Полный текст (11 982 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من جهتهم، والأحق بهذا النوع أن يسمى التزامًا لأنه شرط ومشروط وليس من نوع ما تسميه العرب يمينًا اهـ من المفهم. وأركانها أربعة: حالف، ومحلوف به، ومحلوف عليه، وصيغة، ولها أحكام مبسوطة في الفقه.
***
стр. 7317
٥٨٩ - (٢٩) باب الأمر بوفاء النذر والنهي عن النذر المعلق وأنه لا يرد شيئًا من القدر
٤١٠٢ - (١٥٧٨) (١٤٢) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ. قَالا: أَخْبَرَنَا اللَّيثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ. قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ :
ــ
٥٨٩ - (٢٩) باب الأمر بوفاء النذر والنهي عن النذر المعلق وأنه لا يرد شيئًا من القدر
٤١٠٢ - (١٥٧٨) (١٤٢) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي ومحمد بن رمح بن المهاجر قالا: أخبرنا الليث ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الأعمى الفقيه (عن ابن عباس) ﵄. وهذان السندان من خماسياته (أنه) أي أن ابن عباس (قال استفتى) أي سأل على سبيل الاستفتاء (سعد بن عبادة) الصحابي الأنصاري المشهور سيد الخزرج شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان مشهورًا بالجود هو وأبوه وجده وولده، وكان له أطم ينادي عليه كل يوم من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة، وكانت جفنة سعد تدور مع النبي ﷺ في بيوت أزواجه، وخرج إلى الشام ومات بالحوران سنة (١٥) اهـ من الإصابة باختصار.
أي سأل (رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه) اختلف العلماء في تعيين هذا النذر فقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: كان نذرًا مطلقًا مبهمًا وليس عند أحد منهم دليل صريح على قوله، وقد ساق الحافظ في الفتح [١١/ ٥٠٧] جميع الأقوال والروايات التي استدلوا بها وتعقب جميعها ورجح أن النذر كان معينًا لا مبهمًا (قلت): وقد ذكر ابن الأثير في جامع الأصول [١١/ ٥٥٤] رواية عزاها للنسائي وفيها (أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك) فهذه الرواية ترجح أن النذر كان إعتاقًا والله أعلم (توفيت) وماتت (قبل أن تقضيه) وتوفيه (قال رسول الله ﷺ لسعد:
стр. 7318
"فَاقْضِهِ عَنْهَا".
٤١٠٣ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَال: قَرَأْتُ
ــ
(فاقضه) أي فأوف ذلك النذر (عنها) أي عن أمك، زاد البخاري في النذور من طريق شعيب (فكانت سنة بعد) يعني صار قضاء الوارث ما على المورِّث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبًا أو ندبًا. وإن هذه الزيادة مما تفرد بها شعيب من بين تلامذة الزهري ورجح الحافظ في الفتح أنها من كلام الزهري، ويحتمل أن يكون من شيخه والله أعلم، قال القرطبي: وفي الحديث من الفقه استفتاء الأعلم ما أمكن، وقد اختلف أهل الأصول في ذلك هل يجب على العامي أن يبحث عن الأعلم أو يكتفي بسؤال عالم أي عالم كان فيه قولان وقد أوضحناهما في الأصول وبيّنا أنه يجب عليه أن يبحث عن الأعلم لأن الأعلم أرجح والعمل بالراجح واجب؟ وقد اختلف في هذا النذر الذي على أم سعد فقيل: إنه كان نذرًا مطلقًا، وقيل صومًا، وقيل عتقًا، وقيل صدقة، والكل محتمل ولا معين فهو مجمل ولا خلاف أن حقوق الأموال من العتق والصدقة تصح فيها النيابة وتصح توفيتها عن الميت والحي، وإنما اختلف في الحج والصوم كما تقدم ذلك في كتابيهما اهـ من المفهم.
وقوله: (فاقضه) أمر بالقضاء على جهة الفتوى فيما سُئل عنه فلا يُحمل على الوجوب بل على جهة بيان أنه إن فعل ذلك صح بل نقول لو ورد ذلك ابتداء وافتتاحًا لما حُمل على الوجوب إلا أن يكون ذلك النذر ماليًا وتركت مالًا فيجب على الوارث إخراج ذلك من رأس المال أو من الثلث كما ذكرناه في الوصايا وإن كان حقًّا بدنيًا فمن يقول بأن الولي يقضيه عن الميت لم يقل إن ذلك يجب على الولي بل ذلك على الندب إن طاعت ذلك نفسه ومن تخيل شيئًا من ذلك فهو محجوج بقوله ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه لمن شاء" رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وهو نص في الغرض.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١/ ٢١٩]، والبخاري [٦٦٩٨]، وأبو داود [٣٣٠٧]، والنسائي [٦/ ٢٥٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس ﵄ فقال:
٤١٠٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (قال: قرأت
стр. 7319
عَلَى مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ بَكْرٍ بْنِ وَائِلٍ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِإِسْنَادِ اللَّيثِ. وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.
٤١٠٤ - (١٥٧٩) (١٤٣) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَال
ــ
على مالك ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير بن شابور (الناقد) أبو عثمان البغدادي (وإسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (عن ابن عيينة ح وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا) عبد الله (بن وهب أخبرني يونس) بن يزيد الأيلي (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمرح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من (٨) (عن هشام بن عروة عن بكر بن وائل) بن داود التيمي البكري أبي داود الكوفي، روى عن الزهري في النذور ونافع، ويروي عنه (م عم) وهشام بن عروة حديثًا واحدًا وأبوه وائل وشعبة وابن عيينة، له في مسلم فرد حديث، قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق، من الثامنة، مات قديمًا (كلهم) أي كل من هؤلاء الخمسة المذكورين يعني مالكًا وابن عيينة ويونس ومعمرًا وبكر بن وائل رووا (عن الزهري بإسناد الليث) يعني عن عبيد الله عن ابن عباس (ومعنى حديثه) أي وبمعنى حديث الليث لا بلفظه، وغرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء الخمسة لليث بن سعد، وفي أغلب النسخ (ومعنى حديثه) بإثبات الواو العاطفة على إسناد الليث وإسقاطها أوضح وأوفق للقاعدة النحوية لأن المتعاطفين لا اجتماع بينهما في المعنى لأن معنى الحديث مروي والإسناد مروي به ولعل إثباتها تحريف من النساخ لأن الرواية تتعدى إلى الحديث بلا واسطة وإلى الإسناد بواسطة حرف الجر والله أعلم.
ثم استدل المؤلف ﵀ على الجزء الثاني من الترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
٤١٠٤ - (١٥٧٩) (١٤٣) (وحدثني زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قال
стр. 7320
إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ. قَال: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا يَنْهَانَا عَنِ النَّذْرِ. وَيقُولُ: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيئًا. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ".
٤١٠٥ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى
ــ
إسحاق: أخبرنا وقال زهير: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي ثم الرازي، ثقة، من (٨) (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة، من (٥) (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي الكوفي، ثقة، من (٣) (عن عبد الله بن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته (قال) ابن عمر: (أخذ) أي شرع (رسول الله ﷺ يومًا ينهانا عن النذر) المعلق، قال المازري: يحتمل أن يكون سبب النهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزمًا له فيأتي به تكلفًا بغير نشاط، وقال القاضي عياض: ويحتمل أن النهي لكونه قد يظن بعض الجهلة أن النذر يرد القدر ويمنع من حصول المقدّر فنهى عنه خوفًا من جاهل يعتقد ذلك اهـ (ويقول) رسول الله ﷺ : (إنه) أي إن النذر المعلّق (لا يرد) أي لا يدفع (شيئًا) من الشر ولا يجلب شيئًا من الخير، ففي الكلام اكتفاء يعني أن النذر المعلق لا يُغني من القدر شيئًا كما هو لفظ الحديث في الرواية الآتية والرواية التالية النذر لا يقدّم شيئًا ولا يؤخِّرُه (وإنما يستخرج) بالبناء للمجهول، والفاعل المحذوف هو الله سبحانه أي إنما يستخرج (به) المال (من) يد (الشحيح) أي البخيل فإن البخيل لا تطاوعه نفسه بإخراج شيء من يده إلا في مقابلة عوض يستوفي أولًا فيلتزمه في مقابلة ما سيحصل له ويعلّقه على جلب نفع أو دفع ضر وذلك لا يسوق إليه خيرًا لم يقدر له ولا يرد عنه شرًّا قُضي عليه ولكن النذر قد يوافق القدر فيُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يخرجه أفاده ملا علي. ويأتي حديثًا في آخر الباب وفي شرح القاضي: عادة الناس تعليق النذور على حصول المنافع ودفع المضار فنهى عنه فإن ذلك فعل البخلاء إذ السخي إذا أراد أن يتقرب إلى الله تعالى استعجل فيه وأتى به في الحال اهـ. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ١١٨]، والبخاري [٦٦٩٢].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٤١٠٥ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد العزيز اليشكري بفتح الياء
стр. 7321
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَال: "النَّذْرُ لَا يُقَدِّمُ شَيئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ".
٤١٠٦ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ
ــ
وسكون المعجمة وضم الكاف أبو علي الصائغ المروزي، روى عن يزيد بن أبي حكيم في النذور، ويروي عنه (خ م س) قال النسائي: ثقة، وقال في التقريب: ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة مائتين واثنتين وخمسين (٢٥٢) وفي التهذيب: روى عنه مسلم أربعة أحاديث (حدثنا يزيد بن أبي حكيم) بفتح الحاء المهملة أبي عبد الله الكناني العدني، روى عن الثوري في النذور ومالك، ويروي عنه (م ت س ق) قال أبو داود: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: مستقيم الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في التقريب: صدوق، من التاسعة، مات سنة (٢٢٠) مائتين وعشرين والله أعلم (عن سفيان) بن سعيد الثوري (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم مولى ابن عمر المدني (عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لعبد الله بن مرة (عن النبي ﷺ أنه قال: النذر لا يقدِّم شيئًا) من المنافع ولا يحصّله كالشفاء من المرض وحدوث الولد مثلًا (ولا يؤخره) أي لا يؤخر شيئًا من المضار ولا يدفعه كالموت والبلاء (وإنما يستخرج به) المال (من البخيل) وفي الرواية السابقة من الشحيح، والشحيح والبخيل كلاهما بمعنى واحد والمعنى أن النذر شيء يُخرج من البخيل ما لولاه لم يكن يريد أن يُخرجه، وقال الطيبي: إن الله يحب البذل والإنفاق فمن سمحت أريحيَّته فذلك وإلا فيشرع النذر ليستخرج به مال البخيل كذا في مرقاة المفاتيح [٧/ ٣٥].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٤١٠٦ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غندر) بضم المعجمة وفتح الدال لقب محمد بن جعفر الهذلي البصري، وتقدم بيان سبب تلقيبه بذلك في أوائل الكتاب وجملة من لفب بغندر من المحدثين عشرة ذكرهم الذهبي في تذكرة الحفاظ [٣/ ٩٦١ - ٩٦٤] في ترجمة غندر أبي بكر محمد بن جعفر البغدادي الورّاق (عن شعبة) بن
стр. 7322
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيرِ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ".
