← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

٤٠٨٧ - (١٥٧٠) (١٣٤) حدَّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ــ أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع وأنه مما يستحب وخصوصًا في الآباء فإنها مبالغة في برهم والقيام بحقوقهم بل قال الشافعي: إذا علم الوارث أن مورثه فرّط في زكوات أو واجبات مالية وجب عليه إخراج ذلك من رأس المال كالدّين، وقال مالك: إن أوصى بذلك أخرج من الثلث وإلا فلا، وقال بعض أصحابه: إذ عُلم أنه لم يخرج الزكاة أُخرجت من رأس المال وصى بها أو لم يوص قاله أشهب، وهو الصحيح لأن ذلك دين الله وقد قال ﷺ : "دَين الله أحق بالقضاء" أو نقول هو من جملة ديون الآدميين لأنه حق الفقراء وهم موجودون وليس للوارث حق إلا بعد إخراج الدين والوصايا اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث النسائي [٦/ ٢٥١]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٤٠٨٧ - (١٥٧٠) (١٣٤) (حدثنا زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد) القطان (عن هشام بن عروة أخبرني أبي) عروة (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته (أن رجلًا) من المسلمين اسمه سعد بن عبادة، وقد صرح باسم سعد بن عبادة في صحيح البخاري في رقم [٢٧٥٦]، ورقم [٢٧٦١] واسم أمه عمرة بنت مسعود كما قال ابن سعد وغيره، وانظر فتح الباري [٥/ ٣٨٦ و ٣٨٩] اهـ من تنبيه مبهمات مسلم. (قال للنبي ﷺ : إن أمي) عمرة بنت مسعود (افْتُلِتَت) بضم التاء وكسر اللام بالبناء للمجهول (نفسها) أي روحها بالرفع على أنه نائب فاعل لافتلتت أي أُخذت وقُبضت روحها فلتة أي بغتة وفجأة، وقد رُوي نصب نفسها على أنه المفعول الثاني لافتلتت والمفعول الأول ضمير ناب عن الفاعل استتر في الفعل أي افتلتت وأخذت هي نفسها أي سُلبت أمي نفسها بغتة أي فجأة بلا سبب ولا مرض يقال: افتلت الرجل بالبناء للفاعل إذا سلبه وافتلت الرجل بالبناء للمجهول إذا فوجئ قبل أن يستعد له

стр. 7282

وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ. فَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ" ــ وعلى كل حال فالمراد أنها ماتت فجأة (وإني أظنها) أنها (لو تكلمت) أي قدرت على الكلام (تصدقت) وتبرعت بمالها، قال القرطبي: ظن ذلك بما علم من قصدها للخير وفعلها للمعروف، وقد رُوي أن هذا السائل كان سعد بن عبادة (احتضرت أمه في غيبة سعد) فقيل لها: أوصي، فقالت: إنما المال لسعد، فتوفيت قبل قدومه فسأل سعد النبي ﷺ عن ذلك اهـ من المفهم، أ (فلي أجر) بتقدير همزة الاستفهام الاستخباري أي فهل لي أجر وثواب في (أن أتصدق عنها) أي في تصدقي عنها (قال) النبي ﷺ في جوابه: (نعم) لك أجر في التصدق عنها ذكر المصنف اختلاف الروايات في الحديث فوقع في بعضها (فلي أجر) وفي بعضها (فهل لي أجر) وفي أخرى: (أفلها أجر) وجواب النبي ﷺ في كلتا الروايتين بنعم فيحصل منه أن الثواب في مثله للمهدي والمهدى إليه كليهما واختلاف الرواة لعله نشأ بأن كلا ذكر ما لم يذكره الآخر وكان السؤال عن أجر كليهما والله أعلم اهـ من التكملة، وعبارة القرطبي في الرواية الآتية (أفلها أجر) ولا تعارض بين الروايتين لأنه يمكن أن يكون سأل النبي ﷺ بالصيغتين فأجابه بمجموعهما غير أنه حدّث تارة بإحداهما وتارة بالأخرى أو يكون من نقل بعض الرواة عنه ومعنى الجمع بينهما صحيح لأنه يكون لها أجر بما تصدق عنها وله أجر بما برّها به وأدخله عليها اهـ من المفهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٢٧٦٠]، وأبو داود [٢٨٨١]، والنسائي [٦/ ٢٥٠]. (واعلم) أنه قد أنكرت المعتزلة ومن وافقهم في عصرنا من الفرق الباطلة وصول الثواب إلى الميت استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وأجاب عنه بعضهم بأنه قيدته الأحاديث الصحيحة المشهورة أو خصصته بغير إيصال الثواب أو بأن إهداء الثواب إنما يكون لإيمان المهدي إليه وعمله الصالح وهو من جملة ما سعى في حياته، والأحسن ما أجاب به ابن الصلاح في فتاواه ص (٩) فقال: معنى الآية لا حق له ولا جزاء إلا فيما سعى ولا يدخل فيه ما يتبرع به الغير من قراءة أو دعاء وإنه لا حق له في ذلك ولا مجازاة وإنما أعطاه الغير تبرعًا. وأوضحه شيخ الإسلام ابن تيميمة في فتاواه [٧/ ٤٩٩] بقوله ليس له إلا سعيه وهذا حق فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي

стр. 7283

٤٠٨٨ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا. وَلَمْ تُوصِ. وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ. أَفَلَهَا ــ نفسه وأما سعي غيره فلا يملكه ولا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، وقال في موضع من فتاواه [٢٤/ ٣٦٧] لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه وإنما قال ليس للإنسان إلا ما سعى فهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك، وأما سعي غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز وهكذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليهم ودعائهم له عند قبره. وذكر ابن تيمية أيضًا رحمه الله تعالى في رسالته في شرح حديث أبي ذر أنه قد بين في غير ما موضع نحوًا من ثلاثين دليلًا شرعيًّا يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره إذ الآية إنما نفت استحقاق السعي وملكه وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه. راجع له مجموعة الرسائل المنيرية [٣/ ٢٠٩] وهذا عندي أحسن ما قيل في هذا الباب والله أعلم اهـ من التكملة. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٤٠٨٨ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) بضم النون مصغرًا الهمداني بسكون الميم أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة، حافظ، من (١٠) روى عنه في (١٠) أبواب تقريبًا (حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافضة العبدي، الكوفي ثقة، من (٩) (حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة محمد بن بشر ليحيى القطان (أن رجلًا) سعد بن عبادة (أتى النبي ﷺ فقال) له: (يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها) بالرفع والنصب كما مر أي قبضت روحها بغتة (ولم توص) شيئًا من التبرعات (وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها

стр. 7284

أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ". ٤٠٨٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا شُعَيبُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيعٍ). حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ وَرَوْحٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: فَهَلْ لِي أَجْرٌ؟ كَمَا قَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ــ أجر إن تصدقت عنها؟ قال) له النبي ﷺ : (نعم) لها أجر ما تصدقت عنها. وكرر متن الحديث لما بين الروايتين من المخالفة بينهما وتقدم لك بيان كيفية الجمع بينهما. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٤٠٨٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة، من (٩) روى عنه في (١٧) بابا (ح وحدثني الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي القنطري نسبة إلى القنطرة موضع ببغداد، صدوق، من (١٠) (حدثنا شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة، من (٩) (ح وحدثني أمية بن بسطام) بن المنتشر العيشي البصري، صدوق، من (١٠) (حدثنا يزيد يعني ابن زريع) بزاي مصغرًا التميمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من (٨) (حدثنا روح وهو ابن القاسم) التميمي العنبري البصري، ثقة، من (٦) (ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث أبو عون الكوفي المخزومي، صدوق، من (٩) (كلهم) أي كل من هؤلاء الأربعة يعني أبا أسامة وشعيب بن إسحاق وروح بن القاسم وجعفر بن عون رووا (عن هشام بن عروة بهذا الإصناد) يعني عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها. غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الأربعة ليحيى القطان ومحمد بن بشر في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة ثم بيّن ما اختلفوا فيه فقال: (أما أبو أسامة وروح ففي حديثهما فهل لي أجر كما قال يحيى بن سعيد) لكن فيه زيادة حرف الاستفهام (وأما

стр. 7285

وَأَمَّا شُعَيبٌ وَجَعْفَرٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: أَفَلَهَا أَجْرٌ؟ كَرِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ. ٤٠٩٠ - (١٥٧١) (١٣٥) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ) وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيةٍ. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ. أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" ــ شعيب وجعفر ففي حديثهما أفلها أجر كرواية ابن بشر) وهي التي تقدمت في كتاب الزكاة في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، قال النووي: وهذه الأحاديث مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩﴾. ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال: ٤٠٩٠ - (١٥٧١) (١٣٥) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة يعني ابن سعيد و) علي (بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حدثنا إسماعيل هو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني (عن أبيه) عبد الرحمن الجهني المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) أي انقطع تجدد ثواب عمله كما في النووي يعني عمله الذي يستحق به الأجر فلا ينافي ما مر من وصول ثواب الصدقات إليه كما مر (إلا من ثلاثة) أمور، ولفظ رواية غير مسلم (إلا من ثلاث) خصال، وقوله: (إلا من صدقة جارية) بدل تفصيل من مجمل من ثلاثة وفسروا الصدقة الجارية بالوقف ومعناها دوام ثوابها مدة دوامها يعني من الصدقات التي يستمر نفعها للمتصدق عليهم وهذا أكثر ما يكون في الوقف (أو علم ينتفع به) كتعليم وتصنيف، قال التاج السبكي: والتصنيف أقوى لطول بقائه على ممر الزمان ذكره المناوي، وقال ابن الملك: وتقييد العلم بالمنتفع به لكون ما لا ينتفع به لا يُثمر أجرًا (أو ولد صالح يدعو له) قيد بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره وأما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده شيء إذا كان نيته في تحصيل الخير وإنما ذكر الدعاء له تحريضًا للولد على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لأن الأجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل

стр. 7286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عملًا صالحًا سواء دعا لأبيه أو لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أو لم يدع وكذلك الأم اهـ ابن الملك. قال القرطبي: إنما جرى عمل هذه الثلاث بعد الموت على من نسبت إليه لأنه تسبب في ذلك وحرص عليه ونواه ثم إن فوائدها متجددة بعده دائمة فصار كأنه باشرها بالفعل وكذلك حكم كل ما سنه الإنسان من الخير فتكرر بعده بدليل قوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" رواه مسلم وغيره، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الزكاة وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث لأنها أصول الخير وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم والصدقة الجارية بعد الموت هي الحبس فكان حجة على من ينكر الحبس، وفيه ما يدل على الحض على تخليد العلوم الدينية بالتعليم والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح ووصيتهم بالدعاء عند موته وبعد الموت اهـ من المفهم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته أبو داود [٢٨٧٧]، والترمذي [١٣٧٦]، والنسائي [٦/ ٢٥١]. وورد في أحاديث أخر زيادة على الثلاثة وتتبعها السيوطي فبلغت أحد عشر ونظمها في قوله: إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من فعال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل ... وغرس النخل والصدقات تجري ورائة مصحف ورباط ثغر ... وحفر البئر أو إجراء نهر وبيت للغريب بناه يأوي ... إليه أو بناه محل ذكر وتعليم لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر وسبقه إلى ذلك ابن العماد فعدها ثلاثة عشر وسرد أحاديثها والكل راجع إلى هذه الثلاث. وقال النووي في شرح مسلم في باب بيان أن الإسناد من الدين: أن الصدقة تصل

стр. 7287

٤٠٩١ - (١٥٧٢) (١٣٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا سُلَيمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَال: أَصَابَ عُمَرُ ــ إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب وأما ما حكاه الماوردي من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل وخطأ بين عاطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأئمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه انتهى، وأيضًا قال النووي في موضع آخر: وفي الحديث أن الدعاء يصل ثوابه للميت وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما انتهى، قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن الصوم والصلاة وما دخل في معناهما من عمل الأبدان لا تجري فيه النيابة وقد يستدل به من يذهب إلى أن من حج عن ميت فالحج يكون في الحقيقة للحاج دون المحجوج عنه وإنما يلحقه الدعاء ويكون له الأجر في المال الذي أُعطي إن كان حج عنه بمال اهـ، وقال الحافظ شمس الدين ابن القيم: اختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر فمذهب أحمد وجمهور السلف وصولها إلى الميت وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمشهور من مذهب الشافعي ومالك أن ذلك لا يصل إلى الميت انتهى مختصرًا. قال المنذري: قال بعضهم: عمل الميت منقطع بموته لكن هذه الأشياء لما كان هو سببها من اكتسابه الولد وبثه العلم عند من حمله عنه وإبداعه تأليفًا بقي بعده ووقفه هذه الصدقة بقيت له أجورها ما بقيت ووجدت، وفيه دليل على جواز الوقف ورد على من منعه من الكوفيين لأن الصدقة الجارية الباقية بعد الموت إنما تكون بالوقف اهـ كلام المنذري اهـ من العون. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة في الصدقة الجارية وهي الوقف بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم فقال: ٤٠٩١ - (١٥٧٢) (١٣٦) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (أخبرنا سُليم) بضم السين مصغرًا، وقال في المغني: إن سليمًا كله بالتصغير إلا سليم بن حيان فما وقع في بعض المواضع من شرح النووي من أنه بفتح السين لعله سبق قلم أر سهو منه اهـ، وسُليم (بن أخضر) هذا من ثقات البصريين لا سيما في حديث عبد الله بن عون، من (٨) (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني مولاهم البصري، ثقة ثبت، من (٦) (عن نافع عن ابن عمر قال) ابن عمر: (أصاب عمر) بن الخطاب ﵁.

стр. 7288

أَرْضًا بِخَيبَرَ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيبَرَ. لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ. فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ ــ وهذا السند من خماسياته لأنه من مسند ابن عمر، وفي الرواية الآتية جعله من مسند عمر فيكون من سداسياته أي أخذ عمر (أرضًا) وصارت إليه (بـ) قسم أرض (خيبر) بين الغانمين لها حين فُتحت خيبر عنوة وقسمت أرضها بينهم (فأتى) عمر (النبي ﷺ حالة كون عمر (يستأمره) أي يستشير النبي ﷺ (فيها) أي فيما يفعل بتلك الأرض طالبًا في ذلك أمر النبي ﷺ بما رأى فيها من إمساكها أو وقفها أو هبتها أو بيعها. وقد وقع في رواية صخر بن جويرية عند البخاري في الوصايا أن اسم الأرض ثمغ وكانت نخلًا وذكر الحَمَويّ في معجم البلدان [٢/ ٨٤] أنه بسكون الميم، وقيده بعض المغاربة بالتحريك وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ حكاه الحافظ في الفتح. وقوله: (يستأمره فيها) فيه استحباب أن يستشير الرجل أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينية أو دنيوية وأن المستشار يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور وأن مثل هذا السؤال لا يدخله الرياء بخلاف ما يقوله جُهّال المتقشفة كذا في مبسوط السرخسي [١٢/ ٢١]. (فقال) عمر في الاستشارة: (يا رسول الله إني أصبت) أي أخذت في نصيبي من الغنيمة (أرضًا بخيبر) ذات نخل تسمى ثمغًا (لم أصب مالًا قط) أي لم آخذ في زمن من الأزمنة الماضية مالًا (هو أنفس عندي) أي أعز وأجود (منه) أي من المال الذي حصلته بخيبر وكان مقتضى السياق أن يقول منها ولكنه ذكّره نظرًا إلى أنها بمعنى المال، وفي العون: الضمير يرجع إلى قوله أرضًا ولعل تذكيره باعتبار تأويلها بالمال اهـ، والأنفس بمعنى النفيس، والنفيس الجيد المغتبط به يقال نفس المال من باب كرم نفاسة إذا كان جيدًا، قال الداودي: سُمي نفيسًا لأنه يأخذ النفس ويجذبها إليه كذا في فتح الباري (فما) ذا (تأمرني به) فيها فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (إن شئت حبست)

стр. 7289

أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا" ــ بتخفيف الموحدة وتشديدها أي وقفت (أصلها) أي نخلها وأرضها على ملك الله تعالى وهذا على قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: معناه حبسته على ملكك فلا تخرجها عن ملكك بالبيع والهبة (وتصدقت بها) أي بغلتها وحاصلها من حبوبها وثمارها وتصدقت بمنافعها يقال حبس الشيء في كذا إذا خصه له ومن هنا سُمي الوقف حبسًا وإن المتقدمين يستعملون للوقف لفظ الحبس عمومًا أخذًا بهذا الحديث وأما في اصطلاح المتأخرين فلفظ الوقف أكثر وأشهر. فقالوا: الوقف لغة الحبس يقال: وقفت كذا حبسته، وشرعًا: حبس مال معين قابل للنقل يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه وقطع التصرف فيه على أن يصرف في جهة خير تقربًا إلى الله تعالى وأركانه واقف وموقوف وموقوف عليه وصيغة. وقوله: (حبس) الخ فيه استيفاء الشروط والأركان فأشار بالحبس إلى الصيغة وهو يستلزم الواقف والموقوف عليه. وقوله: (مال) هو الموقوف. وقوله: (معين) الخ بيان للشروط فخرج بالمعين ما في الذمة والمبهم كأحد عبديه لعدم تعيينهما وبالقابل للنقل المستولدة والمكاتب كتابة صحيحة لأنهما لا يقبلان النقل، وأما المكاتب كتابة فاسدة فيصح وقفه لأنه يقبل النقل لجواز بيعه. وقوله: (يمكن الانتفاع به) أي سواء كان الانتفاع به في الحال أم لا كعبد وجحش صغيرين وخرج بذلك ما لا يمكن الانتفاع به نحو الحمار الزمن الذي لا يُرجى برؤه بخلاف ما يُرجى برؤه بزوال زمانته فيصح وقفه. وقوله: (مع بقاء عينه) أي ولو مدة قصيرة أقلها زمن يقابل بأجرة لو أوجر وخرج به ما لا يمكن الانتفاع به إلا بذهاب عينه كشمعة للوقود وريحان للشم وطعام للأكل فلا يصح وقف شيء من ذلك لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا مع ذهاب عينه. وقوله: (وقطع التصرف فيه) معطوف على حبس عطف تفسير فهو بالرفع إلى آخر ما هو مبسوط في كتب الفروع من الشروط والأحكام اهـ بيجوري. وقوله ﷺ لعمر: (وتصدقت بها) أي جعلت منافعها للفقراء، وقد وقع ذلك صريحًا في رواية يحيى بن سعيد عند الطحاوي ولفظها (تصدق بثمره وحبس أصله) وفي رواية عبد الله بن عمر عند النسائي: احبس أصلها وسبل ثمرتها، والتسبيل الإباحة كأنك جعلت عليه طريقًا مطروقة كذا في مجمع البحار، وقال السندي: قوله: وسبل بتشديد الباء أي اجعل ثمرتها في سبيل الله ومنه

стр. 7290

قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا. وَلَا يُبْتَاعُ. وَلَا يُورَثُ. وَلَا يُوهَبُ. قَال: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ. وَفِي الْقُرْبي. وَفِي الرِّقَابِ. وَفِي سَبِيلِ اللهِ. وَابْنِ السَّبِيلِ. وَالضَّيفِ. لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ. أَوْ يُطْعِمَ ــ يقال الوقف المسبل يعني الوقف المباح (قال) ابن عمر: (فتصدق بها) أي وقف بأرضه (عمر) ﵁ وشرط (أنه) أي أن الشأن والحال (لا يباع أصلها) أي أرضها ونخلها وأشجارها أي لا يبيعه الواقف ولا الناظر (ولا يبتاع) أي لا يشتري أصلها كذا في نسخة (ولا يبتاع) وفي المتن البولاقي (ولا تباع) والكل غلط وتكرار لما قبله والصواب إسقاطه كما هو ساقط في رواية القرطبي وفي رواية البخاري وعند أصحاب السنن، قال ابن حجر: زاد هذا في رواية مسلم فهو تحريف من بعض الرواة (ولا يورث) لورثة الواقف (ولا يوهب) لأحد من جهة الواقف والناظر، وظاهره أن هذا الشرط من كلام عمر ﵁ (قال) ابن عمر: (فتصدق) بها (عمر في الفقراء) الذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجتهم (وفي) ذوي (القربى) للواقف أي وفي الأقارب له والمراد قربى الواقف لأنهم الأحق، بصدقة قريبهم، ويحتمل على بعد أن يراد قربى النبي ﷺ كما في الغنيمة (وفي الرقاب) أي في عنقها بأن يُشترى من غلتها رقاب فيعتقون (وفي سبيل الله) أي في الجهاد وهو أعم من الغزاة، ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (وابن السبيل) أي المسافر أي مريد السفر وأطلق عليه ابن السبيل لشدة ملازمته للسبيل وهي الطريق ولو بالقصد (والضيف) وهو من نزل بقوم يريد القِرَى، قال العيني في العمدة: وهو من قبيل عطف العام على الخاص لأن الضيف يكون من المسافر ومن المقيم (لا جناح) أي لا ذنب ولا إثم (على من وليها) أي ولي أمر هذه الصدقة وسياستها وعملها (أن يأكل منها) أي من غلتها وثمرتها (بالمعروف) أي بالوجه الذي يتعارفه الناس فيما بينهم ولا ينسبون فاعله لإفراط فيه ولا تفريط. قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله والأول أولى كذا في فتح الباري (أو يطعم) معطوف على يأكل أي لا جناح على من وليها أن

