Полный текст (11 982 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
(٢١٢٦) (٠) (٠). وحدّثني هَارُونَ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ . بِمِثْلِهِ.
(٢١٢٧) (٠) (٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ قَال: نُهِيَ عَنْ تَقْصِيصِ الْقُبُورِ
ــ
(قلت) وما ذكره الحاكم من أنه عمل أخذه الخلف عن السلف لا يسلم لأن أئمة المسلمين لم يفتوا بالجواز ولا أوصوا أن يفعل ذلك بقبورهم بل تجد أكثرهم يفتي بالمنع ويكتب ذلك في تصنيفه وغاية ما يقال: إنهم يشاهدون ذلك ولا ينكرون اهـ من الأبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٣٣٢) والنسائي (٤/ ٨٨) وابن ماجه (١٥٦٢).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث جابر ﵁ فقال:
(٢١٢٦) (٠) (٠) (وحدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي (حدثنا حجاج بن محمد) الأعور البغدادي أبو محمد المصيصي ثقة من (٩) (ح وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (جميعًا) أي كل من حجاج وعبد الرزاق رويا (عن ابن جريج) غرضه بيان متابعتهما لحفص بن غياث (قال) ابن جريج: (أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي ﷺ وساقا (بمثله) أي بمثل حديث حفص بن غياث وفائدة هذه المتابعة تصريح سماع أبي الزبير عن جابر لأنه مدلس.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث جابر ﵁ فقال:
(٢١٢٧) (٠) (٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا إسماعيل) ابن إبراهيم (ابن علية) الأسدي البصري (عن أيوب) السختياني البصري (عن أبي الزبير) المكي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة أيوب السختياني لابن جريج (قال) جابر: (نهى) أي نهى رسول الله ﷺ (عن تقصيص القبور) وتجصيصها قال النواوي: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام وكذا الاستناد إليه والاتكاء عليه وأما البناء عليه فإن كان في ملك الباني فمكروه
стр. 4482
(٢١٢٨) (٩٣٤) - (٨٤) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ"
ــ
وإن كان في مقبرة مسبّلة فحرام نص عليه الشافعي والأصحاب قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى عليها ويؤيد الهدم قوله: (ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته).
قال القرطبي: ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور أن ذلك مباهاة واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة وتشبه بمن كان يعظم القبور ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النهي ينبغي أن يقال هو حرام كما قد قال به بعض أهل العلم وقوله: (وأن يقعد عليها) اختلف في معناه فمنهم من حمله على ظاهره من الجلوس ورأى أن القبر يحترم كما يحترم المسلم المدفون فيه فيعامل بالأدب وبالتسليم عليه وبغير ذلك ولا شك في أن التخلي على القبور وبينها ممنوع إما بهذا الحديث وإما بغيره كحديث الملاعن الثلاث فإنه مجلس الزائر للقبر فهو في معنى التخلي في الظلال والطرق والشجر المثمر وغير ذلك ولأن ذلك استهانة للميت المسلم وأذىً لأوليائه الأحياء والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢١٢٨) (٩٣٤) (٨٤) (وحدثني زهير بن حرب) الحرشي النسائي (حدثنا جرير) ابن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة من (٨) (عن سهيل) بن أبي صالح السمان المدني (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نسائي.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لأن يجلس أحدكم على جمرة) وشعلة من نار (فتحرق ثيابه فتخلص) بضم اللام أي فتصل (إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) الظاهر عمومه وفي الأزهار نقلًا عن بعض العلماء أن يحمل ما فيه التغليظ من هذه الأحاديث على الجلوس للحدث فإنه يحرم وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق فإنه مكروه وهذا تفصيل حسن والاتكاء والاستناد كالجلوس المطلق كذا في المرقاة وفي الحديث جعل الجلوس على القبر وسراية مضرته إلى قلبه وهو لا
стр. 4483
(٢١٢٩) (٠) (٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ). ح وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيرِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاهُمَا عَنْ سُهَيلٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٢١٣٠) (٩٣٥) - (٨٥) وحدَّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ وَاثِلَةَ،
ــ
يشعر بمنزلة سراية النار من الثوب إلى الجلد والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ٣١١ و ٣٨٩) وأبو داود (٣٢٢٨) والنسائي (٤/ ٩٥) وابن ماجه (١٥٦٦).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
(٢١٢٩) (٠) (٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (حدثنا عبد العزيز) بن محمد الجهني المدني (يعني الدراوردي ح وحدثنيه عمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حدثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي (الزبيري) مولاهم الكوفي ثقة من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة حجة من (٧) (كلاهما) أي كل من عبد العزيز وسفيان رويا (عن سهيل) بن أبي صالح السمان (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه عن أبي هريرة (نحوه) أي نحو ما حدث جرير بن عبد الحميد عن سهيل أي قريبه لفظا ومعنى غرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة عبد العزيز وسفيان لجرير بن عبد الحميد فالسند الأول من خماسياته والثاني من سداسياته.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي مرثد ﵄ فقال:
(٢١٣٠) (٩٣٥) (٨٥) (وحدثني علي بن حجر) بن إياس (السعدي) أبو الحسن المروزي ثقة من (٩) (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي ثقة من (٨) (عن) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر) الأزدي أبي عتبة الدمشقي الداراني ثقة من (٧) (عن بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي الحافظ روى عن واثلة في الجنائز وأبي إدريس الخولاني في الجنائز والجهاد وعمرو بن عبسة وعدة ويروي عنه (ع) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وزيد بن واقد وثور بن يزيد وعدة وثقه العجلي والنسائي ومروان بن محمد وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: ثقة حافظ من الرابعة (عن واثلة) بن الأسقع بن
стр. 4484
عَنْ أَبِي مَرْثَدِ الْغَنَويِّ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيهَا"
ــ
كعب الليثي الشامي الصحابي المشهور من أهل الصفة أسلم قبل تبوك وشهدها له (٥٦) ستة وخمسون حديثًا انفرد له (خ) بحديث و (م) بآخر روى عن النبي ﷺ وأبي هريرة وأم سلمة وأبي مرثد الغنوي مات سنة (٨٥) خمس وثمانين وله مائة وخمس سنين (١٠٥) (عن أبي مرثد الغنوي) بفتح أوله وثانيه كناز بن الحصين بن يربوع القرشي الهاشمي مولاهم حليف حمزة بن عبد المطلب وكان تِرْبَةُ الصحابي المشهور بكنيته الشامي شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ يروي عنه (م د ت س) وواثلة بن الأسقع في الجنائز له عندهم فرد حديث عن واثلة بن الأسقع عداده في الشاميين مات سنة (١٢) اثنتي عشرة من الهجرة وليس عندهم من الرواة من اسمه كناز إلا هذا.
وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم شاميون إلا علي بن حجر فإنه مروزي وفيه التحديث إفرادًا وجمعًا والعنعنة وفيه رواية صحابي عن صحابي (قال) أبو مرثد (قال رسول الله ﷺ : لا تجلسوا على القبور) قال ابن الهمام وكره الجلوس على القبر ووطؤه وحينئذ فما يصنعه الناس ممن دفنت أقاربه ودفنت حواليه خلق من وطءِ القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه ويكره النوم عند القبر وقضاء الحاجة بل أولى ويكره كل ما لم يعهد من السنة والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائمًا كما كان رسول الله ﷺ يفعل في الخروج إلى البقيع ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لي ولكم العافية (ولا تصلوا) مستقبلين (إليها) لما فيه من التعظيم البالغ لأنه من مرتبة المعبود فجمع بين الاستخفاف العظيم والتعظيم البليغ.
قال الطيبي: لو كان هذا التعظيم حقيقةً للقبر أو لصاحبه لكفر المعظم فالتشبه به مكروه وينبغي أن تكون كراهة تحريم وفي معناه بل أولى من الجنازة الموضوعة أمامه وهو مما ابتلي به أهل مكة حيث يضعون الجنازة عند الكعبة ثم يستقبلون إليها قاله القاري في شرح المشكاة اهـ من فتح الملهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٤/ ١٣٥) والترمذي (١٠٥٠) ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي مرثد الغنوي ﵁ فقال:
стр. 4485
(٢١٣١) (٠) (٠) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدِ الْغَنَويِّ؛ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ. وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيهَا"
ــ
(٢١٣١) (٠) (٠) (وحدثنا حسن بن الربيع البجلي) أبو علي الكوفي ثقة من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي ثقة من (٨) (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن جابر الشامي (عن بسر بن عبيد الله) الشامي (عن أبي إدريس الخولاني) العوذي عائذ الله بن عبد الله الشامي ثقة من (٢) (عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد الغنوي).
وهذا السند من سباعياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن المبارك للوليد بن مسلم.
(قال) أبو مرثد (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) ومعنى قوله: (لا تصلوا إلى القبور) أي لا تتخذوها قبلةً وهذا مثل ما قدمناه في النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا وفي ذم اليهود بما فعلوا من ذلك وكل ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام ذلك اهـ من المفهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب سبعة أحاديث:
الأول منها: حديث سعد بن أبي وقاص ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني.
والثالث: حديث فضالة بن عبيد ذكره للاستدلال به على الجزء الثالث من الترجمة.
والرابع: حديث علي بن أبي طالب ذكره للاستشهاد به لحديث فضالة بن عبيد وذكر فيه متابعة واحدة.
والخامس: حديث جابر ذكره للاستدلال به على الجزء الرابع من الترجمة وذكر فيه متابعتين.
والسادس: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الخامس من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والسابع: حديث أبي مرثد الغنوي ذكره للاستشهاد به لحديث أبي هريرة وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 4486
٤١٢ - (٣٠) باب الصلاة على الجنازة في المسجد وزيارة القبور وما يقال فيها
(٢١٣٢) (٩٣٦) - (٨٦) وحدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (وَاللَّفْظُ لإِسْحَاقَ) (قَال عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا. وَقَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ؛ أن عَائِشَةَ أَمَرَت أَنْ يُمَرَّ بِجَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في الْمَسْجِدِ
ــ
٤١٢ - (٣٠) باب الصلاة على الجنازة في المسجد وزيارة القبور وما يقال فيها
(٢١٣٢) (٩٣٦) (٨٦) (وحدثني علي بن حجر) بن إياس (السعدي) المروزي ثقة من (٩) (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) المروزي (واللفظ لإسحاق قال علي: حدثنا وقال إسحاق: أخبرنا عبد العزيز بن محمد) الجهني الدراوردي المدني (عن عبد الواحد بن حمزة) بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي أبي حمزة المدني روى عن عمه عباد بن عبد الله في الجنائز ويروي عنه (م ت س) والدراوردي وموسى بن عقبة قال ابن معين: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: لا بأس به من السادسة (عن) عمه (عباد بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني روى عن عائشة في الجنائز والصوم والفضائل وأسماء بنت أبي بكر في الزكاة ومحمد بن جعفر بن الزبير في الصوم وهشام بن عروة ويروي عنه (ع) وابن أخيه عبد الواحد بن حمزة وثقه النسائي وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وقال في التقريب: ثقة من الثالثة (أن عائشة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد مروزي وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (أمرت أن يمر) بالبناء للمفعول (بجنازة سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني.
