← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيفَ تَرَى فِي رَجُل أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِي ﷺ سَاعَةً. ثُم سَكَتَ. فَجَاءَهُ الْوَحْيُ. فَأشَارَ عُمَرُ بِيَدِهِ إِلَى يَعْلَى بْنِ أمَيةَ: تَعَال. فَجَاءَ يَعْلَى. فَأدْخَلَ رَأسَهُ. فَإذَا النَّبِي ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ. يَغِطُّ سَاعَةً. ثم سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَال: "أَينَ الَّذِي سَألَنِي عَنِ الْعُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَالْتُمِسَ الرجُلُ، فَجِيءَ بِهِ. فَقَال النَّبِيّ ﷺ : "أَما الطِّيبُ الذِي بِكَ، فَاغسِلْهُ ثَلاثَ مَرات ــ صوف (فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب) وهذا يدل على أن السؤال إنما وقع عن استدامة الطيب بعد الإحرام لا عن استعماله عنده والله أعلم (فنظر إليه النبي ﷺ ساعة) أي زمنًا قليلًا (ثم سكت) النبي ﷺ عن رد جوابه انتظارًا للوحي (فجاءه) ﷺ (الوحي) أي حامل الوحي (فأشار عمر) ﵁ (بيده إلى يعلى بن أمية) بأن (تعال) أي بأن أقبل إلي (فجاء يعلى فأدخل رأسه) في المظلة كأنه علم أن ذلك لا يشق على النبي ﷺ والفاء في قوله (فإذا النبي ﷺ محمر الوجه) عاطفة على ما قبلها، وإذا فجائية أي فأدخل رأسه في المظلة ففاجأه كون النبي ﷺ محمر الوجه حالة كونه ﷺ (يغط ساعة) بفتح أوله وكسر الغين المعجمة وتشديد المهملة أي ينفخ من الغطيط، قال في المصباح: يقال غط يغط غطيطًا من باب ضرب نظير عز إذا تردد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى سمعه من حوله وسبب ما طرأ عليه ﷺ من احمرار الوجه والغطيط حالة الوحي ثقله وشدته قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (ثم سري) بالبناء للمجهول أي كشف وأزيل (عنه) ﷺ ما يجده من ثقل الوحي (فقال) رسول الله ﷺ (أين) الرجل (الذي سألني عن) حكم (العمرة) أي عن مأموراته ومحظوراته (آنفًا) أي في الزمن القريب (فالتمس) أي طلب (الرجل) السائل (فجيء به) إلى النبي ﷺ (فقال) له (النبي ﷺ : أما الطيب الذي بك فاغسله) عنك (ثلاث مرات) مبالغة في الإنقاء، قال القرطبي: فيه دليل على المبالغة في غسله حتى يذهب ريحه وأثره لا أن ثلاثًا حد في هذا الباب، ويحتمل أن ثلاثًا راجع إلى تكرار قوله (فاغسله) فكأنه قال اغسله اغسله اغسله يدل على صحته ما قد روي من عادته صلى الله

стр. 5322

وَأَمَّا الْجُبَّةُ، فَانْزِعْهَا. ثم اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ". ٢٦٨٣ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمي وَمُحَمدُ بْنُ رَافِعٍ (وَاللفْظُ لابْنِ رَافِعٍ) قَالا: حَدَّثنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ. حَدَّثَنَا أَبِي ــ عليه وسلم في كلامه فإنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث مرات اهـ من المفهم، وفي صحيح البخاري قلت: لعطاء أراد الإبقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. وفي الفتح: القائل هو ابن جريج وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله ثلاث مرات من لفظ النبي ﷺ لكن يحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه ﷺ أعاد لفظة اغسله مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه نبه عليه عياض رحمه الله تعالى، وفي رواية أبي داود أمره أن ينزعها نزعًا ويغسلها مرتين أو ثلاثًا، قال النواوي رحمه الله تعالى: إنما أمره بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة فإن حصلت بمرة كفت ولم تجب الزيادة ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيده قوله متضمخ اهـ فتح الملهم (وأما الجبة فانزعها) بكسر الزاي أي اخلعها فورًا وأخرجها، وفي هذا رد على الشعبي والنخعي حيث قالا: إن ذلك الثوب يشق لأنه إذا خلعه من رأسه غطى رأسه والمحرم ممنوع من تغطية رأسه وهذا ليس بشيء لأنا لا نسلم أن هذه التغطية منهي عنها لأنه لا ينفك عن المنهي إلا بها فصار هذا الخلع مأمورًا به فلا يكون هو الذي نهي عنه المحرم، ويجري هذا مجرى من حلف أن لا يلبس ثوبًا هو لابسه ولا يركب دابة هو راكبها، وأيضًا فإن هذه التغطية لا ينتفع بها فلا تكون هي المنهي عنها للمحرم فأنه إنما نهي عن تغطية ينتفع بها على ما يأتي إن شاء الله تعالى (ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك) وهذا يدل على أن المأمور به من الأعمال ما زاد على الغسل والنزع، وقد تقدم بسط الكلام في هذا. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث يعلى ﵁ فقال: ٢٦٨٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عقبة بن مكرم) بصيغة اسم مفعول من أكرم ولا تعبأ بما قاله السنوسي هنا من أنه من التكريم (العمي) البصري، ثقة، من (١١) (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري (واللفظ لابن رافع قالا حدثنا وهب بن جرير بن حازم) الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) جرير بن حازم الأزدي البصري،

стр. 5323

قَال: سَمِعْتُ قَيسًا يُحَدِّثُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعلَى بْنِ أميةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁؛ أن رَجُلًا أَتَى النبي ﷺ وَهوَ بِالْجِعْرَانَةِ. قَدْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. وَهُوَ مُصَفِّرٌ لِحْيَتَهُ وَرَأسَهُ وَعَلَيهِ جُبَّة. فَقَال: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. وَأَنَا كَمَا تَرَى. فَقَال: "انْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ. وَاغسِلْ عَنْكَ الصُّفرَةَ. وَمَا كُنتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ، فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ". ٢٦٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ــ ثقة، من (٦) (قال) جرير بن حازم (سمعت قيسًا) ابن سعد الحنفي الحبشي أبا عبد الله المكي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٤) أبواب (يحدّث عن عطاء) بن أبي رباح المكي (عن صفوان بن يعلى بن أمية) التميمي المكي (عن أبيه) يعلى بن أمية ﵁ وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مكيون وثلاثة بصريون أو بصريان ونيسابوري، غرضه بسوقه بيان متابعة قيس بن سعد لابن جريج (أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة قد أهل) وأحرم (بالعمرة) أصل الإهلال رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا (وهو مصفر لحيته ورأسه) أي مزعفرهما أو صابغهما بصفرة وهي نوع من الطيب فيه صفرة، ويسمى خلوقًا وهو بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الفاء المشددة اسم فاعل من التصفير ولحيته بالنصب مفعول به (وعليه جبة فقال) الرجل (يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى) أي على ما تراه من تصفير اللحية والرأس ولبس الجبة (فقال) له رسول الله ﷺ (انزع) بكسر الزاي من باب ضرب أي اخلع (عنك الجبة واغسل عنك الصفرة وما كنت صانعًا في حجك) من فعل المأمورات واجتناب المحظورات (فاصنعه في عمرتك) لأن أحكامهما واحدة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث يعلى بن أمية ﵁ فقال: ٢٦٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج النيسابوري أبو يعقوب التميمي، ثقة، من (١١) روى عنه في (١٧) بابا (أخبرنا أبو علي) البصري (عبيد الله بن عبد المجيد) الحنفي، صدوق، من (٩) روى عنه في (٥) أبواب

стр. 5324

حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ. قَال: سَمِعْتُ عَطَاءً قَال: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ ﵁. قَال: كُنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأتَاهُ رَجُلٌ عَلَيهِ جُبَّةٌ. بِهَا أَثَرٌ مِنْ خَلُوقٍ. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِني أَحْرَمْتُ بِعُمْرَةٍ. فَكَيفَ أَفْعَلُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ. فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ، يُظِلُّهُ. فَقُلْتُ لِعُمَرَ ﵁: إِني أحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ، أَنْ أدْخِلَ رَأسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ. فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَيهِ، خَمَّرَهُ ــ (حدثنا رباح بن أبي معروف) بن أبي سارة المكي، روى عن عطاء بن أبي رباح في الحج والبيوع، ومجاهد، ويروي عنه (م ت س) وأبو علي عبيد الله بن عبد المجيد وأبو عامر العقدي والثوري، قال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح، وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقشف ولزوم الورع، وكان يهم في الشيء بعد الشيء، وقال ابن عدي: ما أرى برواياته بأسًا ولم أجد له شيئًا منكرًا، وقال أحمد: كان صالحًا، وقال في التقريب: صدوق له أوهام، من السابعة، وليس في مسلم من اسمه رباح إلا هذا (قال) رباح (سمعت عطاء) بن أبي رباح المكي (قال أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه) يعلى بن أمية ﵁ وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مكيون وواحد بصري وواحد نيسابوري، غرضه بيان متابعة رباح بن أبي معروف لابن جريج في رواية هذا الحديث عن عطاء بن أبي رباح (قال) يعلى (كنا مع رسول الله ﷺ فأتاه) ﷺ (رجل عليه جبة بها) أي بتلك الجبة (أثر من خلوق) أي رائحته الفائحة (فقال) الرجل (يا رسول الله إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل) فيها أي فعلى أي حال أفعلها في مأموراتها ومحظوراتها (فسكت) رسول الله ﷺ (عنه) أي عن رد جوابه (فلم يرجع إليه) شيئًا من الجواب وهو تفسير للسكوت أي سكت عن جوابه انتظارًا للوحي (وكان عمر) بن الخطاب (يستره) ﷺ عن الناس (إذا نزل عليه الوحي) وقوله (يظله) ﷺ بضم أوله وكسر ثانيه من أظل الرباعي حال من فاعل يستره أي يستره عمر حالة كونه يظله أي يجعل عليه الثوب كالظلة التي يستظل بها، قال يعلى بن أمية (فقلت لعمر ﵁ أولًا (إني أحب) وأتمنى (إذا أنزل عليه) ﷺ (الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب) الذي ستر به عن الناس لأنظر إليه في حالة الوحي (فلما أنزل عليه) الوحي في ذلك اليوم (خمّره) صلى الله

