← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله (فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب) الرواية الصحيحة فيه (فإنَّه) بضمير المذكر على أن يكون ضمير الأمر والشأن ويحتمل أن يعود على مذكر الدعوة فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ (فإنها) بضمير المؤنث وهو عائد على لفظ الدعوة، ويستفاد منه تحريم الظلم وتخويف الظالم وإباحة الدعاء للمظلوم عليه والوعد الصدق بأن الله تعالى يستجيب للمظلوم فيه غير أنَّه قد تعجل الإجابة فيه، وقد يؤخرها إملاءً للظالم، كما قال النبي ﷺ : "إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ ثمَّ قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وكما قد رُوي عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إن الله تعالى يرفع دعوة المظلوم على الغمام ويقول لها لأنصرنك ولو بعد حين" رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁. قال القاضي عياض وفي الحديث أن الشهادتين يعصمان الدم وأن أحدهما لا تعصم وأن تمام الإيمان بالتزام قواعده، وأن الشهادتين دونها لا تنفعان، قال الأبي: انظر عدم نفعهما فإنَّه منافٍ أنهما يعصمان الدم والمشهور عندنا فيمن أقر بالشهادتين وأبي بقية الخمس أنَّه يقتل لكن بعد التشديد عليه، وقال أصبغ: لا يقتل، وقال المُتَيطِيُّ: والعمل على المشهور، وأما أن إحداهما لا تعصم فتقدم أن عند الشافعية من قال لا إله إلا الله هو مسلم، ويطالب بالأخرى فإن أبي منها قتل، ولهم قول آخر أنَّه لا يقتل انتهى. (فصل في جمع ما يستفاد من هذا الحديث) قال النواوي ويستفاد من هذا الحديث قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه أن الوتر ليس بواجب لأنَّ بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة رسول الله ﷺ بقليل بعد الأمر بالوتر والعمل به، وفيه أن السنة أن الكفار يُدعون إلى التوحيد قبل القتال وفيه أنَّه لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين وهذا مذهب أهل السنة كما قدمنا بيانه في أول كتاب الإيمان، وفيه أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة وفيه بيان عظم تحريم الظلم وأن الإمام ينبغي له أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويبالغ في نهيهم عن الظلم ويُعرفهم قبح عاقبته، وفيه أنَّه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال في أداء الزكاة بل يأخذ الوسط ويحرم على رب المال إخراج شر المال وفيه أن الزكاة

стр. 737

٣٠ - (. . .) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، ــ لا تدفع إلى كافر ولا تدفع أيضًا إلى غني من نصيب الفقراء، واستدل به الخطابي وسائر أصحابنا على أن الزكاة لا يجوز نقلها من بلد المال لقوله ﷺ : "فترد في فقرائهم" ولكن هذا الاستدلال ليس بظاهر لأنَّ الضمير في فقرائهم محتمل لفقراء المسلمين، ولفقراء أهل تلك البلدة والناحية، وهذا الاحتمال أظهر، واستدل به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحج وتحريم الزنا ونحوها لكونه ﷺ قال: "فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن عليهم" فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، ولكن هذا الاستدلال ضعيف فإن المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإِسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يُزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه رتب ذلك في الدعاء إلى الإِسلام وبدأ بالأهم فالأهم، ألا تراه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد أنَّه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة والله أعلم. ثمَّ اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه وهذا قول المحققين والأكثرين، وقيل ليسوا مخاطبين بها، وقيل مخاطبون بالمنهيِّ دون المأمور والله أعلم قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وهذا الذي وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الإِسلام دون بعض هو من تقصير الراوي وقد بينا الرد عليه عن القرطبي فيما تقدم فراجعه والله أعلم. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: (٣٠) - متا (. . .) (حدثنا) محمَّد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني أبو عبد الله نزيل مكة، روى عن بشر بن سري ومروان بن معاوية وعبد العزيز الدراوردي وعبد الوهاب الثقفي وسفيان بن عيينة ومعن بن عيسى وغيرهم، ويروي عنه (م ت س ق) وهلال بن العلاء ومفضل بن محمَّد الجندي وأبو حاتم وأبو زرعة الرازي وأبو زرعة الدمشقي وطائفة وثقه ابن حبَّان، وقال في التقريب: صدوق صنف المسند وكان لازم ابن عيينة لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة من العاشرة مات في آخر ذي الحجة بعد الموسم سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين.

