← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

قَال: "نَعَمْ" وَذلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ. (٣١٣٣) - (٠٠) (٠٠) حدّثني عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضلِ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبِي شَيخٌ كَبِيرٌ. عَلَيهِ فَرِيضَةُ اللهِ في الْحَجِّ. وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَويَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "فَحُجِّي عَنْهُ" ــ الاستخباري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، والتقدير أيجزئ النيابة في الحج فأحج عنه؟ أو أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه؟ كما هو مذهب الزمخشري خلافًا للجمهور كما بسطنا الكلام على أمثال هذا في تفسيرنا حدائق الروح والريحان في مواضع كثيرة (قال) رسول الله ﷺ (نعم) حجي عنه (وذلك) السؤال والجواب (في حجة الوداع) قال العيني: فيه جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلَّا عن ميت لم يحج حجة الإِسلام. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٣٤٦] , والبخاري [١٥١٣] , وأبو داود [١٨٠٩] , والنَّسائيّ [٥/ ١١٨] , وابن ماجه [٢٩٠٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٣٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثني علي بن خَشْرم) بن عبد الرَّحْمَن المروزي (أخبرنا عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) (عن ابن جريج عن ابن شهاب حَدَّثَنَا سليمان بن يسار عن ابن عباس عن الفضل) بن عباس. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد طائفي وواحد مكّيّ وواحد كُوفِيّ وواحد مروزي، وفيه رواية صحابي عن صحابي، وتابعي عن تابعي، غرضه بسوقه بيان متابعة ابن جريج لمالك (أن امرأة من خثعم قالت: يَا رسول الله إن أبي شيخ كبير) السنن (عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع) أي لا يقدر (أن يستوي) أي أن يثبت (على ظهر بعيره فقال النَّبِيّ ﷺ لها (فحجي عنه) أي عن أبيك. قوله (عن ابن عباس عن الفضل) قال الحافظ: كذا قال ابن جريج، وتابعه معمر،

стр. 5952

(٣١٣٤) - (١٢٥٠) (٢٣٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أبي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ــ وخالفهما مالك، وأكثر الرواة عن الزُّهْرِيّ لم يقولوا فيه عن الفضل، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كُريب عن أَبيه عن ابن عباس أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال: قلت: يَا رسول الله إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج .. الحديث، قال التِّرْمِذِيّ: سألت محمدًا يعني البُخَارِيّ عن هذا فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل. قال: فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره، ثم رواه بغير واسطة اهـ، وإنما رجح البُخَارِيّ الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النَّبِيّ ﷺ حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة فكأن الفضل حدّث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة فحضره ابن عباس فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة عما شاهده، ويؤيد ذلك ما وقع عند التِّرْمِذِيّ وأَحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث علي مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان شاهدًا فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أَيضًا كان معه اهـ. وقوله (لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) هذا هو المسمى بالمعضوب من العضب بمعنى القطع، وبه سمي السيف عضبًا وكأن من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه إذ لا يقدر على شيء، فمجموع الروايتين دلت على أنَّه لا يقدر على الاستواء على الراحلة، ولو استوى لم يثبت عليها. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٣٤ - (١٢٥٠) (٢٣٠) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب و) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكيّ (جميعًا عن ابن عيينة قال أبو بكر حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) بصيغة السماع (عن إبراهيم بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدنِيُّ، ثِقَة، من (٦) (عن كُريب) مصغرًا ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم (مولى ابن عباس) أبي رشدين

стр. 5953

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ. فَقَال: "مَنِ الْقَوْمُ؟ " قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَال: "رَسُولُ اللهِ" فَرَفَعَتْ إِلَيهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالتْ: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَال: "نَعَمْ. وَلَكِ أَجْرٌ" ــ المدنِيُّ، ثِقَة، من (٣) (عن ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان كوفيان أو كُوفِيّ ونسائي أو كُوفِيّ ومكيّ وواحد طائفي، قال ابن عباس (لقي) النَّبِيّ ﷺ (ركبًا) أي أصحاب الإبل راكبين عليها، وهو بفتح الراء وسكون الكاف، جمع راكب أو اسم جمع له كصحب وصاحب، وهو العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون سائر الدواب، ثم اتسع لكل جماعة؛ أي لقيهم في سفر حجة الوداع (بالروحاء) -بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة الممدودة- موضع معروف بين الحرمين من عمل الفرع بينه وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي كتاب مسلم ستة وثلاثون ميلًا، وفي كتاب ابن أبي شيبة ثلاثون ميلًا، زاد في رواية أبي داود فسلم عليهم (فقال) لهم النَّبِيّ ﷺ على سبيل الاستفهام من القوم (من القوم) أي من أنتم؟ أي فسألهم سؤال من لم يعلم من كانوا إما لأنهم كانوا في ليل، وإما لأن هؤلاء الركب كانوا فيمن أسلم ولم يهاجروا (قالوا: المسلمون) أي نحن مسلمون (فقالوا) له ﷺ (من أَنْتَ) قال القاضي عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلًا فلم يعرفوه ﷺ ، ويحتمل كونه نهارًا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك (قال) النَّبِيّ ﷺ لهم أنا (رسول الله) ﷺ (فرفعت إليه) ﷺ (امرأة) منهم (صبيًّا) لها، في بعض الروايات (من محفة) بكسر الميم كما جزم به النووي وغيره، وحكى القاضي في المشارق بالكسر والفتح بلا ترجيح؛ شبه الهودج إلَّا أنَّه لا قبة عليها (فقالت) المرأة للنبي ﷺ (أ) يصح (لهذا) الصبي (حج) إن حججت به (قال) رسول الله ﷺ (نعم) له حج النفل، وقال عمر وكثيرون: فتكتب حسناته دون السيئات، نقله الزرقاني في شرح المواهب (ولك أجر) وثواب يعني بسبب ما تكلفته من أمره بالحج وتعليمها إياه وتجنيبها إياه محظورات الإحرام، زاد قوله (ولك أجر) على جواب سؤالها ترغيبًا لها، قال القاري: أجر السببية وهو تعليمه إن كان مميزًا، أو أجر

стр. 5954

(٣١٣٥) - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّد بْنُ الْعَلَاءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ النيابة في الإحرام والرمي والإيقاف والحمل في الطواف والسعي إن لم يكن مميزًا اهـ، قال النواوي: وفي الحديث حجة للشافعي ومالك وأَحمد وجماهير العلماء أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزيه عن حجة الإِسلام بل يقع تطوعًا وهذا الحديث صريح فيه، وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه، قال أصحابه: وإنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم، قال القاضي: ولا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع ولا يلتفت إلى قولهم بل هو مردود بفعل النَّبِيّ ﷺ وأصحابه وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنَّه هل ينعقد حجه وتجري عليه أحكام الحج وتجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله ويقول: إنما يجب ذلك تمرينًا على التعليم، والجمهور يقولون: تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون: حجه منعقد يقع نفلًا لأن النَّبِيّ ﷺ جعل له حجًّا، قال القاضي: وأجمعوا على أنَّه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإِسلام إلَّا فرقة شذت، فقالت: يجزئه، ولم تلتفت العلماء إلى قولها. قال القرطبي: ورفع الصبي يدل على صغره وأنه لم يكن (جفرًا) قال في اللسان: الجفر الصبي إذا انتفخ لحمه وأكل وصارت له كرش اهـ، ولا مراهقًا إذ لا ترفعه غالبًا إلَّا وهو صغير، وفي الموطإ: فأخذت بضبعي صبي لها وهو في محفتها. والضبعان العضدان فأخرجته من محفتها اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٢١٩] , وأبو داود [١٧٣٦] , والنَّسائيّ [٥/ ١٢٠ - ١٢١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه فقال: ٣١٣٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كُريب محمَّد بن العلاء) بن كُريب الهمداني الكُوفيّ (حَدَّثَنَا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكُوفيّ (عن سفيان) بن سعيد الثَّوريّ الكُوفيّ (عن محمَّد بن عقبة) بن أبي عياش -بتحتانية ومعجمة بينهما أَلْف- الأسدي المدنِيُّ، ثِقَة، من (٦) (عن كُريب) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمَّد بن عقبة لإبراهيم بن

стр. 5955

قَال: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًا لَهَا. فَقَالت: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذا حَجٌّ؟ قَال: "نَعَمْ. وَلَكِ أجْرٌ". (٣١٣٦) - (٠٠) (٠٠) وحدثني محمدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيبٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًا فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَال: "نَعَمْ. وَلَكِ أَجْرٌ". (٣١٣٧) - (٠٠) (٠٠) وحدثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّد بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. بِمِثْلِهِ ــ عقبة في رواية هذا الحديث عن كُريب (قال) ابن عباس (رفعت امرأة صبيًّا لها) من محفتها (فقالت) المرأة (يَا رسول الله أ) يصح (لهذا) الصبي (حج؟ قال) رسول الله ﷺ (نعم) يصح له حج (ولك أجر) بما حججت عنه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه ثانيًا فقال: ٣١٣٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن) بن مهدي بن حسان الأَزدِيّ البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا سفيان) الثَّوريّ (عن إبراهيم بن عقبة) بن أبي عياش المدنِيُّ (عن كُريب) عن ابن عباس. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سفيان الثَّوريّ لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن إبراهيم (أن امرأة رفعت صبيًّا) لها من محفتها (فقالت: يَا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عباس ﵄ فقال: ٣١٣٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا ابن المثنَّى حَدَّثَنَا عبد الرَّحْمَن) بن مهدي (حَدَّثَنَا سفيان) الثَّوريّ (عن محمَّد بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي المدنِيُّ (عن كُريب عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة محمَّد بن عقبة لإبراهيم بن عقبة في رواية هذا الحديث عن كُريب في طريق محمَّد بن المثنَّى، وأما المتابعة السابقة بين ابني عقبة ففي طريق السفيانين فلا تكرار في متابعة ابن عقبة كما توهمه بعضهم، تأمَّل وساق محمَّد بن عقبة (بمثله) أي بمثل ما روى إبراهيم بن عقبة عن كُريب في السند قبل هذا. والله أعلم.

