Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
٢٦٦٤ - (١١٤٤) (٦٤) وحدثنا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ السَّكُونِي، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بْنِ الْقَاسِمِ
ــ
يكفيه ذلك لقول عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان تعني بها الحدث ويلحق بها ما كان محتاجًا إليه كشراء الطعام أو الشراب على ما تقدم آنفًا.
وإدامته ﷺ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إنما كان لما أبين له أن ليلة القدر فيه وإلا فقد اعتكف في العشر الأول، وفي العشر الأوسط على ما تقدم من حديث أبي سعيد الخدري.
ثم من اعتكف في العشر الأواخر من رمضان فهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد فيصلي وحينئذ يرجع إلى منزله أو يجوز له أن يخرج عند غروب الشمس من آخر يوم من رمضان؟ قولان للعلماء الأول: هو قول مالك وأحمد بن حنبل وغيرهما وهو محكي عن السلف، واختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل هل يبطل اعتكافه أم لا يبطل؟ قولان. وذهب الشافعي والليث والأوزاعي والزهري في آخرين إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر ولا يلزمه شيء مما قاله مالك، وظاهر مذهب مالك أن ذلك على وجه الاستحباب لأن بعض السلف فعله ولأنه قد روي عن النبي ﷺ .
وكون أزواجه اعتكفن بعده حجة على من منع اعتكاف النساء في المسجد فإنهن إنما اعتكفن على نحو ما كان النبي ﷺ يعتكف لأن الراوي عنهن ساق اعتكاف النبي ﷺ واعتكافهن مساقًا واحدًا ولو خالفنه في المسجد لذكره وكان يقول غير أن ذلك في بيوتهن اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث عائشة ﵃ فقال:
٢٦٦٤ - (١١٤٤) (٦٤) (وحدثنا سهل بن عثمان) بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري، ثقة، من (١٠) (حدثنا عقبة بن خالد) بن عقبة (السكوني) نسبة إلى سكون بوزن صبور حي من العرب، أبو مسعود الكوفي، صدوق، من (٨) روى عنه في (٥) أبواب (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العدوي المدني، ثقة، من الخامسة (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق
стр. 5287
عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ ﵂. قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَواخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
٢٦٦٥ - (٠٠) (٠٠) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ. ح وَحَدثنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ. أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ. ح وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُمَا) قَالًا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ
ــ
التيمي المدني (عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي المدني (عن) عمته (عائشة) أم المؤمنين ﵂ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد عسكري (قالت) عائشة كان رسول الله ﷺ على الدوام (يعتكف العشر الأواخر من رمضان) تقدم البحث عن معناه في حديث ابن عمر. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٠٢٦]، وأبو داود [٢٤٦٢]، والترمذي [٧٩٠]، والنسائي [٢/ ٤٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٦٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (ح وحدثنا سهل بن عثمان) الكندي العسكري (أخبرنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (جميعًا) أي كل من أبي معاوية وحفص بن غياث (عن هشام) بن عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من (٥) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب) محمد بن العلاء (واللفظ) الآتي (لهما) أي لأبي بكر وأبي كريب وأما يحيى بن يحيى وسهل بن عثمان فرويا معنى الحديث الآتي لا لفظه (قالا حدثنا) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة ﵂ وهذا الحديث من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة عروة للقاسم بن محمد في رواية هذا الحديث عن عائشة (قالت) عائشة (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان).
стр. 5288
٢٦٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ عُقَيل. عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. حَتى تَوَفاهُ اللهُ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد الفهمي المصري (عن عقيل) بن خالد المصري (عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الزهري لهشام بن عروة (أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله أي وفَّاه أجله ومات، وفيه دليل على أن الاعتكاف لم ينسخ وأنه من السنن المؤكدة خصوصًا في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر، وروى أبو الشيخ بن حبان من حديث الحسين بن علي مرفوعًا اعتكاف عشر في رمضان بحجتين وعمرتين وهو ضعيف اهـ قسط.
قال السندي: يمكن أن يكون ذلك بعد ما أُري ليلة القدر في العشر الأخير وهو لا ينافي اعتكاف العشر الأوسط قبل ذلك فلا ينافي ما سبق من حديث أبي سعيد اهـ. [قلت] ويؤيد هذا التطبيق ما روي عن أم سلمة أن النبي ﷺ اعتكف أول سنة العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم اعتكف العشر الأخير، وقال: "إني رأيت ليلة القدر فيها فأنسيتها" فلم يزل رسول الله ﷺ يعتكف فيهن حتى توفي ﷺ قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن قال الحافظ: ويؤخذ منه أي من حديث الباب أنه لم ينسخ وليس من الخصائص الاعتكاف أزواجه ﷺ بعده، وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن اهـ، وكأنه أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز وأنكر ذلك عليهم ابن العربي وقال: إنه سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال في مواظبة النبي ﷺ ما يدل على تأكده، وقال أبو داود، عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا في أنه مسنون، وقد روى ابن المنذر عن
стр. 5289
ثم اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ
ــ
ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي ﷺ لم يتركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله تعالى (ثم اعتكف أزواجه من بعده) ﷺ قال الزبيدي: فأشارت إلى استمرار حكم الاعتكاف حتى في حق النساء، فكن أمهات المؤمنين يعتكفن بعد النبي ﷺ من غير نكير، وإن كان هو في حياته قد أنكر عليهن الاعتكاف بعد إذنه لبعضهن كما في الحديث الصحيح لأن إنكاره عليهن لمعنى آخر فقيل خوف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن التقرب منه ﷺ لغيرتهن عليه أو ذهاب المقصود من الاعتكاف بكونهن معه في المعتكف أو لتضييقهن المسجد بابنيتهن، وعند أبي حنيفة إنما يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الموضع المهيأ في بيتها لصلاتها والله أعلم، ثم لا شك أن اعتكافه ﷺ كان في مسجده وكذا اعتكاف أزواجه فأخذ منه اختصاص الاعتكاف بالمساجد وأنه لا يجوز في مسجد البيت وهو الموضع المهيأ للصلاة فيه، لا في حق الرجل، ولا في حق المرأة إذ لو جاز في البيت لفعلوه ولو مرة لما في ملازمة المسجد من المشقة لا سيما في حق النساء اهـ، قال الحافظ: وقد أطلق الشافعي كراهته لهن في المسجد الذي تصلى فيه الجماعة واحتج بحديث الأخبية الآتي في الباب التالي فإنه دال على كراهة الاعتكاف للمرأة إلا في مسجد بيتها لأنها تتعرض لكثرة من يراها، وقال ابن عبد البر: لولا أن ابن عيينة زاد في الحديث أي حديث الباب أنهن يستأذن النبي ﷺ في الاعتكاف لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز اهـ، وشرط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن تكون في مسجد بيتها، وفي رواية لهم أن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها وبه قال أحمد، قال الزبيدي: والذي في كتب أصحابنا المرأة تعتكف في مسجد بيتها، ولو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز فالأول أفضل، ومسجدٌ جَنْبَها أفضلُ لها من المسجد الأعظم، وليس لها أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها، وإن لم يكن فيه مسجد لا يجوز لها الاعتكاف فيه اهـ فتح الملهم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
стр. 5290
٤٥٧ - (١٣) باب: للمعتكف أن يختص بموضع في المسجد فيضرب فيه خيمة ومتى يدخلها، واعتكاف النساء في المسجد
٢٦٦٧ - (١١٤٥) (٦٥) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، صَلى الْفَجْرَ. ثم دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. وإنهُ
ــ
٤٥٧ - (١٣) باب للمعتكف أن يختص بموضع في المسجد فيضرب فيه خيمة ومتى يدخلها واعتكاف النساء في المسجد
٢٦٦٧ - (١١٤٥) (٦٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم الكوفي (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، الفقيهة، سيدة نساء التابعين، ثقة، من (٣) (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد نيسابوري (قالت) عائشة (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر) أي صلاة الصبح (ثم دخل معتكفه) بفتح الكاف أي موضع اعتكافه من المسجد، قال الحافظ: فيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة: يدخل معتكفه قبيل غروب الشمس، وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح، وهذا الجواب يشكل على من منع الخروج بعد الدخول فيها. وأجاب عن هذا الحديث بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف، وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فعلى هذا فاللازم أحد الأمرين إما أن يكون شرع في الاعتكاف فيدل على جواز الخروج، وإما أن لا يكون شرع فيه فيدل على أن أول وقته بعد صلاة الصبح اهـ. [قلت] وأوله بعض علماء العصر بأنه يحتمل أن يكون المراد بالفجر فجر عشرين فكأنه ﷺ بادر إلى اعتكاف العشر قبل وقته. وقيل إنما كان دخوله لينظر بما يحتاج إليه ويهيئه لاعتكافه وهو غير معتكف ثم يخرج فيصلي المغرب ثم يدخل في الاعتكاف اهـ والله أعلم فتح الملهم (وإنه) صلى الله عليه وسلم