стр. 5325

عُمَرُ ﵁ بِالثوْبِ. فَجِئْتُهُ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثوبِ. فَنَظَرْتُ إِلَيهِ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَال: "أَينَ السائِلُ آنِفًا عَنِ الْعُمْرَةِ؟ " فَقَامَ إِلَيهِ الرجُلُ. فَقَال: "انْزِعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ. وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ الذِي بِكَ. وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِكَ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فِي حَجِّك" ــ عليه وسلم من التخمير؛ أي غطاه وستره (عمر ﵁ بالثوب) عن الناس، قال الأبي: الظاهر من سياق الأحاديث أن نزول الوحي كان سببه القضية، قال النووي: وقد يحتج به من يقول إنه لا يحكم باجتهاده، وقد يجاب بأنه لم يظهر له بالاجتهاد حكم ذلك أو أن الوحي بدره قبل تمام الاجتهاد اهـ قال يعلى قال لي عمر: تعال (فجئته) أي فجئت عمر (فأدخلت رأسي معه) أي مع عمر (في الثوب) الذي ستره به لأنظر النبي ﷺ حالة نزول الوحي عليه (فنظرت إليه) ﷺ وهذا محمول على أن عمر ويعلى علما أنه ﷺ لا يكره الاطلاع عليه في ذلك الوقت لأن فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم، فإذا رسول الله ﷺ محمر الوجه وهو يغط من شدة ثقل الوحي كما في رواية البخاري (فلما سُرِّي) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة أي فلما كشف وأزيل (عنه) ﷺ ما تغشاه من ثقل الوحي شيئًا فشيئًا، يقال سروت الثوب وسريته نزعته، والتشديد أكثر لإفادة التدريج (قال) النبي ﷺ (أين السائل) لي (آنفًا) أي في الزمن القريب (عن) أحكام (العمرة فقام إليه) ﷺ (الرجل) السائل (فقال) له النبي ﷺ (انزع) أي اخلع (عنك جبنك واغسل أثر الخلوق) أي بقيته (الذي) بقي وعلق (بك وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا) إياه (في حجك) من المأمورات والمحظورات والله أعلم. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد أيضًا، والرابع حديث يعلى ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات والله أعلم. ***

стр. 5326

٤٦٠ - (١٦) باب: المواقيت في الحج والعمرة ٢٦٨٥ - (١١٥٣) (٧٣) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الربِيعِ وَقُتَيبَةُ، جَمِيعًا ــ ٤٦٠ - (١٦) باب المواقيت في الحج والعمرة المكانية جمع ميقات مفعال من الوقت المحدد واستعير هنا للمكان اتساعًا، وقد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت تعظيمًا للبيت وإجلالًا كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته خضوعًا له فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته إجلالًا له، وإن الإحرام تشبه بالأموات وفي ضمن جعل نفسه كالميت سلب اختياره وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه فارغًا عن اعتبارها شيئًا من الأشياء اهـ إرشاد الساري. قال الشيخ الدهلوي: والحكمة في شرعية المواقيت أنه لما كان الإتيان إلى مكة شعثًا تفلًا تاركًا لغلو نفسه مطلوبًا وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين فأكثر وجب أن يخص أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها ولا يؤخرون الإحرام بعدها، ولابد أن تكون تلك المواضع ظاهرة مشهورة لا تخفى على أحد وعليها مرور أهل الآفاق، فاستقرأ ذلك وحكم بهذه المواضع واختار لأهل المدينة أبعد المواقيت لأنها من مهبط الوحي ومأرز الإيمان ودار الهجرة وأول قرية آمنت بالله ورسوله فأهلها أحق بأن يبالغوا في إعلاء كلمة الله وأن يخصوا بزيادة طاعة الله تعالى فهي أقرب الأقطار التي آمنت في زمان رسول الله ﷺ وأخلصت إيمانها بخلاف جواثى والطائف ويمامة وغيرها فلا حرج عليها اهـ فتح الملهم. ثم اعلم أن الميقات المكاني يختلف باختلاف الناس فإنهم ثلاثة أصناف؛ آفاقي، وحلي أي من كان داخل المواقيت، وحرمي، وذكر الفقهاء أحكام كل واحد من الأصناف الثلاثة مفصلة وسيأتي ذكر بعض منها في هذا الشرح إن شاء الله تعالى. ٢٦٨٥ - (١١٥٣) (٧٣) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وخلف بن هشام) بن ثعلب بالمثلثة والمهملة البزار بالراء آخره أبو محمد البغدادي، ثقة، من (١٠) (وأبو الربيع) سليمان بن داود الزهراني البصري (وقتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (جميعًا)

стр. 5327

عَنْ حَمَّادٍ. قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادِ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُس، عَنِ ابْنِ عَباسِ ﵄. قَال: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، ذَا الْحُلَيفَةِ. وَلأَهْلِ الشَّامِ، الْجُحْفَةَ ــ أي كل من الأربعة رووا (عن حماد) بن زيد بن درهم الأزدي البصري (قال يحيى أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي (عن طاوس) بن كيسان اليماني (عن ابن عباس ﵄ وهذا السند من خماسياته، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والمقارنة (قال) ابن عباس (وقت رسول الله ﷺ أي حدد وعيّن (لأهل المدينة) يثرب أي لسكانها ومن سلك طريقهم فمر على ميقاتهم (ذا الحليفة) بضم الحاء وفتح اللام مصغرًا مصغر الحلفة بالفتح على وزن قصبة اسم نبت ينبت في الماء معروف، يجمع على حلفاء، سميت باسم ذلك النبات، قال الحافظ: وذو الحليفة مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل غير ميلين قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشر مراحل، وقال النواوي: بينها وبين المدينة ستة أميال اهـ وقيل سبعة، وقيل أربعة، وفي المهمات: الصواب المعروف بالمشاهدة أنها على ثلاثة أميال أو تزيد قليلًا اهـ، وقال في الفتح: وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب، وبها بئر يقال لها بئر علي اهـ وعلي هذا ليس بعلي بن أبي طالب ﵁، وقال ملا علي: وهو ماء من مياه بني جشم، وقد اشتهر الآن بأبيار علي اهـ أي جعل ذلك الموضع ميقاتًا لإحرامهم (و) وقت (لأهل الشام) وهو من العريش إلى بالس، وقيل إلى الفرات قاله النواوي، ولمن سلك طريقهم (الجحفة) بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة وفتح الفاء وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة وسيأتي في حديث ابن عمر أنها مهيعة بوزن علقمة، وقيل بوزن لطيفة، وسميت بالجحفة لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكتون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل بفتح المهملة وكسر الموحدة وهو أخو عاد حرب فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم أي استأصلهم فسميت بالجحفة، قيل إنها قد ذهبت أعلامها ولم يبق إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي فلذا والله أعلم اختار الناس الإحرام احتياطًا من المكان المسمى برابض، وبعضهم يجعله بالغين لأنه قبل الجحفة بنصف مرحلة أو قريب، وقال القرطبي: ولقد سألت جماعة ممن له خبرة من عربانها عنها فأروني أكمة بعدما دخلنا من رابغ إلى مكة

стр. 5328

وَلأهلِ نَجْدٍ، قَرْنَ المَنَازِلِ. وَلأهلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ. قَال: "فَهُنَّ لَهُنَّ ــ على جهة اليمين على مقدار ميل من رابغ تقريبًا اهـ فتح الملهم (ولأهل نجد) أي نجد الحجاز أو اليمن ومن سلك طريقهم في السفر، قال الحافظ: أما نجد فهو كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد منها هنا الأرض الأريضة التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق، وقال في المختار: ونجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور فالغور تهامة وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العرب فهو نجد (قرن المنازل) وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبط الجوهري بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النواوي فحكى الاتفاق على تخطئته في ذلك وظنه أن أويسًا القرني منسوب إليه، والحال أنه منسوب إلى بني قرن بطن من مراد كما في القاموس وهو جبل مدور أملس مشرف على عرفات اهـ ملا علي، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة (ولأهل اليمن) أراد به والله أعلم بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة فإن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، وقوله فيما تقدم ولأهل نجد عام يشمل نجد الحجاز ونجد اليمن كذا في المواهب اللطيفة أي ولأهل اليمن إذا مروا بطريق تهامة ولمن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (يلملم) بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم موضع على مرحلتين من مكة تقريبًا بينهما ثلاثون ميلًا فإن مر أهل اليمن من طريق الجبال فميقاتهم قرن المنازل، وهو غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، ويقال فيه ألملم بالهمزة، ومعنى قوله (وقت) حدد وعين، وظاهره يدل على أن هذه الحدود لا يتعداها مريد الإحرام حتى يُحرِم عندها، وقد أجمع المسلمون على أن المواقيت مواضع معروفة في الجهات التي يدخل منها إلى مكة فهذه مواقيت الحج والعمرة للآفاقيين لم يختلف في شيء منها إلا في ذات عرق والجمهور على أنه ميقات لأهل العراق، وقد استحب الشافعي لأهل العراق أن يهلوا من العقيق معتمدًا في ذلك على ما رواه ابن عباس قال: (وقت رسول الله ﷺ لأهل المشرق العقيق) أخرجه أبو داود ولكن في سنده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف عندهم، وروي عن بعض السلف أنه الربذة اهـ من المفهم. ثم (قال) رسول الله ﷺ (فهن) أي هذه المواقيت المذكورة من ذي الحليفة وما بعدها هي مواقيت (لهن) أي لهذه الأقطار المذكورة من المدينة وما بعدها أي مواقيت لأهلها فالكلام على حذف مضاف، وكان مقتضى الظاهر أن يقول لهم بضمير جماعة الذكور فأجاب ابن مالك بأنه عدل إلى ضمير الإناث لقصد التشاكل وكأنه يقول ناب ضمير عن

стр. 5329

وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيرِ أَهْلِهِنَّ. ممنْ أَرَادَ الْحَج وَالْعُمْرَةَ ــ ضمير بالقرينة لطلب التشاكل. وأجاب عنه غيره بأنه على حذف مضاف كما قلنا، في حلنا أي هن لأهلهن أي هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله في حديث آخر: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" فصرح بالأهل ثانيًا، وفي رواية للبخاري (هن لهم) وهو واضح (و) هذه المواقيت أيضًا مواقيت (لمن أتى) ومر (عليهن) أي على هذه المواقيت المذكورة من ذي الحليفة وما بعدها حالة كون ذلك المار عليهن (من غير أهلهن) أي من غير أهل هذه البلدان المذكورة من المدينة وما بعدها، ومقتضى الظاهر أن يقال من غيرهم ولكنه على حذف مضاف كما مر آنفًا، فلو مر الشامي أو المصري على ذي الحليفة كما يفعلون الآن لزمه الإحرام منها وليس له مجاوزتها إلى الجحفة التي هي ميقاته فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور خلافًا للمالكية والحنفية وابن المنذر من الشافعية فإنهم قالوا له: مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة إن كان من أهل الشام أو مصر وإن كان الأفضل خلافه، وأما استشكال ابن دقيق العيد قوله ولأهل الشام الجحفة فإنه شامل لمن مر من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله (ولمن أتى عليهن من غير أهلهن) فإنه شامل للشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره فهما عمومان قد تعارضا، فأجاب عنه الولي بن العراقي بأن المراد باهل المدينة من سلك طريق سفرهم ومن مر على ميقاتهم وحينئذ فلا إشكال ولا تعارض اهـ قسطلاني، حالة كون أهل تلك البلدان وغيرهم ممن أتى عليهن (ممن أراد الحج والعمرة) معًا بأن يقرن بينهما أو الواو بمعنى أو، وفيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام اهـ قسط، قال في فتح الملهم: استدل بمفهومه على أن الإحرام يختص بمن أراد الحج والعمرة فمفهومه أن المتردد إلى مكة بغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا فمذهب الزهري والحسن البصري والشافعي في قول ومالك في رواية وابن وهب وداود بن علي وأصحابه الظاهرية أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، ومذهب عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه ومالك في رواية وهي قوله الصحيح والشافعي في المشهور عنه وأحمد وأبي ثور والحسن بن حي لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلا بالإحرام فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه عند الشافعي وأبي ثور، وعند أبي حنيفة: عليه حجة أو عمرة، وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين، ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم

стр. 5330

فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ. وَكَذَا فَكَذلِكَ. حَتى أهْلُ مَكةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا" ــ والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك لما عليهم فيه من المشقة، وزعم أبو عمر ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب، قال علماؤنا ﵏: وحرم تأخير الإحرام عن المواقيت لآفاقي قصد دخول مكة ولو لحاجة غير الحج كمجرد الرؤية والنزهة أو التجارة وألحق بالآفاقي في هذا الحكم الحرمي والحلي إذا خرجا إلى الميقات بخلاف ما إذا بقيا في مكانهما فلا يحرم اهـ منه (فمن كان دونهن) أي دون هذه المواقيت يعني من كان أقرب إلى مكة بأن كان بين الميقات ومكة (فمن أهله) أي فإحرامه من مسكن أهله ولا يلزمه الذهاب إلى الميقات راجعًا إلى ورائه، ولا يجوز له مجاوزة مسكنه بغير إحرام ذاهبًا إلى مكة ولم يذكر النبي ﷺ أهل المواقيت نفسها، والجمهور على أن حكمهم حكم من كان دون المواقيت أي بين مكة والميقات خلافًا للطحاوي حيث جعل حكمهم حكم الآفاقي اهـ فتح (وكذا) أي وكهذا الأقرب المذكور من كان أقرب منه إلى مكة يحرم من مسكن أهله، والجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف (فكذلك) أي فكهذا الأقرب الثاني من كان أقرب منه إلى مكة يحرم من مسكن أهله، وفي بعض رواية البخاري (وكذاك وكذاك) مرتين أي وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب اهـ قسط، وفي فتح الملهم: قوله (فكذا فكذلك) أي كذا الأدون فالأدون إلى آخر الحل اهـ (حتى أهل مكة) وغيرهم ممن كان بها (يهلون منها) برفع أهل على أن حتى ابتدائية، فأهل مبتدأ خبره يهلون، ومعناه يحرمون منها فلا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات لإحرام الحج منه بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين مكة والميقات فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات فيحرم منه، وهذا خاص بالحاج، وأما ميقات المكي للعمرة فالحل بالاتفاق لما سيأتي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ أوسلها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فتحرم منه بعمرة، والتنعيم في طرف الحل وهو أقرب نواحيه، قال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة اهـ. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٤٩ و ٢٥٢]، والبخاري [١٥٢٦]، وأبو داود [١٧٣٧]، والترمذي [٨٣١]، والنسائي [٥/ ١٢٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 5331

٢٦٨٦ - (٠٠) (٠٠) حدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدمَ. حَدَّثَنَا وُهَيبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ رضي الله تعالى عنهما؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيفَةِ. وَلأَهْلِ الشَّامِ، الْجُحْفَةَ. وَلأهْلِ نَجْدٍ، قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلأَهْلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ. وَقَال: "هُنَّ لَهُمْ. وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غيرِهِن. مِمنْ أَرَادَ الْحَج وَالْعُمْرَةَ. وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ، فَمِنْ حَيثُ أَنْشَأ ــ ٢٦٨٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا وهيب) بن خالد بن عجلان الباهلي البصري، ثقة، من (٧) (حدثنا عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني أبو محمد الحميري، ثقة، من (٦) (عن أبيه) طاوس بن كيسان الحميري اليماني، ثقة، من (٣) (عن) عبد الله (ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من سداسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة عبد الله بن طاوس لعمرو بن دينار في رواية هذا الحديث عن طاوس بن كيسان (أن رسول الله ﷺ وقت) أي حدد وعين (لـ) إحرام (أهل المدينة) ومن سلك طريقهم حجًّا كان أو عمرة (ذا الحليفة) أي موضعًا يسمى ذا الحليفة وهو على ثلاثة أميال من المدينة كما مر على الصحيح (و) عين (لأهل الشام) ومن سلك طريقهم (الجحفة) أي موضعًا يسمى الجحفة (ولأهل نجد قرن المنازل) بلفظ جمع المنزل، والمركب الإضافي هو اسم المكان ويقال له قرن أيضًا بلا إضافة كما تقدم (ولأهل اليمن يلملم وقال) رسول الله ﷺ (هن) أي هذه المواقيت المذكورة (لهم) بضمير جمع الذكور وهو الظاهر أي لأهل المدن المذكورة أي مواقيت لهم (ولكل آت أتى) أي ولكل مار مر (عليهن) أي على هذه المواقيت حالة كون ذلك الآتي (من غيرهن) أي من غير أهلهن حالة كون أهلهن ومن أتى عليهن (ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك) أي دون ذلك المذكور من المواقيت المذكورة أي كان أقرب منها إلى مكة كمن كان بالبحرة أو بالجموم أو بعسفان أو بالشميسي مثلًا وحق العبارة أن يقال (فمن كان دونهن) ليطابق المرجع (فمن حيث أنشأ) السفر إلى مكة وابتدأه أي فميقاته من حيث قصد الذهاب إلى مكة وهو منشأ سفره إليها فمنه ينشئ إحرامه، قال السندي: أو من حيث أنشأ الإحرام قاله الحافظ، ويؤخذ من هذا المعنى

стр. 5332

حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ، مِنْ مَكَّةَ". ٢٦٨٧ - (١١٥٤) (٧٤) وحدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "يُهِلُّ أَهلُ الْمَدِينَةِ، مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ. وَأَهْلُ الشامِ، مِنَ الْجُحْفَةِ. وَأَهْلُ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ". قَال عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "ويهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" ــ أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله فمن حيث أنشأ أي النسك (حتى أهل مكة) ينشئون الحج ويحرمونه (من مكة) ولا يخرجون للحج إلى ميقات من المواقيت المذكورة فيصح إحرامهم الحج من مكة نفسها ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم، وأما عمرتهم فلا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم اهـ مفهم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر ﵃ فقال: ٢٦٨٧ - (١١٥٤) (٧٤) (وحدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك) بن أنس (عن نافع عن) عبد الله (بن عمر رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من رباعياته، وهو من سلسلة الذهب عندهم من بين الأسانيد (أن رسول الله ﷺ قال يهل) أي يحرم النسك حجًّا كان أو عمرة (أهل المدينة) ومن سلك طريقهم (من ذي الحليفة و) يهل (أهل الشام) ومصر والمغرب (من الجحفة و) يهل (أهل نجد) الحجاز وكذا اليمن (من قرن، قال عبد الله) بن عمر بالسند السابق (وبلغني) من الناس ممن سمع رسول الله ﷺ (أن رسول الله ﷺ قال ويهل أهل اليمن) أي أهل تهامة منهم (من يلملم). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٩ - ١١]، والبخاري [١٥٢٢]، والنسائي [٥/ ١٢٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 5333

٢٦٨٨ - (٠٠) (٠٠) وحدثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أبِي عُمَرَ. قَال ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ. وَيُهِلُّ أَهْلُ الشامِ مِنَ الْجُحْفَةِ. وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَال ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما: وَذُكِرَ لِي (وَلَمْ أَسْمَعْ) أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "وَيُهِل أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". ٢٦٨٩ - (٠٠) (٠٠) وحدثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطابِ ﵃، عَن أَبِيهِ ــ ٢٦٨٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب) بن شداد النسائي (و) محمد (ابن أبي عمر) العدني المكي (قال ابن أبي عمر حدثنا سفيان) بن عيينة الكوفي (عن الزهري عن سالم) بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما (عن أبيه ﵁ عبد الله بن عمر. وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة سالم لنافع (أن رسول الله ﷺ قال يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ويهل أهل الشام من الجحفة ويهل أهل نجد من قرن قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وذُكر لي) أخبر لي (و) الحال أني (لم أسمعـ) ـه من رسول الله ﷺ (أن رسول الله ﷺ قال ويهل أهل اليمن) أي تهامته دون نجد ومن مر طريقهم (من يلملم) ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصحابي صحيح حجة، نعم خالف في ذلك الأُستاذ أبو إسحاق الإسفرايني فذهب إلى أنه ليس بحجة، وقد ورد ميقات اليمن مرفوعًا من غير إرسال من حديث ابن عباس في الصحيحين وغيرهما، ومن حديث جابر في مسلم إلا أنه قال أحسبه رفعه، ومن حديث عائشة عند النسائي، ومن حديث الحارث بن عمرو عند أبي داود والنسائي ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٨٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرني ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ عن أبيه) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة يونس بن

стр. 5334

قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيفَةِ. وَمُهَلُّ أَهْلِ الشامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ. وَمُهَل أَهْل نَجْد قَرْن". قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَزَعَمُوا أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ (وَلَمْ أَسْمَعْ ذلِكَ مِنْهُ) قَال: "وَمُهَل أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ". ٢٦٩٠ - (١٥) حدثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ــ يزيد لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب (قال) ابن عمر (سمعت رسول الله ﷺ يقول مهل أهل المدينة) بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام اسم مكان من الإهلال أي موضع إهلالهم ومكان إحرامهم، وأصل الإهلال رفع الصوت لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا، قال ابن الجوزي: ومن لا يعرف العربية يقول بفتح الميم، فقال أبو البقاء العكبري: هو بفتح الميم مصدر بمعنى الإهلال كالمدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج وهو خطأ فاحش في المقيس والمقيس عليه اهـ (ذو الحليفة ومهل أهل الشام) وكذا مصر والمغرب كما مر (مهيعة) بوزن علقمة وهي مفعلة من الهيع بوزن البيع والمهيع في الأصل هو الطريق الواسع المنبسط كالتهيع بمعنى الانبساط وفسرها بقوله (وهي الجحفة) مدرج من بعض الرواة (ومهل أهل نجد) سواء كان من يمن أو من الحجاز (قرن) قال سالم (قال عبد الله بن عمر ﵄ وزعموا) أي قالوا، والزعم هنا بمعنى القول المحقق قاله النواوي (أن رسول الله ﷺ وقوله (ولم أسمع) أنا (ذلك) المقول (منه) ﷺ جملة معترضة بين اسم إن وخبرها وهو قوله (قال ومهل أهل اليمن) مبتدأ خبره (يلملم) والجملة الاسمية مقول قال، وقوله (ولم أسمع ذلك منه) صريح في نفي السماع فما في بعض روايات البخاري (لم أفقه هذه من رسول الله ﷺ يحمل على نفي الفقه أي العلم بطريق السماع والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٩٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (ويحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر) السعدي المروزي، ثقة، من

