Полный текст (11 982 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
٣١٥٨ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيرُ بنُ حَرْبٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاويَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَامِد بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَندُ الْوَاحِدِ. كِلاهُمَا عَنْ عَاصِمٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: فِي المَالِ وَالأهْلِ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ قَال: يَبْدَأُ بِالأَهْلِ إِذَا رَجَعَ. وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعًا: "اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ"
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٨٢ - ٨٣]، والترمذي [٣٤٣٥]، والنسائي [٨/ ٢٧٢]، وابن ماجه [٣٨٨٨]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن سرجس ﵁ فقال:
٣١٥٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا بحبى بن يحيى) التميمي النيسابوري (وزهير بن حرب جميعًا عن أبي معاوية) محمد بن خازم (ح وحدثني حامد بن عمر) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراوي أبي عبد الرحمن البصري قاضي كرمان، ثقة، من (١٠) (حدثنا عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة، من (٨) إلا أن في حديثه عن الأعمش وحده مقال (كلاهما) أي كل من أبي معاوية وعبد الواحد رويا (عن عاصم) بن سليمان الأحول (بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن سرجس (مثله) أي مثل ما روى إسماعيل بن علية عن عاصم، وهذان الإسنادان من رباعياته أيضًا، غرضه بيان متابعتهما لابن علية (غير أن في حديث عبد الواحد) وروايته وسوء المنظر (في المال والأهل) بتقديم المال على الأهل (وفي رواية) أبي معاوية (محمد بن خازم قال) عبد الله بن سرجس: (يبدأ) رسول الله ﷺ (بالأهل) أي بالسلام على أهله (إذا رجع) من سفره (وفي روايتهما) أي في رواية عبد الواحد ومحمد بن خازم (جميعًا اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) بالمضارع المسند إلى المتكلم بدل قول غيره يتعوذ من وعثاء السفر، وهذا بيان لمحل المخالفة بين الرواة، وفي بعض الهوامش قوله: وفي رواية محمد بن خازم بالخاء المعجمة، وكانت النسخ كلها خطها وطبعها بالمهملة وفقني الله تعالى لتصحيحه بمنه وكرمه، ومحمد بن خازم كما يظهر من الخلاصة هو أبو معاوية المذكور سماه المؤلف بعد ما كناه، وأوقع قارئ كتابه في اشتباه ولبس أهـ منه.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر ﵄ أيضًا فقال:
стр. 5987
٣١٥٩ - (١٢٥٩) (٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَو السَّرَايَا أَو الْحَجِّ أَو الْعُمْرَةِ،
ــ
٣١٥٩ - (١٢٥٩) (٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص (عن نافع عن ابن عمر) وهذا السند من خماسياته (ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري مولاهم أبو قدامة النيسابوري، ثقة، من (١٠) مات سنة (٢٤١) روى عنه في (٨) أبواب (واللفظ) الآتي (له) أي لعبيد الله بن سعيد لا لأبي بكر بن أبي شيبة (حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ التميمي البصري (وهو القطان عن عبيد الله) بن عمر (عن نافع عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند أيضًا من خماسياته (قال) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا قفل) بتقديم القاف على الفاء كرجع وزنًا ومعنى أي إذا رجع (من) الغزو سواء كان مع (الجيوش) جمع جيش وهو العسكر العظيم (أو) مع (السرايا) جمع سرية كضحايا جمع ضحية وهي دون الجيش سميت بذلك لأنها تسري بالليل، وفي الحديث: "خير الجيوش أربعة آلاف، وخير السرايا أربعمائة، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا عن قلة" والحاصل أن المراد بالقفول من الجيوش والسرايا الرجوع من الغزو كما قررناه في حلنا (أو) قفل من (الحج أو) من (العمرة) قال الحافظ: ظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة رحم وطلب علم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة، وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح كسفر تجارة لأن المسافر لا ثواب له فيه فلا يمتخ عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا كسفر ناشزة وآبق وقاطع طريق لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره وهذا التعليل متعقب لأن الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الأذان
стр. 5988
إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَال: "لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحمْدُ وَهُوَ عَلَى كل شَيءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ. لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"
ــ
وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي ﷺ فيها اهـ. (قلت): ولعل سفر الهجرة يندرج عنده في إحداها (إذا أوفى) أي ارتفع وعلا (على ثنية) -بمثلثة ثم نون ثم تحتانية مشددة- هي العقبة وقال القرطبي: الثنية الهضبة وهي الكوم دون الجبل (أو) على (فدفد) -بفاءين مفتوحتين بينهما دال ساكنة- وهو ما غلظ من الأرض وارتفع، وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وجمعه فدافد (كبر ثلاثًا) من المرات وتكبيره ﷺ في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته (ثم قال) ﷺ : (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وتوحيد الله تعالى هناك إشعار بانفراده بإيجاد جميع الموجودات وبأنه المألوه أي المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف / ٨٤] قال الحافظ: يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه وإلا فإذا هبط سبح كما يدل عليه حديث جابر، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط، قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن اهـ (له) لا لغيره (الملك) أي ملك السماوات والأرض وغيرهما، والملك -بضم الميم وكسرها- أصله الشد والربط، والمُلك بالضم يتضمن الملك بالكسر ولا ينعكس (وله الحمد وهو على كل شيء قدير) نحن (آيبون) أي راجعون إلى الله تعالى أي إلى طاعته (تائبون) من ذنوبنا (عابدون) له تعالى بجميع أنواع العبادات (ساجدون لربنا حامدون) له تعالى (صدق الله وعده) لمحمد ﷺ بإظهار دينه (ونصر عبده) محمدأ ﷺ يوم بدر (وهزم الأحزاب وحده) من غير قتال والمراد أحزاب يوم الخندق فارسل عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، وفي حديث جابر كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا تصوبنا سبحنا، قال المهلب: تكبيره صلى الله
стр. 5989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه وسلم عند الارتفاع استشعار لكبرياء الله تعالى وعندما يقع عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء وتسبيحه في بطون الأودية مستنبط من قصة يونس ﵇ فإن بتسبيحه في بطن الحوت نجاه الله من الظلمات فسبح النبي ﷺ في بطون الأودية لينجيه الله تعالى منها، وقيل: مناسبة التسبيح في الأماكن المنخفضة من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله تعالى عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة.
قوله: (آيبون) جمع آئب كراجع وزنًا ومعنى كما مر وهو خبر لمبتدإ محذوف تقديره نحن آيبون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاف المذكورة كذا في الفتح، وقال العيني: (آئبون) أي راجعون إلى الله، وفيه إيهام معنى الرجوع إلى الوطن اهـ، قوله: (تائبون) قال الحافظ: فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته أو المراد أمته كما تقدم، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد أن لا يكون منهم ذنب، قوله: (صدق الله وعده) أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ قال عياض: فهو تكذيب لقول المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ وقوله: (ونصر عبده) يريد نفسه، قوله: (وهزم الأحزاب وحده) أي من غير فعل أحد من الآدميين، واختلف في المراد بالأحزاب هنا فقيل: هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل: المراد ما هو أعم من ذلك، وقال النووي: المشهور الأول.
وفي الحديث من الفقه استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه والخضوع له والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب من تمام المناسك وما رزق من النصر على العدو والرجوع إلى الوطن سالمين، وكذلك إحداث حمد الله تعالى والشكر له على ما يحدث لعباده من نعمه فقد رضي عن عباده الإقرار له بالوحدانية والخضوع له بالربوبية
стр. 5990
٣١٦٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بنُ حَرْب. حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيةَ) عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ. كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. إِلَّا حَدِيثَ أَيوبَ. فَإِن فِيهِ التكْبِيرَ مَرَّتَينِ
ــ
والحمد والشكر عوضًا عما وهبهم من نعمه تفضلًا عليهم ورحمة لهم، وفيه بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء على غير التحريم لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، ويحتمل أن يكون نهيه عن السجع مختصًا بوقت الدعاء خشية أن يشتغل الداير بطلب الألفاظ المناسبة للسجع ورعاية الفواصل عن إخلاص النية وإفراغ القلب في الدعاء والاجتهاد فيه اهـ من فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٣٨٥]، وأبو داود [٢٧٧٥]، والترمذي [٠ ٩٥]، ومالك في الموطأ [١/ ٤٢١]، والنسائي في اليوم والليلة [٥٤٠].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣١٦٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل يعني ابن علية عن أيوب) السختياني (ح وحدثنا) محمد (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا معن) بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى القزاز المدني، ثقة ثبت، من كبار (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب (عن مالك) بن أنس المدني (ح وحدثنا) محمد (بن رافع) القشيري مولاهم النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) مصغرًا يسار الديلي المدني، صدوق، من (٨) (أخبرنا الضحاك) بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني، صدوق يهم، من (٧) كلهم) أي كل من أيوب ومالك والضحاك رووا (عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وساقوا (بمثله) أي بمثل حديث عبيد الله عن نافع، غرضه بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لعبيد الله بن عمر وكل هذه الأسانيد من خماسياته (إلا حديث أيوب فإن فيه التكبير مرتين) لا ثلاثًا.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أنس بن مالك ﵃ فقال:
стр. 5991
٣١٦١ - (١٢٦٠) (١٠) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ. قَال: قَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَال: "آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.
