Полный текст (11 982 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
٣٣٤٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ"
ــ
٣٣٤٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري (حَدَّثَنَا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب) السختياني (عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا شغار في الإسلام) وهو من أنكحة الجاهلية، غرضه بيان متابعة أيوب لمن روى عن نافع، ومعنى (لا شغار في الإسلام) أي لا صحة لعقد الشغار في الإسلام وهو حجة لمن قال بفساده على كل حال وهو ظاهر هذه الصيغة كقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام" رواه النسائي، و"لا عمل إلَّا بنية" رواه البيهقي، و"لا رجل في الدار" فإن الظاهر من هذه الصيغة نفي الأصل والصحة، ونفي الكمال محتمل فلا يصار إليه إلَّا بدليل.
وقد جاء تفسير الشغار في حديث ابن عمر من قول نافع، وجاء في حديث أبي هريرة من كلام رسول الله ﷺ وفي مساقه وظاهره الرفع إلى النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون من تفسير أبي هريرة وكيفما كان فهو تفسير صحيح موافق لما حكاه أهل اللسان فإن كان من قول رسول الله ﷺ فهو المقصود، وإن كان من قول صحابي فمقبول لأنهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال اهـ من المفهم.
قال النواوي: أجمع العلماء على أنَّه منهي عنه لكن اختلفوا هل هو نهي يقتضي إبطال النِّكَاح أم لا؟ فعند الشافعي يقتضي إبطاله، وحكاه الخطابي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول وبعده، وفي رواية عنه قبله لا بعده، وقال جماعة: يصح بمهر المثل وهو مذهب أبي حنيفة، وحُكي عن عطاء والزهري والليث، وهو رواية عن أحمد وإسحاق وبه قال أبو ثور وابن جرير، وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ والعمات وبنات الأعمام والإماء كالبنات في هذا اهـ.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
стр. 6232
٣٣٤٩ - (١٣٣٧) (٨٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ.
زَادَ ابْنُ نُمَيرٍ: وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوَّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي. أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُك أُخْتِي.
٣٣٥٠ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ (وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ) بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ زِيَادَةَ ابْنِ نُمَيرٍ
ــ
٣٣٤٩ - (١٣٣٧) (٨٧) (حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة حَدَّثَنَا) عبد الله (بن نمير وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي (عن عبيد الله) بن عمر بن حفص (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني (عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار) وهذا السند من سداسياته رجاله أربعة منهم مدنيون واثنان كوفيان، قال المؤلف رحمه الله تعالى (زاد) عبد الله (بن نمير) في روايته على أبي أسامة تفسير الشغار بقوله: (والشغار أن يقول الرجل للرجل) الآخر: (زوجني) أي أنكحني (ابنتك وأزوجك ابنتي) بلا ذكر صداق لهما (أو) يقول له: (زوجني أختك وأزوجك أختي). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٦/ ١١٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٣٥٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو غريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حَدَّثَنَا عبدة) بن سليمان الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن عبيد الله وهو ابن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبدة بن سليمان لعبد الله بن نمير وأبي أسامة (ولم يذكر) عبدة بن سليمان (زيادة) زادها (ابن نمير) في الرواية السابقة كما لم يذكره أبو أسامة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال:
стр. 6233
٣٣٥١ - (١٣٣٨) (٨٨) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَال: قَال ابْنُ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ.
٣٣٥٢ - (١٣٣٩) (٨٩) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا هُشَيمٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ،
ــ
٣٣٥١ - (١٣٣٨) (٨٨) (وحدثني هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي المعروف بالحمال بالمهملة (حدثنا حجاج بن محمد) الأعور المصيصي أبو محمد البغدادي، ثقة، من (٩) (قال) حجاج بن محمد: (قال ابن جريج ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري كلاهما (عن عبد الرزاق) بن همام (أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير) المكي (أنه سمع جابر بن عبد الله) ﵄ حالة كونه (يقول: نهى رسول الله ﷺ عن الشغار) وهذان السندان من خماسياته رجال الأول منهما اثنان منهم مكيان واثنان بغداديان وواحد مدني، ورجال الثاني اثنان منهم مكيان وواحد مدني وواحد صنعاني وواحد إما مروزي أو نيسابوري.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى للجزء الثالث من الترجمة بحديث عقبة بن عامر ﵁ فقال:
٣٣٥٢ - (١٣٣٩) (٨٩) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي، ثقة، من (١٠) (حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي الواسطي ثم البغدادي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من (٨) (ح وحدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري (حدثنا يحيى) بن سعيد التميمي البصري (وهو القطان) كلهم رووا أي كل من هشيم ووكيع وأبي خالد ويحيى القطان رووا (عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن
стр. 6234
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ "إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ"
ــ
الحكم الأنصاري أبي الفضل المدني، صدوق، من (٦) (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي المصري، ثقة، من (٥) (عن مرثد بن عبد الله) الحميري (اليزني) بفتحتين نسبة إلى ذي يزن بطن من حمير أبي الخير المصري، ثقة فقيه، من (٣) (عن عقبة بن عامر) الجهني المصري الصحابي المشهور ﵁. وهذه الأسانيد الأربعة كلها من سداسياته، الأول منها رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان بغداديان وواحد مدني، والثاني منها رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان كوفيان وواحد مدني، والثالث منها رجاله ثلاثة منهم مصريون واثنان كوفيان وواحد مدني، والرابع منها رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان بصريان وواحد مدني (قال) عقبة بن عامر (قال رسول الله ﷺ : إن أحق الشرط) وأولاه وأليقه من غيره (أن يوفى به) أي بالوفاء به، فهو مفعول أحق على تأويل المصدر، وفيه حذف الجار من أن قياسًا مطردًا، وسها ملا علي في جعله بدلًا من الشرط، وقوله: (ما استحللتم به الفروج) خبر إن والمراد بما يستحل به الفروج المهر لأنه المشروط في مقابلة البضع قال ابن الملك في المبارق: مثل أن يتزوج امرأة على ألف إن أقام بها في بلدها وعلى ألفين إن أخرجها، وما قاله بعض الشراح من أنه يدخل فيه كل ما دعا المرأة إلى الرغبة في الزوجية مثل أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فهو ضعيف لأن ما تحرم به الفروج وتستحل بسببه هو المهر فما يتعلق به من الشرط يكون أليق بالوفاء دون غيره، وفي قوله: (أحق الشرط) إشارة إلى أن كل مشروط في حق النكاح لا يجب الوفاء به اهـ والمعنى إن الشروط التي يشترطها الناس في معاملاتهم أحقها بالوفاء شروط النكاح لأن أمره أحوط وبابه أضيق، قال القاضي: المراد بالشروط ها هنا المهر لأنه المشروط في مقابلة البضع، وقيل جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية من المهر والنفقة والكسوة وحسن المعاشرة فإن الزوج التزمها بالعقد فكأنها شرطت فيه، وقيل: كل ما شرط الزوج ترغيبا للمرأة في النكاح ما لم يكن محظورًا، قال الحافظ: وأما يشترطه العاقد لنفسه خارجًا عن الصداق، وبعضهم يسميه الحلوان فقيل هو للمرأة مطلقًا وهو قول عطاء وجماعة من التابعين وبه قال الثوري وأبو عبيد، وقيل هو
стр. 6235
هذَا لَفْظ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ الْمُثَنَّى. غَير َأنَّ ابْنَ الْمُثَنَّى قَال: "الشُّرُوطِ"
ــ
لمن شرطه قاله مسروق وعلي بن الحسين، وقيل يختص ذلك بالأب دون غيره من الأولياء، وقال الشافعي: إن وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجًا عنه لم يجب، وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر أو خارجًا فهو لمن وهب له وجاء ذلك في حديث مرفوع أخرجه النسائي من طريق ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها فما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم به الرجل ابنته أو أخته اهـ.
وفي شرح النواوي: إن هذا محمول على شرط ينافي مقتضى النكاح ويكون من مقاصده كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق عليها وكسوتها وسكناها، ومن جانب المرأة أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تصوم تطوعًا بغير إذنه ولا تأذن لغيره في بيته إلا بإذنه ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه ونحو ذلك، وأما شرط يخالف مقتضاه كشرط أن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا يسافر بها ونحو ذلك فلا يجب الوفاء به اهـ، فعلى هذا الخطاب في قوله: (ما استحللتم) للتغليب فيدخل فيه الرجال والنساء ويدل عليه الرواية الأخرى ما استحلت به الفروج كما في المرقاة عن الطيبي اهـ.
(وهذا لفظ حديث أبي بكر وابن المثنى) وأما غيرهما فرويا معناه (غير أن ابن المثنى قال الشروط) أي قال: إن أحق الشروط بلفظ الجمع. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٧٢١]، وأبو داود [٢١٣٩]، والترمذي [١١٢٧]، والنسائي [٦/ ٩٢ - ٩٣].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب سبعة أحاديث، الأول: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثاني: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه أربع متابعات، والثالث: حديث عقبة بن عامر ذكره للاستشهاد، والرابع: حديث ابن عمر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والخامس: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والسادس: حديث جابر ذكره للاستشهاد، والسابع: حديث عقبة بن عامر الأخير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة والله أعلم.
стр. 6236
٥٢٩ - (١٥) باب استئمار الثيب واستئذان البكر، والصغيرة البكر يزوجها أبوها واستحباب النكاح في شوال
٣٣٥٣ - (١٣٤٠) (٩٠) حدّثني عُبَيدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَن يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. حدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ. حدَّثَنَا أَبُو هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأمَرَ. وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأذَنَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ إِذْنُهَا؟ قَال: "أَنْ
ــ
٥٢٩ - (١٥) باب استئمار الثيب واستئذان البكر، والصغيرة البكر يزوجها أبوها واستحباب النكاح في شوال
٣٣٥٣ - (١٣٤٠) (٩٠) (حدثني عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري) الجشمي مولاهم أبو شعيب البصري، ثقة، من (١٠) (حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي أبو بكر البصري، ثقة، من (٧) (عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من (٥) (حدثنا أبو سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني (حدثنا أبو هريرة) ﵁، وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد يمامي (أن رسول الله ﷺ قال: لا تُنكح الأيم) أي الثيب (حتى تُستأمر) أي تستشار، والأيم بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة؛ المرأة التي لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا لكن المراد منها هنا الثيب بدليل وقوعها في مقابلة البكر اهـ ابن الملك، وقيد ملا علي كلًّا من الأيم والبكر بالبالغة والمسألة مبسوطة في الفقه على خلاف فيها، وقوله: (حتى تستأمر) أي تستشار ففيه إشارة إلى أن الكلام شرط في إذن الأيم قاله ابن الملك.