стр. 5335

(قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ. وَأَهْلَ الشَام، مِنَ الْجُحْفَةِ. وَأَهْلَ نَجْدٍ، مِنْ قَرْنٍ وَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: وَأُخبِرْتُ أَنَّهُ قَال: "ويهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" ــ (٩) (قال يحيى أخبرنا وقال الآخرون حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني، ثقة، من (٨) (عن عبد الله بن دينار) العدوي المدني، ثقة، من (٤) (أنه سمع ابن عمر ﵄ وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لسالم (قال) ابن عمر (أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة) ومن سلك طريقهم (أن يهلوا) أي أن يحرموا النسك (من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن وقال عبد الله بن عمر ﵄ وأُخبرت) بالبناء للمجهول أي أخبرني بعض من سمع رسول الله ﷺ (أنه قال ويهل أهل اليمن من يلملم) وقوله (أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة) إلخ ظاهر الأمر الوجوب، وقد تقدم بلفظ يهل أهل المدينة وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يرد بلفظ الخبر إلا إذا أُريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب وسبق في بعض الطرق بلفظ وقت، وفائدة التوقيت المنع من تأخير الإحرام عنها لأنه يجوز التقديم عليها بالاتفاق، واختلف فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم؟ فقال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الإثم فلترك الواجب، وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب ومقابله قول سعيد بن جبير: لا يصح حجه وبه قال ابن حزم، وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، وقال أبو حنيفة: بشرط أن يعود ملبيًا، ومالك: بشرط أن لا يبعد، وقال أحمد: لا يسقط بشيء كذا في الفتح. وأما التقديم فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز والأفضل التقديم عليها أي على المواقيت بخلاف تقديم الإحرام على أشهر الحج أجمعوا على أنه مكروه كذا في الينابيع وغيره فيجب حمل الأفضلية من دويرة أهله على ما إذا كان من داره إلى مكة دون أشهر الحج كما قيد به قاضي خان، وإنما كان التقديم على المواقيت أفضل لأنه أكثر تعظيمًا وأوفر مشقة والأجر على قدر المشقة ولذا كانوا يستحبون الإحرام بهما من

стр. 5336

٢٦٩١ - (١١٥٥) (٧٥) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ؟ فَقَال: سَمِعْتُ (ثُمَّ انْتَهَى فَقَال: أَرَاهُ يَعْنِي) النَّبِيَّ ﷺ ــ الأماكن القاصية، ورُوي عن ابن عمر أنه أحرم من بيت المقدس، وعمران بن حصين من البصرة، وعن ابن عباس أنه أحرم من الشام، وابن مسعود من القادسية، وقال النبي ﷺ : "من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو حجة غفر له ما تقدم من ذنبه" ورواه أحمد وأبو داود بنحوه، ثم هذه الأفضلية مقيدة بما إذا كان يملك نفسه رُوي ذلك عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كذا في فتح القدير اهـ فتح الملهم. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث جابر بن عبد الله ﵃ فقال: ٢٦٩١ - (١١٥٥) (٧٥) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد بصري وواحد مروزي، حالة كون جابر (يُسأل) بالبناء للمجهول (عن المهل) بضم الميم وفتح الهاء أي عن مكان إهلال الحج أو العمرة (فقال) جابر في جواب السائل (سمعتـ) ـه بالضمير كما في نسخة فتح الملهم أي سمعت النبي ﷺ (ثم انتهى) أبو الزبير أي توقف عن رفع الحديث (فقال) أبو الزبير (أراه) بضم الهمزة أي أُرى جابرًا وأظنه (يعني) ويقصد بضمير سمعته (النبي ﷺ على نسخة الضمير أو أراد بقوله سمعت على نسخة إسقاط الضمير النبيَّ ﷺ كما هو في نسخة النواوي وأكثر المتون، قال النواوي: معنى هذا الكلام أن أبا الزبير قال: سمعت جابرًا يقول: سمعت، ثم انتهى أبو الزبير أي وقف عن رفع الحديث إلى النبي ﷺ فقال أبو الزبير: أُراه أي أُرى جابرًا وأظنه يعني ويقصد بقوله سمعت النبي ﷺ كما قال في الرواية الأخرى أحسبه رفع إلى النبي ﷺ ، وقوله أحسبه رفع يدل على أن الحديث ليس بمرفوع فلا يحتج به لأنه لم يجزم برفعه اهـ ولكنه لا يقدح في مسلم لأنه ذكره في الشواهد لا

стр. 5337

وحدّثني مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. كِلاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ. قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ؟ فَقَال: سَمِعْتُ (أَحْسِبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ. وَالطَّرِيقُ الآخَرُ الْجُحْفَةُ. وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ. وَمُهَل أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ. وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" ــ في الأصول، قال القسطلاني: وقول النواوي في شرح مسلم: إن هذا الحديث غير ثابت لعدم جزمه برفعه يُجاب عنه بأن قوله أحسبه معناه أظنه، والظن في باب الرواية ينزل منزلة اليقين وليس ذلك قادحًا في رفعه وأيضًا فلو لم يصرح برفعه لا يقينًا ولا ظنًّا فهو منزل منزلة المرفوع لأن هذا لا يقال من قبل الرأي وإنما يؤخذ توقيفًا من الشارع لا سيما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق اهـ، وقوله (وحدثني محمد بن حاتم) بن ميمون البغدادي المعروف بالسمين (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١٠) معطوف على قوله (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) ولو أتى هنا بحاء التحويل لكان أوضح وأوفق لاصطلاحاته رحمه الله تعالى (كلاهما) رويا (عن محمد بن بكر) البرساني البصري، صدوق، من (٩) (قال عبد أخبرنا محمد أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يُسأل عن المهل) أي عن موضع إحرام النسك (فقال) جابر (سمعت) قال أبو الزبير (أحسبه) أي أحسب جابرًا وأظنه حين قال سمعت (رفع) الحديث (إلى النبي ﷺ ولم يوقفه على نفسه (فقال) النبي ﷺ (مهل أهل المدينة) بضم الميم وفتح الهاء مصدر ميمي من أهل الرباعي أي إحرام أهل المدينة (من ذي الحليفة) إذا خرجوا من طريقها (والطريق الآخر) وهو طريق الساحل لأهل المدينة أي ومهل الذين خرجوا من الطريق الآخر لهم يعني غير طريق ذي الحليفة وهو طريق الساحل (الجحفة) وتسمى مهيعة بوزن علقمة، والآن ميقاتهم رابغ (ومهل أهل العراق) والمشرق أي إحرامهم (من ذات عرق) سُمي به لأن به عرقًا، والعرق بكسر العين وسكون الراء الجبل الصغير، وقيل العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء بينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا اهـ قسط (ومهل أهل نجد) حجازًا كان أو يمنًا أي إحرامهم (من قرن ومهل أهل اليمن) يعني تهامته أي إحرامهم (من يلملم)

стр. 5338

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وانفرد المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الحديث عن سائر السبعة. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث الأول حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر ذكره للاستشهاد وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث حديث جابر ذكره للاستشهاد أيضًا والله أعلم. ***

стр. 5339

٤٦١ - (١٧) باب: التلبية وصفتها ووقتها ونهي المشركين عما يزيدون فيها ٢٦٩٢ - (١١٥٦) (٧٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبْيكَ اللَّهُمَّ ــ ٤٦١ - (١٧) باب التلبية وصفتها ووقتها ونهي المشركين عما يزيدون فيها (باب) مشروعية (التلبية وصفتها) أي صيغتها وكيفيتها وهي الألفاظ الواردة في الحديث (ووقتها) وهو من أول الإحرام إلى أن يشرع في الطواف (ونهي المشركين عما يزيدون فيها) وأما أصلها فهي مصدر لبى تلبية كزكى تزكية إذا قال لبيك ولا يكون عامله إلا مضمرًا، وأصل لبى لبب على وزن فعلل لا فعل فقلبت الباء الثالثة ياء استثقالًا لثلاث باءَات ثم قلبت ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، واختلف في لفظ لبيك ومعناه أما لفظه فتثنية عند سيبويه يراد بها التكثير في العدد والعود مرة بعد مرة لا أنها لحقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين فهي نظير حوالينا، وقال يونس: هو مفرد والياء فيه كالياء في لديك وعليك وإليك يعني في انقلابها ياء لاتصالها بالضمير، وأما معناه فقيل معناه إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة، قال ابن الأنباري: ومثله حنانيك أي تحننًا بعد تحنن، وقيل معناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة من ألب بالمكان كذا ولب به إذا أقام به ولزمه، وقيل محبتي لك من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة لزوجها وعاطفة على ولدها، وقيل غير ذلك، قال الحافظ: والأول منها أظهر وأشهر لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه في حج بيته، ولهذا من دعا فقال: لبيك، فقد استجاب، وأما حكمها فهي سنة فإذا تركها أصلًا أو نقص منها صح إحرامه ولكن ارتكب كراهة التنزيه. ٢٦٦٢ - (١١٥٦) (٧٦) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال قرأت على مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ وهذا السند من رباعياته (أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم) أي أجبت لك يا إلهي إجابة بعد إجابة فيما دعوتنا إليه، وروى ابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ قال: رب وما