стр. 5291
أَمَرَ بِخِبَائهِ فَضُرِبَ. أرادَ الاعْتِكافَ فِي العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَأَمَرَتْ زَينَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ. وَأَمَرَ غَيرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النبيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ
ــ
بكسر الهمزة معطوف على جملة كان (أمر) من عنده (بـ) ضرب (خبائه) وخيمته أي برفعه على الأعمدة ليدخل فيه ويتخلى عن الناس لعبادة ربه، والخباء بكسر المعجمة ثم بالموحدة وبالمد الخيمة من وبر أو صوف وقد يكون من شعر، والجمع أخبية كبناء وأبنية، ويكون على عمودين أو ثلاثة وما فوق ذلك فهو بيت كما في المصباح وضربه بناؤه وإقامته بضرب أوتاده في الأرض، قال النواوي: وفيه دليل على جواز اتخاذ المعتكف لنفسه موضعًا في المسجد ينفرد فيه مدة اعتكافه ما لم يضيق على الناس وإذا اتخذه يكون في آخر المسجد ورحابه لئلا يضيق على غيره وليكون أخلى له وأكمل في انفراده اهـ (فضُرب) بالبناء للمجهول أي بني له خباؤه، وهذا إنما كان قبل أن يشرع في الاعتكاف بدليل قولها (أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان) ففي كلامها هذا تقديم وتأخير اهـ من المفهم، والأصل وإنه لما أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أمر بخبائه فضرب ثم إن أزواجه لما رأين عزمه على الاعتكاف وأخذه فيه شرعن فيه رغبة منهن في الاقتداء به ﷺ وفي تحصيل الأجر غير أنهن لم يستأذنه فلذلك أنكر عليهن كما يدل عليه قولها (فأمرت زينب) بنت جحش (بخبالها) أي بضربه (فضرب) لها (وأمر غيرها) أيضًا (من أزواج النبي ﷺ بخبائه) ذكر الضمير نظرًا إلى لفظ غير أي بضرب خبائها (فضُرب) لها أيضًا، وفي رواية الأوزاعي فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، وفي رواية ابن فضيل فاستأذنت عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة، فسمعت بها حفصة فضربت قبة وهذا يشعر أنها فعلت ذلك بغير إذن، لكن رواية ابن عيينة عند النسائي ثم استأذنته حفصة فأذن لها، وقد ظهر من رواية حماد والأوزاعي أن ذلك كان على لسان عائشة فقد فسرت الأزواج في هذه الروايات بعائشة وحفصة وزينب فقط اهـ فتح (فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر) في نواحي المسجد (فإذا الأخبية) أي مضروبة في أطراف المسجد، وإذا فجائية أي فنظر في نواحي المسجد ففاجأته رؤية الأخبية المضروبة فيها، وفي رواية ابن فضيل أبصر أربع قباب يعني قبة له وثلاثة للثلاثة،
стр. 5292
فَقَال: "آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ " فَأمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ. وَتَرَكَ الاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. حَتى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الأوَّلِ مِنْ شَوالٍ
ــ
وفي رواية ابن عيينة عند النسائي قال: "لمن هذه؟ قالوا: لعائشة وحفصة وزينب (فقال آلبر تردن) أي هل العبادة قصدن هؤلاء النسوة؟ قال النواوي: كذا بالمد على الاستفهام الإنكاري، والبر بالنصب على أنه مفعول تردن مقدمًا، وفي رواية ابن فضيل: "ما حملهن على هذا البر، انزعوها" والبر في هذه الرواية مرفوع، قال القاضي عياض: قال ﷺ هذا الكلام آلبر تردن إنكارًا لفعلهن، قال القرطبي: ويحتمل أن يكون إنكاره لأوجه منها أن يكون خاف أن يكون الحامل لهن على الاعتكاف غيرتهن عليه وحرصهن على القرب منه والمباهاة به، ومنها أن يكون كره لهن ملازمتهن المسجد مع الرجال أو يكن ضيقن المسجد على الناس بأخبيتهن، أو يؤدي مكثهن في المسجد إلى أن يطلع عليهن المنافقون لكثرة خروجهن لحاجتهن، أو يؤدي ذلك إلى أن تنكشف منهن عورة أو يؤدي ذلك إلى تضييع حقوق النبي ﷺ وحوائجه في بيوتهن، وكل هذه الاحتمالات مناسبة وبعضها أقرب من بعض ولا يبعد أن يكون مجموعها هو المراعي عنده أو شيء آخر لم يطلع عليه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
وأما استئذان المرأة زوجها في الاعتكاف المتطوع به فلا بد منه عند العلماء للذي تقدم في استئذانها إياه في الصوم، وللزوج أن يمنعها منه ما لم يكن نذرًا معينًا، فلو كان مطلقًا فله أن يمنعها من وقت إلى وقت ما لم تخف الفوت وكذلك العبد والأمة اهـ منه (فأمر) ﷺ (بـ) تقويض (خبائه) وهدمه (فقوض) خباؤه ﷺ وهدم، وهو بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة بمعنى نقض وهدم (وترك) ﷺ (الاعتكاف في شهر رمضان) وقال أبو بكر الرازي: وهذا الخبر أي حديث الأخبية يدل على كراهة الاعتكاف للنساء في المسجد بقول (آلبر تردن) يعني أن هذا ليس من البر، ويدل على كراهية ذلك منهن أنه لم يعتكف في ذلك الشهر ونقض بناءَه حتى نقض أبنيتهن ولو ساغ لهن الاعتكاف عنده لما ترك الاعتكاف بعد العزيمة، ولما جُوز لهن تركه وهو قربة إلى الله تعالى وفي هذا دلالة على أنه كره اعتكاف النساء في المساجد (حتى اعتكف في العشر الأول من شوال) قال عياض: فعل ذلك قضاء، قال: يعني بالقضاء الإتيان بمثل الفائت استدراكًا لفضله لا القضاء حقيقة،
стр. 5293
٢٦٦٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثناه مُحَمدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شبِيبٍ
ــ
وفي رواية ابن فضيل حتى اعتكف في آخر العشر من شوال، ويجمع بين الروايتين بأن المراد بقوله آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه في آخر العشر الأول منه اهـ فتح الملهم، قال القرطبي: وأمره ﷺ بتقويض خبائه وتركه الاعتكاف إنما كان ذلك والله أعلم قبل أن يدخل في الاعتكاف وهو الظاهر من مساق الحديث فلا يكون فيه حجة لمن يقول إن من دخل في تطوع جاز له أن يخرج منه، وإنه إنما كان عزم عليه وأراده، لا أنه دخل فيه وتركه ﷺ الاعتكاف في ذلك العشر الذي كان قد عزم على اعتكافه إنما كان مواساة لأزواجه وتطييبًا لقلوبهن وتحسينًا لعشرتهن أو لعله توقع من تماديه على الاعتكاف ظن أنه هو المخصوص بالاعتكاف دونهن، وكونه اعتكف في شوال يدل على أن الاعتكاف ليس مخصوصًا برمضان ولا يقال فيه ما يدل على قضاء التطوع لأنا لا نسلم أنه قضاء بل هو ابتداء إذ لم يجب عليه لا بالأصل ولا بالنذر ولا بالدخول فيه إذ لم يكن دخل فيه بعد كيف ومعقوليته إنما تتحقق فيما اشتغلت الذمة به فإذا لم يكن شغل ذمة فأي شيء يقضي غاية ما في الباب أنه ابتداء عبادة هي من نوع ما فاته اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٨٤]، والبخاري [٢٠٣٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٦٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (ح وحدثني عمرو بن سواد) بتشديد الواو بن الأسود العامري السرحي أبو محمد المصري، ثقة، من (١١) مات سنة (٢٤٥) (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرنا عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة، من (٧) (ح وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حدثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو الأسدي الزبيري مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي (ح وحدثني سلمة بن شبيب) المسمعي أبو عبد الله
стр. 5294
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا الأوْزَاعِيُّ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. كل هؤُلاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَن النبِي ﷺ . بِمَعْنَى حَدِيثِ أبِي مُعَاويَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَينَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزينَبَ ﵅. أَنهُن ضَرَبْنَ الأَخْبِيَةَ لِلاعْتِكَافِ
ــ
النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا أبوالمغيرة) الحمصي عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ثقة، من (٩) (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي، ثقة، من (٧) (ح وحدثني زهير بن حرب) الحرشي النسائي (حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٨) (عن) محمد (بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني إمام المغازي، صدوق، من (٥) (كل هولاء) المذكورين في الأسانيد السابقة من السفيانين وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن إسحاق رووا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني (عن عمرة) بنت عبد الرحمن (عن عائشة) أم المؤمنين ﵂ عن النبي ﷺ بمعنى حديث أبي معاوية) غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة لأبي معاوية في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد (و) لكن (في حديث ابن عشة وعمرو بن الحارث وابن إسحاق ذكر عائشة وحفصة وزينب ﵅ أي ذكر (أنهن) من الأزواج اللاتي (ضربن الأخبية) في المسجد (للاعتكات) فيها. وهذا بيان لمحل المخالفة بين هؤلاء الثلاثة وبين أبي معاوية في الرواية عن يحيى بن سعيد أي بنين عدة أخبية وأقمنها لأجل أن يعتكفن فيها خباء عائشة وخباء حفصة وخباء زينب كما في صحيح البخاري.
ولم يذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب إلا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 5295
٤٥٨ - (١٤) باب: الجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان وصوم عشر ذي الحجة
٢٦٦٩ - (١١٤٦) (٦٦) حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلي وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ أبِي يَعْفُورٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيلَ وَأَيقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ
ــ
٤٥٨ - (١٤) باب الجد والاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان وصوم عشر ذي الحجة
والاجتهاد عطف مرادف على الجد.