وفي العون قوله: (لا تنكح) بالبناء للمجهول نفيًا للمبالغة أو نهيًا (الأيم) أي الثيب وهي التي فارقت زوجها بموت أو طلاق (حتى تستأمر) أي يطلب الأمر منها بتزويجها، وأصل الاستئمار طلب الأمر فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها ويؤخذ من قوله: تستأمر أنه لا يعقد عليها إلا بعد أن تامر بذلك وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها بل فيه إشعار باشتراطه قاله الحافظ، (ولا تنكح البكر حتى تستاذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال) رسول الله ﷺ : إذنها (أن
стр. 6237
تَسْكُتَ"
ــ
تسكت) لاستحيائها من نطق لفظ النكاح، قال الحافظ: عبّر في الثيب بالاستئمار وفي البكر بالاستئذان فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة ولهذا يحتاج إلى صريح إذنها في العقد فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر بخلاف ذلك والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذنًا في حق البكر لأنها قد تستحيي أن تفصح اهـ، قال الخطابي في المعالم: ظاهر الحديث يدل على أن البكر إذا أُنكحت قبل أن تستأذن فتصمت أن النكاح باطل كما يبطل إنكاح الثيب قبل أن تستأمر فتأذن بالقول وإلى هذا ذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وهو قول أصحاب الرأي، وقال مالك بن أنس وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق إنكاح الأب البكر البالغ جائز وإن لم تستأذن ومعنى استئذانها إنما هو عندهم على استطابة النفس دون الوجوب كما جاء في الحديث الأمر باستئمار أمهاتهن وليس ذلك بشرط في صحة العقد اهـ من العون. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥١٣٦]، ، وأبو داود [٢٠٩٢]، والترمذي [١١٠٧]، والنسائي [٦/ ٨٥].
(تتمة): قال القرطبي: اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا، ومنه قوله تعالى: (وَأَنكِحُوأ الْأَيَمَى مِنكُمْ) [النور / ٣٢]، تقول العرب: تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج، ويقال أيم بينة الأيمة وقد آمت هي وإمت أنا، قال الشاعر:
لقد إمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت
قال أبو عبيد: يقال رجل أيم وامرأة أيم وأكثر ما يكون في النساء وهي كالمستعار في الرجال (قلت): والأيم في هذا الحديث هي الثيب بدليل الرواية المفسرة التي جعل فيها الثيب مكان الأيم، وبدليل أنها قوبل بها البكر وفصل بينهما فأُعطيت كل واحدة منهما حكمهما وهذا واضح جدًّا وعليه فلا مبالاة فيما يقوله الكوفيون وزفر والشعبي في هذا الحديث من أن المراد بالأيم التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا مستدلين به على أن الولي ليس بشرط في النكاح بل للمرأة أن تنكح نفسها بغير ولي بكرًا كانت أو ثيبًا إذا بلغت وحملوا قوله ﷺ : "أحق" على "العقد" أي أحق من وليها بالعقد عليها وهذا لا يصح لما ذكرناه ولأن مقصود الحديث بيان حكم الثيب والأبكار بالنسبة
стр. 6238
٣٣٥٤ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ. ح وَحَدَّثنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى. أَخْبَرَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيبَانُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
ــ
إلى سماع الإذن فالثيب تُعرب عن نفسها أي تنطق بنفسها عن مرادها ولا يكتفى منها بالسكوت، والبكر يكتفى منها بالسكوت فقوله: (أحق بنفسها) أي تنطق بنفسها ولا ينطق الولي عنها، ثم نقول: بل هذا الحديث حجة للجمهور في اشتراط الولي بدليل صحة ما وقعت فيه المفاضلة، وبيان ذلك أن أفعل من كذا لا بد فيها من اشتراك في شيء مما وقع فيه التفاضل فإنك إن قلت فلان أعلم من فلان اقتضى ذلك اشتراكهما في أصل العلم وانفراد أحدهما بمزية فيه، وكذلك قوله: أحق لا بد فيه أن يشاركها الولي في حقيةٍ ما، فإذًا له مدخل، ثم وجدنا في الشريعة مواضع كثيرة تدل على أن ذلك المدخل هو شرط في صحة النكاح فمنها قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) ومنها قوله تعالى: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) ومنها حديث أبي هريرة مرفوعًا "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" رواه الدارقطني وصححه اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٣٣٥٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) المعروف بابن علية (حدثنا الحجاج بن أبي عثمان) ميسرة أو سالم أبو الصلت الكندي البصري، ثقة، من (٦) (ح وحدثني إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي أبو إسحاق الرازي، ثقة، من (١٠) (أخبرنا عيسى يعني ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي عالمها، ثقة، من (٧) (ح وحدثني زهير بن حرب حدثنا حسين بن محمد) بن بهرام التميمي المروذي -بفتح الميم وتشديد الراء المضمومة وبذال معجمة- نسبة إلى مرو روذ مدينة من خراسان ثم البغدادي (حدثنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي البصري، ثقة، من (٧) (ح وحدثني عمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) أبو عثمان البغدادي (ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري (قالا): أي قال عمرو ومحمد: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام
стр. 6239
عَنْ مَعْمَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا مُعَاويةُ. كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ وإِسْنَادِهِ.
وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ وَشَيبَانَ وَمُعَاويَةَ بْنِ سَلَّامٍ. فِي هذَا الْحَدِيثِ.
٣٣٥٥ - (١٣٤١) (٩١) حدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. قَال: سَمِعْتُ
ــ
الصنعاني (عن معمر) بن راشد الأزدي البصري (ح وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) بن الفضل بن مهران (الدارمي) نسبة إلى قبيلة، أبو محمد السمرقندي، ثقة، من (١١) (أخبرنا يحيى بن حسان) بن حيان- بتحتانية- البكري أبو بكر البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا معاوية) بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي الدمشقي، ثقة، من (٧) (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة المذكورين أعني الحجاج والأوزاعي وشيبان ومعمرًا ومعاوية بن سلام رووا (عن يحيى بن أبي كثير بمثل معنى حديث هشام) الدستوائي (و) بـ (إسناده) أي وبإسناد هشام الدستوائي يعني عن أبي سلمة عن أبي هريرة، غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة المذكورين لهشام الدستوائي في الرواية عن يحيى بن أبي كثير (واتفق لفظ حديث هشام) الذي هو المتابع بالفتح (و) لفظ حديث (شيبان ومعاوية بن سلام) المتابعين له بالكسر (في هذا الحديث) السابق بخلاف الحجاج والأوزاعي ومعمر فإنهم رووا معنى حديث هشام لا لفظه فهذه الجملة كالاستثناء من قوله: بمثل معنى حديث هشام.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عائشة ﵄ فقال:
٣٣٥٥ - (١٣٤١) (٩١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة فقيه، من (٨) (عن ابن جريج (ح) وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه (ومحمد بن رافع) القشيري (جميعًا) أي كل من إسحاق ومحمد رويا (عن عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من (٩) (واللقظ) الآتي (لابن رافع) قال ابن رافع: (حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال) ابن جريج الأموي المكي (سمعت)
стр. 6240
ابْنَ أَبِي مُلَيكَةَ يَقُولُ: قَال ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا. أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَال لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ. تُسْتَأمَرُ" فَقَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَذَلِكَ إِذْنُهَا إِذَا هِيَ سَكَتَتْ"
ــ
عبد الله بن عبيد الله (بن أبي مليكة) بالتصغير زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، ثقة، من (٣) (يقول: قال ذكوان مولى عائشة) أبو عمرو المدني، ثقة، من (٣) (سمعت عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (تقول): وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان واثنان مكيان واثنان إما كوفيان أو مروزي ونيسابوري (سألت رسول الله ﷺ عن الجارية) أي عن البكر (ينكحها) بضم الياء من أنكح الرباعي أي يزوّجها (أهلها) أي أولياؤها وأقاربها أي يريد وليها أن ينكحها (أتستأمر) أي أتستأذن في إنكاحها (أم لا) تستأمر؟ (فقال لها) أي لعائشة (رسول الله ﷺ : نعم تستأمر) أي تستأذن (فقالت عائشة فقلت له) ﷺ (فإنها) أي فإن الجارية (تستحيي) أي تخاف من أن تفصح وتنطق الإذن في النكاح (فقال رسول الله ﷺ : فذلك) الاستحياء والسكوت عن إفصاح الإذن هو (إذنها) في تزويجها (إذا هي سكتت) بعد الاستئذان.
قوله: (عن الجارية) وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق الليث مختصرًا، وفيه أنها قالت: يا رسول الله إن البكر تستحيي، قال الحافظ: ودلت رواية البخاري على أن المراد بالجارية في رواية مسلم البكر دون الثيب اهـ فتح الملهم، والجارية هي من النساء من لم يبلغ الحلم سميت بذلك لجريها في بيت أهلها على مقتضى ميلها، وتطلق على فتية النساء، والجارية تطلق أيضًا على السفينة لجريها في البحر قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) والجارية أيضًا الأمة لجريها مستسخرة في أشغال مواليها ويقال لها ابنة اقعدي وقومي، والأصل فيها الشابة لخفتها ثم توسعوا حتى سموا كل أمة جارية وإن كانت مسنة تسمية بما كانت عليه والجمع في الكل الجواري، وتسمى الشمس أيضًا بالجارية لكونها تجري لمستقر لها، وعلى العين الجارية من الماء، فلفظها من قبيل المشترك اللفظي اهـ من بعض الهوامش، والمراد بها هنا البكر، وقوله: (نعم تستأمر) أي
стр. 6241
٣٣٥٦ - (١٣٤٢) (٩٢) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَال: قُلُتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَبدُ اللهِ بْنُ الفَضلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَن النَّبِيَّ ﷺ قَال: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهَا
ــ
تستأذن والمؤامرة المشاورة، وقد مر الفرق بين الاستئذان والاستئمار، قوله: (إذا هي سكتت) في الدر المختار: فإن استأذنها فسكتت عن رده مختارة أو ضحكت غير مستهزئة أو تبسمت أو بكت بلا صوت فهو إذن أو بصوت لم يكن إذنًا ولا ردًّا حتى لو رضيت بعده انعقد، وقال ابن الهمام في الفتح بعد حكاية الروايات: والمعول اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضحك فإن تعارضت أو أشكل احتيط اهـ. قال الحافظ: واستدل بحديث الباب على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإن أعلنت الرضا فيجوز بطريق الأولى، وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجوز أيضًا وقوفًا عند ظاهر قوله وإذنها أن تسكت اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري والنسائي اهـ تحفة الأشراف.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس ﵃ فقال:
٣٣٥٦ - (١٣٤٢) (٩٢) (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراساني ثم المكي، ثقة، من (١٠) (وقتيبة بن سعيد) بن جميل الثقفي البلخي (قالا: حدثنا مالك) بن أنس (ح وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (واللفظ) الآتي (له) أي ليحيى (قال) يحيى: (قلت لمالك: حدثك) بتقدير همزة الاستفهام أي أحدثك (عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة، من (٤) (عن نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي أبي محمد المدني، ثقة، من (٢) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد طائفي وواحد إما مكي أو بلخي أو نيسابوري (أن النبي ﷺ قال: الأيم) أي الثيب (أحق بنفسها) أي بأمر نفسها (من وليها) يحتمل أنها أحق من وليها في كل شيء من العقد وغيره كما قال أبو حنيفة وداود، ويحتمل أنها أحق بالرضا حتى لا تزوّج إلا أن تأذن بالنطق بخلاف البكر، ولكن لما صح قوله ﷺ : "لا نكاح إلا
стр. 6242
وَالْبِكْرُ تُسْتَأذَنُ فِي نَفْسِهَا. وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا؟ " قَال: نَعَمْ
ــ
بولي" مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي تعيَّن الاحتمال الثاني فإنه إذا تقرر هذا فمعنى أحق وهو يقتضي المشاركة أن لها في نفسها في النكاح حقًّا ولوليها حقًّا وحقها آكد من حقه، فإنه لو أراد تزويجها بكفؤ وامتنعت لم تجبر، ولو أرادت أن تتزوج كفؤًا وامتنع الولي أُجبر الولي على تزويجها، ولو أصر زوجها القاضي فدل على تأكيد حقها ورجحانه كذا قال النووي: (والبكر تستأذن) أي يطلب منها الإذن (في نفسها) أي في نكاحها (وإذنها صُماتها) بضم الصاد أي سكوتها يقال: صمت صمتًا من باب قتل وصموتًا وصماتًا، وفي الكلام قلب، والأصل وصماتها كإذنها الصريح لأنه لا يُخبر عن شيء إلا بما يصح أن يكون وصفًا له حقيقة أو مجازًا، فيصح أن يقال الفرس يطير، ولا يصح أن يقال الحجر يطير لأنه لا يوصف بذلك حقيقة ولا مجازًا، وصماتها كإذنها صحيح، ولا يصح أن يكون إذنها مبتدأ لأن الإذن لا يصح أن يوصف بالسكوت لأنه يكون نفيًا له فيبقى المعنى إذنها مثل سكوتها وقبل الشرع كأن سكوتها غير كاف فكذلك إذنها فينعكس المعنى قاله الفيومي؛ يعني أنها لا تحتاج إلى إذن صريح منها بل يكتفي بسكوتها لكثرة حيائها. قال النووي: ظاهره العموم في كل بكر وفي كل ولي وأن سكوتها يكفي مطلقًا وهذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: إن كان الولي أبًا أو جدًّا فاستئذانه مستحب، ويكفي فيه سكوتها، وإن كان غيرهما فلا بد من نطقها لأنها تستحيي من الأب والجد أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور أن السكوت كاف في جميع الأولياء لعموم الحديث ولوجود الحياء، وأما الثيب فلا بد من النطق بلا خلاف سواء كان الولي أبًا أو غيره لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد أو بوطء شبهة أو بزنا، ولو زالت بكارتها بوثبة أو بإصبع أو بطول المكث أو وطئت في دبرها فلها حكم الثيب على الأصح، وقيل حكم البكر والله أعلم اهـ منه.