стр. 5340

لَبَّيكَ. لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ" ــ يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلى البلاغ، فصعد إبراهيم جبل الرحمة في عرفة -كما في القرطبي- فنادى: يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترون الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون، ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه فأجابوه بالتلبية من أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم ﵊ يومئذ، زاد غيره فمن لبى مرة حج مرة ومن لبى مرتين حج مرتين ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته، وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة (لبيك لبيك) ثلاث مرات وكذا في الموقوف إلا أن في المرفوع الفصل بين الأولى والثانية بقوله (اللهم) وقد نقل اتفاق الأدباء على أن التكرير اللفظي لا يزاد على ثلاث مرات (لا شريك لك) في التلبية والإجابة (لبيك) أي أجبت لك إجابة بعد إجابة (إن الحمد) رُوي بكسر الهمزة على الاستئناف كأنه لما قال لبيك استأنف كلامًا آخر فقال إن الحمد، وبالفتح على التعليل كأنه قال أجبتك لأن الحمد والنعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة وابن قدامة عن أحمد بن حنبل وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة فكأنه قال إن الحمد والنعمة لك على كل حال، والفتح يقتضي التعليل فكأنه قال أجبتك لأن الحمد والنعمة لك (والنعمة لك) بكسر النون الإحسان والمنة وهي بالنصب على الأشهر عطفًا على الحمد، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر محذوف لدلالة خبر إن عليه تقديره إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك (والمُلك) لك بضم الميم وبالنصب عطفًا على اسم إن، وبالرفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره والملك كذلك، واستحسن الوقف عليه لئلا يتوهم أن ما بعده خبره كذا في شرح اللباب، ونقل بعضهم أنه مستحب عند الأئمة الأربعة (لا شريك لك) في الملك يقف عليه الملبي، قال في اللباب وشرحه: ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية ثم يخفضه ويصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء، ومن المأثور: اللهم إني أسألك رضاك والجنة وأعوذ بك من غضبك والنار، وفيه أيضًا: وتكرارها سنة في المجلس الأول وكذا في غيره وعند تغير الحالات مستحب مؤكدًا والإكثار مطلقًا مندوب، ويستحب أن يكررها كما شرع فيها ثلاثًا على الولاء ولا

стр. 5341

قَال: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما يَزِيدُ فِيهَا: لبَّيكَ لبَّيكَ. وَسَعْدَيكَ. وَالْخَيرُ بِيَدَيكَ. لبَّيكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيكَ وَالْعَمَلُ ــ يقطعها بكلام، قال الدهلوي: وإنما اختار هذه الصيغة في التلبية لأنها تعبير عن قيامه بطاعة مولاه وتذكر له ذلك وكان أهل الجاهلية يعظمون شركاءهم فأدخل النبي ﷺ لا شريك لك ردًّا على هؤلاء وتمييزًا للمسلمين منهم اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٨ و ٤١]، والبخاري [١٥٤٩]، وأبو داود [١٨١٢]، والترمذي [٨٢٥]، والنسائي [٥/ ١٥٩ - ١٦٠]، وابن ماجه [٢٩١٨]. (قال) نافع بالسند السابق (وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يزيد فيها) أي على هذه التلبية لفظة (لبيك لبيك وسعديك) أي أسعدني على طاعتك إسعادًا بعد إسعاد فهو على هذا مصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول والمعنى أُسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، وقيل المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة فيكون من المضاف المنصوب أي أطلب منك مساعدة بعد مساعدة أو أطيعك إطاعة بعد إطاعة، وفي القاموس سبحانه وسعدانه أي أسبحه وأطيعه اهـ، ولا يذكر سعديك إلا بعد لبيك فيكون له توكيدًا لفظيًّا بالمرادف (والخير) كله دينية أو دنيوية ظاهرية أو معنوية (بيديك) المقدستين، ويحتمل أنه من باب الاكتفاء وإلا فالأمر كله لله والخير والشر كله بقدره وقضائه أو من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ ومن هنا ورد والشر ليس إليك أي لا ينسب إليك أدبًا قاله القاري اهـ فتح الملهم البيك والرغباء إليك) بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر كالعلاء والعلا، وبالفتح مع القصر ومعناه الطلب والمسئلة يعني أنه تعالى هو المطلوب المسئول منه فبيده جميع الأمور (والعمل) له سبحانه لأنه المستحق للعبادة وحده، قال النواوي: ومعناه هنا الطلب والمسألة والرغبة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة اهـ نواوي، وقال ملا علي: والأظهر أن التقدير والعمل لك أي لوجهك ورضاك أو العمل بك أي بأمرك وتوفيقك أو المعنى أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول اهـ، وهذا الأثر انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ويأتي في رواية سالم عن أبيه عن عمر ﵁ وكان عبد الله بن عمر يقول كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله ﷺ من هؤلاء الكلمات

стр. 5342

٢٦٩٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ، إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيفَةِ، ــ ويقول: "لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء إليك والعمل" فعُرف من هذا أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه ولم يقله من عند نفسه، واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك اهـ من العون. (فإن قلت) اللائق بورعه وكثرة اتباعه أن لا يزيد على تلبية رسول الله ﷺ (قلت) رأى أن الزيادة على النص ليست نسخًا وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية رسول الله ﷺ أو فهم عدم القصر على أولئك الكلمات وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل واقتصار رسول الله ﷺ بيان لأقل ما يكفي اهـ من الأبي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٩٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان المكي ثم البغدادي، صدوق، من (١٠) (حدثنا حاتم يعني ابن إسماعيل) العبدري مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل، صدوق، من (٨) روى عنه في (١٢) بابا (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٠) أبواب (عن سالم بن عبد الله بن عمر) العدوي المدني، ثقة، من (٣) (ونافع مولى عبد الله بن عمر) أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٣) (وحمزة بن عبد الله بن عمر) العدوي المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٨) كلهم رووا (عن عبد الله بن عمر ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة موسى بن عقبة لمالك في رواية هذا الحديث عن نافع (أن رسول الله ﷺ كان إذا استوت به) أي رفعته فالياء للتعدية (راحلته) أي ناقته، حالة كونها (قائمة) للسير والذهاب، وقوله (عند مسجد ذي الحليفة) ظرف متعلق باستوت، واختلفت الروايات عنه ﷺ في حال إهلاله من

стр. 5343

أَهَلَّ فَقَال: "لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ. لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ. إِن الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ". قَالُوا: وَكَان عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: هذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ ﵁ يَزِيدُ مَعَ هذَا: لَبَّيكَ لَبَّيكَ. وَسَعْدَيكَ. وَالْخَيرُ بِيَدَيكَ لَبَّيكَ. وَالرَّغْبَاءُ إِلَيكَ وَالْعَمَلُ. ٢٦٩٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ) عَنْ عُبَيدِ اللهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. قَال: تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيةَ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ : ــ أين بدأ به وسيأتي وجه الجمع بينها عن قريب إن شاء الله تعالى، وقوله (أهل) جواب إذا أي رفع صوته بالتلبية ونوى أحد النسكين أو بهما (فقال) ﷺ في إهلاله (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قالوا) أي قال سالم ونافع وحمزة (وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول هذه) التلبية المذكورة التي ذكرتها لكم آنفًا (تلبية رسول الله ﷺ أي صيغتها عند إحرامه (قال نافع كان عبد الله) بن عمر ﵁ يزيد مع هذا) المذكور من تلبية رسول الله ﷺ (لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٩٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي (حدثنا يحيى يعني ابن سعيد) بن فروخ التميمي البصري المعروف بالقطان (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص العدوي العمري المدني (أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ وهذا السند من خماسياته، غرضه بسوقه بيان متابعة عبيد الله بن عمر لمالك وموسى بن عقبة في رواية هذا الحديث عن نافع (قال) ابن عمر (تلقفت التلبية) أي أخذتها بسرعة (من في رسول الله ﷺ أي من فمه ﷺ ، و (تلقفت) بالقاف المشددة ثم الفاء الساكنة بمعنى الأخذ بسرعة، قال القاضي: ورُوي (تلقنت) بالنون بدل الفاء، قال:

стр. 5344

فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثهِمْ. ٢٦٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَال: فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. أَخْبَرَنِي عَنْ أَبِيهِ ﵃، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ: "لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ. لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ"إِن الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ" لَا يَزِيدُ عَلَى هؤُلاءِ ــ والأول رواية الجمهور، قال: ورُوي تلقيت بالياء التحتانية بدلها أيضًا ومعانيها متقاربة قاله النواوي (فذكر) عبيد الله، وقوله (بمثل حديثهم) بضمير الجمع تحريف من النساخ، والصواب بمثل حديثهما أي بمثل حديث مالك بن أنس وموسى بن عقبة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (قال) الزهري (فإن) الفاء زائدة بعد القول أي قال ابن شهاب: إن (سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني عن أبيه) عبد الله بن عمر ﵃ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الزهري لموسى بن عقبة في رواية هذا الحديث عن سالم بن عبد الله (قال) عبد الله بن عمر (سمعت رسول الله ﷺ يهل) أي يرفع صوته بالتلبية عند الإحرام حالة كونه (ملبدًا) شعره بضم الميم وكسر الموحدة المشددة وفتحها من التلبيد وهو ضفر الشعر ولزقه بالصمغ أو الخطمي أو الحناء أو شبهها مما يضم الشعر ويلزق بعضه ببعض ويمنعه التمعط والقمل، فيستحب لكونه أرفق به اهـ نووي، قال ابن الملك: التلبيد هو إلصاق شعر الرأس بالصمغ أو الخطمي أو غير ذلك كيلا يتخلله الغبار ولا يصيبه شيء من الهوام ويقيها من حر الشمس وهذا جائز عند الشافعي رحمه الله تعالى وعندنا يلزمه دم إن لبد بما ليس فيه طيب لأنه كتغطية الرأس ودمان إن كان فيه طيب اهـ، وجملة (يقول) بدل من جملة يهل أي سمعته يقول (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد) رسول الله ﷺ (على هولاء

стр. 5345

الْكَلِمَاتِ. وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيفَةِ رَكْعَتَينِ. ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيفَةِ، أَهَلَّ بِهؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُهِلُّ بِإِهْلالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ. وَيَقُولُ: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ. لبَّيكَ وَسَعْدَيكَ. وَالْخَيرُ فِي يَدَيكَ لبَّيكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيكَ وَالْعَمَلُ ــ الكلمات) المذكورة (و) قال سالم (أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول كان رسول الله ﷺ يركع) أي يصلي (بذي الحليفة ركعتين) أي ركعتي الإحرام، وفي الدر المختار: وصلى ندبًا للإحرام شفعًا يعني ركعتين، وفي الغاية: إنها سنة كذا في النهر وبه جزم في البحر والسراج اهـ فتح الملهم (ثم) بعد فراغه من صلاته ركعتين (إذا استوت) ونهضت (به) ﷺ (الناقة) أي ناقته العضباء حالة كونها (قائمة) أي بالغة حد القيام، وقوله (عند مسجد ذي الحليفة) ظرت متعلق باستوت (أهل) أي رفع صوته جواب إذا (بهؤلاء الكلمات) المذكورة يعني لبيك اللهم الخ (و) قال سالم أيضًا (كان عبد الله بن عمر ﵄ يقول كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل) أي يحرم (بإهلال رسول الله ﷺ أي بما أهل به رسول الله ﷺ (من هؤلاء الكلمات) المذكورة يعني لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك الخ (ويقول) عمر أي يزيد بعد هؤلاء الكلمات لفظة (لبيك اللهم لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء إليك والعمل) لك. قال القرطبي: قوله (كان ﷺ يركع بذي الحليفة ركعتين) هاتان الركعتان للإحرام ولذلك قلنا إن من مشروعية الإحرام أن يكون بعد صلاة فإن كانت للإحرام فهو أفضل، وإن أحرم بعد فريضة جاز، واستحب الحسن أن يحرم بعد فريضة لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح والأول أظهر، وإحرامه بعد صلاة الفرض أفضل منه بغير صلاة مطلقًا ولا دم على من أحرم بغير صلاة عند مالك اهـ من المفهم، وقال أيضًا قوله (ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات) إشارة إلى التلبية المتقدمة وهذه الحالة هي التي عبر عنها في الروايات الآخر بانبعاث الراحلة لا أنها أخذت في المشي وبذلك أخذ مالك وأكثر