стр. 5956

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث، الأول حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثماني متابعات، والثاني حديث عائشة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث حديث ابن عباس الأول ذكره للاستدلال على الجزء الثالث من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع حديث ابن عباس الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات. والله أعلم بالصواب وإليه الرجعى والمآب، ومنه نرتجي المتاب من كل المحاب، وهذا آخر ما يسره الله لي بتوفيقه من المجلد الثامن من الكوكب الوهاج على صحيح مسلم بن الحجاج، وقد فرغت منه قبيل الغروب يوم الاثنين المبارك من تاريخ ٢٥/ ٣ / ١٤٢٤ من الهجرة المصطفية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وكان تاريخ الشروع في هذا المجلد ١٢/ ٦ / ١٤٢٣ هـ. وجملة ما شرحت فيه من الأحاديث الغير المكررة (٢٣٠) مائتان وثلاثون حديثًا، وجملة ما فيه من الأبواب سبعون بابا. والحمد لله الذي تتم به الصالحات، والصلاة والسلام على سيد الخلق والخليقات، سيدنا محمَّد أفضل الكائنات، وعلى آله وصحبه السادات القادات، وتابعيهم بإحسان إلى يوم المحاسبات، آمين آمين يَا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات. *** تم المجلد الثامن من الكوكب الوهاج والروض البهاج على صحيح مسلم بن الحجاج، ويليه المجلد التاسع (١)، عشر وأوله باب فرض الحج في العمر مرة واشتراط وجود المحرم مع المرأة في سفرها للحج وغيره ــ (١) وهذا حسب تقسيم المؤلف حفظه الله لنسخته الخطية في (١٦) مجلدًا، ثم ارتأى حفظه الله بعد دفعه للطباعة أن يكون في (٢٦) مجلدًا.

стр. 5957

شرح صحيح مسلم المسمَّى الكوكب الوهَّاج والرَّوض البَهَّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج جمع وتأليف محمد الأمين بن عبد الله الأُرمي العلوي الهَرَري الشافعي نزيل مكة المكرمة والمجاور بها مراجعة لجنة من العلماء برئاسة البرفسور هاشم محمد علي مهدي المستشار برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة الجزء الخامس عشر دار المنهاج دار طوق النجاة

стр. 5958

الطّبعَة الأولى ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م جميع الحقوق محفوظة للناشر دار المنهاج جدة- السعودية دار طوق النجاة بيروت- لبنان

стр. 5959

شرح صحيح مسلم

стр. 5960

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5961

تفرج بالروض البهاج ... واستضئ بالكوكب الوهاج فإنَّه غنية المحتاج ... إلى صحيح مسلم بن الحجاج غفر الله له ولوالديه ولمولوديه ما علوا وسفلوا ولمشايخه وأساتيذه وأصدقائه وأحبائه ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات آمين آمين يَا رب العالمين ولقد أجاد من قال: كرر علي حديثهم يَا حادي ... فحديثهم فيه الشفا لفؤادي كرر علي حديثهم فلربما ... لأن الحديد بضربة الحداد آخر حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالكل أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنه لدميم التاريخ ٢٦/ ٣ / ١٤٢٤ هـ الحمد لله الذي شرح صدور أوليائه، بمعارف أحاديث خير أنبيائه، ووفقهم لخدمتها بما عندهم من النقول الواصلة، والفيوض الهاطلة، وأشهد أن لا إله إلَّا الله الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المرسل بصحيح القول وحسنه، إلى كافة خلقه من إنسه وجنه، رحمة لأهل أرضه وسمائه، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم جمعه على طريق شرعه. (أما بعد): فإنِّي لما فرغت من تسطير المجلد الثامن بما عندي من النقول الواصلة والفيوض الهاطلة، تفرغت لبداية المجلد التاسع من هذا الشرح البليل، ليس بالبسيط ولا بالطويل؛ لأن الحمولة بقدر قوة حاملها مستمدًا من الله التوفيق والهداية لأقوم الطريق في حله وفكه لمبانيه ومعانيه بما عندي من علمي المعقول والمنقول فقلت وقولي هذا:

стр. 5962

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥١٥ - (١) باب فرض الحج في العمر مرة واشتراط وجود المحرم في جواز سفر المرأة لحج أو غيره ٣١٣٨ - (١٢٥١) (١) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَنرَةَ. قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ الله عَلَيكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا" فَقَال رَجُلٌ: ــ ٥١٥ - (١) باب فرض الحج في العمر مرة واشتراط وجود المحرم في جواز سفر المرأة لحج أو غيره ٣١٣٨ - (١٢٥١) (١) (وحدثني زهير بن حرب حَدَّثَنَا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطيّ، ثِقَة، من (٩) (أخبرنا الرَّبيع بن مسلم القُرشيّ) الجمحي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٧) (عن محمَّد بن زياد) الجمحي المدنِيُّ، ثِقَة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁، وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بصري وواحد نسائي وواحد واسطيّ (قال) أبو هريرة: (خطبنا رسول الله ﷺ قال الأبي: يمتنع أن تكون هذه الخطبة في الحج لأنه ﷺ إنما حج في العاشرة، وفرض الحج كان سابقًا، قيل سنة خمس، وقيل تسع إلَّا أن يكون قاله أَيضًا في حجة الوداع اهـ (فقال) في خطبته: يَا (أيها النَّاس قد فرض الله عليكم) أي على من استطاع منكم (الحج فحجوا) بيت الله تعالى قاله ﷺ حين نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ﴾ فحج بالنَّاس سنة ثمان وهي عام الفتح عتاب بن أسيد، وحج بهم أبو بكر سنة تسع، وكان حجته ﷺ سنة عشر آخره إلى أن انمحت آثار الشِّرك وتقررت أحكام الشرع لكنه ﷺ كان يعتمر لأن أمر العمرة أيسر وليس له وقت معين، ووجوب الحج كان بالآية المذكورة، وهي نزلت عام الفتح، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنما هو أمر بإتمام ما شرع فيه وليس فيه دلالة على الإيجاب من غير شروع نص عليه العيني في شرح الكنز (فقال رجل) من الحاضرين: هو الأقرع بن حابس كما في سنن ابن ماجه

стр. 5963

أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! فَسَكَتَ. حَتَّى قَالهَا ثَلَاثًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ. لَوَجَبَتْ. وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ". ثُمَّ قَال: "ذَرُونِي ــ (أ) فرض علينا أن نحج (كل عام يَا رسول الله) فالظرف متعلق بفعل محذوف بعد الهمزة؛ أي أتأمرنا أن نحج في كل عام أو أفرض علينا أن نحج كل عام، قاله قياسًا على ما تكرر من العبادات كالصوم والزكاة، فإن الأول عبادة بدنية، والثاني طاعة مالية؛ والحج مركب منهما، قال النووي: واختلف الأصوليون في أن الأمر هل يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقف فيما زاد على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف لأنه سأل فقال: أكل عام؟ ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل، ولقال له النَّبِيّ ﷺ لا حاجة إلى السؤال بل مطلقه محمول على كذا اهـ قال في المرقاة: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال، ولم يدر أن تكراره كل عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال كما لا يخفى على أهل الكمال ا. هـ. (فسكت) النَّبِيّ ﷺ عن جوابه زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى لأن النَّبِيّ ﷺ لم يكن يسكت عما تحتاج الأمة إلى كشفه، فالسؤال عن مثله تقدم بين يدي رسول الله ﷺ وقد نهوا عنه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والإقدام عليه ضرب من الجهل (حتَّى قالها) أي حتَّى قال السائل تلك الكلمة. التي تكلمها (قال رسول الله ﷺ : لو قلت) في جواب السؤال فرضًا وتقديرًا، ولا يبعد أن يكون سكوته ﷺ انتظارًا للوحي أو للإلهام (نعم، لوجبت) الحجة كل سنة، والضمير في وجبت للحج وتأنيثه باعتبار كونه عبادة أو حجة، قال ابن الملك: احتج به من قال: الحكم مفوض إلى رأيه ﷺ ولا يشترط فيه أن يكون بوحي نازل اهـ قال الحافظ: واستدل به على أن النَّبِيّ ﷺ كان يجتهد في الأحكام لقوله: "لو قلت نعم لوجبت" وأجاب من منع باحتمال أن يكون أُوحي إليه ذلك في الحال اهـ (ولما استطعتم) بإعادة اللام الجوابية؛ أي ولما أطقتم وقدرتم كلكم إتيان الحج في كل عام، ولا يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها (ثم قال) ﷺ : (ذروني) أي