وقوله: (قال) مالك ليحيى بن يحيى (نعم) حدثني عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير جواب الاستفهام المقدر في قوله: أحدثك عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير. وسْارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢٠٩٨]، والترمذي [١١٠٨]، والنسائي [٦/ ٨٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
стр. 6243
٣٣٥٧ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ. سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيرٍ يُخْبِرُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَّهَا. وَالْبِكْرُ تُسْتأمَرُ. وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا"
ــ
٣٣٥٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي (عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني أبي عبد الرحمن المكي نزيل مكة ثم اليمن، ثقة، من (٦) (عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة الهاشمي المدني، ثقة، من (٤) أنه (سمع نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي المدني، ثقة، من (٢) (يُخبر عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته رجاله اثنان منهم مدنيان وواحد طائفي وواحد مكي وواحد كوفي وواحد بلخي، غرضه بيان متابعة زياد بن سعد لمالك بن أنس (أن النبي ﷺ قال: الثيب أحق) وأولى (بنفسها) أي بأمر نفسها من العقد والمهر والنفقة (من وليها، والبكر تستأمر) أي تستاذن (وإذنها سكوتها) أي وسكوتها مثل إذنها، قال القرطبي: هكذا وقع في حديث ابن عباس (والبكر تستأمر) وفي حديث أبي هريرة (الأيم تستأمر، والبكر تستأذن) وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس لأن تستأمر معناه يُستدعى أمرها وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يسمى أمرًا وهذا ممكن من الثيب لأنها لا يلحقها من الخجل والخوف والانقباض ما يلحق بالبكر فلا يكتفى منها إلا بنطق يدل على مرادها صريحًا وأما تستأذن فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدل على رضاها وإذنها بأي وجه كان من سكوت أو غيره ولا تكلف النطق، وهذا منه ﷺ مراعاة لتمام صيانتها ولإبقاء حالة الاستحياء والانقباض عليها بأن ينظر لها في ذلك المحل ما هو أصون لها وأليق بها فإنها لو تكلمت تصريحًا لظن أن ذلك رغبة منها في الرجال، وهذا غير لائق بالبكر بل هو منقص لها ومزهد فيها بخلاف الثيب، وقد استحب بعض علمائنا أن تُعرف البكر أن سكوتها محمول منها على الإذن وليكون ذلك زيادة في تعريفها وتنبيهًا لها على ما يخاف أن تجهله، وقد كان بعض من لقيناه من الفقهاء يقول لها بعد عرض الزواج والمهر عليها: إن كنت راضية فاصمتي، وإن كنت كارهة فتكلمي وهو تنبيه حسن اهـ من المفهم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في هذا الحديث فقال:
стр. 6244
٣٣٥٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَقَال: "الثَّيّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا. وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِها. وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا" وَرُبَّمَا قَال: "وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا".
٣٣٥٩ - (١٣٤٣) (٩٣) حدَّثنا أَبُو كُرَيبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ. حَّدّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. قَال: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةً، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشةَ
ــ
٣٣٥٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (بهذا الإسناد) المذكور قبل هذا يعني عن زياد بن سعد الخ، غرضه بيان متابعة ابن عمر لقتيبة بن سعيد (وقال) ابن أبي عمر في روايته (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في) نكاح (نفسها وإذنها صماتها، وربما قال) ابن أبي عمر (وصمتها إقرارها) أي سكوتها مثل إقرارها ونطقها في الاكتفاء به، قوله: (يستاذنها أبوها) قال البيهقي: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعي: زادها ابن عيينة في حديثه وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن، قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس البكر تستأمر، ورواه صالح بن كيسان بلفظ واليتيمة تستأمر وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة (قلت): وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائل: بل المراد باليتيمة البكر لم يدفع، وتستأمر -بضم أوله- يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات ويبقى النظر في أن الاستئمار هل هوشرط في صحة العقد أو هو مستحب على معنى استطابة النفس كما قال الشافعي كل من الأمرين محتمل كذا في فتح الباري.
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٣٥٩ - (١٣٤٣) (٩٣) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من ص (٩) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال) أبو بكر بن أبي شيبة: (وجدت) أي رأيت (في كتابي) وثبتي حديثًا رويته (عن أبي أسامة عن هشام) بن عروة (عن أبيه) عروة (عن عائشة) رضي الله
стр. 6245
قَالتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ. وَبَنَى بِي وَأَنَا بِتْتُ تِسْعِ سِنِينَ
ــ
تعالى عنها، قال النووي: معناه أنه وجده في كتابه ولم يذكر أنه سمعه، ومثل هذا تجوز روايته على الصحيح وقول الجمهور ومع هذا فلم يقتصر مسلم عليه بل ذكره متابعة لغيره اهـ. قال الأبي: لم يذكره في الأتباع بل صدَّر به اهـ. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان (قالت) عائشة: (تزوجني) أي نكحني (رسول الله ﷺ وعقد عليّ بعد موت خديجة ونكاح سودة وهو بمكة (لست سنين) تعني من عمرها أي إنها في وقت نكاحها صغيرة بنت ست سنوات (وبنى بي) أي دخل عليّ بعد الهجرة بسبعة أشهر (وأنا بنت تسع سنين) من عمري أي زففت إليه وحملت إلى بيته، يقال بنى عليها وبنى بها والأول أفصح، وأصله أن الرجل كان إذا تزوج بنى للعرس خباء جديدًا أو عمره بما يحتاج إليه، ثم كثر حتى كُني به عن الدخول أفاده الفيومي، وأخرج الإسماعيلي من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه أنه كتب إلى الوليد أنك سألتني متى توفيت خديجة؟ وأنها توفيت قبل مخرج النبي ﷺ من مكة بثلاث سنين أو قريب من ذلك، ونكح النبي ﷺ عائشة بعد وفاة خديجة وعائشة بنت ست سنين، ثم إن النبي ﷺ بنى بها بعد ما قدم المدينة وهي بنت تسع سنين، قال الحافظ بعد الكلام الكثير وإذا ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى من الهجرة قوّى من قال إنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهاه النووي في تهذيبه، وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول وجزمه بأن دخوله يها كان في السنة الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، وقال الدمياطي في السيرة له: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شوال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة، هـ.
قال النووي: هذا الحديث صريح في جواز تزويج الأب الصغيرة بغير إذنها لأنه لا إذن لها والجد كالأب عندنا اهـ، قال المهلب: أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنه الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقًا أن الأب لا يزوّج بنته البكر الصغيرة حتى تبغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، قال صاحب التلويح: وهذا لم يقل به أحد غيره ولا يلتفت إليه
стр. 6246
قَالتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوُعِكتُ شَهْرًا
ــ
لشذوذه ومخالفته دليل الكتاب والسنة ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة أو صغيرة بكرًا كانت أو ثيبًا، قال ابن الهمام: ويجوز تزويج الصغير والصغيرة إذا زوجهما الولي لقوله تعالى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) فأثبت العدة للصغيرة وهي فرع تصور نكاحها شرعًا فبطل به منع ابن شبرمة وأبو بكر الأصم معه وتزويج أبي بكر عائشة وهي بنت ست نص قريب من المتواتر، وتزوُّج قدامة بن مظعون بنت الزبير يوم وُلدت مع علم الصحابة نص في فهم الصحابة عدم الخصوصية في نكاح عائشة رضي الله تعالى عنها، قال النووي: أجمع المسلمون على جواز تزويج الأب بنته البكر الصغيرة لهذا الحديث، وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك والشافعي والحجازيين، وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، وأما غير الأب والجد من سائر الأولياء فلا يجوز لهم أن يزوّجوها عند الشافعي ومالك والثوري وغيرهم، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وآخرون: يجوز لجميع الأولياء، ولها الخيار إذا بلغت إلا أبا يوسف فقال: لا خيار لها. كذا في المرقاة اهـ من فتح الملهم.
قوله: (وأنا بنت تسع سنين) واختلف العلماء في الوقت الذي تدخل فيه المرأة على زوجها إذا اختلف الزوج وأهل المرأة، فقالت طائفة منهم أحمد وأبو عبيد: يدخل وهي بنت تسع اتباعًا لحديث عائشة، وعن أبي حنيفة نأخذ بالتسع غير أنا نقول إن بلغت التسع ولم تقدر على الجماع كان لأهلها منعها، وإن لم تبلغ التسع وقويت على الرجال لم يكن لهم منعها من زوجها، وكان مالك يقول: لا نفقة لصغيرة حتى تدرك وتطيق الرجال، وقال الشافعي: إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع فلزوجها أن يدخل بها وإلا منعها أهلها حتى تحتمله أي الجماع كذا في عمدة القاري.
