← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

يَزِيدَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ إِبرَاهِيمَ، عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ؟ أَنَّهُ قَال: سَألتُ عَائِشَةَ زَوجَ النبِي ﷺ : كَم كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالت: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزوَاجِهِ ثِنْتَي عَشرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالت: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَال: قُلْتُ: لَا. قَالت: نِصفُ أُوقِية. فَتِلكَ خَمسُمِائةِ دِرهَمٍ. فَهذَا صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ لأَزواجِهِ ــ يزيد) بن عبد الله بن الهاد الليثي المدني (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أنه قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان من سداسياته رجالهما كلهم مدنيون إلا إسحاق بن إبراهيم في السند الأول فإنه مروزي وإلا محمد بن أبي عمر في السند الثاني فإنه مكي، أي سألتها بقولي: (كم كان صداق) أزواج (رسول الله ﷺ وهو بفتح الصاد لغة اسم للشديد الصلب بفتح الصاد أي الشديد القوي سمي الصداق الشرعي بذلك لأنه أشد الأعواض لزومًا من جهة عدم سقوطه بالتراضي، وشرعًا اسم لمال واجب للمرأة على الرجل بنكاح أو وطء شبهة أو موت كما في موت كل من الزوجين أو أحدهما في التفويض. وله أسماء كثيرة تبلغ أحد عشر اسما نظمها بعضهم في بيتين: صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق وطول نكاح ثم خرس تمامها ... ففرد وعشر عد ذاك موافق وزيد على ذلك عطية فله اثنا عشر اسما، ويقال له صدقة أيضًا، وتُجمع على صدقات سُمي بالصداق لدلالته على صدق باذله في الرغبة في النكاح (قالت) عائشة: (كان صداقه) ﷺ (لأزواجه ثنتي عشرة أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء، والمراد بها أوقية الحجاز وهي أربعون درهمًا (ونشًّا) بنون مفتوحة ثم شين مشددة، قال أبو سلمة: (قالت) لي عائشة: (أتدري) أي هل تعلم (ما النشُّ؟ قال) أبو سلمة: (قلت) لها: (لا) أدري (قالت) هو (نصف أوقية) عشرون درهمًا (فتلك) الأواقي المذكورة مع النش (خمسمائة درهم فهذا) العدد المذكور (صداق رسول الله ﷺ الذي أصْدقه (لـ) أغلب (أزواجه) قال القرطبي: وهذا القول من عائشة إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ لأن صفية من جملة أزواجه وأصدقها نفسها أي

стр. 6267

٣٣٧٠ - (١٣٤٨) (٩٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ) عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ ــ جعل عتقها صداقها، وزينب بنت جحش لم يُذكر لها صداق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان أصْدقها النجاشي أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة فدل على أن المراد بقولها ما ذكرناه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢١٠٥]، والنسائي [١١٦/ ٦ و ١١٧]. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال: ٣٣٧٠ - (١٣٤٨) (٩٨) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (وأبو الرّبيع) الزهراني (سليمان بن داود العتكي) البصري (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (واللفظ) الآتي (ليحيى) بن يحيى (قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس بن مالك) البصري ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد. (أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني أحد العشرة المبشرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (أثر صفرة) أي أثر وبقية طيب ذي صفرة أي صاحب لون أصفر يعني أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر؛ أي رأى عليه شيئًا قليلًا علق به من الطيب استعمله عند الزفاف، وفي رواية البخاري (وعليه وضر من صفرة) بفتح الواو والضاد المعجمة هو التلطخ بخلوق أو طيب له لون، وقد صرح به في بعض الروايات بأنه أثر زعفران (فإن قلت): جاء النهي عن التزعفر فما الجمع بينهما (قلت): كان يسيرًا فلم ينكره، وقيل إن ذلك علق به من ثوب المرأة من غير قصد، وقيل كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا لسروره وزواجه، وقيل كانت المرأة تكسوه إياه، وقيل إنه كان فعل ذلك ليُعان على الوليمة، وقال ابن عباس: أحسن الألوان الصفرة، قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ

стр. 6268

فَقَال: "مَا هذَا؟ " قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَال: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ. أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" ــ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قال: فقرن السرور بالصفرة، ولما سئل عبد الله بن عمر عن الصبغ بها قال: رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أصبغ بها وأحبها.، وقال أبو عبيد: كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه، وقيل: يحتمل أن ذلك كان في ثوبه لا في بدنه، ومذهب مالك جوازه وحكاه عن علماء بلده، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجال كذا في عمدة القاري (فقال) له رسول الله ﷺ : (ما هذا) الأثر الذي أراه عليك؟ وفي هذا سؤال الإمام والكبير أصحابه. وأتباعه عن أحوالهم ولا سيما إذا رأى منهم ما لم يعهد، وفيه جواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوقٍ وغيره (قال) عبد الرحمن: (يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب) أي على ذهب يزن نواة تمر، وفي المرقاة قال القاضي: النواة اسم لخمسة دراهم كما أن النش اسم لعشرين درهمًا، والأوقية اسم لأربعين درهمًا، وقيل معناه على ذهب قيمته تساوي خمسة دراهم وهذا لا يساعده اللفظ، وقيل المراد بالنواة نواة التمر ولبه وهذا الأخير هو الظاهر المتبادر أي مقدارها من الذهب وهو سدس مثقال تقريبًا، وقد يوجد بعض النوى يزن ربع مثقال أو أقل وقيمته تساوي عشرة دراهم، ويمكن أن يحمل على المعنى الأول فمعناه على مقدار خمسة دراهم وزنًا من الذهب يعني ثلاثة مثاقيل ونصفًا ذهبًا وهذا بعيد كما في الفتح. قال الحافظ: واستدل به على استحباب تقليل الصداق لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة، وقد أقره النبي ﷺ على إصداقه وزن نواة من ذهب، وتعقب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهرت منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر وذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له (قال) له النبي ﷺ : (فبارك الله لك) الفاء زائدة لتزيين الخط أو للإفصاح تقديره إذا كان شأنك ذلك فأقول لك بارك الله لك في زواجك (أو لم) أمر من الوليمة وهي ضيافة تتخذ للعروس (ولو) كانت وليمتك وضيافتك (بشاة) مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره، قال ابن الأنباري: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها أو لم، وقد ذهب بعضهم إلى وجوبها لظاهر الأمر، والأكثرون على أنها مستحبة اهـ ابن الملك، والمستفاد

стр. 6269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من هذا الحديث ومما يأتي من الأحاديث أن وقت الوليمة بعد الدخول. قوله: (فبارك الله لك) فيه استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة وهو المشروع ولا شك أنها لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره، وفي بعض الروايات قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضة فكأنه قال ذلك إشارة إلى إجابة الدعوة النبوية بأن يبارك الله له، وفي رواية معمر عن ثابت قال أنس: فلقد رأيته قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف، قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف. قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع الوليمة للعرس، والخرس -بضم الخاء المعجمة- ويقال أيضًا الخرص بالصاد المهملة للولادة، والإعذار -بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة- للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذة من النقع وهو الغبار، ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام، وقيل يصنعه غيره له، والعقيقة يوم سابع الولادة، والوضيمة -بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة- الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال وفتحها- الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب والله أعلم. قال الحافظ: وقد فاتهم ذكر الحذاق -بكسر المهملة وتخفيف الذال المعجمة اخره قاف- الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي ذكره ابن الصباغ في الشامل، وقال ابن الرفعة: هو الذي يصنع عند ختم القرآن كذا قيده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرّد ذلك في حذقه لكل صناعة، قال: وفي حديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد في وليمة الختان لم يكن يدعى لها اهـ وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال: وليمة عرس ثم خرس ولادة ... عقيقة مولود وكيرة ذي بنا وضيمة موت ثم إعذار خاتن ... نقيعة سفر والمؤدب للثنا وقد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا عند الطبراني في الأوسط: الوليمة حق وسنة فمن دُعي فلم يجب فقد عصى. قال ابن بطال: قوله الوليمة حق أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها كذا قال، والإجابة إليها واجبه إلا لعذر كما هو مبسوط في كتب الفروع، وقال

стр. 6270

٣٣٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الغُبَريُّ. حَدَّثنَا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَة، عَنْ أنَسٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" ــ الزركشي بعد كلام طويل: ولا تجب الإجابة في زماننا لأن المحافل لا تخلو عن منكر ما. وإذا كان زمانهم كذلك فكيف زماننا الذي جُعل فيه الحرام حلالًا والعياذ بالله تعالى. قوله: (ولو بشاة) لو تقليلية واستدل به على أن الشاة أقل ما يجزئ عن الموسر ولولا ثبوت أنه ﷺ أو لم على بعض نسائه بأقل من شاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما تجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بد من تقييده بالقادر عليها ويستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٠٧٣]، وأبو داود [٢٠٥٤]، والترمذي [١١١٥]، والنسائي [٦/ ١١٤]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: ٣٣٧١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن عبيد) بن حساب -بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة- (الغبري) بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، نسبة إلى بني غبر اسم قبيلة، البصري ثقة من (١٠) (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة قتادة لثابت بن أسلم (أن عبد الرحمن بن عوف تزوج) امرأة من الأنصار (على عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب فقال له رسول الله ﷺ : أولم ولو بشاة) وقوله: (أولم ولو بشاة) قال القرطبي: ظاهره الوجوب، وبه تمسك داود في وجوب الوليمة وهو أحد قولي الشافعي ومالك ومشهور مذهب مالك، والجمهور أنها مندوب إليها وقوله: (ولو بشاة) دليل على أن التوسعة في الوليمة أولى وأفضل لمن قدر عليه، وإن أقل ما يوسع به من أراد الاقتصار شاة، قال القاضي عياض: ولا خلاف في أنه لا حد لها ولا توقيت، واختلف السلف في تكرارها زيادة

стр. 6271

٣٣٧٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ وَحُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". ٣٣٧٣ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. كُلُّهُمْ ــ على يومين فأجازه قوم ومنعه آخرون، وقال بعض من أجاز ذلك إذا دعى كل يوم من لم يدع قبله جاز وكل كره المباهاة والسمعة اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أنس ﵁ "فقال: ٣٣٧٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (أخبرنا وكيع) ابن الجراح (حدثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (وحميد) الطويل (عن أنس) ابن مالك ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لأبي: عوانة (أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة) من الأنصار. كما في بعض الروايات (على وزن نواة من ذهب وأن النبيِ ﷺ معطوف على أن الأولى (قال له: أو لم ولو بشاة) قال عياض: وأجمعوا على أن لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك ومهما تيسر أجزأ والمستحب أنها على قدر حال الزوج وقد تيسر على الموسر الشاة فما فوقها اهـ. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا فقال: ٣٣٧٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه محمد بن المثنى حدثنا أبو داود) الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (وهارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي، ثقة، من (١٠) (قالا: حدثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا أحمد بن) الحسن بن (خراش) بكسر الخاء المعجمة الخراساني البغدادي، صدوق، من (١١) (حدثنا شبابة) بن سوار المدائني أبو عمرو الفزاري مولاهم، ثقة، من (٩) (كلهم) أي كل من أبي داود ووهب بن جرير وشبابة بن سوار