стр. 5964

مَا تَرَكتُكُمْ. فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. فَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ــ اتركوني عن السؤال (ما تركتكم) عن الأمر، وفيه أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل الشرع، قال الحافظ: والمراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة اهـ، وقال القرطبي: معنى ذروني أي احملوا اللفظ على مدلوله الظاهر لغة وإن صلح لغيره فلا تكثروا في الاستقصاء خوف أن يكثر الجواب، فالمعنى في الحديث حجوا المرة الواحدة لأنها مدلول اللفظ وإن صلح للتكرار فيتعين التغافل عنه، ولا يكثر السؤال فيه خوف أن يكثر الجواب كما اتفق لبني إسرائيل في البقرة إذ قيل لهم: اذبحوا بقرة فلو بادروا وذبحوا أي بقرة صدق اللفظ وعدوا ممتثلين، ولكن لما أكثروا السؤال كثر الجواب وشددوا فشدد عليهم وذموا على ذلك فخاف ﷺ على أمته مثل ذلك ولذلك قال رسول الله ﷺ : (فإنما هلك من كان قبلكم) من اليهود والنصارى (بكثرة سؤالهم) لأنبيائهم كسؤال الرؤية والكلام مع الله سبحانه وقضية البقرة قاله في المرقاة، قال الأبي: وفيه مرجوحِيّة كثرة السؤال، ومنه ما اتفق لأسد بن الفرات مع مالك حين أكثر السؤال بقوله: فإن كان كذا فقال له مالك: هذه سلسلة بنت أخرى إن أردت هذا فعليك بأهل العراق إلَّا أن يقال لا يلزم من المنع هنا المنع في غيره لما أشار إليه ﷺ من أنَّه في مقام التشريع فخالف الافتراض فيما يشق ولا يقدر عليه اهـ (و) بـ (اختلافهم على أنبيائهم) قال الأبي: فهو زيادة على ما وقع فإن الذي وقع إنما هو إلحاح في السؤال لا اختلاف، وقال: واختلافهم عطف على الكثرة لا على السؤال لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك من غير الكثرة يعني إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال أو قبله، واختلفوا عليهم فهلكوا واستحقوا الإهلاك (فهإذا أمرتكم بشيء) مطلق من أوامر الشرع كما إذا قال: صم أو صل أو تصدق (فأتوا منه) أي من ذلك الشيء الذي أمرتكم به أي فافعلوا منه (ما استطعتم) أي ما قدرتم عليه فيكفي من ذلك المذكور آنفًا أقل ما ينطلق عليه الاسم فيصوم يومًا ويصلي ركعتين ويتصدق بشيء يتصدق بمثله لأن ما لا يدرك كله لا يُترك جُله فإن قيد شيئًا من ذلك بقيود ووصفه بأوصاف لم يكن بد من امتثال أمره على ما فصل وقيد، وإن كان فيه أشد المشقات وأشق التكاليف وهذا مما لا يختلف فيه إن

стр. 5965

وَإِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَدَعُوهُ" ــ شاء الله تعالى أنَّه هو المراد من الحديث اهـ من المفهم (وإذا نهيتكم) أي زجرتكم (عن شيء) من نواهي الشرع (فدعوه) أي فاتركوه ولا تقربوا إلى شيء منه يعني أن النهي على نقيض الأمر وذلك أنَّه لا يكون ممتثلًا بمقتضى النهي حتَّى لا يفعل واحدًا من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحدًا فقد خالف وعصى فليس في النهي إلَّا ترك ما نُهي عنه مطلقًا دائمًا وحينئذ يكون ممتثلًا لترك ما أُمر بتركه بخلاف الأمر على ما تقدم، وهذا الأصل إذا فهم هو ومسألة مطلق الأمر هل يحمل على الفور أو التراخي أو على المرة الواحدة أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبواب من القصة لا تخفى اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النَّسائيّ [٥/ ١١٠ - ١١١]. وقوله: (فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه) إلخ قال الحافظ: فيه إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلًا عما لا يحتاج إليه في الحال فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي فاجعلوا اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع فينبغي للمسلم أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله، ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به، ثم يتشاغل بالعمل به فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد حقيته، وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به أن لو وقع فأما إن كانت الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع فإن هذا مما يدخل في النهي، فالتفقه في الدين إنما يُحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدال اهـ. قوله: (ما استطعتم) قال الطيبي: هذا من أَجل قواعد الإِسلام ومن جوامع الكلم ويندرج فيه ما لا يُحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإنَّه إذا عجز عن بعض أركانها أو شروطها يأتي بالباقي منها، قال النووي: وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قوله: (فدعوه) قال الحافظ: ثم إن هذا النهي عام في جميع المناهي ويستثنى من ذلك ما يكره المكلف على فعله كشرب الخمر وهذا على رأي الجمهور، وخالف قوم فتمسكوا بالعموم فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها، والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجدت صورة الإكراه المعتبرة اهـ.

стр. 5966

٣١٣٩ - (١٢٥٢) (٢) حَدَّثَنَا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. قَالا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ القَطَّانُ) عَنْ عُبَيدِ اللهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا تُسَافِر الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". ٣١٤٠ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ نُمَيرٍ ــ ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣١٣٩ - (١٢٥٢) (٢) (حَدَّثَنَا زهير بن حرب ومحمَّد بن المثنَّى قالا: حَدَّثَنَا يحيى) بن سعيد بن فروخ التَّمِيمِيّ البَصْرِيّ (وهو القطَّان عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري (أخبرني نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال: لا تسافر المرأة ثلاثًا) أي مسيرة ثلاث ليال (إلا ومعها ذو محرم) أي صاحب قرابة لها، وهذا يعم ذوي المحارم سواء كان بالصهر أو بالقرابة وهو قول الجمهور غير أن مالكًا قد كره سفر المرأة مع ابن زوجها وذلك لفساد النَّاس بعد اهـ من المفهم. وقوله: (لا تسافر المرأة ثلاثًا) الح قال الحنفية: فيباح لها الخروج بغير محرم فيما دونها يعني إذا كان لحاجة، قال ابن الهمام: ويُشكل عليه ما في الصحيحين عن قزعة عن أبي سعيد الخُدرِيّ مرفوعًا: "لا تسافر المرأة يومًا إلَّا ومعها زوجها أو ذو محرم منها" وأخرجا عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلَّا مع ذي محرم عليها" وفي لفظ لمسلم "مسيرة ليلة" وفي لفظ "يوم" وفي لفظ لأبي داود "بريدًا" وهو عند ابن حبان في صحيحه, والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وللطبراني في معجمه ثلاثة أميال فقيل له: إن النَّاس يقولون: ثلاثة أيام فقال: وهموا، قال المنذري: وليس في هذه الروايات تعارض فإنَّه يحتمل أنَّه ﷺ قالها في مواطن مختلفة بحسب الأسئلة، ويحتمل أن يكون ذلك كله تمثيلًا لأقل الأعداد، واليوم الواحد أول العدد وأقله، والاثنان أول الكثير وأقله، والثلاث أول الجمع فكأنه أشار إلى مثل هذا في قلة الزمن لا يحل لها السفر مع غير محرم فكيف بما زاد اهـ فتح الملهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣١٤٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير

стр. 5967

وَأَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. جَمِيعًا عَنْ عُبَيدِ اللهِ. بِهذَا الإِسْنَادِ. في رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: فَوْقَ ثَلَاثٍ. وَقَال ابْنُ نُمَيرٍ في رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ: "ثَلَاثَةً إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ". ٣١٤١ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا مُحَمَّد بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَال: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" ــ وأبو أسامة ح وحدثنا) محمَّد بن عبد الله (بن نمير حَدَّثَنَا أبي جميعًا) أي كل من عبد الله بن نمير وأبي أسامة (عن عبيد الله) بن عمر (بهذا الإسناد) يعني عن نافع عن ابن عمر، غرضه بيان متابعة ابن نمير وأبي أسامة ليحيى القطَّان، لكن (في رواية أبي بكر) لا تسافر المرأة (فوق ثلاث) ليال (وقال) محمَّد: (بن نمير في روايته عن أَبيه) عبد الله لا تسافر المرأة (ثلاثة) أيام (إلا ومعها ذو محرم) وهذا بيان لمحل المخالفة بين شيخيه. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٣١٤١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمَّد بن رافع) القشيري النَّيسَابُورِيّ، ثِقَة، من (١١) (حَدَّثَنَا) محمَّد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) مصغرًا يسار الديلي المدنِيُّ، صدوق، من (٨) (أخبرنا الضحاك) بن عثمان الحزاميّ المدنِيُّ، صدوق، من (٧) (عن نافع عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الضحاك بن عثمان لعبيد الله بن عمر (عن النَّبِيّ ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) أن (تسافر مسيرة) أي مسافة (ثلاث ليال) مع أيامها (إلا ومعها ذو محرم) لها أي فيحل سفرها معه وهو كل من حرم نكاحها عليه على التأبيد بقرابة أو رضاع أو مصاهرة كما في التحفة، وقال أبو السعود: لا تسافر مع أخيها رضاعًا في زماننا اهـ أي لغلبة الفساد. (قلت): ويؤيده كراهة الخلوة بها كالصهرة الشابة فينبغي استثناء الصهرة الشابة هنا أَيضًا لأن السفر كالخلوة اهـ فتح. ولم يصرح بذكر الزوج وسيأتي في حديث أبي سعيد قال في الدر المختار: ومع