(قالت) عائشة (فقدمنا) مع أقاربي من مكة (المدينة فوعكت) بالبناء للمجهول أي حُمّيت عن الوعك وهو الحمى أي أخذني ألم الحمى وحرارتها (شهرًا) أي مرضت بالحمى وكان ذلك في أول قدومهم المدينة في الوقت الذي وعك فيه أبو بكر ﵁ وقبل أن يدعو النبي ﷺ للمدينة بأن يصححها وينقل حماها إلى الجحفة، ولما دعا فعل الله تعالى ذلك اهـ من المفهم، وفي الكلام حذف على روأية مسلم تقديره فتساقط شعري بسبب الحمى فلما شفيت تربى شعري ونبت فكثر، وهو
стр. 6247
فَوَفَى شَعْرِي جُمَيمَةً. فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبِي. فَصَرخَتْ بِي فَأَتَيتُهَا. وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي. فَأَخَذَتْ بِيَدِي. فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ. فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ. حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي
ــ
معنى قولها: (فوفى شعري) أي كثر حتى صار (جميمة) تصغير جمة بضم الجيم، والجمة في شعر الرأس ما نزل إلى المنكبين، وإذا نزل إلى شحمة الأذنين يسمى وفرة أي صار إلى هذا الحد بعد أن كان قد ذهب بالمرض، وفي رواية البخاري بعد قوله: فوعكت فتمزق شعري بالزاي أي تقطع، وفي رواية فتمرق بالراء أي انتتف (فأتتني أم رومان) هي كنية أم عائشة واسمها زينب بنت عامر بن عويمر الكنانية، وهي زوج أبي بكر الصديق وأم ولديه عبد الرحمن وعائشة أسلمت وهاجرت، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ قاله الذهبي، وقال أبو عمر: أن رومان يقال بفتح الراء وضمها بنت عامر ولم يذكر لها اسمًا ماتت في حياة النبي ﷺ سنة ست من الهجرة، فنزل النبي ﷺ قبرها واستغفر لها وقال: "اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك" (وأنا) أي والحال أني (على أرجوحة) أي جالسة عليها (ومعي) أي والحال أن معي على الأرجوحة (صواحبي) من البنات اللائي يلعبن معي على الأرجوحة، والأرجوحة بضم الهمزة والجيم بينهما راء ساكنة هي خشبة يلعب عليها الصبيان والجواري الصغار يكون وسطها على مكان مرتفع ويجلسون على طرفيها ويحركونها فيرتفع جانب منها وينزل جانب اخر قاله النووي، وقيل: الأرجوحة حبل يعلق فيركبه الصبيان يلعبون عليه اهـ مفهم (فصرخت بي) أي صاحت بي صياحًا مزعجًا ونادتني (فأتيتها) أي فجئتها من عند صواحبي (و) الحال أني (ما أدري) ولا أعلم (ما تريد) وتقصد (بي) وتطلبني لأجله (فأخذت) أي أمسكت (بيدي) ومشت بي إلى البيت (فأوقفتني على الباب فقلت هه هه) هي حكاية عن صوت المنبهر المنزعج الذي ضاق نفسه وذلك أنها كانت تترجح ثم إنها صيح بها صياحًا مزعجهًا فأتت مسرعة فضاق نفسها لذلك، ولذلك قالت: (حتى ذهب نفسي) بفتح الفاء وقد أخطأ من سكنها أي حتى زال عني ذلك النفس العالي الحاصل من الإعياء اهـ من المفهم.
وفي فتح الملهم قوله: - (هه هه) بفتح الفاء الأول وإسكان الثانية فهي هاء السكت وهذه كلمة يقولها المبهور أي منقطع النفس أي قلت هه هه لأجل الترجع على
стр. 6248
فَأَدْخَلَتْنِي بَيتًا. فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيرِ وَالْبَرَكَةِ. وَعَلَى خَيرِ طَائِرٍ
ــ
الأرجوحة حتى يتراجع إلى حال سكونه، وفي رواية البخاري أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج أي لأتنفس تنفسًا عاليًا، وقوله: (حتى ذهب نفسي) بفتح الفاء أي ذهب عني غلبة النفس من الإعياء (فأدخلتني) أي أمي أم رومان (بيتًا) لنا (فإذا) فيه (نسوة) بضم النون وكسرها (من الأنصار) حاضرات في البيت، وإذا فجائية أي فاجأني رؤية نسوة من الأنصار سمى منهن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية فيما أخرجه المستغفري، وفيه أن رسول الله ﷺ قرب إليهن تمرًا ولبنًا (فقلن) لي تلك النسوة دخلت (على الخير والبركة و) وقفت (على خير طائر) وأفضل حظ ونصيب، وطائر الإنسان نصيبه، والجار والمجرور في الموضعين متعلق بمحذوف كما قدرناه، وفي الحديث استحباب الدعاء للمتزوج والمزوجة وهذا نحو ما رُوي من حديث معاذ أن النبي ﷺ قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه فقال: "على الألفة والخير والطائر الميمون" وقد قال ﷺ لابن عوف: "بارك الله لك" ورُوي عنه ﷺ أنه قال: "بارك الله لكم وعليكم". (قلت): وهذه أدعية والدعاء كله حسن غير أن الدعاء بما دعا به النبي ﷺ أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب بالرفاء والبنين، وقولهن: على خير طائر، وقول النبي ﷺ : "وعلى الطائر الميمون" على جهة التفاؤل والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطيرة المنهي عنها التي قال فيها النبي ﷺ : "لا طيرة" وخيرها الفأل، وقد ذكرنا أصل هذه الكلمة وحكمها في كتاب الإيمان اهـ مفهم، وفي فتح الملهم قوله: (على الخير والبركة) هذا الدعاء يشمل المرأة وزوجها، وفي بعض طرق حديث عائشة إن أمها لما أجلستها في حجر رسول الله ﷺ قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارك الله لك فيهم. وقوله: (على خير طائر) كناية عن الفأل، وطائر الإنسان عمله الذي قلده، وقال ابن الأثير: وطائر الإنسان ما حصل له في علم الله مما قُدر له، وقيل الطائر الحظ، ويطلق على الحظ من الخير أو الشر، والمراد هنا أيمن حظ وأفضله، وفيه استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين، ومثله في حديث عيد الرحمن بن عوف: "بارك الله لك" قال عياض: وفي حديث معاذ أنه ﷺ شهد إملاك أنصاوي فقال له: "على الألفة والخير والطائر الميمون والسعة في
стр. 6249
فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيهِنَّ. فَغَسَلْنَ رَأسِي وَأَصْلَحْنَنِي. فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ضُحًى. فَأسْلَمْنَنِي إِلَيهِ
ــ
الرزق بارك الله لكم" اهـ (فأسلمتني) أمي أم رومان (إليهن) أي إلى تلك النسوة (فغسلن) أي تلك النسوة (رأسي) أي شعر رأسي (وأصلحنني) أي أصلحن لي شعري ولباسي وهيئتي، قال القاضي: فيه جواز تزيين المرأة لزوجها واجتماع النساء لذلك، لما فيه من شهرة النكاح وهو مما يجب إشهاره وحضور النساء لذلك، وقد يحتاج إليهن في نوازل الأحكام اهـ أبي. قال النووي: فيه استحباب تنظيف العروس وتزيينها لزوجها، واستحباب اجتماع النساء لذلك ولأنه يتضمن إعلان النكاح ولأنهن يؤانسنها ويؤدبنها ويعلمنها آدابها حال الزفاف وحال لقائها الزوج اهـ (فلم يرعني) بضم الراء وسكون العين من الروع، والروع الفزع، ويستعمل في كل أمر طارئ من خير أو شر فيرتاع لفجاءته أي لم يفزعني شيء (إلا رسول الله ﷺ أي إلا حضور رسول الله ﷺ ودخوله عليّ وكَنَّتْ بذلك عن المفاجاة بالدخول على غير عالم بذلك فإنه يفزع غالبًا، والواو في قوله: ورسول الله ﷺ مزيدة في مسلم من النساخ، وفي البخاري إسقاطها وهو الصواب، وقوله: (ضحى) بضم الضاد والقصر أي وقت الضحى وهو ظرف لفعل الروع؛ وهو أول النهار من ارتفاع الشمس إلى قبيل الاستواء، قال السندي: والمعنى أي فما راعني شيء وما خطر ببالي خطرة في حال من الأحوال إلا في حال حضوره ﷺ وقت الضحى أي كنت غافلة إلى هذه الحال والله أعلم، والحاصل أن فاعل يرعني ضمير فيه عائد إلى اسم الفاعل من الروع، ولما كان ذلك مما دل عليه الفعل صح عود الضمير إليه، وإسناد الفعل إلى اسم الفاعل منه شائع، ومنه قوله تعالى: (قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ) وحديث "لا يزني الزاني" ونحوه، وقولها: (إلا ورسول الله ﷺ ضحى) مستثنى من أعم الأحوال كما يفهم من التقرير الذي ذكرناه، قال النواوي: وفيه جواز الزفاف والدخول بالعروس نهارًا وهو جائز ليلًا ونهارًا واحتج به البخاري في الدخول نهارًا وترجم عليه: باب الابتناء ثهارًا وبغير مركب ولا نيران، وقوله: (فأسلمنني) أي فأسلمتني تلك النسوة الأنصاريات (إليه) أي إلى رسول الله ﷺ ليأخذني، معطوف على قوله وأصلحنني، وجملة الروع معترضة أي فأسلمنني إليه فأخذني نهارًا بغير مركب ولا نيران، قال بعضهم: ما اشتهر بمركب ولا نيران يعني بالنيران الولائم كما قال في الآخر أو يُرى دخان وكثرة
стр. 6250
٣٣٦٠ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدَةُ (هُوَ ابْنُ سُلَيمَانَ) عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ. وَبَنَى بِي وَأنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
٣٣٦١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. أَخبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوْجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ
ــ
سُرُج اهـ الأبي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٣٨٩٦]، وأبو داود [٤٩٣٣]، وابن عاجه [١٨٧٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديثها رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٣٦٠ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عروة (ح) وحدثنا) محمد (بن نمير واللفظ له حدثنا عبدة هو ابن سليمان) الكلابي الكوفي (عن هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان من خماسياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة أبي معاوية وعبدة بن سليمان لأبي أسامة (قالت) عائشة: (تزوجني) أي نكحني (النبي ﷺ وأنا بنت ست سنين وبنى بي) أي دخل بي (وأنا بنت تسع سنين).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٣٦١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا عبد بن حميد) الكسي (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد البصري (عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الزهري لهشام (أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت سبع سنين) قال النووي: كذا في رواية، وفي أكثر الروايات بنت ست، فالجمع بينهما أنه كان لها عند الزواج ست وكسر فرواية سبع كملت الكسر ورواية ست أسقطت الكسر، وقال القرطبي: يمكن أن يكون ذلك منها على سبيل التقدير لا التحقيق فيمكن أن يقال إنه تزوجها في مبدأ السنة السابعة ويكون قولها لست
стр. 6251
وَزُفَّتْ إِلَيهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. وَلُعَبُهَا مَعَهَا. وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ.