٤١٠٧ - (٠٠) (٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عَنْ سُفْيَانَ. كِلاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ
ــ
الحجاج (ح وحدثنا محمد بن المثنى و) محمد (بن بشار واللفظ لابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الكوفي (عن ابن عمر) ﵄. وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لجرير بن عبد الحميد (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر) المعلّق (وقال) النبي ﷺ : (إنه) أي إن النذر المعقق (لا يأتي بخير) ونفع ولا يحصّله كشفاء المريض وقدوم الغائب (وإنما يُستخرج به) المال (من البخيل) والمعنى إن النذر غير مؤثر في إيجاد الخير الذي يريده الإنسان وإن الله يستجيب الدعوات في كل حال فلا ينبغي أن تعلق العبادات بشروط والذي ينبغي أن يكون العبد مخلصًا عبادته لوجهه الكريم ويدعوه في حوائجه فإن ذلك يأتي بخير إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٤١٠٧ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة، من (١١) (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي الكوفي، ثقة، من (٩) (حدثنا مفضل) بن مهلهل السعدي الكوفي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من (٩) (عن سفيان) بن سعيد الثوري (كلاهما) أي كل من مفضل وسفيان رويا (عن منصور) بن المعتمر (بهذا الإسناد) يعني عن عبد الله بن مرة عن ابن عمر (نحو حديث جرير) بن عبد الحميد، غرضه بيان متابعة مفضل وسفيان لجرير بن عبد الحميد.
стр. 7323
٤١٠٨ - (١٥٨٠) (١٤٤) وحدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنِ الْعَلاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تَنْذُرُوا. فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيئًا. وَإِنَّمَا يُستَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ"
ــ
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة ﵃ فقال:
٤١٠٨ - (١٥٨٠) (١٤٤) (وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد الجهني مولاهم (يعني الدراوردي) المدني، صدوق، من (٨) (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، صدوق، من (٥) (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مدنيون إلا قتيبة (أن رسول الله ﷺ قال: لا تنذروا) بفتح التاء وضم الذال وكسرها من بابي نصر وضرب أي لا تنذروا النذر المعلّق (فإن النذر لا يُغني) أي لا يدفع (من القدر) أي من البلاء المقدر عليك (شيئًا) أي قليلًا ولا كثيرًا (وإنما يُستخرج به) المال (من) يد (البخيل) وهذا النذر المنهي عنه وهو النذر المعلّق لا نذر التبرر كأن يقول: إن شفى الله مريضي أو قدم غائبي فعليّ عتق رقبة أو صدقة كذا أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل وهذه حال البخيل فإنه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربى على ما أخرج وهذا المعنى هو الذي أشار إليه ﷺ بقوله: (إنما يُستخرج به من البخيل) ما لم يكن البخيل يخرجه ثم يضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر وإليهما الإشارة بقوله ﷺ : "فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا" وهاتان جهالتان فالأولى: تُقَارِب الكفر والثانية: خطأ صُراح.
وإذا تقرر هذا فهل هذا النهي محمول على التحريم أو على الكراهة، المعروف من مذاهب العلماء الكراهة؟ (قلت): والذي يظهر لي حمله على التحريم في حق من يخاف
стр. 7324
٤١٠٩ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَال: سَمِعْتُ الْعَلاءَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ. وَقَال: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنَ الْقَدَرِ. وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ"
ــ
عليه ذلك الاعتقاد الفاسد فيكون إقدامه على ذلك محرمًا والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك والله تعالى أعلم. وإذا وقع هذا النذر على هذه الصفة لزمه الوفاء به قطعًا من غير خلاف ولقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" رواه أحمد والبخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يُفرّق بين النذر المعلّق ولا غيره؟ ومما يُلحق بهذا النهي في الكراهة النذر على وجه التبرم والتحرج فالأول كمن يستثقل عبدًا لقلة منفعته وكثرة مؤنته فينذر عتقه تخلصًا منه وإبعادًا له وإنما يكره ذلك لعدم تمحض نية القربة، والثاني: أن يقصد التضييق على نفسه والحمل عليها بان ينذر كثيرًا من الصوم أو من الصلاة أو من غيرهما مما يؤدي إلى الحرج والمشقة مع القدرة عليه فأما لو التزم بالنذر ما لا يطيقه لكان ذلك محرمًا فأما النذر الخارج عما تقدم فما كان منه غير معلّق على شيء وكان طاعة جاز الإقدام عليه ولزم الوفاء به، وأما ما كان منه على جهة الشكر فهو مندوب إليه كمن شُفي مريضه فقال: لله عليّ أن أصوم كذا أو أن أتصدق بكذا شكرًا لله تعالى اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٤١٢]، والبخاري [٦٦٩٤]، وأبو داود [٣٢٨٨]، والترمذي [١٥٣٨]، والنسائي [٧/ ١٦]، وابن ماجه [٢١٢٣].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١٠٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت العلاء) بن عبد الرحمن (يحدّث عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب (عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي ﷺ وهذا السند من سداسياته، غرضه بيان متابعة شعبة لعبد العزيز، وفائدتها تقوية السند الأول وتصريح السماع فيها (أنه نهى عن النذر، وقال) النبي ﷺ في بيان حكمة النهي (إنه لا يرد من القدر) شيئًا (وإنما يُستخرج به من البخيل).
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
стр. 7325
٤١١٠ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَمْرٍو (وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِن ابْنِ آدَمَ شَيئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ. وَلكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ. فَيُخْرَجُ بِذلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ".
٤١١١ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ الْقَارِيَّ) وَعَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ)
ــ
٤١١٠ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر) السعدي المروزي (قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن عمرو وهو ابن أبي عمرو) ميسرة مولى المطلب بن عبد الله أبي عثمان المدني، ثقة، من (٥) (عن عبد الرحمن) بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود (الأعرج) المدني، ثقة، من (٣) (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته، غرضه بيان متابعة الأعرج لعبد الرحمن بن يعقوب (أن النبي ﷺ قال: إن النذر لا يُقرّب من ابن آدم) ولا يحصل له (شيئًا لم يكن الله قدّره) وكتبه (له ولكن النذر يوافق القدر) أي ما قدر الله له أزلًا من المنافع (فيخرج) بالبناء للمجهول (بذلك) النذر (من) يد (البخيل ما لم يكن البخيل) وما موصولة في محل الرفع نائب فاعل ليُخرج أي مال لم يكن البخيل (يريد أن يُخرج) ويعطي لبخله، ففيه إشارة إلى لزوم وفاء النذر لأن غير البخيل يعطي باختياره والبخيل إنما يعطي بواسطة النذر الموجب عليه يعني أن البخيل لا يأتي بالقُرب تطوعًا محضًا مبتدأ وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المريض أو قدوم الغائب ونحو ذلك مما يعلّق النذر عليه وهذا كما يتصور في النذر المعلّق يتصور في النذر المطلق أيضًا لأن بعض الناس لا ينشط لفعل القربة فيضطر نفسه لفعلها بالنذر.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١١١ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن) بن محمد بن عبد الله (القاري) بتشديد الياء نسبة إلى بني قارة وهم بطن معروف من العرب مشهورون بجودة الرمي المدني، ثقة، من (٨) (وعبد العزيز) بن محمد (يعني الدراوردي
стр. 7326
كِلاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، بِهذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
ــ
كلاهما) أي كل من يعقوب وعبد العزيز رويا (عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد) يعني عن الأعرج عن أبي هريرة (مثله) أي مثل ما روى إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو، غرضه بيان متابعتهما لإسماعيل بن جعفر.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: حديث ابن عباس ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث عبد الله بن عمر ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة وذكر فيه ثلاث متابعات، والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث ابن عمر وذكر فيه ثلاث متابعات والله أعلم.