стр. 7291

صَدِيقًا. غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَال: فَحَدَّثْتُ بِهذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا بَلَغْتُ هذَا الْمَكَانَ: غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَال مُحَمَّدٌ: غَيرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. قَال ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هذَا الْكِتَابَ؛ ــ يأكل هو بنفسه منها بالمعروف أو أن يطعم (صديقًا) له منها بالمعروف، والصديق بفتح الصاد وكسر الدال ضد العدو. وقوله: (غير متمول فيه) حال من فاعل يأكل ويطعم أي له أن يأكل ويطعم حالة كونه غير متخذ منها مالًا أي ملكًا في أكله وإطعامه منها، والمراد أن لا يتملك شيئًا من رقابها قاله القسطلاني فقال القاري: أي غير مدخر؛ يعني لا يجوز أن يكون أكله وإطعامه على وجه التمول والتمليك وتكثير المال، وإنما يكون بالقدر المعتاد في أكله وإطعامه (قال) عبد الله بن عون بالسند السابق (فحدثت بهذا الحديث) الذي سمعته عن نافع (محمدًا) ابن سيرين إلى آخره (فلما بلغت) ووصلت أنا في قراءته على محمد (هذا المكان) يعني لفظة (غير متمول فيه) وهو بدل محكي من قوله: هذا المكان أي فلما بلغت لفظة غير متمول فيه (قال) لي (محمد) بن سيرين: قل (غير متأثل) أي غير جامع منها (مالًا) متأصلًا مملوكًا بدل قوله: غير متمول فيه فإن الحديث هكذا، وقوله: (فحدث بهذا الحديث) قائله عبد الله بن عون كما هو مصرح في رواية الدارقطني، والمراد بمحمد هو محمد بن سيرين كما هو مصرح في رواية البخاري في الشروط فيقول ابن عون: إني حدثت هذا الحديث محمد بن سيرين بعدما سمعته من نافع فعدله ابن سيرين إلى (غير متأثل) بدل (غير متمول). وقوله: (غير متأثل مالًا) أي غير جامع مالًا أصيلًا من التأثل وهو اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم موروث له من آبائه، وأثلة كل شيء أصله كذا في الفتح، وأثل الشيء أثولًا من باب نصر وتاثل من باب تفعل يقال: تأثل إذا صار من المال أصل قديم، ومنه قول امرئ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي أي المجد القديم المؤصل، ويقال: أثل الرجل وتأثل إذا كثر ماله وهو مجاز وتأثل المال اكتسبه وجمعه واتخذه لنفسه كذا في تاج العروس [١/ ٢٠٣]. (قال) عبد الله (بن عون) بالسند السابق: (وأنبأني من قرأ هذا الكتاب) أي ذلك

стр. 7292

أَنَّ فِيهِ: غَيرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا ــ الكتاب الذي كتب فيه عمر صدقته أي أخبرني من قرأه (أن فيه) أي أن في ذلك الكتاب لفظة (غير متأثل) منها (مالًا) وفي رواية الترمذي من طريق ابن علية عن ابن عون حدثني رجل أنه قرأها في قطعة أديم أحمر، قال ابن علية: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر كذلك وقد أخرج أبو داود لفظ كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال: نسخها عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر وفيه (غير متأثل). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١٢]، والبخاري [٢٧٣٧]، وأبو داود [٢٨٧٨]، والترمذي [١٣٧٥]، والنسائي [٦/ ٢٣٠]، وابن ماجه [٢٩٦]. (تتمة): قوله: (فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها ولا يورث) الخ كذا وقع لأكثر الروايات وظاهره أن هذا الشرط من كلام عمر ﵁ ولكن وقع في بعض الروايات الأخرى ما ظاهره أنه كان من كلام النبي ﷺ فمنها ما أخرجه البخاري في الوصايا في باب قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ من طريق صخر بن جويرية عن نافع، وفيه: (فقال النبي ﷺ : تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره). ومنها ما أخرجه الطحاوي من طريق أبي عاصم وسعيد الجحدري عن ابن عون عن نافع وفيه: (قال: إن شئت حبست أصلها لا تباع ولا توهب) قال أبو عاصم وأراه قال: لا تورث، ذكره في شرح معاني الآثار في كتاب الهبة والصدقة باب الصدقات الموقوفات [٢/ ٢٠٧]، ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضًا والبيهقي في سننه [٦/ ١٦٠] من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع وفيه: (فقال له النبي ﷺ : تصدق بثمره وأحبس أصله لا يباع ولا يورث) ولفظ الطحاوي (تصدق به تقسم ثمره وتحبس أصله لا تباع ولا توهب) فهؤلاء الأربعة صخر بن جويرية وأبو عاصم وسعيد الجحدري ويحيى بن سعيد الأنصاري كلهم يجعلون هذا الشرط من كلام النبي ﷺ ولا مانع من أن يكون من كلامهما جميعًا فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، والظاهر أن النبي ﷺ هو الذي بيّن هذا الشرط أولًا فلما وقف عمر ﵁ أرضه فعلًا ذكر هذا الشرط في وقفه والله تعالى أعلم. قوله: (فتصدق عمر في الفقراء) الخ ظاهره أنه وقف أرضه في عهد النبي صلى الله

стр. 7293

٤٠٩٢ - (٠٠) (٠٠) حدّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ. ح وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كُلُّهُمْ ــ عليه وسلم ولكن ربما يُشكل عليه ما أخرجه أبو داود في رقم [٢٨٧٩] من كتاب هذا الوقف لعمر وفيه أن كاتب هذا الوقف هو معيقيب وهذا يقتضي أن عمر ﵁ إنما كتب كتاب وقفه في خلافته لأن معيقيبًا كان كاتبه في زمن خلافته وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين. وجمع بينهما الحافظ في الفتح [٥/ ٣٠١] بأنه يحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي ﷺ باللفظ وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية فكتب حينئذٍ الكتاب، ويحتمل أن يكون أخر وقفيته ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في كيفيته، وقد روى الطحاوي وابن عبد البر من طريق مالك عن ابن شهاب قال قال: عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها فهذا يشعر بالاحتمال الثاني وأنه لم ينجز الوقف إلا عند وصيته، وقد يقال: يستبعد من مثل عمر ﵁ أن يؤخر ما أشار به النبي ﷺ إلى آخر حياته، والظاهر أنه لم يؤخر الوقف وإنما أخر كتابته، وأما ما رواه الطحاوي وابن عبد البر فعلى تقدير صحته فإنه من مرسل ابن شهاب يحتمل أن يكون عمر ﵁ يرى أن مثل هذا الوقف يجوز فيه الرجوع كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويحتمل أن يكون مراده أني لو لم أعمل بنيتي في الوقف على عهد رسول الله ﷺ لرجعت في نيتي ولما وقفته والله أعلم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٤٠٩٢ - (٠٠) (٠٠) (حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا) يحيى بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الكوفي، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا إسحاق) بن إبراهيم الحنظلي المروزي (أخبرنا أزهر) بن سعد (السمان) أبو بكر الباهلي مولاهم البصري، ثقة، من (٩) (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقة، من (٩) (كلهم) أي كل من الثلاثة المذكورة يعني ابن أبي زائدة

стр. 7294

عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثلَهُ غَيرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: "أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ". وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ. وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ فِيهِ مَا ذَكَرَ سُلَيمٌ قَوْلُهُ: فَحَدَّثْتُ بِهذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا إِلَى آخِرِهِ. ٤٠٩٣ - (١٥٧٣) (١٣٧) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ ــ وأزهر السمان وابن أبي عدي رووا (عن) عبد الله (بن عون بهذا الإسناد) يعني عن نافع عن ابن عمر (مثله) أي مثل ما روى سليم بن أخضر عن ابن عون، غرضه بسوقها بيان متابعة هؤلاء الثلاثة لسليم بن أخضر (غير أن) أي لكن أن (حديث ابن أبي زائدة وأزهر) السمان (انتهى) وتم (عند قوله) أي عند قول النبي ﷺ (أو يطعم صديقًا غير متمول فيه ولم يذكر) وإسقاط الألف من يذكر تحريف من النساخ، والصواب (ولم يذكرا) بألف التثنية أي لم يذكر ابن أبي زائدة وأزهر (ما بعده) أي ما بعد قوله غير متمول فيه (و) أما (حديث ابن أبي عدي) فـ (فيه ما كر سليم) بن أخضر، ولفظة (قوله) بدل من قوله ما ذكر سليم أي ففيه قول ابن عون (فحدّثت بهذا الحديث) الذي سمعته من نافع (محمدًا) ابن سيرين (إلى آخره) أي إلى آخر قول ابن عون يعني قوله: فلما بلغت هذا المكان غير متمول فيه الخ. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما فقال: ٤٠٩٣ - (١٥٧٣) (١٣٧) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (حدثنا أبو داود الحفري) بفتحتين نسبة إلى الحفر موضع بالكوفة (عمر بن سعد) بن عبيد الكوفي، ثقة، من (٩) (عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي (عن) عبد الله (بن عون عن نافع عن ابن عمر عن عمر) بن الخطاب ﵄. وهذا السند من ثمانياته، غرضه بيان متابعة سفيان لسليم بن أخضر وابن أبي زائدة وأزهر السمان وابن أبي عدي ولكنها متابعة في الشاهد لأن الصحابي الراوي هنا عمر بن الخطاب وفيما مر ابن عمر لأن سفيان جعله من مسندات عمر وكذا رواه أبو إسحاق الفزاري وسعيد بن سالم عند النسائي ولكن جعله أكثر الرواة من مسند ابن عمر كما مر عن المصنف ولذلك قدمه على