٢٦٦٩ - (١١٤٦) (٦٦) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) المروزي المعروف بابن راهويه (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (جميعًا عن) سفيان (بن عيينة قال إسحاق أخبرنا سفيان بن عيينة) بصيغة السماع (عن) عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس بكسر النون وسكون السين المهملة الثعلبي العامري (أبي يعفور) التابعي الصغير الكوفي، روى عن الوليد بن العيزار في الإيمان، وأبي الضحى في الصوم، وعن السائب بن يزيد وإبراهيم النخعي، ويروي عنه (ع) وابن عيينة والثوري وابن المبارك وابن فضيل، وثقه ابن معين وأحمد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة، من الخامسة، وعندهم أبو يعفور آخر العبدي الكوفي التابعي الكبير، مشهور بكنيته اسمه وقدان بسكون القاف، وقيل واقد، روى عن ابن أبي أوفى وابن عمر وأنس وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبة وزائدة والثوري وابن عيينة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة، من الرابعة، فليراجع ما كتبناه في كتاب الإيمان نقلًا عن النواوي وليصحح فإنه خطأ (عن مسلم بن صبيح) مصغرًا الهمداني مولاهم الكوفي، ثقة، من (٤) (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني أبي عائشة الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عائشة ﵂ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد إما مروزي أو مكي (قالت) عائشة كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر) الأواخر من رمضان (أحيا الليل) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها (وأيقظ أهله) أي أزواجه للصلاة في الليل (وجد) أي اجتهد في العبادة بالزيادة
стр. 5296
وَشَدَّ الْمِئْزَرَ
ــ
على ما اعتاده، وفيه استحباب إحياء ليالي العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، واستحباب إيقاظ الأهل للصلاة، وأما كراهة قيام الليل كله فمعناه كراهة المداومة عليه في الليالي كلها ولم يقل أحد بكراهة ليلة أو ليلتين والعشر ولهذا اتفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيدين وغير ذلك أفاده النواوي (وشد المئزر) أي شد عقده على حقوه لئلا يفك، والمئزر الإزار كلحاف وملحف، يجمع على مآزر وشده كناية عن اعتزال النساء كما قال الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وفي فتح الملهم: قوله (أحيى الليل) أي سهره فأحياه بالطاعة، وأحيى نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعًا لأن القائم إذا حيي باليقظة أحيى ليله بحياته وهو نحو قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" أي لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور، وفي العيني: قال شيخنا: وفي حديث عائشة في الصحيح أحيا الليل كله، والظاهر والله أعلم معظم الليل بدليل قولها في الحديث الصحيح: ما علمته قام ليلة إلى الصباح اهـ قوله (وأيقظ أهله) وروى الترمذي ومحمد بن نصر من حديث زينب بنت جحش وأم سلمة: لم يكن النبي ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه، قال القرطبي: وفيه حث الأهل على القيام للنوافل وحملهم على تحصيل الخير والثواب، ويفهم منه تأكيد القيام في هذه العشر على غيره (وجد) أي اجتهد في العبادات و (شد المئزر) أي امتنع عن النساء وهذا أولى من قول من قال إنه كناية عن الجد والاجتهاد لأنه قد ذكر فحمل هذا على فائدة مستجدة أولى، وقد ذهب بعض أئمتنا إلى أنه عبارة عن الاعتكاف، وفيه بعد لقولها أيقظ أهله وهذا يدل على أنه كان معهم في البيت وهو كان في حال اعتكافه في المسجد وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته في المسجد والله أعلم. فإن حملناه على الاعتكاف فهم منه أن المعتكف لا يجوز له أن يقرب النساء بمباشرة ولا استمتاع فما فوقهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فإن وقع منه الجماع فسد اعتكافه ليلًا كان أو نهارًا بالإجماع، ثم هل عليه كفارة؟ فالجمهور على أن لا، وذهب الحسن والزهري إلى أن عليه ما على المواقع أهله في نهار رمضان، ورأى مجاهد أن يتصدق
стр. 5297
٢٦٧٠ - (١١٤٧) (٦٧) حدثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. كِلًاهُمَا عَنْ عبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ. قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ. قَال: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: قَالتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ، مَا لا يَجْتَهِدُ فِي غَيرِهِ
ــ
بدينارين، وأجرى مالك والشافعي في أحد قوليه الجماع فيما دون الفرج وجميع التلذذات من القبلة والمباشرة مجرى الجماع في الإفساد لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ ورأى أبو حنيفة وأصحابه إفساده بالإنزال كيفما كان اهـ مفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٦/ ٤٠ - ٤١]، والبخاري [٢٠٢٤]، وأبو داود [١٣٧٦]، والنسائي [٣/ ٢١٧ - ٢١٨]، وابن ماجه [١٧٦٨].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٧٠ - (١١٤٧) (٦٧) (حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري) فضيل بن حسين البصري (كلاهما عن عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم أبي بشر البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٦) بابا (قال قتيبة حدثنا عبد الواحد عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي أبي عروة الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب، وقال الدارقطني: ليس بقوي اهـ، وقد تفرد بهذا الحديث عن إبراهيم، وتفرد به عبد الواحد بن زياد عن الحسن ولذلك استغربه الترمذي، أما مسلم فصحح حديثه لشواهده على عادته، وقال البخاري في بعض نسخ الصحيح ولم أخرج حديث الحسن بن عبد الله لأن عامة حديثه مضطرب اهـ فتح الملهم (قال) الحسن (سمعت إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من (٥) (يقول سمعت الأسود بن يزيد) النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٥) (يقول قالت عائشة) أم المؤمنين ﵂ وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان أو بصري ونسائي وواحد مدنيًّا كان رسول الله ﷺ يجتهد) ويتحرى (في العشر الأواخر) من رمضان بأنواع العبادات (ما لا يجتهد) أي اجتهادًا لا يجتهده (في غيره) أي في غير العشر الأخير من سائر أيام السنة، وفي بعض النسخ في غيرها بالتأنيث، وفي هذا الحديث الحرص على
стр. 5298
٢٦٧١ - (١١٤٨) (٦٨) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأبُو كُرَيبٍ وَإِسْحَاقُ (قَال إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالتْ: مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ
ــ
مداومة القيام في العشر الأخير إشارة إلى الحث على تجديد الخاتمة ختم الله تعالى لنا بخير آمين. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي ذكره في الصوم وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي أخرجه في الاعتكاف في الكبرى، وابن ماجه أخرجه في الصوم اهـ تحفة الأشراف.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٧١ - (١١٤٨) (٦٨) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزي (قال إسحاق أخبرنا وقال الآخران حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن (براهيم) بن يزيد النخعي (عن الأسود) بن يزيد النخعي (عن عائشة ﵂ وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة فإنها مدنية وإلا إسحاق بن إبراهيم ذكره للمقارنة فإنه مروزي (قالت) عائشة (ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان متعلق برأيت، قال النواوي: قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشر، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه كراهة بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها وهو يوم عرفة اهـ فقد روى الترمذي وابن ماجه بسند فيه مقال عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" لا سيما اليوم التاسع منها وهو يوم عرفة لما صح أنه يكفر سنتين فقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب العيدين عن ابن عباس: "ما العمل في أيام أفضل منه في هذه" ورواه الطيالسي في مسنده والدارمي بلفظ: "ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة لما ورواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما بلفظ: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام يعني أيام العشر" ولفظ
стр. 5299
٢٦٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني أبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ
ــ
الترمذي من هذه الأيام العشر بدون يعني، واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل لشموله له وللصلاة والذكر والصدقة وغير ذلك، واستشكل بتحريم صوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب أو الأكثر من أيام العشر، ويحمل قولها يعني عائشة إنها لم تره صائمًا فيه، وقولها لم يصم العشر على أنه لم يصمه حينًا لعارض من مرض أو سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر لأنها إنما نفت رؤيتها، ويدل عليه حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة. رواه أبو داود والنسائي وأحمد، وحسنه بعض الحفاظ، وقال الزيلعي: حديث ضعيف، والمثبت مقدم على النافي، وقد كان يقسم لتسع نسوة فلم يصمها عند عائشة وصام عند غيرها، ورُد بأنه يبعد كل البعد أن يلازم عدة تسع سنين على عدم صومه في نوبتها دون غيرها، فالجواب الأول أسد، وحديث هنيدة إسناده ضعيف فلا يعارض الصحيح، وقال الحافظ في حديث الباب: إنه لا يعارض أحاديث فضائل العشر لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته كما رواه الشيخان من حديث عائشة أيضًا، والنبي ﷺ أعلم بالعمل الذي فيه صلاحية الافتراض وبما ليس كذلك، والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادة فيه؛ وهي الصلاة والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيرها اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود أخرجه في الصوم عن مسدد، والترمذي أخرجه في الصوم عن هناد بن السري، والنسائي أخرجه في الصيام في الكبرى عن عبد الله بن محمد الضعيف اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة هذا رضي الله تعالى عنها فقال:
٢٦٧٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو بكر) محمد بن أحمد (بن نافع العبدي) البصري، صدوق، من (١٠) (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من (٧) (عن الأعمش)
стр. 5300
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأسوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَن النبي ﷺ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ
ــ
سليمان بن مهران الكوفي (عن إبراهيم) بن يزيد الكوفي (عن الأسود) بن يزيد الكوفي (عن عائشة ﵂ وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثوري لأبي معاوية في الرواية عن الأعمش، قالت (أن النبي ﷺ لم يصم العشر) أي عشر ذي الحجة أي لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو أنها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه فيها، فعن بعض أزواجه ﷺ أنه كان يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس كما في سنن أبي داود والنسائي والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث كلها لعائشة، الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني للاستشهاد له، والثالث للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة.
***
стр. 5301
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الحج والعمرة
ــ
كتاب الحج والعمرة
قال القسطلاني في المواهب اللدنية: اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد الروحاني، وإلمام بمعهد العهد الرباني، ولا يخفى أن نفس الكون بتلك الأماكن شرف وعلو، وأن التردد في تلك المواطن فخار وسمو، فإن المحال المحترمة لم تزل تفرغ على الحال فيها من سجال وصفها بفيض غامر، وحسبك في هذا ما يحكى في أبيات عن مجنون بني عامر:
رأى المجنون في البيداء كلبا ... فجر عليه للإحسان ذيلا
فلاموه على ما كان منه ... وقالوا لم منحت الكلب نيلا
فقال دعوا الملام فإن عيني ... رأته مرة في حي ليلى
وقال الشيخ الدهلوي: المصالح المرعية في الحج أمور؛ منها تعظيم البيت فإنه من شعائر الله وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى، ومنها تحقيق معنى العرضة فإن لكل دولة أو ملة اجتماعًا يتوارد الأقاصي والأداني ليعرف فيه بعضهم بعضا ويستفيدوا أحكام الملة ويعظموا شعائرها، والحج عرضة المسلمين وظهور شوكتهم واجتماع جنودهم وتنويه ملتهم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ومنها موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل ﵉ فإنهما إماما الملة الحنيفية ومشرعاها للعرب، والنبي ﷺ بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو كلمتها وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك الحج وهو قوله ﷺ ؟ "قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم، ومنها الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق
стр. 5302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لعامتهم وخاصتهم كنزول منى والمبيت بمزدلفة فإنه لو لم يصطلحوا على مثل هذا لشق عليهم، ولو لم يسجل عليه لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم إلى غير ذلك اهـ فتح الملهم.