стр. 738

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، ــ روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة والحج في موضعين والنكاح والجهاد والذبائح والأدب ودلائل النبوة ووفاة النبي ﷺ وفي الفتن فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أحد عشر بابا تقريبًا. قال ابن أبي عمر (حدثنا بشر بن السري) الأفوه أبو عمرو البصري ثمَّ المكي الواعظ كان يتكلم كثيرًا فسمي الأفوه رُمي بالتجهم واعتذر وتاب، روى عن زكرياء بن إسحاق وهمام بن يحيى وحماد بن سلمة وسفيان الثوري وعدة، ويروي عنه (ع) وأحمد وابن المديني وابن أبي عمر وزهير بن حرب ومحمد بن حاتم ومحمود بن غيلان وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: ثبت، وقال البخاري: كان صاحب مواعظ فتكلم فسُمي الأفوه، وقال في موضع آخر صاحب خير وصدق ومن كلامه: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك اهـ وقال في التقريب: ثقة متقن من التاسعة مات سنة (١٩٦) خمس أو ست وتسعين ومائة وله (٦٣) ثلاث وستون سنة. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الصلاة ووفاة النبي ﷺ والفضائل، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة أبواب تقريبًا، قال بشر بن السري (حدثنا زكرياء بن إسحاق) وقد تقدمت قريبًا ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب. (ح وحدثنا عبد بن حميد) أي حوَّل المؤلف السند وقال رحمه الله تعالى حدثنا عبد بن حميد بن نصر الكَسِّيُّ بفتح الكاف وتشديد السين المهملة أو الشين المعجمة نسبة إلى كَسَّ مدينة فيما وراء النهر، أبو محمَّد الحافظ مؤلف المسند والتفاسير، وقيل اسمه عبد الحميد بن حميد وبذلك جزم ابن حبَّان وغير واحد، روى عن أبي عاصم وعبد الرزاق ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبي عامر العقدي وجعفر بن عون وأبي نعيم وغيرهم، ويروي عنه (م ت) وابن خزيم الشاشي وعمر البحيري، وقال في التقريب: ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين وليس في مسلم من اسمه عبد إلا هذا الثقة. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في موضعين والزكاة والصوم والحج في موضعين وفي البيوع في موضعين وفي الجهاد في موضعين وفي الأطعمة في موضعين

стр. 739

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَال: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا. . ." بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ ــ وفي الفضائل في موضعين وفي العلم وفي الدعاء وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابا تقريبًا. وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغتي شيخي شيخيه في الرواية عن زكريا بن إسحاق لأنَّ بشر بن السري قال حدثنا زكريا بن إسحاق بصيغة السماع، وقال أبو عاصم عن زكرياء بن إسحاق بصيغة العنعنة. قال عبدُ بن حميد (حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد الشيباني مولاهم أبو عاصم النبيل البصري الحافظ ثقة ثبت من التاسعة مات سنة (٢١٢) اثنتي عشرة ومائتين، وتقدمت ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا تقريبًا. (عن زكرياء بن إسحاق) المكي (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) المخزومي المكي (عن أبي معبد) نافذ مولى ابن عباس المدني (عن ابن عباس) ﵄، وغرض المؤلف بسوق هذين السندين بيان متابعة بشر بن السري وأبي عاصم النبيل لوكيع بن الجراح في رواية هذا الحديث عن زكريا بن إسحاق، وكلا السندين من سداسياته فالسند الأول رجاله مكيون لأنَّ أبا معبد وابن عباس يقال لهما مكيان، والسند الثاني أيضًا رجاله كلهم مكيون إلا عبد بن حميد فإنَّه كَسيٌ وأبا عاصم فإنَّه بصري (أن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن) ففي هذه الرواية زيادة لفظة إلى اليمن (فقال) النبي ﷺ لمعاذ بن جبل (إنك ستأتي قومًا) ففي هذه الرواية زيادة سين الاستقبال والجار والمجرور في قوله (بمثل حديث وكيع) تنازع فيه كل من حدثنا بشر بن السري وحدثنا أبو عاصم لأنَّ الجار والمجرور في قوله بمثل حديث فلان وبمثله وبنحوه مثلًا متعلق بما عمل في المتابع كما مر مرارًا. قال النواوي قوله "عن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث معاذًا" وهذا اللفظ يقتضي أن الحديث من مسند ابن عباس وكذلك الرواية التي بعده وأما الأولى فمن مسند معاذ، ووجْهُ الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ فرواه تارة عنه متصلًا، وتارة أرسله فلم يذكر معاذًا، وكلاهما صحيح كما قدمنا أن مرسل الصحابي