стр. 7295

قَال: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيبَرَ. فَأَتَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا أَحَبَّ إِلَيَّ وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحدَّثْتُ مُحَمَّدًا وَمَا بَعْدَهُ ــ حديث عمر مع كونه أصل القصة ولا مانع من أن يكون مرويًّا عنهما جميعًا (قال) عمر بن الخطاب: (أصبت) أي أخذت نصيبي من غنيمة خيبر (أرضًا من أرض خيبر فأتيت رسول الله ﷺ لأستشيره في شأن تلك الأرض (فقلت) له ﷺ إني (أصبت) أي أخذت وملكت (أرضًا لم أصب) أي لم أملك قط (مالًا أحب إليّ ولا أنفس) أي أجود (عندي منها) الجار والمجرور في قوله منها متعلق باحب وأنفس على سبيل التنازع (وساق) سفيان الثوري (الحديث) السابق (بمثل حديثهم) أي بمثل حديث سليم وابن أبي زائدة وأزهر السمان وابن أبي عدي (و) لكن (لم يذكر) سفيان لفظة (فحدّثت محمدًا وما بعده) من قوله: (فلما بلغت هذا المكان) الخ. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة الأول ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة، والثاني: حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعتين، والثالث: حديث أبي هريرة الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والرابع: حديث ابن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والخامس: حديث عمر ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر والله أعلم. ***

стр. 7296

٥٨٨ - (٢٨) باب ما وصى به النبي ﷺ عند موته وما لم يوص به ٤٠٩٤ - (١٥٧٤) (١٣٨) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ. قَال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَال: لَا. قُلْتُ: ــ ٥٨٨ - (٢٨) باب ما وصى به النبي ﷺ عند موته وما لم يوص به ٤٠٩٤ - (١٥٧٤) (١٣٨) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري (عن مالك بن منول) البجلي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي أبي محمد الكوفي، ثقة، من (٥) (قال) طلحة: (سألت عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد الأسلمي أبا إبراهيم الكوفي الصحابي المشهور ﵁ أي سألته فقلت له: (هل أوصى رسول الله ﷺ شيئًا عند وفاته (فقال) عبد الله بن أبي أوفى (لا) أي ما أوصى رسول الله ﷺ هكذا أطلق الجواب وكأنه فهم أن السؤال وقع عما اشتهر بين الجهال من الوصية إلى أحد أو فهم السؤال عن الوصية في الأموال فلذلك ساغ نفيها لا أنه أراد نفي الوصية مطلقًا لأنه ثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله أي بدينه أو به وبنحوه ليشمل السنة لأنه سيأتي حديث أوصيكم بثلاث الخ اهـ من بعض الهوامش. ولعل سبب هذا السؤال أن الشيعة كانوا قد وضعوا أحاديث أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي ﵁ فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك منهم علي ﵁ كما سيأتي في شرح الحديث الآتي، وكذلك زعم بعضهم أنه ﷺ ترك أموالًا وصية لأقاربه قوله: (فقال لا) إنما نفى عبد الله بن أبي أوفى ﵁ الوصية بالمال وبالخلافة فهذا الجواب لا ينافي ما ثبت أنه ﷺ أوصى المسلمين بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزه ونحو ذلك فإن السؤال كان في الوصية بالمال وبالخلافة كما فهمه عبد الله بن أبي أوفى من سياق الكلام فأجابه بما يطابقه، قال طلحة: (قلت) لابن أبي أوفى إذا كان

стр. 7297

فَلِمَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيّةِ؟ قَال: أَوْصى بِكِتَابِ اللهِ ــ النبي ﷺ لم يوص شيئًا (فلِمَ كتب) وفُرض بالبناء للمفعول (على المسلمين الوصية) يعني بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ﴾ وهذه الآية منسوخة عند الجمهور بآية الميراث ويحتمل أن يكون طلحة بن مصرف ممن يزعم أن آية وجوب الوصية غير منسوخة، وبحتمل أن يكون مراده ندب الوصية واختار لفظ كُتب لما هو مستحب نظرًا إلى تأكد استحبابه (أو) قال الراوي: (فلِمَ أُمروا) أي فلم أُمر المسلمون (بالوصية) بالشك من الراوي هل قال فلم كتب على المسلمين الوصية أو قال: فلم أُمروا بالوصية (قال) عبد الله بن أبي أوفى (أوصى) إلى الناس (بكتاب الله أي بالتمسك بكتاب الله ودينه وسنة رسوله لعله أشار إلى قوله ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله" وأما ما ورد عنه ﷺ من الوصية الجزئية فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه وإنما اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص وإما بطريق الاستنباط أو كان لم يحضر شيئًا من الوصايا الجزئية أو لم يستحضرها حال الجواب كذا في فتح الباري [٥/ ٢٦٨]. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٣٨١]، والبخاري [٢٧٤٠]، والترمذي [٢١١٩]، والنسائي [٨/ ٢٤٠]، وابن ماجه [٢٦٩٦]. قال القرطبي: قوله: (هل أوصى رسول الله ﷺ ظاهره أنه سأله هل كانت من النبي ﷺ وصية بشيء من الأشياء لأنه لو أراد شيئًا واحدًا لعينه فلما لم يقيده بقي على إطلاقه فأجابه بنفي ذلك فلما سمع طلحة هذا النفي العام، قال مستبعدًا كيف كتب على المسلمين الوصية ومعناه كيف ترك النبي ﷺ الوصية والله تعالى قد كتبها على الناس، وهذا يدل على أن طلحة وابن أبي أوفى كانا يعتقدان أن الوصية واجبة على كل الناس وأن ذلك الحكم لم يُنسخ وفيه بُعدٌ، ثم إن ابن أبي أوفى غفل عما أوصى به النبي ﷺ وهي وصايا كثيرة فمنها أنه ﷺ قال: "لا يقسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا ولا نورث ما تركنا صدقة" وقال عند موته: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب وأخرجوا المشركين منها وأجيزوا

стр. 7298

٤٠٩٥ - (٠٠) (٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيرٍ. حَدَّثنَا أَبِي. كِلاهُمَا عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلهُ. غَيرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: قُلْتُ: فَكَيفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ؟ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيرٍ: قُلْتُ: كَيفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ ٤٠٩٦ - (١٥٧٥) (١٣٩) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيرٍ وأَبُو ــ الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" وآخر ما وصى به أنه قال: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" وهذه كلها وصايا منه ذهل عنها ابن أبي أوفى، وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجداد أو ساق من تمر سهمه بخيبر ذكره في السيرة ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصى به النبي ﷺ إلا كتاب الله إما ذهولًا وإما اقتصارًا لأنه أعظم وأهم من كل ما وصى به وأيضًا فإذا استوصى الناس بكتاب الله فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن أبي أوفى ﵁ فقال: ٤٠٩٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي (ح وحدثنا) محمد بن عبد الله (بن نمير حدثنا أبي) عبد الله (كلاهما) أي كل من وكيع وعبد الله بن نمير رويا (عن مالك بن مغول) البجلي الكوفي (بهذا الإسناد) يعني عن طلحة بن مصرف عن ابن أبي أوفى (مثله) أي مثل ما روى عبد الرحمن بن مهدي، غرضه بيان متابعتهما لابن مهدي (غير أن) أي لكن أن (في حديث وكيع) وروايته قال طلحة: (قلت) لابن أبي أوفى: (فكيف أُمر الناس) بالبناء للمجهول (بالوصية، وفي حديث ابن نمير) وروايته قال طلحة: (قلت) لابن أبي أوفى (كيف كُتب على المسلمين الوصية) وهذا بيان لمحل اختلافهما. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن أبي أوفى بحديث عائشة ﵄ فقال: ٤٠٩٦ - (١٥٧٥) (١٣٩) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير وأبو

стр. 7299

مُعَاويةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاويةَ. قَالا: حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشَيءٍ ــ معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي (ح وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي) عبد الله بن نمير (وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم كوفيون إلا عائشة (قالت) عائشة: (ما ترك رسول الله ﷺ لورثته (دينارًا ولا درهمًا ولا شاة ولا بعيرًا ولا أوصى) لأحد من ماله (بشيء) قليل ولا كثير لعدم تركه مالًا وإن أوصى بالكتاب والسنة كما مر بيانه ولا أوصى لأحد بالخلافة فإنها مقصودها بالإنكار كما سيأتي التصريح به منها في التالية. قوله: (ما ترك) الخ ولعل من تمام هذا الحديث ما أخرجه ابن سعد في طبقاته [٢/ ٣١٦] بطرق مختلفة عن زر بن حبيش عن عائشة أن إنسانًا سألها عن ميراث رسول الله ﷺ فقالت: عن ميراث رسول الله ﷺ تسألني لا أبا لك توفي رسول الله ﷺ ولم يدع دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرًا. قوله: (دينارًا ولا درهمًا) الخ كذا ثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين أنه ﷺ : لم يترك دينارًا ولا درهمًا ذكره أيضًا عمرو بن الحارث وابن عباس وعلي بن الحسين زين العابدين وغيرهم راجع لرواياتهم طبقات ابن سعد [٢/ ٣١٦ و ٣١٧] وذكر المحب الطبري في خلاصة السير ترك رسول الله ﷺ يوم مات ثوبي حبرة وإزارًا عمانيًا وثوبين صحاريين وقميصًا صحاريًا وقميصًا سحوليًا وجبة يمنية وقميصًا وكساء بيضًا وقلانس صغارًا لاطية ثلاثًا أو أربعًا وإزارًا طوله خمسة أشبار وملحفة مورسة كذا في تاريخ الخميس للإمام الديار بكري [٢/ ١٧٣]. قوله: (ولا أوصى بشيء) يعني في أمر المال والخلافة وإلا فقد ثبت عنه عدة

стр. 7300

٤٠٩٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. أَخْبَرَنَا عِيسَى (وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ). جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٠٩٨ - (١٥٧٦) (١٤٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). قَال: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ــ وصايا نصح بها الأمة وإن الكلام كان في وصيته بالمال أو الخلافة ولذلك نفت الوصية مطلقًا. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٢٨٦٣]، والنسائي [٦/ ٢٤٠]، وابن ماجه [٢٦٩٥]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فقال: ٤٠٩٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم كلهم عن جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي (ح وحدثنا علي بن خشرم) بن عبد الرحمن المروزي (أخبرنا عيسى وهو ابن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي (جميعًا) أي كل من جرير بن عبد الحميد وعيسى بن يونس رويا (عن الأعمش بهذا الإسناد) يعني عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة (مثله) أي مثل ما روى عبد الله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، والغرض بيان متابعتهما إياهما ولو قال مثلهما لكان أقعد وأوضح إلا أن يقال إن المقصود من المتقارنين في المتابعة الأول وهو هنا عبد الله بن نمير فلذلك أفرد الضمير. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهما فقال: ٤٠٩٨ - (١٥٧٦) (١٤٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي (وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ ليحيى قال) يحيى بن يحيى (أخبرنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني البصري، ثقة، من (٦) (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من (٥)