وقد مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع وذلك في إمرة معاوية رضي الله تعالى عنهم أجمعين (في المسجد) النبوي (فتصلي) عائشة (عليه) أي على سعد ويأتي في آخر الباب رواية قولها: (ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه) (فأنكر الناس ذلك) أي المرور بالجنازة في المسجد (عليها) أي على عائشة فأبوا عليها وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها في المسجد كما
стр. 4487
فَتُصَلِّيَ عَلَيهِ. فَأَنْكَرَ الناسُ ذلِكَ عَلَيهَا. فَقَالتْ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ! مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيلِ بْنِ الْبَيضَاءِ إلا في الْمَسْجِدِ
ــ
في الرواية الآتية (فقالت) عائشة: (ما أسرع ما نسي الناس) أي ما أسرع نسيانهم فما الأولى تعجبية والثانية مصدرية وفي حديث ابن حاتم: (قالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما ليس لهم به علم) (ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلَّا في) جوف (المسجد) النبوي قال العلماء: وبنو بيضاء ثلاثة إخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم البيضاء اسمها دعد والبيضاء وصف وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري وكان سهيل قديم الإسلام هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وغيرها توفي سنة تسع من الهجرة ﵁ اهـ نواوي.
قال القاري ناقلًا عن الطيبي: ذهب الشافعي إلى قول عائشة وأبو حنيفة وأصحابه يكرهون ذلك وقالوا: إن الصحابة كانوا متوافرين فلو لم يعلموا بالنسخ لما خالفوا اهـ كلام الطيبي أو حملوه على عذر كمطير أو على الخصوصية أو على الجواز وعملوا بالأفضل في حق سعدٍ قال: ولو كانت الصلاة في المسجد أفضل لكان أكثر صلاته ﷺ على الميت في المسجد ولما امتنع جل الصحابة وإنما الحديث يفيد بالجواز في الجملة وقد كان للجنائز موضع معروف خارج المسجد والغالب منه ﷺ الصلاة عليها ثمة اهـ فتح الملهم.
قال النواوي: وفي هذا الحديث دليل للشافعي والأكثرين في جواز الصلاة على الميت في المسجد وممن قال به أحمد وإسحاق قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في الموطأ عن مالك وبه قال ابن حبيب المالكي وقال ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك على المشهور عنه: لا تصح الصلاة عليه في المسجد لحديث في سنن أبي داود من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له ودليل الشافعي والجمهور حديث سهيل بن البيضاء وأجابوا عن حديث سنن أبي داود بأجوبة: أحدها: أنَّه ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف والثاني: أن الَّذي في النسخ الصحيحة المسموعة من نسخ أبي داود: (ومن صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه) ولا حجة لهم حينئذ فيه الثالث: أنَّه لو ثبت الحديث وثبت أنَّه قال (فلا شيء له) لوجب تأويله على (فلا شيء عليه) ليجمع بين الروايتين وبين هذا الحديث وحديث سهيل بن البيضاء وقد جاء له بمعنى عليه كقوله تعالى
стр. 4488
(٢١٣٣) (٠) (٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيرِ. يُحدَّثُ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا لمَّا تُوُفيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ،
ــ
﴿وَإنْ أَسَأْتُم فَلَهَا﴾ الرابع أنَّه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه والله أعلم وفي حديث سهيل هذا دليل على طهارة الآدمي الميت وهو الصحيح في مذهبنا اهـ نواوي قال القرطبي: وقد اختلف في نجاسة الميت قول مالك والشافعي وأصحابهما وقال بعض المتأخرين: الخلاف إنما يصح في المسلمين لا الكافرين فإنهم متفقون على تنجيس الميت منهم وهذا القول حسن لأنه قد تقرر الإجماع على أن الموت بغير ذكاة سبب التنجيس فيما له نفس سائلة مطلقًا وهذا يقتضي تنجيس الميت المسلم إلَّا أنَّه قد صح عنه ﷺ أنَّه قال (إن المؤمن لا ينجس) رواه السبعة فهل يحمل هذا على أنَّه لا ينجس حيًّا ولا ميتًا فيستثنى تلك القاعدة الكلية أو يحمل على أنَّه لا ينجس ما دام حيًّا وهو الَّذي خرج عليه الحديث وتحمل تلك القاعدة الكلية على أصلها ويبقى الكافر على أصل القاعدة وإنما الخلاف في نجاسة عين الكافر في حال حياته فقال بنجاسته الشافعي وغيره وبطهارته مالك وغيره اهـ من المفهم باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٧٩) وأبو داود (٣١٨٩ و ٣١٩٠) والترمذي (١٠٣٣) والنسائي (٤/ ٦٨).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢١٣٣) (٠) (٠) (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (حَدَّثَنَا بهز) بن أسد العمي البصري ثقة من (٩) (حَدَّثَنَا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي البصري ثقة من (٧) (حَدَّثَنَا موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني ثقة فقيه إمام في المغازي من (٥) (عن عبد الواحد) بن حمزة بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني (عن) عمه (عباد بن عبد الله بن الزبير) الأسدي المدني (يحدث عن عائشة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سباعياته غرضه بسوقه بيان متابعة موسى بن عقبة لعبد العزيز بن محمد في رواية هذا الحديث عن عبد الواحد بن حمزة (أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني بقصره في العقيق وحملت جنازته إلى البقيع ليدفن فيه
стр. 4489
أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النّبِيِّ ﷺ أَنْ يَمُرُّوا بِجَنَازَتِهِ في الْمَسْجِدِ. فَيُصَلِّينَ عَلَيهِ. فَفَعَلُوا. فَوُقِفَ بِهِ عَلَى حُجَرِهِنَّ يُصَلِّينَ عَلَيهِ. أُخْرِجَ بِهِ مِنْ بَابِ الْجَنَائِزِ الَّذِي كَانَ إِلَى الْمَقَاعِدِ. فَبَلَغَهُنَّ أَنَّ النَّاسَ عَابُوا ذَلِكَ. وَقَالُوا: مَا كَانَتِ الْجَنَائِزُ يُدْخَلُ بِهَا الْمَسْجِدَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ. فَقَالتْ: مَا أَسْرَعَ الناسَ إِلَى أَنْ يَعِيبُوا مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، عَابُوا عَلَينَا أَنْ يُمَرُّ بِجِنَازَةٍ
ــ
(أرسل أزواج النبي ﷺ إلى حمال جنازته وأمرنهم بـ (ـأن يمروا بجنازته في) جوف (المسجد فيصلين) الأمهات (عليه) أي على سعد (ففعلوا) أي ففعل حمال جنازته ما أمرنهم به (فوقف به) أي بسعد (على حجرهن) أي على أبواب حجرهن وبيوتهن حالة كونهن (يصلين عليه) أي على سعد أي يدعون له وهذا بعد أن صلى عليه الصلاة الجامعة ويحتمل أن تكون هذه الصلاة هي الصلاة ويكون معنى قوله: فوقف به على حجرهن على هذا أي حبس بين حجرهن حتَّى يجتمع الناس للصلاة عليه فصلين عليه في جملة الناس والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
قال الأبي: وهذا ظاهر في أن المراد بالصلاة الدعاء كما جاء في الموطأ لتدعو له وكانت الصلاة المعهودة لم تحتج إلى الوقوف به على الحجر وكن يصلين بصلاة الناس وقد رفع الإشكال قوله: (عابوا عليها أن يمروا بجنازة في المسجد) اهـ.
ثم (أخرج به) أي أخرج بجنازة سعد من المسجد (من باب الجنائز) أي من الباب الَّذي يسمى باب الجنائز لإخراجها من المسجد من ذلك الباب (الَّذي) صفة للباب أي من الباب الذي (كان) منفتحًا (إلى) جهة (المقاعد) أي إلى جهة الموضع الَّذي يسمى مقاعد بقرب المسجد الشريف سمي بذلك لأنه اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء وفي مجمع البحار قوله: (إلى المقاعد) بفتح الميم دكاكين عند دار عثمان وقيل درج وقيل موضع بقرب المسجد اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء والاستراحة اهـ (فبلغهن) أي فبلغ أزواج النبي ﷺ (أن الناس عابوا ذلك) أي إدخال الجنازة في المسجد (وقالوا) أي قال الناس في تعييب ذلك: (ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد فبلغ ذلك) الَّذي قالوه في التعييب (عائشة) رضي الله تعالى عنها (فقالت) عائشة: (ما أسرع الناس) أي أي شيء أسرع الناس أي شيء عجيب جعل الناس مسرعين (إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به) من حكم إدخال الجنازة المسجد هم (عابوا علينا أن يمر بجنازة
стр. 4490
في الْمَسْجِدِ! وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سُهَيلِ بْنِ بَيضَاءَ إلا في جَوْفِ الْمَسْجِدِ.
(٢١٣٤) (٠) (٠) وحدَّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ (وَاللَّفْظُ لاِبْنِ رَافِعٍ) قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي فُدَيكٍ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ) عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ؛ أَن عَائِشَةَ، لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي
ــ
في المسجد وما صلى) أي والحال أنَّه ما صلى (رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلَّا في جوف المسجد) وداخله.
وأجابت الحنفية عن هذا الحديث بأنه منسوخ وإلا لما أنكرت الصحابة على عائشة أو محمول على عذر كمطر أو على الخصوصية أو على بيان الجواز كما مر قالوا! وتكره الصلاة على الميت في مسجد الجماعة وفيه في غير المسجد الحرام كراهة تنزيه إن كانت العلة شغل المسجد بما لم يبن له وكراهة تحريم إن كانت العلة التلويث ورجح ابن الهمام الأولى وقيد بمسجد الجماعة لأنها لا تكره في مسجد أعد لها وكذا في مدرسة ومصلى عيد لأنه ليس له حكم المسجد في الأصح إلَّا في جواز الاقتداء وإن لم تتصل الصفوف وكذا في المسجد الحرام لأنه موضوع للجماعات والجمعة والعيدين والكسوفين والاستسقاء وصلاة الجنازة وهذا أحد وجوه إطلاق المساجد عليه بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وقيل لعظمته ظاهرًا وباطنًا أو لأنه قبلة المساجد أو لأن جهاته كلها مساجد ذكره الطحاوي في حاشيته على مراقي الفلاح اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة ﵄ فقال:
(٢١٣٤) (٠) (٠) (وحدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري (واللفظ لابن رافع قالا: حَدَّثَنَا) محمد بن إسماعيل (بن أبي فديك) مصغرًا اسمه يسار الديلي مولاهم أبو إسماعيل المدني (حَدَّثَنَا الضحاك يعني ابن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام بكسر المهملة وبالزاي الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني (عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية التيمي مولاهم مولى عمر بن عبيد الله التيمي المدني ثقة من (٥) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أن عائشة) الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وهذا السند من سداسياته ومن لطائفه أن رجاله خمسة منهم مدنيون وواحد إما بغدادي أو نيسابوري (لمَّا توفي) ومات (سعد بن أبي
стр. 4491
وَقاصٍ، قَالتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتى أُصَلِّيَ عَلَيهِ. فَأُنْكِرَ ذلِكَ عَلَيهَا. فَقَالتْ: واللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَي بَيضَاءَ في الْمَسْجِدِ، سُهَيلٍ وَأَخِيهِ.