والحج من الشرائع القديمة خلافًا لمن ادعى أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، قال صاحب التعجيزة إن أول من حج آدم ﵇، وإنه حج أربعين حجة من الهند ماشيًا، وقيل ما من نبي إلا حجه حتى نوح وصالح، خلافًا لمن استثناهما، وروي أنه لما حج آدم قال له جبريل: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة، والمشهور أنه فرض في السنة السادسة من الهجرة، وقيل في الخامسة، وقيل قبل الهجرة، وقيل سنة تسع وهو الصحيح، لأن فتح مكة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحج بالناس في تلك السنة عتاب بن أسيد ووقف بالمسلمين ووقف المشركون على ما كانوا يفعلون في الجاهلية فلما كانت سنة تسع فرض الحج، ثم إن النبي ﷺ أمر أبا بكر فحج بالناس تلك السنة، ثم أتبعه علي بن أبي طالب بسورة براءة فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة على ما كانوا يديرون الحج في كل شهر من شهور السنة فلما كانت سنة عشر حج رسول الله ﷺ حجته المسماة بحجة الوداع على ما يأتي في حديث جابر وغيره، ووافق النبي ﷺ تلك السنة أن وقع الحج في ذي الحجة في زمانه ووقته الأصلي الذي فرضه الله تعالى فيه، ولذلك قال ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" رواه أحمد والبخاري ومسلم اهـ من المفهم. ولا يجب بأصل الشرع إلا مرة لأنه ﷺ لم يحج بعد فرض الحج إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع وهو معلوم من الدين بالضرورة فيكفر جاحده إلا إن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، والعمرة فرض في الأظهر، وأما خبر الترمذي عن جابر سئل النبي ﷺ عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا, وأن تعتمر خير" فقد اتفق الحفاظ على ضعفه، ولا تجب في العمر بأصل الشرع إلا مرة كالحج وقد يجبان أكثر من مرة لعارض نذر أو قضاء عند إفساد التطوع، ووجوبهما على التراخي عند الشافعية، وأما
стр. 5303
٤٥٩ - (١٥) باب: ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب
٢٦٧٣ - (١١٤٩) (٦٩) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَاتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ؟
ــ
عند مالك وأحمد فعلى الفور وليس لأبي حنيفة نص في المسألة، وقد اختلف صاحباه فقال محمد: على التراخي، وقال أبو يوسف: على الفور. ولو تعارض الحج والنكاح فالأفضل لمن لم يخف العنت تقديم الحج، ولخائف العنت تقديم النكاح، بل يجب عليه ذلك إن تحقق أو غلب على ظنه الوقوع في الزنا، ولو مات قبل الحج في هذه الحالة لم يكن عاصيًا.
والحج لغة: القصد مطلقًا سواء كان للبيت الحرام للنسك أو لغيره كالأكل والشرب والسفر فالمعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي كما هو الغالب. وشرعًا: قصد البيت الحرام والمشاعر العظام للنسك مع الإتيان به بالفعل، وفي الحقيقة للحج شرعًا: هو النسك الذي هو النية والطواف والسعي والوقوف بعرفة والحلق وترتيب المعظم فهو نفس هذه الأعمال كما أن الصلاة نفس الأعمال المعروفة، والعمرة لغة: الزيارة مطلقًا. وشرعًا: زيارة البيت الحرام للنسك والفرق بينها وبين الحج أن النسك فيه مشتمل على الوقوف بعرفة بخلافه فيها فلا وقوف فيها ولا مبيت مثلًا.
٤٥٩ - (١٥) باب ما يجتنبه المحرم من اللباس والطيب
٢٦٧٣ - (١١٤٢٩) (٦٩) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن نافع) مولى ابن عمر المدني (عن ابن عمر ﵄ وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد مكي وواحد نيسابوري (أن رجلًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه (سأل رسول الله ﷺ فقال في سؤاله (ما يلبس المحرم) قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا (من الثياب) وعند البيهقي أن ذلك وقع والنبي ﷺ يخطب في مقدم مسجد المدينة، وفي حديث ابن عباس عند البخاري في أواخر الحج أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات فيُحمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به
стр. 5304
فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ،
ــ
السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة قاله في الفتح، والمحرم اسم فاعل من أحرم الرباعي، والإحرام لغة: مصدر أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تنتهك ورجل حرام أي محرم كذا في الصحاح، وشرعًا: الدخول في حرمات مخصوصة أي التزامها غير أنه لا يتحقق شرعًا إلا بالنية مع الذكر والخصوصية، والمراد بالذكر التلبية ونحوها، وبالخصوصية ما يقوم مقامها من سوق الهدي وتقليد القلائد فلا بد من التلبية أو ما يقوم مقامها، فلو نوى ولم يلب أو بالعكس لا يصير محرمًا، وهل يصير محرمًا بالنية والتلبية أو بأحدهما بشرط الآخر؟ المعتمد ما ذكره الحسام الشهيد أنه بالنية لكن عند التلبية كما يصير شارعًا في الصلاة بالنية لكن بشرط التكبير لا بالتكبير كما في شرح اللباب كذا في رد المحتار اهـ فتح الملهم (فقال رسول الله ﷺ في جواب السائل (لا تلبسوا) أيها المحرمون (القمص) بضمتين جمع قميص كسبيل وسبل؛ وهو الدرع، وذكر ابن الهمام أنهما سواء إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر، قال العيني: في الحديث تحريم لبس القميص على المحرم ونبه به على كل مخيط من كل معمول على قدر البدن أو العضو منه وذلك مثل الجبة والقفازين اهـ وفي البحر أن ضابطه لُبس كل شيء معمول على قدر البطن أو بعضه بحيث يحيط به بخياطة أو تلزيق بعضه ببعض أو عقد خيوطه بعضها ببعض كالطاقية والشراريب، ويستمسك عليه بنفس لبسه فخصوص الخياطة غير معتبر بل لا فرق بين المخيط والمنسوج كالدروع والمعقود كالشراريب والملزق بعضه ببعض كاللبد قطنًا كان أو صوفًا أو شعرًا أو كتانًا أو جلدًا أو حشيشًا منسوجًا أو غير ذلك.
قال النواوي: قال العلماء: وهذا الجواب من بديع الكلام وجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، وتلبسون ما سواه إذ الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يُلبس لطال به الكلام بل كان لا يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضًا أن المقصود بيان ما يحرم لبسه لا بيان ما يحل له لبسه لأنه لا يجب له لباس مخصوص بل عليه أن يجتنب شيئًا مخصوصًا، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه فالجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس، وقال غيره: هذا يشبه الأسلوب
стр. 5305
ولا الْعَمَائِمَ، ولا السَّرَاويلاتِ، ولا الْبَرَانِسَ،
ــ
الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين الآية، فعدل في الجواب عن جنس المنفِق وهو المسؤول عنه إلى ذكر المنفَق عليه لأنه أهم، قال الدهلوي: والفرق بين المخيط وما في معناه حيث حرم عليه وبين غيره حيث أحل له، أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة، والثاني ستر عورة، وترك الأول تواضع لله تعالى، وترك الثاني سوء أدب (ولا العمائم) جمع عمامة؛ وهو ما يكور ويلف على الرأس سواء كانت له عذوبة أم لا، سميت بذلك لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية، قال النواوي: ونبه ﷺ بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره حتى العصابة فإنها حرام فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية، قال الخطابي: ذكر العمامة والبرانس معًا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه. [قلت] مراده أن يجعله على رأسه كلبس القبع، ولا يلزم شيء بمجرد وضعه على رأسه كهيئة الحامل لحاجته، ولو انغمس في الماء لا يضره فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا لو ستر رأسه بيده اهـ فتح (ولا السراويلات) جمع سراويل وهو لباس يستر النصف الأسفل من الجسم، قال القاري: قوله السراويلات جمع أو جمع الجمع اهـ، وفي القاموس: السراويل فارسية معربة جمعها سراويلات، وهي جمع سروال وسروالة فالسراويلات تكون جمع الجمع حينئذ، والسراويل هي ما يقال له في الهندية شلوار، قال الحافظ: وصح أنه ﷺ اشترى من رجل سراويل من سويد بن قيس أخرجه الأربعة وأحمد، وصححه ابن حبان من حديثه، وأخرجه أحمد أيضًا من حديث مالك بن عميرة الأسدي قال: قدمت قبل مهاجر رسول الله ﷺ فاشترى مني سراويل فأرجح لي، وقال ابن القيم في الهدي: اشترى رسول الله ﷺ السراويل والظاهر أنه إنما اشتراه ليلبسه، ثم قال: ورُوي في حديث أنه لبس السراويل وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه اهـ (ولا البرانس) جمع برنس وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر وغيره، وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام؛ وهو من البِرس بكسر الباء وهو القطن والنون زائدة، وقيل إنه غير عربي كذا في عمدة القاري، قال الحافظ: وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى قال: كان
стр. 5306
ولا الْخِفَافَ
ــ
يلبس ها هنا، وقال عبد الله بن أبي بكر: ما كان أحد من القراء إلا له برنس، وأخرج الطبراني من حديث أبي قرصافة قال: كساني رسول الله ﷺ برنسًا فقال: "البسه" وفي سنده من لايعرف، ولعل من كرهه أخذ بعموم حديث علي رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان فإنه من تزيا بهم أو تشبه فليس مني" أخرجه الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به (ولا الخفاف) بكسر الخاء المعجمة جمع الخف الملبوس، وخف البعير جمعه أخفاف، قال النواوي: نبه ﷺ بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها، وهذا وما قبله كله حكم الرجال، أما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر، وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء وهما قولان للشافعي أصحهما تحريمه، قال الغزالي في الإحياء: وللمرأة أن تلبس كل مخيط بعد أن لا تستر وجهها بما يماسه فإن إحرامها في وجهها، قال الزبيدي في شرحه: أي إن الوجه في حق المرأة كالرأس في حق الرجل، ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها والأصل في ذلك ما روى البخاري من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" ونقل البيهقي عن الحاكم عن أبي علي الحافظ: أن لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر أدرج في الخبر، وقال صاحب الإمام: هذا يحتاج إلى دليل، وقد حكى ابن المنذر أيضًا هل هو من قول ابن عمر أو من حديثه؟ وقد رواه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وله طرق في البخاري موصولة ومعلقة اهـ فتح الملهم.