٣٣٦٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثئا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَأَبُو كُرَيبٍ (قَال يَحْيَى وإسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال
ــ
أي لست انقضت، وقولها بنت سبع أي لسبع ابتدأت، وقال العيني: لست سنين هو الصواب، وقيل: الصواب سبع سنين وهو ضعيف اهـ (قلت): وما ذكره النواوي في الجمع بين الروايتين هو أصح الأقوال في الجمع وأوضحها (وزُفت إليه) بالبناء للمجهول من الزفاف أي أرسلت إلى بيته (وهي بنت تسع سنين ولُعبها) أي والحال أن لعبها المسماة بلعب البنات (معها) أي مصحوبة بها، والغرض بهذه الجملة التنبيه على صغر سنها (ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة) سنة، وقد ماتت هي رضي الله تعالى عنها بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة. وانفرد بهذه الرواية الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وقوله: (ولعبها معها) بضم اللام وفتح العين جمع لعبة بضم فسكون وهي ما يلعب به، قال التوربشتي: اللعب جمع لعبة كركب وركبة أرادت ما كانت تلعب به، وكل ملعوب به فهو لعبة، وإذا فتح اللام فهو المرة الواحدة من اللعب، . وإذا كسرت فهي الهيئة، والحالة التي كان عليها اللاعب، وقال النووي: المراد بها هذه اللعب المسماة بالبنات التي تلعب بها الجواري الصغار، والغرض من ذكرها التنبيه على صغر سنها كما مر آنفًا، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وفيه جواز اتخاذ اللعب، وإباحة لعب الجواري بهن، وقد جاء أنه ﷺ رآهن يلعبن بها فأقرهن على ذلك لتطييب قلوبهن، وليتدربن علي تربية أولادهن وإصلاح شأنهن وبيوتهن، ويحتمل أن يكون مخصوصإً من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور لما ذكر من المصلحة، ويحتمل أن تكون قضية عائشة رضي الله تعالى عنها هذه في أول الهجرة قبل تحريم الصور اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فقال.
٣٣٦٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال يحيى وإسحاق أخبرنا، وقال
стр. 6252
الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوَيةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبرَاهِيمَ، عَنِ الأسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ. وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ. وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ.
٣٣٦٣ - (١٣٤٤) (٩٤) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ) قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ. عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ. وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ. فَأَيُّ نِسَاءِ
ــ
الآخران: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، خال إبراهيم بن يزيد بن قيس، ثقة مخضرم (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة الأسود لعروة بن الزبير (قالت) عائشة: (تزوجها رسول الله ﷺ وهي بنت ست) سنين (وبنى بها وهي بنت تسع) سنين (ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة) سنة.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنها فقال:
٣٣٦٣ - (١٣٤٤) (٩٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واللفظ لزهير قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من (٧) (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي المكي، ثقة، من (٦) (عن عبد الله بن عروة) بن الزبير الأسدي أبي بكر المدني، ثقة، من (٣) (عن) أبيه (عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة كوفيون وواحد مكي (قالت) عائشة: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال) مرادها بهذا الكلام رد ما كانت عليه الجاهلية وما يخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع اهـ نووي. وقولها: (فأي نساء
стр. 6253
رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟
قَال: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ
ــ
رسول الله ﷺ كان أحظى) أي أكثر حظوة وأرفع منزلة (عنده) ﷺ (مني) تشير به إلى حظوتها برسول الله ﷺ وهي رفعة منزلتها عنده ﷺ ، يقال حظي فلان عند الناص يحظى من باب رضي وتعب، حظة وزان عدة، وحظوة -بضم الحاء وكسرها- إذا أحبوه ورفعوا منزلته (قال) عروة: (وكانت عائشة تستحب) أي تحب (أن تُدخل) بضم التاء من أدخل الرباعي (نساءها) أي نساء أقربائها اللائي نكحن على أزواجهن (في شوال) للاتباع لا لاعتقاد سعود فيه.
قال القرطبي: قولها: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال) الحديث إنما قالت عائشة هذا الكلام لترد به قول من كان يكره عقد النكاح في شوال ويتشاءم به من جهة أن شوالًا من الشول وهو الرفع، ومنه شالت الناقة بذنبها، وقد جعلوه كناية عن الهلاك إذ قالوا: شالت نعامتهم أي هلكوا، فشوال معناه كثير الشول فإنه للمبالغة فكانهم يتوهمون أن كل من تزوج في شوال منهن شال الشنآن بينها وبين الزوج، أو شالت نفرته فلم تحصل لها حظوة عنده، ولذلك قالت عائشة رادة الوهم (فأي نسائه كان أحظى عنده مني) أي لم يضرني ذلك ولا نقص من حظوتي، ثم إنها تبركت بشهر شوال فكانت تحب أن تدخل نساؤها على أزواجهن في شوال الذي حصل لها فيه من الخير برسول الله ﷺ ومن الحظوة عنده ولمخالفة ما يقول الجهال من ذلك ومن هذا النوع كراهة الجهال عندنا اليوم عقد النكاح في شهر المحرم، بل ينبغي أن يتيمن بالعقد والدخول فيه تمسكًا بما عظم الله ورسوله من حرمته وردعًا للجهال عن جهالاتهم اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث الترمذي [١٠٩٣]، ، والنسائي [٦١/ ١٠٣]، وابن ماجه [١٩٩٠].
وفي فتح الملهم: قولها: (كان أحظى عنده مني) أي أقرب إليه وأسعد به أو أكثر نصيبًا مني، وفي شرح النقاية لأبي المكارم: كره بعض الروافض النكاح بين العيدين، وقال السيوطي في حاشيته على مسلم: روى ابن سعد في طبقاته عن أبي حاتم قال: إنما كره الناس أن يتزوجوا في شوال لطاعون وقع فيه في الزمن الأول اهـ.
قوله: (وكانت عائشة تستحب) الح قال النووي: فيه استحباب التزوج والتزويج
стр. 6254
٣٣٦٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ
ــ
والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه واستدلوا بهذا الحديث، وقال الشوكاني: والحديث إنما يدل على استحباب ذلك في شوال إذا تبين أن النبي ﷺ قصد ذلك لخصوصة له لا توجد في غيره لا إذا كان وقوع ذلك اتفاقًا منه ﷺ على طريق الاتفاق وكونه بعض أجزاء الزمان فإنه لا يدل على الاستحباب لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وقد تزوج ﷺ نساءه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق ولم يتحر وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي ﷺ يستحب البناء فيه وهو غير مسلم اهـ والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال:
٣٣٦٤ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (حدثنا سفيان) الثوري (بهذا الإسناد) يعني عن إسماعيل عن عبد الله عن عروة عن عائشة (مثله) أي مثل ما روى وكيع عن سفيان (و) لكن الم يذكر) عبد الله بن نمير (فعل عائشة) يعني إدخال نساء أقربائها على أزواجهن في شوال.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث، الأول: حديث أبي هريرة ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث عائشة ذكره للاستشهاد، والثالث: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والرابع: حديث عائشة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكره فيه ثلاث متابعات والخامس: حديث عائشة الأخير ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة، وذكر فيه متابعة واحدة والله أعلم.
стр. 6255
٥٣٠ - (١٦) باب النظر إلى المخطوبة واشتراط الصداق في النكاح وجواز كونه منافع وأقل قليل والأمر بالوليمة
٣٣٦٥ - (١٣٤٥) (٩٥) حدَّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. قَال: كُنْتُ عِنْد النَّبِيّ ﷺ . فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أنَظَرْتَ إِلَيهَا؟ " قَال: لَا. قَال: "فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيهَا. فَإنَّ فِي أَعْيُنِ الأنَصَارِ شَيئًا"
ــ
٥٣٠ - (١٦) باب النظر إلى المخطوبة واشتراط الصداق في النكاح وجواز كونه منافع وأقل قليل والأمر بالوليمة
٣٣٦٥ - (١٣٤٥) (٩٥) (حدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن يزيد بن كيسان) اليشكري أبي إسماعيل الكوفي، صدوق، من (٦) (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد عدنيّ (قال) أبو هريرة: (كنت عند النبي ﷺ فأتاه) ﷺ (رجل) لم أر من ذكر اسمه (فاخبره) أي فأخبر الرجل رسول الله ﷺ (أنه تزوج امرأة من الأنصار) لم أر من ذكر اسمها أيضًا؛ أي أراد تزوجها بخطبتها، قال السندي: كان المراد أنه خطبها أو أراد تزوجها ونحو ذلك إذ لا يظهر فائدة في النظر بعد تمام العقد إلا أن يطلق قبل الدخول وذلك بعيد والله تعالى أعلم اهـ. ثم الظاهر أن هذه الرواية والرواية الآتية محمولتان على الواقعتين لرجلين والله أعلم اهـ فتح الملهم (فقال له) أي لذلك الرجل (رسول الله ﷺ : أنظرت) أي هل نظرت (إليها) أي إلى المرأة التي تريد خطبتها؛ أي هل نظرت إلى وجهها لتعرف جمالها، وإلى كفيها لتعرف خصب بدنها كما يعلم مما سيأتي (قال) الرجل: إلا) أي لم أنظر إليها (قال) له النبي ﷺ : (فاذهب) إليها الآن (فانظر إليها) أي إلى وجهها وكفيها (فإن في أعين الأنصار شيئًا) مما لا يستحسنه الطبع، قيل المراد بذلك الشيء صغرها، وقيل المراد زرقتها، قوله: (فانظر إليها) قال القرطبي: هذا أمر إرشاد أي مصلحة لا أمر وجوب لأنه إذا نظر إليها أعني المخطوبة فلعله يرى منها ما يرغبه في
стр. 6256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نكاحها، وقال الشوكاني: الأمر هنا للإباحة بقرينة قوله في حديث أبي حميد عند أحمد (فلا جناح عليه أن ينظر منها) وفي حديث محمد بن مسلمة عند أحمد وابن ماجه (فلا بأس أن ينظر إليها) وقيل: إنه أمر ندب للأحاديث الامرة به، وقيد ذلك بما إذا رجا الإجابة، وأما إذا لم يرجها فلا، وأما نفي البأس والجناح فإنما هو لرد ما عسى أن يتوهم متوهم فيه البأس والجناح لكونها امرأة أجنبية فلا ينافي الاستحباب. فإذا لم يمكنه النظر إليها استحب أن يبعث امرأة تصفها له، وإنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فحسب لأنهما ليسا بعورة في حقه اهـ ملا علي، والعادة جارية فينا ببعث النساء إليها، قوله: (فإن في أعين الأنصار) أي في أعين بعضهم (شيئًا) مما ينفر عنه الطبع ولا يستحسنه لأنه رآه في الرجال فقاس النساء عليهم لأنهن شقائق الرجال ولذلك أطلق الأنصار أو لإخبار الناس به أو علم بالوحي، قوله.: (شيئًا) قيل هو عمش، وقيل صغر، وقيل زرقة، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو المعتمد، قال عياض: فهو المعتمد، قال عياض: وليس هذا من الغيبة لأنه على الجملة من غير تعيين وأيضًا هو من باب النصيحة المأمور بها اهـ.