قَال مُسْلِمٌ: سُهَيلُ بْنُ دَعْدٍ وَهُوَ ابْنُ الْبَيضَاءِ. أُمُّهُ بَيضَاءُ
ــ
وقاص) مالك بن أهيب الزهري (قالت) للناس: (ادخلوا به) أي بسعد (المسجد) الدخول كما يتعدى بالهمزة يتعدى بالباء يقال أدخلته ودخلت به كما هو المفهوم من القاموس (حتَّى أصلي عليه) صلاة الجنازة (فأنكر ذلك) إي إدخاله المسجد والفعل مبني للمفعول (عليها) أي على عائشة (فقالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه) سهل مكبرًا قال الزرقاني في شرح المواهب: وعند ابن منده وأخيه سهل بالتكبير وبه جزم في الاستيعاب وزعم الواقدي أن سهلًا بالتكبير مات بعد النبي ﷺ وقال أبو نعيم: اسم أخي سهيل صفوان ووهم من سماه سهلًا كذا قال ولم يزد مالك في روايته على ذكر سهيل المصغر قاله في الإصابة اهـ باختصار.
وفي بعض الهوامش: والروايتان المتقدمتان اقتصرتا على سهيل بن بيضاء ولم يذكر الأخ في غير هذه الرواية والمذكور في تراجم الصحابة أن بني بيضاء ثلاثة سهل وسهيل وصفوان والمتفق منهم على وفاته في حياة النبي ﷺ إنما هو سهيل كما يظهر من أسد الغابة.
(قال مسلم) رحمه الله تعالى على سبيل التجريد أو من كلام رواته: (سهيل بن دعد) مبتدأ وقوله (وهو ابن البيضاء) جملة معترضة وجملة قوله (أمه بيضاء) خبر المبتدأ وفي بعض الهوامش: هذه عبارة لا تكاد تفهم وتوضيحها أن سهيلًا معروف بالإضافة إلى أمه وهي بيضاء واسمها دعد بنت جحدم والبيضاء وصف لها وكذلك أخوه سهل وصفوان معروفان بالإضافة إلى أمهم بيضاء ولها صحبة وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري وليس له صحبة يعرف ذلك بمراجعة كتب التراجم.
قال النواوي: هذا الحديث ما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: خالف الضحاك حافظان مالك والماجشون فروياه عن أبي النضر عن عائشة مرسلًا وقيل: عن الضحاك عن أبي النضر عن أبي بكر بن عبد الرحمن ولا يصح إلَّا مرسلًا هذا كلام الدارقطني وقد سبق الجواب عن مثل هذا الاستدراك في الفصول السابقة في مقدمة هذا
стр. 4492
(٢١٣٥) (٩٣٧) - (٨٧) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ويحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ شَرِيكٍ (وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (كُلَّمَا كَانَ لَيلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ إِلَى الْبَقِيعِ
ــ
الشرح في مواضع منه وهو أن هذه الزيادة التي زادها الضحاك زيادة ثقة وهي مقبولة لأنه حفظ ما نسيه غيره فلا تقدح فيه والله أعلم اهـ منه.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢١٣٥) (٩٣٧) (٨٧) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (ويحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (قال يحيى بن يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حَدَّثَنَا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزُّرقيّ مولاهم المدني ثقة من (٨) (عن شريك) بن عبد الله (وهو ابن أبي نمر) أبي عبد الله المدني صدوق من (٥) (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني ثقة من (٣) (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها وهذا السند من خماسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد إما نيسابوري أو بغدادي أو بلخي وفيه التحديث والإخبار والمقارنة والعنعنة (أنها قالت: كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها) أي ليلة نوبتها التي تخصها (من رسول الله ﷺ فكلما ظرف فيه معنى الشرط وجوابه (يخرج) وهو العامل فيه وجملة كلما خبر كان الأول والمعنى كان من عادته ﷺ إذا بات عندها أن يخرج (من آخر الليل) قال الأبي: كلما هي من ألفاظ العموم وهي إنما ذكرت ليلة واحدة ويجاب بأن تلك الليلة هي التي حضرت فيها ثم علمت أن ذلك كان شأنه في غيرها أو يكون العموم فيها وفيما بعدها اهـ وقوله: (من آخر الليل) فيه تأكيد الزيارة في هذا الوقت لأنه مظنة لقبول الدعاء كما دل عليه حديث النزول.
وفي بعض الهوامش: وإنما ميزنا قولها: (كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ بين هلالين لكونه حكاية معنى قولها لا لفظها الَّذي تلفظت به اهـ وقوله: (إلى البقيع) أي إلى بقيع الغرقد وهو موضع بظاهر المدينة فيه قبور أهلها وفي النهاية هو
стр. 4493
فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا. مُؤَجَّلُونَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لَاحِقُونَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ"
ــ
المكان المتسع ولا يسمى بقيعًا إلَّا وفيه شجر أو أصولها والغرقد اسم شجر والآن بقيت الإضافة دون الشجر (فيقول: السلام عليكم) قال الخطابي: فيه أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديم لفظ السلام على المسلم عليه خلافًا لمن قال: إن تحية الميت عليك السلام بتقديم عليك على السلام تمسكًا بما روي أن النبي ﷺ سلم عليه رجل فقال: عليك السلام يا رسول لله فقال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الميت رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان.
وهذا لا حجة فيه لأنه ﷺ إنما كره منه أن يبدأ بعليك السلام لأنه كذلك كانت تحية الجاهلية للموتى كما قال شاعرهم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
ومقصوده ﷺ أن سلام المسلمين على الأحياء والموتى مخالف لما كانت الجاهلية تفعله وتقوله والله أعلم.
(دار قوم مؤمنين) بنصب دار على النداء وقيل: على الاختصاص ولفظ الدار مقحم أو هو من ذكر اللازم لأنه إذا سلم على الدار فأولى سكانها والتقدير: يا أهل دار قومٍ مؤمنين كذا في المرقاة اهـ ويجوز جره على البدل من الضمير في عليكم سمى ﷺ موضع القبور دارًا لاجتماع الموتى فيه كالأحياء في الديار قال الخطابي: وفيه أن اسم الدار يقع على المقابر وهو الصحيح لأن الدار لغة تطلق على المسكون والخرب (وأتاكم) أي جاءكم الآن (ما) كنتم (توعدونـ) ـه (غدًا) أي بوقوعه في الغد وهو يوم القيامة وأنتم (مؤجلون) في وقوعه عليكم والأجل مدة ما بين الموت إلى النشور (وإنا إن شاء الله) موتنا على الإيمان أو دفننا في هذه المقبرة (بكم لاحقون) في الدفن في هذه المقبرة وعلق بالمشيئة مع أن الموت لا بد منه قيل: امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ﴾ الاية وقيل: في الدفن في تلك البقعة (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) أضيف إلى الغرقد لغرقد كان فيه والغرقد ما عظم من شجر العوسج وفيه إطلاق لفظ الأهل على ساكن المكان من حي وميت.
قال العلامة السندي: أي أتاكم ما كنتم توعدون يوم إذ كنتم في الدنيا أنَّه يجيئكم عذابه
стр. 4494
(وَلَمْ يُقِمْ قُتَيبَةُ قَوْلَهُ "وَأَتَاكُمْ").
(٢١٣٦) (٠) (٠) وحدَّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ؛
ــ
ويقال لكم: إنه يجيئكم غدًا كذا وكذا فقد جاءكم ذلك وأنتم مؤجلون أي ممهلون يومئذٍ.
وقال القاري: وقوله: (غدًا) متعلق بما قبله كما قررنا ويحتمل تعلقه بما بعده وهو قوله: (مؤجلون) أي أنتم مؤخرون ممهلون إلى غد باعتبار أجوركم استيفاء واستقصاء فالجملة مستأنفة مبيِّنة أن ما جاءهم من الموعود أمور إجمالية لا أمور تفصيلية والله أعلم وقوله: (وإنا إن شاء الله) إلخ قيل وإن شرطية ومعناه لاحقون بكم في الموافاة على الإيمان وقيل: هو للتبرك والتفويض كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وقيل: هو للتأديب وعن أحمد بن يحيى استثنى الله تعالى فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون وأمر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ذكره الطيبي قال ابن عابدين: والمراد باللحوق على أتم الحالات فتصح المشيئة اهـ فتح الملهم.
(ولم يقم قتيبة) بضم الياء من الإقامة أي ولم يثبت قتيبة في روايته: أي لم يذكر فيها (قوله) أي قوله ﷺ : (وأتاكم) ما توعدون غدًا مؤجلون أي لم يذكر في روايته هذه الجملة وفي بعض النسخ: (ولم يقم قتيبة قوله وأتاكم) باللام بدل الميم في يقم وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٦/ ٢٢١) والنسائي (٧/ ٧٢ - ٧٣) وابن ماجة (١٥٤٦) مختصرًا.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
(٢١٣٦) (٠) (٠) (وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي حَدَّثَنَا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (عن عبد الله بن كثير بن المطلب) بن أبي وداعة الحارث بن صبيرة من بني عبد الدار القرشي السهمي العبدري القاص المكي روى عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب في الجنائز وأبي المنهال عبد الرحمن بن مطعم في البيوع ويروي عنه (م س) وابن جريج وابن أبي نجيح له حديث عندهما مختلف في إسناده قال ابن المديني: كان
стр. 4495
أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ فَقَالت: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِّي! قُلْنَا: بَلَى. ح وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الأعوَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ
ــ
ثقة وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث صالحة وقال ابن معين: ثقة وقال في التقريب مقبول من السادسة مات سنة (١٢٢) اثنتين وعشرين ومائة (أنَّه) أي أن عبد الله بن كثير (سمع محمد بن قيس) بن مخرمة بن المطلب المطلبي المكي روى عن عائشة في الجنائز وأبي هريرة في كفارة المرضى ويروي عنه (م ت س) وعبد الله بن كثير بن المطلب وعمر بن عبد الرحمن بن محيصن قال أبو داود: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وذكر العسكري أنَّه أدرك النبي ﷺ وهو صغير (يقول: سمعت عائشة) رضي الله تعالى عنها (تحدث) لنا شأنها وشأن رسول الله ﷺ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد مدني وواحد مصري وواحد أيلي غرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن قيس لعطاء بن يسار في رواية هذا الحديث عن عائشة (فقالت) في حديثها لنا: (ألا) بالتخفيف حرف تنبيه أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم فإني (أحدثكم عن) شأن (النبي ﷺ وعنِّي) أي وعن شأني أو الهمزة في ألا للاستفهام التقريري ولا نافية ولذا أجابوه ببلى قال محمد بن قيس: (قلنا) معاشر الحاضرين لها: (بلى) أي حَدَّثَنَا عن شأن النبي ﷺ وعن شأنك.