٣١٦٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا حُمَيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ
ــ
٣١٦١ - (١٢٦٠) (١٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن علية عن يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي، صدوق، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (قال) يحيى (قال أنس بن مالك) ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي (أقبلنا) أي قدمنا من السفر (مع النبي ﷺ أنا وأبو طلحة) الأنصاري زوج أم سليم أم أنس، اسمه زيد بن سَهْل (وصفية) بنت حيي أم المؤمنين؛ أي والحال أن صفية بنت حيي (رديفته) ﷺ أي راكبة خلفه ﷺ (على ناقته) ﷺ (حتى إذا كنا بظهر المدينة) وأعلاها (قال) رسول الله ﷺ : نحن (آيبون) أي راجعون من سفرنا بالسلامة (تائبون) من ذنبنا (عابدون لربنا حامدون) له تعالى على نعمه (فلم يزل) النبي ﷺ (يقول ذلك) الذكر المذكور (حتى قدمنا المدينة) ودخلناها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٨٧]، والبخاري [٣٠٨٥]، والنسائي في اليوم والليلة [٥٥١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٣١٦٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك الباهلي أبو علي البصري، صدوق، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي مولاهم أبو إسماعيل البصري، ثقة، من (٨) روى عنه في (١٣) بابا (حدثنا يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي البصري (عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ وساق بشر بن المفضل (بمثله) أي بمثل حديث ابن علية، غرضه بيان متابعة بشر لابن علية.
стр. 5992
٣١٦٣ - (١٢٦١) (١١) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيفَةِ. فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذلِكَ
ــ
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣١٦٣ - (١٢٦١) (١١) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك) بن أنس الأصبحي المدني (عن نافع عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته (أن رسول الله ﷺ أناخ) -بالنون والخاء المعجمة- أي أبرك بعيره ونزل (بالبطحاء) أي بالحصباء (التي بذي الحليفة) وهي المسماة بمعرَّس ذي الحليفة بصيغة اسم المفعول، عرس به النبي ﷺ أي نزل فيه واستراح في آخر الليل (فصلى بها) أي في تلك البطحاء الصبح ثم ارتحل ودخل المدينة، قيل: يحتمل أن تكون الصلاة للإحرام ويحتمل أن تكون للفريضة يعني الصبح، ثم إن هذا النزول يحتمل أن يكون في الذهاب وهو الظاهر من تصرف البخاري، ويحتمل أن يكون في الرجوع ويؤيده حديث ابن عمر الذي يأتي في الباب من طريق موسى بن عقبة ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابًا وإيابًا والله أعلم. قال النووي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج ليس من مناسك الحج وإنما فعله من فعله من أهل المدينة تبركًا بآثار النبي ﷺ ولأنها بطحاء مباركة، قال: واستحب مالك النزول والصلاة فيه وأن لا يجاوز حتى يصلي فيه وإن كان في غير وقت صلاة مكث حتى يدخل وقت الصلاة فيصلي، قال: وقيل إنما نزل به النبي ﷺ في رجوعه حتى يصبح لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا كما نهى عنه صريحًا في الأحاديث المشهورة والله أعلم اهـ، ومعنى ذلك أن الرجل إذا فجأ أهله ليلًا من سفره ربما وجدها على حالة يستقذرها من الشعث والتفل ورثاثة الهيئة فيكون ذلك سببًا لفقد الألفة وعدم الصحبة، وهذا منه ﷺ إرشاد إلى أمر مصلحي ينبغي للأزواج أن يراعوه، قال نافع: (وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك) المذكور من النزول بالبطحاء والصلاة فيها ثم دخول المدينة. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٨]، والبخاري [١٥٧٦]، ومالك في الموطإ [١/ ٤٠٥]، وأبو داود [٢٠٤٤]، والنسائي [٥/ ١٢٦ - ١٢٧].
стр. 5993
٣١٦٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ المُهَاجِرِ الْمصْرِيُّ. أَخْبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ نَافِعٍ. قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيفَةِ. التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنِيخُ بِهَا. ويُصَلِّي بِهَا.
٣١٦٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ (يَعْنِي أَبَا ضَمْرَةَ) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ، إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ أَو الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيفَةِ. التِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٣١٦٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رمح بن المهاجر) التجيبي (المصري أخبرنا الليث) بن سعد الفهمي المصري (ح وحدثنا قتيبة) بن سعيد الثقفي البلخي (واللفظ) الآتي (له) أي لقتيبة لا لمحمد بن رمح (قال) قتيبة (حدثنا ليث عن نافع قال: كان ابن عمر ينيخ) أي يبرك بعيره (بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان رسول الله ﷺ ينيخ بها) ناقته (وبصلي بها) رسول الله ﷺ لأنه كان شديد الاتباع للسنة. وهذان السندان من رباعياته غرضه بيان متابعة ليث لمالك.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٣١٦٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن إسحاق) بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي (المسيبي) نسبة إلى جده المسيب بن السائب أبو عبد الله المدني نزيل بغداد، ثقة، من (١٠) (حدثني أنس) بن عياض بن ضمرة -بفتح الضاد وسكون الميم- الليثي (يعني أبا ضمرة) المدني، ثقة، من (٨) (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني، ثقة، من (٥) (عن نافع أن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة موسى بن عقبة لليث بن سعد (كان) ابن عمر (إذا صدر) أي رجع (من الحج أو العمرة أناخ) أي أبرك بعيره (بالبطحاء التي) كانت (بدي الحليفة التي) بدل من التي الأولى أو صفة ثانية للبطحاء أي بالبطحاء التي (كان ينيخ بها رسول الله ﷺ ناقته حين صدر من الحج، وقوله: (صدر) أي رجع،
стр. 5994
٣١٦٦ - (١٢٦٢) (١٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ مُوسَى (وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ)، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي الْحُلَيفَةِ. فَقِيلَ لَهُ: "إِنَّكَ بِبَطحَاءَ مُبَارَكَةٍ"
ــ
والمصدر الموضع الذي يصدر منه، وبه سُمي المصدر النحوي و (الإناخة) تنويخ الإبل يقال: أنخت الجمل فبرك ولا يقال: فناخ اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣١٦٦ - (١٢٦٢) (١٢) (وحدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان المكي نزيل بغداد، صدوق، من (١٠) (حدثنا حاتم وهو ابن إسماعيل) مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل، صدوق، من (٨) (عن موسى وهو ابن عقبة) بن أبي عياش المدني، ثقة، من (٥) (عن سالم) بن عبد الله بن عمر المدني (عن أبيه) عبد الله بن عمر المكي العدوي ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مكيان (أن رسول الله ﷺ أتي) -بضم الهمزة وعلى صيغة المبني للمجهول- أي أتاه آت من الملإ الأعلى (في معرسه) -بضم الميم وفتح الراء المشددة- أي في موضع تعرسه واستراحته الكائن (بدي الحليفة) قال الخطابي: والتعريس نزول استراحة لغير إقامة وأكثر ما يكون في آخر الليل خصه بذلك الأصمعي والخليل وغيرهما، وقال أبو زيد: عرس القوم في المنزل نزلوا به أي وقت كان من ليل أو نهار، والأول أقرب، وقال الحافظ: والمعرس مكان معروف على ستة أميال من المدينة ووادي العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال اهـ (فقيل له) أي قال له ذلك الآتي من ربه (إنك) يا محمد (ببطحاء مباركلة) والرواية التالية في معرسه من ذي الحليفة أي وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي فقيل: إنك ببطحاء مباركة، والمفهوم من شروح البخاري أن المراد بالوادي وادي العقيق الذي قال فيه ﷺ كما في (باب قول النبي ﷺ العقيق واد مبارك) من صحيحه أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك. وفي (باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة) منه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس، وأنه ﷺ كان إذا خرج إلى
стр. 5995
٣١٦٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَسُرَيجُ بْنُ يُونُسَ (وَاللَّفْظُ لِسُرَيجٍ) قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أُتِيَ، وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي. فَقِيلَ: "إِنكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ".
قَال مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ. يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ
ــ
مكة يصلي في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح وكل من الشجرة والمعرس موضع على طريق من أراد الذهاب من المدينة إلى مكة على ستة أميال من المدينة، لكن المعرس أقرب كمافي فتح الباري، ووادي العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال كما مر آنفًا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٨٧]، والبخاري [١٥٧٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣١٦٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن بكار بن الريان) -بتشديد التحتانية- الهاشمي مولاهم أبو عبد الله البغدادي، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٤) أبواب (وسريج) مصغرًا (بن يونس) بن إبراهيم المروزي الأصل البغدادي العابد، ثقة، من (١٠) روى عنه في أحد عشر بابا (١١) (واللفظ) الآتي (لسريج قالا: حدثنا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الزرقي مولاهم المدني، ثقة، من (٨) (أخبرني موسى بن عقبة) بن أبي عياش المدني، ثقة، من (٥) (عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه) عبد الله ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة إسماعيل بن جعفر لحاتم بن إسماعيل (أن النبي ﷺ أُتي) بالبناء للمجهول أي أتاه آت من ربه (وهو) أي والحال أنه ﷺ (في معرسه من ذي الحليفة) حالة كون ذلك المعرس (في بطن الوادي) أي وادي العقيق (فقيل) له ﷺ : أي قال له قائل من ربه (أنك ببطحاء مباركة، قال موسى) بن عقبة بالسند السابق (وقد أناخ بنا سالم) بعيره (بالمناخ) الذي (من المسجد) أي عند المسجد، وقوله: (الذي كان عبد الله) بن عمر (ينيخ به) أي يبرك فيه بعيره صفة ثانية للمناخ، وقوله: (يتحرى) ويقصد عبد الله (معرس
стр. 5996
رَسُولِ اللهِ صَلَّى النهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي. بَينَهُ وَبَينَ الْقِبْلَةِ. وَسَطًا مِنْ ذلِكَ
ــ
رسول الله ﷺ أي موضع نزول رسول الله ﷺ للاستراحة حال من عبد الله (وهو) مبتدأ أي معرس رسول الله ﷺ أو ذلك المناخ (أسفل) بالرفع خبر المبتدإ، ويجوز نصبه على الظرفية أي كائن في مكان أسفل (من المسجد) أي من المصلى (الذي) اتخذ (ببطن الوادي) والمراد بالمسجد المصلى الذي كان هناك في ذلك الزمان اهـ ابن حجر، ومعرس رسول الله ﷺ كائن (بينه) أي بين ذلك المسجد (وبين القبلة) حالة كون ذلك المعرس (وسطًا من ذلك) أي متوسطا بين ذلك أي بين الجانبين أي بين القبلة والمسجد، وفي فتح الملهم: أن الضمير في قوله: بينه للمسجد يعني أن معرسه ﷺ كان بين المسجد وبين القبلة والله أعلم اهـ. وأتى بقوله: وسطا بعد قوله بين وإن كان معلومًا منه ليبين أنه في حال الوسط من غير قرب لأحد الجانبين ذكره العيني عن الكرماني وانتحله القسطلاني.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ستة أحاديث، الأول: حديث ابن عمر الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث عبد الله بن سرجس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عبد الله بن عمر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث أنس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث ابن عمر الثالث ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والسادس: حديث ابن عمر الأخير ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 5997
٥١٧ - (٣) باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف به عريان وفضل يوم عرفة وثواب الحج والعمرة
٣١٦٨ - (١٢٦٣) (١٣) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيَبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونس؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: بَعَثَنِي أبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
ــ
٥١٧ - (٣) باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف به عريان وفضل يوم عرفة وثواب الحج والعمرة
٣١٦٨ - (١٢٦٣) (١٣) (حدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) ثقة، من (١٠) (حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من (٩) (أخبرني عمرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقة، من (٧) (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري المدني (عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (ح وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي) المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (أن ابن شهاب أخبره عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند أيضًا من سداسياته (قال) أبو هريرة: (بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره) أي أمَّر أبا بكر (عليها رسول الله ﷺ أي جعله أميرًا على الحجاج فيها في السنة التاسعة، قال الطحاوي في مشكل الآثار: هذا مشكل لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك ثم أتبعه عليًّا فأمره أن يؤذن فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي، ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك وكان عليًّا لم يطق التأذين بذلك وحده واحتاج إلى من يعينه على ذلك فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي ﵁ حين بعثه النبي ﷺ ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي وكان هو ينادي قبلي حتى يعيى، وأخرجه
стр. 5998
قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: "لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ. وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيتِ عُرْيَانٌ".