стр. 7301

عَنِ الأَسوَدِ بْنِ يَزِيدَ. قَال: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ؛ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي (أَوْ قَالتْ: حَجْرِي) فَدَعَا بِالطَّسْتِ. فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي. وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ. فَمَتَى أَوْصَى إِلَيهِ؟ ــ (عن الأسود بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من (٢) (قال) الأسود (ذكروا) أي ذكر الناس الحاضرون (عند عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان بصريان وواحد مدني (أن عليًّا) ابن أبي طالب ﵁ (كان وصيًّا) للنبي ﷺ في الخلافة (فقالت) عائشة: إنكارًا على من يزعم ذلك (متى أوصى) النبي ﷺ (إليه) أي إلى علي بن أبي طالب أي ففي أي وقت أوصى إلى علي (فـ) إني (قد كنت مسندته) ﷺ أي مسندة ظهره (إلى صدري أو قالت) عائشة كنت مسندة ظهره إلى (حجري) أي إلى مقدم بدني بدل صدري، والشك من الأسود أو ممن دونه، وحجر الإنسان بالفتح وقد يكسر حضنه وهو ما دون إبطه إلى الكشح كما في المصباح (فدعا) أي طلب (بالطست) ليبول فيه أو ليتفل فيها، فقوله: (فدعا بالطست) زاد النسائي ليبول فيه وفي رواية الإسماعيلي ليتفل فيها ذكرها الحافظ في الفتح [٨/ ١١٣] ويمكن الجمع بينهما بأن النبي ﷺ دعا بالطست ولم يبين غرضه فترددت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه ﷺ دعا به ليبول فيه أو ليتفل فيه فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر والله أعلم. والطست إناء صغير من النحاس (فـ) والله (لقد انخنث) أي انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت اهـ نهاية، أي فوالله انثنى واسترخى جسمه (في حجري) أي في مقدم بدني لموته (و) الحال أني (ما شعرت) ولا علمت (أنه مات فمتى أوصى إليه) أي إلى علي بالخلافة، والظاهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها فلا يرد ما قيل إن هذا لا يمنع الوصية قبل ذلك ولا يقتضي أنه مات فجأة بحيث لم يتمكن من الإيصاء ولا يتصور ذلك لأنه ﷺ علم قرب أجله قبل المرض ثم مرض أيامًا فلم يوص لأحد لا في تلك الأيام ولا قبلها ولو وقع الإيصاء لادَّعاه الموصى له ولم يدع ذلك علي لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة.

стр. 7302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وشارك المؤلف في رواية هذا الأثر أحمد [٦/ ٣٢]، والبخاري [٢٧٤١]، وابن ماجه [١٦٢٦]. وقد أكثرت الشيعة والروافض من الأحاديث الكاذبة الباطلة واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبي ﷺ عليًّا وادعوا أنها تواترت عندهم وهذا كله كذب مركب ولو كان شيء من ذلك صحيحًا أو معروفًا عند الصحابة يوم السقيفة لذكروه ولرجعوا إليه ولذكره علي محتجًا لنفسه ولما حل أن يسكت عن مثل ذلك بوجه فإنه حق الله وحق نبيه ﷺ وحقه وحق المسلمين ثم ما يعلم من عظيم علم علي ﵁ وصلابته في الدين وشجاعته يقتضي أن لا يتقي أحدًا في دين الله كما لم يتق معاوية وأهل الشام حين خالفوا ثم إنه لما قتل عثمان ولى المسلمون باجتهادهم عليًّا ولم يذكر هو ولا أحد منهم نصًّا في ذلك فعلم قطعًا كذب من ادعاه وما التوفيق إلا من عند الله اهـ من المفهم. قوله: (فلقد انحنث في حجري) قال ابن الأثير: الانخناث الانثناء والانكسار أرادت أنه استرخى جسمه فانثنت أعضاؤه فسقط تعني حين مات، والمخنث من الرجال هو الذي يميل وينثني تشبهًا بالنساء، واختناث السقاء هو إمالة فمه بعضه على بعض ولفه وتليينه ليشرب منه والحجر هنا هو حجر الثوب الذي على مقدم البدن والفصحى بفتح الحاء وسكون الجيم ويقال بكسرها، وأما الحجر على السفيه فبالفتح لا غير وهو بمعنى المنع فأما الحجر بالكسر فهو العقل ومنه قوله تعالى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر / ٥] والحرام ومنه قوله تعالى: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان / ٢٢] وهذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ توفي في حجر عائشة رضي الله تعالى عنها وقد أورد الحاكم وابن سعد بعض الروايات في أنه ﷺ توفي في حجر علي بن أبي طالب ﵁ ولكنها روايات ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة ولا تخلو من راو شيعي وقد بسط الحافظ في إثبات ضعفها تحت الحديث الثامن من باب مرض النبي ﷺ ووفاته من مغازي فتح الباري [٨/ ١٠٧]. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث ابن عباس ﵃ فقال:

стр. 7303

٤٠٩٩ - (١٥٧٧) (١٤١) حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو الناقِدُ (وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ. قَال: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى ــ ٤٠٩٩ - (١٥٧٧) (١٤١) (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة أبو عثمان الخراساني نزيل مكة، ثقة، من (١٠) روى عنه في خمسة عشر بابا (وقتيبة بن سعيد) بن جميل البغدادي الثقفي البلخي (وأبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (واللفظ لسعيد) بن منصور (قالوا) أي قال كل من هؤلاء الأربعة (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن سليمان) بن أبي مسلم (الأحول) خال ابن أبي نجيح المكي واسم أبي مسلم عبد الله، ثقة، من (٥) روى عنه في (٦) أبواب (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي الفقيه قتيل حجاج الجائر، ثقة، من (٣) (قال) سعيد (قال ابن عباس) ﵄. وهذا السند من خماسياته (يوم الخميس) خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك يوم الخمس أي ذلك اليوم الذي نزل بنا فيه الرزية يوم الخميس أو مبتدأ خبره محذوف تقديره يوم الخميس يوم نزلت بنا فيه الرزية بفوات كتاب النبي ﷺ لنا (وما يوم الخميس) ما استفهامية مضمنة معنى التعجب في محل الرفع خبر مقدم للزومها الصدارة يوم الخميس مبتدأ مؤخر أي ويوم الخميس أي يوم هو هو يوم عجيب وهذا تعظيم وتفخيم لذلك اليوم على جهة التفجع والتحزن على ما فاتهم فيه من كتب كتاب لا يكون معه ضلال وهو بأكثر من ذلك التفجع وهذا نحو قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ وقوله: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ وهذا المعنى الذي هَمَّ رسول الله ﷺ بكتابته يحتمل أن يكون تفصيل أمور مهمة وقعت في الشريعة جملية فأراد تعيينها، ويحتمل أن يريد به بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن ومن هو أولى بالاتباع والمبايعة ويحتمل أن يريد به بيان أمر الخلافة وتعيين الخليفة بعده وهذا أقربها والله تعالى أعلم اهـ من المفهم. قال النووي: معناه تفخيم أمره في الشدة والمكروه فيما يعتقده ابن عباس وهو امتناع الكتاب ولهذا قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب هذا الكتاب هذا مراد ابن عباس وإن كان الصواب ترك الكتاب اهـ (ثم) بعد هذا الكلام (بكى) ابن عباس بكاءً شديدًا (حتى بلَّ دمعه الحصى)

стр. 7304

فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَال: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعُهُ. فَقَال: "ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي" ــ لشدة بكائه، ولفظ البخاري في باب جوائز الوفد من أواخر كتاب الجهاد (حتى خضب دمعه الحصباء) ولعل بكاء ابن عباس لكونه تذكر وفاة رسول الله ﷺ فتجدد له الحزن عليه، ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب ولهذا أطلق في الرواية الثانية أن ذلك رزية ثم بالغ فيها فقال كل الرزية كذا في فتح الباري [٨/ ١٠٠]. قال سعيد بن جبير: (فقلت) لابن عباس: (يا ابن عباس) ما سبب قولك (وما يوم الخميس) وما مرادك به فـ (قال) ابن عباس قلت ذلك لأنه قد (اشتد برسول الله ﷺ يوم الخميس (وجعه) أي مرضه الذي مات به، وزاد البخاري في باب الجهاد (يوم الخميس) وهذا يؤيد أن ابتداء مرضه كان قبل ذلك وإنما اشتد وجعه يوم الخميس، ووقع في الرواية الآتية عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لما حُضر رسول الله ﷺ بضم الحاء وكسر الضاد يعني لما حضره الموت وفي إطلاق ذلك تجوّز فإنه عاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين (فقال) رسول الله ﷺ لمن عنده: (ائتوني) بأداة كتابة من ورق وقلم إن أتيتموني بها (أكتب لكم كتابًا) فيه بيان مصالح أموركم الدينية والدنيوية لكيـ (لا تضلوا بعدي) عن طريق الحق والدين القويم وهو بالنصب بأن مضمرة بعد لام كي على تقدير لام كي كما قدرناه ولا نافية، وفي بعض الهوامش حُذفت النون لجزمه بالطلب السابق لأنه بدل من جواب الأمر، وتعدد جواب الأمر من غير حرف العطف جائز قاله ابن حجر في باب كتابة العلم من علم صحيح البخاري وتأتي رواية لا تضلون بإثبات النون وسيأتي الكلام على هذا الكلام. الذي أراد النبي ﷺ كتابته بعد رواية واحدة إن شاء الله تعالى. قال القرطبي: قوله: (ائتوني) لا شك أن هذا أمر وطلب توجه لكل من حضر فكان حق كل من حضر المبادرة إلى الامتثال لا سيما وقد قرنه بقوله: لا تضلون بعده لكن ظهر لعمر ولطائفة معه أن هذا الأمر ليس على الوجوب وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح مع أن ما في كتاب الله يرشد إلى كل شيء كما قال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ [النحل / ٨٩] ومع ما كان فيه رسول الله ﷺ من الوجع فكره أن يتكلف من