стр. 6272

عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيدٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أن فِي حَدِيثِ وَهْبٍ قَال: قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً. ٣٣٧٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ. قَالا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ. قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ. فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ ــ رووا (عن شعبة عن حميد) الطويل. وهذه الأسانيد كلها من خماسياته، غرضه بسوقها بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لوكيع بن الجراح (بهذا الإسناد) يعني عن أنس بن مالك (غير أن) أي لكن أن (في حديث وهب) بن جرير وروايته (قال) أنس (قال عبد الرحمن: تزوجت امرأة) فيكون السند على هذا الطريق من سداسياته .. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث أنس ﵁ فقال: ٣٣٧٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (ومحمد بن قدامة) بن إسماعيل السلمي المروزي، مقبول، من (١١) ووثقه ابن حبان كلاهما (قالا: أخبرنا النضر بن شميل) مصغرًا المازني أبو الحسن الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري (حدثنا عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري، ثقة، من (٤) (قال: سمعت أنسًا) ابن مالك ﵁ (يقول: قال عبد الرحمن بن عوف) ﵁. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبد العزيز بن صهيب لثابت وقتادة وحميد في الرواية عن أنس (رآني رسول الله ﷺ وعليّ بشاشة العرس) أي طلاقه الوجه الحاصلة أيام العرس وهو الزفاف، والعرس يطلق على طعام الوليمة أيضًا، ومنه ما في النهاية كان إذا دُعي إلى طعام قال: أفي عرس أم خرس أي لطعام الوليمة أو إطعام الولادة، ويجوز في راء عرس الضم كما في نظائره ويكون عُرُس بضمتين جمع عروس أيضًا كرسل في جمع رسول، والعروس وصف يستوي فيه المذكر والمؤنث، والفرق بينهما يكون في الجمع فجمع المذكر عرس وجمع المؤنث عرائس اهـ من بعض الهوامش. وقال الحافظ: بشاشة العرس اثره وحسنه أو فرحه وسروره، ويقال: بش فلان أي أقبل عليه فرحًا به لطفًا به اهـ فسألني عن بشاشتي (فقلت) له (تزوجت امرأة من الأنصار) هذه المرأة جزم الزبير بن بكار في كتاب النسب أنها بنت

стр. 6273

فَقَال: "كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟ " فَقُلْتُ: نواةً. وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ. ٣٣٧٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا ابْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا أبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (قَال شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرأَةً عَلَى وَزْنِ نوَاةٍ مِنْ ذهَبٍ ــ أبي الحيسر أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وفي ترجمة عبد الرحمن بن عوف من طبقات ابن سعد أنها بنت أبي الحشاش وساق نسبه وأظنهما اثنتين فإن في رواية الزبير قال: ولدت لعبد الرحمن القاسم وعبد الله، وفي رواية ابن سعد ولدت له إسماعيل وعبد الله، وذكر ابن القَدَّاح في نسب الأوس أنها أم إياس بن أبي الحيسر بفتح المهملتين بينهما تحتانية ساكنة واخره راء واسمه أنس بن رافع الأوسي اهـ تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم (فقال) لي رسول الله ﷺ : كم أصدقتها) أي كم أعطيتها صداقها، واستدل به على أن النكاح لا بد فيه من صداق لاستفهامه عن الكمية ولم يقل هل أصدقتها أو لا؟ اهـ فتح الملهم (فقلت) له ﷺ : أصدقتها (نواة) أي وزن نواة من ذهب (وفي حديث إسحاق) بن إبراهيم، وروايته زيادة لفظة (من ذهب) بعد نواة تمييزًا له مجرورًا بمن الزائدة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث أنس ﵁ فقال: ٣٣٧٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا ابن المثنى حدثنا أبو داود) الطيالسي - (حدثنا شعبة عن أبي حمزة قال شعبة واسمه عبد الرحمن بن أبي عبد الله) كيسان ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله الأنصاري المازني البصري جار شعبة، روى عن أنس بن مالك في النكاح، وابن عمر وصفوان بن محرز، ويروي عنه (م) وشعبة في النكاح ويونس الإسكاف، ذكره بن حبان في الثقات، وقال في التقريب: مقبول، من (٤) (عن أنس بن مالك) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة أبي حمزة لمن روى عن أنس (أن عبد الرحمن) بن عوف (تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة سادسًا فقال:

стр. 6274

٣٣٧٦ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. أَخْبَرَنَا وَهْبٌ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهذَا الإِسْنَادِ. غَيرَ أَنَّهُ قَال: فَقَال رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ ــ ٣٣٧٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن رافع) القشيري (أخبرنا وهب) بن جرير بن حازم البصري (أخبرنا شعبة بهذا الإسناد) يعني عن أبي حمزة عن أنس، غرضه بيان متابعة وهب لأبي داود (غير أنه) أي لكن أن وهبًا (قال) قال أنس بن مالك: (فقال رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف) تزوج على وزن نواة (من ذهب) ولم أر أحدًا من الشراح ذكر اسم هذا الولد، وفي مبهمات مسلم أن أولاد عبد الرحمن بن عوف سالم الأكبر مات قبل الإسلام ومحمد وإبراهيم وحميد وإسماعيل ومعن وعمر وزيد وعروة الأكبر وسالم الأصغر وأبو بكر وعبد الله وأبو سلمة وعبد الرحمن وسهل وعثمان وعروة ويحيى وبلال قاله ابن الجوزي اهـ منه. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث، الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث سهل بن سعد ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عائشة ذكره للاستشهاد، والرابع: حديث أنس ذكره للاستشهاد وللاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه ست متابعات والله أعلم. ***

стр. 6275

٥٣١ - (١٧) باب عتق الرجل أمته ثم تزوجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقًا وذكر الوليمة ٣٣٧٧ - (١٣٤٩) (٩٩) حدَّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا خَيبَرَ. قَال: فَصَلَّينَا عِنْدَهَا صَلاةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ. فَرَكِبَ نَبِّيُّ اللهِ ﷺ وَرَكِبَ ــ ٥٣١ - (١٧) باب عتق الرجل أمته ثم تزوجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقًا وذكر الوليمة ٣٣٧٧ - (١٣٤٩) (٩٩) (حدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري (يعني ابن علية) اسم مولاة لبني أسد (عن عبد العزيز) بن صهيب البناني البصري الأعمى، ثقة، من (٤) (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا زهير بن حرب فإنه نسائي (أن رسول الله ﷺ غزا خيبر) يعني غزا بلدة تسمى خيبر، وخيبر بلغة اليهود حصن، وقيل: هو اسم أول من سكن فيها، وهو رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر فسُميت به وهي بلد عترته في جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية على ستة مراحل منها، وكان لها نخيل كثير وكان في صدر الإسلام دارًا لبني قريظة والنضير كذا في عمدة القاري (قال) أنس: (فصلينا عندها) أي قربها خارجًا منها (صلاة الغداة) أي صلاة الصبح (بغلس) أي مع غلس بفتح الغين المعجمة واللام وهو ظلمة آخر الليل في أول وقتها، وتقدم الكلام على استحباب التغليس أو الإسفار بالفجر في كتاب الصلاة مبسوطًا وفي حديث الباب إشارة إلى تعين المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو، قال النووي: فيه جواز تسمية الصبح بالغداة، وكرهه بعض أصحابنا، والصواب الأول (فركب نبي الله ﷺ أي مركوبه، وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يوم قريظة والنضير على حمار ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف وتحته إكاف من ليف رواه البيهقي والترمذي، وقال ابن كثير: والذي في الصحيح عند البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ أجرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه، فالظاهر أنه كان يومئذٍ على فرس لا على حمار، ولعل هذا الحديث إن كان صحيحًا فهو محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو

стр. 6276

أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ. فَأَجْرَى نَبِي اللهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيبَرَ. وَإن رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ . وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ــ محاصرها (وركب أبو طلحة) زوج أم سليم، وكان أنس ربيبه مركوبه (وأنا رديف أبي طلحة) أي راكب خلفه على مركوبه، قال النووي: فيه جواز الإرداف إن أطاقته الدابة (فأجرى نبي الله ﷺ مركوبه أي أسرعه، وأجراه من الإجراء أي حمل مطيته على الجري وهو العدو والإسراع، وفي الكلام حذف تقديره أي وأجرينا يدل عليه قوله وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله يعني للزحام الحاصل عند الجري، قال النووي: فيه دليل لجواز الإجراء وأنه لا يسقط المروءة ولا يخل بمروءات أهل الفضل لا سيما عند الحاجة إلى القتال أو رياضة الدابة أو تدريب النفس ومعاناة أسباب الشجاعة (في زقاق خيبر) بضم الزاي وبقافين وهو السكة يذكر ويؤنث، والجمع أزقة وزقان -بضم الزاي وتشديد القاف وبالنون- (و) الحال (إن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ و) الحال أنه قد (انحسر) وانكشف (الإزار عن فخذ نبي الله ﷺ بلا قصد منه لأجل شدة الزحام أو من قوة الجري لأن الفخذ عورة لما في حديث جرهد أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف عن فخذه فقال النبي ﷺ : "غط فخذك فإنها من العورة" قال القرطبي: قد ذكرنا في الفخذ هل هو عورة أم لا؟ وهذا الحديث مما يستدل به من قال: إنه ليس بعورة، وكذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي ذكرت فيه أن رسول الله ﷺ كان مضطجعًا في بيتها كاشفًا عن فخذيه فدخل أبو بكر وعمر ﵄ وهو كذلك، وسيأتي الحديث في مناقب عثمان ﵁، وقد عارض هذه الأحاديث ما رواه الترمذي وصححه غيره من حديث جرهد عن أبيه أن النبي ﷺ مر به وهو كاشف فخذه فقال: "غط فخذك فإنه من العورة" رواه الترمذي [٢٧٩٥] قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط كي يخرج من اختلافهم (قلت): وقد يترجح الأخذ بحديث جرهد من وجه آخر وهو أن تلك الأحاديث قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها من الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد فإنه إعطاء حكم كلي وتقعيد للقاعدة فكان أولى بالأخذ بيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي ﷺ بذلك

стр. 6277

فَإنِّي لأرَى بَيَاضَ فَخِذِ نَبِي اللهِ ﷺ فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَال: "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيبَرُ. إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ. فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ" قَالهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قَال: وَقَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ ــ أو البقاء على البراءة الأصلية إذ كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء ثم بعد ذلك حكم عليه أان الفخذ عورة، ويحتمل حديث أنس أن النبي ﷺ لم يشعر بانكشافه لهمه بشأن فتح خيبر إلى غير ذلك من الاحتمالات التي لا يتوجه بشيء منها على حديث جرهد فكان أولى بالأخذ والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. (فإني لأرى) الفاء بمعنى الواو الحالية كما في بعض الروايات أي انحسر الإزار عن فخذه ﷺ والحال إني لأرى (بياض فخذ نبي الله ﷺ فلما دخل) ﷺ (القرية) أي قرية خيبر، وهذا مشعر بأن ذلك الزقاق كان خارج القرية (قال) ﷺ (الله كبر) قال الحافظ: أما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول وعند كل حادث سرور شكرًا لله تعالى وتبرئة له من كل ما نسب إليه أعداؤه ولا سيما اليهود قبحهم الله تعالى، وقال النووي: فيه دليل لاستحباب الذكر والتكبير عند الحرب وهو موافق لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) ولهذا قالها ثلاث مرات، ويؤخذ منه أن الثلاث كثير، وقال القرطبي: وتكبيره ﷺ تعظيم لله وتحقير لهم وتشجيع عليهم (خربت خيبر) أي صارت خرابًا منهم، وهل ذلك على حقيقة الخبرية فيكون ذلك من باب الإخبار عن الغيب أو على جهة الدعاء عليهم أو على جهة التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم وبمكاتلهم ومرورهم وذلك من آلات الحرث والهدم، ويجوز أن يكون أخذ من اسمها، وقيل: إن الله أعلمه بذلك كل محتمل والأول أولى لقوله: "إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين) (والساحة) الناحية والجهة، قال الجوهري: ساحة الدار باحتها، وأصل الساحة الفضاء بين المنازل، ويطلق على الباحة والجهة والبناء كذا في عمدة القاري، و (ساء) أي صار سيئًا من السوء و (المنذرين) جمع منذر بصيغة اسم المفعول وهو من أُنذِرَ أبلغ الإنذار وهو التخويف بالإخبار عن المكروه والبشارة الإخبار بالمحبوب (قالها) ﷺ أي قال هذه الكلمات من التكبير وما بعده (ثلاث مرات) أي كررها ثلاث كرات (قال) أنس: قالها ثلاثًا (و) الحال أنه (قد خرج القوم)