***
стр. 7327
٥٩٠ - (٣٠) باب لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد وبيان حكم من نذر أن يمشي إلى الكعبة وبيان كفارة النذر
٤١١٢ - (١٥٨١) (١٤٥) وحدّثني زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيرٍ). قَالا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ. قَال: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيلٍ. فَأسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَينِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيلٍ. وَأَصَابُوا
ــ
٥٩٠ - (٣٠) باب لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد وليان حكم من نذر أن يمشي إلى الكعبة وبيان كفارة النذر
٤١١٢ - (١٥٨١) (١٤٥) (وحدثني زهير بن حرب وعلي بن حجر السعدي) المروزي (واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي المصري المعروف بابن علية (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة السختياني العنزي البصري (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري (عن) عمه (أبي المهلب) بفتح اللام المشددة عمرو بن معاوية الجرمي البصري (عن عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري الصحابي المشهور ﵄. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم بصريون إلا واحدًا أعني زهيرًا فإنه نسائي وعلي بن حجر فإنه مروزي، وفيه رواية تابعي عن تابعي (قال) عمران بن حصين: (كانت ثقيف) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، قبيلة مشهورة من العرب مواطنون في الطائف وما حواليها من القرى (حلفاء لبني عقيل) بضم العين وبالصرف لتصغيره، قبيلة مشهورة منهم أيضًا، والحلفاء جمع حليف كظرفاء جمع ظريف والحليف اسم فاعل من حلف عدل عن حالف للمبالغة وقد كثر حتى صار كالأسماء، وهو المعاهد يقال منه تحالفا إذا تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدًا في النصرة والحماية وكان بينه ﷺ وبين ثقيف عهد أن لا يتعرضوا لأحد من المسلمين فنقض ثقيف عهدهم كما ذكره بقوله: (فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ لم أر أحدًا من الشراح ذكر اسمهما (وأسر أصحاب رسول الله ﷺ أي أخذوا (رجلًا من بني عقيل) لأنهم حلفاء ثقيف داخلون في حكمهم في نقض العهد فشدوه بالوثاق أي ربطوه (وأصابوا) أي
стр. 7328
مَعَهُ الْعَضْبَاءَ. فَأَتَى عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ. قَال: يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ. فَقَال: "مَا شَأْنُكَ؟ " فَقَال: بِمَ أَخَذْتَنِي؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟
ــ
وأصاب أصحاب رسول الله ﷺ أي أخذوا (معه) أي مع ذلك الرجل المأسور من بني عقيل (العضباء) وهي ناقة نجيبة كانت لرجل من بني عقيل كما يأتي ثم انتقلت إلى رسول الله ﷺ إما بحكم سهمه الخاص به من المغنم المسمى بالصفي، وإما بالمعاوضة الصحيحة وهي المسماة بالجدعاء والقصواء والخرماء في روايات أُخر، والعضب والقصو والجدع والخرم كلها بمعنى القطع، وسُميت هذه الناقة بتلك الأسماء لأنه كان في أذنها قطع وسُميت به فصدقت عليها تلك الأسماء كلها وعلى هذا فأصول هذه الأسماء تكون صفات لها ثم كثُرت فاستعملت استعمال الأسماء اهـ من المفهم (فأتى عليه) أي مر على ذلك الرجل الأسير المربوط (رسول الله ﷺ وهو) أي والحال أن ذلك الرجل (في الوثاق) أي في القيد، والوثاق اسم لما يوثق به (قال) ذلك الرجل: (يا محمد فأتاه) رسول الله ﷺ (فقال) له رسول الله ﷺ : (ما شأنك) وحالك أيها الرجل وما حاجتك؟ حيث ناديتني (فقال) الرجل لرسول الله ﷺ : (بِمَ) بفتح الميم مع حذف الألف لأن أصله بما حُذفت منها الألف فرقًا بينها وبين ما الموصولة وهو استفهام عن السبب الذي أوجب أخذه وأخذ ناقته وكأنه كان يعتقد أن له أو لقبيلته عهدًا من النبي ﷺ أي بأي سبب وبأي ذنب (أخذتني) أي أخذني أصحابك وأسروني (وبمَ أخذت) بفتح التاء للخطاب أي وبأي سبب أخذ أصحابك ناقتي (سابقة الحاج) أي سابقة نوق الحجاج في أيام الموسم أراد بها العضباء فإنها كانت تسبق نوق الحجاج في سفرها ولا تسبق أو لا تكاد تسبق معروفة بذلك حتى جاء أعرابي على قعود فسبقها، والقعود بالفتح ما استحق الركوب من الإبل، وقد أخرج البخاري في باب التواضع من كتاب الرقاق عن أنس قال: كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى العضباء وكانت لا تُسْبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا: سُبقت العضباء، فقال رسول الله ﷺ : "إن حقًّا على الله أن لا يُرفع شيء من الدنيا إلا وضعه"، وإنما سأله الأسير عن سبب أخذها لأنه كان يعتقد أن له ولقبيلته عهدًا
стр. 7329
فَقَال (إِعْظَامًا لِذلِكَ): "أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ" ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ
ــ
من النبي ﷺ مع أن ثقيف نقضت العهد بأسر رجلين من أصحاب النبي ﷺ فانتقض عهدها وعهد حلفائها فأجابه النبي ﷺ بذكر السبب إعظامًا لحق الوفاء وإبعادًا لنسبة الغدر إليه ﷺ (فقال) له رسول الله ﷺ : (إعظامًا لذلك) أي لنسبة الغدر إليه وإبعادًا له وهذا حكاية حال من الراوي فهو مدرج من كلامه وليس من مقول النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون الإعظام منه ﷺ فهو إعظام لحق الوفاء وابعاد لنسبة الغدر إليه ويحتمل أيضًا أن يكون من الأسير ويكون في الكلام التقديم والتأخير ويكون الإعظام الأخذ ولا يخفى أن الاحتمال الأول هو الراجح والحاصل أن سؤال الأسير عن سبب أخذه كان يتضمن نسبة الغدر ونقض العهد إلى النبي ﷺ وأصحابه فأعظمه النبي ﷺ وأجاب بما أجاب فقال: (أخذتك بجريرة) أي بذنب وجناية (حلفائك ثقيف) أي بما فعلته ثقيف من الجناية التي نقضوا بها ما بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد وكانت بنو عقيل دخلوا معهم في ذلك إما بحكم الشرط وفيه بُعد، والظاهر أنهم دخلوا معهم بحكم الحلف الذي كان بينهم ولذلك ذكر حلفهم في الحديث، والجريرة بالفتح في اللغة الذنب والجناية يقال: جر على نفسه وغيره يجرها بضم الجيم وفتحها جريرة إذا جنى عليهم جناية كما في تاج العروس [٣/ ٩٤] فالمعنى أني أخذتك بجناية حلفائك ثقيف فإنهم أسروا رجلين من أصحابنا ونقضوا بذلك عهدهم، وقد ذكر الخطابي في ذلك وجوهًا؛ الأول: أن العهد كان مع بني ثقيف وحلفائهم جميعًا بأنهم لا يتعرضون للمسلمين فنقض بنو ثقيف العهد ولم ينكره بنو عقيل فأخذوا بجريرتهم. والثاني: أن بني عقيل لم يكن معهم عهد فكان الأسير رجلًا كافرًا ولا عهد له فكان يجوز أخذه وأسره وقتله فإذا جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كافرة جاز أن يؤخذ بجريرة غيره ممن كان حليفًا له. والثالث: أن يكون في الكلام حذف يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك ثقيف فيُفدى بك الأسرى الذين أسرهم ثقيف منا ألا تراه يقول: (ففدى الرجلين) فالظاهر أن العهد كان مع ثقيف وحلفائها فأُخذ رجل من بني عقيل ليُفدى بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف اهـ. ولما سمع الرجل الأسير ذلك لم يجد جوابًا فسكت (ثم انصرف) رسول الله ﷺ وولى (عنه) أي عن ذلك الأسير
стр. 7330
فَنَادَاهُ. فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا. فَرَجَعَ إِلَيهِ فَقَال: "مَا شَأْنُكَ؟ " قَال: إِنِّي مُسْلِمٌ. قَال: "لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْركَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاحِ"
ــ
وذهب (فناداه) أي نادى الأسير النبي ﷺ مرة ثانية (فقال: يا محمد يا محمد) تعال إليّ مرتين، وكان هذا النداء من الرجل على جهة الاستلطاف والاستعطاف ولذلك رق له رسول الله ﷺ فرجع له (وكان رسول الله ﷺ رحيمًا) بالعباد بإحسانه إليهم (رقيقًا) أي رقيق القلب شفيقه غير غليظه (فرجع) رسول الله ﷺ (إليه) مرة ثانية (فقال) له رسول الله ﷺ : (ما شأنك) أي ما حالك وما مطلبك إذ ناديتني مرة ثانية، رحمة ورفقًا على مقتضى خلقه الكريم ولذلك قال الراوي: وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا فـ (قال) له الرجل: شأني (إني مسلم) أي داخل في الإسلام فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (لو قلتها) أي لو قلت كلمة الإسلام (وأنت) أي والحال أنك (تملك أمرك) وشأنك قبل الأسر أي لو قلتها حين كنت مالك أمرك أي في حال اختيارك قبل كونك أسيرًا أي لو قلت ما تقوله الآن وهو أنك مسلم قبل أسرك (أفلحت كل الفلاح) بالفوز بالإسلام وبالسلامة من الأسر لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر ولما أسلمت بعد الأسر أفلحت بعض الفلاح حيث سقط الخيار في قتلك وبقي الخيار بين الاسترقاق والمن والفداء ففُدي بالرجلين، قال النووي: وفي هذا جواز المفاداة وأن إسلام الأسير لا يُسقط حق الغانمين منه بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر اهـ وليس في الحديث دلالة على أنه ﷺ لم يقبل منه إسلامه وأما فداؤه اللازم له الرجوع إلى دار الكفر فلا ينافي إسلامه لجواز أن يكون الرد شرطًا في العهد الذي بينه وبينهم ويكون قادرًا على إظهار دينه لقوته في قومه؛ والمعنى لو قلت ما تقوله الآن وهو أنك مسلم حين تملك أمرك يعني قبل الأسر لنجيت نفسك من الأسر في الدنيا ومن العذاب في الآخرة فإن الرجل إذا أقر بالإسلام قبل أن يؤسر لم يجز أسره ولا قتله، وأما إذا أسلم بعد الأسر فقد نجى نفسه من القتل فقط ولكن يجوز للإمام أن يسترقه أو يُمنّ عليه أو يفاديه فإن الإسلام بعد الأسر لا ينافي الاسترقاق اهـ.
وقوله: (إني مسلم) قال القرطبي: ظاهر اللفظ أنه قد صار مسلمًا بدخوله في دين
стр. 7331
ثُمَّ انْصَرَفَ. فَنَادَاهُ. فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَأَتَاهُ فَقَال: "مَا شَأْنكَ؟ " قَال: إِنِّي جَائِعْ فَأَطْعِمْنِي.
وَ
ــ
الإسلام، وظاهر قوله ﷺ أنه لم يَقبل ذلك منه حين أجابه بقوله: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" أي قد فزت كامل الفوز وحينئذٍ يلزم منه إشكال عظيم فإن ظاهره أنه لم يُقبل منه إسلامه لأنه أسير مغلوب عليه لا يملك نفسه وعلى هذا فلا يصح إسلام الأسير في حال كونه أسيرًا وصحة إسلامه معلوم من الشريعة لا خلاف فيها غير أن إسلامه لا يُزيل ملك مالكه بوجه وهو أيضًا معلوم من الشارع. ولما ظهر هذا الإشكال اختلفوا في الانفصال عنه فقال بعض العلماء: يمكن أن يكون علم النبي ﷺ من حاله أنه لم يصدق في ذلك بالوحي ولذلك لما سأله في المرة الثالثة فقال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني قال: هذه حاجتك؟ وقال بعضهم: بل إسلامه صحيح وليس فيه ما يدل على أنه رد إسلامه، ومال الأبي في شرحه إلى أن الرجل إنما أظهر إسلامه تقية ولم يؤمن بقلبه عرفه النبي ﷺ بالوحي فلذلك رده إلى الكفار وهذا الوجه مختص بالنبي ﷺ لأن غيره لا يعرف حقيقة ما في قلب الرجل فنحن مأمورون بالجريان على الظاهر اهـ منه.
وأما قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) أي لو قلت كلمة الإسلام قبل أن تؤسر لبقيت حرًّا من أحرار المسلمين لك ما لهم من الحرية في الدنيا وثواب الجنة في الآخرة وأما إذا قلتها وأنت أسير فإن حكم الرق لا يزول عنك بإسلامك؟ فإن قيل: فلو كان مسلمًا فكيف يُفادى به من الكفار رجلان مسلمان، فالجواب أنه ليس في الحديث نص على أنه رجع إلى بلاده بلاد الكفر فيمكن أن يقال: إنما فُدي بالرجلين من الرق فأعتق منه بسبب ذلك وبقي مع المسلمين حرًّا من الأحرار، وليس في قوله هذه حاجتك ما يدل على أن إسلامه ليس بصحيح كما ظنه القائل الأول وإنما معنى ذلك هذه حاجتك حاضرة متيسرة (قلت): وهذا الوجه الثاني أولى لأنه لا نص في الحديث يرده ولا قاعدة شرعية تبطله والله تعالى أعلم اهـ من المفهم.