стр. 7305

فَتَنَازَعُوا. وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعْ. وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ ــ ذلك ما يشق ويثقل عليه فظهر لهم أن الأولى أن لا يكتب، وأرادت الطائفة الأخرى أن يكتب متمسكة بظاهر الأمر واغتنامًا لزيادة الإيضاح ورفع الإشكال فيا ليت ذلك لو وقع وحصل ولكن قدر الله وما شاء فعل ومع ذلك فلا عتب ولا لوم على الطائفة الأولى إذ لم يعنفهم النبي ﷺ ولا ذمهم بل قال للجميع: دعوني فالذي أنا فيه خير وهذا نحو مما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم رسول الله ﷺ : "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فتخوّف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنَّف واحدًا من الفريقين، وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوّغ والقصد الصالح وكل مجتهد مصيب أو أحدهما مصيب والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول اهـ من المفهم. وقوله: (فتنازعوا) إلى قوله: قال: دعوني مدرج من كلام ابن عباس أي قال ابن عباس: فتنازع الحاضرون عند رسول الله ﷺ واختلفوا في إحضار الكتف والدواة وفي تركها، فقال بعضهم: نأتي بهما، وقال الآخرون: لا تأتوا بهما فتتبعوا رسول الله ﷺ وارتفعت أصواتهم عند رسول الله ﷺ (وما ينبغي) أي والحال أنه لا ينبغي ولا يليق (عند نبي) من الأنبياء (تنازع) أي اختلاف ولغط وارتفاع أصوات لما فيه من إساءة الأدب، وفي هذا إشعار بأن الأولى المبادرة إلى امتثال أمر النبي ﷺ وأن لا يتوقف في شيء منه إذا فهم مقصوده ولم يُشْكل منه شيء كيف لا؟ وهو المُبَلِّغ عن الله أحكامه ومصالح الدنيا والدين اهـ من المفهم (وقالوا): أي وقال الذين يريدون الكتابة لمن لا يريدها (ما شأنه) ﷺ وحاله وكلامه هل هو مختلط أم صحيح (أ) تظنون أنه (هجر) واختلط كلامه لشدة المرض بل كلامه صحيح (استفهِموه) أي اطلبوا منه فهم ما يقول ويريد فاكتبوه، وقوله: (أهجر) بفتحتين على أنه ماض مقرون بهمزة الاستفهام الإنكاري، قال ابن الأثير: معناه هل تغير كلامه واختلف واختلط لأجل ما به من شدة المرض اهـ وهذه هي الرواية الصحيحة، وروى بعضهم: (أهُجُرًا) بضمتين وبالتنوين مع الهمزة على أنه مفعول أي أقال هجُرًا، والهجُرُ هذيان المريض وهو الكلام الذي لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع مثل هذا من النبي ﷺ في حال مرضه أو صحته

стр. 7306

قَال: "دَعُونِي. فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيرٌ. أُوصِيكُمْ بِثَلاثٍ: أَخْرِجُوا ــ محال لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عما يخل بالتبليغ ألا تسمع قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم / ٣، ٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم وأنه على الحق المبين إلى غير ذلك ولذلك قال ﷺ : "خذوا عني في الغضب والرضا فإني لا أقول على الله إلا حقًّا" رواه أحمد، ولما علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته حتى في هذه الحالة فإنهم تلقوا عنه وقبلوا منه جميع ما وصى به عند موته وعملوا على قوله: "لا نورث" وبقوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" و"أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" إلى غير ذلك ولم يتوقفوا ولا شكوا في شيء منه، وعلى هذا يستحيل أن يكون قوله: (أهجر) لشك عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه وإنما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة وتلكأ عنه فكأنه يقول لمن توقف كيف تتوقف أتظن أنه قال هذيانًا فدع التوقف وقرّب الكتف فإنه إنما يقول الحق لا الهجر وهذا أحسن ما يُحمل ذلك عليه فلو قدرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شك عرض له في صحة قوله: كان خطأ منه وبعيد أن يقره على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة وكبرائهم وفضلائهم هذا تقدير بعيد ورأي غير سديد، ويحتمل أن يكون هذا صدر من قائله عن دهش وحيرة أصابته في ذلك المقام العظيم والمصاب الجسيم كما قد أصاب عمر وغيره عند موته ﷺ اهـ من المفهم. قال بعضهم: ويحتمل أن يكون هذا من الهجر بضم فهو من الهذيان في الكلام كما يقع ذلك لمريض في شدة مرضه والمعنى عليه هل أمره هذا عزيمة أو هو من قبيل ما جرى على لسانه في حالة المرض دون أن يكون فيه عزيمة، ويحتمل أن يكون من الهجر بفتح الهاء بمعنى الفراق والمعنى عليه هل حان فراق رسول الله ﷺ وهذا المعنى الثاني أليق بسياق الكلام ودلالة الحال وحال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اهـ من التكملة، فـ (قال) رسول الله ﷺ : (دعوني) أي خلوني عن اللغط واتركوني عن التنازع الذي أنتم فيه (فالذي أنا فيه) أي فالأمر الذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه والفكر في ذلك ونحوه (خير) مما أنتم فيه من التنازع وأفضل اهـ نووي، ثم قال ﷺ : (أوصيكم) أي آمركم بطريق الوصية (بثلاث) خصال إحداها بقولي: (أخرجوا

стр. 7307

الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَأَجِيزُوا الْوَقدَ ــ المشركين) أي اليهود (عن جزيرة العرب) وبلادهم يعني بالمشركين اليهود لأنه ما كان بقي مشرك في أرض العرب في ذلك الوقت غيرهم فتعينوا، وقد جاء في بعض طرقه: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب" مفسرًا, والجزيرة فعيلة بمعنى مفعولة وهي مأخوذة من الجزر وهو القطع ومنه الجزار والجزارة من الغنم والجزور من الإبل كل ذلك راجع إلى القطع، وسميت أرض العرب جزيرة لانقطاعها عن سائر الأقاليم بإحاطة البحار بها والحرار، وأُضيف إلى العرب لاختصاصهم بها ولكونهم فيها ومنها، واختُلف في حدها فقال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جدة وما والاها إلى أطراف الشام، وقال أبو عبيد: هي ما بين حفر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وقال المخزومي عن مالك: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن، وحكى الهروي عنه المدينة، والأول هو المعروف عنه فقال مالك: يخرج من هذه المواضع التي ذكر المخزومي كل من كان على غير دين الإسلام ولا يُمنعون من التردد بها مسافرين وكذلك قال الشافعي غير أنه استثنى من ذلك اليمن ويُضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر حين أجلاهم، وقال الشافعي: ولا يدفن فيها موتاهم ويلجئون إلى الدفن بغيرها، وقد رأى الطبري أن هذا الحكم ليس خاصًّا بجزيرة العرب فقال: الواجب كل على إمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه المسلمون إذا لم يكن من بلادهم التي صولحوا عليها إلا أن تدعو ضرورة لبقائهم بها لعمارتها فإذا كان ذلك فلا يدعهم في مصر مع المسلمين أكثر من ثلاث ليال وليسكنهم خارجًا عنهم ويمنعهم اتخاذ المساكن في أمصار المسلمين فإن اتخذوها باعها عليهم واستدل على ذلك بما رواه عن النبي ﷺ من قوله: "لا تبقى قبلتان بأرض العرب" رواه أبو داود والترمذي بلفظ "لا تكون قبلتان في بلد واحد" وبقول ابن عباس: "لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم" وبإخراج علي ﵁ أهل الذمة من الكوفة إلى الحيرة قال: إنما خص جزيرة العرب في الحديث لأنه لم يكن للإسلام يومئذٍ ظهور إلا بها (قلت): وتخصيص الحكم بجزيرة العرب هو قول المتقدمين والسلف الماضين فلا يعدل عنه؟ ولم يعرج أبو حنيفة على هذا الحديث فأجاز استيطان المشركين بالجزيرة ومخالفة مثل هذا جريرة اهـ من المفهم (و) ثانيتها بقولي: (أجيزوا) أي أعطوا الجائزة والعطية (الوفد) أي الجماعة المختارة التي قدمت عليكم أيها الولاة

стр. 7308

بِنَحْو مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ". قَال: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ. أَوْ قَالهَا فَأُنْسِيتهَا ــ (بنحو) أي بمثل (ما كنت) أنا (أجيزهم) وأعطيهم به (قال) سعيد بن جبير: (وسكت) ابن عباس (عن) ذكر الخصلة (الثالثة أو قالها) وذكرها ابن عباس (فـ) أنا (أُنسيتها) فالساكت هو ابن عباس والناسي هو سعيد بن جبير، قال المهلب: والثالثة هي تجهيز جيش أسامة كما سيأتي والشك من سعيد بن جبير. قوله: (وأجيزوا الوفد) والوفد جمع وافد كصحب وصاحب وركب وراكب وجمع الوفد أوفاد ووفود والوفادة الاسم وهو القادم على القوم والرسول إليهم يقال: أوفدته أرسلته والإجازة العطية وهذا منه ﷺ عهد ووصية لولاة المسلمين بإكرام الوفود والإحسان إليهم قضاء لحق قصدهم ورفقًا بهم واستئلافًا لهم وتطييبًا لنفوسهم وترغيبًا لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم وإعانة لهم على سفرهم، قال القاضي أبو الفضل: وسواء في ذلك عند أهل العلم كانوا مسلمين أو كفارًا لأن الكافر إنما يفد في مصالح المسلمين قال: وهذه سنة لازمة للأمة بعد النبي ﷺ . قوله: (أو قال أُنسيتها) يريد سعيد بن جبير قال المهلب: الثالثة هي تجهيز جيش أسامة ﵁ وقال غيره: ويحتمل أن تكون هي قوله: "لا تتخذوا قبري وثنًا" وقد ذكر مالك في الموطأ ما يدل على ذلك من حديث عمر فإنه قال فيه أول ما تكلم به رسول الله ﷺ : "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يَبْقَيَنَّ دينان بجزيرة العرب" رواه مالك [٢/ ٨٩٣] اهـ من المفهم. قوله: (وأجيزوا الوفد) أيضًا يعني أعطوهم جائزة، والجائزة عطية من الكبير وقد ذكر الحافظ عن بعض العلماء: أن أصله أن ناسًا وفدوا على بعض الملوك وهو قائم على قنطرة فقال: أجيزوهم فصاروا يعطون الرجل ويطلقونه فيجوز على القنطرة متوجهًا فسُميت عطية من يقدم على الكبير جائزة. قوله: (بنحو ما كنت أجيزهم) أي بقريب منه وكانت جائزة الواحد على عهده ﷺ أوقية من فضة وهي أربعون درهمًا كذا في فتح الباري [٨/ ١٠٣]. قوله: (وسكت عن الثالثة) وقد مر آنفًا عن النووي أن الساكت ابن عباس والناسي سعيد بن جبير ولكن الصحيح أن الساكت سعيد بن جبير والناسي سليمان الأحول وذلك لما أخرجه الحميدي في مسنده [١/ ٢٤١] في آخر هذا الحديث قال سفيان: قال