قال القرطبي: ولا قائل فيما أعلمه يحمل الأمر هنا أعني في النظر للخطبة على الوجوب، وقد دل على أنه ليس كذلك، قوله: (فإن استطاع فليفعل) ولا يقال مثل هذا في الواجب وقاعدة النكاح وإن كان فيها معاوضة مفارقة لقاعدة البيوع من حيث إنها مبنية على المكارمة والمواصلة وإظهار الرغبات والعمل على مكارم الأخلاق بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، ويجوز فيها ضروب من الجهالات والأحكام لا يجوز شيء منها في البيوع والمعاملات المبنية على المشاحة والمغابنة، ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يُعرف حالها من جمال وشباب وحسن خلق وتمام خَلق، وهذه وإن كانت مجهولة حالة العقد لم يضر الجهل بها إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجبًا فلم يبق إلا أن يُحمل ذلك الأمر على ما تقدم وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر، وقد كره قوم ذلك لا مبالاة بقولهم للأحاديث الصحيحة في هذا الباب اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٢٩٩]، والنسائي [٦/ ٦٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 6257
٣٣٦٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوَيةَ الْفَزَارِيٌّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيُّ ﷺ فَقَال: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ نَظَرْتَ إِلَيهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيئًا" قَال: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيهَا. قَال: "عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَال: عَلَى أَرْبَعٍ أَوَاقٍ. فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟ كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هذَا الْجَبَلِ
ــ
٣٣٦٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني يحيى بن معين) بن عون الغطفاني البغدادي إمام الجرح والتعديل، ثقة، من (١٠) روى عنه في (٣) أبواب (حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث (الفزاري) الكوفي، ثقة، من (٨) (حدثنا يزيد بن كيسان) الكوفي (عن أبي حازم) الكوفي (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مدني وواحد بغدادي، غرضه بسوقه بيان متابعة مروان بن معاوية لسفيان بن عيينة (قال) أبو هريرة: (جاء رجل) لم أر من ذكر اسمه (إلى النبي ﷺ فقال) ذلك الرجل: (إني تزوجت) أي نكحت (امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : هل نظرت إليها) فقال الرجل: لا، فقال: له النبي ﷺ : فاذهب إليها فانظرها (فإن في عيون الأنصار شيئًا) من النقص وهو صغرها على الأصح السابق، فذهب الرجل إليها فنظرها ونكحها، ثم رجع إلى النبي ﷺ فـ (قال: قد نظرت إليها) وتزوجتها (قال) له النبي ﷺ : (على كم) من الصداق (تزوجتها؟ قال) الرجل: (على أربع أواق) من الفضة تزوجتها، جمع أوقية بضم الهمزة وتخفيف الياء المفتوحة، والأوقية أربعون درهمًا، والجملة مائة وستون درهمًا، وبهذه التقارير التي ذكرناها تتحد واقعة هذه الرواية مع واقعة الرواية الأولى، وبعضهم جعلهما واقعتين لاختلاف مساقهما كما قد عرفت آنفًا (فقال له النبي ﷺ أ (على أربع أواق) تزوجت؟ بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري الاستبعادي (كأنما تنحتون) بكسر الحاء من باب ضرب أي كأنكم أيها الصعاليك تنحتون أي تنجرون وتقطعون (الفضة) وتصبغونها من النحت وهو النجر والقطع، ومنه قوله: تعالى: (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) [الشعراء / ١٤٩ وقوله تعالى: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) [الصافات / ٩٥] والنحات النجار (من عُرْض هذا الجبل) كأنه يشير إلى جبل أحد، والعُرض
стр. 6258
مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ. وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ" قَال: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ. بَعَثَ ذلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ.
٣٣٦٧ - (١٣٤٦) (٩٦) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعنِي
ــ
-بضم العين وسكون الراء- جانبه وسفحه، وأما العرض -بفتحها وسكون الراء- خلاف الطول وعرض البحر والنهر والمال الوسط من ذلك قاله الحربي، وهذا الإنكار على هذا الرجل المتزوج على أربعة أواق ليس إنكارًا لأجل المغالاة والإكثار في المهر فإنه ﷺ قد أصدق نساءه خمسمائة درهم وأربعة أواق مائة وستون درهمًا، وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل فإنه كان فقيرًا في تلك الحال فأدخل نفسه في مشقة تعرض للسؤال بسببها ولذلك قال له: (ما عندنا ما نعطيك) ونساعدك، ما الأولى نافية، والثانية موصولة، ثم إن النبي ﷺ بكرم أخلاقه ورأفته ورحمته جبر منكسر قلبه بقوله: (ولكن عسى أن نبعثك) أي نرجو أن نبعثك ونرسلك (في بعث) أي مع جيش مبعوث للغزو يعني به سرية تبعث في الغزو فـ (تصيب منه) أي فتفوز من ذلك البعث مالًا يساعدك على هذا المهر أي تصل بسببه إلى المال، ومن تجيء بمعنى الباء (قال) أبو هريرة: (فبعث) رسول الله ﷺ (بعثًا) أي سرية تغزو (إلى بني عبس) قبيلة مشهورة و (بعث ذلك الرجل فيهم) أي معهم فأصاب حاجته ببركة دعاء النبي ﷺ ، وعبارة المشارق: (وبعث ذلك فيهم) بالواو العاطفة.
(تتمة): قوله: (أربع أواق) جمع أوقية كأثاف في جمع أثفية، والأصل فيهما التشديد لأنهما في تقدير أفعولة كأعجوبة وأضحوكة فحق الجمع فيهما أواقي وأثافي بإعراب ظاهر على الياء المشددة وتخفيف الياء للتخفيف فيقدر الإعراب فيهما في حالتي الرفع والجر، ويظهر في حالة النصب كالمنقوص، ويقال في مفرده وقية بضم الواو والفتح لغة فيجمع على وقايا كعطايا في جمع عطية، والأوقية تساوي في زماننا (١٢٥) غ، والدرهم يعادل في زماننا (١٢) و (١/ ٣) غ اهـ من بعض الهوامش.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث سهل بن سعد الساعدي ﵄ فقال:
٣٣٦٧ - (١٣٤٦) (٩٦) (حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي) البلخي (حدثنا يعقوب يعني
стр. 6259
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ. قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالت: يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي. فَنَظَرَ إِلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ
ــ
ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى قارة اسم قبيلة، المدني، ثقة، من (٨) روى عنه في (٧) أبواب (عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة، من (٥) روى عنه في (١٢) بابا (عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وواحد بلخي (ح وحدثناه قتيبة) بن سعيد (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار التمار المخزومي مولاهم المدني، صدوق، من (٨) (عن أبيه) أبي حازم (عن سهل بن سعد الساعدي) وهذا السند أيضًا من رباعياته، غرضه بهذا التحويل بيان متابعة عبد العزيز ليعقوب (قال) سهل بن سعد: (جاءت امرأة) لم أقف على اسمها (إلى رسول الله ﷺ فقالت) له: (يا رسول الله جئت) إليك حالة كوني (أهب لك نفسي) أي أمر نفسي، قال الحافظ: فيه حذف مضاف تقديره أمر نفسي أو نحوه وإلا فالحقيقة غير مرادة لأن رقبة الحر لا تُملك فكأنها قالت: أتزوجك من غير صداق، قال: وفيه أن الهبة في النكاح خاصة بالنبي ﷺ لقول الرجل زوجنيها ولم يقل هبها لي ولقولها هي وهبت نفسي لك وسكت النبي ﷺ على ذلك فدل على جوازه له خاصة مع قوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وفيه جواز انعقاد نكاحه ﷺ بلفظ الهبة دون غيره من الأمة على أحد الوجهين للشافعية، والآخر: لا بد من لفظ النكاح أو التزويج، وسيأتي البحث فيه عند قوله: فقد ملكتها بما معك من القرآن، وقال السندي رحمه الله تعالى: هبة الحرة نفسها لا تصح فتحمل على تزويج نفسها منه بلا مهر مجازًا أو تفويض الأمر إليه، والثاني أظهر وأنسب بتزويجه ﷺ إياها من غيره اهـ (فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعّد) بتشديد العين المهملة من صعد أي رفع (النظر فيها) أي نظر إلى أعلاها (وصوّبه) بتشديد الواو أي خفض النظر فيها والمراد
стр. 6260
ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيئًا، جَلَسَتْ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ
ــ
أنه نظر أعلاها وأسفلها والتشديد في الفعلين إما للمبالغة في التأمل، وإما للتكرير، وفيه جواز تأمل محاسن النساء لإرادة تزويجها وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها لأنه ﷺ صعد النظر فيها وصوبه، وفي الصيغة ما يدل على المبالغة في ذلك ولم يتقدم منه رغبة فيها ولا خطبة، ثم قال: لا حاجة لي في النساء، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أن يقبلها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة، ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة والذي تحرر عندنا أنه ﷺ كانا لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره، وسلك ابن العربي في الجواب عن ذلك مسلكًا آخر فقال: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب أو بعده لكنها كانت متلففة وسياق الحديث يبعد ما قال كذا في الفتح (ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه) أي خفض وأطرق رأسه عنها، قال القرطبي: هذا دليل على جواز نظر الخاطب إلى المخطوبة وتأمله ما لاح من محاسنها لكن وعليها ثيابها كما قال مالك، وقوله: (ثم طأطأ رأسه) هو بمعنى قوله: (فصمت) في رواية معمر والثوري، وقال في رواية فضيل بن سليمان (فلم يردها) وفي بعض الروايات (فلم يجبها شيئًا) ووقع في رواية سفيان عند البخاري (إنها أعادت الطلب ثلاثًا) ووقع في رواية حماد بن زيد أنها وهبت نفسها لله ولرسوله فقال: "ما لي حاجة في النساء" قال الحافظ: ويجمع بينها وبين ما تقدم بأنه قال ذلك في اخر الحال فكأنه صمت أولًا لتفهم أنه لم يردها فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع (فلما رأت المرأة) وعرفت (أنه) ﷺ (لم يقض فيها شيئًا) من قبول أو رد صريح (جلست) فيؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدة رغبتها لأنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب وفهمت من السكوت عدم الرغبة لكنها لما لم تيأس من الرد جلست تنتظر الفرج، وسكوته ﷺ إما حياةً من مواجهتها بالرد وكان ﷺ شديد الحياء جدًّا كما ورد في صفته إنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكرًا في جواب يناسب المقام (فقام رجل من أصحابه) الجالسين عنده، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وكان من الأنصار كما في رواية الطبراني (فقال يا رسول الله أن لم يكن لك بها حاجة) ولا
стр. 6261
فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَال: "فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؟ " فَقَال: لَا. واللَّهِ، يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَال: "اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ
ــ
يعارض هذا قوله في حديث حماد بن زيد لا حاجة لي لجواز أن تتجدد الرغبة فيها بعد أن لم تكن، وفيه أن الصحابي لو فهم أن للنبي ﷺ فيها رغبة لم يطلبها فكذلك من فهم أن له رغبة في تزويج امرأة لا يصلح لغيره أن يزاحمه فيها حتى يظهر عدم رغبته فيها إما بالتصريح أو ما في حكمه (فزوجنيها) فيه أن الفقير يجوز له نكاح من علمت بحاله ورضيت به إذا كان واجدًا للمهر وكان عاجزًا عن غيره من الحقوق لأن المراجعة وقعت في وجدان المهر وفقده لا في قدر زائد قاله الباجي، وتعقب باحتمال أن يكون النبي ﷺ اطلع من حال الرجل على أنه يقدر على اكتساب قوته وقوت امرأته ولا سيما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلة المال والقناعة باليسير (فقال) له رسول الله ﷺ : (فهل عندك من شيء) تمهرها، زاد في رواية مالك تصدقها، وفي حديث ابن مسعود: ألك مال؟ قال الحافظ: وفيه أن النكاح لا بد فيه من الصداق لقوله: هل عندك من شيء تصدقها؟ وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وهب له دون الرقبة بغير صداق، وفيه أن الأولى أن يذكر الصداق في العقد لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة فلو عقد بغير ذكر صداق صح، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل بالعقد ووجه كونه أنفع لها أنه يثبت لها نصف المسمى أن لو طلقت قبل الدخول، وفيه استحباب تعجيل تسليم المهر اهـ.