(ثم انصرف) ورجع من عنده رسول الله ﷺ (فناداه) مرة ثالثة (فقال يا محمد يا محمد) على وجه الاستعطاف كما مر (فأتاه) رسول الله ﷺ (فقال) له: (ما شأنك) وحاجتك (قال) الرجل: (إني جائع فأطعمني و) إني
стр. 7332
ظَمْآنُ فَأَسْقِنِي. قَال: "هذِهِ حَاجَتُكَ" فَفُدِيَ بِالرَّجُلَينِ.
قَال: وَأُسِرَتِ امْرأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ. فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ في الْوَثَاقِ
ــ
(ظمآن) أي عطشان (فأسقني قال) له رسول الله ﷺ : (هذه حاجتك) جملة اسمية قدم خبرها على مبتدئها على معنى الحصر أي حاجتك هذه حاضرة متيسرة فلا يهمنك شأنها فإنها تُقضى فورًا يعني أن الطعام والشراب من حاجاتك الأصلية فنحن نقضيها، وفيه دليل على أن الأسير يستحق الطعام والشراب من الذي أسره (ففُدي) ذلك الرجل أي خُلي سبيله (بـ) مقابلة تخلية (الرجلين) يعني خلى النبي ﷺ عن سبيله عوضًا عن تخلية ثقيف الرجلين اللَّذَين أسرتهما من أصحاب النبي ﷺ .
(واعلم) أن هذا الحديث مشتمل على واقعتين: الأولى في قصة تملك النبي ﷺ الناقة العضباء وحاصلها أنها كانت لرجل من بني عقيل فأسر مع ناقته فتملكها النبي ﷺ والواقعة الثانية أن المشركين أغاروا على المدينة بعد الواقعة الأولى فذهبوا بالعضباء وأُسرت عندهم امرأة من المسلمين فانفلتت منهم وجاءت بالعضباء إلى رسول الله ﷺ ونذرت فيها نذرًا ومن أجل هذه الواقعة الثانية أخرج الإمام مسلم ﵀ هذا الحديث في باب النذور فشرع في هذه الواقعة الثانية بقوله:
(قال) عمران بن حصين بالسند السابق (وأُسرت) بالبناء للمجهول وزاد أبو داود والدارمي قبله، وبعد قوله: (ففُدي الرجل بالرجلين) (فحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله) وركوبه (وكانت من سوابق الحجاج ثم إن المشركين أغاروا على المدينة فذهبوا مع ما أخذوا بالعضباء وأسروا امرأة من المسلمين) وبهذا تتضح القصة (امرأة من الأنصار) قال أبو داود بعد إخراج الحديث: هذه المرأة امرأة أبي ذر ﵁ وذكر السهيلي في الروض الأنف [٢/ ٢١٤] أن اسمها ليلى ووقعت قصة أسرها في غزوة ذات القرد على ما ذكره ابن إسحاق في المغازي وحكاه عنه ابن هشام في سيرته وكانت ذات القرد في جمادى الآخرة سنة ست (وأُصيبت) أي أخذت (العضباء) في تلك الإغارة التي وقعت بالمدينة مع المرأة (فكانت المرأة) المأسورة مع العضباء (في الوثاق)
стр. 7333
وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَينَ يَدَي بُيُوتِهِمْ. فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ فَأَتَتِ الإِبِلَ. فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ. حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ. فَلَمْ تَرْغُ. قَال: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ
ــ
أي في القيد (وكان القوم) المشركون الذين أسروها (يريحون نعمهم) أي ينيخون إبلهم (بين يدي بيوتهم) أي أمام منازلهم وعند بيوتهم وبحضرتها لترتاح من تعب السير ومشقة السفر والمراد بالنعم هنا الإبل وإراحتها إناختها لتستريح في المراح والمراح بضم الميم مأوى الماشية بالليل (فانفلتت) أي تخلصت تلك المرأة (ذات ليلة) أي ليلة من الليالي (من الوثاق) أي من قيدها (فأتت) تلك المرأة (الإبل) أي إبلهم المناخة أمام بيوتهم لتركب عليها (فجعلت) أي شرعت تلك المرأة (إذا دنت) وقربت (من البعير) من تلك الإبل المناخة (رغا) ذلك البعير وصوّت (فتتركه) أي فتترك تلك المرأة البعير الذي رغا عليها وتمر عليه مخافة أن يظهر أمرها ويطلعوا عليها والمعنى فجعلت المرأة تدور على الإبل لتركب إحداها وتشرد منهم فكلما دنت من بعير منها رغا ذلك البعير فتتركه وتمر عليه (حتى تنتهي) وتصل المرأة (إلي العضباء) التي هي ناقة النبي ﷺ التي أخذها المشركون وكانت قائمة في جملة إبلهم (فـ) لما وصلت إلى العضباء (لم ترغ) العضباء ولم تتصوّت عليها فتذللت لركوبها، يقال: رغا البعير يرغو رغاءً دعا يدعو دعاءً فهو مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (قال) الراوي: (و) هي أي العضباء (ناقة منوقة) أي مدربة، وفي رواية ستأتي مجرّسة، وفي أخرى مدربة وكلها بمعنى واحد، ورُوي بالرفع على أنه خبر لمحذوف كما قدرناه وبالنصب على أنه مفعول لمحذوف تقديره ووجدتها ناقة منوقة وعلى كلا الاحتمالين فالجملة علة لعدم رغائها وتصويتها والتقدير إنما لم ترغ عليها لأنها ناقة منوقة أي مذللة للركوب أو لأنها كانت ناقة منوقة والمنوقة المذللة وهو مأخوذ من لفظ الناقة كأنه قد أذهب بشدة ذكورته وجعله كالناقة المنقادة كما في مجمع البحار.
قال القرطبي: قوله: (وناقة منوقة) أي مذللة مدربة لا نفرة عندها وهي المجربة أيضًا هذا قول العلماء ويظهر لي أن كونها مدربة ليس موجبًا لعدم رغائها لأنا قد شاهدنا من الأباعر والنوق ما لم يزل مدربًا على العمل ومع ذلك فيرغو عند ركوبه وعند الحمل عليه وكأن هذه الناقة إنما كانت كذلك إما لأنها دُرّبت على ترك الرغاء من صغرها، وإما
стр. 7334
فَقَعَدَتْ في عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانطَلَقَتْ. وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ. قَال: وَنَذَرَتْ لِلهِ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ. فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذلِكَ لَهُ. فَقَال: "سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا
ــ
لأنها كان لها هوى في السير والجري لنشاطها فكلما حُركت بادرت لما في هواها، وإما لأنها خصّت في أصل خلقتها بزيادة هدوء، أو كان ذلك ببركة ركوب رسول الله ﷺ عليها وهذا أقرب إلى الخاطر اهـ من المفهم.
(فقعدت) تلك المرأة (في عجزها) أي في عجز العضباء أي ركبتها قاعدة في مؤخرها لتهرب عليها (ثم زجرتها) أي حركتها لتسرع بها في السير (فانطلقت) أي ذهبت وهربت بها (ونذورا) أي علموا وأحسوا (بها) أي بهروبها وهو بكسر الذال من باب سمع وأما النذر المعروف فهو من باب نصر وضرب كما مر ونذر بالشيء وبالعدو كفرح إذا علمه فحذره ومنه الحديث وأنذر القوم أي احذر منهم وكن منهم على علم وحذر وهذا الفعل ليس له مصدر صريح ولذلك قالوا إنه مثل عسى من الأفعال التي لا مصدر لها وقد ذكر ابن القطاع ثلاثة مصادر لها نذارة ونذرة ونذرًا كذا في تاج العروس للزبيدي [٣/ ٥٦١] (فطلبوها فأعجزتهم) عن إدراكها فلم يدركوا لسبقها (قال) الراوي: (ونذرت) تلك المرأة (لله) وقالت في نذرها: (إن نجاها الله) تعالى وسلمها (عليها) أي على هذه الناقة من أخذهم إياها (لتنحرنها) وتذبحنها لله تعالى (فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا): جاءت (العضباء ناقة رسول الله ﷺ ومعنى العضباء المشقوقة الأذن وليست كذلك اهـ من المجد (فقالت) المرأة: (إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها) ظنت هذه المرأة أن ذلك النذر يلزمها بناء منها على أنها لما استنقذتها من أيدي الكفار ملكتها أو جاز لها التصرف فيها لذلك فلما أُعلم بذلك النبي ﷺ أجابها بما يوضح لها أنها لم تملكها وأن تصرفها فيها غير صحيح اهـ (فأتوا) أي فأتى الناس (رسول الله ﷺ فذكروا ذلك) النذر الذي نذرت المرأة (له) ﷺ : (فقال) رسول الله ﷺ : (سبحان الله) أي تنزيهًا لله تعالى عن الجزاء السيئ (بئسما جزتها) أي بئس الجزاء الذي جزت المرأة للعضباء
стр. 7335
نَذَرَتْ لِلهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ في مَعْصِيَةٍ. وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ"
ــ
والمخصوص بالذم نذرها يعني أنها جزت إحسان الناقة بالإساءة إليها فإن الناقة تسببت لنجاة المرأة من الكفار فجزت بنذر أن تنحرها فإنها (نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها) وقوله: (بئس ما جزتها) ذم لذلك النذر من حيث إنه لم يصادف محلًا مملوكًا لها ولو كانت ملكًا للزمها الوفاء لأنه نذر طاعة فيلزم الوفاء به اتفاقًا هذا إن كان ذلك الذم شرعيًّا ويمكن أن يقال: إنما صدر هذا الذم منه لأن ذلك النذر مستقبح عادة لأنه مقابلة الإحسان بالإساءة وذلك أن الناقة نجتها من الهلكة فقابلتها على ذلك بأن تهلكها وهذا هو الظاهر من قوله ﷺ : "سبحان الله بئس ما جزتها نذرت لله إن نجاها عليها لتنحرنها" وفي هذا الحديث حجة على ما وُجد من أموال المسلمين بأيدي الكفار وغلبوا عليه وعُرف مالكه أنه له دون آخذه وفيه مستروح لقول من يقول: إن الكفار لا يملكون (لا وفاء) أي جائز أو صحيح (لنذر في معصية) كأن نذر أن يشرب الخمر فإنه لا يوفي ذلك النذر (ولا) وفاء (فيما لا يملك) أي في نذر ما لا يملك (العبد) حالة النذر وإن ملك بعد ذلك كأن يقول: لله عتق عبد زيد، فلا يلزمه الوفاء وإن ملك بعد النذر. قال النووي: وفي رواية "لا نذر في معصية الله تعالى" وفي هذا دليل أن من نذر معصية كشرب الخمر وقتل النفس المحرمة مثلًا فنذره باطل لا ينعقد ولا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وداود وجمهور العلماء، وقال أحمد: تجب فيه كفارة اليمين بالحديث المروي عن عمران بن الحصين وعائشة عن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين" واحتج الجمهور بحديث عمران بن حصين المذكور في الباب وأما حديث كفارته كفارة يمين فضعيف باتفاق المحدثين، وأما قوله: (ولا فيما لا يملك العبد) فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أُعتق عبد فلان أو أن أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه فيصح نذره مثل أن قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ عتق رقبة وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها فيصح نذره وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته اهـ منه، وقوله: (لا وفاء
стр. 7336
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: "لَا نَذرَ في مَعْصِيَةِ اللهِ".
