلى نار جهنم ليحمى عليها والمراد منه الاستمرار وقال ابن الملك: يعني إذا وصل كي هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها أعيد الكي إلى أولها حتى وصل إلى آخرها اهـ.
ويمكن أن يكون الضمير في ردت راجعا إلى الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح عليها فيكون موافقًا لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ اهـ من فتح الملهم.
وقوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) مما تعدون في الدنيا متعلق بيكوى وجملة كلما معترضة أو بصفحت أو بمحذوف أي فيعذب بذلك الكي في يوم كان مقداره الخ وهو يوم القيامة أي في يوم كان مقداره وطوله على الكافرين ويطول على بقية العاصين بقدر ذنوبهم وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتي الفجر وأشار إليه بقوله : ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾ كذا في المرقاة وفي القرطبي: معناه لو حاسب فيه غير الله وقال الحسن: قدر مواقفهم للحساب وقال ابن اليمان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنًا كل موطن ألف سنة وفي الحديث: (والذي نفسي بيده ليخفف على المؤمن
стр. 4554
حَتَّى يُقْضَى بَينَ الْعِبَادِ. فَيُرَى سَبِيلُهُ. إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وإمَّا إِلَى النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالإِبلُ؟ قَال: "وَلَا صَاحِبُ إِبِل لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا. وَمِنْ حَقِّهَا
ــ
حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة) رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في راويه اهـ من المفهم وقوله: (حتى يقضى) ويحكم بالبناء للمفعول غاية ليكوى أو ليعذب المحذوف أي يكوى بتلك الصفائح حتى يحكم الله (بين العباد) ويفصل بينهم فريق إلى الجنة وفريق إلى النار قال القاري: وفيه إشارة إلى أنه في العذاب وبقية الخلق في الحساب قال العراقي في شرح الترمذي: يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يقضى فيه وأنه يعذب بما ذكر حتى يفرغ من القضاء بين الناس فيقضى فيه بالنار ويحتمل أن المراد حتى يشرع في القضاء بين الناس ويجيئ القضاء فيه إما في أوائلهم أو أوسطهم أوآخرهم على ما يريد الله وهذا أظهر اهـ قال ولده في شرح التقريب: قد يشير إلى الأول قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) ويقال: إنما ذكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه لجواز أن يكون القضاء فيه آخر الناس وإن احتمل أن يكون فصل أمره في وسطه أو في أوله والله أعلم اهـ من فتح الملهم.
(فيرى) على صيغة المجهول من الرؤية أو الإراءة (سبيله) بالرفع على أنه نائب فاعل إن كان من الرؤية وبالنصب على أنه مفعول ثان إن كان من الإراءة وفي بعض النسخ: (فيرى) بالبناء للمعلوم من الرؤية أي فيرى سبيله (إما) موصلًا له (إلى الجنة) إن لم يكن له ذنب سواه وكان العذاب تكفرًا به وقيل: إن كان مؤمنًا بأن لم يستحل ترك الزكاة (وإما) موصلًا له (إلى النار) إن كان على خلاف ذلك أو إن كان كافرًا بأن استحل تركها قال النواوي: وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور لا يقدر أن يذهب حتى إلى النار فضلًا عن الجنة حتى يعين له إحدى السبيلين وفيه أيضًا رد على من يقول: إن الآية مختصة بأهل الكتاب ويؤيده القاعدة الأصولية: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار.
(قيل: يا رسول الله فالإبل) بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي هذا حكم النقود فالإبل ما حكمها يا رسول الله (قال) رسول الله ﷺ : (ولا) من (صاحب إبل) يجوز فيه الرفع والجر عطفا على قوله: (ما من صاحب ذهب) (لا يؤدي) أي لا يدفع (منها) أي من تلك الإبل (حقها) أي زكاتها (ومن حقها) أي المندوب ومن تبعيضية والجملة معترضة.
стр. 4555
حَلْبُهَا يَوْمَ ورْدِهَا. إلا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ
ــ
قال القاري: واعلم أن ذكره وقع استطرادًا أو بيانًا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضًا لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة الاضطرار أو على وجوب ضيافة العمال.
والجار والمجرور خبر مقدم لقوله: (حلبها) وهو مبتدأ مؤخر والجملة ومعترضة سيقت لبيان حقها المندوب لا الواجب فإن معنى حلبها يوم وردها الماء أن يسقي ألبانها المارة وهو غير واجب إلا أن يحمل على ماذكر آنفًا.
قال النواوي: حلبها بفتح اللام من باب طلب هي اللغة المشهورة وحكي سكونها من باب قتل وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس.
(يوم وردها) قيل: الورد الإتيان إلى الماء ونوبة الإتيان إلى الماء فإن الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أيام أو أربعة وربما تأتي في ثمانية أيام. قال الطيبي: ومعنى حلبها يوم وردها أن يسقي المارة ألبانها وهذا مثل نهيه ﷺ عن الجذاذ بالليل أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء.
قال ابن بطال: يريد حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض وقال أيضًا: كانت عادة العرب التصدق باللبن علي الماء فكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم قال: والحق حقان فرض عين وغيره فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق،
وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود وقد تحدث أمور لا تحد فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من ضعيف مضطر أو جائع أو عار أو ميت ليس له من يواريه فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها هذه الضرورات قال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة.
قال الحافظ: ووقع عند أبي داود من حديث أبي هريرة: قلنا: يا رسول الله ما حقها قال: إطراق فحلها صماعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل عليها في سبيل الله اهـ من فتح الملهم.
(إلا إذا كان يوم القيامة بطح) بالبناء للمفعول أي ألقي على وجهه وبسط (لها) أي لأجل وطئها عليه (بقاع) أي في أرض مستوية لا انخفاض ولا ارتفاع فيها (قرقر) أي أملس فقوله: (بطح لها) أي ألقي ذلك الصاحب على وجهه أو على ظهره قال القاضي:
следующие страницы →