قال القاضي عياض: وأجمعوا على المنع من لبس ما ذكر، ونبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمامة والبرانس على ما يغطي الرأس مخيطًا أو غير مخيط، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وهذا المنع في حق الرجال، والخطاب لهم، وحكمة المنع ليبعدوا عن الترفه ويتصفوا بصفة الخاشع وليتذكروا بذلك أنهم محرمون فيكثروا الذكر ويبعدوا عن المذام ويتذكروا الموت بلبسهم شبه الكفن والقيام من القبور حفاة، ولهذا المعنى منع الحاج من النساء والطيب لأن المطلوب البعد عن عرض الدنيا لتخلص نيته فيما خرج إليه لعل الله سبحانه يناله برحمته، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بمخيط أو غير مخيط إلا وجهها وكفيها فيحرم عليها سترهما على ما يأتي اهـ من
стр. 5307
إِلَّا أَحَدٌ لا يَجِدُ النَّعْلَينِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّينِ. وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ. ولا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ
ــ
الأبي (إلا أحد) بالرفع على البدلية من واو الضمير في لا تلبسوا، وفي نسخة إلا أحدًا بالنصب على الاستثناء، وفي القسطلاني والمستثنى منه محذوف ذكره معمر في روايته عن الزهري عن سالم بلفظ: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، إلا أحد لا يجد نعلين" إلخ اهـ، والذي يظهر بالاستقراء أن أحدًا لا يستعمل في الإثبات إلا أن يعقبه النفي وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي، وقوله (لا يجد النعلين) في موضع رفع صفة لأحد (فليلبس الخفين وليقطعهما) أي وليقطع فاقد النعلين الخفين (أسفل من الكعبين) أي وليلبسهما بشرط أن يقطعهما ولا فدية عليه لأنها لو وجبت لبينها النبي ﷺ وهذا موضع بيانها وأفاد بقوله (لا يجد النعلين) أنه لو وجدهما لا يقطعه لما فيه من إتلاف المال بغير حاجة أفاده في البحر، قال الحافظ: والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له وعجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه أو وهب له لم يجب قبوله إلا أن أُعير له اهـ قال الأبي: قال ابن حبيب: لا رخصة اليوم في لبسهما مقطوعين لكثرة النعال، ومن فعله افتدى وينزل منزلة عدم النعلين الرفع في ثمنهما الرفع المتفاحش اهـ، وقوله (من الكعبين) الكعب هنا العظم المثلث المبطن على ظهر القدم لا العظمان الناتئان عند مفصل القدم والساق لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفًا وهو فيما قلنا قاله محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية، خلافًا للشافعي فإن المراد بالكعبين عنده ما هو المراد بهما في الوضوء اهـ من بعض الهوامش، والمراد قطعهما بحيث يصير الكعبان وما فوقهما من الساق مكشوفًا لا قطع موضع الكعبين فقط كما لا يخفى، وقال الأزهري: الكعبان هما العظمان الناتئان في منتهى الساق مع القدم وهما ناتئان عن يمنة القدم ويسرتها اهـ (ولا تلبسوا) بفتح أوله وثالثه (من الثياب) وهذا الحكم يشترك فيه النساء مع الرجال بخلاف ما سبق فإنه خاص بالرجال، والدليل على هذا العموم ما أخرجه الحاكم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسأنهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران اهـ فتح (شيئًا مسه الزعفران) بالتعريف، وفي الرواية الآتية زعفران بالتنكير، قال الزركشي: بالتنوين لأنه ليس فيه من موانع الصرف إلا الألف والنون فقط وهما لا يستقلان بمنع الصرف، فلو سميت به امتنع وهو
стр. 5308
ولا الْوَرْسُ".
٢٦٧٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. كُلُّهُمْ عَنِ ابنِ عُيَينَةَ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَان بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبِيهِ ﵁. قَال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَال: "لا يَلبَسِ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، ولا
ــ
اسم أعجمي، وقد صرفته العرب فقالوا: ثوب مزعفر -أي مصبوغ بالزعفران- وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة، ويجمع على زعافر؛ وهو اسم شجر يتخذ منه الصبغ الأحمر له رائحة طيبة (ولا) شيئًا مسه (الورس) -بفتح الواو وسكون الراء بعدها سين مهملة- وهو نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح يصبغ به بين الصفرة والحمرة، أشهر طيب في بلاد اليمن، لكن قال ابن العربي: الورس وإن لم يكن طيبًا فله رائحة طيبة فأراد النبي ﷺ أن ينبه به وبالزعفران على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم اهـ وفي معناه العصفر- وهو نبت يتخذ من زهرة الصبغ الأصفر له حب يؤكل بعد قليه مع البن، كثير في الحبشة يزرع مع الطيف في الأروميا صوفي، والمانع للإحرام في الورس والزعفران الطيب وهو الرائحة الطيبة لكونه داعيًا إلى الجماع لا اللون وهو موجود فيه وفي الزعفران لا في غيرهما من أنواع الصبغ، وإنما فيه الزينة والمحرم ليس بممنوع منها كما حقق في محله. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ٢ و ٤٧]، والبخاري [١٣٣]، وأبو داود [١٧٣٧]، والترمذي [٨٣١]، والنسائي [٥/ ٢٢]، وابن ماجه [٢٩١٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٦٧٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب) النسائي (كلهم) أي كل من الثلاثة (عن) سفيان (ابن عيينة) الهلالي الكوفي (قال يحيى أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم) بن عبد الله بن عمر (عن أبيه) عبد الله ﵁ وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة سالم لنافع (قال) ابن عمر (سئل النبي ﷺ ما يلبس المحرم قال) رسول الله ﷺ (لا يلبس) الرجل (المحرم القميص ولا
стр. 5309
الْعِمَامَةَ، ولا الْبُرْنُسَ، ولا السَّرَاويلَ، ولا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسْ ولا زَعْفَرَان ولا الْخُفَّينِ. إِلَّا أَنْ لا يَجدَ نَعْلَينِ فَلْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أَسفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ".
٢٦٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّهُ قَال: نَهَى رَسُول اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ. وَقَال:
ــ
العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران) بالصرف لما مر (ولا) يلبس (الخفين إلا أن لا يجد نعلين) حسًّا أو شرعًا كما مر (فليقطعهما) وجوبًا (حتى يكونا أسفل من الكعبين) وكرر المتن لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في سوق الكلمات.
قال القرطبي: قوله (ولا ثوبًا مسه زعفران وورس) هذا مما أجمعت الأمة عليه لأن الزعفران والورس من الطيب واستعمالهما ينافي بذاذة الحاج وشعثه المطلوب منه، وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوى في المنع منهما الرجال والنساء وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك وأبي حنيفة ولم يرها الثوري ولا الشافعي وإسحاق وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر ولم يره مالك ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المفدم منه أي المشبع بالصبغ، واختلف عنه هل على لابسه فدية أم لا؟ وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٢٦٧٥ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم مولى ابن عمر أبي عبد الرحمن المدني، ثقة، من (٤) (عن ابن عمر ﵄ وهذا السند من رباعياته، غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن دينار لنافع وسالم (أنه) أي أن ابن عمر (قال نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم) والمحرمة (ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو ورس، وقال) رسول الله صلى الله
стр. 5310
"مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَينِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّينِ. وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ".
٢٦٧٦ - (١١٥٠) (٧٠) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانِيُّ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمادُ بْنُ زيد، عَنْ عَمْرو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: "السرَاويلُ، لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ. وَالْخُفَّانِ، لِمَنْ لَم يَجِدِ النَّعْلَينِ" يَعْنِي الْمُحْرِمَ
ــ
عليه وسلم: (من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٦٧٦ - (١١٥٠) (٧٠) (حدثنا يحيى بن يحيى وأبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (جميعًا) أي كلهم (عن حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (قال يحيى أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن جابر بن زيد) الأزدي أبي الشعثاء البصري صاحب ابن عباس مشهور بكنيته، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من خماسياته أربعة منهم بصريون وواحد طائفي أو ثلاثة بصريون وواحد إما نيسابوري أو بلخي (قال) ابن عباس (سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب يقول: السراويل) أي لبسه جائز (لمن) أي للرجل المحرم الذي (لم يجد الإزار) حسًّا أو شرعًا (والخفان) أي لبسهما جائز (لمن) أي للرجل المحرم الذي (لم يجد النعلين) حسًّا أو شرعًا، وقوله (يعني) النبي ﷺ بقوله لمن لم يجد في الموضعين الرجل (المحرم) لا المحرمة سواء كان إحرامه حجًّا أو عمرة، كلام مدرج من بعض الرواة تفسيرًا للموصول المبهم في قوله لمن والله أعلم.
وظاهره جواز لبس السراويل للمحرم الفاقد الإزار كما هو مذهب الشافعي وأحمد، وأما عند الأحناف ومالك فلا يلبسه وإنما يشقه ويأتزر به عند الضرورة ولو لبسه من غير شق فعليه دم وكذلك الخفاف فلا يلبسهما المحرم إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين، قال القاري: (قوله السراويل لمن لم يجد الإزار) الخ أي وليس عليه فدية وهو
стр. 5311
٢٦٧٧ - (٠٠) (٠٠) حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ) ح وَحَدثَنِي أَبُو غَسَّانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. قَالًا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ؛ أَنهُ سَمِعَ النَّبِي ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. فَذَكَرَ هذَا الْحَدِيثَ
ــ
قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له لبس السراويل، فقيل يشقه ويأتزر به ولو لبسه من غير فتق فعليه دم، وقال الرازي: يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الإزار ولا يلزم منه عدم لزوم الدم لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الفدية كالحلق للأذى ولبس المخيط للعذر، وقد صرح في الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الفدية وليس في الحديث أنه يلزمه فتق السراويل حتى يصير غير مخيط كما قال به أبو حنيفة قياسًا على الخفين، وأما اعتراض الشافعية بأن فيه إضاعة مال فمردود بما تقدم، نعم لو فرض أنه بعد الفتق لا يستر العورة يجوز له لبسه من غير فتق بل هو متعين واجب إلا أنه يفدي، وأما قول ابن حجر وعن أبي حنيفة ومالك امتناع لبس السراويل على هيئته مطلقًا فغير صحيح عنهما اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
٢٦٧٧ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد يعني ابن جعفر ح وحدثني أبو غسان الرازي) محمد بن عمرو التميمي المعروف بزنيج مصغرًا، ثقة، من (١٠) (حدثنا بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) (قالا جميعًا) أي قال محمد بن جعفر وبهز (حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار بهذا الإسناد) يعني عن جابر بن زيد عن ابن عباس. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لحماد بن زيد (أنه) أي أنه ابن عباس (سمع النبي ﷺ يخطب بعرفات) بزيادة عرفات هنا (فذكر) شعبة (هذا الحديث) السابق الذي رواه حماد بن زيد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:
стр. 5312
٢٦٧٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِي بْنُ خَشْرَمٍ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدثَنِي عَلِي بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيوبَ. كُل هؤُلاءِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، غَيرُ شُعْبَةَ وَحْدَه.