стр. 5968

٣١٤٢ - (١٢٥٣) (٣) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أبي شَيبَةَ. جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ. قَال قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَهُوَ ابْنُ عُمَيرٍ) عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ــ زوج أو محرم بالغ عاقل، والمراهق كبالغ غير مجوسي، ولا فاسق مع وجوب النفقة لمحرمها عليها لأنه محبوس عليها، وقولنا: غير مجوسي لأنه يخشى عليها لاعتقاده حل نكاح محرمه، والفاسق الذي الذي لا مروءة له كذلك اهـ فتح الملهم. قوله: (لا يحل لامرأة) هو على العموم لأن امرأة نكرة في سياق النفي فتدخل فيه الشابة والمسنة الكبيرة وهو قول الكافة، وقال بعض أصحابنا: تخرج منه المسنة إذ حالها كحال الرَّجل في كثير من أمورها، وفيه بُعد لأن الخلوة بها تحرم وما لا يطلع عليه من جسدها غالبًا عورة فالمظنة موجودة فيها والعموم صالح لها فينبغي أن لا تخرج منه والله أعلم اهـ من المفهم. وقوله: (تؤمن بالله) إلخ مفهومه أن النفي المذكور يختص بالمؤمنات فتخرج الكافرات كتابية كانت أو حربية وقد قال به بعض أهل العلم، وأُجيب بأن الإيمان هو الذي يستمر للمتصف به خطاب الشارع فينتفع به وينقاد له فلذلك قيد به أو أن الوصف ذكر لتأكيد التحريم ولم يقصد به إخراج ما سواه والله أعلم اهـ فتح. وقال القرطبي: (قوله: مسيرة ثلاث أو يومين أو يوم وليلة) لا يتوهم منه أنَّه اضطراب أو تناقض فإن الرواة لهذه الألفاظ من الصَّحَابَة مختلفون، روى بعض ما لم يرو بعض آخر وكل ذلك قاله النَّبِيّ ﷺ في أوقات مختلفة بحسب ما سئل عليه وأيضًا فإن كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث فيصح أن يعين بعضها ويحكم عليها بحكم جميعها فينص تارة على الثلاث وتارة على أقل منها لأنه داخل فيه وقد تقدم الخلاف في أقل مدة السفر في القصر اهـ من المفهم. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي سعيد الخُدرِيّ ﵃ فقال: ٣١٤٢ - (١٢٥٣) (٣) (حدثنا قتيبة بن سعيد وعثمان بن أبي شيبة جميعًا عن جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٨) (قال قتيبة: حَدَّثَنَا جرير عن عبد الملك وهو ابن عمير) اللخمي الكُوفيّ، ثِقَة، من (٣) (عن قزعة) بن يحيى البَصْرِيّ مولى زياد بن أبي سفيان، ثِقَة، من (٣) (عن أبي سعيد) الخُدرِيّ ﵁. وهذا

стр. 5969

قَال: سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا فَأَعْجَبَنِي. فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَال: فَأَقُولُ َعَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَشُدُّوا الرِّحَال إلا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: ــ السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بصري أو اثنان كوفيان وواحد نسائي (قال) قزعة بن يحيى: (سمعت منه) أي من أبي سعيد (حديثًا فأعجبني) ذلك الحديث (فقلت له): أي لأبي سعيد أ (أَنْتَ سمعت هذا) الحديث (من رسول الله ﷺ قال) أبو سعيد: أ (فأقول) وأكذب (على رسول الله ﷺ ما لم أسمع) منه ﷺ (قال) قزعة ثم (سمعته) أي سمعت أَبا سعيد الخُدرِيّ (يقول: قال رسول الله ﷺ : قال الأبي: قول الصحابي قال رسول الله ﷺ : هو مسند سواء سمعته منه أو من غيره لأن الصَّحَابَة عدول فقوله: أَنْتَ سمعت تحقيق للأمر لا لغيره اهـ (لا تشدوا) -بفتح التاء وضم الشين والدال المهملة المشددة- بصيغة النهي في مسلم، وفي البُخَارِيّ لا تشد الرحال بصيغة المجهول بلفظ النفي (الرحال) -بكسر الراء المهملة- جمع رحل بفتحها وهو للبعير كالسرج للفرس، وكني بشد الرحال عن السفر لأنه لازمه ومعنى شدها ربطها على ظهر الدواب للركوب عند إرادة السفر وخرج ذكرها مخرج الغالب في ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي بالمعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه إنما يسافر أخرجه مسلم من طريق عمران بن أبي أويس عن سلمان الأغر عن أبي هريرة، فشد الرحال كناية عن السفر ولهذا قال ابن عابدين: وما نُسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنَّه يقول بالنهي عن زيارة قبره الشريف فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور، ومع هذا فقد رد كلامه كثير من العلماء وللإمام السبكي فيه تأليف منيف اهـ فتح الملهم. والاستثناء في قوله: (إلَّا إلى ثلاثة مساجد) مفرغ، والتقدير لا تشد الرحال إلى موضع، ولازمه منع السفر إلى كل موضع غيرها لأن المستثنى منه في المفرغ مقدر بأعم العام لكن يمكن أن يكون المراد بالعموم هنا الموضع المخصوص وهو المسجد كما سيأتي اهـ ابن حجر، فالمراد لا يسافر

стр. 5970

مَسْجدِي هذَا، وَالْمَسْجدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجدِ الأقْصَى". وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَينِ مِنَ الدَّهْرِ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا" ــ لمسجد للصلاة فيه إلَّا لهذه الثلاثة لا أنَّه لا يسافر أصلًا إلَّا لها (مسجدي هذا) يعني المسجد النبوي بالجر على البدلية، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب (والمسجد الحرام) والمراد به جميع الحرم، وقيل: يختص بالموضع الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم (والمسجد الأقصى) أي بيت المقدس، وسمي بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام في المسافة بالنسبة إلى مسجد المدينة لأنه بعيد عن مكة والبيت المقدس أبعد منه، وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء ولأن الأول أُسس على التقوى، والثاني قبلة النَّاس وإليه حجهم، والثالث: كان قبلة الأمم السالفة وقبلة المسلمين في الأوائل، قال قزعة بن يحيى: (وسمعته) أي سمعت أَبا سعيد (يقول): قال رسول الله ﷺ : (لا تسافر المرأة يومين) أي مسيرة يومين (من الدهر إلَّا ومعها ذو محرم) وقرابة (منها أو) ومعها (زوجها). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢٧٢٦] , والتِّرمذيّ [١١٦٩] , وابن ماجه [٢٨٩٨]. قال القرطبي: ومعنى قوله: (لا تشدوا الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد) أي لا تسافروا لمسجد لفعل قربة فيه إلَّا إلى هذه المساجد الثلاثة لأفضليتها ومزيتها على غيرها من المساجد، ولا خلاف في أن هذه المساجد الثلاثة أفضل من سائر المساجد كلها، ومقتضى هذا النهي أن من نذر المشي أو المضي إلى مسجد من سائر المساجد للصلاة فيه ما عدا هذه الثلاثة وكان منه على مسافة يحتاج فيها إلى إعمال المطي وشد رحالها لم يلزمه ذلك إلَّا أن يكون نذر مسجدًا من هذه المساجد الثلاثة، وقد ألحق محمَّد بن مسلمة مسجد قباء بهذه المساجد الثلاثة فصار شد الرحال في هذا الحديث عبارة عن السفر البعيد فأما لو كان المسجد قريبًا منه لزمه المضي إليه إذا نذر الصلاة فيه إذ لم يتناوله هذا النهي اهـ مفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ فقال:

стр. 5971

٣١٤٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّد بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيرٍ. قَال: سَمِعْتُ قَزَعَةَ. قَال: سَمِعْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَال: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعًا. فَأَعْجَبْنَنِي وَآنقْنَنِي. نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَة يَوْمَينِ إلا وَمَعَهَا زَوْجُهَا ــ ٣١٤٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمَّد بن المثنَّى حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر) الهذلي البَصْرِيّ المعروف بغندر (حَدَّثَنَا شعبة عن عبد الملك بن عمير) اللخمي الكُوفيّ (قال: سمعت قزعة) بن يحيى البَصْرِيّ (قال: سمعت أَبا سعيد الخُدرِيّ) وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لجرير بن عبد الحميد (قال) أبو سعيد: (سمعت من رسول الله ﷺ أوبعًا) من الخصال، وتلك الأربع هي التي ذكرت في رواية غير مسلم، قال قزعة: سمعت أَبا سعيد يحدّث بأربع عن النَّبِيّ ﷺ فأعجبْنَني وآنقنني (الأولى): لا تسافر امرأة ثلاثًا إلَّا ومعها زوجها أو ذو محرم (خ م)، (والثانية): ولا صوم في يومين يوم الفطر ويوم الأضحى (خ م س ق). (والثالثة): ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تطلع الشَّمس ولا بعد العصر حتَّى تغرب (خ ق). (والرابعة): ولا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي (خ م ت ف) اهـ من تحفة الأشراف. (فأعجبنني) أي أعجبني تلك الأربع لحسنها وغرابتها (وآنقنني) بالمد ثم نون مفتوحة ثم قاف ساكنة بعدها نونان يقال: آنقه كذا إذا أعجبه وعشقه، وشيء مونق أي معجب، قال المازري: معنى آنقنني أعجبنني، وصح تكرار المعنى لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك لقصد البيان والتأكيد، ومنه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ والصلاة من الله تعالى هي الرحمة، ومنه أَيضًا ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ والطيب هو الحلال اهـ. قال الأبي: ما في الحديث هو من عطف الشيء على نفسه ولا يجوز إلَّا مع اختلاف اللفظ كما في الحديث، ومنه قوله: فألْفَى قولها كذبًا ومينَا والمين: هو الكذب، وحلالًا طيبًا هو من التأكيد اللفظي، والتأكيد اللفظي هو تكرار اللفظ بعينه أو بمرادفه ويكون في الاسم والفعل والحرف كما هو مبين في فن النحو اهـ (نهى) عن (أن تسافر المرأة مسيرة يومين إلَّا ومعها زوجها) ذكر الزوج ورد في هذه الرواية والتي قبلها وفي حديث أبي سعيد الآتي، فلا بد من إلحاقِهِ بالمحرم في