стр. 6278

إِلَى أَعْمَالِهِمْ. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَاللهِ. قَال عَبدُ الْعَزِيزِ: وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مُحَمَّدٌ، وَالخَمِيسُ. قَال: وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً ــ أي قوم اليهود (إلى) مواضع (أعمالهم) من المزارع والحوائط (فـ) لما رأوا المسلمين (قالوا): جاء (محمد والله) قال الكرماني: أي إلى مواضع أعمالهم (قلت): بل معناه خرج القوم لأعمالهم التي كانوا يعملونها، وكلمة إلى تأتي بمعنى اللام كذا في عمدة القاري، وحكى الواقدي أن أهل خيبر سمعوا بقصده ﷺ لهم فكانوا يخرجون في كل يوم متسلحين مستعدين فلا يرون أحدًا حتى إذا كانت الليلة التي قدم فيها المسلمون ناموا فلم يتحرك لهم دابة ولم يصح لهم ديك وخرجوا بالمساحي طالبين مزارعهم وبساتينهم فوجدوا المسلمين في ساحتهم فقالوا: محمد والخميس؛ أي جاء محمد، وارتفاعه على أنه فاعل لفعل محذوف، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف أي هذا محمد (قال عبد العزيز) بن صهيب أحد رواة هذا الحديث عن أنس قال: أنا سمعت لفظة (محمد والله) (وقال بعض أصحابنا: محمد والخميس) بزيادة لفظة الخميس أشار بهذا إلى أنه لم يسمع هذه اللفظة يعني لفظة الخميس عن أنس وإنما سمعه من بعض أصحابه عنه وهذه رواية عن المجهول إذ لم يعين هذا البعض من هو، والحاصل أن عبد العزيز قال: سمعت من أنس قالوا: جاء محمد فقط، وقال بعض أصحابه: قالوا محمد والخميس ثم فسر عبد العزيز في بعض الروايات الخميس بقوله يعني الجيش، ويجوز أن يكون التفسير ممن دونه وعلى كل حال هو مدرج كذا في عمدة القاري (والخميس) بفتح الخاء الجيش سُمي بذلك لأنه يقسم خمسة أخماس القلب والميمنة والميسرة والمقدمة والساقة، وقال ابن سيده: لأنه يُخمس ما وجده من الغنائم وليس بشيء لأن هذا أمر مستجد من الشرع، وكان الخميس اسمًا للجيش معروفًا في الجاهلية قبل الشرع ثم ارتفاع الخميس على أنه معطوف على محمد، ويجوز أن تكون الواوفيه بمعنى مع فهو منصوب على معنى جاء محمد مع الجيش (والمكاتل) القُفف والزنابيل (والمرور) الحبال لأنها تمر أي تفتل، واحدها مر كانوا يصعدون بها النخل، وقيل هي المساحي اهـ من المفهم مع زيادة (قال) أنس بن مالك: (وأصبناها) أي أصبنا معاشر المسلمين خيبر وأخذنا من أهلها اليهود (عنوة) أي قهرًا لا صلحًا، والعنوة بفتح العين

стр. 6279

وَجُمِعَ السَّبْيُ. فَجَاءَهُ دَحْيَةُ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْيِ. فَقَال: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً" فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ ــ وسكون النون وفتح الواو؛ هو القهر والغلبة يقال: أخذته عنوة أي قهرًا، وقيل: أخذته عنوة أي عن غير طاعة، وقال ثعلب: أخذت الشيء عنوة أي قهرًا في عنف، وأخذته عنوة أي صلحًا في رفق، وقال القرطبي: (أصبناها عنوة) أي أصبنا أول حصونهم عنوة، وسيأتي بيان ما افتتح منها عنوة وما افتتح صلحًاا هـ، وقال ابن التين: ويجوز أن يكون عن تسليم من أهلها وطاعة بلا قتال ونقله عن القزاز في جامعه (قلت): فحينئذٍ يكون هذا اللفظ من الأضداد، وقال أبو عمر: الصحيح في أرض خيبر كلها أخذت عنوة، وقال المنذري: اختلفوا في فتح خيبر هل كان عنوة أو صلحًا أو جلاء أهلها عنها بغير قتال أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة وبعضها جلاء أهلها عنها؟ قال: وهذا هو الصحيح وبهذا يندفع أيضًا التضاد بين الآثار اهـ فتح الملهم (وجمع السبي) أي ما سُبي منها من النساء والذراري (فجاءه) ﷺ (دحية) -بفتح الدال وكسرها- ابن خليفة بن فروة الكلبي، وكان أجمل الناس وجهًا، وكان جبريل ﵇ يأتي رسول الله ﷺ في صورته (فقال) دحية: (يا رسول الله أعطني جارية) أي أمة (من) هذا (السبي) المجموع (فقال) له رسول الله ﷺ (اذهب) إلى مجمع السبي (فخذ) منه (جارية) قال الكرماني: فإن (قلت): كيف جاز للرسول ﷺ إعطاؤها لدحية قبل القسمة (قلت): صفي المغنم (أي خياره) لرسول الله ﷺ فله أن يعطيه لمن شاء (قلت): هذا غير مقنع لأنه ﷺ قال له ذلك قبل أن يعيّن الصفيّ، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون إذنه له في أخذ الجارية على سبيل التنفيل له إما من أصل الغنيمة أو من خُمس الخمس بعد أن ميّز أو قبله على أن تُحسب منه إذا مُيز أو أذن له في أخذها لتقوّم عليه بعد ذلك وتُحسب من سهمه اهـ (فأخذ صفية) بفتح الصاد المهملة (بنت حيي) -بضم الحاء المهملة وكسرها وفتح الياء الأولى المخففة وتشديد الثانية- ابن أخطب بن سعيه -بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح الياء اخر الحروف- ابن ثعلبة وهي من نسل هارون بن عمران ﵇ وكانت تحت ابن أبي الحقيق -بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى- قُتل يوم خيبر وسبب قتله ما أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ لما ترك من ترك من أهل خيبر على أن لا يكتموه شيئًا من أموالهم فإن فعلوا

стр. 6280

فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ الله ﷺ فَقَال: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَعْطَيتَ دِحْيَةَ، صَفِيةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، سَيِّدِ قُرَيظَةَ وَالنَّضيرِ؟ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ. قَال: "ادْعُوهُ بِهَا" قَال: فَجَاءَ بِهَا. فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ قَال: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيرَهَا" ــ فلا ذمة لهم ولا عهد، قال: فغيّبوا مسكًا فيه مال وحُلّ ليحيى بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر فسألهم عنه فقالوا: أذهبته النفقات، فقال: العهد قريب والمال أكثر من ذلك، قال: فوجد بعد ذلك في خربة فقتل رسول الله ﷺ ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية اهـ من فتح الملهم. (فجاء رجل) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله) أ (أعطيت) بتقدير همزة الاستفهام (دحية) بن خليفة مفعول أول لأنه الآخذ (صفية) مفعول ثان لأنها المأخوذة (بنت حيي) قال السندي: كأنه ﷺ فهم من كلامه أن الناس ما يعجبهم اختصاص دحية بتلك الجارية فلعل ذلك يؤدي إلى التباغض والتعادي بينهم فأراد دفع ذلك بما فعل والله تعالى أعلم (سيد قريظة) بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء وبالظاء المعجمة (والنضير) -بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- هما قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون ﵇ (ما تصلح إلا لك) أي ما تليق إلا بك، قال الأبي: هو من باب النصيحة للثلاثة لدحية لأنها لما كانت من بيت النبوة والرياسة فقد تانف عن دحية فلا تُحسن العشرة معه وإنما تصلح لرسول الله ﷺ الذي ليس وراء وراء، ونظره ﷺ لم يكن بمقتضى الشهوة، وأما وجه النصيحة لرسول الله ﷺ وصفية فهو بين لا يخفى اهـ (قال) رسول الله ﷺ : (ادعوه) أي ادعوا دحية (بها) أي حالة كونه ملتبسًا بها (قال) أنس: (فجاء) دحية (بها) أي بصفية (فلما نظر إليها النبي ﷺ قال) لدحية: (خذ جارية من السبي غيرها) أي غير صفية، وقال الكرماني: إذا وهبها لدحية فكيف رجع عنها؟ (قلت): إما لأنه لم يتم عقد الهبة بعد وإما لأنه أبو المؤمنين وللوالد أن يرجع عن هبة الولد، وإما لأنه اشتراها منه (قلت): أجاب بثلاثة أجوبة: الأول: فيه نظر لأنه لم يجر عقد هبته حتى يقال له إنه رجع عنها وإنما كان إعطاؤها إياه بوجه من الوجوه التي ذكرناها قريبًا،

стр. 6281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني: فيه نظر أيضًا لأنه لا يمشي ما ذكره في مذهب غيره، الثالث: ذكر أنه اشتراها منه أي من دحية ولم يجر بينهما عقد بيع أولًا فكيف اشتراها منه بعد ذلك (فإن قلت): وقع في رواية مسلم أن النبي ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس (قلت): إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز لأنه لما أخذها منه على الوجه الذي نذكره الآن وعوضه عنها بسبعة أرؤس على سبيل التكرم والفضل، أطلق الراوي الشراء عليه لوجود المبادلة فيه، وأما وجه الأخذ فهو إنه لما قيل له إنها لا تصلح له من حيث إنها من بيت النبوة فإنها من ولد هارون أخي موسى ﵉ ومن بيت الرياسة فإنها من بيت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال الباعث على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل وإلى جمال الولد لا للشهوة النفسانية فإنه ﷺ معصوم منها، وعن المازري يُحمل ما جرى مع دحية على وجهين أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في غيرها، الثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن، ولما رأى أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها لئلا يتميز دحية بها على باقي الجيش مع أن فيهم من هو أفضل منه فقطع هذه المفاسد وعوضه عنها، وفي سير الواقدي أنه ﷺ أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان كنانة زوج صفية فكأنه ﷺ طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي قوله هنا خذ جارية إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة اهـ فتح الملهم. قال القرطبي: قد ظن بعض المتكلمين على هذا الحديث أن هذه العطية هبة من النبي ﷺ لدحية فأشكل عليه استرجاعه إياها فأخذ يعتذر عن هذا بأعذار وهذا كله ليس بصحيح ولا يحتاج إليه وقد أزال إشكال هذه الرواية الروايات الآتية بعد التي ذُكر فيها أن صفية إنما صارت لدحية في مقسمه وأن النبي ﷺ اشتراها منه بسبعة أرؤس وهذه الروايات المتفقة لا إشكال فيها بل هي رافعة لما يتوهم من إشكال غيرها ويبقى إشكال بين قوله خذ جارية من السبي وبين قوله: وإنها صارت إليه في مقسمه يزيله تقدير إنه إنما أراد خذ بطريق القسمة وفهم ذلك دحية بقرائن أو تصريح لم ينقله الراوي فلم يأخذ دحية شيئًا إلا بالقسمة ثم إن النبي ﷺ حصل عنده أنها لا تصلح إلا له من حيث إنها بيت النبوة فإنها من ولد هارون ومن بيت

стр. 6282

قَال: وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا. فَقَال لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَال: نَفْسَهَا. أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ــ الرئاسة فإنها بنت سيد قريظة والنضير مع ما كانت عليه من الجمال المراد لكمال اللذة الباعثة على كثرة النكاح المؤدية إلى كثرة النسل وإلى جمال الولد وهذا من فعله كما قد نبه عليه بقوله: "تخيروا لنطفكم" رواه ابن ماجه والبيهقي وأيضًا فمثل هذه تصلح أمًا للمؤمنين. وحذار من أن يظن جاهل برسول الله ﷺ أن الذي حمله على ذلك غلبة الشهوة النفسانية وإيثار اللذة الجسمانية فإن ذلك اعتقاد يجره جهل حال النبي ﷺ وبأنه معصوم من مثل ذلك إذ قد أعانه الله تعالى على شيطانه فأسلم فلا يأمره إلا بخير وقد نزع الله من قلبه حظ الشيطان حيث شق قلبه فأخرجه منه وطهره وملأه حكمة وإيمانًا كما تقدم في الإسراء، وإنما الباعث له على اختيار ما اختاره من أزواجه ما ذكرت لك وما في معناه والله تعالى أعلم اهـ من المفهم (قال) أنس بن مالك: (وأعتقها) رسول الله ﷺ (وتزوجها) فصارت من أمهات المؤمنين (فقال له) أي لأنس (ثابت) بن أسلم البناني (يا أبا حمزة) كنية أنس (ما أصدقها) أي أي شيء جعل صداقًا لها وهذا سؤال عن مقدار صداقها (قال) أنس في جواب سؤال ثابت (نفسها) فهو مفعول لفعل مقدر دل عليه السؤال أي أصدقها نفسها يعني جعل نفسها صداقها، ولفظ ابن ماجه: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، وقوله: (وأعتقها وتزوجها) استئناف مبين لكيفية إصداقها نفسها أي جعل نفس العتق صداقًا لها وهذا محمول على التشبيه فكأنه شبه نكاحه ﷺ بعد الإحسان إليها بالإعتاق بالنكاح على الصداق العظيم فإن هذا العتق كان عندها أشرف وأفضل من المال الكثير والله أعلم، ورُوي عن جابر أنه ﷺ أتى بصفية يوم خيبر، وأنه قتل أباها وأخاها وأن بلالًا مر بها بين المقتولين، وأنه ﷺ خيّرها بين أن يعتقها فترجع إلى من بقي من أهلها أو تسلم فيتخذها لنفسه فقالت: أختار الله ورسوله. أخرجه في الصفوة، وأخرج تمام في فوائده من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال لها: هل لك في؟ قالت يا رسول الله لقد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله في الإسلام. وأخرج أبو حاتم من طريق ابن عمر رأى رسول الله صلى الله عليه