стр. 5346

٢٦٩٦ - (١١٥٧) (٧٧) وحدّثني عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَدِ الْيَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ) حَدَّثنَا أَبُو زُمَيلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. قَال: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ. قَال: ــ العلماء أنه يهل إذا استوت به راحلته إن كان راكبًا ويتوجه بعد ذلك، وإن كان راجلًا فحين يأخذ في المشي، وقال الشافعي كذلك في الراكب إلا أنه ينتظرها حتى تنبعث، وقال أبو حنيفة إذا سلم من صلاة الإحرام أهل على ما جاء في حديث ابن عباس أنه أحرم في المسجد بعد أن صلى فيه وأوجبه في مجلسه رواه الترمذي [٨١٩]، والنسائي [٥/ ١٦٢]. ولا شك في أن الأحسن في لفظ التلبية تلبية رسول الله ﷺ وتجوز الزيادة عليها كما زاد ابن عمر، ولو لبى ملب بغير تلبية رسول الله ﷺ لم يُنكر عليه، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يلبي منهم الملبي فلا ينكر عليه ويهل المهل فلا ينكر عليه على ما يأتي في حديث جابر ﵁ اهـ من المفهم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس ﵃ فقال: ٢٦٩٦ - (١١٥٧) (٧٧) (وحدثني عباس بن عبد العظيم) بن توبة بن كيسان (العنبري) أبو الفضل البصري، ثقة، من (١١) روى عنه في (٤) أبواب (حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجرشي أبو محمد (اليمامي) ثقة، من (٩) روى عنه في (٨) أبواب (حدثنا عكرمة يعني ابن عمار) العجلي الحنفي أبو عمار اليمامي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا أبو زميل) مصغرًا سماك بن الوليد الحنفي اليمامي، روى عن ابن عباس في الإيمان والحج والطلاق والجهاد والفضائل، ومالك بن مرثد، ويروي عنه (م عم) وعكرمة بن عمار والأوزاعي ومسعر وشعبة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ليس به بأس، من الثالثة (٣) (عن ابن عباس ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم يماميون وواحد طائفي وواحد بصري (قال) ابن عباس (كان المشركون) أهل مكة وغيرهم (يقولون) في طوافهم، قال الأبي: الأصل في الأقوال الباطلة ولا سيما التي هي كفر أن لا تنقل ولا تحكى ولكن نقلت هذه هنا لبيان أن من رأى منكرًا ولم يقدر على تغييره باليد فإنه يغيره بالقول لأن قوله ﷺ : "قد قد" إنكار (لبيك لا شريك لك قال) ابن

стр. 5347

فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَيلَكُمْ! قَدْ. قدْ" فَيَقُولُونَ: إلا شَرِيكًا هُوَ لَكَ. تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. يَقُولُونَ هذَا وَهُمْ يَطوفُونَ بِالْبَيتِ ــ عباس (فيقول رسول الله ﷺ عند قولهم لا شريك لك (ويلكم) أي ألزمكم الله الويل والهلاك إن زدتم على قولكم لا شريك لك فإنه (قد قد) لكم أي كاف كاف لكم فاقتصروا عليه ولا تزيدوا عليه ما بعده من الاستثناء، وقد قد بالتكرار للتوكيد بسكون الدال وبكسرها مع التنوين فيهما اسم فعل مضارع بمعنى يكفي يكفي أي لا تزيدوا عليه قولكم (فيقولون إلا شريكًا) الظاهر الرفع فيه على البدلية من الضمير المستكن في خبر لا النافية في قولهم لا شريك موجود هو لك كما في كلمة التوحيد فاختير في الكلمة السفلى اللغة السافلة وهو النصب على الاستثناء كما اختير في الكلمة العليا العالية وهو الرفع على البدلية قاله ملا علي وهو كلام حسن مستظرف، وقوله إلا شريكًا (هو) أي ذلك الشريك مملوك (لك تملكه) أي تملك أنت يا إلهنا ذلك الشريك (وما ملك) أي وما ملكه ذلك الشريك من عباده، وما موصولة في محل النصب معطوفة على الضمير المنصوب في تملكه من تتمة كلام المشركين أي لا تقولوا هذا الاستثناء فإن ما قبله يكفي لكم ومرادهم بذلك الشريك أصنامهم. وفي فتح الملهم: وقوله إلا شريكًا متعلق بمقول الكفرة، وقوله قال فيقول رسول الله ﷺ قد قد معترض للتنبيه على أن رسول الله ﷺ يقول لهم ذلك بين الاستثناء وما قبله قبل أن يتكلموا بالاستثناء، وقولهم تملكه وما ملك كلمة ما تحتمل أن تكون نافية أو موصولة معطوفة على مفعول تملكه والله تعالى أعلم اهـ. قال الطيبي: كان المشركون يقولون لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك فإذا انتهى كلامهم إلى لا شريك لك قال رسول الله ﷺ : "قد قد" أي اقتصروا عليه ولا تتجاوزوا عنه إلى ما بعده اهـ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (يقولون) أي يقول المشركون (هذا) القول وهو قولهم إلا شريكًا مع ما قبله وما بعده أي يقولون ذلك (وهم) أي والحال أن المشركين (يطوفون بالبيت) العتيق تقربًا إلى الله تعالى بالكلمة الباطلة وهي مردودة عليهم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان، الأول حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على أول الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على آخر الترجمة.

стр. 5348

٤٦٢ - (١٨) باب: بيان المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ والإهلال من حيث تنبعث به الراحلة والصلاة في مسجد ذي الحليفة ٢٦٩٧ - (١١٥٨) (٧٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ﵁ يَقُولُ: بَيدَاؤُكُمْ هذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا. مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ. يَعْني ذَا الْحُلَيفَةِ ــ ٤٦٢ (١٨) باب بيان المحل الذي أهل منه رسول الله ﷺ والإهلال من حيث تنبعث به الراحلة والصلاة في مسجد ذي الحليفة ٢٦٩٧ - (١١٥٨) (٧٨) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (قال قرأت على مالك) بن أنس المدني (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدني، ثقة، من (٥) (عن سالم بن عبد الله) العدوي المدني (أنه سمع أباه) عبد الة بن عمر ﵁ يقول) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد نيسابوري (بيداؤكم هذه التي نكذبون) بها (على رسول الله ﷺ بأنه أحرم (فيها) قال البكري: البيداء هذه فوق علمي ذو الحليفة لمن صعد من الوادي وفي أول البيداء بئر ماء اهـ والبيداء المفازة لا شيء فيها من بناء ولا أثر، وهي هنا اسم موضع بين مكة والمدينة بقرب ذي الحليفة، وسميت بيداء لأنه ليس فيها بناء ولا أثر، قوله (التي تكذبون فيها) أي في شأنها ونسبة الإحرام إليها بأنه كان من عندها، وأنه ﷺ أحرم منها، والحال أنه لم يحرم منها، وإنما أحرم قبلها من عند مسجد ذي الحليفة ومن عند الشجرة التي كانت هناك وكانت عند المسجد وسماهم ابن عمر كاذبين لأنهم أخبروا بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء تعمدوا ذلك أم غلطوا فيه أو سهوًا، والعمدية إنما هو شرط لكونه إثمًا لا لكونه يسمى كذبًا أفاده النواوي (ما) نافية (أهل) أي أحرم (رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد يعني) ابن عمر بقوله إلا من عند المسجد (ذا الحليفة) الموضع الذي يسمى بذي الحليفة، ومن كلام سالم، قال النووي: فيه دلالة على أن ميقات أهل المدينة عند مسجد ذي الحليفة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى البيداء وبهذا قال جميع العلماء، وفيه أن الإحرام من الميقات أفضل من

стр. 5349

٢٦٩٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسمَاعِيلَ) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ ــ دويرة أهله لأنه ﷺ ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، فإن قيل إنما أحرم من الميقات لبيان الجواز، قلنا هذا غلط لوجهين أحدهما أن البيان قد حصل بالأحاديث الصحيحة في بيان المواقيت، والثاني أن فعل رسول الله ﷺ إنما يحمل على بيان الجواز في شيء يتكرر فعله كثيرًا فيفعله مرة أو مرتين أو مرات على الوجه الجائز لبيان الجواز ويواظب غالبًا على فعله على أكمل وجوهه وذلك كالوضوء مرة أو مرتين أو ثلاثًا كله ثابت، والكثير أنه ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وأما الإحرام بالحج فلم يتكرر منه وإنما جرى منه ﷺ مرة واحدة فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه والله أعلم انتهى. قال القرطبي: قوله (بيداؤكم) البيداء القفر الخالي عن العامر، ويسمى مفازة على جهة التفاؤل وهي مهلكة، وكل مفازة بيداء، والجمع بِيدٌ نظير بيض وبيضاء وهي هنا عبارة عن المفازة التي بين مكة والمدينة أولها شرف مرتفع قريب من مسجد ذي الحليفة، والشجرة هناك وهذه المواضع كلها متقاربة و (تكذبون) هنا تخطئون، والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه فإن كان مع العمد فهو الكذب المذموم، وإن كان مع السهو والغلط فهو الخطأ، وقصد ابن عمر بإطلاق الكذب على هذا ليتثبت الناقل أو المفتي حتى لا يقول أحد إلا ما تحقق صحته ووجهه، وقد اختلف النقلة في مهل النبي ﷺ فقال قائل: إنه أهل من المسجد بعد أن صلى ركعتين، وابن عمر يقول من الشجرة، وغيره يقول من البيداء، وقد صار الناس في الأخذ بهذه الأحاديث على طريقتين فمنهم من رجح بعض هذه الروايات، ومنهم من جمع بأن قال إن النبي ﷺ أهل في هذه المواضع كلها وأخبر كل منهم بما سمعه على ما يأتي من حديث ابن عباس اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٠]، والبخاري [١٥٤١]، والنسائي [٥/ ٦٢ ١ - ١٦٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٢٦٩٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم يعني ابن إسماعيل) الحارثي المدني، ثقة، من (٨) (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش المدني (عن سالم