стр. 7309

قَال أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهذَا الْحَدِيثِ. ٤١٠٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ ــ سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها. ولما أخرج أحمد في مسنده [١/ ٢٢٢] عن سفيان قال: وسكت عن الثالثة، واختلف الشراح في تعيين الثالثة فقال الداودي: الثالثة الوصية بالقرآن وبه جزم ابن التين، وقال المهلب: بل هي تجهيز جيش أسامة وقواه ابن بطال بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر: إن النبي ﷺ عهد بذلك عند موته، وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: "ولا تتخذوا قبري وثنًا" فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن تكون ما وقع في حديث أنس من قوله ﷺ : "الصلاة وما ملكت أيمانكم" كذا في فتح الباري (قلت): والكل محتمل ولا سبيل إلى الجزم بتعيينها بعدما نسي الراوي والله أعلم. (قال أبو إسحاق إبراهيم) بن محمد بن سفيان: (حدثنا الحسن بن بشر) السلمي النيسابوري، صدوق، من (١١) (قال) الحسن: (حدثنا سفيان) بن عيينة بالسند السابق (بهذا الحديث) المذكور وأبو إسحاق هذا هو تلميذ المؤلف رحمه الله تعالى الذي روى عنه كتابه هذا فذكر أن هذا الحديث بلغه أيضًا بإسناد عال من غير واسطة الإمام مسلم رحمه الله تعالى فساوى فيه أستاذه لأن الحديث بلغ الإمام مسلمًا ﵀ بواسطة رجل واحد إلى سفيان بن عيينة وكذلك بلغ تلميذه بواسطة رجل واحد إليه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٤٤٣١]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث فقال: ٤١٠٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (أخبرنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي (عن مالك بن مغول) البجلي الكوفي، ثقة، من (٧) (عن طلحة بن مصرف) بن عمرو اليامي الكوفي، ثقة، من (٥) (عن سعيد بن جبير) الوالبي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان

стр. 7310

أَنَّهُ قَال: يَوْمُ الْخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثُمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ. حَتَّى رَأَيتُ عَلَى خَدَّيْهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤْلُؤِ. قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ (أَو اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ) أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا" فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ــ متابعة طلحة بن مصرف لسليمان الأحول (أنه) أي أن ابن عباس (قال يوم الخميس) عجيب (وما يوم الخميس) أي ما أدراكم شأن يوم الخميس (ثم جعل) وشرع ابن عباس (تسيل) وتجري (دموعه) من عينيه تذكرًا لوفاة النبي ﷺ وتأسفًا عليه (حتى رأيت على خديه) بكثرة حالة كون دموعه (كأنها نظام اللولو) والجملة التشبيهية حال من الدموع وإضافة النظام إلى اللؤلؤ من إضافة الصفة إلى الموصوف أي حالة كونها مشبهة باللؤلؤ المنظوم في الخيط في صفائها وتعاقبها في النزول والجريان، واللؤلؤ جوهر براق معروف ونظامه عقده في الخيط كالمسبحة (قال) ابن عباس: وإنما ذكرت يوم الخميس تأسفًا على ما وقع فيه لأنه اشتد فيه الوجع على رسول الله ﷺ فـ (قال رسول الله ﷺ لمن عنده: (ائتوني بالكتف) وكانوا يستعملون عظم كتف الشاة أو البعير للكتابة عليها لعوز القرطاس أو لندرته (والدواة) وهي المحبرة التي يكتب بما فيها من الحبر جمعها دويات مثل حصاة وحصيات، وذكر الحافظ في الفتح [١/ ١٨٦] أن المأمور به كان عليًّا ﵁ واستدل له برواية في مسند أحمد [١/ ٩٠] عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرني النبي ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده، قال: فخشيت أن تفوتني نفسه، قال: قلت: إني أحفظ وأعي، قال: "أوصى بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم" لكن هذا الحديث في إسناده نعيم بن يزيد وهو مجهول كما في التهذيب (أو) قال النبي ﷺ أو ابن عباس: ائتوني بـ (اللوح والدواة) والشك من الراوي أو ممن دونه هل قال: بالكتف والدواة أو قال باللوح والدواة، قال في المصباح: اللوح كل صفيحة من خشب وكتف إذا كتب عليه سمي لوحًا، وقوله: (أكتب لكم كتابًا) فيه مجاز مرسل قاله ابن حجر أي آمر لكم بكتب كتاب (لن تضلوا) ولن تخطئوا عن الطريق الحق (بعده) أي بعد ذلك الكتاب أو بعد النبي ولكن فيه التفات حينئذٍ (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان (فقالوا): أي فقال الحاضرون عنده بعضهم لبعض: (إن رسول الله

стр. 7311

صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَهْجُرُ. ٤١٠١ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ (قَال عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَال ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي الْبَيتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ ــ ﷺ يهجر) ويهذي أي يتكلم كلام المريض الوجع الذي اختلط كلامه فلا تتعبوه بإحضار أداة الكتابة والله أعلم. وقوله: (يهجر) قد مر تفسير الهجر عن ابن الأثير بأحسن التعبير وذاك الاستفهام، وكانت تلك الرواية أأدب من هذه الرواية فضلًا عن كونها مقرونة بأداة التأكيد التي هي إن المشددة حيث قال هنا إن رسول الله ﷺ يهجر. وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم والحديث وهذا وأشباهه ناسخ لقوله ﷺ : "لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن ومن كتب عني شيئًا فليمحه" رواه أحمد [٣/ ١٢ و ٣٩ و ٥٦] ومسلم [٣٠٠٤] , والدارمي [١/ ١١٩]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عباس ﵄ فقال: ٤١٠١ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (وعبد بن حميد) بن نصر الكسي البصري، ثقة، من (١١) (قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من (٩) (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من (٧) (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب المدني، من (٤) (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي المدني الأعمى، ثقة، من (٣) (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة عبيد الله لسعيد بن جبير (قال) ابن عباس: (لما حُضر) بالبناء للمجهول (رسول الله ﷺ أي حضره الموت، قال ابن حجر: وفي إطلاق ذلك تجوّز لأنه عاش بعد ذلك أيامًا إلى يوم الاثنين (وفي البيت) أي والحال أن في بيت عائشة عنده ﷺ (رجال) من أصحابه (فيهم) أي في أولئك الرجال (عمر بن

стр. 7312

الْخَطَّابِ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ". فَقَال عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ غَلَبَ عَلَيهِ الْوَجَعُ. وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ. حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيتِ. فَاخْتَصَمُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا ــ الخطاب) ﵃ أجمعين، والفاء في قوله: (فقال النبي ﷺ : زائدة في جواب لما أي لما حضره الوفاة أي مقدماتها وهي شدة المرض قال النبي ﷺ : (هلم) أي أقبلوا إلي وائتوني باللوح والدواة (أكتب لكم كتابًا) جامعًا لمصالح دينكم ودنياكم (لا تضلون بعده) أي بعد ذلك الكتاب عن الطريق المستقيم (فقال عمر) بن الخطاب (أن رسول الله ﷺ قد كلب) واشتد (عليه الوجع) أي الألم (وعندكم القرآن) فهو (حسبنا) أي كافينا في بيان أحكام ديننا وهو (كتاب الله) تعالى ويصح كون حسبنا خبرًا مقدمًا وكتاب الله مبتدأ مؤخر أي كتاب الله حسبنا، فلا تتعبوا رسول الله ﷺ بإحضار ما طلب لأنه وجع فيشق عليه إملاء الكتاب، ظهر لسيدنا عمر أن الأمر ليس للوجوب ودل أمره لهم بالقيام من عنده كما يأتي في هذا الحديث على أن أمره بالإتيان بآلة الكتابة كان على الاختيار ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم لأنه لا يترك التبليغ لمخالفة من خالف وقد كان الصحابة يُراجعون في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش فإذا عزم امتثلوا، وقد عُدَّ هذا من موافقات سيدنا عمر وفراساته واختلف في المراد بالكتاب فقيل كان أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف، وقيل بل أراد أن ينص على أسامي الخلفاء حتى لا يقع بينهم الاختلاف قاله سفيان بن عيينة، ويؤيده أنه ﷺ قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة: "ادْعِي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" أخرجه مسلم، وللبخاري معناه والأول أظهر لقول عمر ﵁: حسبنا كتاب الله مع أنه يشمل الوجه الثاني لأنه بعض أفراده كما في الفتح. (فاختلف أهل البيت) أي أهل بيت عائشة من الرجال الذين حضروا عند رسول الله ﷺ في الإتيان بأدوات الكتابة أو تركها (فاختصموا) في ذلك وتنازعوا حتى ارتفعت أصواتهم (فمنهم من يقول: قرِّبوا) أدوات الكتابة إلى رسول الله صلى الله

стр. 7313

يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَال عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالاخْتِلافَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قُومُوا". قَال عُبَيدُ اللهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَال بَينَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَينَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذلِكَ الْكِتَابَ، مِنِ اخْتِلافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ ــ عليه وسلم (يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر) من قوله عندنا كتاب الله فهو حسبنا فلا تتعبوا رسول الله ﷺ (فلما أكثروا اللغو) أي الكلام الملغي الذي لا نتيجة له (والاختلاف) أي التنازع (عند رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ لهم: (قوموا) عني ولا تشغلوني عما أنا فيه من المراقبة والاستعداد للقاء الله تعالى. (قال عبيد الله) بن عبد الله بالسند السابق (فكان ابن عباس) ﵄ (يقول) عندما يحدّث بهذا الحديث ووقع في رواية البخاري في العلم فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية الخ وظاهره أن ابن عباس كان معهم وأنه في تلك الحالة خرج قائلًا هذه المقالة، ولكن حقق الحافظ في الفتح [١/ ١٨٦] أن الأمر ليس في الواقع كما يقتضيه هذا الظاهر بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدّث بهذا الحديث وأيد الحافظ ذلك بروايات عدة (إن الرزية كل الرزية) أي إن المصيبة كامل المصيبة، أصله الرزيئة بوزن النسيئة وكذلك وقع في بعض روايات البخاري ومعناها المصيبة، وقد تُسهّل الهمزة وتشدّد الياء فيقال: إن الرزية بوزن النسية كما النسيئة والنسية (ما حال) وحجز (بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم) وتنازعهم في الكتابة (ولغطهم) بيان لما الموصولة بفتح الغين وإسكانها يعني الضجة واختلاف الصوت كما في جامع الأصول لابن الأثير، قال في المصباح: اللغط بفتحتين كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين وبابه نفع وألغط بالألف لغة فيه اهـ. وشارك المؤلف في هذه الرواية أيضًا البخاري فقط [٤٤٣٢]. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب أربعة أحاديث: الأول: حديث عبد الله بن

стр. 7314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبي أوفى ذكره للاستدلال به على الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث عائشة ذكره للاستشهاد وذكر فيه متابعة واحدة، والثالث: حديث عائشة الثاني ذكره للاستشهاد أيضًا، والرابع: حديث ابن عباس ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعتين والله أعلم.