(ح وحدثني) أيضًا (من سمع حجاجًا) ابن محمد (الأعور واللفظ) الآتي (له) أي لذلك السامع لا لهارون بن سعيد (قال) ذلك السامع: (حَدَّثَنَا حجاج بن محمد) الأعور والمعنى: وحدثني من سمع حجاج بن محمد المعروف بالأعور أنَّه قال: حَدَّثَنَا حجاج بن محمد فلا يرد ما في شرح النواوي عن القاضي عياض أن قول مسلم: (وحدثني من سمع حجاجًا الأعور واللفظ له قال: حَدَّثَنَا حجاج بن محمد) يوهم أن حجاجًا الأعور حدث به عن رجل آخر يقال له حجاج بن محمد وليس كذلك بل حجاج الأعور هو حجاج بن محمد بلا شك وتقدير كلام مسلم: (وحدثني من سمع حجاجًا الأعور قال) هذا السامع المحدث عنه: (حَدَّثَنَا حجاج بن محمد) الأعور ولا يقدح رواية مسلم لهذا الحديث من هذا المجهول الَّذي سمعه منه عن حجاج الأعور لأن مسلمًا ذكره متابعة لا متأصلًا معتمدًا عليه بل الاعتماد على الإسناد الصحيح المذكور قبله اهـ فتح الملهم
стр. 4496
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ (رَجُلٌ مِنْ قُرَيشِ) عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ قَيسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ؛ أَنَّهُ قَال يَوْمًا: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي! قَال: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ. قَال: قَالتْ عَالشَةُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ! قُلْنَا: بَلَى. قَال: قَالتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيلَتِيَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا عِنْدِي،
ــ
(حَدَّثَنَا ابن جريج أخبرني عبد الله) بن كثير بن المطلب العبدري المكي هو (رجل من قريش عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب) المطلبي المكي قال المازري: كذا وقع في مسلم في إسناد حديث حجاج عن ابن جريج: (أخبرني عبد الله رجل من قريش) وكذا رواه أحمد بن حنبل وقال النسائي وأبو نعيم الجرجاني وأبو بكر النيسابوري وأبو عبد الله الجرجاني كلهم عن يوسف بن سعيد المصيصي حَدَّثَنَا حجاج عن ابن جريج أخبرني عبد الله بن أبي مليكة وقال الدارقطني هو عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة قال أبو علي الغساني الجياني هذا الحديث أحد الأحاديث المقطوعة في مسلم وهو أيضًا من الأحاديث التي وهم رواتها وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة أنَّه سمع عائشة رضي الله تعالى عنها قال القاضي: قوله: إن هذا الحديث مقطوع لا يوافق عليه بل هو مسند لم يسم بعض رواته فهو من باب المجهول لا من باب المنقطع إذ المنقطع ما سقط من رواته راوٍ قبل التابعي اهـ فتح الملهم.
(أنه) أي أن محمد بن قيس (قال) لنا (يومًا: ألا أحدثكم عني وعن أمي) أم المؤمنين أراد بها عائشة أي أحدثكم عما جرى بيني وبينها من التحديث والسماع (قال) عبد الله بن كثير: (فظننا) معاشر الحاضرين (أنه) أي أن محمد بن قيس (يريد) بقوله: عن أمي أي يقصد بها (أُمه التي ولدته) والحال أنَّه أراد بها أم المؤمنين وليته قال: وعن أم المؤمنين حتَّى لا يشتبه الكلام على السامعين (قال) محمد بن قيس: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ قلنا) معاشر الحاضرين لها: (بلى) حَدَّثَنَا عن شأنكما (قال) محمد بن قيس: (قالت) عائشة (لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي) هذا حكاية منها أول خروجه ﷺ من عندها ليلة نوبتها بخلاف ما تقدم في الرواية الأولى فإن الحكاية فيها بمفهوم (كلما) ولفظة (كان) الثانية ساقطة في أكثر النسخ.
стр. 4497
انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاضْطَجَعَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إلا رَيثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ فَخَرَجَ. ثُمَّ أَجَافَهُ رُويدًا. فَجَعَلْتُ دِرْعِي في رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنعْتُ إِزَارِي. ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ
ــ
(انقلب) النبي ﷺ أي انصرف من المسجد بعد العشاء ورجع إلى فراشه (فوضع رداءه) عند رأسه (وخلع نعليه) أي نزعهما عن رجليه (فوضعهما) أي وضع النعلين (عند رجليه) قال الأبي: فيه أن العازم على الشيء يهيئ أسبابه قبل حضور وقته (وبسط طرف إزاره على فراشه) تحت جنبه (فاضطجع) على فراشه كأنه ينام (فلم يلبث) أي لم يمكث ولم يستمر على اضطجاعه (إلا ريثما) بفتح الراء وسكون الياء بعده ثاء مثلثة منصوب على الاستثناء من أعم الزمان أي لم يمكث ولم يدم على اضطجاعه زمنًا من الأزمان إلَّا ريثما أي إلَّا قدر الزمن الَّذي (ظن) فيه (أن قد رقدت) أي رقدتي ونومي وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وجملة قد رقدت خبرها أي إلَّا ريثما ظن أنَّه قد رقدت أي أني قد رقدت أو مصدرية قال الأبي: وفيه أنَّه لا يعلم من الغيب إلَّا ما علمه الله تعالى (فأخذ) أي فلما لبث ومكث قدر ذلك الزمن أخذ (رداءه) أخذًا (رويدًا) أي خفيفًا بلطف لئلا يوقظها من النوم (وانتعل) نعليه انتعالًا (رويدًا) أي خفيفًا لطيفًا (وفتح الباب) فتحًا خفيفًا (فخرج) من البيت (ثم أجافه) أي أجاف الباب ورده عليه وأغلقه من الخارج إجافةً وإغلاقًا (رويدا) أي خفيفًا بلا إظهار صوت الإجافة وإنما فعل ذلك كله في خفية لئلا يوقظها ويخرج من عندها وهي يقظى فربما لحقتها وحشة في انفرادها في ظلمة الليل قال القاضي عياض: وفعل ذلك لئلا تعلم بخروجه فيلحقها ذعر أو استيحاش والظاهر في خروجها أنها اتهمته أن يذهب لبعض نسائه بدليل لهده لها أي ضربه لها في صدرها اهـ قال الأبي: والحامل لها على الخروج الغيرة وإلا فمثل هذا الخروج يفتقر إلى إذن اهـ قالت عائشة: (فجعلت درعي) أي أدخلت قميصي (في رأسي) ولبسته ودرع المرأة قميصها (واختمرت) أي ألقيت خماري على رأسي والخمار ما تستر به المرأة رأسها (وتقنعت) أي لبست وعقدت (إزاري) على حقوي قال النواوي: هكذا في الأصول (إزاري) بغير باء موحدة في أوله وكأنه بمعنى لبست إزاري فلهذا عدي بنفسه (ثم انطلقت) وذهبت (على إثره) بكسر الهمزة وسكون المثلثة أي عقب خروجه بلا مهلة
стр. 4498
حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ فَقَامَ. فَأَطَال الْقِيَامَ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ. فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ. فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ. فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ. فَلَيسَ إِلا أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ. فَقَال: "مَا لَكِ يَا عَائِشُ؟ حَشْيَا رَابِيَةً! " قَالتْ: قُلْتُ: لَا شَيءَ
ــ
وقوله: (حتَّى جاء البقيع) غاية لمحذوف أي ثم انطلق وذهب (حتَّى جاء البقيع فقام) في البقيع للدعاء لأهله (فأطال القيام ثم رفع يديه) عند الدعاء لهم (ثلاث مرات) قال النواوي: فيه استحباب إطالة الدعاء وتكريره ورفع الأيدي للدعاء فلعله كان لغير الدعاء فلا يكون فيه دليل على إطالة الدعاء.
(ثم انحرف) أي مال وذهب عن موضع قيامه للرجوع (فانحرفت) أي ذهبت عن موضع انتظاري إياه وذهبت للرجوع إلى البيت قبله (فأسرع) في مشيته (فأسرعت) في مشيتي (فهرول) ﷺ في مشيته (فهرولت) في مشيتي والهرولة فوق الإسراع (فأحضر) أي فعدا النبي ﷺ (فأحضرت) أي فعدوت في مشيتي والإحضار العدو والعدو فوق الهرولة (فسبقته) ﷺ إلى البيت (فدخلت) البيت (فليس) شأني (ألا أن اضطجعت) أنا (فدخل) هو ﷺ فليس شأننا إلَّا اضطجاعي ودخوله البيت فتنفست تنفس الإسراع (فقال) لي: (ما لك) أي أي شيء ثبت لك (يا عائش) بالضم والفتح على اللغتين في المنادى المرخم لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر لأنه مرخم عائشة أي أي شيء ثبت لك لأي سبب اضطرب جسمك وانقطع نفسك حالة كونك (حشيا) أي مضطربة الجسم (رابية) أي مرتفعة النفس والمعنى مالك قد وقع عليك الحشا والحشا بالقصر التهيج والاضطراب الَّذي يعرض للمسرع في مشيه والمحتد في كلامه من ارتفاع النفس وتواتره يقال: امرأة حشيا ورجل حشيان إذا اضطرب جسمه وتواتر نفسه ومالك قد وقع عليك الربو والربو ارتفاع البطن لشدة التحرك وكثرة التنفس والرابية المرأة التي أخذها الربو (قالت) عائشة: (قلت) له ﷺ : (لا شيء) عندي مما يوجب الحشا والربو.
قال النواوي: هكذا في بعض الأصول: (لا شيء) بلا النافية واسمها وفي بعضها: (لا بي شيء) بياء الجر وفي بعضها: (لأي شيء) قلت ذلك بتشديد الياء على الاستفهام حكاها القاضي والأول الَّذي عليه شرحنا أصوبها اهـ قال الأبي: حمل بعضهم رواية
стр. 4499
قَال: "لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبيرُ" قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! فَأْخْبَرْتُهُ. قَال: "فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأْيتُ أَمَامِي؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَهَدَنِي في صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي. ثُمَّ قَال: "أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيكِ وَرَسُولُهُ؟ " قَالتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ. نَعَمْ. قَال: "فَإِنَّ جِبْرِيلَ
ــ
الاستفهام على الاستفهام حقيقة ويحتمل أنها للإنكار فترجع لرواية (لا بي شيء بالباء الموحدة والمعنى لأي شيء أكون حشيا رابية اهـ.
(قال) ﷺ : والله (لتخبريني) عن سبب كونك حشيا رابية (أو ليخبرني) بنون التوكيد الثقيلة أو ليخبرني عن سبب ذلك الرب (اللطيف) أي الرفيق لعباده (الخبير) أي العليم بأحوالهم ظاهرها وباطنها أي اخْتَرِي بين إخبارك لي وبين إخبار الله إياي فأو للتخيير لا للشك (قالت) عائشة: (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله بأبي أنت) مفدي من كل مكروه (و) بـ (ـأمي) أخبرك عن سبب ذلك (فأخبرته) عن سبب ذلك بأني خرجت من البيت ومشيت خلفك لأنظر إلى أي مكان مشيت فـ (ـقال) لي: (فأنت السواد) أي الشخص (الَّذي رأيتـ) ـه (أمامي) أي قدامي حين رجعت من البقيع (قلت) له: (نعم) أنا ذلك السواد الَّذي رأيت.