стр. 5972

أَوْ ذُو مَحْرَمٍ. وَاقْتَصَّ بَاقِي الْحَدِيثِ. ٣١٤٤ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". ٣١٤٥ - (٠٠) (٠٠) وحدثني أَبُو غَسَّان الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعًا عَنْ ــ جواز السفر معه كما في المبارق فالروايات التي لم يذكر فيها الزوج محمولة على التي ذكر فيها (أو ذو محرم) والمراد بالمحرم من حرم عليه نكاحها بسبب قرابة أو رضاع أو مصاهرة بشرط أن يكون الرَّجل مكلفًا ليس بمجوسي ولا غير مأمون، ويشترط في المرأة أَيضًا أن لا تكون معتدة كما في المرقاة (واقتص) شعبة أي ذكر (باقي الحديث) الذي رواه جرير يعني قوله: لا تشدوا الرحال الخ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ فقال: ٣١٤٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة حَدَّثَنَا جرير) بن عبد الحميد (عن مغيرة) بن مقسم الضَّبِّيّ الكُوفيّ، ثِقَة، من (٦) (عن إبراهيم) بن يزيد النَّخَعيّ الكُوفيّ (عن سهم بن منجاب) -بكسر الميم وسكون النُّون- ابن راشد الضبي الكُوفيّ، روى عن قزعة بن يحيى في الحج، ويروي عنه (م د س ق) وإبراهيم النَّخَعيّ وضرار بن مرة، قال النَّسائيّ: ثِقَة، وقال العجلي: تابعي كُوفِيّ ثِقَة، وقال في التقريب: ثِقَة، من (٣) الثالثة (عن قزعة) بن يحيى البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٣) (عن أبي سعيد الخُدرِيّ) ﵁. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة سهم بن منجاب لعبد الملك بن عمير في رواية هذا الحديث عن قزعة (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا تسافر المرأة ثلاثًا) من الليالي مع أيامها أي مسيرتها (إلا مع ذي محرم). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال: ٣١٤٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو غسان) مالك بن عبد الواحد (المسمعي) نسبة إلى أحد أجداده البَصْرِيّ، ثِقَة، من (١٠) (ومحمَّد بن بشار) العبدي البَصْرِيّ (جميعًا عن

стр. 5973

مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ. قَال أبُو غَسَّان: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ. حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أن نَبِيَّ الله ﷺ قَال: "لا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". ٣١٤٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهذا الإِسْنَادِ. وَقَال: "أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". ٣١٤٧ - (١٢٥٤) (٤) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا ــ معاذ بن هشام) الدستوائي البَصْرِيّ (قال أبو غسان: حَدَّثَنَا معاذ) بن هشام بصيغة السماع (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي البَصْرِيّ (عن قتادة) بن دعامة البَصْرِيّ (عن قزعة) بن يحيى البَصْرِيّ (عن أبي سعيد الخُدرِيّ) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة قتادة لسهم بن منجاب وعبد الملك بن عمير، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلَّا أَبا سعيد الخُدرِيّ (أن نبي الله ﷺ قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال) مع أيامها (إلَّا مع ذي محرم) لها. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أبي سعيد ﵁ فقال: ٣١٤٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) أي حَدَّثَنَا الحديث المذكور يعني حديث أبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ (ابن المثنَّى حَدَّثَنَا) محمَّد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٩) (عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٦) (عن قتادة) بن دعامة البَصْرِيّ. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة سعيد بن أبي عروبة لهشام الدستوائي (بهذا الإسناد) يعني عن قزعة عن أبي سعيد الخُدرِيّ (و) لكن (قال) سعيد: (أكثر من ثلاث) ليال (إلَّا مع ذي محرم). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃ فقال: ٣١٤٧ - (١٢٥٤) (٤) (حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد حَدَّثَنَا ليث) بن سعد المصري (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري كيسان المدنِيُّ (عن أَبيه) أبي سعيد المقبري المدنِيُّ (أن أَبا

стр. 5974

هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيلَةٍ، إلا وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا". ٣١٤٨ - (٠٠) (٠٠) حدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَال: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَومٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" ــ هريرة قال) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد مصري وواحد بلخي (قال رسول الله ﷺ : لا يحل لامرأة مسلمة) أن (تسافر مسيرة ليلة) مع يومها (إلا ومعها رجل ذو حرمة) وقرابة (منها) وهو من لا يحل له نكاحها لحرمتها على التأبيد، وقولنا لحرمتها احتراز عن الملاعنة فإن تحريمها ليس لحرمتها بل للتغليظ، وقولنا على التأبيد احتراز عن أخت الزوجة اهـ من المبارق. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البُخَارِيّ [١٠٨٨] , وأبو داود [١٧٢٤] , والتِّرمذيّ [١١٧٠] , وابن ماجه [٢٨٩٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣١٤٨ - (٠٠) (٠٠) (حَدَّثني زهير بن حرب حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد) القطَّان البَصْرِيّ (عن) محمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة القُرشيّ العامري أبي الحارث المدنِيُّ، ثِقَة، من (٧) (حَدَّثَنَا سعيد بن أبي سعيد) المقبري (عن أَبيه) أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة ابن أبي ذئب لليث بن سعد (عن النَّبِيّ ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم) مع ليلتها (إلا مع ذي محرم) وفي أبواب التقصير من صحيح البُخَارِيّ (أن تسافر) كما في الرواية الآتية، فما وقع في طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة من رفع المضارع بإسقاط أن المصدرية فعلى حد قولهم تسمع بالمعيدي اهـ من بعض الهوامش. قال القرطبي: قوله: (مسيرة يوم) في هذه الطريقة و (مسيرة ليلة) في الطريقة التي قبلها يقال فيه لما كان ذكر أحدهما يدل على الآخر ويستلزمه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وقد جمعهما في الرواية الآتية حيث قال مسيرة يوم وليلة، والروايات يُفسر بعضها بعضًا، وقد وقع في بعض الروايات لا تسافر

стр. 5975

٣١٤٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ َعَلَى مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيلَةٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيهَا" ــ إلَّا مع ذي محرم، ولم يذكر مدة فيقتضي بحكم إطلاقه منع السفر قصيره وطويله اهـ من المفهم، واختلفت الروايات في مدة المسير ففي بعضها مسيرة يوم، وفي بعضها مسيرة ليلة، وفي بعضها مسيرة يوم وليلة، وفي بعضها مسيرة يومين، وفي بعضها مسيرة ثلاث، قال النووي: الروايات كلها صحيحة لكن لم يرد النَّبِيّ ﷺ تحديد المدة بل المراد حرمة السفر للمرأة بغير محرم، والاختلاف وقع لاختلاف السائلين، ويؤيده إطلاق رواية ابن عباس لا تسافر امرأة إلَّا مع ذي رحم محرم اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣١٤٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التَّمِيمِيّ (قال: قرأت على مالك) بن أنس المدنِيُّ (عن سعيد بن أبي سعيد) المقبري المدنِيُّ (عن أَبيه) أبي سعيد المقبري (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة مالك لابن أبي ذئب (أن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلَّا مع ذي محرم) أي قرابة (عليها) أي لها، قال النواوي: هكذا وقع هذا الحديث في نسخ بلادنا عن سعيد عن أَبيه، قال القاضي عياض: وكذا وقع في النسخ عن الجلودي وأبي العلاء والكسائي وكذا رواه مسلم في الإسناد السابق قبل هذا عن قتيبة عن الليث عن سعيد عن أَبيه وكذا رواه البُخَارِيّ ومسلم من رواية ابن أبي ذئب عن سعيد عن أَبيه، قال: واستدرك الدارقطني عليهما إخراجهما هذا عن ابن أبي ذئب وعلى مسلم إخراجه إياه عن الليث عن سعيد عن أَبيه، وقال: الصواب عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أَبيه، واحتج بأن مالكًا ويحيى بن أبي كثير وسهيلًا قالوا: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولم يذكروا عن أَبيه قال: والصحيح عن مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أَبيه، وكذا ذكره أبو مسعود الدِّمشقيّ، وكذا رواه معظم رواة الموطإ عن مالك، قال الدارقطني: ورواه