стр. 7315

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (٢٥) - كتاب: النذور والأيمان ــ ٢٥ - كتاب النذور والأيمان والنذور جمع نذر كفلس وفلوس، والنذر لغة: الوعد بخير كقولك أُكرمك غدًا أو الإيعاد بشر كقولك أضربك غدًا ومنه الإنذار من عذاب الله في التبليغ. وشرعًا: التزام قربة ليست لازمة بأصل الشرع بصيغ مخصوصة كقوله: لله عليّ صوم أو صلاة أو صدقة، وإنما جمع النذور لاختلاف أنواعها لأن النذر إما أن يكون نذر تبرر وهو نوعان: لأنه إما معلق على أمر محبوب ويسمى نذر مجازاة كقوله: إن شفى الله مريضي فعليّ صوم أو حج، أو غير معلق على شيء ويسمى نذر تبرر فقط كقوله: لله عليّ صلاة أو صوم، وإما أن يكون نذر لجاج وهو ثلاثة أنواع: لأنه إما أن يتعلق به حث أو منع أو تحقيق خبر. والأيمان بفتح الهمزة جمع يمين وهو لغة اليد اليمنى، وقيل معناه في أصل اللغة الحلف بمعظّم في نفسه أو عند الحالف على أمر من الأمور من فعل أو ترك بصيغ مخصوصة كقوله: والله لأفعلن وبحياتك لأتركن، وشرعًا: تحقيق ما يحتمل المخالفة كقولك: والله لأضربن زيدًا أو تأكيده كقولك: والله لأقومن الليل بذكر اسم الله أو صفة من صفاته، وإنما جمع الأيمان نظرًا إلى تعددها بتعدد المحلوف به أو المحلوف عليه، وإنما جمع الأيمان والنذور في كتاب واحد لأن بعض النذور وهو نذر اللجاج يشبه اليمين ولذلك يُخيّر فيه بين كفارة اليمين وبين وفاء ما التزم بخلاف نذر التبرر فإنه يلزم فيه وفاء ما التزم بالاتفاق ولذلك حملوا خبر مسلم "كفارة النذر كفارة يمين" على نذر اللجاج اهـ بيجوري. وأما تسمية العتق والطلاق والصدقة المعفقات على أمر مستقبل أيمانًا فليست كذلك لغة ولا ورد في كلام الشارع تسميتها أيمانًا لكن الفقهاء سموا ذلك أيمانًا فقالوا: باب الأيمان بالطلاق ومن حلف بطلاق زوجته أو بعتق أمته فقال: إن شاء الله لم ينفعه الاستثناء وهم يريدون إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، وتسمية هذه أيمانًا وضع

стр. 7316

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من جهتهم، والأحق بهذا النوع أن يسمى التزامًا لأنه شرط ومشروط وليس من نوع ما تسميه العرب يمينًا اهـ من المفهم. وأركانها أربعة: حالف، ومحلوف به، ومحلوف عليه، وصيغة، ولها أحكام مبسوطة في الفقه. ***

стр. 7317

٥٨٩ - (٢٩) باب الأمر بوفاء النذر والنهي عن النذر المعلق وأنه لا يرد شيئًا من القدر ٤١٠٢ - (١٥٧٨) (١٤٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ ٥٨٩ - (٢٩) باب الأمر بوفاء النذر والنهي عن النذر المعلق وأنه لا يرد شيئًا من القدر ٤١٠٢ - (١٥٧٨) (١٤٢) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح بن المهاجر قالا: أخبرنا الليث ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الأعمى الفقيه (عن ابن عباس) ﵄. وهذان السندان من خماسياته (أنه) أي أن ابن عباس (قال استفتى) أي سأل على سبيل الاستفتاء (سعد بن عبادة) الصحابي الأنصاري المشهور سيد الخزرج شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان مشهورًا بالجود هو وأبوه وجده وولده، وكان له أطم ينادي عليه كل يوم من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنة سعد تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه، وخرج إلى الشام ومات بالحوران سنة (١٥) اهـ من الإصابة باختصار. أي سأل (رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه) اختلف العلماء في تعيين هذا النذر فقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان نذرًا مطلقًا مبهمًا وليس عند أحد منهم دليل صريح على قوله، وقد ساق الحافظ في الفتح [١١/ ٥٠٧] جميع الأقوال والروايات التي استدلوا بها وتعقب جميعها ورجح أن النذر كان معينًا لا مبهمًا (قلت): وقد ذكر ابن الأثير في جامع الأصول [١١/ ٥٥٤] رواية عزاها للنسائي وفيها (أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك) فهذه الرواية ترجح أن النذر كان إعتاقًا والله أعلم (توفيت) وماتت (قبل أن تقضيه) وتوفيه (قال رسول الله ﷺ لسعد:

стр. 7318

"فَاقْضِهِ عَنْهَا". ٤١٠٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ ــ (فاقضه) أي فأوف ذلك النذر (عنها) أي عن أمك، زاد البخاري في النذور من طريق شعيب (فكانت سنة بعد) يعني صار قضاء الوارث ما على المورِّث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا. وإن هذه الزيادة مما تفرد بها شعيب من بين تلامذة الزهري ورجح الحافظ في الفتح أنها من كلام الزهري، ويحتمل أن يكون من شيخه والله أعلم، قال القرطبي: وفي الحديث من الفقه استفتاء الأعلم ما أمكن، وقد اختلف أهل الأصول في ذلك هل يجب على العامي أن يبحث عن الأعلم أو يكتفي بسؤال عالم أي عالم كان فيه قولان وقد أوضحناهما في الأصول وبيّنا أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم لأن الأعلم أرجح والعمل بالراجح واجب؟ وقد اختلف في هذا النذر الذي على أم سعد فقيل: إنه كان نذرًا مطلقًا، وقيل صومًا، وقيل عتقًا، وقيل صدقة، والكل محتمل ولا معين فهو مجمل ولا خلاف أن حقوق الأموال من العتق والصدقة تصح فيها النيابة وتصح توفيتها عن الميت والحي، وإنما اختلف في الحج والصوم كما تقدم ذلك في كتابيهما اهـ من المفهم. وقوله: (فاقضه) أمر بالقضاء على جهة الفتوى فيما سُئل عنه فلا يُحمل على الوجوب بل على جهة بيان أنه إن فعل ذلك صح بل نقول لو ورد ذلك ابتداء وافتتاحًا لما حُمل على الوجوب إلا أن يكون ذلك النذر ماليًا وتركت مالًا فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال أو من الثلث كما ذكرناه في الوصايا وإن كان حقًّا بدنيًا فمن يقول بأن الولي يقضيه عن الميت لم يقل إن ذلك يجب على الولي بل ذلك على الندب إن طاعت ذلك نفسه ومن تخيل شيئًا من ذلك فهو محجوج بقوله ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه لمن شاء" رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وهو نص في الغرض. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢١٩]، والبخاري [٦٦٩٨]، وأبو داود [٣٣٠٧]، والنسائي [٦/ ٢٥٣]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال: ٤١٠٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت

стр. 7319

عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيثِ. وَمَعْنَى حَدِيثِهِ. ٤١٠٤ - (١٥٧٩) (١٤٣) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال ــ على مالك ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (عن ابن عيينة ح وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا) عبد الله (بن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمرح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل) بن داود التيمي البكري أبي داود الكوفي، روى عن الزهري في النذور ونافع، ويروي عنه (م عم) وهشام بن عروة حديثًا واحدًا وأبوه وائل وشعبة وابن عيينة، له في مسلم فرد حديث، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من الثامنة، مات قديمًا (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة المذكورين يعني مالكًا وابن عيينة ويونس ومعمرًا وبكر بن وائل رووا (عن الزهري بإسناد الليث) يعني عن عبيد الله عن ابن عباس (ومعنى حديثه) أي وبمعنى حديث الليث لا بلفظه، وغرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة لليث بن سعد، وفي أغلب النسخ (ومعنى حديثه) بإثبات الواو العاطفة على إسناد الليث وإسقاطها أوضح وأوفق للقاعدة النحوية لأن المتعاطفين لا اجتماع بينهما في المعنى لأن معنى الحديث مروي والإسناد مروي به ولعل إثباتها تحريف من النساخ لأن الرواية تتعدى إلى الحديث بلا واسطة وإلى الإسناد بواسطة حرف الجر والله أعلم. ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: ٤١٠٤ - (١٥٧٩) (١٤٣) (وحدثني زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال

стр. 7320

إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ. وَيقُولُ: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ". ٤١٠٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ــ إسحاق: أخبرنا وقال زهير: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي ثم الرازي، ثقة، من (٨) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة، من (٥) (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عمر: (أخذ) أي شرع (رسول الله ﷺ يومًا ينهانا عن النذر) المعلق، قال المازري: يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزمًا له فيأتي به تكلفًا بغير نشاط، وقال القاضي عياض: ويحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر ويمنع من حصول المقدّر فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك اهـ (ويقول) رسول الله ﷺ : (إنه) أي إن النذر المعلّق (لا يرد) أي لا يدفع (شيئًا) من الشر ولا يجلب شيئًا من الخير، ففي الكلام اكتفاء يعني أن النذر المعلق لا يُغني من القدر شيئًا كما هو لفظ الحديث في الرواية الآتية والرواية التالية النذر لا يقدّم شيئًا ولا يؤخِّرُه (وإنما يستخرج) بالبناء للمجهول، والفاعل المحذوف هو الله سبحانه أي إنما يستخرج (به) المال (من) يد (الشحيح) أي البخيل فإن البخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفي أولًا فيلتزمه في مقابلة ما سيحصل له ويعلّقه على جلب نفع أو دفع ضر وذلك لا يسوق إليه خيرًا لم يقدر له ولا يرد عنه شرًّا قُضي عليه ولكن النذر قد يوافق القدر فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه أفاده ملا علي. ويأتي حديثًا في آخر الباب وفي شرح القاضي: عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١١٨]، والبخاري [٦٦٩٢]. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال: ٤١٠٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد العزيز اليشكري بفتح الياء
следующие страницы →