(فلهدني) بفتح الهاء والدال المهملة أي دفعني (في صدري لهدة) أي دفعة (أوجعتني) أي آلمتني وروي (فلهزني) بالزاي وهما متقاربان قال أهل اللغة: لهَدهُ بتخفيف الهاء ولهَّده بتشديدها أي دفعه ويقال: لهزه إذا ضربه بجمع كفه في صدره ويقرب منهما لكزه ووكزه اهـ نواوي.
(ثم قال) لي: (أظننت) يا عائشة (أن يحيف الله) ويجور (عليك ورسوله) بالذهاب في نوبتك إلى بعض بيوت أزواجه من الحيف وهو الجور والظلم أي أظننت أني ظلمتك بجعل نوبتك لغيرك وذكر الله تعالى تمهيد وتوطئة لذكر رسوله فليس مقصودًا بالحيف (قالت) عائشة: قلت له ﷺ : (مهما يكتم الناس) أي أيّ شيء يكتمه الإنسان ويخفيه عن غيره (يعلمه الله) الَّذي يعلم خواطر القلوب (نعم) ظننت ذلك الحيف قال النواوي: هكذا هو في كل الأصول وهو صحيح وكأنها لما قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله صدقت نفسها فقالت: نعم اهـ ثم (قال: فإن جبريل) الفاء للإفصاح لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إن أردت بيان سبب خروجي من عندك ومعرفة
стр. 4500
أَتَانِي حِينَ رَأَيتِ. فَنَادَانِي. فَأَخْفَاهُ مِنْكِ. فَأَجَبْتُهُ. فَأَخْفَيتُهُ مِنْكِ. وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ. وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ. وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي. فَقَال: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ". قَالتْ: قُلْتُ: كَيفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ! قَال: "قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ، بِكُمْ لَلَاحِقُونَ"
ــ
حكمته فأقول لك: إن جبريل الأمين ﵇ (أتاني) أي جاءني (حين رأيتـ) ـني قمت من فراشي (فناداني) جبريل أي دعاني من خارج حجرتك (فأخفاه) أي فأخفى جبريل نداءه (منك) أي خفض صوته بحيث لا تسمع.
قال السندي: أي أخفى نفسه منك أو أخفى الحديث منك وعلى التقديرين هو كناية عن بعده منها والوجه الثاني أولى لما في الأول من جعل الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد في غير أفعال القلوب اهـ.
(فأجبته) أي فأجبت نداءه (فأخفيته) أي أخفيت إجابتي له (منك و) إنما ناداني جبريل من خارج حجرتك لأنه (لم يكن يدخل عليك) في حجرتك (و) الحال أنك (قد وضعت) وخلعت (ثيابك) وقميصك عنك (وظننت) أنا حين خرجت من عندك (أن قد رقدت) أي أنَّه قد رقدت ونمت (فكرهت أن أوقظك) أي أنبهك من نومتك (وخشيت) أي خفت من إيقاظك (أن تستوحشي) أي أن تلحقك وحشة بانفرادك في ظلمة الليل يقظى (فـ) ـلما خرجت إلى جبريل (قال) لي: (أن ربك) يا محمد (يأمرك أن تأتي) وتجيء (أهل البقيع فتستغفر) أي تطلب (لهم) من الله سبحانه غفران ذنوبهم (قالت) عائشة: (قلت) له ﷺ : (كيف أقول) أنا (لهم) أي لأهل البقيع إذا أردت زيارتهم (يا رسول الله قال) لي النبي ﷺ : إذا أردت زيارتهم فـ (ـقولي) لهم (السلام على أهل) هذه (الدبار من المومنين) والمؤمنات (والمسلمين) والمسلمات (ويرحم الله) سبحانه (المستقدمين) أي السابقين (منا) في الموت (والمستأخرين) منا في الموت أي اللاحقين بنا في الموت والسين والتاء فيهما زائدتان لا للطلب (وإنا إن شاء الله) تعالى لحوقنا بكم في الموت على الإسلام وفي الدفن في هذه المقبرة (بكم للاحقون) واللام فيه لام الابتداء وفيه جواز زيارة القبور للنساء وسيأتي البحث فيه.
стр. 4501
(٢١٣٧) (٩٣٨) - (٨٨) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَسَدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلَّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ. فَكَانَ قَائِلُهُمْ
ــ
وقوله: (من المؤمنين والمسلمين) المؤمن والمسلم قد يكونان بمعنى واحد وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظ ولا يجوز أن يراد بالمسلم غير المؤمن لأن المنافق لا يجوز السلام عليه والترحم له فهو بمعنى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أفاده النواوي.
قال الطيبي: (قوله: أهل الديار) سمى ﷺ موضع القبور دارًا وديارًا لاجتماعهم فيه كالأحياء في الديار وقوله: (من المؤمنين والمسلمين) بيان لأهل الديار والعطف فيه للتأكيد باعتبار تغاير الوصفين أو المراد بالمسلمين المخلصون لوجهه تعالى قوله: (المستقدمين منا والمستأخرين) إلح قال القاري: أي الدِّين تقدموا علينا بالموت والمستأخرين والسين فيهما لمجرد التأكيد أي الأموات منا والأحياء قدم الأموات هنا لاقتضاء المقام ولاستنساق الكلام أو مراعاة ما ورد في كلام الملك العلام حيث قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ وإن كان معنى الآية يراد به العام.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث بريدة بن الحصيب ﵄ فقال:
(٢١٣٧) (٩٣٨) (٨٨) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله) بن الزبير بن عمرو بن درهم (الأسدي) الزبيري أبو أحمد الكوفي ثقة ثبت من (٩) روى عنه في (١٥) أبواب (عن سفيان) الثوري الكوفي (عن علقمة بن مرثد) الحضرمي أبي الحارث الكوفي ثقة من (٦) (عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي ثقة من (٣) (عن أبيه) بريدة بن الحصيب مصغرًا بن عبد الله بن الحارث الأسلمي المدني ثم البصري ثم المروزي ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون واثنان مروزيان وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال) بريدة بن الحصيب: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم) أي يعلم أصحابه ما يقولون (إذا خرجوا إلى المقابر) لزيارتها (ف) بعد ما علمهم (كان قائلهم) أي قائل منهم إذا خرج إلى
стр. 4502
يَقُولُ (في رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ): السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ. (وَفِي رِوَايَةِ زُهَيرٍ): السَّلَامُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ. وإنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ، لَلَاحِقُونَ. أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ
ــ
المقابر (يقول: في رواية أبي بكر) بن أبي شيبة (السلام على أهل الديار وفي رواية زهير: السلام عليكم) يا (أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله) تعالى اللاحقون) بكم (أسأل الله لنا ولكم) يا أهل الديار (العافية) أي الخلاص من المكاره والنجاة من العذاب وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود في الجنائز والنسائي في الجنائز وابن ماجة كذلك اهـ من تحفة الأشراف.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث عائشة ذكره للاستدلال على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين.
والثاني: حديث عائشة ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
والثالث حديث بريدة بن الحصيب ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة.
***
стр. 4503
٤١٣ - (٣١) باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه والنهي عن زيارة القبور ثم الترخيص فيها وترك الصلاة على قاتل نفسه
(٢١٣٨) (٩٣٩) - (٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاويَةَ، عَنْ يَزِيدَ (يَعْنِي ابْنَ كَيسَانَ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْتَأذَنْتُ رَبِّي أنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي. وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي"
ــ
٤١٣ - (٣١) باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه والنهي عن زيارة القبور ثم الترخيص فيها وترك الصلاة على قاتل نفسه
(٢١٣٨) (٩٣٩) (٨٩) (حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب) المقابري أبو زكريا البغدادي (ومحمد بن عباد) بن الزبرقان نزيل بغداد صدوق من (١٠) (واللفظ) الآتي (ليحيى) بن أيوب (قالا: حَدَّثَنَا مروان بن معاوية) بن الحارث الفزاري أبو عبد الله الكوفي ثقة من (٨) (عن يزيد يعني ابن كيسان) اليشكري أبي إسماعيل الكوفي صدوق من (٦) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي ثقة من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بغدادي وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : استأذنت ربي) أي طلبت الإذن لي من ربي (أن أستغفر لأمي) أي في الاستغفار لها (فلم يأذن لي) في الاستغفار لها فإن قلت: كيف استأذن النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ قلنا: يحتمل أن يكون لرجائه ﷺ اختصاصه بذلك كما اختص بأشياء لم تجز لغيره ويحتمل أن هذا الحديث قبل نزول الآية اهـ ابن الملك وفيما ذكره تأمل بالنظر إلى آخر الآية أعني قوله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال القرطبي: والاحتمال الأول يعني رجاء خصوصية أمه بذلك أولى (واستأذنته) تعالى في (أن أزور قبرها فأذن لي) ربي في زيارتها فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الَّذي لم يدرك الإسلام قال القاضي عياض: سبب زيارته ﷺ قبرها أنَّه قصد قوة
стр. 4504
(٢١٣٩) (٠) (٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَال: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ. فَبَكَى
ــ
الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها ويؤيده قوله ﷺ في آخر الحديث (فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت) اهـ.
قال الشوكاني: وفي الحديث دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام.
وقال السندي: للمتأخرين في نجاة والديه ﷺ ثلاث مسالك أنهما ما بلغتهما الدعوة ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فلعل من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث أن الاستغفار فرع تصوير الذنب وذلك في أوان التكليف ولا يعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة فلا وجه للاستغفار لهم فالاستغفار ما شرع إلَّا لأهل الدعوة لا لغيرهم وإن كانوا ناجين والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٢/ ١٤١) وأبو داود (٣٢٣٤) والنسائي (٤/ ٩٠) وابن ماجة (١٥٧٢).
ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث فقال:
(٢١٣٩) (٠) (٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب قالا: حَدَّثَنَا محمد بن عبيد) مصغرًا بلا إضافة ابن أبي أمية عبد الرحمن الطنافسي الإيادي الأحدب أبو عبد الله الكوفي ثقة من (١١) روى عنه في (٣) أبواب (عن بزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة) ﵁ وهذا السند من خماسياته غرضه بسوقه بيان متابعة محمد بن عبيد لمروان بن معاوية في رواية هذا الحديث عن يزيد بن كيسان وكرر المتن لما بين الروايتين من المخالفة (قال) أبو هريرة: (زار النبي ﷺ قبر أمه) آمنة بنت وهب الزهرية (فبكى) أي على فراقها قاله القاري احتمالًا.
وقال القاضي عياض: بكاؤه ﷺ على ما فاتها من إدراك أيام الإسلام والإيمان به والله أعلم.
стр. 4505
وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. فَقَال: "اسْتَأذَنْتُ رَبِّي في أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي. وَاسْتَأْذَنْتُهُ في أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي. فَزُورُوا الْقُبُورَ. فَإِئهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ"
ــ
وفي المرقاة: ذكر ابن الجوزي في كتاب الوفا أن رسول الله ﷺ بعد وفاة أبيه كان مع أمه آمنة فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخوالها بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم ومنهم أبو أيوب ثم رجعت به إلى مكة فلما كانوا بالأبواء توفيت فقبرها هناك وقيل: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة زار قبرها بالأبواء ثم قام مستعبرًا فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي ونزل ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية وذكر ابن الجوزي في تصحيح المصابيح أنَّه ﷺ زار قبرها عام الحديبية سنة ست من الهجرة والله أعلم.