قَال ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ
ــ
أحمد أيضًا وغيره من طريق مُحرَّر بن أبي هريرة فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر وكان يُنادي بما يُلقيه إليه علي مما أمر بتبليغه اهـ (قبل حجة الوداع) قال ابن القيم في الهدي: ويستنبط منه أنها كانت سنة تسع لأن حجة الوداع كانت سنة عشر اتفاقًا، وذكر ابن إسحاق أن خروج أبي بكر كان في ذي القعدة، وذكر الواقدي أنه خرج في تلك الحجة مع أبي بكر ثلاثمائة من الصحابة وبعث معه رسول الله ﷺ عشرين بدنة، قال الحافظ ﵀: وقد وقفت ممن سمي ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء منهم سعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله والله أعلم اهـ فتح الملهم. وقوله: (في رهط) أي مع جماعة متعلق ببعثني مع جماعة (يؤذنون) أي ينادون (في الناس يوم النحر) والمراد بالتاذين الإعلام وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام؛ أي ينادون بقولهم: (لا يحج بعد العام) أي بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك (مشرك) قال الحافظ: هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام ولو لم يقصدوا الحج ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صرح لهم بالمنع منه فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله (ولا يطوف بالبيت عريان) قال النووي: هذا إبطال لما كانت عليه الجاهلية من الطواف بالبيت عراة اهـ وقال أيضًا: ولا يُمَكَّنُ مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأُخرج من الحرم اهـ، وقال العيني: وكذلك لا يمكن أهل الذمة من الإقامة بعد ذلك لقوله ﷺ : "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، قاله في مرض موته ﷺ . قوله: (ولا يطوف بالبيت عريان) ذكر ابن إسحاق في سبب هذا الحديث أن قريشًا ابتدعت قبل الفيل أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ ثم لم ينتفع بها فجاء الإسلام فهدم ذلك كله اهـ.
(قال ابن شهاب) بالسند السابق (فكان حميد بن عبد الرحمن يقول يوم النحر)
стр. 5999
يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ. مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ.
٣١٦٩ - (١٢٦٤) (١٤) حدَّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيرٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَال: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ
ــ
الذي وقع فيه الأذان هو (يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة) هذا يعني الذي ذكر في سورة التوبة وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر كما في الكشاف وغيره، وأما تسمية الحج الموافق يوم عرفة فيه ليوم الجمعة بالأكبر فلم يذكروها وإن كان ثواب ذلك الحج أكثر كما في حديث في ذلك اهـ من بعض الهوامش، وهذا قول حميد استنبطه من قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ومن مناداة أبي هريرة بذلك بامر أبي بكر يوم النحر فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر هو يوم النحر لأن أعماله يتم فيه، قال الحافظ في حديث ابن عمر عند أبي داود: وأصله في هذا الصحيح رفعه: أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: "هذا يوم الحج الأكبر" واختلف في المراد بالحج الأصغر فالجمهور على أنه العمرة وصل ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين، ووصله الطبري عن جماعة منهم عطاء والشعبي اهـ، وعن ابن مسعود قال: (أمرتم بإقامة أربع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت والحج الحج الأكبر والعمرة الحج الأصغر) رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٩٩]، والبخاري [٣٦٩]، وأبو داود [١٩٤٦]، والنسائي [٢٣٤].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣١٦٩ - (١٢٦٤) (١٤) (حدثنا هارون بن سعيد) بن الهيثم (الأيلي وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري (قالا: حدثنا ابن وهب أخبرني مخرمة بن بكير) بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني، صدوق، من (٧) (عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي المدني ثم المصري (قال) بكير بن عبد الله (سمعت يونس بن يوسف) بن حماس -بكسر المهملة وتخفيف الميم آخره مهملة- المدني، روى عن سعيد بن المسيب في الحج، وسليمان بن يسار في الجهاد، ويروي عنه (م س ق) وبكير بن الأشج وابن
стр. 6000
يَقُولُ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ. قَال: قَالتْ عَائِشَةُ: إِن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هؤُلاءِ؟ "
ــ
جريج ومالك والدراوردي وغيرهم، وثقه النسائي وابن حبان، وقال البزار: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: محله الصدق لا بأس به وكان من عباد أهل المدينة، لمح يوما امرأة فدعا الله تعالى فاذهب عينه ثم دعا فرد عليه بصره، وقال في التقريب: ثقة عابد، من السادسة (يقول) أي يحذث (عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن بوزن سهل القرشي المخزومي أبي محمد المدني الأعور سيد التابعين وأحد العلماء والفقهاء السبعة بالمدينة، ثقة ثبت، من كبار (٢) الثانية (قال) ابن المسيب: (فالت عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله خمسة منهم مدنيون واثنان مصريان أو مصري وأيلي (أن رسول الله ﷺ قال: ما) حجازية (من) زائدة (يوم) اسم ما (أكثر) خبرها (من) زائدة في تمييز اسم التفضيل (أن يعتق الله) (فيه) أي في ذلك اليوم (عبدًا من النار) متعلق بالإعتاق (من يوم عرفة) متعلق باكثر، والتقدير ما يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة، وفي المباردتى من الأولى والثانية زائدتان ومن يوم عرفة متعلق باكثر اهـ وتبيينه أن ما بمعنى ليس، ويوم اسمها فهو في محل الرفع، وإن كان لفظه مجرورًا بمن الزائدة الاستغراقية، وخبرها أكثر فهو منصوب على لغة الحجاز ومرفوع على لغة تميم، ومن الثانية أيضًا زائدة، وأن يعتق الله مؤول بالمصدر في موضع التمييز، ومن الثالثة متعلقة بيعتق، ومن الرابعة متعلقة بأكثر؛ والمعنى ليس يوم أكثر إعتاقًا فيه من النار من يوم عرفة، وفي المشكاة فما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة، قال في المرقاة: أي بعرفات.
(وإنه) (ليدنو) بأهل الموقف دنوًا يليق به نثبته ونعتقده لا نكفيه ولا نمثله أي يقرب إليهم (ثم يباهي) الله أي يفاخر (بهم) أي بأهل الموقف (الملائكة) الكرام مباهاة تليق به نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها ولا نؤولها (فيقول) الله للملائكة: (ما أراد هولاء) أي أي شيء أراد هؤلاء الواقفون بعرفة وهذا هو مذهب السلف الأسلم الأعلم الذي نلقى عليه الرب ﷻ ، وقال النووي: قوله: (وإنه ليدنو) أي تدنو رحمته وكرامته لا دنو مسافة ومماسة اهـ قوله: (ثم يباهي بهم
стр. 6001
٣١٧٠ - (١٢٦٥) (١٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحيَى. قَال: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ سُمَي مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفارَة لِمَا بَينَهُمَا. وَالْحَجُّ
ــ
الملائكة) المراد بمباهاته بالحجاج رضاوْه عنهم وثناؤه عليهم كما في حديث المشكاة (انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أني غفرت لهم) قوله: (يقول ما أراد هؤلاء) إشارة إلى الواقفين بعرفات أي أي شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم وأوطانهم وصرفوا أموالهم وأتعبوا أبدانهم أي ما أرادوا إلا المغفرة والرضا والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يخشى الرد أو التقدير ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم أو أي شيء أراد هؤلاء أي شيئًا يسيرًا سهلًا عندنا إذ مغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب كذا في المرقاة، قال الأبي: لما كان الاستفهام محالا على الله تعالى تأولوه بذلك، ويحتمل أنه استنطاق اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٥/ ٢٥١].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣١٧٠ - (١٢٦٥) (١٥) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت على مالك عن سمي) مصغرًا (مولى أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي صالح) ذكوان (السمان) المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن يحيى (أن رسول الله ﷺ قال: العمرة) المنضمة (إلى العمرة) الأخرى كفارة لما بينهما) أي لما وقع بين العمرتين من الصغائر، وهذا ظاهر في فضيلة العمرة وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، وقال ابن التين: قوله: العمرة إلى العمرة يحتمل أن تكون إلى بمعنى مع فيكون التقدير والعمرة مع العمرة مكفرة لما بينهما، وأشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك ثم بالغ في الإنكار عليه، واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر فماذا تكفر العمرة؟ والجواب أن تكفير العمرة مقيد بزمنها وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية اهـ.