٢٦٧٩ - (١١٥١) (٧١) وحدثنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيرٌ. حَدَّثَنَا أَبو الزبَيرِ، عَنْ جَابِرِ رضي الله
ــ
٢٦٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان) الثوري (ح وحدثنا علي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق الهمداني الكوفي (عن) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي (ح وحدثني علي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة، من (٩) (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية البصري (عن أيوب) السختياني كل هرلاء) المذكورين من ابن عيينة وهشيم وسفيان الثوري وابن جريج وأيوب السختياني رووا (عن عمرو بن دينار) غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة المذكورين لحماد بن زيد في رواية هذا الحديث عن عمرو بن دينار (بهدا الإسناد) يعني عن جابر بن زيد عن ابن عباس (ولم يذكر أحد منهم) أي من الخمسة المذكورين لفظة (يخطب بعرفات غير شعبة وحده).
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن عبد الله ﵃ فقال:
٢٦٧٩ - (١١٥١) (٧١) (وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس) التميمي الكوفي، ثقة، من (١٠) (حدثنا زهير) بن معاوية الجعفي أبو خيثمة الكوفي (حدثنا أبو الزبير) المكي محمد بن مسلم الأسدي (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني (رضي الله) تعالى (عنهـ) ـما. وهذا السند من رباعياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد مدني وواحد
стр. 5313
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَينِ فَلْيَلْبَسْ خُفينِ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاويلَ".
٢٦٨٠ - (١١٥٢) (٧٢) حدثنا شَيبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أبِي
ــ
مكي (قال) جابر (قال رسول الله ﷺ من لم يجد نعلين فليلبس خفين) بشرط أن يقطعهما أسفل من الكعبين حملًا للمطلق هنا على المقيد في حديث ابن عمر (ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل) وقال الحنابلة: ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل، ومتى وجد إزارًا خلعه أو نعلين لبس خفين، ويحرم قطعهما، واستدلوا بحديث ابن عباس وجابر: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين" وليس في حديثهما ذكر القطع، وقالوا: قطعهما إضاعة مال، قالوا: وإن حديث ابن عمر المصرح بقطعهما منسوخ، وأجيب: بأنه لا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بأنه أصح الأسانيد، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه، وبأنه يجب حمل حديث ابن عباس وجابر على حديث ابن عمر لأنهما مطلقان وفي حديث ابن عمر زيادة لم يذكراها يجب الأخذ بها، وبأن إضاعة المال إنما تكون في المنهي عنه لا فيما أذن فيه، والأمر في قوله فليلبس الخفين للإباحة لا للوجوب، والسر في تحريم المخيط وغيره مما ذكر مخالفة العادة والخروج عن المألوف لإشعار النفس بأمرين الخروج عن الدنيا والتذكر للبس الأكفان عند نزع المخيط وتنبيهها على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأساسها وأركانها وشرائطها وآدابها اهـ قسطلاني، وحديث جابر هذا انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى اهـ تحفة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث يعلى بن أمية ﵁ وإن دل عليه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ضمنًا لا صريحًا فقال:
٢٦٨٠ - (١١٥٢) (٧٢) (حدثنا شيبان بن فروخ) الحبطي الأبلي، صدوق، من (٩) (حدثنا همام) بن يحيى بن دينار الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا عطاء بن أبي
стр. 5314
رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ. عَلَيهِ جُبَّةٌ وَعَلَيهَا خَلُوقٌ (أَوْ قَال: أَثَرُ صُفْرَةٍ)
ــ
رباح) اسمه أسلم القرشي مولاهم أبو محمد اليماني المكي، ثقة، من (٣) (عن صفوان بن يعلى بن أمية) التميمي المكي، ثقة، من (٣) (عن أبيه) يعلى بن أمية بن عبيد بن همام بن الحارث التميمي حليف قريش وهو يعلى ابن منية -بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة- وهي اسم أمه، وقيل اسم جدته، المكي الصحابي المشهور ﵁ من مسلمة الفتح. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون وواحد بصري وواحد أبلي، وفيه رواية تابعي عن تابعي وولد عن والد (قال) يعلى بن أمية (جاء رجل) لم أر من ذكر اسمه قاله ابن حجر، لكن ذكر ابن فتحون في الذيل عن تفسير الطرطوشي: أن اسمه عطاء بن منية، قال ابن فتحون: فإن ثبت ذلك فهو أخو يعلى الراوي اهـ قسطلاني (إلى النبي ﷺ وهو) أي والحال أنه ﷺ (بالجعرانة) بكسر الجيم والعين وتشديد الراء، قال البكري: كذا يقول العراقيون، ومنهم من يخفف الراء ويكسر الجيم ويسكن العين، وكذلك الخلاف في الحديبية وهي موضع بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب، وقال ابن الأثير: وهي قريب إلى مكة، وهي في الحل وميقات الإحرام، وقال ياقوت: وهي غير الجعرانة التي بأرض العراق، قال سيف بن عمر: نزل المسلمون فيها لقتال الفرس، فقال يوسف بن ماهان: اعتمر بها ثلاثمائة نبي عليهم الصلاة والسلام يعني الجعرانة التي بقرب مكة كذا في عمدة القاري، وقال القاري: الجعرانة موضع معروف أحرم منه النبي ﷺ بالعمرة، وهي أفضل من التنعيم عند الشافعية خلافًا لأبي حنيفة بناء على أن الدليل القولي أقوى عنده لأن القول لا يصدر إلا عن قصد، والفعل يحتمل أن يكون اتفاقيًا لا قصدًا، وقد أمر ﷺ عائشة أن تعتمر من التنعيم وهو أقرب المواضع إلى الحرم اهـ فتح (عليه) أي على ذلك الرجل (جبة) بضم الجيم وتشديد الموحدة المفتوحة قباء طويل محشو يلبس للبرد (وعليها) أي وعلى تلك الجبة (خلوق) بفتح الخاء وضم اللام؛ نوع من الطيب مركب من زعفران وغيره (أو قال) يعلى: عليه (أثر صفرة) أي أثر طيب لون صفرة أي بقيته، والشك من صفوان أو ممن دونه، ثم إن
стр. 5315
فَقَال: كَيفَ تَأمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَال: وَأُنْزِلَ عَلَى النبي ﷺ الْوَحْيُ. فَسُتِرَ بِثَوْبٍ. وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَني أَرَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ نَزَلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ. قَال: فَقَال: أيَسُرُّكَ أنْ تَنْظُرَ إِلَى النبِيِّ ﷺ وَقَدْ أنْزِلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ؟ قَال: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ. فَنَظَرْتُ إِلَيهِ لَهُ غَطِيطٌ. (قَال: وَأَحْسَبُهُ قَال) كَغَطِيطِ الْبَكْرِ
ــ
الخلوق كما يظهر من الرواية الآتية كان بجسد هذا الرجل لا بجبته، ولعله لكثرته ظهر أثره على جثته ولهذا أمره ﷺ بغسل ما على جسده وبنزع جبته وإلا لكان في نزعها كفاية عن الغسل (فقال) الرجل (كيف تأمرني) يا رسول الله بـ (أن أصنع) وأعمل (في عمرتي) في التجرد من محظورات الإحرام، وفي الإتيان بمأموراته (قال) يعلى (وأنزل على النبي ﷺ الوحي) قال الأبي: والظاهر من سياق الأحاديث أن نزول الوحي سببه هذه القضية، قال النواوي: وقد يحتج به من يقول أنه ﷺ لا يحكم باجتهاده، وقد يجاب بأنه اجتهد ولم يظهر له حكم ما سئل عنه أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد اهـ (فستر) رسول الله ﷺ عن الناس (بثوب) قد أظل عليه، والظاهر أن الساتر له عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي بيانه في الرواية الآتية، قال الأبي: إن الساتر له عمر ﵁ وستره إياه أنه بإذن سابق أو مقارن أو باجتهاده ﵁ (وكان يعلى) بن أمية (يقول) قبل ذلك اليوم لعمر بن الخطاب: والله قد (وددت) وأحببت وتمنيت يا عمر (أني أرى) وأنظر (النبي ﷺ و) الحال أنه (قد نزل عليه الوحي) من الله تعالى (قال) يعلى (فـ) لما نزل عليه الوحي (قال) لي عمر بن الخطاب (أيسرك) يا يعلى؛ أي هل يبشرك يا يعلى (أن تنظر) وتبصر (إلى النبي ﷺ و) الحال أنه (قد أنزل عليه الوحي قال) يعلى فقلت لعمر: نعم يسرني ذلك (فـ) لما قلت له: نعم يسرني ذلك (رفع عمر) بن الخطاب (طرف الثوب) الذي أظل عليه وذيله فأدخلت رأسي مع عمر في المظلة (فنظرت إليه) ﷺ وهو في ثقل الوحي (له غطيط) أي صوت مردد في صدره كصوت النائم الذي يردد صوته في صدره مع نفسه (قال) صفوان (وأحسبه) أي وأحسب يعلى وأظنه (قال) له غطيط (كغطيط البكر) بفتح الباء الموحدة وهو الفتي من الإبل -أي الشاب- والبكرة الفتاة، والقلوص بمنزلة الجارية، والبعير كالإنسان، والناقة
стр. 5316
قَال: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَال: "أَينَ السائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصفْرَةِ (أَوْ قَال: أَثَرَ الْخَلُوقِ) وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ. وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانعٌ فِي حَجِّكَ"
ــ
كالمرأة، والجمل كالرجل اهـ فتح الملهم، فإن قيل إذا كان الحكم الستر له ﷺ كما تقدم، فلم أقدم عمر على رفع الثوب وقد علمت اختلافهم عند موته ﷺ هل يغتسل دون ثوب أم لا؟ حتى سمعوا: اغسلوه في ثوبه.