стр. 6283

حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيمٍ. فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيلِ ــ وسلم بعين صفية خضرة فقال: ما هذه الخضرة؟ فقالت كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة فرأيت قمرًا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني، وقال: تمنين ملك يثرب. قال الزرقاني: وأوّله بخصوصه وهو النبي ﷺ لأنه الظاهر عند ظهور القمر الباهر، وإن جحدوه في الظاهر ظلمًا وعلوًا لأنهم مستيقنون نبوته والله أعلم اهـ فتح الملهم. قوله: (صفية بنت حيي) قال النووي: الصحيح أن صفية كان اسمها قبل السبي، وقيل كان اسمها زينب فسميت بعد السبي والاصطفاء صفية اهـ وفي المصباح: الصفي والصفية ما يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم قبل القسمة أي يختاره، والجمع صفايا، قال الشاعر: لك المرباع منها والصفايا ... وحُكمك والنشيطة والفضول والمرباع ربع الغنيمة، والفضول بقايا تبقى من الغنيمة فلا تستقيم قسمته على الجيش لقلته وكثرة الجيش، والنشيطة ما يغنمه القوم في طريقهم التي يمرون بها وذلك غير ما يقصدونه بالغزو وكان رئيس القوم في الجاهلية إذا غزا بهم فغنم أخذ المرباع من الغنيمة قبل القسمة على أصحابه فصار هذا الربع خُمسًا في الإسلام على تلك الحال، وقد اصطفى رسول الله ﷺ سيف منبه بن الحجاج يوم بدر وهو ذو الفقار، واصطفى صفية بنت حيي يوم خيبر اهـ مختصرًا، وذو الفقار بالفتح سيف العاص بن منبه قتل يوم بدر كافرًا فصار إلى النبي ﷺ ثم صار إلى علي كما في القاموس اهـ من بعض الهوامش. وقوله: (حتَّى إذا كان بالطريق) قبله محذوف تقديره وكانت في السبايا حتَّى أسلمت واستبرئت وصلح حالها، ثم سلمها لأم سليم لتجهزها له حتَّى إذا كان بالطريق أي في طريق رجوعه من خيبر إلى المدينة كما جاء في الرواية الأخرى مفسرًا هكذا (جهزتها) أي زيّنتْ صفية وجمّلتها على عادة العروس بما ليس بمنهي عنه من وشم ووصل وغير ذلك من المنهي عنه (له) ﷺ (أم سليم) بضم السين وهي أم أنس رضي الله تعالى عنهما واسمها سهلة بنت ملحان الأنصارية (فأهدتها له) أي أهدت أم سليم صفية وزفتها إلى رسول الله ﷺ (من الليل) أي في بعض

стр. 6284

فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا. فَقَال: "مَنْ كانَ عِنْدَهُ شَيءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ" قَال: وَبَسَطَ نِطَعًا. قَال: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأقِطِ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ. فَحَاسُوا حَيسًا ــ ساعات الليل (فأصبح النبي ﷺ أي صار النبي ﷺ في صباح تلك الليلة (عروسًا) على وزن فعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في إعراسهما، وكان بين سبائها وبين دخول النبي ﷺ بها زمان أسلمت فيه واستبرئت وأصلح حالها فيه ثم دخل بها بعد ولذلك قال أنس في الرواية الأخرى: ثم دفعها لأمي تصنَّعها وتهيئها وتعتد في بيتها يعني في بيت أم أنس (فـ) لما أصبح رسول الله ﷺ (قال: من كان عنده شيء) من بقايا الأزواد (فليجيء به) أي بما عنده أي فليأتنا بما عنده، فيه إدلال الكبير لأصحابه وطلب طعامهم في نحو هذا ويستحب لأصحاب الزوج وجيرانه مساعدته في الوليمة بطعام من عندهم، قال القرطبي: فيه دليل على مشروعية الوليمة وأنها بعد الدخول، وعلى أن العروس إذا لم يكن له ما يولم به طلب ممن ينبسط معه من أصحابه ويختص به منهم بما لا يثقل عليهم مما يخف ويسهل إذا علم حال أصحابه وسخاوة أنفسهم بذلك وطيب قلوبهم اهـ من المفهم (قال) أنس: (وبسط) النبي ﷺ (نطعًا) أي سُفرة من جلد مدبوغ أي أمر ببسطها، والنطع فيه أربع لغات مشهورات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون مع فتح الطاء، وجمعه نطوع وأنطاع وهي بساط متخذ من أديم أي من جلد مدبوغ (قال) أنس: (فجعل) أي شرع (الرجل) منا (يجيء بالأقط) ممن كان عنده أقط والأقط لبن مجفف قبل نزع زبده يابس متحجر يطبخ به كما مر في زكاة الفطر (وجعل الرجل) الآخر (يجيء) أي يأتي (بالتمر وجعل الرجل) الآخر أيضًا (يجيء بالسمن) وهو الزبد المصفى بالنار من بقايا اللبن (فحاسوا حيسًا) والحيس هو الأقط والتمر والسمن يخلط ويعجن، ومعناه جعلوا هذا المجموع حيسًا أي طعامًا مخلوطًا فأكلوه وقد يجعل مع هذه الثلاثة غيرها كالسويق، وفي بعض الهوامش والحيس تمر ينزع نواه ويدق مع أقط ويعجنان بالسمن ثم يدلك باليد حتَّى يبقى كالثريد، وربما جعل معه سويق، وهو مصدر في الأصل ويقال: حاس الرجل حيسًا من باب باع إذا اتخذ اهـ مصباح، قال الشاعر:

стр. 6285

فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ٣٣٧٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِي. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ) عَنْ ثَابِتٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحدَّثَنَاهُ قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ) عَنْ ثَابِتٍ وَشْعَيبِ بْنِ حَبْحَابٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحدَّثَنَا قُتَيبَةُ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ــ وإذا تكون كريهة أُدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب (فكانت) تلك الأشياء الثلاثة المخلوطة (وليمة رسول الله ﷺ على صفية، وفيه أن الوليمة تحصل بأي طعام كان ولا تتوقف على شاة، والسنة تقوم بغير لحم، قال العيني: وفيه دلالة على مطلوبية الوليمة للعرس وإنها بعد الدخول، وقال الثوري: ويجوز قبله وبعده، والمشهور عندنا أنها سنة، وقيل واجبة وعندنا إجابة الدعوة سنة سواء كانت وليمة عرس أو غيرها وبه قال أحمد ومالك في رواية، وقال الشافعي: إجابة الدعوة في وليمة العرس واجبة، وغيرها مستحبة وبه قال مالك في رواية اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٨٦]، والبخاري [٩٤٧]، والنسائي [١/ ٣٧١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال: ٣٣٧٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني أبو الربيع الزهراني) سليمان بن داود البصري (حَدَّثَنَا حماد يعني ابن زيد) بن درهم الأزدي البصري (عن ثابت) بن أسلم البصري (وعبد العزيز بن صهيب) البناني البصري (عن أنس) بن مالك البصري ﵁. وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون، غرضه بيان متابعة حماد بن زيد لإسماعيل بن علية (ح) وحدثناه قتيبة بن سعيد حَدَّثَنَا حماد يعني ابن زيد عن ثابت) بن أسلم البناني (وشعبب بن حبحاب) الأزدي مولاهم أبي صالح البصري، ثقة، من (٤) (عن أنس) بن مالك ﵁. وهذا السند أيضًا من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلَّا قتيبة بن سعيد فإنه بلخي (ح وحدثنا قتيبة) بن سعيد (حَدَّثَنَا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي (عن قتادة) بن دعامة (وعبد العزيز عن أنس) وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة قتادة لثابت وعبد العزيز (ح وحدثنا محمد بن

стр. 6286

عُبَيدٍ الْغُبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَن أَنَسِ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَن شُعَيبِ بْنِ الْحَبْحَابِ، عَن أَنسٍ. ح وَحدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بن آدَمَ وَعُمَرُ بن سَعْدٍ وَعَبدُ الرَّزَّاقِ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيدٍ. عَنْ شُعَيبِ بنِ الْحَبحَابِ، عَن أَنَسٍ. كُلُّهُم عَن النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتقَهَا صَدَاقَهَا. وَفِي حَدِيثِ ــ عبيد) بن حساب (الغبري) البصري، ثقة، من (١٥) (حَدَّثَنَا أبو عوانة عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل النهدي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره (عن أنس) وهذا السند أيضًا من رباعياته، غرضه بيان متابعة أبي عثمان لمن روى عن أنس (ح وحدثني زهير بن حرب حَدَّثَنَا معاذ بن هشام) الدستوائي (حدثني أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر (عن شعيب بن الحبحاب) بمهملتين مفتوحتين بينهما باء ساكنة البصري (عن أنس) وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة هشام لحماد بن زيد (ح وحدثني محمد بن رافع) القشيري (حَدَّثَنَا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي الكوفي، ثقة، من (٩) (وعمر بن سعد) بن عبيد أبو داود الحفري بفتح الفاء والمهملة نسبة إلى حفرة موضع بالكوفة الكوفي، روى عن سفيان الثوري في النِّكَاح والوصايا والأطعمة، وذكر عيسى في الفضائل، ومسعر وصالح بن حسان ومالك بن مغول، ويروي عنه (م عم) ومحمد بن رافع وإسحاق بن منصور وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة، وثقه ابن معين وأبو داود، وقال ابن المديني: ما رأيت بالكوفة أعلم منه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة (٢٠٣) (وعبد الرزاق) بن همام الصنعاني (جميعًا) أي كل من يحيى وعمر وعبد الرزاق رووا (عن سفيان) بن سعيد الثوري (عن يونس بن عبيد) بن دينار العبدي مولاهم أبي عبيد البصري، ثقة، من (٥) (عن شعيب بن الحبحاب) البصري (عن أنس) بن مالك ﵁ (كلهم) أي كل من حماد بن زيد وأبي عوانة وهشام الدستوائي ويونس بن عبيد رووا (عن النبي ﷺ بأسانيدهم المذكورة سابقًا، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الأربعة لإسماعيل ابن علية في رواية هذا الحديث بأسانيدهم عن أنس عن النبي ﷺ (أنَّه) أي أن النبي ﷺ (أعتق صفية وجعل عتقها صداقها و). لكن (في حديث