(وأبكى من حوله) أي بكوا بسبب بكائه (فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي) في الاستغفار لها (واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي) في زيارة قبرها بالبناء للمجهول مراعاة لقوله: فلم يؤذن لي ويجوز أن يكون بصيغة المبني للفاعل قاله ملا علي اهـ فتح الملهم.
(فزوروا القبور) يا معشر الرجال (فإنها) زيارتها (تذكر الموت) وذكر الموت يزهد في الدنيا ويرغب في العقبى قال بعضهم: والحكمة في النهي عن زيارة القبور أولًا لأنها تفتح باب العبادة لها فلما استقرت الأصول الإسلامية واطمأنت نفوسهم على تحريم العبادة لغير الله تعالى أذن فيها وعلل التجويز بأن فائدته عظيمة وهي أنها تذكر الموت وإنها سبب صالح للاعتبار بتقليب الدنيا اهـ فتح الملهم.
قال القرطبي: (قوله: فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) وتذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء على أن أصح ما ورد في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور رواه الترمذي (١٠٥٦) وصححه على أن في إسناده عمر بن أبي سلمة وهو ضعيف عندهم ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لأن زوارات للمبالغة ويمكن أن يقال إن النساء إنما يمنعن من إكثار الزيارة لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج والتبرج والشهرة والتشبه بمن يلازم القبور لتعظيمها ولما يخاف عليها من الصراخ وغير ذلك من المفاسد
стр. 4506
(٢١٤٠) (٩٤٠) - (٩٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ نُمَيرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ (وَهُوَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ) عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا
ــ
وعلى هذا يفرق بين الزائرات والزوارت والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث بريدة بن الحصيب ﵁ فقال:
(٢١٤٠) (٩٤٠) (٩٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ومحمد بن المثنى واللفظ) الآتي الأبي بكر وابن نمير قالوا: حَدَّثَنَا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي صدوق من (٩) (عن أبي سنان وهو ضرار بن مرة) بكسر الضاد المعجمة وضم الميم وتشديد الراء الكوفي الشيباني الأكبر ثقة ثبت من (٦) (عن محارب بن دثار) السدوسي أبي مطرف الكوفي القاضي ثقة من (٤) (عن) عبد الله (بن بريدة) الأسلمي المروزي (عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون واثنان مروزيان وفيه التحديث والعنعنة والمقارنة (قال) بريدة بن الحصيب: (قال رسول الله ﷺ : نهيتكم) أيها المؤمنون والمؤمنات (عن زيارة القبور فزوروها) الآن هذا الإذن مختص بالرجال لما روى أنَّه ﷺ لعن زوارات القبور وقيل: إن هذا الحديث قبل الترخيص فلما رخص عمت الرخصة لهما كما في شرح السنة اهـ من المبارق قال القرطبي: قوله: (فزوروها) نص في النسخ للمنع المتقدم لكن اختلف العلماء هل هذا النسخ عام للرجال وللنساء أم هو خاص للرجال دون النساء فيبقى حكم النساء على المنع والأول أظهر وقد دل على صحة ذلك أنَّه ﷺ قد رأى امرأة تبكي عند قبر فلم ينكر عليها الزيارة وإنما أنكر عليها البكاء كما تقدم اهـ من المفهم.
(قوله: فزوروها) أيضًا فيه مشروعية زيارة القبور ونسخ النهي عن الزيارة وقد حكى
стр. 4507
وَنَهَيتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأضَّاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ. وَنَهَيتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إلا في سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا في الأسقِيَةِ كُلِّهَا. وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا".
قَال ابْنُ نُمَيرٍ في رِوَايَتِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ
ــ
الحازمي والعبدري والنووي اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة قال الحافظ كذا أطلقوه وفيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشبعي أنهم كرهوا ذلك مطلقًا حتَّى قال الشعبي: لولا نهى النبي ﷺ لزرت قبر ابنتي فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكان هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والكلام في ذلك مستوفى في الأصول اهـ من فتح الملهم (ونهيتكم عن) إمساك (لحوم الأضاحي) بتشديد الياء وتخفيفها جمع أضحية وهي ما يذبح أيام النحر على وجه القربة يعني كنت نهيتكم من أن تأكلوا ما بقي من لحومها (فوق ثلاث) ليال أي بعد ثلاثة أيام وأمرتكم بالتصدق بها (فأمسكوا ما بدا لكم) الإمساك وظهر يعني كلوا ما بقى منها بعد ثلاثة أيام مدة ظهور الإمساك لكم فما مصدرية ظرفية وفاعل بدا ضمير عائد إلى مصدر أمسكوا قال ابن الملك: ولو أعطى منها الأغنياء جاز لكن الفقراء أفضل اهـ.
(ونهيتكم عن) انتباذ (النبيذ) أي عن إلقاء التمر ونحوه في ماء مظروف فتشربوا بعد مدة (إلا) ما انتبذ (في سقاء) أي إلَّا في قربة إناء من جلد إنما استثناها لأن السقاء يبرد الماء فلا يشتد ما يقع فيه اشتداد ما في الظروف والأواني غيره اهـ من المبارق (فاشربوا) الآن ما انتبذ (في الأسقية) والأواني (كلها) ما لم يسكر (ولا تشربوا) ما كان منه (مسكرًا) لأن كل مسكر حرام.
(قال ابن نمير في روايته: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه) بتصريح اسم ابن بريدة وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٥/ ٣٥٠) والنسائي (٨/ ٣١٠ - ٣١١).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث بريدة ﵁ فقال -
стр. 4508
(٢١٤١) (٠) (٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيثَمَةَ، عَنْ زُبَيدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ (الشَّكُّ مِنْ أَبِي خَيثَمَةَ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . ح وَحدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . ح وَحدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزاقِ، عَن مَعْمَرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ؛
ــ
(٢١٤١) (٠) (٠) (حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو خثيمة) الكوفي زهير بن معاوية الجعفي (عن زبيد) مصغرًا بن الحارث (اليامي) أبي عبد الرحمن الكوفي ثقة من (٦) (عن محارب بن دثار) السدوسي الكوفي (عن) عبد الله (بن بريدة) الأسلمي المروزي قال أبو خثيمة: (أراه) أي أظن شيخي زبيدًا قال في روايته لفظة: (عن أبيه) أي حَدَّثَنَا ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب (الشك) في لفظة عن أبيه وقع (من أبي خثيمة) زهير بن معاوية (عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة زبيد اليامي لأبي سنان في رواية هذا الحديث عن بريدة ولكنها متابعة ناقصة.
(ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا قبيصة بن عقبة) بن عامر بن صعصعة السوائي العامري أبو عامر الكوفي روى عن الثوري في الجنائز وفطر بن خليفة ويونس بن أبي إسحاق ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وأحمد ومحمود بن غيلان وقال ابن نمير: لو حَدَّثَنَا قبيصة عن النخعي لقبلناه وهو أقدم من الثوري وقال ابن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال في التقريب: صدوق من التاسعة مات سنة (٢١٥) خمس عشرة ومائتين على الصحيح (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (عن علقمة بن مرثد) الحضرمي الكوفي (عن سليمان بن بريدة) المروزي (عن أبيه) بريدة بن الحصيب المروزي (عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة سفيان لأبي سنان في رواية هذا الحديث عن بريدة بن الحصيب ولكنها متابعة ناقصة أيضًا.
(ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري (وعبد بن حميد) الكسي (جميعًا) أي كل من الثلاثة رووا (عن عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري (عن عطاء) بن أبي مسلم عبد الله أو ميسرة مولى المهلب بن أبي صفرة أبي أيوب (الخراساني) الأصل
стр. 4509
قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيدَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِي ﷺ . كُلُّهُمْ بِمَعْنَي حَدِيثِ أَبِي سِنَانٍ.
(٢١٤٢) (٩٤١) - (٩١) حدَّثنا عَوْنُ بْنُ سَلامٍ الْكُوفِيُّ. أَخْبَرَنَا زُهَيرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَال: أُتِيَ النَّبِي ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ. فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيهِ
ــ
الشامي وكان من أهل بلخ سكن الشام روى عن عبد الله بن بريدة في الجنائز ويروي عنه (م عم) ومعمر وابن جريج والأوزاعي ومالك وشعبة وحماد بن سلمة وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد والدارقطني وقال في التقريب: صدوق من الخامسة يهم كثيرًا أو يرسل ويدلس مات سنة (١٣٥) خمس وثلاثين ومائة وله (٨٥) خمس وثمانون سنة (قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة معمر بن راشد لأبي سنان في رواية هذا الحديث عن بريدة ولكنها متابعة ناقصة (كلهم) أي كل من زبيد اليامي وسفيان الثوري ومعمر بن راشد رووا عن بريدة بن الحصيب (بمعنى حديث أبي سنان) ضرار بن مرة ولكنها متابعة ناقصة كما قد عرفت لأن أبا سنان روى عن بريدة بواسطة محارب وعبد الله بن بريدة وسفيان روى عنه بواسطة علقمة وسليمان بن بريدة ومعمر روى عنه بواسطة عطاء وعبد الله بن بريدة والله أعلم.
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث جابر بن سمرة ﵄ فقال:
(٢١٤٢) (٩٤١) (٩١) (حَدَّثَنَا عون بن سلام) بتشديد اللام الهاشمي مولاهم أبو جعفر (الكوفي) ثقة من (١٠) (أخبرنا زهير) بن معاوية بن حديج الجعفي أبو خثيمة الكوفي (عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي أبي المغيرة الكوفي صدوق من (٤) (عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما وهذا السند من رباعياته ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون (قال) جابر بن سمرة: (أتي) بالبناء للمجهول (النبي ﷺ بـ) جنازة (رجل قتل نفسه بمشاقه) أي بسهام عراض جمع مشقص بكسر الميم وفتح القاف وهو سهم فيه نصل عريض وفي المفهم: إنه السكين (فلم يصل عليه) بنفسه زجرًا للناس عن مثل عمله وصلت عليه
стр. 4510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحابة والقاتل لنفسه لا يكفر كما مر في كتاب الإيمان والجواب عن هذا الحديث أنَّه ﷺ ترك الصلاة عليه لما ذكر آنفًا كما ترك الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائه وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلوا على صاحبكم وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي (١٠٦٨) والنسائي (٤/ ٦٦) وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثاني حديث بريدة بن الحصيب ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة والثالث حديث جابر بن سمرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
قال القرطبي: (قوله: قتل نفسه بمشاقص) ولعل هذا القاتل لنفسه كان مستحلًا لقتل نفسه فمات كافرًا فلم يصل عليه لذلك وأما المسلم القاتل لنفسه فيصلى عليه عند كافة العلماء وكذلك المقتول في حد أو قصاص ومرتكب الكبائر وولد الزنا غير أن أهل الفضل يجتنبون الصلاة على المبتدعة والبغاة وأصحاب الكبائر ردعًا لأمثالهم ويجتنب الإمام خاصة الصلاة على من قتله في حد وحكى عن بعض السلف خلاف في بعض الصور فعن الزهري: لا يصلى على المرجوم ويصلى على المقتول في قول وقال أحمد: لا يصلي الإمام على قاتل نفس ولا غال وقال أبو حنيفة لا يصلى على محارب وعلى من قتل من الفئة الباغية وقال الشافعي: لا يصلى على من ترك الصلاة إذا قتل ويصلى على من سواه وعن الحسن: لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها وقاله قتادة في ولد الزنا وعن بعض السلف خلاف في الصلاة على الطفل الصغير لما جاء أن النبي ﷺ لم يصل على إبراهيم ابنه رواه أبو داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (٣١٨٧) وقد جاء عنه أنَّه ﷺ صلى عليه رواه أبو داود (٣١٨٨) ذكر الحديثين أبو داود وقد علل ترك الصلاة عليه بعلل ضعيفة أشبهها أنَّه لم يصل عليه هو بنفسه لشغله بكسوف الشمس وصلى عليه غيره والله أعلم اهـ من المفهم.