стр. 5976

٣١٥٠ - (٠٠) (٠٠) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ) حَدَّثَنَا سُهَيلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لا مْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا، إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا". ٣١٥١ - (١٢٥٥) (٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ. جَمِيعًا عَنْ ــ الزهراني والفرْوي عن مالك فقالا: عن سعيد عن أَبيه. هذا كلام القاضي (قلت): وذكر خلف الواسطيّ في الأطراف أن مسلمًا رواه عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أَبيه عن أبي هريرة، وكذا رواه أبو داود في كتاب الحج من سننه، والتِّرمذيّ في النكاح عن الحسن بن عليّ عن بشر بن عُمَر عن مالك عن سعيد عن أَبيه عن أبي هريرة، قال التِّرْمِذِيّ: حديث حسن صحيح، ورواه أبو داود في الحج أَيضًا عن القعنبي والعلاء عن مالك عن يوسف بن موسى عن جرير كلاهما عن سهيل عن سعيد عن أبي هريرة فحصل اختلاف ظاهر بين الحُفاظ في ذكر أَبيه، فلعله سمعه عن أَبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه عن أبي هريرة نفسه فرواه تارة كذا وتارة كذا، وسماعه عن أبي هريرة صحيح معروف، والله أعلم اهـ من النواوي. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٣١٥٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو كامل الجحدري) فضيل بن حسين البَصْرِيّ (حَدَّثَنَا بشر يعني ابن مفضل) بن لاحق الرَّقاشيّ مولاهم البَصْرِيّ، ثِقَة، من (٨) (حَدَّثَنَا سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان أبو يزيد المدنِيُّ صدوق، من (٦) (عن أَبيه) أبي صالح ذكوان السمان القيسي مولاهم المدنِيُّ ثِقَة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته غرضه بيان متابعة أبي صالح السمان لأبي سعيد المقبري (قال رسول الله ﷺ : لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثًا) من الليالي مع أيامها (إلا ومعها ذو محرم منها). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر ثالثًا بحديث آخر لأبي سعيد الخُدرِيّ ﵁ فقال: ٣١٥١ - (١٢٥٥) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُريب جميعًا عن

стр. 5977

أَبِي مُعَاويَةَ. قَال أَبُو كُرَيبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إلا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَو ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا". ٣١٥٢ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الأشَجُّ. قَالا: حَدَّثَنَا وكيعٌ. حَدَّثَنَا الأعْمَشُ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ ــ أبي معاوية قال أبو كُريب: حَدَّثَنَا أبو معاوية عن الأَعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخُدرِيّ) ﵁. وهذا السند من خماسياته (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون) مقدار مسافته (ثلاثة أيام) أي مسيرة ثلاثة أيام (فصاعدًا) أي فما فوقها، وقوله: (فصاعدًا) من الحال التي بيِّن بها ازدياد في مقدار شيئًا فشيئًا فحذف عاملها وجوبًا لقيام الحال مقامه، ويشترط لنصب هذه الحال كونها مصحوبة بالفاء أو بثم دون الواو لفوات معنى التدريج معها نظير قولهم: بعته بدرهم فصاعدًا، والفاء عاطفة للعامل المحذوف على ما قبلها، والتقدير هنا: سفرًا يكون مقداره ثلاثة أيام فزاد مقداره أو ذهب مقداره صاعدًا إلى فوق كما هو مبين في محله (إلَّا ومعها أبوها) والاستثناء من أعم الأحوال أي لا يحل لها أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فأكثر في حال من الأحوال إلَّا والحال أن معها أباها (أو ابنها) الكبير أو المميز لا الصغير الذي لا يُستحيى منه كابن سنتين أو ثلاث أو أربع مثلًا (أو زوجها) الكبير أو المميز (أو أخوها) كذلك (أو ذو محرم) وقرابة (منها) كعمها وخالها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجه اهـ تحفة الأشراف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد هذا ﵁ فقال: ٣١٥٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد) عبد الله بن سعيد بن حصين (الأَشَج) الكندي الكُوفيّ (قالا: حَدَّثَنَا وكيع حَدَّثَنَا الأَعمش بهذا الإسناد) يعني عن أبي صالح عن أبي سعيد، وساق وكيع (مثله) أي مثل ما روى أبو معاوية عن الأَعمش، غرضه بيان متابعة وكيع لأبي معاوية.

стр. 5978

٣١٥٣ - (١٢٥٦) (٦) حدَّثنا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَال أَبُو بَكرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أبي مَعْبَدٍ. قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعتُ النَّبِيّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: "لَا يَخلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ــ ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس ﵃ فقال: ٣١٥٣ - (١٢٥٦) (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن سفيان) بن عيينة (قال أبو بكر: حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة) بصيغة السماع (حَدَّثَنَا عمرو بن دينار) الجمحي المكيّ (عن أبي معبد) نافذ -بفاء ومعجمة- مولى ابن عباس المكيّ ثِقَة، من (٤) روى عنه في (٣) أبواب (قال: سمعت ابن عباس يقول): وهذا السند من خماسياته رجاله اثنان منهم مكيان واثنان كوفيان أو كُوفِيّ ونسائي وواحد طائفي (سمعت النَّبِيّ ﷺ يخطب) النَّاس ويعظهم، وجملة قوله: (يقول) بدل من جملة يخطب أي سمعته يقول في خطبته: (لا يخلون رجل بامرأة) أي لا ينفرد رجل منكم بامرأة أجنبية شابة أو عجوزة أكد النهي بنون التوكيد الثقيلة مبالغة في النهي قاله ملا علي: (إلَّا ومعها ذو محرم) قال النووي: هذا استثناء منقطع لأنه متى كان معها محرم لم تبق خلوة، فتقدير الحديث لا يقعدن رجل مع امرأة إلَّا ومعها محرم ولو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز اهـ، قال النووي: يحتمل أن يريد محرمًا لها فقط، ويحتمل أن يريد محرمًا لها أو له وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء فإنَّه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها كابنها وأخيها واأمها وأختها أو يكون محرم له كأخته وبنته وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال، ثم إن الحديث مخصوص أَيضًا بالزوج فإنَّه لو كان معها زوجها كان كالمحرم وأولى بالجواز كما مر آنفًا، وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحيى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة أجنبيات فإن الصحيح جوازه ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك فيباح له استصحابها بل يلزمه ذلك أَيضًا إذا خاف عليها

стр. 5979

وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللهِ! إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً. وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَال: "انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" ــ لو تركها وهذا لا اختلاف فيه كما يدل عليه حديث عائشة في قصة الإفك والله أعلم. (ولا تسافر المرأة) بصيغة النهي أي سفر كان طويلًا أو قصيرًا (إلا مع ذي محرم) يستحيى منه (فقام رجل) من الحاضرين لم أر من ذكر اسمه (فقال: يَا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة) أي أرادت الخروج للسفر قاصدة للحج وليس معها أحد من المحارم، وفي رواية وامرأتي تريد الحج (وإني اكتتبت) بالبناء للمجهول المسند إلى المتكلم من باب الافتعال أي كتب اسمي في أسماء من عُين (في غزوة كذا وكذا) أي أثبت اسمي فيمن يخرج فيها، قال القرطبي: أي ألزمت وأثبت اسمي في ديوان ذلك البعث اهـ مفهم، ولم أر من عين تلك الغزوة (قال) رسول الله ﷺ : (انطلق) أي اذهب (فحج مع امرأتك) فيه تقديم الأهم إذ في الجهاد يقوم غيره مقامه بخلاف الحج معها اهـ نووي، قال الحافظ: أخذ بظاهره بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره وبه قال أَحْمد وهو وجه للشافعية، والمشهور أنَّه لا يلزمه كالولي في الحج عن المريض فلو امتنع إلَّا بأجرة لزمتها لأنها من سبيلها فصار في حقها كالمؤنة، واستدل به على أنَّه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض وبه قال أَحْمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي، وأما ما رواه الدارقطني من طريق إبراهيم الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق إلَّا بإذن زوجها، فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا اهـ فتح الملهم. قال القرطبي: (قوله: انطلق فحج مع امرأتك) هو فسخ لما كان التزم من المضي للجهاد ويدل على تأكد أمر صيانة النساء في الأسفار وعلى أن الزوج أحق بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها ألا ترى أنَّه لم يسأله هل لها محرم أم لا, ولأن الزوج يطلع من الزوجة على ما لا يطلع منها ذو المحرم فكان أولى فإذًا قوله ﷺ في

стр. 5980

٣١٥٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٣١٥٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيمَانَ) الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: "لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" ــ الأحاديث إلَّا ومعها ذو محرم إنما خرج خطابًا لمن لا زوج لها والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أَحْمد [١/ ٢٢٢] , والبخاري [٣٠٠٦]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال: ٣١٥٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو الرَّبيع الزهراني) سليمان بن داود البَصْرِيّ (حدثنا حماد) بن زيد الأَزدِيّ البَصْرِيّ (عن عمرو) بن دينار (بهذا الإسناد) يعني عن أبي معبد عن ابن عباس (نحوه) أي نحو ما حدّث سفيان عن عمرو والغرض بيان متابعة حماد لسفيان. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس ﵄ فقال: ٣١٥٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمَّد (بن أبي عمر) العدني المكيّ (حَدَّثَنَا هشام يعني ابن سليمان) بن عكرمة بن خالد (المخزومي) المكيّ، مقبول، من (٨) (عن ابن جريج بهذا الإسناد) يعني عن عمرو عن أبي معبد عن ابن عباس (نحوه) أي نحو ما حدّث سفيان عن عمرو، غرضه بيان متابعة ابن جريج لسفيان (و) لكن (لم يذكر) ابن جريج قوله: (لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ومعها ذو محرم) وهذا بيان لمحل المخالفة. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث، الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثالث: حديث أبي سعيد الخُدرِيّ ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر وذكر فيه أربع متابعات، والرابع: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر وذكر فيه ثلاث متابعات،

стр. 5981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والخامس: حديث أبي سعيد الثاني ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر وذكر فيه متابعتين والله أعلم. ***