стр. 6287

مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ: تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا. ٣٣٧٩ - (١٣٠٠) (١٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ، في الَّذِي يُعْتِقُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا: "لَهُ أَجْرَانِ" ــ معاذ عن أبيه) هشام الدستوائي أنَّه ﷺ (تزوج صفية وأصدقها عتقها). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما فقال: ٣٣٧٩ - (١٣٥٠) (١٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (أخبرنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن المزني الطحان أبو الهيثم الواسطي، ثقة، من (٨) (عن مطرف) بن طريف الحارثي أبي بكر الكوفي، ثقة، من (٦) روى عنه في (٧) أبواب (عن عامر) بن شراحيل الحميري الشعبي الكوفي، ثقة، من (٣) روى عنه في (١٩) بابا (عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري عبد الله بن في الأشعري الكوفي، ثقة، من (٢) روى عنه في (٤) أبواب (عن أبي موسى) الأشعري الكوفي ﵁. وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم كوفيون وواحد واسطي وواحد نيسابوري (قال) أبو موسى (قال رسول الله ﷺ في الَّذي يُعتق جاريته) أي أمته (ثم يتزوجها له أجران) أجر الإعتاق وأجر التزوج، وهذا الحديث سبق بيانه وشرحه واضحًا في كتاب الإيمان حيث ذكره مسلم، وإنما أعاده هنا تنبيهًا على أن النبي ﷺ فعل ذلك في صفية لهذه الفضيلة الظاهرة، قال القرطبي: والحديث دليل على صحته وفضيلته خلافًا لمن كره ذلك من أهل العراق وشبهه بركوب بدنته وهو قياس في مقابلة النص المذكور فهو فاسد الوضع والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. وفي رواية عند أبي داود الطيالسي إذا أعتق الرجل أمته ثم أمهرها مهرًا جديدًا كان له أجران، واستدل به على أن عتق الأمة لا يكون نفس الصداق ولا دلالة فيه بل هو شرط لما يترتب عليه الأجران المذكوران وليس قيدًا في الجواز اهـ فتح الملهم. وهذا الحديث قطعة من الحديث الَّذي رواه أبو موسى الأشعري ﵁ ولفظه "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها، وعبد يؤدي حق الله وحق مواليه، ومؤمن أهل الكتاب" وهذا لفظ النسائي وهو مذكور في الصحيحين

стр. 6288

٣٣٨٠ - (١٣٥١) (١٠١) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَفانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ. قَال: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيبَرَ. وَقَدَمِي تَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: فَأَتَينَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ. وَقَدْ أَخْرَجُوا ــ وسنن الترمذي وابن ماجة أيضًا ببعض تفاوت في الألفاظ وهذا أخصرها اهـ من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٤١٥]، والترمذي [٢٣٨٤]، والنسائي، وابن ماجة. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس الأول ثانيًا بحديث آخر له ﵁ فقال: ٣٣٨٠ - (١٣٥١) (١٠١) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا عفان) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولاهم أبو عثمان الصفّار البصري، ثقة، من (١٥) (حَدَّثَنَا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من (٨) (حَدَّثَنَا ثابت) بن أسلم (عن أنس) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله كلهم بصريون إلَّا ابن أبي شيبة (قال) أنس: (كنت ردت أبي طلحة) الأنصاري زيد بن سهل أي راكبًا خلفه على فرسه (يوم) غزوة (خيبر) وركب رسول الله ﷺ فرسه وأجرى مركوبه في زقاق خيبر (و) الحال إن (قدمي) لي (تمس قدم رسول الله ﷺ ، قال) أنس: (فأتيناهم) أي فأتينا أهل خيبر وفاجأناهم (حين بزغت) وطلعت (الشمس) أي ظهر حاجبها الأعلى، وقوله: بزغت بفتح الباء والزاي من باب نصر معناه عند ابتداء طلوعها اهـ نووي، ووقع في رواية عند البخاري (فلما أصبح خرجت يهود خيبر) ويُجمع بينهما بأنهم وصلوا أول البلد عند الصبح فنزلوا فصلوا فتوجهوا وأجرى النبي ﷺ فرسه حينئذ في زقاق خيبر كما في الرواية الأخرى فوصل في آخر الزقاق إلى أول الحصون حين بزغت الشمس، وفي رواية البخاري إن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا أي قرب منها، وذكر ابن إسحاق أنَّه نزل بواد يقال له الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفائهم، قال: فبلغني أن غطفان تجهزوا وقصدوا خيبر فسمعوا حسًّا خلفهم فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم فرجعوا فأقاموا وخذلوا أهل خيبر اهـ فتح الملهم (و) إنهم (قد أخرجوا مواشيهم) وأنعامهم إلى المرعى (وخرجوا) من

стр. 6289

مَوَاشِيَهُمَ وَخَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ. قَال: وَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَرِبَتْ خَيبَرُ! إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ" قَال: وَهَزَمَهُمُ اللهُ . وَوَقَعَتْ في سَهْمِ دحْيَةَ جَاريَةٌ جَمِيلَةٌ ــ حصونهم (بفووسهم) أي ملتبسين بها، جمع فأس وهو الَّذي يُشق به الحطب (ومكاتلهم) جمع مكتل وهو بكسر الميم الزنبيل الكبير الَّذي يحؤل فيه التراب وغيره كالسماد (ومرورهم) جمع مر بفتح الميم وهو مجرفة الحديد، ويسمى مسحاة ويجمع على المساحي، وفي فتح الملهم: جمع مر وهو معروف نحو المجرفة وأكبر منها، يقال لها المساحي هذا هو الصحيح في معناه، وحكى القاضي عياض في معناه قولين أحدهما: هذا، والثاني: المراد بالمرور هنا الحبال التي كانوا يصعدون بها إلى النخيل، قال واحدها مر بفتح الميم وكسرها لأنه يمر حين يفتل، وفي مغازي البخاري (فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم) وعند أحمد من حديث أبي طلحة في نحو هذه القصة (حتَّى إذا كانت السحر وذهب ذو الزرع إلى زرعه وذو الضرع إلى ضرعه أغار عليهم) (فقالوا) أي قال أهل خيبر لما رأوا المسلمين: جاء (محمد والخميس) أي الجيش الكبير (قال) أنس: (وقال رسول الله ﷺ تفاؤلًا بخرابهم وإخبارًا عما كُشف له من الغيب (خربت خيبر) أي صارت خرابًا خاليًا عن السكان (إنا إذا نزلنا بساحة) أي بفناء (قوم) كفار (فساء) أي قبح (صباح المنذرين) أي المخوّفين بعذاب الله على كفرهم وامتنعوا من قبول الإنذار (قال) أنس: (وهزمهم الله أي أوقع بهم الهزيمة والغلبة وقتل المسلمون رجالهم وسبوا ذراريهم ونساءهم (ووقعت في سهم دحية) بن خليفة الكلبي أي فيما أخذه بإذن النبي ﷺ لأن الغنيمة لم تُقسم الآن (جارية جميلة) أي ذات جمال وحسن صورة يعني بالجارية صفية كما سيأتي التصريح بها، والجارية هنا بالمعنى المصطلح عليه فإنها وإن كانت من حرائر قومها صارت يومئذٍ مملوكة بأيدي المسلمين. وقد سبق في شرح رواية عبد العزيز بن صهيب بأن أخذ دحية كان بإذنه ﷺ قبل القسم فالأولى في طريق الجمع بين الروايات أن يقال إن المراد بسهمه هنا نصيبه الَّذي اختاره لنفسه وذلك أنَّه سأل النبي ﷺ أن يعطيه جارية

стр. 6290

فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ. ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا. (قَال: وَأَحْسِبُهُ قَال) وَتَعْتَدُّ في بَيتِهَا ــ فأذن له أن يأخذ جارية من السبي فأخذ صفية فلما قيل للنبي ﷺ إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم. فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي ﷺ بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز ولعله عوّضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك، وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وأصله في مسلم (صارت صفية لدحية فجعلوا يمدحونها فبعث رسول الله ﷺ فأعطى بها دحية ما رضي) اهـ فتح الملهم (فاشتراها) أي فاشترى تلك الجارية (رسول الله ﷺ من دحية (بسبعة أرؤس) أي بسبعة أنفس من الجواري أي أعطى دحية بدل تلك الجارية سبعة أنفس وأخذها منه نظرًا لتلك المصلحة العامة التي ذكرناها آنفًا (ثم دفعها) أي سلم تلك الجارية (إلى أم سليم) أم أنس سهلة بنت ملحان (تصنعها) بتشديد النون من التصنيع أي لتزيّنها وتجملها (له) ﷺ (وتهيئها) أي تجهزها وتزفِّفُها له، وهو عطف تفسير على ما قبله، وعبّر عن هذا في الرواية السابقة بالتجهيز (قال) ثابت: (وأحسبه) أي وأظن أنسًا (قال وتعتد) تلك الجارية (في بيتها) أي في بيت أم سليم، وهو عطف نسق أيضًا، زاده ثابت بظن من عنده زيادة ذلك في قول أنس ﵁ وأراد بالاعتداد الاستبراء لأنها مسبية، وضمير بيتها لأم سليم، والعطف بالواو لا يقتضي الترتيب وإلا فتصنيع الجارية يكون بعد استبرائها ولم يذكر في الطريق المتقدم أنَّه استبرأها، وفي رواية أخرى حتَّى إذا بلغنا سد الروحاء حلّت فبنى بها، قال الحافظ: المراد بقوله: حلّت أي طَهُرت من حيضها، وقد روى البيهقي بإسناد لين أنَّه ﷺ استبرأ صفية بحيضة، وأما ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس أنَّه ﷺ ترك صفية عند أم سليم حتَّى انقضت عدَّتها فقد شك حماد راويه عن ثابت في رفعه، وفي ظاهره نظر لأنه ﷺ دخل بها منصرفه من خيبر بعد قتل زوجها بيسير فلم يمض

стр. 6291

وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ. قَال: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلِيمَتَهَا التَّمْرَ وَالأقِطَ وَالسَّمْنَ. فُحِصَتِ الأَرْضُ أفَاحِيصَ. وَجِيءَ بِالأَنْطَاعِ. فَوُضِعَتْ فِيهَا. وَجِيءَ بِالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَشَبعَ النَّاسُ. قَال: وَقَال النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمِ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلدٍ ــ زمن يسع انقضاء العدة ولا نقلوا أنها كانت حاملًا حتَّى تضع ولا غير ذات حمل حتَّى تحيض حيضة قاله في سبايا أوطاس أخرجه أبو داود وغيره وليس على شرط الصحيح فإطلاق العدة عليه في حديث الباب مجاز عن الاستبراء والله أعلم اهـ فتح الملهم. (وهي) أي تلك الجارية (صفية بنت حيي قال) أنس: (وجعل رسول الله ﷺ وليمتها) أي وليمة صفية (التمر والأقط والسمن) أي الحيس المخلوط من هذه الثلاثة ثم بيّن كيفية خلطها فقال: (فُحِصَت الأرض) أي حفرت الأرض (أفاحيص) أي حفرًا بعدد الأنطاع، وقوله: فحصت هو بضم الفاء وكسر الحاء المهملة المخففة على صيغة المبني للمجهول أي كشف التراب وأُزيل من أعلاها وحفرت شيئًا يسيرًا ليُجعل الأنطاع في المحفور ويصب فيها السمن فيثبت ولا يخرج من جوانبها، وأصل الفحص الكشف وفُحص عن الأمر وفحص الطائر لبيضه، والأفاحيص جمع أفحوص اهـ نووي، وقال القرطبي: وفحصت الأرض أي كشفت عما يمنع القعود عليها من حجارة وعثب وغير ذلك وسويت حتَّى خلص إلى التراب ومنه مفحص القطاة وهو الموضع الَّذي تتخذه لتلد فيه (وجيء بالأنطاع فوضعت فيها) أي في تلك الأفاحيص، وتقدم أن الأنطاع جمع نطع، والأفحوص على وزن أسلوب؛ الموضع الحاصل من الفحص كالمفحص، وأصله من فحص القطاة وهو حفرها في الأرض موضعًا تبيض فيه، واسم ذلك الموضع مفحص وأفحوص، وذكر المجد أن نقرة الذقن تسمى فحصة، والقطاة واحد القطا طائر يؤكل مثل الحمام، ومن أمثالهم لو ترك القطا ليلًا لنام (وجيء بالأقط والسمن) وخُلطا بالتمر في الأنطاع فأكلوا (فشبع الناس) من الحيس (قال) أنس: (وقال الناس) الدِّين مع رسول الله ﷺ بعضهم لبعض: والله (لا ندري) ولا نعلم (أتزوّجها) أي هل اتخذها زوجة (أم اتخذها أم ولد) أي أمة تلد له، قال الأبي: وهذا يدل على أن الوليمة ليست عندهم خاصة بالنِّكَاح بل تفعل في التسري، ولو كانت خاصة بالنِّكَاح لاكتفوا في معرفة أنها زوجة بفعل الوليمة عليها، قال عياض: واحتج به