стр. 740

٣١ - (. . .) حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، ــ إذا لم يُعرف المحذوف يكون حجة، فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنَّه معاذ، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ وحضر القضية فتارة رواها بلا واسطة لحضوره إياها، وتارة رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، واما لمعنى آخر والله أعلم. ثمَّ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معاذ فقال: (٣١) - متا (. . .) (حدثنا أمية بن بسطام) بكسر الموحدة وسكون السين وفتح الطاء - وحكى في المغني فتح الباء والصرف وعدمه ولكن الأصح منعه من الصرف للعلمية والعجمة، قال الجوهري في الصحاح: بسطام ليس من أسماء العرب، وإنما سَمَّى قيس بن مسعود ابنه بسطامًا باسم ملك من ملوك فارس كما سموا قابوس فعربوه بكسر الباء والله أعلم - ابن المنتشر العيشي بالشين المعجمة نسبة إلى بني عائش بن مَلِك بن تيم الله بن ثعلبة سكنوا البصرة، وكان أصله العايش ولكانهم خففوه، قال الحاكم أبو عبد الله والخطيب أبو بكر البغدادي: العيشيون بالشين المعجمة بصريون، والعبسيون بالباء الموحدة والسين المهملة كوفيون، والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون، وهذا الذي قالاه هو الغالب اهـ. نووي أبو بكر البصري روى عن يزيد بن زُريع ومعتمر بن سليمان، ويروي عنه (خ م س) وأبو زرعة ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين روى عنه المؤلف في بابين في الإيمان والوضوء وفي غيرهما. قال أمية (حدثنا يزيد بن زُريع) بزاي ثمَّ راء مهملة مصغرًا التميمي العيشي بتحتانية أبو معاوية البصري الحافظ أحد الأئمة الأعلام روى عن روح بن القاسم ويونس بن عبيد وسعيد بن أبي عروبة وخالد الحذاء والجريري وأيوب وخلق، ويروي عنه (ع) وأمية بن بسطام ومحمد بن المنهال ويحيى بن يحيى وأبو كامل الجحدري وسهل بن عثمان ونصر بن علي وأحمد بن عبدة وخلائق، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الثامثة مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الوضوء في موضعين وفي الصلاة في موضعين وفي الجنائز والزكاة والعتق والذبائح وفي الحج في موضعين والديات والجهاد والحدود في موضعين وفي كفارة المرضى وفي النكاح فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها اثنا عشر بابا تقريبًا.