(فقال) الرجل: (لا) زاد في رواية هشام بن سعد قال: لا بد لها من شيء، وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي: عندك شيء؟ قال: لا، قال: إنه لا يصلح. ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد قوله لا حاجة لي ولكن تملكيني أمرك؟ قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم فدعا رجلًا فقال: إني أريد أن أزوجك هذا إن رضيت! فقالت: ما رضيت لي فقد رضيت، وهذا إن كانت القصة متحدة يحتمل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد أن سأله الرجل أن يزوجها له فاسترضاها أولًا ثم تكلم معه في الصداق، وإن كانت القصة متعددة فلا إشكال. أي فقال الرجل: ما عندي شيء (والله يا رسول الله) وفي هذا جواز الحلف بغير الاستحلاف للتأكيد لكنه يكره بغير ضرورة قاله الحافظ (فقال) له رسول الله ﷺ : (اذهب إلى أهلك) أي إلى أزواجك، ووقع في حديث أبي هريرة قال: قم إلى النساء، فقام إليهن فلم يجد عندهن شيئًا؛ والمراد
стр. 6262
فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيئًا؟ " فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَال: لَا. وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيئًا. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرْ وَلَوْ خَاتمٌ مِنْ حَدِيدٍ" فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ. فَقَال: لَا. وَاللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتمٌ مِنْ حَدِيدٍ. وَلَكِنْ هذَا إِزَارِي. (قَال سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ) فَلَهَا نِصْفُهُ. فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَصْنَعُ بِإزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيءٌ. وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنْهُ شَيءٌ"
ــ
بالنساء أهل الرجل كما دلت عليه رواية الباب (فانظر هل تجد) عندهم (شيئًا فذهب إلى أهله ثم رجع) إلى النبي ﷺ (فقال) للنبي ﷺ (لا والله ما وجدت شيئًا) من المال عند أهلي، ولفظ ما تأكيد للنفي المفهوم من لا (فقال) له (رسول الله ﷺ : انظر) أي اطلب شيئًا من المال (ولو) حصل لك (خاتم من حديد) قال الحافظ: لو فيه تقليلية، وقال النووي: قوله ولو خاتم بالرفع هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها ولو خاتمًا بالنصب وهذا واضح لأنه خبر لكان المحذوفة، ولو كان الذي تلتمسه خاتمًا من حديد والأول صحيح أيضًا لأنه فاعل فعل محذوف تقديره ولو حصل لك خاتم من حديد، ثم قال النووي: وفي هذا الحديث جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف حكاه القاضي ولأصحابنا في كراهيته وجهان أصحهما لا يكره اهـ (فذهب) الرجل مرة ثانية (ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله) أي والله يا رسول الله ما حصل لي شيء من المال (ولا خاتم من حديد) بالرفع معطوف على ما قدرناه (ولكن) استدراك على النفي السابق فتفيد إثباتًا أي ولكن (هذا إزاري) موجودًا فأصدقها إياه (قال سهل) بن سعد الراوي وهو من كلام أبي حازم (ماله رداء) أي هذا إزاري (فلها نصفه) صداقًا لها، وفي فتح الملهم الذي قال (فلها نصفه) هو الرجل صاحب القصة، وكلام سهل إنما هو قوله ما له رداء فقط وهي جملة معترضة وتقدير الكلام ولكن هذا إزاري فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسان محمد بن مطرف، ولفظه ولكن هذا إزاري ولها نصفه، قال سهل وما له رداء (فقال) له (رسول الله ﷺ : ما تصنع) وتستفيد (بإزارك) أيها الرجل (إن لبسته) أنت (لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته) هي (لم يكن عليك منه شيء) وقوله: (لم يكن عليها منه شيء) قال الحافظ: أي إن لبسته كاملًا وإلا فمن المعلوم من ضيق حالهم وقلة الثياب عندهم أنها لو لبسته بعد أن تشقه لم يسترها، ويحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال لأن
стр. 6263
فَجَلَسَ الرَّجُلُ. حَتَّى إِذَا طَال مَجْلِسُهُ قَامَ. فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُوَلِّيًا. فَأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ. فَلَمَّا جَاءَ قَال: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ " قَال: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. (عَدَّدَهَا) فَقَال: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ"؟ قَال: نَعَمْ. قَال: "اذْهَبْ فَقَدْ مُلِّكْتَها
ــ
العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى كماله؛ والمعنى لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسته ولا هي، وفي رواية معمر عند الطبراني والله ما وجدت شيئًا غير ثوبي هذا أشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضل عنك، وفيه نظر الإمام في مصالح رعيته وإرشاده إلى ما يصلحهم اهـ. (فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه) أي جلوسه (قام) ليذهب (فرآه رسول الله ﷺ حالة كونه (موليًا) أي مدبرًا ظهره إليهم (فأمر به) رسول الله ﷺ من عنده بدعائه (فدُعي) الرجل (فلما) رجع و (جاء) إلى رسول الله ﷺ (قال) له رسول الله ﷺ : (ماذا) أي ما الذي (معك) أو أي شيء معك (من القرآن) يحتمل أن يكون هذا بعد قوله كما في رواية مالك: "هل معك من القرآن شيء؟ " فاستفهمه حينئذٍ عن كميته ووقع الأمران في رواية معمر قال: "فهل تقرأ من القرآن شيئًا؟ " قال: نعم، قال: "ماذا؟ " قال: سورة كذا. وعُرف بهذا المراد بالمعية وأن معناها الحفظ عن ظهر قلبه كما سيأتي التصريح به إن شاء الله تعالى (قال) الرجل (معي سورة كذا وسورة كذا) حالة كونه (عدّدها) أي ذكر عدد السور التي عنده، وهو مدرج من كلام الراوي، وفي فتح الملهم: السورتان البقرة والمفصل، وقيل: إنا أعطيناك الكوثر، وفي حديث أبي أمامة زوّج النبي ﷺ رجلًا من أصحابه امرأة على سورة المفصل جعلها مهرها وأدخلها عليه، وقال: "علّمها". وفي حديث أبي هريرة: "فعلّمها عشرين آية" وهي امرأتك (فقال) له رسول الله ﷺ : أ (تقرؤهن) بتقدير همزة الاستفهام أي هل تقرأ السور التي عدّدتها (عن ظهر قلبك؟ قال) الرجل: (نعم) أقرؤهن عن ظهر قلبي فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (أذهب) بها (فقد مُلّكتها) بضم الميم وكسر اللام المشددة على صيغة المبني للمجهول، والفاعل هو رسول الله ﷺ ، قال النواوي: هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: (ملكتكها) بكافين وتاء المتكلم وكذا رواه البخاري، وفي رواية أخرى زوجتكها اهـ، قال الحافظ: واستدل به على
стр. 6264
بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ".
هذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ. وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ فِي اللَّفْظِ.
٣٣٦٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثناه خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ
ــ
جواز ثبوت العقد بدون لفظ النكاح والتزويج، وخالف في ذلك الشافعي، ومن المالكية ابن دينار وغيره، والمشهور عن المالكية جوازه بكل لفظ دل على معناه إذا قُرن بذكر الصداق أو قصد النكاح كالتمليك والهبة والصدقة والبيع ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة ولا العارية ولا الوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة، وأجازه الحنفية بكل لفظ يقتضي التأبيد مع القصد وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله ﷺ : ملكتكها لكن ورد أيضًا بلفظ زوجتكها، قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصة واحدة، واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث فالظاهر أن الواقع من النبي ﷺ أحد الألفاظ المذكورة فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل الدارقطني: أن الصواب رواية من روى زوجتكها وأنهم أكثر وأحفظ، قال: وقال بعض المتأخرين: يحتمل صحة اللفظين ويكون أنه قال: لفظ التزويج أولًا ثم قال: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق، قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد.
أي اذهب فقد ملكتها (بـ) تعليم (ما معك من القرآن) قال العيني: احتج به الشافعي وأحمد في رواية والظاهرية على أن التزويج على سورة من القرآن مسماة جائز وعليه أن يعلّمها، وقال الترمذي عقب الحديث المذكور: قد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث فقال: إن لم يكن شيء يصدقها وتزوّجها على سورة من القرآن فالنكاح جائز ويعلّمها السورة من القرآن، وقال بعض أهل العلم: النكاح جائز ويجعل لها صداق مثلها وهو قول أهل الكوفة وأحمد وإسحاق اهـ (هذا) الحديث المذكور (حديث ابن أبي حازم) أي لفظ حديثه (وحديث يعقوب) بن عبد الرحمن القاري (يقاربه) أي يقارب حديث ابن أبي حازم (في اللفظ) أي في لفظه وكذا في معناه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٠٨٧]، وأبو داود [٢١١١]، والترمذي [١١١٤]، والنسائي [١١٣/ ٦].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سهل بن سعد ﵄ فقال:
٣٣٦٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه خلف بن هشام) بن ثعلب البزار البغدادي، ثقة، من
стр. 6265
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ. ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْب. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بن عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ. كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهذَا الْحَدِيثِ. يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ قَال: "انْطَلِق فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا. فَعَلَّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ".