стр. 6002
الْمَبْرُورُ،
ــ
قال الحافظ: وفي حديث الباب دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافًا لقول من قال يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية ولمن قال مرة في الشهر من غيرهم واستدل لهم بأنه ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب وتعقب بان المندوب لم ينحصر في أفعاله فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لرفع المشقة عن أمته وقد ندب إلى ذلك بلفظه فثبت الاستحباب من غير تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج إلا ما نقل عن الحنفية أنه يكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها، قال ابن قدامة: وهذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام اهـ.
(والحج المبرور) أي المقبول المقابل بالبر وهو الثواب يقال كما في المصباح: بر الله تعالى حجه أي قبله وبابه علم أو الذي لم يخالطه ذنب أو لا رياء فيه ولا سمعة ولا شهرة ولا تسمية باسم الحاج فيه، قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: هو الذي لم يخالطه شيء من الذنب ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى وهي أنه هو الحج الذي توفرت أحكامه ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل والله أعلم، وقيل إنه يظهر بآخره فإن رجع خيرًا مما كان عُرف أنه مبرور، ولأحمد والحاكم من حديث جابر قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام" وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره كذا في الفتح. (قلت): وفي مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قيل: وما بره؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام" رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن اهـ وقال ابن العربي: وقيل هو "أي الحج المبرور" الذي لا معصية بعده، قال الأبي: وهو الظاهر لقوله في الآخر: "فمن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق " إذ المعنى حج ثم لم يفعل شيئًا من ذلك ولهذا عطفها بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فُسر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد وتفسير الحديث بالحديث أولى اهـ.
(فإن قلت): المرتب على المبرور غير المرتب على عدم الرفث والفسق لأن
стр. 6003
لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".
٣١٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه سَعيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأمويُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ. ح وَحَدَّثَنَا أبُو كُرَيبٍ
ــ
المرتب على المبرور هو دخول الجنة وهو أخص من الرجوع بلا ذنب لأن المراد بدخولها الدخول الأول والدخول الأول لا يكون إلا مع مغفرة كل الذنوب السابقة واللاحقة والرجوع بلا ذنب إنما هو تكفير السابقة (قلت): وإذا فسر المبرور بذلك فُسر الرجوع بلا ذنب بأنه كناية عن دخول الجنة الدخول الأول المذكور، قال ابن بزيزة: قال العلماء: شرط الحج المبرور حلية النفقة فيه، وقيل لمالك: رجل سرق مالًا فتزوج به أيضًارع الزنا؛ قال: إي والذي لا إله إلا هو وسئل عمن حج بمال حرام؟ فقال: حجه مجزئ وهو آثم بسبب جنايته. وبالحقيقة لا يرقى إلى العالم المطهر إلا المطهر (قلت): القبول أخص من الإجزاء لأن القبول عبارة عن ترتب الثواب على الفعل والإجزاء عبارة عن سقوط القضاء فلذلك قال: يجزئ وهو آثم (ليس له جزاء إلا الجنة) قال النووي: معناه أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لا بد أن يدخل الجنة والله أعلم؛ أي دخولًا أوليًا اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٦٢]. والبخاري [١٧٧٣]، والنسائي [٥/ ١١٥]، وابن ماجه [٢٨٨٨].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣١٧١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني الأصل نزيل مكة، ثقة، من (١٠) (وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثني محمد بن عبد الملك) بن أبي الشوارب محمد بن عبد الرحمن (الأموي) الأبلي أبو عبد الله البصري، صدوق، من كبار (١٠) روى عنه في (٥) أبواب (حدثنا عبد العزيز بن المختار) الأنصاري مولاهم أبو إسماعيل البصري، ثقة، من (٧) روى عنه في (٩) أبواب (عن سهيل) بن أبي صالح السمان المدني، صدوق، من (٦) (ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني (ح وحدثنا أبو كريب)
стр. 6004
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ. كُل هؤُلاءِ عَن سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
٣١٧٢ - (١٢٦٦) (١٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَقَال زُهَيرٌ: حَدَّثنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى هذَا الْبَيتَ فَلَمْ يَرْفُث وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"
ــ
محمد بن العلاء (حدثنا وكيع) بن الجراح (ح وحدثني محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري (جميعًا) أي كل من وكيع وعبد الرحمن رويا (عن سفيان) بن سعيد الثوري (كل هؤلاء) المذكورين من سفيان بن عيينة وسهيل وعبيد الله وسفيان الثوري، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الأربعة لمالك في رواية هذا الحديث (عن سمي) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبي صالح) السمان (عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وساقوا (بمثل حديث مالك) عن سمي.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة هذا بحديث آخر له فقال:
٣١٧٢ - (١٢٦٦) (١٦) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وزهير بن حرب قال يحيى: أخبرنا وقال زهير: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد إما نسائي أو نيسابوري (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أتى هذا البيت) المكرم يعني الكعبة؛ والمراد بإتيانه الحج منه، وفي رواية للبخاري من حج هذا البيت (فلم يرفث) أي لم يجامع في حجه (ولم يفسق) أي ولم يذنب فيه (رجع) من ذنوبه (كما ولدته أمه) أي مشابهًا حاله بحاله وقت ولادة أمه إياه أي نقيًا من الذنوب، قوله: فلم يرفث بتثليث الفاء في المضارع والماضي لكن الأفصح الضم في المضارع والفتح في الماضي،
стр. 6005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرفث الجماع أو الفحش في القول أو خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع، وقال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة (قوله: ولم يفسق) بضم السين من باب نصر أي لم يات بمعصية ولا سيئة اهـ قسط، وقال ملا علي: أي لم يفعل فيه كبيرة، ولا أصر على صغيرة، ومن الكبائر ترك التوبة عن المعاصي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ اهـ وفسر ابن الملك الفسق بالخروج عن حد الاستقامة اهـ وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ الرفث إتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المراء مع الرفقاء والمكارين، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحج اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج لما يظهر من الأدلة أو المجادلة بطريق التعميم فلا تؤثر أيضًا لأن الفاحش منها دخل في عموم الرفث والحسن منها ظاهر في عدم التأثير والمستوي الطرفين لا يؤثر أيضًا قاله في فتح الباري، والفاء في قوله: فلم يرفث عاطفة على الشرط، وجوابه قوله: (رجع كيوم ولدته أمه) بجر يوم على الإعراب وبفتحه على البناء وهو المختار في مثله لأن صدر الجملة المضاف إليها مبني أي رجع مشابهًا لنفسه يوم ولادته في أنه يخرج بلا ذنب كما خرج بالولادة نقيًا وهو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات، قال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها، وقال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله خاصة دون العباد ولا تسقط الحقوق أنفسها فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنها حقوق لا ذنوب إنما الذنوب تأخيرها فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر فالحج المبرور يُسقط إثم المخالفة لا الحقوق اهـ إرشاد الساري.
(فائدة): قال القرطبي: المجادلة في الآية المخاصمة فيما لا يليق اهـ وقيل: هي المماراة مع الرفقاء والخدم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤٨٤]، والبخاري [١٨٢٠]، والترمذي [٨١١]، والنسائي [٥/ ١١٤]، وابن ماجه [٢٨٨٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة هذا ﵁ فقال:
стр. 6006
٣١٧٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَأَبِي الأَحْوَصِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ المُثَنى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَبر. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُل هؤُلاءِ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ".
٣١٧٤ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، مِثْلَهُ
ــ
٣١٧٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه سعيد بن منصور) بن شعبة المكي (عن أبي عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) (وأبي الأحوص) سلام بن سليم الحنفي الكوفي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن مسعر) بن كدام الهلالي الكوفي، ثقة، من (٧) (وسفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من (٧) (ح وحدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر) غندر (حدثنا شعبة كل هولاء) الخمسة المذكورين من أبي عوانة وأبي الأحوص ومسعر وسفيان وشعبة رووا (عن منصور) بن المعتمر السلمي الكوفي، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة لجرير بن عبد الحميد في الرواية عن منصور، وقوله: (بهذا الإسناد) يعني عن أبي حازم عن أبي هريرة متعلق بما عمل في المتابع (و) لكن (في حديثهم) أي في حديث هؤلاء الخمسة (جميعًا: من حج فلم يرفث ولم يفسق) بدل رواية جرير (من أتى هذا البيت) الخ.
ثم ذكر ﵀ المتابعة فيه ثانيًا فقال:
٣١٧٤ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا سعيد بن منصور) المكي (حدثنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي (عن سيار) بن وردان أبي الحكم العنزي الواسطي ثقة، من (٦) روى عنه في (٥) أبواب (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ وساق سيار (مثله) أي مثل حديث منصور عن أبي حازم، غرضه بيان متابعة سيار لمنصور في الرواية عن أبي حازم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث، الأول منها: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث
стр. 6007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث أبي هريرة الأخير ذكره للاستشهاد للحديث الذي قبله وذكر فيه متابعتين والله أعلم.