стр. 6292

قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا. فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعيرِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا. فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَدَفعْنَا. قَال: فَعَثَرَتِ النَّاقَةُ الْعَضْبَاءُ. وَنَدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَدَرَتْ. فَقَامَ ــ بعضهم على أنها بغير صداق كالموهوبة، ولو نكحها على أن عقها صداقها كما يقوله المخالف وظنه أنس لم يخف عليهم أنها زوجته حتَّى يقولوا ذلك، قال القرطبي: وهذا أيضًا يدل على أنَّه ﷺ لم ييين لهم أمرها ولا أشهدهم على نكاحها فيكون حجة لمالك وجماعة من الصحابة والتابعين على صحة انعقاد النِّكَاح بغير شهود إذا أُعلن، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد: لا يصح إلَّا لشاهدين إلَّا أن أبا حنيفة لا يشترط العدالة اهـ، فهم يحملون القصة على خصوصية النبي ﷺ ولكن روى الطبراني بإسناد جيد عن حسن بن حرب أنَّه ﷺ قال لأصحابه: "ما تقولون في هذه الجارية؟ " قالوا: نقول إنك أولى الناس بها وأحقهم. قال: "فإني أعتقتُها واستنكحها وجعلت عتقها مهرها" وحينئذٍ قولهم لا ندري أتزوَّجها إلخ لعله صدر من البعض وهم الذين لم يقفوا على جلية الحال والله أعلم اهـ ثم (قالوا: إن حجبها) عن الناس (فهي امرأته) أي زوجته (وإن لم يحجبها فهي أم ولد) له أي سرية، وفي رواية فهي ما ملكت يمينه لأن ضرب الحجاب إنما هو على سائر الحرائر لا على الإماء (فلما أراد) ﷺ (أن يركب) ويُركبها (حجبها) أي سترها عن الناس (فقعدت على عجز البعير) أي على عجز بعيره ﷺ أي أردفها خلفه، وعجز كل شيء بضم الجيم وزان رجل مؤخره (فـ) لما رأوا ذلك منها (عرفوا أنَّه قد تزوجها) أي عرف العام والخاص أنها زوجته (فلما دنوا) وقربوا (من المدينة دفع) أي أسرع (رسول الله ﷺ بمطيته (ودفعنا) أي أسرعنا معه ﷺ بمطايانا لندخل المدينة (قال) أنس: (فعثرت) أي كبت وتعست (الناقة العضباء) التي كانت مطية رسول الله ﷺ مع صفية، والعضباء الناقة المشقوقة الأذن، ولقب ناقة رسول الله ﷺ ولم تكن عضباء كذا في القاموس (وندر رسول الله ﷺ أي سقط عن ناقته (وندرت) هي أي سقطت أيضًا صفية، وأصل الندور الخروج والانفراد، ومنه كلمة نادرة أي فردة عن النظائر (فقام) رسول الله

стр. 6293

فَسَتَرَهَا. وَقَدْ أَشْرَفَتِ النِّسَاءُ. فَقُلْنَ: أَبْعَدَ اللهُ الْيَهُودِيَّةَ. قَال: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ! أَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَال: إِي وَاللهِ، لَقَدْ وَقَعَ. قَال أَنَسٌ: وَشَهِدْتُ وَلِيمَةَ زَينَبَ. فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا. وَكَانَ يَبْعَثُني فَأَدْعُو النَّاسَ. فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ وَتَبِعْتُهُ. فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ ــ ﷺ من مسقطه بسرعة (فسترها) أي فستر صفية عن الناس (و) الحال أنَّه (قد أشرفت) واطلعت (النساء) اللاتي كن مع المسلمين من أزواجه ﷺ وممن يتعصب لهن على سقوطها (فقلن أبعبد الله اليهودية) عن رحمته أي لا سلمها الله من سقوطها بل أهلكها به، وفي بعض الرواية زيادة (قال: فدخلنا المدينة فخرج جواري) أي صغار (نسائه ﷺ يترائينها ويشمتن بصرعتها) أي كأنهن سررن بذلك وفرحن، وهذا فعل يتضمنه طباع الضرائر ومن يتعصب لهن اهـ مفهم، قال الأبي: وسقوطه ﷺ هو كسائر الأمراض البشرية التي هو فيها كغيره فلا وجه لقول ثابت أندر رسول الله ﷺ إلَّا أن يكون تحزنًا لتألم رسول الله ﷺ بذلك كما ذكره بقوله: (قال) ثابت: (قلت) لأنس: (يا أبا حمزة) كنية أنس (أوقع) بهمزة الاستفهام التقريري أي هل وقع وسقط (رسول الله ﷺ على الأرض وتألم (قال) أنس: (إي) نعم (والله لقد وقع) وسقط رسول الله ﷺ ، وهذا ليس مما يقدح في منزلته بل يرفعها. وهذه الرواية مما انفرد به الإمام مسلم ولكن شاركه أحمد [٣/ ١٩٥]. (قال أنس) ﵁ بالسند السابق كأنه يريد بهذا التعليق الاستشهاد بوليمته ﷺ على زينب على وليمته على صفية رضي الله تعالى عنهما (وشهدت) أي حضرت أيضًا (وليمة) رسول الله ﷺ على (زينب) كما شهدت وليمته على صفية (فأشبع) رسول الله ﷺ (الناس) في وليمته على زينب (خبزًا ولحمًا) وقوله: (وكان) ﷺ (يبعثني) أي يرسلني إلى الناس لدعوتهم إلى طعام الوليمة (فأدعو الناس) إلى طعامها تأكيد لشهوده تلك الوليمة (فلما فرغ) رسول الله ﷺ من إطعامهم (قام) من مجلسه ليقوم الناس فخرج (وتبعته) في الخروج ولحقته (فتخلف) أي تأخر في البيت (رجلان) ولم يخرجا لم أر من ذكر اسمهما

стр. 6294

اسْتأْنَسَ بِهِمَا الْحَدِيثُ. لَمْ يَخْرُجَا. فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ. فيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: "سَلَامٌ عَلَيكُمْ. كَيفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيتِ؟ " فَيَقُولُونَ: بِخَيرٍ. يَا رَسُولَ اللهِ! كَيفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: "بِخَيرٍ" فَلَمَّا فَرَغَ رَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ إِذَا هُوَ بِالرَّجُلَينِ قَدِ اسْتَأْنَسَ ــ وجملة قوله: (استأنس بهما الحديث) صفة سببية لرجلان لأنها وقعت بعد النكرة؛ أي أنس كل واحد منهما بحديث صاحبه واستلذه وخاضا في الكلام بحيث صار الكلام مستأنسًا بهما، يقال: استأنس به أي أنس به فالسين والتاء زائدتان للمبالغة لا للطلب؛ ومعناه ألفه وسكن قلبه به واطمأن ولم ينفر منه، وقوله: (لم يخرجا) صفة ثانية لهما ولكنها حقيقية أو حال من ضمير بهما (فجعل) أي شرع رسول الله ﷺ (يمر) أي يدور (على) حجر (نسائه فيسلم على كل واحدة منهن) فيقول لها: (سلام عليكم) بصيغة الجمع نظرًا للملائكة الذين معها، قال النووي رحمه الله تعالى: في هذه القطعة فوائد منها أنَّه يستحب للإنسان إذا أتى منزله أن يسلم على امرأته وأهله، وهذا مما يتكبر عنه كثير من الجاهلين المترفعين، ومنها أنَّه إذا سلم على واحد قال: سلام عليكم أو السلام عليكم بصيغة الجمع ليتناوله وملكيه، ومنها سؤال الرجل أهله عن حالهم فربما كانت في نفس المرأة حاجة فتستحي أن تبتدئ بها فإذا سألها انبسطت لذكر حاجتها، ومنها أنَّه يستحب أن يقال للرجل عقب دخوله كيف حالك ونحو هذا اهـ كيف أنتم) أي كيف حالكم وصحتكم هل هو طيب أم لا؟ لأن كيف يسأل بها عن الحال (يا أهل البيت) أي يا أهل بيتي وهو كناية عن زوجته سواء كان معها غيرها أم لا (فيقولون) أي فيقول أهل بيته لرسول الله ﷺ في جواب سؤاله نحن (بخير) أي ملتبسون بخير (يا رسول الله كيف وجدت) أنت (أهلك) الجديد أي على أي حال وجدتها هل هي طيبة أم لا؟ (فيقول) ﷺ في جواب سؤالهم وجدتهم (بخير) أي ملتبسين بخير وحال طيب (فلما فرغ) رسول الله ﷺ من دورانه على حجر أزواجه وانتهى (رجع) إلى حجرة زينب (ورجعت) أنا (معه فلما بلغ الباب) أي باب حجرة زينب ووصل إليه (إذا هو) ﷺ راء (بالرجلين) اللذين تقدم ذكرهما لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة تكون عين الأولى، وإذا فجائية رابطة لجواب لما أي فلما وصل الباب فأجاه رؤية الرجلين، والحال أنَّه (قد استأنس) أي أنس

стр. 6295

بِهِمَا الْحَدِيثُ. فَلَمَّا رَأَيَاهُ قَدْ رَجَعَ قَامَا فَخَرَجَا. فَوَاللهِ! مَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أُمْ أُنْزِلَ عَلَيهِ الْوَحْيُ بِأَنَّهُمَا قَدْ خَرَجَا. فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ. فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ الْبَابِ أَرْخَى الْحِجَابَ بَينِي وَبَينَهُ. وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية. ٣٣٨١ - (١٣٥٢) (١٠٢) وحدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ــ (بهما الحديث) وأخَّرهما الحديث عن الخروج فرجع (فلما رأياه) ﷺ أي فلما رأى الرجلان النبي ﷺ (قد رجع) عن دخول البيت عرفًا كراهيته جلوسهما في البيت و (قاما فخرجا) قال أنس: (فوالله) الَّذي لا إله غيره (ما أدري) ولا أعلم الآن (أنا أخبرته) بخروجهما (أم أنزل عليه الوحي) والإعلام من الله تعالى (بأنهما قد خرجا فرجع) إلى البيت (ورجعت معه فلما وضع) ﷺ (رجله) أي قدمه (في أسكفة الباب) أي على أسكفة الباب أي على عتبته السفلى، والأسكفة بضم همزة القطع وسكون السين وضم الكاف وتشديد الفاء العتبة التي يوطأ عليها، وأصلها العتبة العليا وقد تستعمل في السفلى كما هنا (أرخى) أي سدل (الحجاب) أي الستر (بيني وبينه) ودخل على أهله فرجعت (وأنزل الله تعالى) في ذلك الوقت (هذه الآية) التي في سورة الأحزاب يعني قوله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآية، كذا اتفق عليه الرواة، وخالفهم عمرو بن علي الفلاس عن معتمر فقال: فأُنزلت ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أخرجه الإسماعيلي وأشار إلى شذوذه فقال: جاء بآية غير الآية الَّذي ذكرها الجماعة اهـ فتح الملهم. وشارك الصؤلف في رواية هذا التعليق أحمد [٣/ ١٩٥]، والنسائي [٦/ ٧٩]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس بحديث آخر له ﵁ فقال: ٣٣٨١ - (١٣٥٢) (١٠٢) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا شبابة) بن سوار المدائني أبو عمرو الفزاري مولاهم، ثقة، من (٩) (حَدَّثَنَا سليمان) بن المغيرة القيسي أبو سعيد البصري، ثقة، من (٧) (عن ثابت) بن أسلم البناني (عن أنس) بن مالك