٤١١٣ - (٠٠) (٠٠) حدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيدٍ). ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ. كِلاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِ حَمَّادٍ قَال: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيلٍ. وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ. وَفِي حَدِيثِهِ أَيضًا:
ــ
لنذر في معصية) هو رواية زهير بن حرب (وفي رواية) علي (بن حجر) السعدي (لا نذر في معصية الله) فهو اختلاف لفظي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٤/ ٤٣٠]، وأبو داود [٣٣٠٦].
قال القرطبي: قوله: (لا وفاء لنذر في معصية) الخ ظاهر هذه الكلمة يدل على أن ما صدر من المرأة نذر معصية لأنها التزمت أن تهلك ملك الغير فتكون عاصية بهذا القصد وهذا ليس بصحيح لأن المرأة لم يتقدم لها من النبي ﷺ بيان تحريم ذلك ولم تقصد ذلك وإنما معنى ذلك والله تعالى أعلم أن من أقدم على ذلك بعد التقدمة وبيان أن ذلك محرم كان عاصيًا بذلك القصد ولا يدخل في ذلك المعلق على الملك كقوله: إن ملكت هذا البعير فهو هدي أو صدقة لأن ذلك الحكم معلق على ملكه لا ملك غيره وليس مالكًا في الحال فلا نذر.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمران بن حصين ﵄ فقال:
٤١١٣ - (٠٠) (٠٠) (حدثنا أبو الربيع) الزهراني (العتكي) سليمان بن داود البصري (حدثنا حماد يعني ابن زيد) بن درهم الأزدي البصري (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم و) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (عن عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) البصري (كلاهما) أي كل من حماد وعبد الوهاب رويا (عن أيوب) السختياني (بهذا الإسناد) يعني عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران (نحوه) أي نحو ما روى إسماعيل بن إبراهيم، غرضه بيان متابعتهما لإسماعيل (و) لكن (في حديث حماد) وروايته (قال) عمران بن حصين (كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج، وفي حديثه) أي وفي حديث حماد وروايته (أيضًا) أي كما فيه ما ذكر
стр. 7337
فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ. وَفِي حَدِيثِ الثقَفِي: وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ.
٤١١٤ - (١٥٨٢) (١٤٦) حدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوَيةَ الْفَزَارِيُّ. حَدَّثَنَا حُمَيدٌ. حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ ابْنَيهِ
ــ
(فأتت) المرأة حين تخلصت من الوثاق (على ناقة ذلول) أي مذللة معلّمة مطيعة لصاحبها (مجرسة) بصيغة اسم مفعول من التجريس يعني مجربة في السير والركوب والمجرّس من الناس هو الذي جرب الأمور وخبرها، ومنه حديث عمر قال له طلحة: قد جرستك الدهور أي حنكتك وأحكمتك وجعلتك خبيرًا بالأمور مجربًا لها كذا في مجمع البحار، والتجريس في اللغة التحكيم والتجربة كما في تاج العروس [١١٨/ ٤] (وفي حديث) عبد الوهاب (الثقفي) وروايته (وهي ناقة مدربة) تدريب الشيء على الشيء تعويده عليه يقال دربته الشدائد حتى قوي ومُرّن عليها والمُدرّب المجرّب والمصاب بالبلايا والمدرّب من الإبل المخرّج المؤدب الذي قد ألِفَ الركوب والسير أي عوّد المشي في الدروب فصار يألفها ويعرفها فلا ينفر كما في تاج العروس [١/ ٢٤٦] وذكر النووي رحمه الله تعالى: أن المنوقة والذلول والمجرّسة والمدرّبة كلها بمعنى واحد.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أنس ﵁ فقال:
٤١١٤ - (١٥٨٢) (١٤٦) (حدثنا يحيى بن يحيى التميمي) النيسابوري (أخبرنا يزيد بن زريع) مصغرًا التميمي العيشي البصري، ثقة، من (٨) (عن حميد) بن أبي حميد الطويل الأنصاري مولاهم البصري (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري (عن أنس) بن مالك الأنصاري البصري ﵁ (ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني المكي (واللفظ له حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء (الفزاري) أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من (٨) (حدثنا حميد) الطويل (حدثني ثابت عن أنس) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن النبي ﷺ رأى شيخًا) هرمًا (يهادى بين ابنيه) بالبناء للمفعول أي يمشي بينهما متوكئًا عليهما لضعف به يعني يمشي بينهما معتمدًا عليهما لضعفه وتمايله، وهو مأخوذ من تهادت المرأة في مشيها إذا تمايلت وكل
стр. 7338
فَقَال: "مَا بَالُ هذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَال: "إِن اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ" وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
٤١١٥ - (١٥٨٣) (١٤٧) وحدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَمْرٍو (وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو)،
ــ
من فعل ذلك فهو يهاديه أي يمسكه رجلان من جانبيه يعتمد عليهما كذا في مجمع البحار، وقوله: (بين ابنيه) قال الحافظ في الفتح في باب الحج [٤/ ٦٨] لم أقف على اسم هذا الشيخ ولا على اسم ابنيه، وغلط من قال إنه أبو إسرائيل (فقال) رسول الله ﷺ لمن عنده: (ما بال هذا) الشيخ وما شأنه يهادى بين رجلين (قالوا): أي الحاضرون (نذر أن يمشي) حاجًّا إلى بيت الله تعالى أي نذر أن يحج ماشيًا (قال) رسول الله ﷺ : (إن الله) (عن تعذيب هذا نفسه لغني) وقدّم الجار والمجرور على عامله للاهتمام به، وقيل للتخصيص لأن متحمل تلك المشقة جُعل كأنه اعتقد أن الله غير غني عن تعذيبه فيكون قصر قلب والمصدر مضاف إلى فاعله ونفسه مفعول به اهـ ابن الملك (وأمره أن يركب) لعجزه عن المشي وعليه دم عند الأحناف لأنه أدخل نقصًا في الواجب بعدم وفائه كما التزمه وهو كما في شرح النووي راجح القولين للشافعي ولم يذكر في هذا الحديث أنه ﷺ ألزم دمًا عليه وقد جاء في حديث أخت عقبة الآتي في سنن أبي داود مبينًا ذلك فليراجع وفي كتب الفروع من أوجب على نفسه أن يحج ماشيًا لا يركب حتى يطوف للركن، ومعنى قوله: (إن الله لغني عن تعذيب هذا) أي لم يكلفه بذلك ولم يحوجه إليه لأنه غير مستطيع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [١١٤/ ٣]، والبخاري [١٨٦٥]، وأبو داود [٣٣٠١]، والترمذي [١٥٣٧]، والنسائي [٣٠/ ٧].
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث أبي هريرة ﵄ فقال:
٤١١٥ - (١٥٨٣) (١٤٧) (وحدثنا يحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي (قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي المدني (عن عمرو وهو ابن أبي عمرو) ميسرة مولى المطلب بن عبد الله أبي
стр. 7339
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَن النَّبِي ﷺ أَدْرَكَ شَيخًا يَمْشِي بَينَ ابْنَيهِ. يَتَوَكَّأُ عَلَيهِمَا. فَقَال النَّبِي ﷺ : "مَا شَأنُ هذَا؟ " قَال ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَانَ عَلَيهِ نذْرٌ. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : "ارْكَبْ. أَيُّهَا الشَّيخُ! فَإِن اللهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَن نَذْرِكَ"
ــ
عثمان المدني (عن عبد الرحمن) بن هرمز الهاشمي مولاهم (الأعرج) المدني (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته (أن النبي ﷺ أدرك) أي لحق ورأى (شيخًا يمشي) ويهادى (بين ابنيه) حالة كونه (يتوكأ) ويعتمد بعضديه (عليهما) لم أر من ذكر اسم الشيخ واسم الابنين وهل هو الشيخ الذي في حديث أنس أم لا؟ والظاهر هو هو لاتحاد الواقعة وهو في حجة الوداع (فقال النبي ﷺ لابنيه: "ما شأن هذا؟ " الشيخ وما باله يهادى بينكما (قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر) أن يمشي إلى بيت الله (فقال) له (النبي ﷺ : اركب) الراحلة (أيها الشيخ فإن الله) سبحانه (غني عنك) أي عن عبادتك (وعن نذرك) أي وعن مشيك الذي لا تستطيعه لا أن أصل النذر يسقط عنه فإنه قد أمره بالركوب، وخُرّجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا من أن من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه ولم يعبأ به وكيف لا والله تعالى هو الغني الحميد وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد، وظاهر حديث هذا الشيخ أنه كان قد عجز عن المشي في الحال وفيما يأتي بعد ولذلك لم يقل له النبي ﷺ ما قال لأخت عقبة: "مُرْها فلتمش ولتركب" فإنها كانت ممن يقدر على بعض المشي فأمرها أن تركب ما عجزت عنه وتمشي ما قدرت عليه وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة، ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرجوع لتمشي ما ركبته فأما من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولًا واحدًا ولا يلزمه دم إذ لم يخاطب بالمشي فيكون الدم بدله وإنما هو استحباب عن مالك، وأما من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض أو عجز فيجب عليه الهدي عند الجمهور، وقال الشافعي: لا يجب عليه الهدي ويختار له الهدي، ورُوي عن ابن الزبير أنه لم يجعل عليه هديًا متمسكًا بما قررناه من الظاهر وقد تمسك الجمهور بزيادة زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة وهذا لفظه (قال عقبة بن عامر أنه أتى النبي ﷺ فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها فقال له النبي صلى
стр. 7340
(وَاللَّفْظُ لِقُتَيبَةَ وَابْنِ حُجْرٍ)
ــ
الله عليه وسلم: "مُرْها فلتركب ولتختمر ولتهد هديًا" وعند أبي داود بدنة وليس فيه ناشرة شعرها، وزيادة الهدي قد رواها عن النبي ﷺ مع عقبة بن عامر ابن عباس، ورواها عنهما الثقات فلا سبيل إلى ردها وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها، وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم.
ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا؟ اختلف فيه؛ فقيل: لا يجب عليه مطلقًا وإليه ذهب الشافعي وأهل الكوفة وهذا أحد قولي ابن عمر، وقيل: يرجع وإليه ذهب سلف أهل المدينة وابن الزبير وهو القول الآخر عن ابن عمر وفرّق مالك فقال: إن كان المشي يسيرًا لم يرجع ويرجع في الكثير ما لم يرجع لبلده البعيدة فيكفيه الدم. (قلت): والتمسك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرجوع ظاهر وعمل سلف أهل المدينة باهر اهـ من المفهم.
(واللفظ) المذكور سابقًا (لقتيبة وابن حجر) وأما يحيى بن أيوب فروى معناه لا لفظه، وقوله: (كان عليه نذر) يعني به إلى بيت الله لأنه عرف المشي كما قال عقبة: إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله، وقال الطحاوي: إلى الكعبة ولم يرد فيما صح من الحديث أكثر من هذين اللفظين بيت الله والكعبة، وألحق العلماء بهما ما في معناهما مثل أن يقول إلى مكة أو ذكر جزءًا من البيت وهذا قول مالك وأصحابه، واختلف أصحابه فيما إذا قال إلى الحرم أو مكانًا من بلدة مكة أو المسجد هل يرجع إلى البيت أم لا؟ على قولين؛ وقال الشافعي: من قال: علي المشي إلى شيء مما يشمل عليه الحرم لزمه وإن ذكر ما خرج منه لم يلزمه وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن حبيب من أصحابنا إلا إذا ذكر عرفات فيلزمه وإن كانت خارج الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس لكن الاستحسان في قوله إلى بيت الله أو الكعبة أو مكة فقط وكل هذا إذا ذكر المشي فلو قال: علي المسير إلى مكة أو الانطلاق أو الذهاب فلا شيء عليه إلا أن يقول في حج أو عمرة أو ينويهما، وتردد قول مالك في الركوب، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما كالمشي وكل هذا إن ذكر مكة أو موضعًا منها على ما فصلناه؟ فلو قال: علي المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم بل المضي إليها، وقال ابن وهب: يلزمه المشي وهو القياس ولو قال إلى مسجد غير هذه الثلاثة، قال ابن المواز: إن كان قريبًا كالأميال لزمه المشي إليه
стр. 7341
٤١١٦ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤١١٧ - (١٥٨٤) (١٤٨) وحدَّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ (يَعْنِي ابْنَ فَضَالةَ) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيرِ،
ــ
وإن كان بعيدًا لم يلزمه والله أعلم اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٧٣]، وأبو داود [٣٣٠١].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١١٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز) بن محمد (يعني الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد) يعني عن الأعرج عن أبي هريرة (مثله) أي مثل ما روى إسماعيل بن جعفر عن عمرو، غرضه بيان متابعة الدراوردي لإسماعيل.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث عقبة بن عامر ﵄ فقال:
٤١١٧ - (١٥٨٤) (١٤٨) (وحدثنا زكرياء بن يحيى بن صالح) بن يعقوب الحرسي بفتح المهملتين القضاعي أبو يحيى (المصري) كاتب القاضي العمري، روى عن المفضل بن فضالة في النذور والجهاد ونافع بن يزيد، ويروي عنه (م) ومحمد بن زبّان، وثقه العقيلي، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين (حدثنا المفضل يعني ابن فضالة) بن عبيد الرعيني المصري، ثقة، من (٨) (حدثني عبد الله بن عياش) بمثناة ومعجمة ابن عباس بموحدة ومهملة القِتباني بكسر القاف بعدها فوقية ساكنة ثم موحدة أبو حفص المصري، روى عن يزيد بن أبي حبيب في النذور وأبيه والأعرج، ويروي عنه (م ق) والمفضل بن فضالة، قال أبو حاتم: صدوق، وضعفه أبو داود والنسائي، له في كل من الكتابين فرد حديث، وقال في التقريب: صدوق يغلط، أخرج له مسلم في الشواهد، مات سنة (١٧٠) سبعين ومائة (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي أبي رجاء المصري عالمها، ثقة، من (٥) روى عنه في (١١) بابا (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني
стр. 7342
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّهُ قَال: نَذَرَتْ أُختِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيتِ اللهِ حَافِيَةً. فَأَمَرَتْنِي أَنْ اسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَاسْتَقتَيتُهُ. فَقَال: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ".
٤١١٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا الْخَيرِ
ــ
المصري، ثقة، من (٣) روى عنه في (٩) أبواب (عن عقبة بن عامر) الجهني أبي حماد المصري الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون (أنه قال: نذرت أختي) قال المنذري في تلخيصه لأبي داود [٤/ ٣٧٨] وأخت عقبة هي أم حبان بكسر الحاء المهملة أسلمت وبايعت، ولكن رد عليه الحافظ في الفتح [٤/ ٦٨] وفي التلخيص [٤/ ١٧٨] وحقّق أن أم حبان بنت عامر هي أخت لعقبة بن عامر بن نابي دون عقبة بن عامر الجهني راوي هذا الحديث، وعقبة بن عامر بن نابي أنصاري شهد بدرًا ولا رواية له فالصحيح أنه لا يعرف اسم أخت عقبة بن عامر الجهني اهـ أي ألزمت أختي نفسها (أن تمشي إلى بيت الله) تعالى حالة كونها (حافية) أي غير لابسة في رجلها شيئًا من النعال والخفاف، قال قيس بن الملوح:
عليّ لئن لاقيت ليلى بخلوة ... زيارة بيت الله رجلان حافيا
(فأمرتني أن أستفتي) وأسأل (لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال) لي مُرْها (لتمش) فيما قدرت (ولتركب) فيما عجزت، وفيه دليل على صحة نذر المشي وإلا لما لزمها ذلك وقت القدرة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عقبة بن عامر ﵁ فقال:
٤١١٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني محمد بن رافع) القشيري (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني (أخبرنا) عبد الملك (بن جريج) الأموي المكي (أخبرنا سعيد بن أبي أيوب) مقلاص بكسر الميم وسكون القاف آخره صاد مهملة هو اسم أبي أيوب الخزاعي مولاهم أبو يحيى المصري، ثقة ثبت، من (٧) روى عنه في (٥) أبواب (أن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي المصري (أخبره أن أبا الخير) مرثد بن عبد الله اليزني
стр. 7343
حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّهُ قَال: نَذَرَتْ أُخْتِي. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُفَضَّلٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ في الْحَدِيثِ: حَافِيَةً. وَزَادَ: وَكَانَ أبُو الْخَيرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ.
٤١١٩ - (٠٠) (٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ. قَالا: حَدَّثَنَا رَوَحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
٤١٢٠ - (١٥٨٥) (١٤٩) وحدَّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيليُّ ويونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ
ــ
المصري (حدثه عن عقبة بن عامر الجهني) المصري. وهذا السند من سباعياته، غرضه بيان متابعة ابن جريج لمفضل بن فضالة في رواية هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب، ولكنها متابعة ناقصة لأن ابن جريج روى عن يزيد بواسطة سعيد بن أبي أيوب، وأما مفضل فقد روى عن يزيد بواسطة عبد الله بن عياش (أنه قال: نذرت أختي فذكر) ابن جريج (بمثل حديث مفضل) بن فضالة (ولم يذكر) ابن جريج (في الحديث حافية) أي عارية عن النعال (و) لكن (زاد) ابن جريج لفظة قال سعيد بن أبي أيوب: (وكان أبو الخير لا يفارق عقبة) بن عامر الجهني.
ثم ذكر المؤلف المتابعة ثانيًا في حديث عقبة بن عامر ﵁ فقال:
٤١١٩ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنيه محمد بن حاتم) بن ميمون السمين البغدادي (و) محمد بن أحمد (بن) محمد (أبي خلف) السلمي البغدادي (قالا: حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء القيسي أبو محمد البصري، ثقة، من (٩) (حدثنا ابن جريج أخبرني يحيى بن أيوب) الغافقي المصري، صدوق، من (٧) (أن يزيد بن أبي حبيب أخبره بهذا الإسناد) يعني عن أبي الخير عن عقبة (مثل حديث عبد الرزاق) غرضه بيان متابعة روح بن عبادة لعبد الرزاق.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة بحديث آخر لعقبة بن عامر ﵁ فقال:
٤١٢٠ - (١٥٨٥) (١٤٩) (وحدثني هارون بن سعيد) بن الهيثم التميمي (الأيلي) نزيل مصر (ويونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص الصدفي المصري (وأحمد بن
стр. 7344
عِيسَى (قَال يُونُسُ: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبِ). أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَال: "كفارَةُ النَّذْرِ كَفارَةُ الْيَمِينِ"
ــ
عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتستري، صدوق، من (١٠) (قال يونس: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا) عبد الله (بن وهب) بن مسلم المصري (أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب المصري (عن كعب بن علقمة) بن كعب بن عدي التنوخي أبي عبد الحميد المصري، صدوق، من (٥) (عن عبد الرحمن بن شماسة) بضم المعجمة وتخفيف الميم المهري المصري، ثقة، من (٣) (عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني المصري (عن عقبة بن عامر) الجهني المصري. وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن رجاله كلهم مصريون (عن رسول الله ﷺ قال: كفارة النذر كفارة اليمين) أي مثل كفارة اليمين في كون الواجب فيها أحد الأمور الثلاثة الإعتاق أو الإطعام أو الصوم.
(واعلم) أن الكفارة في النذر تجب في صور مختلفة الأولى أن يقول: لله علي نذر. ولم يعيّن شيئًا من صوم وصدقة أو عتق فعليه الكفارة وهذه الصورة هي المقصودة بحديث الباب، والثانية: أن ينذر شيئًا ثم لا يطيق الوفاء به فعليه الكفارة إلا في صور مخصوصة كالنذر بالمشي إلى بيت الله أو النذر بذبح ولده فإنه يلزمه دم فيهما كما سبق في شرح الحديث السابق، والثالثة: أن يعلق النذر بشيء يريد الامتناع منه كأن يقول: إن كلمت زيدًا فلله علي حجة وهو المسمى بنذر اللجاج في اصطلاح الشافعية وحكمه عندهم أنه في حكم اليمين فإن حنث في ذلك فله الخيار إما أن يفي بنذره وإما أن يكفِّر، والرابعة: النذر بالمعصية تجب فيه الكفارة على اختلاف الفقهاء فيه كما سبق. وهذه الصور الأربعة للكفارة مجموعة فيما أخرجه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لا يطيقه فكفارته يمين" وأخرجه أيضًا ابن ماجه ولم يذكر النذر في المعصية وزاد "ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به" والله أعلم.