стр. 741

حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ ــ قال يزيد بن زُريع (حدثنا روح) وأتى بقوله (وهو ابن القاسم) إشعارًا إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل هي مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي التميمي العنبري أبو غياث بكسر الغين المعجمة الحافظ البصري، روى عن إسماعيل بن أمية والعلاء بن عبد الرحمن في مواضع، وسُهيل وعطاء بن أبي ميمونة وعمرو بن دينار وخلق، ويروي عنه (خ م د س ق) ويزيد بن زُريع وابن علية وعون بن عمارة، قال ابن المديني له نحو مائة وخمسين حديثًا (١٥٠) وقال في التقريب: ثقة حافظ من السادسة مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والنكاح والبيوع والفرائض والهبة والوصايا والأحكام واللباس والأدب في موضعين فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها عشرة أبواب تقريبًا (عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي المكي أحد العلماء والأشراف، روى عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ومحمد بن يحيى بن حبَّان وعياض بن عبد الله وعكرمة وأيوب بن خالد وسعيد المُقرئ وجماعة، ويروي عنه (ع) وروح بن القاسم والسفيانان ومعمر ويحيى بن أيوب وبشر بن المفضل وابن جريج وغيرهم، قال ابن المديني له نحو سبعين حديثًا، وثقه أبو حاتم، وقال في التقريب ثقة ثبت من السادسة مات سنة (١٤٤) أربع وأربعين ومائة وقيل قبلها. روى عنه المؤلف في الإيمان والزكاة في موضعين والصوم وفي النكاح في موضعين والعتاق والبيوع والجهاد وفي ذكر خلق الأشياء وجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب تقريبًا (عن يحيى بن عبد الله بن صيفي) المكي (عن أبي معبد) نافذ الحجازي مولى ابن عباس (عن ابن عباس) ﵄، وهذا السند من سباعياته ورجاله ثلاثة منهم بصريون وأربعة مكيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة إسماعيل بن أمية لزكريا بن إسحاق في رواية هذا الحديث عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه، وأما تكرار المتن في هذه المتابعة فلما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى (أن رسول الله ﷺ لما بعث

стр. 742

مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ. . قَال: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ عِبَادَةُ اللهِ ، فَإِذَا عَرَفُوا الله. . فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا. . فَأَخْبِرْهُمْ: ــ معاذًا إلى اليمن قال) لمعاذ على سبيل التوديع والإيصاء (إنك) يا معاذ (تَقدَمُ) وتأتي بفتح الدال من باب فَهِمَ (على قوم) من (أهل كتاب) أي من اليهود والنصارى (فليكن أول ما تدعوهم إليه) بنصب أول على أنَّه خبر يكن مقدم على اسمها (عبادة الله برفع عبادة على أنَّه اسم يكن مؤخر ومعنى عَزَّ اتصف بجميع الكمالات وجلَّ تنزه عن جميع النقائص لأنَّ العزة من صفات الجمال، والجلالة من صفات الجلال، وقد تقدم أن أصل العبادة التذلل والخضوع وسُميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى، والمراد بالعبادة هنا هو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله كما جاء مفسرًا في الرواية السابقة "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" (فإذا عرفوا الله فأخبرهم) أي إن أطاعوا بالنطق بذلك أي بكلمتي التوحيد كما قال في الرواية السابقة "فإن هم أطاعوا بذلك فأعلمهم" فسمى الطواعية بذلك والنطق به معرفة لأنه لا يكون غالبًا إلا عن المعرفة. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى قوله (فإذا عرفوا الله) إلخ هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين الله تعالى وهو مذهب حُذاق المتكلمين اليهود والنصارى أنهم غير عارفين الله تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم على هذا وإن كان العقل لا يمنع أن يعرف الله تعالى مَنْ كذَّب رسولًا، وقال القاضي أيضًا: ما عرف اللهَ تعالى مَنْ شبَّهه وجسَّمه من اليهود أو أجاز عليه البَدَاءَ أو أضاف إليه الولدَ منهم، أو أضاف إليه الصاحبةَ والولدَ، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى أو وصفَهُ بما لا يليق به أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله وإن سموه به إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة، فإذن ما عرفوا الله تعالى فتحقق هذه النكتةَ واعتمد عليها. أي فأخبرهم (أن الله) (فرض) وأوجب (عليهم) أي على المكلفين منهم (خمس صلوات في يومهم وليلتهم) والإضافة فيهما من إضافة الظرف إلى المظروف (فإذا فعلوا) ذلك المذكور من الصلوات الخمس وقبلوها والتزموها (فأخبرهم) أي