***
стр. 6008
٥١٨ - (٤) باب نزول الحاج بمكة وتوريث دورها وجواز إقامة المهاجر بمكة ثلاثة أيام بعد فراغه من الحج أو العمرة
٣١٧٥ - (١٢٦٧) (١٧) حدثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَلِى بْنَ حُسَينِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدِ بْنِ حَارِثَةَ، أَنَّهُ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ "
ــ
٥١٨ - (٤) باب نزول الحاج بمكة وتوريث دورها وجواز إقامة المهاجر بمكة ثلاثة أيام بعد فراغه من الحج أو العمرة
٣١٧٥ - (١٢٦٧) (١٧) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو المصري (وحرملة بن يحيى) التجيبي المصري (قالا: أخبرنا) عبد الله (بن وهب) المصري (أخبرني يونس بن يزيد) الأيلي (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (أن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبا الحسين زين العابدين المدني، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (أخبره) أي أخبر لابن شهاب (أن عمرو بن عثمان بن عفان) بن أبي العاص الأموي المدني، روى عن أسامة بن زيد في الحج والفرض، وعن أبيه، ويروي عنه (ع) وعلي بن الحسين وأبو الزناد وهو راوي حديث: "لا يرث المسلم الكافر" وثقه ابن سعد والعجلي، وقال في التقريب: ثقة، من الثالثة (أخبره عن أسامة بن زيد بن حارثة) حب رسول الله ﷺ ومولاه. وهذا السند من سباعياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (أنه) أي أن أسامة بن زيد ﵄ (قال) في حجة الوداع أو في فتح مكة، وفي فتح الملهم اختلف الروايات في وقوع هذا السؤال، والجواب هل كان في فتح مكة أو في حجة الوداع، وتقدم بسط البحث فيه في باب استحباب نزول المحصب فليراجع (يا رسول الله أتنزل) غدًا (في دارك بمكة) أخرج الفاكهي هذا الحديث من طريق محمد بن أبي حفصة وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد منات، ثم صارت لعبد المطلب ابنه فقسمها بين وُلْده حين عمّر فمن ثم صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها وُلِد النبي ﷺ (فقال) له رسول الله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور) وهذا الاستفهام إنكاري معناه النفي أي ما ترك لنا عقيل شيئًا من ذلك، واختلف الرواة هل كان هذا القول في فتح مكة أو في حجة الوداع كما مر آنفًا فروي عن
стр. 6009
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ. وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيئًا. لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَينِ. وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَينِ
ــ
الزهري كل ذلك، ويحتمل أن يكون تكرر هذا السؤال والجواب في الحالتين وفيه بُعد اهـ من المفهم.
قوله: (أتنزل في دارك بمكة) أي التي هي حقك من أبيك عبد الله المنتقل إليه من أبيه عبد المطلب بتقسيمه بين أولاده ما ورثه من أبيه هاشم ولذلك أضافها ﷺ إلى نفسه في قوله: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور، وقيل: إن أصلها كان لأبي طالب الذي كفله ولأنه أكبر ولد عبد المطلب فاحتوى على أملاك عبد المطلب وحازها وحده لسنة على عادة الجاهلية فتكون الاضافة على هذا مجازية لسكناه ﷺ إياها، قوله: (وهل ترك لنا عقيل) -بفتح العين المهملة- ابن أبي طالب (من رباع) بكسر الراء جمع ربع بفتخ الراء وسكون الموحدة كسهم وسهام، والربع كما في المصباح محلة القوم ومنزلهم، وقيل: هو المنزل المشتمل على أبيات، وقيل هو الدار فعلى هذا فقوله أو دور عطف مرادف (أو دور) جمع الدار أي وهل ترك لنا عقيل شيئًا منازل أو ديار، وكلمة أو إما ترديد من النبي ﷺ أو شك من الراوي؛ والمراد بعقيل عقيل بن أبي طالب أخو سيدنا علي ﵁ وكان قد استولى هو وأخوه طالب على الديار كلها إرثًا من أبيهما بجامع الكفر وعداء على حقه ﷺ وحق من هاجر من بني عبد المطلب لتركهم حقوقهم بالهجرة كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، وفقد أخوه طالب ببدر فانفرد عقيل بحيازة الديار كلها فباعها، قال ابن الملك: وفي الحديث دلالة على أن الكافر إذا استولى على أموال المسلمين وأحرزها إلى دار الحرب ملكها، وعلى أن بيع دور مكة جائز وإليه ذهبت الأحناف، وفي رواية عن أبي حنيفة يكره بيع الأرض فيها (وكان عقيل ورث أبا طالب هو و) أخوه (طالب ولم يرثه جعفر ولا علي شيئًا لأنهما كانا مسلمين) ولوكانا وارثين لنزل ﵇ في دورهما وكانت كانها ملكه بإيثارهما إياه على أنفسهما اهـ إرشاد (وكان عقيل وطالب كافرين) أما عقيل فاسلم أخيرا، قال في الإصابة: تأخر إسلامه إلى عام الفتح، وقيل: أسلم بعد الحديبية، وكان أُسر يوم بدر ففداه عمه العباس، مات بالمدينة قبل وقعة الحرة، وأما طالب فقد ذُكر أنه فقد يوم بدر كما مر آنفا اهـ من بعض
стр. 6010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الهوامش، قال الحافظ: ومحصل هذا أن النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدور كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدور كلها اهـ. وقوله ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من دار" فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أن مكة فتحت صلحًا وأن دورها مملوكة لأهلها لها حكم سائر البلدان في ذلك فتُورث عنهم ويجوز لهم بيعها ورهنها وإجارتها وهبتها والوصية بها وسائر التصرفات، وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي وآخرون: فتحت عنوة فلا يجوز شيء من هذه التصرفات، وفيه أن المسلم لا يرث الكافر وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا على أن الكافر لا يرث المسلم وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى والله أعلم. واختلف في تقرير النبي ﷺ عقيلًا على ما يخصه هو فقيل: ترك له ذاك تفضلًا عليه، وقيل: استمالة له وتأليفًا، وقيل: تصحيحًا لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتها، وفي قوله: (وهل ترك لنا عقيل من دار) إشارة إلى أنه لو تركها بغير بيع لنزل فيها، وفيه تعقب على الخطابي حيث قال: إنما لم ينزل النبي ﷺ فيه لأنها دور هجروها في الله تعالى بالهجرة فلم ير أن يرجع في شيء تركه لله تعالى، وفي كلامه نظر لا يخفى والأظهر ما قدمته وأن الذي يختص بالترك إنما هو إقامة المهاجر في البلد التي هاجر منها لا مجرد نزوله في دار يملكها إن أقام المدة الماذون له فيها وهي أيام النسك وثلاثة أيام بعده والله أعلم، قوله: (ولم يرثه جعفر) وهو المشهور بالطيار ذي الجناحين، وطالب أسن من عقيل وهو من جعفر، وهو من علي، والتفاوت بين كل واحد والآخر عشر سنين وهو من النوادر. وقوله: (لأنهما كانا مسلمين) قال الحافظ: وهذا يدل على تقدم هذا الحكم في أوائل الإسلام لأن أبا طالب مات قبل الهجرة، ويحتمل أن تكون الهجرة لما وقعت استولى عقيل وطالب على ما خلفه أبو طالب وكان أبو طالب قد وضع يده على ما خلفه عبد الله والد النبي ﷺ لأنه كان شقيقه، وكان النبي ﷺ عند أبي طالب بعد موت جده عبد المطلب فلما مات أبو طالب ثم وقعت الهجرة ولم يسلم طالب وتأخر إسلام عقيل استوليا على ما خلف أبو طالب، ومات طالب قبل بدر وتأخر عقيل فلما تقرر حكم الإسلام بترك
стр. 6011
٣١٧٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَال ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَينٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَينَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ. فَقَال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا"
ــ
وتوريث المسلم من الكافر استمر ذلك بيد عقيل فأشار النبي ﷺ إلى ذلك وكان عقيل قد باع تلك الدور كلها اهـ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٥/ ٢٠١]، والبخاري [٣٥٥٨]، وأبو داود [٢٩٠٠]، وابن ماجه [٣٩٤٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أسامة بن زيد ﵄ فقال:
٣١٧٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن مهران) بكسر أوله وسكون الهاء الجمّال بالجيم أبو جعفر (الرازي) ثقة، من (١٠) روى عنه في (٦) أبواب (و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي، ثقة، من (١٠) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي الحافظ، ثقة، من (١١) (جميعًا عن عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (قال ابن مهران حدثنا عبد الرزاق) بصيغة السماع (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن الزهري عن علي بن حسين) بن علي بن أبي طالب (عن عمرو بن عثمان) بن عفان (عن أسامة بن زيد) ﵄. وهذا السند من سباعياته، غرضه بسوقه بيان متابعة معمر بن راشد ليونس بن يزيد، قال أسامة: (فلت: يا رسول الله أين تنزل كدًا) أي قلت له صباح يوم النحر وقت نزولنا لطواف الإفاضة أي أين تنزل غدًا؛ والمراد بالغد هنا ثالث عشر ذي الحجة لأنه يوم النزول بالمحصب فهو مجاز في إطلاقه كما يطلق أمس على الماضي مطلقًا وإلا فثاني العيد هو الغد حقيقة وليس مرادًا اهـ قسطلاني (وذلك) السؤال (في حجته) ﷺ حجة الوداع، وقوله: (حين دنونا) وقربنا (من مكة) متعلق بقلت أي قلت له بعد الرجوع من منى أين ننزل غدًا؟ (فقال) رسول الله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل منزلًا) ننزل فيه أي ما ترك لنا شيئًا بل باع دورنا كلها فلا منزل لنا في مكة فالاستفهام إنكاري، وحكى الفاكهي أن الدار لم
стр. 6012
٣١٧٧ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ. قَالا: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَينٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ؛ أَنَّهُ قَال: يَا رَسُولَ اللهِ! أَينَ تَنْزِلُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ؟ وَذلِكَ زَمَنَ الْفَتْحِ قَال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ"
ــ
تزل بيد عقيل أولًا إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وقال الداودي وغيره: كان كل من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره فأمضى النبي ﷺ تصرفات الجاهلية تأليفًا لقلوب من أسلم منهم اهـ قسطلاني.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أسامة ﵁ فقال:
٣١٧٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا محمد بن أبي حفصة) ميسرة أبو سلمة البصري، صدوق، من (٧) (وزمعة) بسكون الميم (بن صالح) الجندي اليماني الأصل نزيل مكة، روى عن الزهري في الحج، وعمرو بن دينار وابن طاوس وغيرهم، ويروي عنه (م س ق) وروح بن عبادة وابن وهب وعبد الرزاق وغيرهم، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وأبو داود وأبو زرعة، وقال النسائي: ليس بالقوي كثير الغلط عن الزهري. قرنه (م) بآخر له عنده فرد حديث في الحج، وقال في التقريب: ضعيف وحديثه عند مسلم مقرون، من السادسة، وليس في مسلم من اسمه زمعة إلا هذا الضعيف (قالا: حدثنا ابن شهاب عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد) ﵄. وهذا السند من سباعياته أيضًا، غرضه بيان متابعة محمد بن أبي حفصة وزمعة بن صالح ليونس بن يزيد (أنه) أي أن أسامة بن زيد (قال: يا رسول الله أين تنزل غدًا إن شاء الله وذلك) السؤال (زمن الفتح) لمكة سنة ثمان (قال) رسول الله ﷺ : (وهل ترك لنا عقيل من منزل) ننزل فيه أي ما ترك لنا منزلًا لأنه باع كل دورنا ترجم البخاري لهذا الحديث (باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها) قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن. أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع وإرسال، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء، قال عبد الرزاق عن
стр. 6013
٣١٧٨ - (١٢٦٨) (١٨) حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلالٍ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: هَلْ سَمِعْتَ
ــ
ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نهى أن تبوب دور مكة لأنها ينزل الحجاج في عرصاتها فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، واعتذر عن ذلك إلى عمر، وروى الطحاوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها، وروى عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد عن ابن عمر لا يحل بيع دور مكة ولا إجارتها، وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وخالفه صاحبُهُ أبو يوسف، واختلف عن محمد، وبالجواز قال الجمهور واختاره الطحاوي اهـ فتح الملهم. وقد تقدم الجمع بين الروايتين المختلفتين بأن السؤال وقع في اليومين يوم الفتح وفي حجة الوداع نقلا عن القرطبي.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث العلاء بن الحضرمي ﵁ فقال:
٣١٧٨ - (١٢٦٨) (١٨) (حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب) التميمي الحارثي البصري ثقة، من (٩) (حدثنا سليمان يعني ابن بلال) التيمي مولاهم المدني، ثقة، من (٨) (عن عبد الرحمن بن حميد) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، روى عن السائب بن يزيد في الحج، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن في النكاح، وسعيد بن المسيب في الضحايا، وإبراهيم بن محمد بن طلحة في الفضائل، ويروي عنه (ع) وسليمان بن بلال وسفيان بن عيينة وصالح بن كيسان وأبو ضمرة أنس بن عياض وحاتم بن إسماعيل، وثقه أبو حاتم وأبو داود والنسائي، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال في التقريب: ثقة، من السادسة، مات سنة (١٣٧) سبع وثلاثين ومائة بالعراف بداية خلافة أبي جعفر (أنه) أي أن عبد الرحمن بن حميد (سمع عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبا حفص المدني أمير المؤمنين، ثقة، من (٤) حالة كون عمر (يسأل السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي الحجازي الصحابي ابن الصحابي ﵄، وقوله: (يقول) بدل من يسأل أي حالة كون عمر يقول في سؤاله: (هل سمعت) رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 6014
فِي الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ شَيئًا؟ فَقَال السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لِلمُهَاجِرِ إقَامَةُ ثَلاثٍ، بَعْدَ الصَّدَرِ، بِمَكَّةَ" كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا يَزِيدُ عَلَيهَا
ــ
يا سائب يذكر (في) شان (الإقامة) والمكث (بمكة شيئًا) أي يذكر في شأن إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه شيئًا من الأحكام تحليلًا أو تحريمًا (فقال السائب) بن يزيد لعمر بن عبد العزيز: (سمعت العلاء بن الحضرمي) عبد الله بن عمار حليف بني أمية الصحابي الجليل ﵁ كان مجاب الدعوة بعثه النبي ﷺ إلى المنذر صاحب البحرين فحال بينهما البحر فدعا بكلمات فركبوا على البحر فجاوزوه، له أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد (م) بخمسة، ويروي عنه السائب بن يزيد وأبو هريرة، عَامَلَ على البحرين للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر، ومات بها سنة (٢١) إحدى وعشرين وهو على البحرين، وقيل قبل ذلك، وهذا الحديث من خماسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد بحراني وواحد حجازي وواحد بصري، وفيه رواية صحابي عن صحابي، حالة كون العلاء (بقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول): يجوز اللمهاجر) من مكة إلى المدينة قبل الفتح (إقامة ثلاث) ليال (بعد الصدر) بفتح المهملتين أي بعد طواف الصدر وهو طواف الوداع قاله العيني، وقال الحافظ: أي بعد الرجوع من منى، وقوله: (بمكة) متعلق بإقامة (كانه) ﷺ (يقول) أي يريد بذلك إلا يزيد) في الإقامة بمكة بعد الصدر (عليها) على ثلاث ليال.
وفقه هذا الحديث أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح لكن أُبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام لا يزيد عليها، قال النواوي: معنى الحديث إن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله ﷺ حرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها ثم أبيح لهم إذا وصلوها بحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام ولا يزيدوا على الثلاثة اهـ ولذلك قال الراوي: (كأنه) ﷺ (يقول لا يزيد عليها).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٣٩]، والبخاري [٣٩٣٣]، وأبو داود [٢٠٢٢]، والترمذي [٩٤٩]، والنسائي [٣/ ١٢٢]، وابن ماجه [١٠٧٣].
قال القرطبي: قوله: (للمهاجر إقامة ثلاث) والمراد بالمهاجر هنا من هاجر من
стр. 6015
٣١٧٩ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيدٍ. قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَال السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ أَوْ قَال: (الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ) قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُقِيمُ
ــ
مكة إلى المدينة لنصرة النبي ﷺ وليس المراد من هاجر من غيرها لأن هذا الحديث خرج جوابًا عن سؤالهم حين تحرجوا من المقام بمكة إذ كانوا تركوها لله تعالى فأجابهم النبي ﷺ بذلك ورأى أن إقامة الثلاث ليست بإقامة وقد تقدم احتجاج مالك بهذا على تحديد المدة الفاصلة بين الإقامة والسفر وبهذا الحديث قال الجمهور فحكموا بمنع المهاجر من أهل مكة من المقام بها بعد الفتح وأجاز ذلك لهم جماعة بعد الفتح.
(قلت): وهذا الخلاف وإن كان فيمن مضى حكمهم وانقرض عصرهم وهجرتهم الخاصة بهم لكن يبنى عليه خلاف فيمن فر بدينه عن موضع ما يخاف فتنته وترك فيه رباعًا ثم ارتفعت تلك الفتنة فهو يرجع فهل يرجع لتلك البقاع أم لا؟ فنقول: إن كان ترك رباعه لوجه الله تعالى كما فعله المهاجرون فلا يرجع لشيء من ذلك وإن كان إنما فر بدينه ليسلم به ولم يخرج عن شيء من أملاكه فإنه يرجع إلى ذلك كله إذ لم يزل شيء من ذلك عن ملكه والله أعلم اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث العلاء ﵁ فقال:
٣١٧٩ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن حميد) بن عبد الرحمن بن عوف، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سفيان بن عيينة لسليمان بن بلال (قال) عبد الرحمن بن حميد: (سمعت عمر بن عبد العزيز يقول لجلسائه) من الصحابة (ما سمعتم) أي أي شيء سمعتم من رسول الله ﷺ (في) حكم (سكنى مكة) أي في حكم إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه هل يجوز أم لا؟ (فقال السائب بن يزيد) ﵄: (سمعت العلاء) بن الحضرمي (أو) قال السائب بدل سمعت العلاء والشك من عبد الرحمن بن حميد قيما قاله السائب بن يزيد (قال العلاء بن الحضرمي قال رسول الله ﷺ : يقيم
стр. 6016
الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلاثًا".
٣١٨٠ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا حَسَنْ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْأَلُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ. فَقَال السَّائِبُ: سَمِعْتُ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ثَلاثُ لَيَالي يَمْكُثُهُنَّ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ الصَّدَرِ"
ــ
المهاجر بمكة) إذا دخلها بحج أو عمرة (بعد قضاء نسكه) حجًّا أو عمرة (ثلاثًا) من الليالي فلا يزيد عليها، قال الحافظ: استدلى به على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعي لقوله في هذا الحديث بعد قضاء نسكه لأن طواف الوداع لا إقامة بعده ومتى أقام بعده خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سماه قبله قاضيًا لمناسكه فخرج طواف الوداع عن أن يكون من مناسك الحج والله أعلم اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث العلاء بن الحضرمي ﵁ فقال:
٣١٨٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا حسن) بن علي الهذلي (الحلواني) المكي الخلالى، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي، ثقة، من (١١) (جميعًا عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من (٩) (حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد الزهري المدني، ثقة، من (٨) (عن صالح) بن كيسان الغفاري أبي محمد المدني، ثقة، من (٤) (عن عبد الرحمن بن حميد) الزهري المدني، غرضه بسوق هذا السند بيان متابعة صالح بن كيسان لسفيان بن عيينة وسليمان بن بلالى (أنه) أي أن عبد الرحمن (سمع عمر بن عبد العزيز) الأموي المدني (يسأل السائب بن يزيد) عن قدر ما يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه (فقال السائب) بن يزيد لعمر بن عبد العزيز: (سمعت) أنا (العلاء بن الحضرمي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثلاث ليال) بالرفع على الابتداء وسوغ الابتداء بالنكرة مطلق الإضافة خبره جملة قوله: (يمكثهن) أي يمكث تلك الثلاثة ويجلسها (المهاجر بمكة) إذا دخلها لنسك أو غيره (بعد الصدر) أي بعد الرجوع من منى إلى مكة، قال في المصباح: مكث مكثا
стр. 6017
٣١٨١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. وَأَمْلاهُ عَلَينَا إِمْلاءَ. أَخْبَرَنِي إِشمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ حُمَيدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ننِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ الْعَلاءَ بْنَ الْحَضرَمِيِّ أَخْبَرَهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "مَكثُ الْمُهَاجِرِ بِمَكَّةَ، بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلاثًا".