стр. 7345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [٣٣٢٣]، والترمذي [١٥٢٨]، والنسائي [٧/ ٧٦].
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب خمسة أحاديث: الأول: حديث عمران بن حصين ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة وذكر فيه متابعة واحدة، والثاني: حديث أنس ذكره للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة، والثالث: حديث أبي هريرة ذكره للاستشهاد به لحديث أنس وذكر فيه متابعة واحدة، والرابع: حديث عقبة بن عامر الأول ذكره للاستشهاد أيضًا وذكر فيه متابعتين، والخامس: حديث عقبة بن عامر الثاني ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
***
стр. 7346
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب الأيمان
٥٩١ - (٣١) باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى وعن الحلف بالطواغي وأمر من حلف باللات والعزى بقول لا إله إلا الله
٤١٢١ - (١٥٨٦) (١٥٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِن اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ"
ــ
أبواب الأيمان
جمع يمين واليمين في اللغة القوة ومنه استعير لليدين لأن فيها قوة ثم أطلق اليمين على الحلف لأنهم إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه.
٥٩١ - (٣١) باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى وعن الحلف بالطواغي وأمر من حلف باللات والعزى بقول لا إله إلا الله
٤١٢١ - (١٥٨٦) (١٥٠) (وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح) الأموي المصري (حدثنا) عبد الله (بن وهب) المصري (عن يونس) بن يزيد الأموي الأيلي (ح وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب (قال) ابن عمر (سمعت عمر بن الخطاب) بن نفيل ﵁. وهذا السند من سباعياته، ومن لطائفه أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وولد عن والد، وتابعي عن تابعي، حالة كون عمر (يقول: قال رسول الله ﷺ : أن الله ينهاكم) نهي تحريم عن (أن تحلفوا بآبائكم) أي مثلًا فإن المراد بالنهي غير الله وإنما
стр. 7347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خص الآباء لأنه كان عادة الأبناء كذا في المرقاة، وفي سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد -أي بالأصنام- ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون".
قال القرطبي: إنما نهى النبي ﷺ عن الحلف بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان لأن العادة جارية بأن الحالف منا إنما يحلف بأعظم ما يعتقده، وإذا كان ذلك فلا أعظم عند المؤمن من الله تعالى فينبغي أن لا يحلف بغيره تعالى فإذا حلف بغير الله فقد عظّم ذلك الغير بمثل ما عظم به الله تعالى وذلك ممنوع منه وهذا الذي ذكرناه في الآباء جار في كل محلوف به غير الله تعالى، وإنما جرى ذكر الآباء هنا لأنه هو السبب الذي أثار الحديث حين سمع النبي ﷺ عمر يحلف بأبيه وقد شهد لهذا المعنى قوله من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله وهذا حصر وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم ويدخل في عموم هذا الحديث الحلف بالأشراف والسلاطين وحياتهم كما يوجد في بعض البلدان فلا ينبغي أن يختلف في تحريمه وكذا الحلف بما كان معظمًا في الشرع مثل والنبي ﷺ والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين فهو حرام داخل في عموم هذا الحديث.
(فإن قلت): كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبي ﷺ قد حلف بذلك؟ حين قال: "أفلح وأبيه إن صدق" وكيف يحكم بتحريم الحلف بغير الله وقد أقسم الله تعالى بغيره؟ فقال ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَالْعَادِيَات﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ إلى غير ذلك مما في كتاب الله تعالى من ذلك (قلت): فالجواب عن قوله ﷺ : أفلح وأبيه قد تقدم في الأيمان وحاصله أن ذلك يحتمل أن يكون صدر منه قبل أن يوحى إليه بهذا النهي، ويحتمل أن يكون جرى هذا على لسانه من غير قصد إلى الحلف به كما يجري في لغو اليمين الذي هو: لا والله، بلى والله. وأما الجواب عن قسمه تعالى بتلك الأمور فمن وجهين: أحدهما: أن المقسم به محذوف تقديره ورب الضحى ورب الشمس مثلًا قاله أكثر أئمة المعاني، وثانيهما: أن الله تعالى يُقسم بما يريد كما يفعل ما يريد إذ لا حكم عليه ولا حاكم فوقه ونحن المحكوم عليهم وقد أبلغنا حكمه على لسان نبيه ﷺ فقال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، ومن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله" فيجب الانقياد والامتثال لحكم ذي العزة والجلال اهـ من المفهم.
стр. 7348
قَال عُمَرُ: فَوَاللهِ! مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْهَا. ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.
٤١٢٢ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعيبِ بْنِ اللَّيثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيرَ أَنَّ في حَدِيثِ عُقَيلٍ: مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
ــ
(قال عمر) بالسند (فوالله) أي فأقسمت لكم بالله الذي لا ناهي ولا آمر إلا هو (ما حلفت بها) أي بالآباء أو بهذه اللفظة وهي وأبي (منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسأنهى عنها) أي عن الحلف بالآباء حالة كوني (ذاكرًا) أي قائلًا بها من قِبل نفسي (ولا آثرًا) أي ولا حاكيًا لها عن غيري بأن أقول قال فلان وأبي يعني ما أجريت على لساني الحلف بها أصلًا لا بالقول ولا بالنقل، والمعنى لم يقع مني الحلف بها ولا تحدثت بالحلف بها عن غيري، يقال: أثرت الحديث إذا نقلته عن غيرك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري [٦٦٤٧]، وأبو داود [٣٢٥٠]، والترمذي [١٥٣٣]، والنسائي [٤/ ٧]، وابن ماجه [٢٠٩٤].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عمر ﵁ فقال:
٤١٢٢ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي المصري، ثقة، من (١١) (حدثني أبي) شعيب بن الليث، ثقة، من (١٠) (عن جدي) ليث بن سعد، ثقة، من (٧) (حدثني عقيل) بالتصغير (بن خالد) بن عقيل بالتكبير الأموي المصري، ثقة، من (٦) (ح وحدثني إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر كلاهما) أي كل من عقيل ومعمر رويا (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن سالم عن عبد الله عن عمر (مثله) أي مثل ما روى يونس عن ابن شهاب. وهذان السندان الأول منهما من ثمانياته والثاني من سباعياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة عقيل ومعمر ليونس بن يزيد في الرواية عن الزهري (غير أن) أي لكن أن (في حديث عقيل) وروايته (ما حلفت بها) أي بلفظة وأبي (منذ سمعت رسول الله صلى الله
стр. 7349
عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا. وَلَا تَكَلَّمْتُ بِهَا. وَلَمْ يَقُلْ: ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا.
٤١٢٣ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ. بِمِثْلِ رِوَايَةٍ يُونُس وَمَعْمَرٍ.
٤١٢٤ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ
ــ
عليه وسلم ينهى عنها ولا تكلمت بها) أي بلفظة وأبي (ولم يقل) أي ولم يذكر عقيل في روايته لفظة (ذاكرًا ولا آثرًا) وهذا بيان لمحل المخالفة بين عقيل ويونس.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث عمر ﵁ فقال:
٤١٢٣ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو) بن محمد بن بكير (الناقد) البغدادي (وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ عمر) ﵁ (وهو) أي والحال أن عمر (يحلف بأبيه) ولفظ النسائي في هذا الحديث سمع النبي ﷺ عمر مرة وهو يقول: وأبي وأبي، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وساق سفيان (بمثل رواية يونس ومعمر) ولم يذكر عقيلًا لأنه خالفهما في بعض الكلمات كما مر آنفًا. وهذا السند من خماسياته لأنه جعله من مسند ابن عمر، غرضه بيان متابعة ابن عيينة ليونس ومعمر، فقوله: (عن سالم عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ عمر) الخ هذا الطريق يخالف الطرق السابقة في أن الحديث في الطرق السابقة من مسندات عمر بن الخطاب وفي هذا الطريق من مسندات ابن عمر ﵄، والاختلاف فيه على الزهري فرواه عنه البعض عن سالم عن ابن عمر عن عمر، وبعضهم عن سالم عن ابن عمر، وقد بسط الحافظ في بيان هذا الاختلاف ثم قال: ويشبه أن يكون ابن عمر سمع المتن من النبي ﷺ والقصة التي وقعت لعمر منه فحدّث به على الوجهين وراجع فتح الباري اهـ.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث عمر ﵁ فقال:
٤١٢٤ - (٠٠) (٠٠) وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح
стр. 7350
(وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا اللَّيثُ، عَن نَافِعٍ، عَن عَبْدِ اللهِ، عَن رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ أدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكبٍ. وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ. فَنَادَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلا إِن اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ. فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ"
ــ
واللفظ له أخبرنا الليث عن نافع عن عبد الله) ﵁. وهذان السندان من رباعياته، غرضه بسوقهما بيان متابعة نافع لسالم (عن رسول الله ﷺ أنه أدرك) ولحق (عمر بن الخطاب) من ورائه وهو (في ركب) أي مع ركب وجماعة يسيرون قدامه ﷺ في بعض غزواته (وعمر) أي والحال أن عمر (يحلف بأبيه) أي يقول بأبي كان الأمر كذا وكذا (فناداهم) أي فنادى أولئك الركب (رسول الله ﷺ بأعلى صوته (ألا) أي انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (أن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان) منكم (حالفًا) أي مريدًا الحلف تأكيدًا للأمر (فليحلف بالله) أي باسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته (أو ليصمت) أي إن لم يحلف بالله فليسكت وجوبًا عن حلفه بغير الله، فيحرم الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته كاسماء الأنبياء والملائكة والكعبة والحياة وغير ذلك كالأولياء والصالحين والسلاطين والمساجد والكنائس إلى غير ذلك مما اعتاده الناس في الجاهلية كاللات والعزى، وحكمة النهي عن ذلك أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة مختصة بالله حقيقة فلا يضاهى به غيره، وأما الله فله أن يحلف بما شاء من مخلوقاته تنبيهًا على شرفه كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ قال العيني في العمدة [١١/ ٢٢] والحديث روي عن ابن عباس عن عمر ﵃ بلفظ (بينا أنا في ركب أسير في غزوة مع رسول الله ﷺ فقلت: لا وأبي، فهتف رجل من خلفي: "لا تحلفوا بآبائكم" فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ وروى ابن أبي شيبة من طريق عكرمة عن عمر: فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ فقال: "لو أن أحدكم حلف بالمسيح والمسيح خير من آبائكم لهلك" وفي رواية سعد بن عبيدة أنها شرك، وفي رواية ابن المنذر: "لا بأمهاتكم ولا بالأوثان ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" وروى ابن أبي عاصم في كتاب "الأيمان والنذور" من حديث ابن عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر" وقال الحافظ في الفتح [١١/ ٤٦٢]: وظاهر الحديث
стр. 7351
٤١٢٥ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبيدِ اللهِ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ هِلالٍ. حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حَدِّثنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ. حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ
ــ
تخصيص الحلف بالله تعالى خاصة لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، وكأن المراد بقوله: (بالله) الذات لا خصوص لفظ الله، وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم أو لا؟ قولان عند المالكية وكذا عند الحنفية كما في رد المحتار كذا قال ابن دقيق العيد والمشهور عندهم التحريم وبه جزم الظاهرية.