***
стр. 4511
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٤) - كتاب الزكاة
ــ
(٤) - كتاب الزكاة
وفرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر والمشهور عند المحدثين أنها فرضت في شوال السنة المذكورة بعد زكاة الفطر وقال بعضهم: فرضت في شعبان مع زكاة الفطر من السنة المذكورة وهي من الشرائع القديمة بدليل قول عيسى ﵇: (وأوصاني بالصلاة والزكاة) هكذا قيل وقد يدفع بأن المراد بها الزكاة غير المعروفة كما أن المراد بالصلاة غير الصلاة المعروفة.
ويؤيد ذلك ما نقله السيوطي في الخصائص عن ابن عطاء الله السكندري أن الأنبياء لا تجب عليهم الزكاة لأنهم لا ملك لهم مع الله إنما كانوا يشهدون أن ما بين أيديهم من ودائع لله تعالى عندهم ولأن الزكاة طهرة مما عساه أن يقع ممن وجبت عليه والأنبياء مبرؤون من الدنس لكن قال المناوي: وهذا كما ترى بناه ابن عطاء الله على مذهب إمامه مالك رحمه الله تعالى من أن الأنبياء لا يملكون ومذهب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى أنهم يملكون ولذلك نقل عن الشهاب الرملي أنَّه أفتى بوجوبها عليهم وعلى هذا فليست من خصوصياتنا إلَّا باعتبار الكيفية المشتملة على الشروط الآتية.
وإنما قدمها المؤلف على الصوم والحج مع أنهما أفضل منه نظرًا لحديث بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الخ ... الحديث والحكمة في تقديمها فيه أن النفوس تشح بها لكونها طبعت على حب المال اهـ بيجوري على أبي شجاع.
والزكاة في اللغة هي التطهير والإصلاح والنماء والمدح ومنه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾
стр. 4512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي الشرع اسم لما يخرج من مال أو بدن على وجه مخصوص سمي بها ذلك لأنها تطهر المال من الخبث وتقيه من الآفات والنفس من رذيلة البخل وتثمر لها فضيلة الكرم ويستجلب بها البركة في المال ويمدح المخرج عنه وهي أحد أركان الإسلام يكفر جاحدها ويقاتل الممتنعون من أدائها وتؤخذ منهم إن لم يقاتلوا قهرًا كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ وهي أم العبادات المالية اهـ من الإرشاد.
وتسمى أيضًا صدقة مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صحة إيمانه وصدق باطنه مع ظاهره وشرعها الله تعالى مواساةً للفقراء وتطهيرًا للأغنياء من البخل وإنما تجب على من كان له من المال ماله بال وأقل ذلك النصاب على ما يأتي بيانه ثم موضوعها الأموال النامية أي الصالحة للنماء وهي العين والحرث والماشية ثم هذه الأصول منها ما ينمو بنفسه كالحرث والماشية ومنها ما ينمو بتغيير عينه وتقليبه كالعين والإجماع منعقد على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات وأما تعلق الزكاة بما سواها من العروض والديون ففيها للفقهاء خلاف اهـ من المفهم.
***
стр. 4513
٤١٤ - (٣٢) باب ما تجب فيه الزكاة وبيان نصبه ومقدار ما يخرج منها
(٢١٤٣) (٩٤٢) - (٩٢) وحدَّثني عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيرٍ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. قَال: سَأَلْتُ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ. فَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ
ــ
٤١٤ - (٣٢) باب ما تجب فيه الزكاة وبيان نصبه ومقدار ما يخرج منها
(٢١٤٣) (٩٤٢) (٩٢) (وحدثني عمرو بن محمد بن بكير) بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة قال) سفيان: (سألت عمرو بن يحيى بن عمارة) بن أبي الحسن المازني المدني ثقة من (٦) روى عنه في (٩) أبواب أي سألته عما تجب فيه الزكاة وعن نصبه قال الأبي: والمسؤول عنه مفهوم من السياق وهو مقدار النصب التي دل عليها الجواب بقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) إلى آخر ما ذكر (فأخبرني) عمرو بن يحيى (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني ثقة من (٣) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي سعيد) الأنصاري (الخدري) سعد بن مالك المدني ﵁ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد بغدادي (عن النبي ﷺ قال: ليس فيما دون) أي في أقل من (خمسة أوسق صدقة) أي زكاة ودون في كل مواضعه من هذا الحديث بمعنى أقل أي ليس في أقل من خمس صدقة لا أنَّه نفى الصدقة عن غير الخمس مما زاد كما زعم بعضهم في قوله (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) أنها بمعنى غير وظاهر الحديث أنَّه إذا نقص من النصاب ولو أقل ما ينطلق عليه اسم النقص لم تجب فيه زكاة وبه قال أبو حنيفة وقال مالك: إذا كان النقصان يسيرًا لم تسقط الزكاة واختلف أصحابه في مقدار اليسير فمنهم من قال: ما لا يتشاح فيه في العادة ومنهم من فسره بأنه المقدار الَّذي تختلف فيه المكاييل أو الموازيين وحكي عن عمر بن عبد العزيز أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم ونصاب الذهب إن نقص ثلث دينار لم تسقط الزكاة والظاهر مع أبي حنيفة.
والمعنى ليس فيما يخرج من الأرض عشر حتَّى يبلغ هذا المقدار فلفظ دون بمعنى
стр. 4514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقل والأوسق جمع قلة لوسق كفلس وأفلس ويقال: أوساق جمع وسق بكسر الواو يقال: عدل وأعدال ورطل وأرطال ويجمع على وسوق كفلس وفلوس والوسق كما في القاموس ستون صاعًا أو حمل بعير سمى وسقًا لجمعه الصيعان لأنه من وسق بمعنى جمع ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْلَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي جمع وضم قال الخطابي: والوسق تمام حمل الدواب النقالة وهو ستون صاعًا وقال غيره: والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالعراقي ويقال بالبغدادي والرطل العراقي هو اثنا عشر أوقية والأوقية هنا هي زنة عشرة دراهم وثلثي درهم من دراهم الكيل فمبلغ زنة الرطل من دراهم الكيل مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا والحديث حجة لأبي يوسف ومحمد في قولهما بعدم الوجوب حتَّى يبلغ خمسة أوسق وتمسك الإمام أبو حنيفة في قوله بالوجوب في قليل ما يخرج من الأرض وكثيره بعموم قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ وعموم ما يأتي من قوله ﷺ : (فيما سقت الأنهار والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر).
وأول ما تمسكا به من حديث الباب بأن المراد به زكاة التجارة لأن الناس كانوا يتبايعون بالأوسق وقيمة الوسق أربعون درهمًا كما في الفتح وغيره فيساوي خمسة أوسق مائتي درهم اهـ من بعض الهوامش ولم يقع في الحديث بيان المكيل بالأوسق لكن في رواية مسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) وفي رواية له: (ليس في حب ولا تمر صدقة حتَّى يبلغ خمسة أوسق) ولفظ (دون) في المواضع الثلاثة بمعنى أقل لا أنَّه نفي عن غير الخمس بالصدقة كما زعم بعض من لا يعتد بقوله كذا في الفتح اهـ.
وقوله أيضًا: (ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة) احتج به الشافعي وأبو يوسف ومحمد والجمهور على أن ما أخرجته الأرض إذا بلغ خمسة أوسق تجب فيها الصدقة وهي العشر وليس فيما دون ذلك شيء وقال أبو حنيفة في كل ما أخرجته الأرض قليله وكثيره العشر سواء سقي نضحًا أو سقته السماء إلَّا القصب الفارسي والحطب والحشيش قال النواوي: وفي هذا الحديث فائدتان إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحدودات والثانية: أنَّه لا زكاة فيما دون ذلك ولا خلاف بين المسلمين في هاتين إلَّا ما قال أبو حنيفة وبعض السلف إنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره وهذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة اهـ قال العيني: وهذه عبارة سمجة فلا يليق التلفظ بها في
стр. 4515
وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ. وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ"
ــ
حق إمام متقدم علمًا وفضلًا وزهدًا وقربًا إلى الصحابة والتابعين اهـ من فتح الملهم باختصار.
(ولا فيما دون خمس ذود صدقة) والذود بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها مهملة الإبل قال القرطبي: والرواية المشهورة فيه على الإضافة ومنهم من يرويه بالتنوين على البدل والصحيح في الرواية: إسقاط الهاء من خمس على التأنيث وأثبتها بعضهم على التذكير وهذا على الخلاف في الذود هل يطلق على الإناث أو على المذكور على ما يأتي وأصل وضع الذود إنما هو مصدر من ذاد يذود إذا دفع شيئًا فكان من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر أو شدة الفاقة والحاجة واختلف اللغويون في معناه فقال أبو عبيد: هو ما بين الثنتين إلى التسع من الإناث دون المذكور ونحوه عن سيبويه في التأنيث وقال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر والضبة خمس أو ست والصرمة ما بين العشر إلى العشرين والفكرة ما بين العشرين إلى الثلاثين والهجمة ما بين الستين إلى السبعين والهنيدة مائة والخطر نحو المائتين والعرج من خمسمائة إلى الألف وقال غيره: وهند غير مصغر مائتان وأمامة ثلاثمائة اهـ من المفهم.
قال العيني: وفيه بيان أقل الإبل التي تجب فيها الزكاة فبين أنَّه لا تجب الزكاة في أقل من خمس ذود من الإبل فإذا بلغت خمس سائمات وحال عليها الحول ففيها شاة وهذ بالإجماع وليس فيه خلاف.