٣١٨٢ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ
ــ
من باب قتل، وتلبث فهو ماكث، ومَكُثَ مكثًا من باب قرب فهو مكيث مثل قرب قربًا فهو قريب اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث العلاء بن الحضرمي ﵁ فقال:
٣١٨١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) المكي، وقوله: (وأملاه علينا إملاء) معطوف على أخبرنا أي قرأنا هذا الحديث على ابن جريج وأملاه؛ أي أملى هذا الحديث ابن جريج علينا لنكتبه منه إملاء، والإملاء حكاية القول لمن يكتبه، قال ابن جريج: (أخبرني إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقاص الزهري أبو محمد المدني، ثقة، من (٤) (أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني (أخبره أن السائب بن بزيد أخبره أن العلاء بن الحضرمي أخبره عن رسول الله ﷺ وهذا السند من سباعياته، غرضه بسوقه بيان متابعة إسماعيل بن محمد لعبد الرحمن بن حميد في رواية هذا الحديث عن السائب ولكنها متابعة ناقصة لأن إسماعيل بن محمد روى عن السائب بن يزيد بواسطة حميد بن عبد الرحمن (قال) رسول الله ﷺ : (مكث المهاجر) مبتدأ (بمكة) متعلق بمكث وكذا قوله: (بعد قضاء نسكه) متعلق به، وقوله: (ثلاثًا) منصوب على المفعولية بمكث، وخبر المبتدأ محذوف تقديره مكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاث ليال جائز، وفي بعض النسخ (ثلاثٌ) بالرفع على الخبرية وهو ظاهر واضح لا يحتاج إلى تقدير.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا فقال:
٣١٨٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني حجاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي
стр. 6018
بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاك بْنُ مَخْلَدٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
ــ
المعروف بـ (ابن الشاعر) ثقة، من (١١) (حدثنا الضحاك بن مخلد) بن الضحاك بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، من (٩) (أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد) يعني عن إسماعيل بن محمد عن حميد بن عبد الرحمن عن السائب عن العلاء وساق الضحاك (مثله) أي مثل ما روى عبد الرزاق عن ابن جريج، غرضه بيان متابعة الضحاك لعبد الرزاق والله أعلم.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب حديثان، الأول: حديث أسامة بن زيد ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعتين، والثاني: حديث العلاء بن الحضرمي ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه أربع متابعات.
***
стр. 6019
٥١٩ - (٥) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها والنهي عن حمل السلاح فيها وجواز دخولها بلا إحرام
٣١٨٣ - (١٢٦٩) (١٩) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ. وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ
ــ
٥١٩ - (٥) باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها والنهي عن حمل السلاح فيها وجواز دخولها بلا إحرام
٣١٨٣ - (١٢٦٩) (١٩) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتّاب الكوفي، ثقة، من (٥) (عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي الإمام المفسر، ثقة، من (٣) (عن طاوس) بن كيسان اليماني، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم كوفيان وواحد طائفي وواحد يماني وواحد مكي وواحد مروزي، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ورواية تابعي عن تابعي (قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ يوم الفتح): ظرف لقال، وقوله: (فتح مكة) بدل من الفتح أو بيان له ومقول القول قوله: (لا هجرة) بعد الفتح الخ أي قال يوم فتح مكة كما أفصح به البخاري "لا هجرة بعد الفتح" قال ابن الملك: المنفي فرضية الهجرة وفضيلتها التي كانت قبله لا وجودها اهـ يعني أن وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة انقطع بفتحها إذ صارت دار الإسلام، وأما الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام فباقية لا تنقطع ما قوتل الكفار (ولكن جهاد ونية) أي ولكن لكم جهاد في سبيل الله ونية صالحة أي فوجود الجهاد باق على حاله لإعلاء كلمة الله تعالى عند الاحتياج إليه، قال الحافظ: قوله: (لا هجرة) أي بعد الفتح كما صرح به في بعض الروايات أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة، الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه بها ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة، الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم، الثالث:
стр. 6020
وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". وَقَال يَوْمَ الْفَتْحِ، فَتْح مَكَّةَ: "إِن هذَا الْبَلَدَ حَرَّمهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
ــ
عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر، قالوا: وفي الحديث بشارة بأن مكة تبقى دار إسلام أبدًا اهـ قال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا فسقط فرض الهجرة إلى المدينة وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به ونزل به عدوه اهـ وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها اهـ فتح الملهم (وإذا استنفرتم) أي طلب منكم النفير أي الخروج إلى الغزو (فانفروا) أي فاخرجوا إليه وجوبًا معناه إذا طلب منكم الإمام النفير والخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه حينئذٍ يتعين الغزو على من استنفر بلا خلاف أي إذا دعيتم إلى الغزو فأجيبوا، قال النووي: يعني أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة إذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه اهـ، وفيه وجوب تعين الخروج إلى الغزو على من عينه الإمام وأن الأعمال تعتبر بالنيات.
(وقال) رسول الله ﷺ أيضًا: (يوم الفتح فتح مكة أن هذا البلد) المعهود الذي نحن فيه الآن (حرمه الله) تعالى أي حرم على الناس هتكه وأوجب عليهم تعظيمه (يوم خلق السماوات والأرض) فتحريمه أمر قديم وشريعة سالفة مستمرة وحكمه تعالى قديم لا يتقيد بزمان فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصور لعموم البشر إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل وليس تحريمه مما أحدثه الناس والخليل ﵇ إنما أظهره مبلغًا عن الله، وقيل: إنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض إن الخليل ﵇ سيحرم مكة بامر الله تعالى والتحقيق إن إبراهيم أظهر حرمتها وجدد بقعتها ورفع كعبتها بعدما اندرست بسبب الطوفان الذي هدم بناء آدم وبيّن حدود الحرم (فهو) أي هذا البلد (حرام) أي محرم معظم (بحرمة) أي بسبب تحريم (الله) تعالى إياه حرمة مؤبدة (إلى يوم القيامة) أي إلى يوم النفخة الأولى، والفاء في قوله: (فهو)
стр. 6021
وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامةِ. لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلَا يُنَفَّرُ صَيدُهُ. وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا. وَلَا يُخْتَلَى خَلاهَا"
ــ
واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إذا كان الله كتب في اللوح المحفوظ تحريمه ثم أمر خليله بتبليغه وإنهائه فأنا أيضًا أبلغ ذلك وأنهيه إليكم فأقول فهو حرام بحرمة الله اهـ من الإرشاد (وإنه) أي وإن الشأن والحال (لم يحل القتال فيه) أي في هذا البلد، وفي رواية القتل (لأحد قبلي) قال القرطبي: وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة أن لا يقاتل أهلها ويؤمن من استجار بها ولا يتعرض له وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران / ٩٧] (ولم يحل) القتال الي) فيه (إلا ساعة من نهار) أي قطعة منه، فالضمير في يحل يعود إلى القتال قطعًا كما قررناه كما يدل عليه مساقه فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقًا سواء كان ساكنه مستحقًا للقتال أو لم يكن وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ : (ولا يحل لأحد بعدي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار" أي أُحل لي ساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر، وهذا يدل على أن فتح مكة كان عنوة وقهرًا (فهو) أي هذا البلد (حرام) أي: هتك حرمته على كل أحد بعد تلك الساعة (بحرمة الله) المؤبدة (إلى يوم القيامة) أي إلى النفخة الأولى (لا يُعضد) أي لا يقطع (شوكه) أي ولا شجرُهُ بطريق الأولى نعم لا بأس بقطع المؤذي من الشوك كالعوسج والسعدان قياسًا على الحيوان المؤذي؛ والمراد بالشجر هنا النابت بنفسه لا المستنبت كما هو مقرر في الفروع (ولا يُنفر صيده) أي لا يستعرض له بالاصطياد والإيحاش والإزعاج اهـ مرقاة، فإن نفره عصى سواء تلف أم لا (ولا يلتقط) أي لا يأخذ لقطته أي لقطة الحرم أحد (إلا من عرّفها) على الدوام ليردها إلى صاحبها، فالضمير في عرّفها عائد إلى اللقطة الساقطة في هذه الرواية الثابتة في الرواية التالية يعني لا يتملكها بعد التعريف كما يتملكها في غيره من البلاد وهذا مذهب الشافعية وهو رأي متأخري المالكية فيما ذكره صاحب تحصيل المرام من المالكية، والصحيح من مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أن لا خصوصية للقطتها والوجه هو الأول لأن الكلام ورد مورد الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها وإذا سوينا بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة اهـ من الإرشاد (ولا يختلى خلاها) أي ولا يقطع نباتها الرطب، وأما القلع فمن باب أولى، وأما النبات
стр. 6022
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إلَّا الإِذْخِرَ. فَإِنَّهُ لِقَينِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. فَقَال: "إِلَّا الإِذخِرَ"