стр. 6296

ح وَحدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيانَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ. حَدَّثَنَا أَنَسٌ. قَال: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدَحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ. وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَينَا في السَّبْيِ مِثلَهَا. قَال: فَبَعَثَ إِلَى دَحْيَةَ فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ. ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي فَقَال: "أَصْلِحِيهَا" قَال: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيبَرَ. حَتَّى إِذَا ــ ﵁ (ح وحدثني به) أي بالحديث الآتي (عبد الله بن هاشم بن حيان) بتحتانية العبدي أبو عبد الرحمن النيسابوري، ثقة، من (١٠) روى عنه في تسعة أبواب (واللفظ) الآتي (له) أي لعبد الله بن هاشم لا لأبي بكر (حَدَّثَنَا بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٣) بابا (حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة عن ثابت حَدَّثَنَا أنس) وهذان السندان من خماسياته، وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغتي شبابة وبهز في رواية ثابت عن أنس لأن شبابة قال عن أنس، وبهز قال: حدثنا أنس (قال) أنس: (صارت صفية) بنت حيي (لدحية) بن خليفة (في مقسمه) أي في نصيبه الَّذي أخذه بسبب أخذه إياها من أصل الغنيمة بإذنه ﷺ له في أخذه من أصل الغنيمة حين سأله أخذ جارية من الغنيمة فأذن له لأن القسمة لم تحصل بعد، وقوله: (في مقسمه) هو مفعل من قسم الثلاثي من باب ضرب فقياس مصدره الفتح وظرفه الكسر كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا مناهل الرجال على لامية الأفعال لابن مالك وهو هنا مصدر بمعنى النصيب (وجعلوا) أي جعل الناس (يمدحونها) بحسبها ونسبها وجمالها (عند رسول الله ﷺ قال) أنس: (و) كانوا (يقولون) في مدحها (ما رأينا في السبي) أي في النساء المسبيات (مثلها) أي شبهها (قال) أنس: (فبعث) أي أرسل رسول الله ﷺ (إلى دحية) بأن ائت بها فأتى بها فاستردها منه (فأعطاه) أي فأعطى دحية (بها) أي بدلها أي بدل صفية (ما أراد) دحية من السبي (ثم) بعد استردادها منه (دفعها) أي دفع رسول الله ﷺ صفية (إلى أمي) أم سليم زوجة أبي طلحة (فقال) رسول الله ﷺ لأم سليم: (أصلحيها) بعد انقضاء استبرائها أي أصلحي صفية وزينيها وجمّليها لتزفّيها لي (قال) أنس: (ثم) بعد دفعها إلى أم سليم (خرج رسول الله ﷺ من خيبر) راجعًا إلى المدينة واستمر في سيره (حتى إذا

стр. 6297

جَعَلَهَا في ظَهْرِهِ نَزَلَ. ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيهَا الْقُبَّةَ. فَلَمَّا أَصبَحَ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَأتِنَا بِهِ لا قَال: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِفَضْلِ التَّمْرِ وَفَضْلِ السَّويقِ. حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذلِكَ سَوَادًا حَيسًا. فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذلِكَ الْحَيسِ. ويشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ. قَال: فَقَال أَنَسٌ: فَكَانَتْ تِلْكَ وَليمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَيهَا. قَال: فَانْطَلَقْنَا، حَتَّى إِذَا رَأَينَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ هَشِشْنَا إِلَيهَا ــ جعلها) أي جعل خيبر (في ظهره) أي وراء ظهره حتَّى لا يراها (نزل) منزلًا في الطريق (ثم) بعد نزوله (ضرب) أي بنى ورفع (عليها) أي على صفية (القبة) أي الخيمة (فلما أصبح) عروسًا (قال رسول الله ﷺ لأصحابه أي نادى فيهم قائلًا: (من كان عنده فضل زاد) أي زاد فاضل عن حاجته (فليأتنا به) أي بذلك الفاضل (قال) أنس: (فجعل) أي شرع (الرجل) منهم (يجيء) أي يأتي (بفضل التمر و) آخر بـ (فضل السويق) وهو دقيق الشعير المقلي فأتى كل واحد منهم بما عنده (حتَّى جعلوا من ذلك) المجموع (سوادًا) أي كومًا شاخصًا مرتفعًا عن الأرض فخلطوه وجعلوه (حيسًا) أي طعامًا مخلوطًا اهـ نووي، قال عياض: والسواد بفتح السين وتخفيف الواو كل شخص ظاهر، وسواد الشيء شخصه يعني أنهم جعلوا من ذلك المجموع شيئًا ظاهرًا في ذاته، ومنه سواد العراق للعامر من أرضه اهـ ومنه في حديث الإسراء "رأى آدم عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة" أي أشخاصًا اهـ فتح (فجعلوا) أي فجعل الأصحاب وشرعوا أو فكانوا (يأكلون من ذلك الحبس) أي من ذلك الطعام المخلوط (ويشربون) عليه (من حياض) أي من ماء مجتمع في مستنقع هناك (إلى جنبهم) كائنة تلك الحياض (من ماء السماء) أي من ماء المطر أي كائن ماؤها من ماء المطر لا من ماء الآبار أو العيون مثلًا (قال) ثابت: (فقال أنس) بن مالك ﵁ (فكانت تلك) الأطعمة المجموعة (وليمة رسول الله ﷺ عليها) أي على صفية رضي الله تعالى عنها (قال) أنس: (فانطلقنا) أي ذهبنا وارتحلنا من منزلنا ذاك (حتَّى إذا رأينا) وأبصرنا (جُدُر) بضمتين جمع جدار أي حتَّى إذا أبصرنا جدران (المدينة) المنورة (هششنا) أي نشطنا وفرحنا وانبعثت نفوسنا (إليها) أي إلى المدينة أي اهتززنا فرحًا وسرورًا وهذه فرحة القادم السالم الغانم إذا وصل إلى وطنه وأهله اهـ من المفهم، من هش الرجل هشاشة من باب تعب إذا ارتاح

стр. 6298

فَرَفعْنَا مَطِيِّنَا. وَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَطِيَّتَهُ. قَال: وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ قَدْ أَرْدَفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَال: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَصُرعَ وَصُرِعَتْ. قَال: فَلَيسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيهِ وَلَا إِلَيهَا. حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَتَرَهَا. قَال: فَأَتَينَاهُ فَقَال: "لَمْ نُضَرَّ" قَال: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ. فَخَرَجَ جَوَارِى نِسَائِهِ يَتَراءَينَهَا وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا ــ وانبسطت نفسه ونشط وفرح وتبسم وانجدب بمحبوبه (فرفعنا) أي أجرينا وركضنا (مطينا) أي مركوبنا وأسرعنا به ورفعنا السير إلى غايته، يقال: رفع بعيره في سيره إذا أسرع به ورفعته إذا أسرعت به يتعدى ولا يتعدى اهـ مصباح (ورفع) أي أجرى وأسرع (رسول الله ﷺ مطيته) أي مركوبه وناقته شوقًا إلى المدينة (قال) أنس (وصفية) بنت حيي زوجته راكبة (خلفه قد أردفها رسول الله ﷺ أي قد أركبها على ناقته رديفة خلفه (قال) أنس: (فعثرت) أي زلقت وصدمت بشيء في الطريق من نحو حجر (مطية رسول الله ﷺ أي ناقته (فصُرع) بالبناء للمجهول أي أُسقط رسول الله ﷺ عنها (وصُرعت) بالبناء للمفعول أيضًا أي وأسقطت صفية أيضًا عنها (قال) أنس: (فليس أحد من الناس) الحاضرين عندهما (بنظر إليه) ﷺ في حالة سقوطه (ولا إليها) أي إلى صفية في حال سقوطها إجلالًا واحترامًا له أو فزعًا وتأسفًا من تألمهما بالسقوط، وسقوطه ذلك لا يقدح في منزلته بل يرفعها لأنه من العوارض البشرية التي لا تستحيل عليه أي فلم يكن أحد ينظر إليهما (حتَّى قام رسول الله ﷺ من مسقطه (فسترها) أي فستر صفية عن الناس (قال) أنس: (فأتيناه) ﷺ عقب قيامه وستره إياها فسألنا عما أصابهما من الضرر في حالة السقوط (فقال) رسول الله ﷺ : (لم نضر) بالبناء للمجهول أي لم يصبنا ضرر في سقوطنا إزالة لما غشيهم من التخوف عليه وتسكينًا لنفرتهم وتطييبًا لقلوبهم اهـ مفهم (قال) أنس: (فدخلنا المدينة) المنورة (فخرج) إلينا (جواري نسائه) ﷺ أي صغيرات الأسنان من أزواجه ﷺ اللاتي لا ثبات لهن ولا شفقة عندهن، حالة كونهن (يتراءينها) أي يتراءين صفية أي ينظرن ويتشوفن إليها (ويشمثن) بفتح الياء والميم أي يفرحن ويظهرن السرور (بصرعتها) أي بوقعتها وسقطتها كأنهن سُررن بذلك، وهذا فعل يتضمنه طباع الضرائر

стр. 6299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومن يتعصب لهن من خدمها وأقاربها اهـ مفهم. وهذا الحديث انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث، الأول: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أبي موسى الأشعري ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث أنس الثاني ذكره للاستشهاد للأول، والرابع: حديث أنس الأخير ذكره للاستشهاد أيضًا والله أعلم. ***

стр. 6300

٥٣٢ - (١٨) باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب فيه، والهدية للعروس في حال خلوته، والأمر بإجابة دعوة النِّكَاح، وقوله شر الطعام طعام الوليمة ٣٣٨٢ - (٣٥٣ ١) (١٠٣) حدَّثنا مُحَمًدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. ح وَحدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. قَالا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. وَهذَا حَدِيثُ بَهْزٍ قَال: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَينَبَ ــ ٥٣٢ - (١٨) باب زواج زينب بنت جحش، ونزول الحجاب فيه، والهدية للعروس في حال خلوته، والأمر بإجابة دعوة النِّكَاح، وقوله شر الطعام طعام الوليمة ٣٣٨٢ - (١٣٥٣) (١٠٣) (حَدَّثَنَا محمد بن حاتم بن ميمون) السمين البغدادي، صدوق، من (١٠) (حَدَّثَنَا بهز) بن أسد العمي البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حَدَّثَنَا أبو النضر هاشم بن القاسم) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم البغدادي، ثقة، من (٩) (قالا): أي قال كل من بهز وهاشم حالة كونهما (جميعًا) أي مجتمعين في الرواية عن سليمان وهو تأكيد لألف قالا: (حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة) القيسي البصري، ثقة، من (٧) (عن ثابت عن أنس) ﵁. وهذان السندان من خماسياته رجال الأول منهما كلهم بصريون إلَّا محمد بن حاتم فإنه بغدادي، ورجال الثاني ثلاثة منهم بصريون وواحد بغدادي وواحد نيسابوري (وهذا) الآتي (حديث بهز) أي لفظ حديثه (قال) أنس (لما انقضت) وكملت (عدة زينب) بنت جحش بن رئاب بن يعمر الأسدية، وأمها أميمة بالتصغير بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله ﷺ فكان رسول الله ﷺ زوّجها حبه ومولاه زيد بن حارثة، وقد روى الطبراني بسند صحيح عن قتادة وابن جرير عن ابن عباس قالا: خطب النبي ﷺ زينب وهو يريدها لزيد بن حارثة فظنت أنَّه يريدها لنفسه فلما علمت أنَّه يريدها لزيد أبت واستنكفت وقالت: أنا خير منه حسبًا فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية كلها، فرضيت وسلمت فمكثت عنده مدة وألقى الله في قلبه كراهتها فجاء يشكوها إليه صلى الله عليه