стр. 5982

٥١٦ - (٢) باب ما يقول المحرم إذا سافر للحج وإذا قفل منه والتعريس بذي الحليفة والصلاة بها إذا صدر من حج أو عمرة ٣١٥٦ - (١٢٥٧) (٧) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الأزدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ــ ٥١٦ - (٢) باب ما يقول المحرم إذا سافر للحج وإذا قفل منه والتعريس بذي الحليفة والصلاة بها إذا صدر من حج أو عمرة ٣١٥٦ - (١٢٥٧) (٧) (حدثني هارون بن عبد الله) بن مروان أبو موسى البغدادي (حدثنا حجاج بن محمَّد) المصيصي الأعور البغدادي، ثِقَة، من (٩) (قال) حجاج: (قال) عبد الملك (بن جريج) الأُموي المكيّ، ثِقَة، من (٦) (أخبرني أبو الزُّبير) المكيّ (أن عليًّا) ابنَ عبد الله (الأَزدِيّ) البارقي نسبة إلى بارق جبل كان ينزله الأزد فنُسب إليه أبو عبد الله البَصْرِيّ، روى عن ابن عمر في الحج وأبي هريرة، ويروي عنه (م عم) وأبو الزُّبير وقتادة، وثقه العجلي وابن حبان، وقال ابن عدي: ليس به بأس، وقال في التقريب: صدوق ربما أخطأ، من الثالثة (أخبره) أي أخبر أَبا الزُّبير (أن ابن عمر علمهم) أي علم علي بن عبد الله ومن معه، قال الأبي: هو أخص من أعلمهم لإشعار التعليم بالتكرار تأكيدًا اهـ. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مكيون واثنان بغداديان وواحد بصري (أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى) أي جلس وتمكن (على) ظهر (بعيره) حاله كونه (خارجًا) من المدينة (إلى سفر) قال الأبي: ولفظ كان يُشعر بتكرره منه وإذاعته (كبر) أي قال الله أكبر (ثلاثًا) من المرات، والجملة الفعلية جواب إذا الشرطية، وجملة (إذا) خبر كان (ثم) بعد ما كبر ثلاثًا (قال ﴿سُبْحَانَ﴾) الله أي تنزيهًا له عن سمات النقص والحدوث وعن الأغراض والعلل (﴿الَّذِي سَخَّرَ﴾) أي ذلل ومكن (﴿لَنَا﴾) معاشر النَّاس (﴿هَذَا﴾) المركوب (﴿وَمَا كُنَّا﴾) أي والحال أنا ما كنا (﴿لَهُ﴾) أي لهذا المركوب متعلق بقوله: (﴿مُقْرِنِينَ﴾) أي مطيقين له قاله ابن عباس؛ أي قادرين على ركوبه، قال الشَّاعر: لقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا

стр. 5983

وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] اللَّهُمَّ! إِنا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى. وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى. اللَّهُمَّ! هَوِّنْ عَلَينَا سَفَرَنَا هذَا. وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ! أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ــ أي بمطيقين. وقال الأخفش: ضابطين، وقال قتادة: مماثلين من القرن في القتال وهو المثل، ويحتمل أن يكون من المقارنة أي الملازمة، والمعنى هنا أي ما كُنَّا نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا (﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾) أي لراجعون للمحاسبة والمجازاة، وهذا تنبيه على المطالبة بالشكر على هذا التسخير قاله الأبي، وقال الشيخ عبد القادر الدهلوي رحمه الله تعالى في موضح القرآن إن فيه تذكير سفر الآخرة بسفر الدنيا وانتقالًا منه إليه اهـ، قال الأبي: وكذا يقوله من ركب سفينة بل هو أحرى، وكذا يقوله الراجل إلا أنه لا يقول ما يختص بالراكب كقوله: سبحان الذي سخر لنا هذا اهـ. وفي روح البيان: قال العلماء: إذا ركب في السفينة أو الباخرة أو الطائرة أو السيارة قال: "بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم" ويقال عند النزول منها: "اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين" كما يدل عليه قصة ركوب نوح ﵇ السفينة ونزوله عنها، قال القرطبي في تفسيره: علمنا الله ما نقول إذا ركبنا الدواب في هذه الآية وعرّفنا في آية أخرى على لسان نوح ﵇ ما نقول إذا ركبنا السفن وغيرها من كل مركوب صناعي بحري أو بري أو جوي فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت "أي ألقته على وجهه" أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق اهـ من تفسير حدائق الروح والريحان فمن أراد بسط الكلام في هذه الآية فليراجعه. (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا) الذي نحن في بدايته (البر) أي العمل الصالح والخلق الحسن (والتقوى) أي الخوف الحامل على التحرز من المكروه (و) نسألك (من العمل ما ترضاه) وتقبله منا (اللهم هوّن) أي سهل (علينا سفرنا هذا) الذي نحن في بدايته (واطوِ عنا) أي لف لنا (بُعده) أي مسافته البعيدة، وفي دعوات المشكاة والمشارق (واطو لنا) وهو أمر من الطي، قال ابن الملك: وهذا عبارة عن تيسر السير له بمنح القوة اهـ (اللهم أنت الصاحب) أي صاحبنا وحافظنا (في السفر) يقال: صحبك الله؛ أي حفظك؛

стр. 5984

وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ. اللَّهُمَّ! إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ". وَإِذَا رَجَعَ قَالهُنَّ. وَزَادَ فِيهِنَّ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" ــ أي صاحبنا في سفرنا بحفظك ورعايتك (و) أنت (الخليفة) الذي يخلفنا (في الأهل) أي في أهلينا بإصلاح أحوالهم بعد مغيبنا وانقطاع نظرنا عنهم أي أنت المعتمد عليه برعايتهم اهـ من المبارق، قال القرطبي: الصاحب الذي يصحبك بحفظك، والخليفة الذي يخلفك في أهلك بصلاح أحوالهم بعد انقطاع نظرك عنهم، ولا يسمى الله تعالى بالصاحب ولا بالخليفة لعدم الإذن وعدم تكرارهما في الشريعة، قلت: يريد وإنما يقال في مثل هذا كذا في شرح الأبي: (اللهم اني أعوذ) أي أستجير (بك من وعثاء السفر) -بفتح الواو وإسكان العين المهملة وبالثاء المثلثة- وبالمد أي من مشقته وشدته وتعبه، وأصله من الوعث وهو الوحل والطريق الشاق المسلك كما في المصباح (و) أعوذ بك من كآبة المنظر) أي حزن المرأى وما يسوء منه، والكآبة -بفتح الكاف وبالمد- وهي تغير النفس من حزن ونحوه؛ أي أعوذ بك من نظر في الأهل والمال يعقب حزنا بتلف بعضهم (و) من (سوء المنقلب) أي الانقلاب أي ما يسوء منه وهو بفتح اللام مصدر ميمي بمعنى الانقلاب أي من المرجع السيئ (في المال والأهل) بان يصيبهم خسران أو مرض اهـ من المبارق. (وإذا رجع) رسول الله ﷺ من سفره (قالهن) أي قال هذه الأدعية (وزاد فيهن) أي عليهن قوله نحن (آيبون) أي راجعون من سفرنا بالسلامة، قال ملا علي: والظاهر أن التقدير نحن آيبون الخ على وجه الإخبار تحدثًا بنعمة الله وقصدًا للثبات على طاعة الله، وهو جمع آيب اسم فاعل من آب يؤوب أوبًا ومآبًا إذا رجع، وأصل الأوبة الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود (تائبون) من ذنوبنا، جمع تائب من الذنب قاله تعليما للأمة وإلا فلا ذنب له، وقيل: المراد بذنب الأنبياء ما هو خلاف الأولى (عابدون لربنا) أي خاضعون متذللون له (حامدون) أي مثنون عليه بصفات كماله وجلاله وشاكرون عوارف أفضَاله. وشارك المؤلف في روايته أحمد [٢/ ١٤٤]، وأبو داود [٢٥٩٩]، والترمذي [٣٤٤٧]، والنسائي في اليوم والليلة [٥٤٨]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث عبد الله بن سرجس ﵃ فقال:

стр. 5985

٣١٥٧ - (١٢٥٨) (٨) حدثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا سَافَرَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأهلِ وَالْمَالِ ــ ٣١٥٧ - (١٢٥٨) (٨) (حدثني زهير بن حرب) بن شداد الحرشي النسائي (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، الأسدي البصري (عن عاصم) بن سليمان (الأحول) التميمي البصري، ثقة، من (٤) (عن عبد الله بن سرجس) -بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة- المزني البصري الصحابي المشهور ﵁ له (١٧) حديثًا. وهذا السند من رباعياته رجاله ثلاثة منهم بصريون وواحد نسائي (قال) عبد الله: (كان رسول الله ﷺ إذا سافر) أي شرع في السفر (يتعوذ) أي يعتصم ويلوذ بالله (من وعثاء السفر) أي من مشقة السفر وتعبه (وكآبة المنقلب) أي حزن المنقلب والمرجع في الأهل والأولاد (و) يتعوذ من (الحور) أي النقصان (بعد الكور) بالراء أي بعد الزيادة وقيل من الخروج من الجماعة بعد أن كان فيها، وقيل من التفرق بعد الاجتماع، وأصل الحور نقض العمامة بعد لفها على الرأس، وأصل الكور من كار العمامة على رأسه يكورها كورًا أي لفها وكل دور كور أي من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض، ويمكن أن يقال أي من التنزل بعد الترقي أو من الرجوع إلى المعصية بعد التوبة أو إلى الغفلة بعد الذكر أو إلى الغيبة بعد الحضور، ورُوي والحور بعد الكون بالنون بدل الراء أي الرجوع من الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، والكون الحصول على هيئة جميلة من قولهم: حار بعدما كان أي إنه كان على حالة جميلة فرجع عنها اهـ من المرقاة، قال أبو إسحاق الحربي: يقال: إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وصوابه الكور بالراء والله أعلم اهـ مفهم (و) يتعوذ من (دعوة المظلوم) وإنما استعاذ منها لأنها مستجابة كما جاء في الصحيح ولما تضمنته من كفاية الظلم ورفعه، قال النووي: أي أعوذ بك من الظلم فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم ومن التعرض لأسبابه اهـ، قال الأبي: فالمصدر على هذا مضاف للفاعل وقد يصح أن يكون مضافًا للمفعول كما قال في حديث: "أعوذ بك أن أظلم أو أُظلم" اهـ (وسوء المنظر في الأهل والمال).