قال الشيخ الدهلوي: وإنما قدر من الإبل خمس ذود وجعل زكاته شاة وإن كان الأصل أن لا تؤخذ الزكاة إلَّا من جنس المال وأن يجعل النصاب عددًا له بال لأن الإبل أعظم المواشي جثة وأكثرها فائدةً يمكن أن تذبح وتركب وتحلب ويطلب منها النسل ويستدفأ بأوبارها وجلودها وكان بعضهم يقتني نجائب قليلة يكفي كفاية الصرمة (وهي من عشرة إلى عشرين) وكان البعير في ذلك الزمان يسوّى بعشر شياه وبثمان شياه واثنتي عشرة شاه كما ورد في كثير من الأحاديث أنَّه جعل خمس ذود في حكم أدنى نصاب من الغنم وجعل فيها شاةً اهـ من فتح الملهم (ولا فيما دون خمس أواق صدقة) أي زكاة زاد مالك (من الورق) وأواق كجوار بالتنوين وبإثبات التحتانية مشددًا ومخففًا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية وحكى بعضهم وقية بحذف الألف وفتح الواو وهي هنا
стр. 4516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالاتفاق أربعون درهمًا كما في المصباح والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبًا أو غير مضروب قال القاضي عياض: قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتَّى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل وهذا يلزم منه أن النبي ﷺ أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل والصواب أن معنى ما نقل من ذلك أنَّه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلًا وزن عشرة وعشرةٌ وزن ثمانية فاتفق الرأي على أن ينقش بكتابة عربية ويصير وزنها وزنًا واحدًا وقال غيره: لم يتغير المثقال في جاهلية ولا إسلام وأما الدرهم فاجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم كذا في الفتح وقال الشيخ بدر الدين: وحدد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة فنصاب الفضة خمس أواق وهو مائتا درهم بنص الحديث والإجماع وأما الذهب فعشرون مثقالًا والمعول عليه فيه الإجماع إلَّا ما روى عن الحسن البصري والزهري وسيأتي الكلام فيه مبسوطًا إن شاء الله تعالى اهـ فتح الملهم.
قال القرطبي: قال أبو عبيد: والأوقية هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهمًا كيلًا ودرهم الكيل زنته خمسون حبة وخمسًا حبة وسمى درهم الكيل لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان أي بتقديره وتحقيقه وذلك أن الدراهم التي كان الناس يتعاملون بها على وجه الدهر نوعان نوع عليه نقش فارس ونوع عليه نقش الروم أحد النوعين يقال له البغلية وهي السود الدرهم منها ثمانية دوانق والأخرى يقال لها: الطبرية (نسبة إلى طبرستان) وهي العتق الدرهم منها أربعة دوانق فجاء الإسلام وهي كذلك فكان الناس يتعاملون بها مجموعة على الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب ذكر هذا أبو عبيد وغيره فلما كان عبد الملك بن مروان تحرج من نقوشها فضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى معاملتهم الإطلاقية فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق وبين درهم طبري من أربعة دوانق فكان اثني عشر دانقًا فقسمها نصفين فضرب الدرهم من نصفها وهو ستة دوانق والدانق ثمان حبات وثلث حبة وثلث خمس حبة من الشعير المطلق.
واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور لمواققته ما كان معتبرًا من عهد
стр. 4517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ إلى أن ضربت وأن نصاب الزكاة مائتا درهم من دراهم الكيل وهي الخمسة الأواقي المذكورة في الحديث ولم يخالفه في ذلك إلَّا من زعم أن أهل كل بلد يعتبرون النصاب بما يجرى عندهم من الدراهم صغرت أو كبرت وهو مذهب ابن حبيب الأندلسي والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ويعضده قوله ﷺ (الوزن على وزن أهل مكة) رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس ﵁ وهو حديث صحيح وقد تقدم أن هذا المقدار المذكور هو الَّذي كان على وزن أهل مكة في عصر النبي ﷺ .
وأما دينار الذهب فهو أربعة وعشرون قيراطًا والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير فمجموعه اثنتان وسبعون حبة وهو مجمع عليه.
ولم يجر في هذا الحديث ذكر لنصاب الذهب ولا وقع في الصحيحين ولا ما يدل
على اشتراط الحول في الزكاة وقد ذكر أبو داود ما يدل عليهما فروى بإسناد صحيح إلى
أبي إسحاق السبيعي عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي بن أبي طالب
﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها
الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك (يعني في الذهب) حتَّى يكون لك عشرون دينارًا
فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك
ولا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ وليس في مال
زكاة حتَّى يحول عليه الحول رواه أبو داود (١٥٧٣).
(قلت): هذا الحديث غاية ما قيل فيه إن جرير بن حازم رواه عن أبي إسحاق وقرن فيه بين عاصم بن ضمرة وهو ثقة وبين الحارث الأعور وهو كذاب ورواه جماعة من الأئمة عن أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا على علي فقال من رد ذلك الحديث: لعل جريرًا سمعه من أبي إسحاق عن عاصم موقوفًا وسمعه عنه من الحارث في هذا الحديث مسندًا ولذلك فرق بينهما وكان الإسناد متلقًى عن الحارث وهذا لا ينبغي أن يرد الخبر له لأنه وهم وظن غير محقق بل هو مردود لأن المعتمد ثقة.
جرير وأمانته وقد أخبر أنَّه سمعه منهما في مساق واحد وظاهره أنَّه تلقاه عن كل واحد منهما على نحو ما تلقاه عن الآخر فيعتمد على رواية الثقة وتلغى رواية غيره ولا
стр. 4518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يضر وقف من وقفه إذا كان الَّذي رفعه ثقة قال القاضي عياض: فأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا والمعول في تحديده على الإجماع وقد حكي فيه خلاف شاذ وورد فيه أيضًا حديث عن النبي ﷺ اهـ.
(قلت) وأما نصاب الغنم فلم يخرج في كتاب مسلم من ذلك شيء وقد خرج البخاري فيه كتاب النبي ﷺ لأبي بكر الصديق وأما نصاب البقر فلم يقع في الصحيحين شيء من ذلك وقد روى في ذلك النسائي عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة وعن كل حالم دينارًا أو عدله معافر والمعافر برود (أي ملابس) يمنية منسوبة إلى معافر وهي قبيلة باليمن.
غير أنَّه منقطع لم يلق مسروقٌ معاذًا وقد خرجه الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ولم يسمع أبو عبيدة من أبيه ورواه مالك عن طاوس عن معاذ من فعله موقوفًا وطاوس لم يدرك معاذًا وأحسن ما في الباب ما خرجه الدارقطني عن الشعبي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (في كل أربعين من البقر مسنة وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة) رواه الدارقطني (٢/ ١٠٣) ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس (١٠٩٧٤).
قال أبو محمد بن حزم: وقد صح الإجماع المتيقن المقطوع به الَّذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك فمختلف فيه ولا نص في إيجابه.
(قلت): وحديثا جابر وأبي سعيد المذكوران في مسلم وغيره يدلان على أن ما نقص عن هذه النصب ليس فيه زكاة ولا خلاف في ذلك إلَّا ما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض السلف من أن الحب تخرج الزكاة من قليله وكثيره والحديثان حجة عليهم وقال داود: كل ما يدخله الكيل فتراعى فيه الخمسة الأوسق وما عداه مما لا يوسق ففي قليله وكثيره الزكاة قال القاضي عياض: وأجمعوا على أن في عشرين دينارًا الزكاة ولا تجب في أقل منها إلَّا ما روي عن الحسن والزهري مما لم يتابعا عليه أن لاصدقة في أقل من أربعين دينارًا والأشهر منهما ما روي عن الجماعة وروي عن بعض السلف أن الذهب إذا كانت قيمته مائتي درهم فيه الزكاة فإن نقصت عن ذلك فلا شيء فيه واتفقوا على أن
стр. 4519
(٢١٤٤) (٠) (٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ. كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
ما زاد من الحب على خمسة أوسق أن الزكاة في قليله وكثيره ولا وقص فيه واتفقوا على الأوقاص في المواشي واختلفوا في الذهب والفضة فذهب مالك وبعض السلف والجمهور إلى أن لا وقص فيهما وذهب أبو حنيفة وبعض الجماعة إلى أنَّه لا شيء فيما زاد.
على المائتي درهم حتَّى تبلغ أربعين ولا العشرين دينارًا حتَّى تبلغ أربعة دنانير فإذا زادت على ذلك ففي كل أربعين درهمًا درهم وفي كل أربعة دنانير درهم ومعتمدهم في هذا حديث ضعيف لا أصل له ومالك وجمهور علماء الأمصار يرون ضم الذهب والفضة على اختلاف بينهم فمالك وجماعة يراعون الوزن والضم على الإجزاء لا على القيم وينزلون كل دينار منزلة عشرة دراهم على الصرف القديم وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري يرون ضمها على القيمة في وقت الزكاة وقال الشافعي وداود وأبو ثور وأحمد لا يضم منهما شيء إلى شيء ويراعى نصاب كل واحد منهما بنفسه وذهب آخرون إلى أنَّه إنما يضم إذا كمل من أحدهما نصاب فيضم الآخر ويزكى الجميع اهـ من المفهم.
قال الخطابي: وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن الصدقة لا تجب في شيء من الخضراوات لأنه يزعم أنها لا توسق ودليل الخبر أن الزكاة إنما تجب فيما يوسق ويكال من الحبوب والثمار دون ما لا يكال من الفواكه والخضراوات ونحوها وعليه عامة أهل العلم اهـ من العون.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد (٣/ ٤٤ - ٤٥) والبخاري (١٤٤٧) وأبو داود (١٥٥٨) والنسائي (٥/ ١٧) وابن ماجة مختصرًا.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد ﵁ فقال:
(٢١٤٤) (٠) (٠) وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي المصري (أخبرنا الليث) بن سعد المصري (ح وحدثني عمرو) بن محمد (الناقد) أبو عثمان البغدادي (حَدَّثَنَا عبد الله بن إدريس) الأودي الكوفي كلاهما) أي كل من الليث وعبد الله رويا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة المازني المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبيه يحيى بن عمارة عن أبي سعيد (مثله) مفعول ثان لما
стр. 4520
(٢١٤٥) (٠) (٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ. وَأَشَارَ النَّبِيّ ﷺ بِكَفًهِ بِخَمْسِ أَصَابِعِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَينَةَ.
(٢١٤٦) (٠) (٠) وحدَّثني أَبُو كَامِلٍ فُضَيلُ بْنُ حُسَينِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ) حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بن غَزِيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ؛ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ:
ــ
عمل في المتابع وهو يحيى بن سعيد والضمير عائد إلى ابن عيينة والتقدير: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن يحيى مثل ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن سعيد الأنصاري لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن يحيى.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فقال:
(٢١٤٥) (٠) (٠) (وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حَدَّثَنَا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه يحيى بن عمارة) المازني المدني (قال: سمعت أبا سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من سداسياته غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن عمرو بن يحيى (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول و) الحال أنَّه قد (أشار النبي ﷺ بكفه) وقوله: (بخمس أصابعه) بدل من قوله: (بكفه) أي أشار بخمس أصابعه إلى خمسة أوسق وإلى خمس ذود وإلى خمس أواق (ثم ذكر) ابن جريج (بمثل حديث ابن عيينة).
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثالثًا في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه فقال:
(٢١٤٦) (٠) (٠) (وحدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجَحْدري) البصري (حَدَّثَنَا بشر يعني ابن مفضل) بن لاحق الرقاشي البصري (حَدَّثَنَا عمارة بن كزية) الأنصاري المازني المدني وثقه أحمد وأبو زرعة وقال في التقريب: لا بأس به من السادسة (عن يحيى بن عمارة) المازني المدني (قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول) وهذا السند من
следующие страницы →