стр. 6301

قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِزَيدِ: "فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ" قَال: فَانْطَلَقَ زَيدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا. قَال: فَلَمَّا رَأَيتُهَا عَظُمَت في صَدْرِي. حَتَّى مَا أَسْتَطيعُ أَنْ أَنْظرَ إِلَيهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَهَا. فَوَلَّيتُها ظَهْرِي وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبي ــ وسلم فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله فنزلت ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي علمك بالوحي أنَّه سيطلقها وأنك تتزوجها، كما قاله علي بن الحسين والزهري وغيرهما وعليه أهل التحقيق ثم طلقها زيد لكراهته لها لتعاظمها عليه بشرفها لا لرغبة المصطفى في نكاحها كما زعمه من وهم، فلما انقضت عدتها قال رسول الله ﷺ لزيد ما هو مذكور في حديث الباب وهو قوله: (قال رسول الله ﷺ لزيد) بن حارثة إظهارًا لمزيد حبه له وقوة إيمانه حيث اطمأنت نفسه إلى خطبة من فارقها له ﷺ قال البيضاوي وذلك ابتلاء عظيم وشاهد بيّن على قوة إيمانه، قال القرطبي: وهذا امتحان لزيد وابتلاء له حتَّى يظهر صبره وانقياده وطوعه اهـ مفهم (فأذكرها عليّ) أي فاخطبها لي من نفسها، فيه دليل على أنَّه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها أولًا إذا علم أنَّه لا يكره ذلك كما كان حال زيد مع رسول الله ﷺ ويُروى أنَّه قال له: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب عليّ (قال) أنس: (فانطلق زيد) أي ذهب إليها (حتَّى أتاها) وجاءها (وهي) أي والحال أن زينب (تخمر عجينها) أي تجعل الخمير في عجينها، والخمير شيء يُخلط به ليعجل صلاحه للخبز، قال المجد: وتخمير العجين تركه ليجود اهـ (قال) زيد: (فلما رأيتها عظمت في صدري) أي صارت عظيمة مهابة في قلبي، قال النووي: معناه أنَّه هابها واستجلها من أجل إرادة النبي ﷺ تزوَّجها فعاملها معاملة من تزوجها ﷺ في الإعظام والإجلال والمهابة (حتَّى ما أستطيع) ولا أقدر (أن انظر إليها) لأجل (أن رسول الله ﷺ كرها) أي ذكر خطبتها وتزوّجها، وأنّ بفتح الهمزة لوقوعها في موضع التعليل كما قدرناه في الحل، قال عياض: يعني أنها عظمت في عينه من أجل إرادة رسول الله ﷺ زواجها فعاملها معاملة من تزوجها (فوليتها ظهري) أي جعلت ظهري إلى جهتها (ونكصت) أي رجعت (على عقبي) أي ورائي وكان جاء إليها ليخطبها وهو ينظر إليها على ما كان من

стр. 6302

فَقُلْتُ: يَا زينَبُ! أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذكُرُكِ. قَالتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي. فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا. وَنَزَلَ الْقُرْآنُ ــ عادتهم وهذا كان قبل نزول الحجاب فلما غلب عليه الإجلال تأخر عنها وخطبها وظهره إليه لئلا يسبقه النظر إليها، وقال القرطبي: توليته إياه ظهره مع أن الحجاب لم يكن نزل صيانة لقلبه من التعلق بها اهـ فهذا من مزيد ورعه ﵁. (فقلت) لها: (يا زينب أرسلـ) ـني (رسول الله ﷺ إليك، حالة كونه (يذكرك) أي يخطبك لنفسه ويريد زواجك (قالت) زينب: (ما أنا بصانعة شيئًا) بفاعلة شيئًا من الإجابة والرد (حتَّى أُوامر ربي) أي حتَّى أستخيره تعالى أي حتَّى أصلي صلاة الاستخارة وأطلب من ربي أن يُريني في منامي ما هو خير لي من الإجابة والرد، وهو بضم الهمزة وفتح الواو أو بهمزتين مضارع أمر الرباعي. قال القرطبي: قوله: (ونكصت على عقبي) أي رجعت خلفي وقهقرت إليها حتَّى سمعت حديثها، فلما أخبرها، قالت: (حتَّى أوامر ربي) أي حتَّى أستخيره وأنظر أمره على لسان رسول الله ﷺ فلما وكلت أمرها إلى الله وصح تفويضها إليه تعالى تولى الله تعالى إنكاحها منه ﷺ ولم يحوجها إلى ولي يتولى عقد نكاحها فلذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ولما أعلمه الله تعالى بذلك دخل عليها بغير ولي ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق ولا شيء مما يكون شرطًا في حقوقنا ومشروعًا لنا وهذا من خصوصياته ﷺ اللاتي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين اهـ من المفهم. (فقامت) زينب (إلى مسجدها) أي إلى موضع صلاتها من بيتها، وفيه استحباب صلاة الاستخارة لمن همَّ بأمر سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا، وهو موافق لحديث جابر في صحيح البخاري قال: بيان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، يقول: "إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة" إلى آخره ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه ﷺ (ونزل القرآن) يعني قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ أي جعلناها لك زوجة بلا واسطة عقد على الصواب الَّذي لا يجوز غيره فإنها كانت تفخر بأن الله هو الَّذي زوَّجها، وقول ابن إسحاق: زوَّجها أخوها أبو أحمد يمكن تأويله بأنه لما رآه أتى

стр. 6303

وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيهَا بِغَيرِ إِذْنٍ. قَال: فَقَال: وَلَقَدْ رَأَيتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ. فَخَرَجَ النَّاسُ وَبَقِيَ رِجَالٌ يَتَحَدَّثُونَ في الْبَيتِ بَعْدَ الطَّعَامِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ــ منزلها رضي به وفرح إذ لا كلام له ولا لغيره مع الله تعالى اهـ فتح الملهم. (وجاء رسول الله ﷺ فجأة (فدخل عليها) أي على زينب في بيتها (بغير إذن) أي بغير استئذان منها لأن الله تعالى زوَّجه إياها بالآية المذكورة وأي كلمة من كلمات الله تعالى التي يستحيل بها النساء كما في خطبة حجة الوداع أعلى وأقوى وأوثق من كلمة خاطَب الله تعالى بها أشرف أنبيائه في أعظم كتبه وهو قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وعند ابن سعد بسند مرسل (بينا رسول الله ﷺ يتحدث عند عائشة إذ أخذته غشية فسُرّي عنه وهو يبتسم ويقول: من يذهب إلى زينب فيبشرها وتلا ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾ الآية، قالت عائشة: فأخذني ما قرُب وما بعُد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم وأشرف ما صنع الله لها زوَّجها الله من السماء وعنده بسند ضعيف عن ابن عباس لما أُخبرت زينب بتزويج رسول الله ﷺ لها سجدت، وقال المنافقون: حرّم محمد نساء الولد، وقد تزوج امرأة ابنه لأنه كان تبناه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عطية: أذهب الله سبحانه بهذه الآية ما وقع في نفوس المنافقين وغيرهم من تزوجه زوجة دعيه فنفى تلك البنوة اهـ فتح الملهم باختصار. (قال) ثابت: (فقال) أنس: (و) الله (لقد رأيتنا) أي رأيت أنفسنا (أن) بفتح همزة أن على أنها في تأويل مصدر بدل من مفعول رأيت لأن الرؤية هنا بصرية؛ أي ولقد رأيت أن (رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار) ظرف متعلق بأطعمنا، وحين بفتح النون مبني لإضافتها إلى فعل مبني وهو بالنون، هكذا في النسخ أي أطعمنا حين ارتفع النهار أي شمسه واشتد ضحاؤه وهذه الوليمة هي التي أو لم فيها بالشاة كما جاء في الرواية الأخرى (فخرج الناس) أي معظمهم بعد أكل الطعام (وبقي رجال يتحدثون) والجملة الفعلية صفة لرجال لوقوعها بعد نكرة أي بقي (في البيت) رجال متحدثون (بعد) أكل (الطعام فخرج رسول الله ﷺ من

стр. 6304

وَاتَّبَعْتُهُ. فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ يُسَلِّمُ عَلَيهِنَّ. وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَال: فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أَوْ أَخْبَرَنِي. قَال: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيتَ. فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ فَأَلْقَى السِّتْرَ بَينِي وَبَينَهُ. وَنَزَلَ الْحِجَابُ. قَال: وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ ــ البيت ليخرجوا (واتبعته) ﷺ في الخروج أي لحقته ومشيت معه (فجعل) ﷺ أي شرع (يتتبع حجر نسائه) أي يتجول وبتطوف على بيوت أزواجه رضي الله تعالى عنهن، حالة كونه (يسلّم عليهن ويقلن) له (يا رسول الله كيف وجدت أهلك) سبق شرحه في الباب قبله، وفي رواية حميد: ثم خرج إلى أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلّم عليهن ويُسلّمن عليه ويدعو لهن ويدعون له، وفي رواية عبد العزيز إنهن قلن له كيف وجدت أهلك بارك الله لك (قال) أنس: (فما أدري) الآن ولا أعلم (أنا) بنفسي (أخبرته) ﷺ (أن القوم) أي أن الرجال الباقين في البيت (قد خرجوا أو أخبرني) هو ﷺ بأنهم خرجوا يعني أو أخبر هو ﷺ إياي بإخبار الله إياه، وفي رواية عبد العزيز (فما أدري أخبرته أو أُخبر) بالبناء للمجهول أي أُخبر بالوحي هكذا وقع في هذه الروايات بالشك، وسيأتي في الروايات الآتية في الباب الجزم بأنه الَّذي أخبر النبي ﷺ بخروجهم قال الحافظ: وهذا الشك قريب من شك أنس في تسمية الرجل الَّذي سأل الدعاء بالاستسقاء فإن بعض أصحاب أنس جزم عنه بأنّه الرجل الأول، وبعضهم ذكر أنَّه سأله عن ذلك فقال: لا أدري كما سبق في محله وهو محمول على أنَّه كان يذكره ثم عرض له الشك فكان يشك فيه ثم تذكر فجزم اهـ (قال) أنس: (فانطلق) رسول الله ﷺ أي ذهب إلى بيت زينب أي فرجع منطلقًا إلى بيته (حتَّى دخل البيت فذهبت) أي قصدت أن (أدخل معه فألقى الستر) أي أرخى الحجاب (بيني وبينه ونزل الحجاب) أي آية الحجاب بسبب ذلك الجلوس الَّذي جلسه الرجال المتحدثون بعد خروج الناس يعني أنَّه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ الآية (قال) أنس: (ووعظ القوم) المتحدثون في البيت أي ذكروا وتفطنوا (بما وُعظوا به) يعني بتردد النبي ﷺ إليهم ورجوعه وهم في البيت أي انتبهوا بذلك وعرفوا كراهية النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 6305

زَادَ ابْنُ رَافِع في حَدِيثِهِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ــ جلوسهم فخرجوا أو وعظوا بنزول آية الحجاب يعني هذه الآية المذكورة (زاد) محمد (بن رافع) القشيري (في حديثه) وروايته يعني على غيره يعني أنس بنزول الحجاب نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي غير منتظرين نضجه (إِلَى قَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾) أي لا يمتنع من بيان الحق وإظهاره، قال القرطبي: وفي خروجه ﷺ من البيت وترك المتحدثين على حالهم ولم يواجههم بالأمر بالخروج ما يدل على كرم أخلاقه وحسن معاملته وكثرة حيائه، وإن تحمل فيه مشقة ومخالفة مقصده ودورانه على حجر نسائه تفقد لأحوالهنّ وجبر لقلوبهن واستدعاء لما عندهن من أحوال قلوبهن لأجل تزوَّجه ولذلك استلطفنه بقولهن: كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ وصدور مثل هذا الكلام عنهن في حال ابتداء اختصاص الضرة الداخلة به يدل على قوة عقولهن وصبرهن وحسن معاشرتهن وإلا فهذا موضع الطيش والخفة للضرائر لكنهن طيبات لطيب. وقد صرح أنس في هذا الحديث بأن الحجاب إنما نزل بسبب ما جرى، وقد جاء في الصحيح أن عمر ﵁ كان قد ألح على النبي ﷺ في أن يحجُب نساءه، وكان يقول له: احجب نساءك فإنهن يراهن البر والفاجر، وكان يقول لسودة إذا خرجت: قد عرفناك يا سودة، حرصًا على الحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب ولا بُعد في نزول الآية عند اجتماع هذه الأسباب كلها والله أعلم اهـ من المفهم. قال الحافظ: يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبيل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع مني تعدد الأسباب أو المراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وأما ما وقع من الإشكال في قصة خروج سودة أم المؤمنين لحاجتها وقول عمر لها قد عرفناك يا سودة كما في البخاري فراجع لحله الفتح من باب خروج النساء إلى البراز ومن تفسير سورة الأحزاب. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٣/ ١٩٥]، والنسائي [٦/ ٧٩]. وقوله في هذا الحديث (فما أدري) وقبله في تفسير البخاري ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد
следующие страницы →