[قلت] يحتمل أنه أيضًا بإذن سابق أو باجتهاد وليس رؤية وجهه كتجريده من الثوب للغسل كذا قال الأبي رحمه الله تعالى، وقال النووي: رفع عمر الثوب وإدخال أبي يعلى رأسه كله محمول على أنهم علموا أنه ﷺ لا يكره الاطلاع عليه في تلك الحال لأن فيها تقوية للإيمان بالاطلاع على الوحي اهـ، وقوله (له غطيط) هو صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى عليه في صدره وسبب ذلك شدة ثقل الوحي كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ قال الأبي: قد قدمنا حقيقة الوحي وانقسامه في كتاب الإيمان وما هو الأشد من تلك الأقسام فلعل ذلك الأشد هو الذي يغط له اهـ، وفيه أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة أشار إليه ابن المنير رحمه الله تعالى (قال) يعلى (فلما سري) بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف وأزيل (عنه) ﷺ ما يراه من ثقل الوحي (قال) رسول الله ﷺ (أين السائل) لي (عن) حكم (العمرة) من واجباته ومحظوراته؟ فقال الرجل: أنا السائل يا رسول الله، فقال له (اغسل عنك أثر الصفرة) وهذا أعم من أن يكون بثوبه أو بدنه (أو قال) له النبي ﷺ اغسل عنك (أثر الخلوق) والشك من يعلى أو ممن دونه (واخلع عنك جبتك واصنع) أي وافعل (في) إتمام (عمرتك) وأعمالها (ما) أي أعمالًا (أنت صانعـ) ها (في) أداء (حجك) أي بعضها من الطواف والسعي والحلق لأن الوقوف والمبيت والرمي ليس فيها.
قال العيني: اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام واستدامته فكرهه قوم ومنعوه منهم مالك ومحمد بن الحسن، ومنعهما عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وعطاء والزهري، وخالفهم في ذلك آخرون فأجازوه منهم أبو حنيفة والشافعي تمسكًا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: طيبت رسول الله ﷺ بيدي
стр. 5317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لحرمه حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. قالا: وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه لأن ذلك الطيب كان زعفرانًا وقد نهى الرجال عن الزعفران، وجواب آخر بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث وهي في سنة ثمان بلا خلاف وحديث عائشة المذكور كان في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ من أمره ﷺ بالآخر فالآخر، واستدل بحديث الباب على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو جاهلًا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمته، وعن أبي حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه تجب مطلقًا، وقال ابن بطال: لو لزمته الفدية لبينها النبي ﷺ أي في حديث الباب لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وفرق مالك فيمن تطيب وليس ناسيًا بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى، والشافعي أشد موافقة للحديث لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، وقول مالك فيه احتياط، وأما قول الكوفيين والمزني فمخالف لهذا الحديث، وأجاب ابن المنير في الحاشية بان الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم ولهذا انتظر النبي ﷺ الوحي قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفديته عما مضى بخلاف من لبس الًان جاهلًا فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، وقد تمكن منه اهـ فتح، قوله (واخلع عنك جبتك) أي وانزعها استدل به على أن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه خلافًا للنخعي والشعبي حيث قالا: لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيًا لرأسه أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة، وقد وقع عند أبي داود بلفظ: اخلع عنك الجبة فخلعها من قبل رأسه كذا في الفتح، قوله (واصنع في عمرتك ما أنت صانع) الخ من اجتناب المحرمات فالحديث دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك، قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة فأخبره النبي ﷺ أن مجراها واحد، وقال النواوي: إنه ﷺ أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وهيئاتها وإظهار التلبية وغير ذلك مما يشترك فيه الحج والعمرة، ويخص من عمومه ما لا
стр. 5318
٢٦٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبيهِ. قَال: أتَى النَّبِي ﷺ رَجُلٌ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ. وَأَنَا عِنْدَ النَّبِي ﷺ . وَعَلَيهِ مُقَطَّعَاتٌ (يَعْني جُبَّةً). وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ. فَقَال: إِنِّي أحْرَمْتُ
ــ
يدخل في العمرة من أفعال الحج كالوقوف والرمي والمبيت بمنى ومزدلفة وغير ذلك اهـ، وقال ابن المنير في الحاشية: قوله (واصنع) معناه واترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعلي اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٢٢٢]، والبخاري [١٥٣٦]، وأبو داود [١٨١٩]، والترمذي [٨٣٦]، والنسائي [٥/ ١٣٠ و ١٣٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث يعلى ﵁ فقال:
٢٦٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد (ابن أبي عمر) العدني المكي (قال حدثنا سفيان) بن عيينة الكوفي (عن عمرو) بن دينار الجمحي المكي (عن عطاء) بن أبي رباح اليماني المكي، من (٣) (عن صفوان بن يعلى) التميمي المكي (عن أبيه) يعلى بن أمية التميمي المكي ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عمرو بن دينار لهمام بن يحيى في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح (قال) يعلى (أتى النبي ﷺ رجل وهو) ﷺ (بالجعرانة وأنا) يريد يعلى نفسه (عند النبي ﷺ إظهار في مقام الإضمار لقصد التلذذ (وعليه) أي والحال أنه على ذلك الرجل (مقطعات) أي نوع من الثياب المخيطة بفتح الطاء المشددة من التقطيع بمعنى التفصيل لأن كل جزء منها قطعت وفصلت على قدر كل عضو من أعضاء الجسد كاليد والظهر والصدر والإبط مثلًا، ثم خيطت وركبت فصارت مخيطة وتسميتها مقطعات بالنظر إلى ما قبل الخياطة وأوضحها صفوان أو من دونه (يعني) يعلى بالمقطعات (جبة) أي عليه جبة (وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (متضمخ) بالضاد والخاء المعجمتين أي متلوث (بالخلوق) مكثر منه وهو بفتح الخاء المعجمة أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران اهـ من المفهم، وقوله (فقال) معطوف على أتى أي أتى النبي ﷺ رجل وهو متضمخ طيبًا، فقال له (إني أحرمت) يا رسول الله
стр. 5319
بِالْعُمْرَةِ وَعَلَى هذَا. وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالخَلُوقِ. فَقَال لَهُ النبِي ﷺ : "مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ؟ " قَال: أَنْزع عَني هذِهِ الثيَابَ. وَأَغْسِلُ عَني هذَا الْخَلُوقَ. فَقَال لَهُ النبي ﷺ : "مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عمْرَتِكَ".
٢٦٨٢ - (٠٠) (٠٠) حدثني زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيد. أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
ــ
(بالعمرة وعليّ هذا) المخيط يعني الجبة (وأنا متضمخ) أي متلطخ (بالخلوق) فماذا ترى يا رسول الله في شأني هذا (فقال له) أي للرجل (النبي ﷺ مستفهمًا له (ما كنت صانعًا في حجك) أي أي شيء كنت تصنع وتجتنب عنه في حجك (قال) الرجل في جواب استفهام النبي ﷺ (انزع) واخلع (عني) أي عن بدني في حجي (هذه الثياب) المقطعات (واغسل عني) أيضًا في حجي (هذا الخلوق) الذي تضمخت به (فقال له النبي ﷺ ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك) وهذا سياق حسن ومعنى واضح، تلخيصه أن الرجل كان يعرف أن المحرم بالحج يجتنب المخيط والطيب وظن أن حكم المحرم بالعمرة ليس كذلك فلبس وتطيب ثم أحرم وهو كذلك، ثم وقع في نفسه من ذلك شيء فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال له: "ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" يعني من اجتناب ما كنت تجتنبه فيه، وهذا معنى واضح ومساق حسن للحديث فليغتبط به، وقد يستدل به للشافعي على قوله: إنه لا فدية على المتضمخ المحرم ولا على اللابس إذ لم يرو في طريق من طرق هذا الحديث أنه أمره بفدية اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث يعلى بن أمية ﵁ فقال:
٢٦٨٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثني زهير بن حرب) النسائي (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم المعروف بابن علية الأسدي البصري، ثقة، من (٨) (ح وحدثنا عبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (أخبرنا محمد بن بكر) الأزدي البرساني البصري، صدوق، من (٩) (قالا) أي قال كل من إسماعيل ومحمد بن بكر (أخبرنا ابن
стр. 5320
جرَيجٍ. ح وَحَدثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عِيسى، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ؛ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَه؛ أن يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: لَيتَنِي أَرَى نَبِي اللهِ ﷺ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيهِ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِي ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ. وَعَلَى النَّبِي ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ عَلَيهِ. مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أصْحَابِهِ. فِيهِمْ عُمَرُ. إِذْ جَاءَهُ رَجُل عَلَيهِ جُبَّةُ صُوفٍ. مُتَضَمِّخ بِطِيبٍ
ــ
جريج ح وحدثنا علي بن خشرم) بوزن جعفر بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال الهلالي أبو الحسن المروزي، ثقة، من (١٠) (واللفظ) الآتي (له) أي لعلي بن خشرم (أخبرنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن ابن جريج، قال أخبرني عطاء) بن أبي رباح (أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره) أي أخبر عطاء (أن يعلى) بن أمية (كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁ وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لهمام بن يحيى في رواية هذا الحديث عن عطاء أي قال يعلى لعمر (ليتني) أن (أرى نبي الله ﷺ أي أتمنى وأحب رؤية رسول الله ﷺ (حين ينزل عليه) الوحي ليزداد إيماني (فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة) منصرفه من حنين؛ وهي موضع قريب إلى مكة ميقات لإحرام العمرة (وعلى النبي ﷺ ثوب قد أظل) بضم أوله وكسر الظاء المعجمة، ومعنى قد أظل (به) أي بذلك الثوب (عليه) أي على النبي ﷺ أي جعل كالمظلة التي يظلل بها من الشمس، ووقع عند الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم أن الآية نزلت على النبي ﷺ حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ويستفاد منه أن المأمور به وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة كذا في الفتح. [قلت] ولكن المشهور أن الآية نزلت في سنة ست في الحديبية والنظم يؤيده، وقصة الباب كانت بالجعرانة في منصرفه ﷺ من حنين وذلك في سنة ثمان كما ذكره ابن حزم وغيره والله أعلم (معه) ﷺ (ناس من أصحابه فيهم عمر) بن الخطاب ﵁ (إذ جاءه) ﷺ (رجل عليه جبة صوت متضمخ) أي متلطخ (بطيب) وإذ فجائية رابطة لجواب لما؛ والمعنى فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة فاجأه مجيء رجل عليه جبة
стр. 5321
فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُل أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِي ﷺ سَاعَةً. ثُم سَكَتَ. فَجَاءَهُ الْوَحْيُ. فَأشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أمَيةَ: تَعَال. فَجَاءَ يَعْلَى. فَأدْخَلَ رَأسَهُ. فَإذَا النَّبِي ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ. يَغِطُّ سَاعَةً. ثم سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَال: "أَينَ الَّذِي سَألَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرجُلُ، فَجِيءَ بِهِ. فَقَال النَّبِيّ ﷺ : "أَما الطِّيبُ الذِي بِكَ، فَاغسِلْهُ ثَلاثَ مَرات
ــ
صوف (فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب) وهذا يدل على أن السؤال إنما وقع عن استدامة الطيب بعد الإحرام لا عن استعماله عنده والله أعلم (فنظر إليه النبي ﷺ ساعة) أي زمنًا قليلًا (ثم سكت) النبي ﷺ عن رد جوابه انتظارًا للوحي (فجاءه) ﷺ (الوحي) أي حامل الوحي (فأشار عمر) ﵁ (بيده إلى يعلى بن أمية) بأن (تعال) أي بأن أقبل إلي (فجاء يعلى فأدخل رأسه) في المظلة كأنه علم أن ذلك لا يشق على النبي ﷺ والفاء في قوله (فإذا النبي ﷺ محمر الوجه) عاطفة على ما قبلها، وإذا فجائية أي فأدخل رأسه في المظلة ففاجأه كون النبي ﷺ محمر الوجه حالة كونه ﷺ (يغط ساعة) بفتح أوله وكسر الغين المعجمة وتشديد المهملة أي ينفخ من الغطيط، قال في المصباح: يقال غط يغط غطيطًا من باب ضرب نظير عز إذا تردد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى سمعه من حوله وسبب ما طرأ عليه ﷺ من احمرار الوجه والغطيط حالة الوحي ثقله وشدته قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (ثم سري) بالبناء للمجهول أي كشف وأزيل (عنه) ﷺ ما يجده من ثقل الوحي (فقال) رسول الله ﷺ (أين) الرجل (الذي سألني عن) حكم (العمرة) أي عن مأموراته ومحظوراته (آنفًا) أي في الزمن القريب (فالتمس) أي طلب (الرجل) السائل (فجيء به) إلى النبي ﷺ (فقال) له (النبي ﷺ : أما الطيب الذي بك فاغسله) عنك (ثلاث مرات) مبالغة في الإنقاء، قال القرطبي: فيه دليل على المبالغة في غسله حتى يذهب ريحه وأثره لا أن ثلاثًا حد في هذا الباب، ويحتمل أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله (فاغسله) فكأنه قال اغسله اغسله اغسله يدل على صحته ما قد روي من عادته صلى الله
стр. 5322
وَأَمَّا الْجُبَّةُ، فَانْزِعْهَا. ثم اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ".