٣٣٦٩ - (١٣٤٧) (٩٧) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا عَندُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَني يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَة بْنِ الهَادِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ
ــ
(١٠) (حدثنا حماد بن زيد) الأزدي البصري، ثقة، من (٨) (ح وحدثنيه زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (عن) عبد العزيز بن محمد بن عبيد (الدراوردي) الجهني المدني، صدوق، من (٨) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي، ثقة، من (٩) (عن زائدة) بن قدامة الثقفي الكوفي، ثقة، من (٧) (كلهم) أي كل هؤلاء المذكورين من حماد بن زيد وسفيان والدراوردي وزائدة رووا (عن أبي حازم عن سهل بن سعد) الساعدي (بهذا الحديث) غرضه بيان متابعة هؤلاء الأربعة ليعقوب القاري وعبد العزيز بن أبي حازم حال كونهم (يزيد بعضهم على بعض) بعض الكلمات (غير أن) أي لكن أن (في حديث زائدة) بن قدامة وروايته (قال انطلق) أي اذهب أيها الرجل بها (فقد زوجتكها) بما معك من القرآن (فعلّمها من القرآن) قال القرطبي: يعني به السور التي عدّدها له وأخبره بحفظها وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى بما معك من القرآن والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
ثم استشهد المؤلف لحديث سهل بن سعد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال:
٣٣٦٩ - (١٣٤٧) (٩٧) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي (حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي المدني (حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد) الليثي المدني، ثقة، من (٥) (ح وحدثني محمد) بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (المكي واللفظ) الآتي (له) أي لمحمد بن يحيى (حدثنا عبد العزيز) الدراوردي (عن
стр. 6266
يَزِيدَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ إِبرَاهِيمَ، عَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ؟ أَنَّهُ قَال: سَألتُ عَائِشَةَ زَوجَ النبِي ﷺ : كَم كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالت: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزوَاجِهِ ثِنْتَي عَشرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالت: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَال: قُلْتُ: لَا. قَالت: نِصفُ أُوقِية. فَتِلكَ خَمسُمِائةِ دِرهَمٍ. فَهذَا صَدَاقُ رَسُولِ الله ﷺ لأَزواجِهِ
ــ
يزيد) بن عبد الله بن الهاد الليثي المدني (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة، من (٤) (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني (أنه قال: سألت عائشة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها. وهذان السندان من سداسياته رجالهما كلهم مدنيون إلا إسحاق بن إبراهيم في السند الأول فإنه مروزي وإلا محمد بن أبي عمر في السند الثاني فإنه مكي، أي سألتها بقولي: (كم كان صداق) أزواج (رسول الله ﷺ وهو بفتح الصاد لغة اسم للشديد الصلب بفتح الصاد أي الشديد القوي سمي الصداق الشرعي بذلك لأنه أشد الأعواض لزومًا من جهة عدم سقوطه بالتراضي، وشرعًا اسم لمال واجب للمرأة على الرجل بنكاح أو وطء شبهة أو موت كما في موت كل من الزوجين أو أحدهما في التفويض. وله أسماء كثيرة تبلغ أحد عشر اسما نظمها بعضهم في بيتين:
صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق
وطول نكاح ثم خرس تمامها ... ففرد وعشر عد ذاك موافق
وزيد على ذلك عطية فله اثنا عشر اسما، ويقال له صدقة أيضًا، وتُجمع على صدقات سُمي بالصداق لدلالته على صدق باذله في الرغبة في النكاح (قالت) عائشة: (كان صداقه) ﷺ (لأزواجه ثنتي عشرة أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء، والمراد بها أوقية الحجاز وهي أربعون درهمًا (ونشًّا) بنون مفتوحة ثم شين مشددة، قال أبو سلمة: (قالت) لي عائشة: (أتدري) أي هل تعلم (ما النشُّ؟ قال) أبو سلمة: (قلت) لها: (لا) أدري (قالت) هو (نصف أوقية) عشرون درهمًا (فتلك) الأواقي المذكورة مع النش (خمسمائة درهم فهذا) العدد المذكور (صداق رسول الله ﷺ الذي أصْدقه (لـ) أغلب (أزواجه) قال القرطبي: وهذا القول من عائشة إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبي ﷺ لأن صفية من جملة أزواجه وأصدقها نفسها أي
стр. 6267
٣٣٧٠ - (١٣٤٨) (٩٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ) عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ
ــ
جعل عتقها صداقها، وزينب بنت جحش لم يُذكر لها صداق، وأم حبيبة بنت أبي سفيان أصْدقها النجاشي أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة فدل على أن المراد بقولها ما ذكرناه اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢١٠٥]، والنسائي [١١٦/ ٦ و ١١٧].
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير بحديث أنس بن مالك ﵁ فقال:
٣٣٧٠ - (١٣٤٨) (٩٨) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (وأبو الرّبيع) الزهراني (سليمان بن داود العتكي) البصري (وقتيبة بن سعيد) الثقفي البلخي (واللفظ) الآتي (ليحيى) بن يحيى (قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس بن مالك) البصري ﵁. وهذا السند من رباعياته رجاله كلهم بصريون إلا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد.
(أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني أحد العشرة المبشرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين (أثر صفرة) أي أثر وبقية طيب ذي صفرة أي صاحب لون أصفر يعني أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس ولم يقصده ولا تعمد التزعفر؛ أي رأى عليه شيئًا قليلًا علق به من الطيب استعمله عند الزفاف، وفي رواية البخاري (وعليه وضر من صفرة) بفتح الواو والضاد المعجمة هو التلطخ بخلوق أو طيب له لون، وقد صرح به في بعض الروايات بأنه أثر زعفران (فإن قلت): جاء النهي عن التزعفر فما الجمع بينهما (قلت): كان يسيرًا فلم ينكره، وقيل إن ذلك علق به من ثوب المرأة من غير قصد، وقيل كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا لسروره وزواجه، وقيل كانت المرأة تكسوه إياه، وقيل إنه كان فعل ذلك ليُعان على الوليمة، وقال ابن عباس: أحسن الألوان الصفرة، قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ
стр. 6268
فَقَال: "مَا هذَا؟ " قَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَال: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ. أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"
ــ
لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قال: فقرن السرور بالصفرة، ولما سئل عبد الله بن عمر عن الصبغ بها قال: رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أصبغ بها وأحبها.، وقال أبو عبيد: كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه، وقيل: يحتمل أن ذلك كان في ثوبه لا في بدنه، ومذهب مالك جوازه وحكاه عن علماء بلده، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجال كذا في عمدة القاري (فقال) له رسول الله ﷺ : (ما هذا) الأثر الذي أراه عليك؟ وفي هذا سؤال الإمام والكبير أصحابه. وأتباعه عن أحوالهم ولا سيما إذا رأى منهم ما لم يعهد، وفيه جواز خروج العروس وعليه أثر العرس من خلوقٍ وغيره (قال) عبد الرحمن: (يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب) أي على ذهب يزن نواة تمر، وفي المرقاة قال القاضي: النواة اسم لخمسة دراهم كما أن النش اسم لعشرين درهمًا، والأوقية اسم لأربعين درهمًا، وقيل معناه على ذهب قيمته تساوي خمسة دراهم وهذا لا يساعده اللفظ، وقيل المراد بالنواة نواة التمر ولبه وهذا الأخير هو الظاهر المتبادر أي مقدارها من الذهب وهو سدس مثقال تقريبًا، وقد يوجد بعض النوى يزن ربع مثقال أو أقل وقيمته تساوي عشرة دراهم، ويمكن أن يحمل على المعنى الأول فمعناه على مقدار خمسة دراهم وزنًا من الذهب يعني ثلاثة مثاقيل ونصفًا ذهبًا وهذا بعيد كما في الفتح.
قال الحافظ: واستدل به على استحباب تقليل الصداق لأن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة، وقد أقره النبي ﷺ على إصداقه وزن نواة من ذهب، وتعقب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهرت منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر وذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له (قال) له النبي ﷺ : (فبارك الله لك) الفاء زائدة لتزيين الخط أو للإفصاح تقديره إذا كان شأنك ذلك فأقول لك بارك الله لك في زواجك (أو لم) أمر من الوليمة وهي ضيافة تتخذ للعروس (ولو) كانت وليمتك وضيافتك (بشاة) مشتقة من الولم وهو الجمع لأن الزوجين يجتمعان قاله الأزهري وغيره، قال ابن الأنباري: أصلها تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها أو لم، وقد ذهب بعضهم إلى وجوبها لظاهر الأمر، والأكثرون على أنها مستحبة اهـ ابن الملك، والمستفاد
стр. 6269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من هذا الحديث ومما يأتي من الأحاديث أن وقت الوليمة بعد الدخول.
قوله: (فبارك الله لك) فيه استحباب الدعاء للمتزوج بالبركة وهو المشروع ولا شك أنها لفظة جامعة يدخل فيها كل مقصود من ولد وغيره، وفي بعض الروايات قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أصيب ذهبًا أو فضة فكأنه قال ذلك إشارة إلى إجابة الدعوة النبوية بأن يبارك الله له، وفي رواية معمر عن ثابت قال أنس: فلقد رأيته قسم لكل امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف، قلت: مات عن أربع نسوة فيكون جميع تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف.
قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع الوليمة للعرس، والخرس -بضم الخاء المعجمة- ويقال أيضًا الخرص بالصاد المهملة للولادة، والإعذار -بكسر الهمزة وبالعين المهملة والذال المعجمة- للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر مأخوذة من النقع وهو الغبار، ثم قيل إن المسافر يصنع الطعام، وقيل يصنعه غيره له، والعقيقة يوم سابع الولادة، والوضيمة -بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة- الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال وفتحها- الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب والله أعلم. قال الحافظ: وقد فاتهم ذكر الحذاق -بكسر المهملة وتخفيف الذال المعجمة اخره قاف- الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبي ذكره ابن الصباغ في الشامل، وقال ابن الرفعة: هو الذي يصنع عند ختم القرآن كذا قيده، ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن يطرّد ذلك في حذقه لكل صناعة، قال: وفي حديث عثمان بن أبي العاص عند أحمد في وليمة الختان لم يكن يدعى لها اهـ وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال:
وليمة عرس ثم خرس ولادة ... عقيقة مولود وكيرة ذي بنا
وضيمة موت ثم إعذار خاتن ... نقيعة سفر والمؤدب للثنا
وقد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعًا عند الطبراني في الأوسط: الوليمة حق وسنة فمن دُعي فلم يجب فقد عصى. قال ابن بطال: قوله الوليمة حق أي ليست بباطل بل يندب إليها وهي سنة فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها كذا قال، والإجابة إليها واجبه إلا لعذر كما هو مبسوط في كتب الفروع، وقال
стр. 6270
٣٣٧١ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيدٍ الغُبَريُّ. حَدَّثنَا أبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَة، عَنْ أنَسٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَال لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ"
ــ
الزركشي بعد كلام طويل: ولا تجب الإجابة في زماننا لأن المحافل لا تخلو عن منكر ما. وإذا كان زمانهم كذلك فكيف زماننا الذي جُعل فيه الحرام حلالًا والعياذ بالله تعالى.
قوله: (ولو بشاة) لو تقليلية واستدل به على أن الشاة أقل ما يجزئ عن الموسر ولولا ثبوت أنه ﷺ أو لم على بعض نسائه بأقل من شاة لكان يمكن أن يستدل به على أن الشاة أقل ما تجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بد من تقييده بالقادر عليها ويستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يقدر اهـ فتح الملهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٥٠٧٣]، وأبو داود [٢٠٥٤]، والترمذي [١١١٥]، والنسائي [٦/ ١١٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أنس ﵁ فقال:
٣٣٧١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن عبيد) بن حساب -بكسر الحاء وتخفيف السين المهملة- (الغبري) بضم المعجمة وتخفيف الموحدة المفتوحة، نسبة إلى بني غبر اسم قبيلة، البصري ثقة من (١٠) (حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة، من (٧) (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من (٤) (عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري ﵁. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة قتادة لثابت بن أسلم (أن عبد الرحمن بن عوف تزوج) امرأة من الأنصار (على عهد رسول الله ﷺ على وزن نواة من ذهب فقال له رسول الله ﷺ : أولم ولو بشاة) وقوله: (أولم ولو بشاة) قال القرطبي: ظاهره الوجوب، وبه تمسك داود في وجوب الوليمة وهو أحد قولي الشافعي ومالك ومشهور مذهب مالك، والجمهور أنها مندوب إليها وقوله: (ولو بشاة) دليل على أن التوسعة في الوليمة أولى وأفضل لمن قدر عليه، وإن أقل ما يوسع به من أراد الاقتصار شاة، قال القاضي عياض: ولا خلاف في أنه لا حد لها ولا توقيت، واختلف السلف في تكرارها زيادة
следующие страницы →