стр. 5350

قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما إِذَا قِيلَ لَهُ: الإِحْرَامُ مِنَ الْبَيدَاءِ، قَال: الْبَيدَاءُ التِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلا مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ. حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ ــ قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) غرضه بيان متابعة حاتم لمالك (إذا قيل له الإحرام) أي إحرام أهل المدينة يكون (من البيداء قال البيداء) مبتدأ خبره جملة النفي الآتية، والموصول بعده صفة للمبتدإ (التي تكذبون) بالإحرام (فيها على رسول الله ﷺ ما أهل) منها، خبر المبتدإ أي لم يحرم (رسول الله ﷺ منها بل ما أحرم (إلا من عند الشجرة) التي كانت عند مسجد ذي الحليفة (حين قام) وانبعث (به) ﷺ (بعيره) أي راحلته، وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس الثابتة عنه بلفظ ركب راحلته حتى استوى على البيداء فأهل، قال الحافظ وقد أزال الإشكال ما رواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله فذكر الحديث، وفيه فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منهما فسمع منه قوم فحفظوه ثم ركب فلما استقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك عنه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه في المرتين الأوليين فنقل كل أحد ما سمع وإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله ثم أهل ثانيًا وثالثًا، وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء عن ابن عباس نحوه دون القصة فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر على من يخص الإهلال بالقيام على شرف البيداء وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل اهـ قال الطحاوي: فبيّن ابن عباس الوجه الذي جاء فيه اختلافهم وأن إهلال النبي ﷺ الذي ابتدأ به الحج ودخل فيه كان في مصلاه فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وقال الأوزاعي وعطاء وقتادة: المستحب الإحرام من البيداء، وقال النواوي: وفيها أي في روايات الباب دليل لمالك والشافعي والجمهور أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه وهو قول ضعيف للشافعي، وفيه حديث من رواية ابن عباس

стр. 5351

٢٦٩٩ - (١١٥٩) (٧٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ جُرَيجٍ؛ أَنَّهُ قَال لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! رَأَيتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَال: مَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيجٍ! قَال: رَأَيتُكَ لَا تَمسُّ مِنَ الأَرْكَانِ ــ لكنه ضعيف ولعله يشير إلى تضعيف خصيف بن عبد الرحمن وهو كما سبق وثقه جماعة فيكفي روايته لثبوت الأفضلية والجمع بين الروايات والله أعلم اهـ فتح الملهم. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث آخر لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٦٩٩ - (١١٥٩) (٧٩) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) المدني، ثقة، من (٣) (عن عبيد بن جريج) التيمي مولاهم المدني، روى عن ابن عمر فرد حديث وهو هذا المذكور في الحج وعن أبي هريرة وطائفة، ويروي عنه (خ م د س ق) وسعيد المقبري ويزيد بن عبد الله بن قسيط وجماعة، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة، قال في الفتح: وهو مدني مولى بني تيم وليس بينه وبين ابن جريج الفقيه المكي مولى بني أمية نسب، وقد تقدم في المقدمة أن الفقيه هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقد يظن أن هذا عمه وليس كذلك (أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مكي وواحد نيسابوري (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر (رأيتك) أي أبصرتك حالة كونك (تصنع) وتفعل (أربعًا) من الخصال لأن الرؤية هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد، وجملة قوله (لم أر) أي لم أبصر (أحدًا من أصحابك) من أصحاب رسول الله ﷺ ، صفة لأربعًا، وجملة قوله (يصنعها) أي يفعلها صفة ثانية لأحدًا أي لم أر أحدًا يصنعها من أصحابك، والمراد بعضهم، والظاهر من السياق انفراد ابن عمر بما ذكر دون غيره ممن رآهم عبيد، قال المازري: ويحتمل أن يكون مراده لا يصنعهن غيرك مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها (قال) ابن عمر لعبيد (ما هن) أي ما تلك الأربع الخصال التي أصنعها أنا ولا يصنعها غيري (يا ابن جريج قال) عبيد بن جريج في جواب سؤال ابن عمر (رأيتك) يا أبا عبد الرحمن (لا تمس) ولا تستلم (من الأركان) أي من أركان الكعبة المشرفة الأربعة، وظاهره أن غير ابن عمر من

стр. 5352

إلا الْيَمَانِيَينِ. وَرَأَيتُكَ تَلْبَسُ النِّعَال السِّبْتِيَّةَ. وَرَأَيتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ــ الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها وليس كذلك، لكن في صحيح البخاري: وكان معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس ﵄: إنه لا يستلم هذان الركنان يعني الشاميين فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، وكان ابن الزبير أيضًا يستلمهن كلهن لأنه لما عمّر الكعبة أتمها على قواعد إبراهيم كذا حمله ابن التين فزال مانع عدم استلام الآخرين ولو بني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها كما فعل ابن الزبير، أي لا تستلم (إلا اليمانيين) بتخفيف الياء الأولى وهي اللغة الفصيحة المشهورة لأن ألفه بدل من إحدى يائي النسبة، وقد تشدد وهي اللغة القليلة لما فيه من الجمع بين البدل والمبدل منه، والمراد بهما الركنان الجنوبيان اللذان يليان الحجر الأسود أحدهما الركن اليماني الذي إلى جهة اليمن والآخر ركن الحجر الذي يلي الباب، وللبيت المعظم أيضًا ركنان شاميان يليان الحطيم يسميان الشاميين على التغليب لكون أحدهما بجهة الشام والآخر بجهة العراق قالوا في حكمة استلامهما لأنهما باقيان على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الشاميين فلهذا لم يستلما واستلم اليمانيان، واختص ركن الحجر بمزيد الاحترام من التقبيل والسجود عليه، قال في المرقاة: واستلام الحجر لمسه إما باليد أو بالقبلة أو بهما، وأما استلام اليماني فباليد على الصحيح من مذهبنا اهـ (ورأيتك) يا أبا عبد الرحمن (تلبس النعال السبتية) بكسر المهملة وسكون الباء وهي التي لا شعر فيها مشتقة من السبت وهو الحلق قاله في التهذيب، وقيل السبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل بالسبت بضم أوله وهو نبت يدبغ به قاله صاحب المنتهى، وقال الهروي: قيل لها سبتية لأنها أنبتت بالدباغ أي لانت به يقال رطبة منبتة أي لينة، قال أبو عبيد: كانوا في الجاهلية لا يلبس النعال المدبوغة إلا أهل السعة والرفاهية، واستشهد لذلك بشعر قاله عنترة: بطل كأن ثيابه في سرحةٍ ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم (ورأيتك تصبغ بالصفرة) بضم الموحدة، وحكي فتحها وكسرها من بابي نفع وقتل، وفي لغة من باب ضرب اهـ مصباح، أي تصبغ ثيابك بالصبغ الأصفر كالورس وهذا المعنى هو الأظهر هنا، قال العيني: ولفظ الحديث يشمل صبغ الثياب وصبغ الشعر، واختلفوا في المراد منهما فقال القاضي عياض: الأظهر أن المراد صبغ الثياب لأنه أخبر أنه ﷺ صبغ ولم يقل إنه صبغ شعره. [قلت] جاءت آثار عن

стр. 5353

وَرَأَيتُكَ، إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ، أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأوُا الْهِلال، وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْويَةِ. فَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: أَمَّا الأَرْكَانُ. فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّينِ ــ ابن عمر بيّن فيها تصفير ابن عمر لحيته واحتج بأنه ﷺ كان يصفر لحيته بالورس والزعفران، أخرجه أبو داود وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأنه ﷺ كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يخصب بالصفرة منهم أبو هريرة وآخرون، ويروى ذلك عن علي ﵁ اهـ. قال الحافظ رحمه الله تعالى وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن جعفر قال رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان مصبوغان بالزعفران، وفي سنده عبد الله بن مصعب الزبيري، وفيه ضعف، وأخرج الطبراني من حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ صبغ إزاره ورداءه بزعفران، وفيه راوٍ مجهول، ومن المستغرب قول ابن العربي لم يرد في الثوب الأصفر حديث، وقد ورد فيه عدة أحاديث كما ترى، قال المهلب: الصفرة أبهج الألوان إلى النفس، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ اهـ فتح الملهم. (ورأيتك) يا ابا عبد الرحمن (إذا كنت بمكة أهل الناس) أي رفعوا أصواتهم بالتلبية (إذا رأوا الهلال) ذي الحجة (ولم تهلل) أي ولم تحرم (أنت حتى يكون) أي حتى يدخل (يوم التروية) أي اليوم الثامن من ذي الحجة، ومراده فتهل أنت حينئذ، واختلفوا في سبب التسمية بيوم التروية على قولين حكاهما الماوردي وغيره أحدهما: أن الناس يروون فيه من الماء من زمزم لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفة ماء، والثاني: أنه اليوم الذي رأى فيه آدم ﵇ حواء بعد ما أهبطا من الجنة. (فقال عبد الله بن عمر ﵄ في جواب سؤال عبيد (أما الأركان) أي أما اقتصاري في استلام أركان الكعبة على الركنين اليمانيين (فإني لم أر رسول الله ﷺ يمس) أي يستلم من أركان الكعبة (إلا) الركنين (اليمانيين) فلي في ذلك أسوة برسول الله ﷺ ، قال القاضي عياض: اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين وهما مقابلا اليمانيين لا يستلمان وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأوّل بين بعض الصحابة وبعض التابعين، ثم ذهب الخلاف وتخصيص الركنين لأنهما

стр. 5354

وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيةُ، فَإنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النعَال الَّتِي لَيسَ فِيهَا شَعَرٌ. وَيتَوَضَّأُ فِيهَا ــ كانا على قواعد إبراهيم ﵇ بخلاف الركنين الآخرين لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵇ ولما ردهما عبد الله بن الزبير على قواعد إبراهيم ﵇ استلمهما أيضًا، ولو بُني الآن كذلك استملت كلها اقتداء به ﷺ صرح به القاضي عياض، وقال ابن عبد البر: روى عن جابر وأنس وابن الزبير والحسن والحسين ﵃ أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك، واختلف عن معاوية وابن عباس في ذلك وقال أحدهما: ليس شيء من البيت مهجورًا، والصحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: إلا الركن الأسود واليماني، وهما المعروفان باليمانيين، ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر سأله عن ذلك، قال الحافظ: وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورًا؛ بأنا لم ندع استلامهما هجرًا للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به ولكنا نتبع السنة فعلًا وتركًا، ولو كان ترك استلامهما هجرًا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرًا لها ولا قائل به، ويؤخذ منه حفظ المراتب، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل كل واحد منزلته. (فائدة) في البيت أربعة أركان الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم ﵇ وللثاني الثانية فقط وليس للآخرين شيء منهما فلذلك يقبل الأول ويُستلم ويُستلم الثاني فقط، ولا يُقبل الآخران ولا يُستلمان هذا على رأي الجمهور، واستحب بعضهم تقبيل الركن اليماني أيضًا اهـ وهو قول محمد من أصحابنا قياسًا على الركن الأول كما في شرح المشكاة اهـ فتح الملهم. (وأما النعال) أي وأما تَخَصُّصِي بلبس النعال (السبتية) جمع نعل وهي مؤنثة، قال ابن الأثير: وهي التي تسمى الآن تاسومة، وقال ابن العربي: النعل لباس الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق على كل ما يقي القدم، قال صاحب المحكم: النعل والنعلة ما وُقيت به القدم (فإني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليس فيها شعر) وهي التي تصنع من الجلود المدبوغة تُعمل بالطائف وغيره، وإنما كان يلبسها أهل الرفاهية (ويتوضأ فيها) ظاهره أنه ﷺ كان يغسل رجليه وهما في النعلين لأن قوله فيها أي في النعال ظرف لقوله يتوضأ