стр. 743

أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا. . فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" ــ فأعلمهم (أن الله) (قد فرض) وأوجب (عليهم) أي على المتصف منهم بشروط وجوب الزكاة عليه (زكاة) وصدقة (تؤخذ من أغنيائهم) أي من أغنياء أهل اليمن (فتُرد) وتوزع (على فقرائهم) أي على المستحقين منهم، وفي بعض الرواية (تؤخذ من أموالهم) فيُستدل بلفظة من أموالهم على أنَّه إذا امتنع من الزكاة أُخذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك في الباطن فيه وجهان لأصحابنا والله أعلم اهـ. نووي. (فإذا أطاعوا) وقبلوا (بها) أي بأدائها إلى فقرائهم (فخذ منهم) تلك الزكاة (وتوق) أي تجنب وتحرز (كرائم أموالهم) أي أخذها رفقًا بهم. ***

стр. 744

٩ - بَابُ الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالى، وَيُقِرُّوا بِرِسَالةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. . فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالهُ إِلَّا بِحَقِّهِمَا ٣٢ - (٢٠) حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ــ ٩ - بَابُ الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالى، وَيُقِرُّوا بِرِسَالةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالهُ إِلَّا بِحَقِّهِمَا أي هذا باب معقود في بيان أمر الله نبيه وخلفائه وولاة دينه بقتال المكلفين من الناس ويجاهدونهم حتى يقروا بوحدانية الله تعالى ويقروا برسالة محمَّد ﷺ ويلتزموا أحكام دينه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات وبيان أن من فعل ذلك المذكور وأتى به قوليًّا كان أو فعليًّا فقد عصم وحقن دمه من الإراقة، وماله من الأخذ والسلب إلا بحقهما؛ أي إلا بالحقوق المتعلقة بهما شرعًا كإراقة دمه للقصاص والحدود وأخذ ماله للزكاة والغرامة. وترجم له النواوي بقوله (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمَّد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقهما ووُكِلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإِسلام واهتمام الإمام بشعائر الإِسلام). وهكذا الترجمة في أكثر نسخ المتن، وترجم له الأبي بقوله (باب أحاديث أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وترجم له السنوسي بقوله (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمَّد رسول الله) وترجم له القرطبي بقوله (باب يُقاتَلُ الناس إلى أن يوحدوا الله ويلتزموا شرائع دينه) وسبب اختلاف التراجم في صحيح مسلم عدم وضع المؤلف لها خوفًا من إطالة الكتاب فترك للناس مجالًا فترجم كل بما ظهر له من معاني الحديث منطوقًا أو مفهومًا كما مر بياننا لذلك في أوائل الكتاب وبالسندين المتصلين إلى المؤلف رحمه الله تعالى قال المؤلف: (٣٢) - س (٢٠) (حدثنا قتيبة بن سعيد) بن جميل بفتح الجيم بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني (بغلان بلخ) ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٤٠)