ثم إن المنع من الحلف بغير الله إنما هو في اليمين بحروف القسم، وأما اليمين بتعليق عتق أو طلاق مما ليس فيه حرف القسم فليس داخلًا في النهي لأنه ليس لمعنى التعظيم وإنما هو للوثيقة، وأما الحلف بالقرآن فجوّزه بعض الفقهاء لأنه صفة من صفات الله تعالى، وأنكره بعضهم لأنه يراد به ألفاظ القرآن وإنها ليست بصفة، وكذلك اختلفوا في انعقاد اليمين بالقرآن فذكر صاحب الهداية أن اليمين لا ينعقد به لأنه غير متعارف، واستنبط ابن الهمام من هذا التعليل أنه ينعقد عندما تعارف الناس اليمين به ولذلك أفتى علماء الحنفية بانعقاد اليمين به في زماننا راجع رد المحتار [٥٦/ ٣] والله أعلم.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة رابعًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٤١٢٥ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (حدثنا أبي) عبد الله (ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى) بن سعيد بن فروخ التميمي البصري (وهو القطان عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني (ح وحدثني بشر بن هلال) النميري مصغرًا أبو محمد الصوّاف البصري، روى عن عبد الوارث بن سعيد في النذور والطب، وجعفر بن سليمان، ويروي عنه (م عم) وابن خزيمة وخلق، ذكره في الثقات، ووثقه النسائي وأبو علي الجياني، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال في التقريب: ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٧) سبع وأربعين ومائتين (حدثنا عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري (حدثنا أيوب) السختياني (ح وحدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن الوليد بن
стр. 7352
كَثِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَن ابْنِ جُرَيجٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيم. كُل هؤُلاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمِثْلِ هذِهِ الْقِصَّةِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٤١٢٦ - (٠٠) (٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَال الآخَرُون حَدَّثَنَا إِسماعِيلُ) (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)
ــ
كثير) القرشي المخزومي أبي محمد المدني، صدوق، من (٦) (ح وحدثنا) محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، ثقة، من (٦) (ح وحدثنا) محمد (بن رافع) القشيري (حدثنا) محمد بن إسماعيل (بن أبي فديك) يسار الديلي المدني (أخبرنا الضحاك) بن عثمان بن عبد الله الأسدي المدني، صدوق، من (٧) (و) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة القرشي المدني، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي (و) محمد (ابن رافع) القشيري (عن عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (عن ابن جريج) المكي (أخبرني عبد الكريم) بن مالك الأموي مولاهم مولى عثمان أبو سعيد الجزري، ثقة، من (٦) (كل هؤلاء) الثمانية المذكورين من عبد الله بن نمير وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني والوليد بن كثير بن أمية والضحاك بن عثمان وابن أبي ذئب وعبد الكريم بن مالك رووا (عن نافع عن ابن عمر بمثل هذه القصة) المذكورة في عمر بن الخطاب (عن النبي ﷺ غرضه بسوق هذه الأسانيد بيان متابعة هؤلاء لليث بن سعد.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة خامسًا في حديث ابن عمر ﵄ فقال:
٤١٢٦ - (٠٠) (٠٠) (وحدثنا يحيى بن يحيى) التميمي النيسابوري (ويحيى بن أيوب) المقابري البغدادي (وقتيبة) بن سعيد (و) علي (بن حجر) السعدي (قال يحيى بن يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر) بن أبي كثير الزرقي
стр. 7353
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَن كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلا بِاللهِ" وَكَانَتْ قُرَيشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا. فَقَال: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائكُمْ".
٤١٢٧ - (١٥٨٧) (١٥١) حدَّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب. أَخْبَرَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ
ــ
المدني (عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم مولى ابن عمر (أنه سمع ابن عمر) ﵄. وهذا السند من رباعياته، غرضه بيان متابعة عبد الله بن دينار لنافع (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : من كان حالفًا) أي مريدًا الحلف على شيء (فلا يحلف إلا بالله) أي إلا باسم من أسماء الله تعالى لا خصوص لفظ الجلالة أو بصفة من صفاته المختصة به كالربوبية والألوهية (وكانت قريش تحلف بآبائها) وكانت للعرب عادات مختلفة في عهودهم وأيمانهم، وقد جمع أبو إسحاق بن عبد الله البجيرمي الكاتب أيمان الجاهلية في كتاب سماه باسم (أيمان العرب في الجاهلية) (فقال) لهم رسول الله ﷺ : (لا تحلفوا بآبائكم) قال النووي: وفي هذا الحديث إباحة الحلف بالله تعالى كلها وهذا مجمع عليه، وفيه النهي عن الحلف بغير أسمائه وصفاته وهو عند أصحابنا ليس بحرام اهـ منه. (قلت): والقول الصحيح هو ما عليه الجمهور من الحرمة إذا كان جادًا قاصدًا الحلف بالمخلوق.
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١٢٧ - (١٥٨٧) (١٥١) (حدثني أبو الطاهر) أحمد بن عمرو الأموي المصري (حدثنا ابن وهب) بن مسلم المصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (ح وحدثني حرملة بن يحيى) التجيبي المصري (أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني (أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون وثلاثة مصريون (من حلف
стр. 7354
مِنْكُمْ، فَقَال في حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ. فَلْيَقُل: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ. وَمَن قَال لِصَاحِبِهِ: تَعَال أُقَامِرْكَ. فَلْيَتَصَدَّقْ"
ــ
منكم) أيها المسلمون (فقال في حلفه باللات) أي أقسم باللات وهو اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة أو يلتوون عليها أي يطوفون بها اهـ من بعض الهوامش (فليقل لا إله إلا الله) قوله: (فقال في حلفه باللات) فإن قيل كيف يتصور من مسلم أن يحلف باللات أو بغيره من الأصنام؟ فالجواب: أن القوم كانوا حديثي العهد بالشرك وكانت أيمان الجاهلية جارية على ألسنتهم فربما كانت ألسنتهم تنطق بمثل هذه الأيمان من غير أن يتعمدوا ذلك باختيارهم، ويؤيده ما أخرجه النسائي في باب الحلف باللات والعزى عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا نذكر الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ : بئس ما قلت، ائت رسول الله ﷺ فأخبره فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فأتيته فأخبرته فقال لي: "قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له - ثلاث مرات - وتعوذ بالله من الشيطان - ثلاث مرات - واتفل عن يسارك - ثلاث مرات - ولا تعد له" وأخرجه أيضًا ابن ماجه وابن حبان وصححه كما في فتح الباري. قوله: (فليقل لا إله إلا الله) قال الخطابي: واليمين إنما تكون بالمعبود المعظم فإذا حلف باللات ونحوه فقد ضاهى الكفار فأُمر أن يتدارك بكلمة التوحيد، وقال ابن العربي: من حلف بها جادًا فهو كافر ومن قالها جاهلًا أو ذاهلًا يقول: لا إله إلا الله يُكفر الله عنه ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر ولسانه إلى الحق وينفي عنه ما جرى به من اللغو كذا في فتح الباري [٨/ ٤٧١] وخص اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها وبين العزى وغيرها اهـ مفهم. (ومن قال لصاحبه تعال) أي أقبل إليّ (أقامرك) أي ألعب معك لعب القمار (فليتصدق) بشيء من المال، قال العيني: وإنما أُمر بالصدقة تكفيرًا للخطيئة في كلامه بهذه المعصية والأمر بالصدقة محمول عند الفقهاء على الندب بدليل أن مريد الصدقة إذا لم يفعلها ليس عليه صدقة ولا غيرها بل يُكتب له حسنة كذا في عمدة القاري [٣٦/ ١١] وذكر النووي أن الأصح أنه لا يتعين له مقدار فيتصدق بما تيسر له، وقيل: يتصدق مقدار ما أراد أن يُقامر به، والقمار كل لعب تردد بين غُنم وغُرم كالنردشير والطاب والطاولة، قال القرطبي: قوله: (من قال تعال أقامرك)
стр. 7355
٤١٢٨ - (٠٠) (٠٠) وحدَّثني سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهذَا الإِسْنَادِ
ــ
القول فيه كالقول في اللات لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل ولما ذمها النبي ﷺ بالغ في الزجر عنها وعن ذكرها حتى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها أمره بصدقة، والظاهر وجوبها عليه لأنها كفارة مأمور بها وكذلك قول لا إله إلا الله على من قال واللات، ثم هذه الصدقة غير محدودة ولا مقدرة فيتصدق بما تيسر له مما يصدق عليه الاسم كالحال في صدقة مناجاة الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] فإنها غير مقدرة، وقال الخطابي: يتصدق بقدر ما أراد أن يقامر به وليس في اللفظ ما يدل عليه ولا في قواعد الشرع ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات فهو تحكم وأبعد من هذا قول من قال من الحنفية: إن المراد بها كفارة اليمين وهذا فاسد قطعًا لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط بل عتق أو كسوة أو إطعام فإن لم يجد فصيام فكيف يصح أن يقال: أطلق الصدقة وهو يريد به إطعام عشرة مساكين وأنه مخير بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية، وأيضًا فإنه لا يتمشى على أصل الحنفية فإنهم قالوا: لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله: هو يهودي أو نصراني إلى غير ذلك مما ذكروه وهذا حكم معلق على نطق بقول ليس فيه يمين ولا التزام وإنما هو استدعاء للمقامرة فأين الأرض من السماء والعرش من الثرى اهـ من المفهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أحمد [٢/ ٣٠٩]، والبخاري [٤٨٦٠]، وأبو داود [٣٢٤٧]، والترمذي [١٥٤٥]، والنسائي [٧/ ٧]، وابن ماجه [٢٠٦٩].
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال:
٤١٢٨ - (٠٠) (٠٠) (وحدثني سويد بن سعيد) بن سهل الهروي، صدوق، من (١٠) (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الدمشقي، ثقة، من (٨) (عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) الشامي، ثقة، من (٧) (ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد قالا: حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري كلاهما) أي كل من الأوزاعي ومعمر رويا (عن الزهري بهذا الإسناد) يعني عن حميد بن
следующие страницы →