стр. 5355

فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ، فَإِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا. فَأنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا. وَأَمَّا الإِهْلالُ فِإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ــ قاله العيني، وقال النواوي: معناه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان اهـ (فأنا أحب أن ألبسها) أي أن ألبس النعال السبتية أسوة برسول الله ﷺ في سيرتي (وأما الصفرة) أي وأما تَخَصُّصِي بصبغ الصفرة (فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ) ثيابه (بها) أي بالصفرة، قال النواوي: الأظهر كون المراد في هذا الحديث صبغ الثياب، قال ابن عبد البر: لم يكن رسول الله ﷺ يصبغ بالصفرة إلا ثيابه، وأما الخضاب فلم يكن ﷺ يخضب (فأنا أحب أن أصبغ بها) أي بالصفرة وأسوة برسول الله ﷺ في هيئاته (وأما الإهلال) أي وأما تأخير الإهلال إلى يوم التروية (فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل) أي يحرم ويُلبي (حتى تنبعث) وتنهض (به) ﷺ (راحلته) وانبعاثها هو استواؤها قائمة، فهو بمعنى قوله في الحديث السابق إذا استوت به راحلته، وفي الحديث الآتي إذا استوت به الناقة قائمة اهـ نواوي، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج، والراحلة هي المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى، قال العيني: فيه حكم الإهلال، واختلف فيه فعند البعض الأفضل أن يهل لاستقبال ذي الحجة، وعند الشافعي الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يحرم عقيب الصلاة وهو جالس قبل ركوب دابته وقبل قيامه اهـ قال النواوي: وأما فقه المسئلة فقال المازري: أجاب ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله ﷺ على المسألة بعينها فاستدل بما في معناه ووجه قياسه أن النبي ﷺ أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج وتوجهه إليه وهو يوم التروية فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى، ووافق ابن عمر على هذا الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك وغيرهم، وقال آخرون: الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء، والخلاف في الاستحباب وكل منهما جائر بالإجماع والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٧ - ١٨] والبخاري [١٦٦] وأبو داود

стр. 5356

٢٧٠٠ - (٠٠) (٠٠) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي أبُو صَخْرٍ، عَنِ ابْنِ قُسَيطٍ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ جُرَيجٍ. قَال: حَجَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄. بَينَ حَجٍّ وَعُمْرَةِ. ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! لَقَدْ رَأَيتُ مِنْكَ أرْبَعَ خِصَالٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِهذَا الْمَعْنَى إلا فِي قِصَّةِ الإِهْلالِ فَإِنَّهُ خَالفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ. فَذَكَرَهُ بِمَعْنًى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ ــ [١٧٧٢] والترمذي في الشمائل [٧٤١] والنسائي [١/ ٨٠ - ٨١] ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر هذا رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٧٠٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر، ثقة، من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (حدثني أبو صخر) حميد بن زياد الخراط المدني، قال في التقريب: صدوق يهم، من (٦) مات سنة (١٨٩) روى عنه في (٦) أبواب (عن) يزيد بن عبد الله (بن قسيط) مصغرًا الليثي المدني الأعرج، ثقة، من (٤) روى عنه في (٥) أبواب (عن عبيد بن جريج) التيمي المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (١) الحج (قال) عبيد (حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ بين حج وعمرة ثنتي عشرة مرة) وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد مكي، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن قسيط لسعيد المقبري في رواية هذا الحديث عن عبيد بن جريج، قال عبيد بن جريج (فقلت) لابن عمر (يا أبا عبد الرحمن) والله (لقد رأيت منك أربع خصال) أي أربع حالات (وساق) ابن قسيط أي ذكر (الحديث) السابق (بهذا المعنى) أي بمعنى حديث المقبري لا بلفظه (إلا في قصة الإهلال) أي إهلال ابن عمر يوم التروية (فإنه) أي فإن ابن قيسط (خالف) في روايته (رواية) سعيد (المقبري فذكره) أي فذكر ابن قسيط الإهلال (بمعنى سوى ذكره) أي ذكر المقبري (إياه) أي الإهلال أي ذكر ابن قسيط الإهلال بمعنى مخالف للمعنى الذي ذكره المقبري. ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر هذا بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 5357

٢٧٠١ - (١١٦٠) (٨٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً، أَهَل مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ. ٢٧٠٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيسَانَ، ــ ٢٧٠١ - (١١٦٠) (٨٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٤) بابا (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العدوي المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن نافع عن ابن عمر ﵄ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان وواحد مكي (قال) ابن عمر (كان رسول الله ﷺ إذا وضع رجله) وحط قدمه (في الغرز) بفتح الغين المعجمة ثم راء ساكنة ثم زاي وهو ركاب كور البعير إذا كان من جلد أو خشب، وقيل هو الكور مطلقًا كالركاب للسرج، قال الزمخشري في المقالة الأولى من نصائحه الصغار بعدما ساق الكلام في أبوة العلم وأمومة التقوى: فأحرز نفسك في حرزهما ... واشدد يديك بغرزهما (وانبعثت) أي نهضت وتحركت (به راحلته) حالة كونها (قائمة) مستقيمة معتدلة وهو معطوف على فعل شرط إذا، وجوابه قوله (أهل) أي أحرم ولبى (من ذي الحليفة) عند مسجدها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٨ و ٣٩]، والبخاري [٢٨٦٥]، وابن ماجه [٢٩١٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٢٧٠٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى البزاز المعروف بالحمال، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٩) أبواب (حدثنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور، ثقة، من (٩) روى عنه في (٣) أبواب (قال) الحجاج (قال) لنا عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من (٦) روى عنه في (١٦) بابا (أخبرني فيلح بن كيسان) الغفاري أبو محمد المدني، ثقة، من (٤) روى عنه

стр. 5358

عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما؛ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَل حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً. ٢٧٠٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أن عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيفَةِ. ثُمَّ يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوي بِهِ قَائِمَةً. ٢٧٠٤ - (١١٦١) (٨١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسى (قَال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا. وَقَال حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب) أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ــ في (٥) أبواب (عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة ابن كيسان لعبيد الله بن عمر (أنه) أي أن ابن عمر (كان يُخبر) ويحدّث لنا (أن النبي ﷺ أهل) وأحرم (حين استوت) ونهضت (به ناقته) حالة كونها (قائمةً) أي مستقيمة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال: ٢٧٠٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سالم بن عبد الله أخبره أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سالم لنافع (رأيت رسول الله ﷺ ركب راحلته بذي الحليفة) عند مسجدها (ثم يهل) أي ثم أهل أي أحرم ولبى (حين تستوي) وتنبعث (به) ناقته، حالة كونها (قائمة) أي معتدلة. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٢٧٠٤ - (١١٦١) (٨١) (وحدثني حرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري، صدوق، من (١٠) (قال أحمد حدثنا وقال حرملة أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب

стр. 5359

أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّهُ قَال: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيفَةِ مَبْدَأَهُ. وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا ــ العدوي أبا بكر المدني شقيق سالم، ثقة، من (٣) روى عنه في (٣) أبواب (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مصريان وواحد مكي وواحد أيلي (أنه قال بات رسول الله ﷺ بذي الحليفة مبدأه) بفتح الميم والدال بينهما موحدة ساكنة ظرف زمان من بدأ الثلاثي وبضم الميم وفتح الدال ظرف زمان من ابتدأ الخماسي أي بات وقت بدأ سيره إلى مكة في حجة الوداع أو وقت ابتداء سيره إلى مكة (وصلى في مسجدها) ركعتين سنة الإحرام، وهذا المبيت ليس من أعمال الحج ولا من سننه، قال القاضي: لكن من فعله تأسيًا بالنبي ﷺ فحسن والله تعالى أعلم اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٥/ ١٢٦]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث، الأول حديث ابن عمر الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستدلال به الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث ابن عمر الثالث ذكره للاستشهاد به للحديث الثاني له وذكر فيه متابعتين، والرابع حديث ابن عمر الرابع ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا أحاديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

стр. 5360

٤٦٣ - (١٩) باب: استحباب الطيب للمحرم لحرمه ولحله وأنه لا بأس ببقاء وبيصه وطوافه على نسائه ٢٧٠٥ - (١١٦٢) (١٩) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها. قَالتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ. وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيتِ ــ ٤٦٣ - (١٩) باب استحباب الطيب للمحرم لحرمه ولحله وأنه لا بأس ببقاء وبيصه وطوافه على نسائه ٢٧٠٥ - (١١٦٢) (٨٢) (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان المكي، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (أخبرنا صفيان) بن عيينة (عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها) وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد كوفي وواحد مكي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي (قالت) عائشة (طيبت رسول الله ﷺ لحرمه) بضم الحاء وكسرها، وأنكر ثابت الضم على المحدثين وقال: إنما يقال حرمه بالكسر كما يقال حله بالكسر وكما قرئ ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي عند إحرامه فهو اسم مصدر لأحرم الرباعي، فاللام للتوقيت كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي عند دلوك الشمس أو التعليل أي لأجل إحرامه (حين أحرم) أي حين أراد أن يحرم أي قبل أن يحرم لأنه لا يمكن أن يراد بالإحرام هنا فعل الإحرام فإن التطيب بالإحرام ممتنع بلا شك وإنما المراد إرادة الإحرام وقد دل على ذلك رواية النسائي (حين أراد الإحرام) وحقيقة قولها طيبت تطييب بدنه ولا يتناول ذلك تطييب ثيابه، وقد دل على اختصاصه ببدنه الرواية الأخرى التي فيها كأني انظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ قال الحافظ: واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام وهو قول الجمهور، وعن مالك يحرم ولكن لا فدية، وفي رواية عنه تجب، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده (ولحله) بكسر الحاء أي وعند تحلله التحلل الأول بالرمي والحلق (قبل أن يطوف) طواف الإفاضة (بالبيت) والظرف متعلق بحله، وفيه دليل على أن التطيب يحل بالتحلل الأول خلافًا لمن ألحقه بالجماع لاستدعائه الجماع. وشارك
следующие страницы →