стр. 745

حَدَّثَنَا لَيثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ــ مائتين وأربعين عن تسعين (٩٠) وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، قال قتيبة (حدثنا ليث بن سعد) بن عبد الرحمن بن الحارث الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري الإمام عالم مصر وفقيهها ورئيسها روى عن عقيل بن خالد ومحمد بن عجلان ونافع والزهري وسعيد المقبري وعطاء وقتادة وخلائق، ويروي عنه (ع) وقتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمح وشعيب بن الليث ويحيى بن يحيى وشبابة بن سوار وابن وهب وعدَّة، قال ابن بكير: هو أفقه من مالك، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة مات في النصف من شعبان سنة (١٧٥) خمس وسبعين ومائة، وكان مولده يوم الخميس في شعبان سنة (٩٤) أربع وتسعين، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في ستة مواضع وفي الوضوء في موضعين وفي الزكاة في خمسة مواضع والبيوع في خمسة مواضع والجهاد في أربعة مواضع والرؤيا وحق الجار والفضائل والفتن والصوم والحج والنكاح والحدود والأشربة فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة عشر بابا تقريبًا. (عن عُقيل) بضم العين مصغرًا بن خالد بن عقيل بفتح أوله مكبرًا القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان الأيلي بفتح الهمزة بعدها ياء ساكنة ثمَّ لام المصري سكن المدينة ثمَّ الشام ثمَّ مصر، روى عن الزهري وسلمة بن كهيل وسالم وخلق، ويروي عنه (ع) وليث بن سعد والمفضل بن فضالة ويحيى بن أيوب وغيرهم، وثقه أحمد، قال أبو حاتم: هو أثبت من معمر، وقال في التقريب: ثقة ثبت من السادسة مات سنة (١٤٤) أربع وأربعين ومائة على الصحيح، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع وفي غيرها (عن) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي (الزهري) أبي بكر المدني أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام رأى عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، وكان من أحفظ أهل زمانه وأحسنهم سياقًا لمتون الأخبار، وكان فقيهًا فاضلًا رحمه الله تعالى، روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن ونافع مولى أبي قتادة وسهل بن سعد وأنس ومحمود بن الربيع وخلق، ويروي عنه (ع) وعُقيل بن خالد ويونس بن يزيد وصالح بن كيسان وابن عيينة ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة والأوزاعي والليث بن سعد وخلائق

стр. 746

قَال: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ــ لا يحصون، قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث، وقال أيوب: ما رأيت أعلم من ابن شهاب، وقال في التقريب: ثقة حافظ متقن متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة مات ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة في ناحية الشام. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الصلاة في ثمانية مواضع وفي الزكاة في ثلاثة مواضع وفي الحج في ثلاثة مواضع، والأشربة وفي الفضائل في ثلاثة مواضع وفي الجنائز في موضعين وفي الصوم وفي النكاح في سبعة مواضع وفي الطلاق واللعان والاستئذان والبيوع في موضعين والجهاد في موضعين والهبة والأطعمة واللباس وفي الطب في موضعين وفي لا هامة في موضعين ودلائل النبوة وفضل عثمان والفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة وعشرون بابا تقريبًا. (قال) الزهري (أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود) الهذلي الأعمى أبو عبد الله المدني حليف بني زهرة الفقيه أحد الفقهاء السبعة، روى عن أبي هريرة وزيد بن خالد وعبد الله بن عباس وعائشة وأم قيس وعمر وابن مسعود مُرسلًا، ويروي عنه (ع) والزهري وصالح بن كيسان وموسى بن أبي عائشة وطلحة بن يحيى وعِراك بن مالك وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن وأبو الزناد وخلق، قال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام، وقال العجلي: كان جامعًا للعلم وقال في التقريب: ثقة فقيه ثبت من الثالثة مات سنة (٩٤) أربع وتسعين، روى عنه المؤلف في الإيمان والطب في ثلاثة مواضع والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والطلاق في موضعين والأطعمة والفتن وفي صفة النبي ﷺ فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر ﵁ المدني الأزدي الدوسي من دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران صاحب رسول الله ﷺ كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وألزمه له على شبع بطنه، وكانت يده مع يده يدور حيث ما دار إلى أن مات رسول الله ﷺ ، عِداده في أهل المدينة، وكان ينزل ذا الحليفة، روى عن النبي ﷺ الكثير الطيب وعن أبي بكر وعمر والفضل بن عباس وعائشة، ويروي عنه (ع) وابن عباس وابن عمر وأنس وواثلة