ــ
اليابس فيسمى حشيشًا، والاختلاء الجز، والجز في النبت مثل الحصد في الزرع والخلى بالقصر كما في المصباح الرطب من النبات الواحدة خلاة مثل حصى وحصاة، قال الزمخشري في الفائق: وحق خلاها أن يكتب بالياء وتثنيته خليان اهـ أي لأنه من خليت بالياء (فقال العباس) بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ : (يا رسول الله إلا الاذخر) بالنصب على الاستثناء التلقيني أي قل يا رسول الله لا يختلى خلاها إلا الإذخر، ويجوز الرفع على البدلية من خلاها لأن الاستثناء من الكلام التام المنفي، والإذخر بالهمزة والخاء المعجمة المكسورتين بينهما ذال معجمة ساكنة نبت معروف طيب الرائحة وهو حلفاء مكة اهـ قسطلاني، وقال العيني: نبت عريض الأوراق طيب الرائحة اهـ، وفي فتح الملهم الإذخر نبت معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل متدفن وقضبان دقاق ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال: والذي بمكة أجوده وأهل مكة يُسقفون به البيوت بين الخشب ويسدّون به الخلل بين اللبنات في القبور ويستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود ولهذا قال العباس: فإنه لقينهم، ووقع في مرسل مجاهد عن عمر بن شبة فقال العباس: يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم. وهذا يدل على أن الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثني هو وإنما أراد به أن يُلقن النبي ﷺ الاستثناء اهـ منه، وقال العلايلي في معجمه: الإذخر نبات عشبي من فصيلة النجيليات له رائحة ليمونية عطرة أزهاره تستعمل منقوعًا كالشاي، ويقال له أيضًا طيب العرب، والإذخر المكي من الفصيلة نفسها جذورها من الأفاويه ينبت في السهول وفي المواضع الجافة الحارة، ويقال له أيضًا حلفاء مكة اهـ (فإنه) أي فإن الإذخر نافع ومحتاج إليه (لقينهم) بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون أي حدادهم أي محتاج إليه لحداد أهل مكة وكذا الصواغ فإنه يحرقونه بدل الحطب والفحم، قال الطبري: والقين عند العرب كل ذي صناعة يعالجها بنفسه (و) محتاج إليه إلى) سُقف (بيوتهم) وكذا لسقف قبورهم أي ولبيوتهم حال حياتهم ومماتهم اهـ مرقاة؛ والمعنى يحتاج إليه القين في وقود النار، ويحتاج إليه في القبور لتسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات، ويحتاج إليه في سقوف البيوت يُجعل فوق الخشب اهـ (فقال) رسول الله ﷺ : (إلا الاذخر) وهذا استثناء بعض من كل
стр. 6023
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، واختلفوا: هل كان قوله ﷺ : إلا الإذخر باجتهاد أو بوحي؟ . وقيل: كان الله سبحانه فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا، وقيل: أُوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله، قال ابن المنير: والحق أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي ﷺ كان تبليغًا عن الله تعالى إما بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم، قال الحافظ: وفي الحديث جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، وعظيم منزلة العباس عند النبي ﷺ وعنايته بأمر مكة لكونه كان بها أصله ومنشؤه اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢٢٦]، والبخاري [١٨٣٤]، وأبو داود [٢٤٨٠]، والترمذي [١٥٩٠]، والنسائي [٧/ ١٤٦].
قوله: (ولا يختلى خلاها) بصيغة المجهول مقصورًا أي لا يقطع نباتها وحشيشها، قال بعض العلماء: الخلا مقصورًا الرطب من النبات كما أن الحشيش هو اليابس منها، ولا فرق بين الرطب واليابس في حرمة القطع وعليه الأكثرون وهذا خلاف المشهور من المذهب، قال الشمني: بعد قوله: وكذا إن ذبح الحلال صيد الحرم أي لزمه قيمته ويُهدي بها أو يُطعم ولا يُجزئه الصوم أو قطع حشيشه أو شجره إلا مملوكًا أي للقاطع أو منبتًا أو جافًا أي يابسًا كذا في المرقاة، قال الحافظ: وفي تخصيص التحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهو أصح الوجهين للشافعية لأن النبت اليابس كالصيد الميت، قال ابن قدامة: لكن في استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدل عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة "ولا يحتش حشيشها" قال: وأجمعوا على إباحة أخذ ما استنبته الناس في الحرم من بقل وزرع ومشموم فلا بأس برعيه واختلائه اهـ وقال ابن عابدين: واعلم أن النابت في الحرم إما جاف أو منكسر أو إذخر أو غيرها، والثلاثة الأول: مستثناة من الضمان وغيرها إما أن يكون أنبته الناس أو لا؛ والأول لا شيء فيه سواء كان من جنس ما ينبته الناس كالزرع أو لا كأم غيلان، والثاني: إن كان من جنس ما ينبتونه فكذلك وإلا ففيه الجزاء فما فيه الجزاء هو النابت بنفسه وليس مما يستنبت ولا منكسرا ولا جافا ولا إذخرًا كما قرره في البحر اهـ من فتح الملهم.
стр. 6024
٣١٨٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ "يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" وَقَال، بَدَلَ الْقِتَالِ "الْقَتْلَ" وَقَال: "لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا".
٣١٨٥ - (١٢٧٠) (٢٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْعَدَويِّ؛
ــ
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣١٨٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا مفضل) بن مهلهل السعدي الكوفي، ثقة ثبت نبيل عابد، من (٧) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي (في هذا الإسناد) أي بهذا الإسناد يعني عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس (بمثله) أي بمثل ما حدّث جرير بن عبد الحميد، غرضه بيان متابعة مفضل لجرير بن عبد الحميد (و) لكن الم يذكر) مفضل لفظة (يوم خلق السماوات والأرض وقال) مفضل: (بدل) لفظ (القتال) في رواية جرير لفظة (القتل وقال) مفضل أيضًا (لا يلتقط لقطته) أي لقطة الحرم بإظهار المفعول به (إلا من عزفها) أي من أراد تعريفها على الدوام لمعرفة صاحبها لا لتملكها، واللقطة اسم للشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، والالتقاط هو أخذه، وأصل اللقط الأخذ من حيث لا يحس.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث أبي شريح رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣١٨٥ - (١٢٧٠) (٢٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (حدثنا ليث) بن سعد المصري (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري المدني، ثقة، من (٣) (عن) خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل غير ذلك والمشهور الأول (أبي شريح) الخزاعي (العدوي) المدني الصحابي المشهور ﵁ أسلم يوم الفتح وكان يحمل أحد ألوية بني كعب، روى عنه نافع بن جبير في الإيمان، وسعيد بن أبي سعيد في الحج، له عشرون حديثًا، اتفقا على حديثين وانفرد (خ) بحديث و (م) بحديث، قاله ابن سعد: مات بالمدينة سنة (٦٨) ثمان وستين. (قوله عن أبي شريح العدوي) قاله الحافظ: في كتاب الحج كذا وقع هنا في كتاب الحج، وفيه
стр. 6025
أَنَّهُ قَال لِعَمْرِو بنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي. أَيُّهَا الأَمِيرُ! أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ
ــ
نظر لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي بطن من خزاعة ولهذا يقال له الكعبي أيضًا وليس هو من بني عدي لا عدي قريش ولا عدي مضر فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل في خزاعة بَطْن يقال لهم بنو عدي اهـ (أنه) أي أن أبا شريح (قال لعمرو بن سعيد) بن أبي العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبي أمية المعروف بالأشدق، وليست له صحبة، ولا كان من التابعين بإحسان قاله الحافظ أحد الأشراف، قيل له رؤية، وقال في التقريب: تابعي (مهمل) من الثالثة، وليست له في (م) رواية إلا في حديث واحد وهو الحديث الذي رواه عن عثمان بن عفان ﵁ سبق ذكره في باب الوضوء، ومعنى الأشدق هنا المعوج الشدق من داء أصابه يُسمى لقوة لا بمعنى الواسع الشدق الذي يوصف به الخطيب البليغ، فإن القسطلاني ذكر في وجه تلقيبه بالأشدق أنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي بن أبي طالب فاصابته لِقْوَةٌ، وكان يزيد بن معاوية ولاه المدينة (وهو) أي والحال أن عمرًا (يبعث البعوث) أي يرسل الجيوش من المدينة (إلى مكة) لقتال عبد الله بن الزبير لكونه امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية واعتصم بالحرم، وكان عمرو والي يزيد على المدينة، والقصة مشهورة، والبعوث جمع بعث بمعنى مبحوث وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المجهز للقتال، والجملة الاسمية حال من عمرو أي والحال أن عمرو بن سعيد يرسل الجيوش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير وذلك أن يزيد بن معاوية لما قام مقام أبيه طلب من عبد الله بن الزبير البيعة فامتنع ابن الزبير من بيعته وخرج إلى مكة عائذًا بحرم الله تعالى فغضب يزيد فكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه جيشًا إلى ابن الزبير فجهز إليه جيشًا وأمر عليهم عمرو بن الزبير أخا عبد الله، وإن شديد العداوة لأخيه.
وقوله: (ائذن لي) مقول لأبي شريح الصحابي يخاطب عمرًا الأشدق يا (أيها الأمير) بحذف حرف النداء للتخفيف، والأصل فيه يا أيها الأمير، ويستفاد منه حسن التلطف في مخاطبة الأمراء ليكون أدعى لقبولهم النصيحة، وأن السلطان لا يُخاطب إلا بعد استئذانه ولا سيما إذا كان في أمر يعترض به عليه فترك ذلك والغِلْظة له قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندة من يخاطبه (أحدثك) بالجزم لأنه جواب الطلب السابق أي إن أذنت (أحدثك) أي أخبرك (قولًا) أي حديثًا، وجملة قوله: (قام به رسول الله صلى الله
следующие страницы →