стр. 5986

٣١٥٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيرُ بنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَامِد بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَندُ الْوَاحِدِ. كِلاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: فِي المَالِ وَالأهْلِ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ قَال: يَبْدَأُ بِالأَهْلِ إِذَا رَجَعَ. وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعًا: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ" ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٨٢ - ٨٣]، والترمذي [٣٤٣٥]، والنسائي [٨/ ٢٧٢]، وابن ماجه [٣٨٨٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن سرجس ﵁ فقال: ٣١٥٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا بحبى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وزهير بن حرب جميعًا عن أبي معاوية) محمد بن خازم (ح وحدثني حامد بن عمر) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبي عبد الرحمن البصري قاضي كرمان، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة، من (٨) إلا أن في حديثه عن الأعمش وحده مقال (كلاهما) أي كل من أبي معاوية وعبد الواحد رويا (عن عاصم) بن سليمان الأحول (بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن سرجس (مثله) أي مثل ما روى إسماعيل بن علية عن عاصم، وهذان الإسنادان من رباعياته أيضًا، غرضه بيان متابعتهما لابن علية (غير أن في حديث عبد الواحد) وروايته وسوء المنظر (في المال والأهل) بتقديم المال على الأهل (وفي رواية) أبي معاوية (محمد بن خازم قال) عبد الله بن سرجس: (يبدأ) رسول الله ﷺ (بالأهل) أي بالسلام على أهله (إذا رجع) من سفره (وفي روايتهما) أي في رواية عبد الواحد ومحمد بن خازم (جميعًا اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) بالمضارع المسند إلى المتكلم بدل قول غيره يتعوذ من وعثاء السفر، وهذا بيان لمحل المخالفة بين الرواة، وفي بعض الهوامش قوله: وفي رواية محمد بن خازم بالخاء المعجمة، وكانت النسخ كلها خطها وطبعها بالمهملة وفقني الله تعالى لتصحيحه بمنه وكرمه، ومحمد بن خازم كما يظهر من الخلاصة هو أبو معاوية المذكور سماه المؤلف بعد ما كناه، وأوقع قارئ كتابه في اشتباه ولبس أهـ منه. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر ﵄ أيضًا فقال:

стр. 5987

٣١٥٩ - (١٢٥٩) (٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَو السَّرَايَا أَو الْحَجِّ أَو الْعُمْرَةِ، ــ ٣١٥٩ - (١٢٥٩) (٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص (عن نافع عن ابن عمر) وهذا السند من خماسياته (ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم أبو قدامة النيسابوري، ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٤١) روى عنه في (٨) أبواب (واللفظ) الآتي (له) أي لعبيد الله بن سعيد لا لأبي بكر بن أبي شيبة (حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ التميمي البصري (وهو القطان عن عبيد الله) بن عمر (عن نافع عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند أيضًا من خماسياته (قال) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قفل) بتقديم القاف على الفاء كرجع وزنًا ومعنى أي إذا رجع (من) الغزو سواء كان مع (الجيوش) جمع جيش وهو العسكر العظيم (أو) مع (السرايا) جمع سرية كضحايا جمع ضحية وهي دون الجيش سميت بذلك لأنها تسري بالليل، وفي الحديث: "خير الجيوش أربعة آلاف، وخير السرايا أربعمائة، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا عن قلة" والحاصل أن المراد بالقفول من الجيوش والسرايا الرجوع من الغزو كما قررناه في حلنا (أو) قفل من (الحج أو) من (العمرة) قال الحافظ: ظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة رحم وطلب علم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة، وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح كسفر تجارة لأن المسافر لا ثواب له فيه فلا يمتخ عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا كسفر ناشزة وآبق وقاطع طريق لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره وهذا التعليل متعقب لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الأذان

стр. 5988

إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَال: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شَيءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ. لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" ــ وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي ﷺ فيها اهـ. (قلت): ولعل سفر الهجرة يندرج عنده في إحداها (إذا أوفى) أي ارتفع وعلا (على ثنية) -بمثلثة ثم نون ثم تحتانية مشددة- هي العقبة وقال القرطبي: الثنية الهضبة وهي الكوم دون الجبل (أو) على (فدفد) -بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة- وهو ما غلظ من الأرض وارتفع، وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وجمعه فدافد (كبر ثلاثًا) من المرات وتكبيره ﷺ في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته (ثم قال) ﷺ : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وتوحيد الله تعالى هناك إشعار بانفراده بإيجاد جميع الموجودات وبأنه المألوه أي المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف / ٨٤] قال الحافظ: يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه وإلا فإذا هبط سبح كما يدل عليه حديث جابر، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط، قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن اهـ (له) لا لغيره (الملك) أي ملك السماوات والأرض وغيرهما، والملك -بضم الميم وكسرها- أصله الشد والربط، والمُلك بالضم يتضمن الملك بالكسر ولا ينعكس (وله الحمد وهو على كل شيء قدير) نحن (آيبون) أي راجعون إلى الله تعالى أي إلى طاعته (تائبون) من ذنوبنا (عابدون) له تعالى بجميع أنواع العبادات (ساجدون لربنا حامدون) له تعالى (صدق الله وعده) لمحمد ﷺ بإظهار دينه (ونصر عبده) محمدأ ﷺ يوم بدر (وهزم الأحزاب وحده) من غير قتال والمراد أحزاب يوم الخندق فارسل عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، وفي حديث جابر كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا تصوبنا سبحنا، قال المهلب: تكبيره صلى الله

стр. 5989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله تعالى وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس ﵇ فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات فسبح النبي ﷺ في بطون الأودية لينجيه الله تعالى منها، وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله تعالى عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة. قوله: (آيبون) جمع آئب كراجع وزنًا ومعنى كما مر وهو خبر لمبتدإ محذوف تقديره نحن آيبون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة كذا في الفتح، وقال العيني: (آئبون) أي راجعون إلى الله، وفيه إيهام معنى الرجوع إلى الوطن اهـ، قوله: (تائبون) قال الحافظ: فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته أو المراد أمته كما تقدم، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد أن لا يكون منهم ذنب، قوله: (صدق الله وعده) أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قال عياض: فهو تكذيب لقول المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ وقوله: (ونصر عبده) يريد نفسه، قوله: (وهزم الأحزاب وحده) أي من غير فعل أحد من الآدميين، واختلف في المراد بالأحزاب هنا فقيل: هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل: المراد ما هو أعم من ذلك، وقال النووي: المشهور الأول. وفي الحديث من الفقه استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه والخضوع له والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب من تمام المناسك وما رزق من النصر على العدو والرجوع إلى الوطن سالمين، وكذلك إحداث حمد الله تعالى والشكر له على ما يحدث لعباده من نعمه فقد رضي عن عباده الإقرار له بالوحدانية والخضوع له بالربوبية

стр. 5990

٣١٦٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بنُ حَرْب. حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيةَ) عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ. كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. إِلَّا حَدِيثَ أَيوبَ. فَإِن فِيهِ التكْبِيرَ مَرَّتَينِ ــ والحمد والشكر عوضًا عما وهبهم من نعمه تفضلًا عليهم ورحمة لهم، وفيه بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء على غير التحريم لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، ويحتمل أن يكون نهيه عن السجع مختصًا بوقت الدعاء خشية أن يشتغل الداير بطلب الألفاظ المناسبة للسجع ورعاية الفواصل عن إخلاص النية وإفراغ القلب في الدعاء والاجتهاد فيه اهـ من فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٣٨٥]، وأبو داود [٢٧٧٥]، والترمذي [٠ ٩٥]، ومالك في الموطأ [١/ ٤٢١]، والنسائي في اليوم والليلة [٥٤٠]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٣١٦٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل يعني ابن علية عن أيوب) السختياني (ح وحدثنا) محمد (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى القزاز المدني، ثقة ثبت، من كبار (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (عن مالك) بن أنس المدني (ح وحدثنا) محمد (بن رافع) القشيري مولاهم النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) مصغرًا يسار الديلي المدني، صدوق، من (٨) (أخبرنا الضحاك) بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني، صدوق يهم، من (٧) كلهم) أي كل من أيوب ومالك والضحاك رووا (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وساقوا (بمثله) أي بمثل حديث عبيد الله عن نافع، غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لعبيد الله بن عمر وكل هذه الأسانيد من خماسياته (إلا حديث أيوب فإن فيه التكبير مرتين) لا ثلاثًا. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أنس بن مالك ﵃ فقال:
следующие страницы →