٢٦٨٣ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمي وَمُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ (وَاللفْظُ لابْنِ رَافِعٍ) قَالا: حَدَّثنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ. حَدَّثَنَا أَبِي
ــ
عليه وسلم في كلامه فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات اهـ من المفهم، وفي صحيح البخاري قلت: لعطاء أراد الإبقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. وفي الفتح: القائل هو ابن جريج وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله ثلاث مرات من لفظ النبي ﷺ لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه ﷺ أعاد لفظة اغسله مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه نبه عليه عياض رحمه الله تعالى، وفي رواية أبي داود أمره أن ينزعها نزعًا ويغسلها مرتين أو ثلاثًا، قال النواوي رحمه الله تعالى: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيده قوله متضمخ اهـ فتح الملهم (وأما الجبة فانزعها) بكسر الزاي أي اخلعها فورًا وأخرجها، وفي هذا رد على الشعبي والنخعي حيث قالا: إن ذلك الثوب يشق لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه والمحرم ممنوع من تغطية رأسه وهذا ليس بشيء لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها فصار هذا الخلع مأمورًا به فلا يكون هو الذي نهي عنه المحرم، ويجري هذا مجرى من حلف أن لا يلبس ثوبًا هو لابسه ولا يركب دابة هو راكبها، وأيضًا فإن هذه التغطية لا ينتفع بها فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم فأنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى (ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك) وهذا يدل على أن المأمور به من الأعمال ما زاد على الغسل والنزع، وقد تقدم بسط الكلام في هذا.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث يعلى ﵁ فقال:
٢٦٨٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عقبة بن مكرم) بصيغة اسم مفعول من أكرم ولا تعبأ بما قاله السنوسي هنا من أنه من التكريم (العمي) البصري، ثقة، من (١١) (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري (واللفظ لابن رافع قالا حدثنا وهب بن جرير بن حازم) الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) جرير بن حازم الأزدي البصري،
стр. 5323
قَال: سَمِعْتُ قَيسًا يُحَدِّثُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعلَى بْنِ أميةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁؛ أن رَجُلًا أَتَى النبي ﷺ وَهوَ بِالْجِعْرَانَةِ. قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأسَهُ وَعَلَيهِ جُبَّة. فَقَال: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. وَأَنَا كَمَا تَرَى. فَقَال: "انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ. وَاغسِلْ عَنْكَ الصُّفرَةَ. وَمَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ".
٢٦٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ
ــ
ثقة، من (٦) (قال) جرير بن حازم (سمعت قيسًا) ابن سعد الحنفي الحبشي أبا عبد الله المكي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (يحدّث عن عطاء) بن أبي رباح المكي (عن صفوان بن يعلى بن أمية) التميمي المكي (عن أبيه) يعلى بن أمية ﵁ وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مكيون وثلاثة بصريون أو بصريان ونيسابوري، غرضه بسوقه بيان متابعة قيس بن سعد لابن جريج (أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة قد أهل) وأحرم (بالعمرة) أصل الإهلال رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا (وهو مصفر لحيته ورأسه) أي مزعفرهما أو صابغهما بصفرة وهي نوع من الطيب فيه صفرة، ويسمى خلوقًا وهو بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الفاء المشددة اسم فاعل من التصفير ولحيته بالنصب مفعول به (وعليه جبة فقال) الرجل (يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى) أي على ما تراه من تصفير اللحية والرأس ولبس الجبة (فقال) له رسول الله ﷺ (انزع) بكسر الزاي من باب ضرب أي اخلع (عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعًا في حجك) من فعل المأمورات واجتناب المحظورات (فاصنعه في عمرتك) لأن أحكامهما واحدة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث يعلى بن أمية ﵁ فقال:
٢٦٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج النيسابوري أبو يعقوب التميمي، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرنا أبو علي) البصري (عبيد الله بن عبد المجيد) الحنفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب
стр. 5324
حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءً قَال: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: كُنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأتَاهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةٌ. بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِني أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. فَكَيفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ، يُظِلُّهُ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ ﵁: إِني أحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ، أَنْ أدْخِلَ رَأسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ. فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ، خَمَّرَهُ
ــ
(حدثنا رباح بن أبي معروف) بن أبي سارة المكي، روى عن عطاء بن أبي رباح في الحج والبيوع، ومجاهد، ويروي عنه (م ت س) وأبو علي عبيد الله بن عبد المجيد وأبو عامر العقدي والثوري، قال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح، وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقشف ولزوم الورع، وكان يهم في الشيء بعد الشيء، وقال ابن عدي: ما أرى برواياته بأسًا ولم أجد له شيئًا منكرًا، وقال أحمد: كان صالحًا، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من السابعة، وليس في مسلم من اسمه رباح إلا هذا (قال) رباح (سمعت عطاء) بن أبي رباح المكي (قال أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مكيون وواحد بصري وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة رباح بن أبي معروف لابن جريج في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح (قال) يعلى (كنا مع رسول الله ﷺ فأتاه) ﷺ (رجل عليه جبة بها) أي بتلك الجبة (أثر من خلوق) أي رائحته الفائحة (فقال) الرجل (يا رسول الله إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل) فيها أي فعلى أي حال أفعلها في مأموراتها ومحظوراتها (فسكت) رسول الله ﷺ (عنه) أي عن رد جوابه (فلم يرجع إليه) شيئًا من الجواب وهو تفسير للسكوت أي سكت عن جوابه انتظارًا للوحي (وكان عمر) بن الخطاب (يستره) ﷺ عن الناس (إذا نزل عليه الوحي) وقوله (يظله) ﷺ بضم أوله وكسر ثانيه من أظل الرباعي حال من فاعل يستره أي يستره عمر حالة كونه يظله أي يجعل عليه الثوب كالظلة التي يستظل بها، قال يعلى بن أمية (فقلت لعمر ﵁ أولًا (إني أحب) وأتمنى (إذا أنزل عليه) ﷺ (الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب) الذي ستر به عن الناس لأنظر إليه في حالة الوحي (فلما أنزل عليه) الوحي في ذلك اليوم (خمّره) صلى الله
стр. 5325
عُمَرُ ﵁ بِالثوْبِ. فَجِئْتُهُ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثوبِ. فَنَظَرْتُ إِلَيهِ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَال: "أَينَ السائِلُ آنِفًا عَنِ الْعُمْرَةِ؟ " فَقَامَ إِلَيهِ الرجُلُ. فَقَال: "انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ. وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الذِي بِكَ. وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّك"
ــ
عليه وسلم من التخمير؛ أي غطاه وستره (عمر ﵁ بالثوب) عن الناس، قال الأبي: الظاهر من سياق الأحاديث أن نزول الوحي كان سببه القضية، قال النووي: وقد يحتج به من يقول إنه لا يحكم باجتهاده، وقد يجاب بأنه لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد اهـ قال يعلى قال لي عمر: تعال (فجئته) أي فجئت عمر (فأدخلت رأسي معه) أي مع عمر (في الثوب) الذي ستره به لأنظر النبي ﷺ حالة نزول الوحي عليه (فنظرت إليه) ﷺ وهذا محمول على أن عمر ويعلى علما أنه ﷺ لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم، فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يغط من شدة ثقل الوحي كما في رواية البخاري (فلما سُرِّي) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة أي فلما كشف وأزيل (عنه) ﷺ ما تغشاه من ثقل الوحي شيئًا فشيئًا، يقال سروت الثوب وسريته نزعته، والتشديد أكثر لإفادة التدريج (قال) النبي ﷺ (أين السائل) لي (آنفًا) أي في الزمن القريب (عن) أحكام (العمرة فقام إليه) ﷺ (الرجل) السائل (فقال) له النبي ﷺ (انزع) أي اخلع (عنك جبنك واغسل أثر الخلوق) أي بقيته (الذي) بقي وعلق (بك وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا) إياه (في حجك) من المأمورات والمحظورات والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد أيضًا، والرابع حديث يعلى ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم.
***
следующие страницы →