стр. 747

قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاسْتُخْلِفَ ابُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ ــ وجابر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقَة وأبو صالح وأبو حازم وأبو سلمة ومحمد بن سيرين والأعرج وهمام بن منبه وخلائق لا يحصون له خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد (خ) بتسعة وسبعين و (م) بثلاثة وتسعين، قال ابن سعد: كان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، قال الواقدي: مات أبو هريرة سنة (٥٩) تسع وخمسين عن ثمان وسبعين (٧٨) وجملة ماروى عنه المؤلف أربعمائة حديث وثمانية عشر حديثًا (٤١٨) وهذا السند من سداسياته اثنان منهم مصريان وثلاثة مدنيون وواحد بغلاني. (قال) أبو هريرة (لما توفي) ومات (رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر) أي جعل خليفة عنه ﷺ (بعده) أي بعد وفاته ﷺ (وكفر من كفر) أي ارتد من ارتد (من العرب) إلا أهل ثلاثة مساجد، مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جُوَاثَا، قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جُواثا. قال الخطابي في شرحه لهذا الحديث: لا بد من تقديم ما يتم به معناه وذلك أنه لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب حتى لم يُصلِّ لله إلا بمكة والمدينة ومسجد عبد القيس بقرية تُسمى جُواثا من أرض البحرين، وكان عُمَّاره من الأزد، وبقوا محصورين حتى قتل مسيلمة الكذاب وفُتحت اليمامة، وكان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف ارتد ولم يتمسك من الإسلام بشيء ثم من هؤلاء من عاد إلى جاهليته، ومنهم من ادعى نبوة غيره ﷺ وصدقه كأتباع مسيلمة باليمامة والأسود العنسي بصنعاء، وصنف تمسك بالإسلام إلا أنه أنكر وجوب الزكاة وقال: إنما كانت واجبة في زمانه ﷺ وتأول في ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وصنف تمسك به واعترف بوجوبها إلا أنه امتنع من دفعها لأبي بكر وفرقها بنفسه قال: وإنما كانت تفرقتها لرسول الله ﷺ ، ومن هذا المصنف من أطاع بدفعها لأبي بكر كبني يربوع جمعوا صدقاتهم وأرادوا دفعها لأبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفرقها بنفسه عليهم،

стр. 748

قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأبِي بَكْرٍ: كَيفَ تُقَاتِلُ الناسَ وَقَدْ قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ .. فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ"؟ ــ فاتفق الصحابة ﵃ على قتال الصنفين الأولين وعدم سبيهم، وإنما اختلفوا في سبي ذراريهم، فقوتلوا حتى قُتل الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وتفرقت جموعهما اهـ. وأما الصنف الثالث أعني بهم الذين اعترفوا بوجوبها ولكن امتنعوا من دفعها إلى أبي بكر فهم الذين أشكل أمرهم على عمر فباحث أبا بكر في ذلك حتى ظهر له الحق الذي كان ظاهرًا لأبي بكر فوافقه على ذلك، فلذلك قال: (فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق) وقوله (قال عمر) مُرتب على محذوف تقديره لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب وأراد أبو بكر قتالهم قال عمر (بن الخطاب لأبي بكر كيف تقاتل) وتجاهد يا أبا بكر هؤلاء (الناس) الذين تمسكوا بالإسلام واعترفوا بوجوب الزكاة ولكن امتنعوا من دفعها إليك متأولين بما ذكر في الآية السابقة (و) الحال أنه (قد قال رسول الله ﷺ أُمرت) من جهة ربي (أن أقاتل الناس) وأجاهدهم (حتى يقولوا) ويقروا (لا إله إلا الله) مع قرينتها محمد رسول الله (فمن قال) وأقر منهم (لا إله إلا الله) وأني رسول الله (فقد عصم) وحقن وحفظ (مني ماله) من الأخذ والسلب (ونفسه) من القتل والأسر، وعَصَمَ بمعنى منع مأخوذ من العصمة، والعصمة: المنع والامتناع والعصام الخيط الذي يُشد به فم القربة، سُمي بذلك لمنعه الماء من السيلان، والضمير في قوله (إلا بحقه) عائد على الإسلام، أي إلا بحق الإسلام، أي إلا أن نأخذ ماله أو نقتل نفسه بالحق الذي أوجب عليه إسلامه، وقوله لا إله إلا الله، وفي بعض الرواية (إلا بحقها) أي إلا أن يترك حقًّا من حقوق كلمة لا إله إلا الله، أي إلا أن نأخذه أو نقتله بالحق الذي أوجبت عليه تلك الكلمة المشرفة، أي تمسكه وقوله بها من امتثال جميع شرائع الدين، والمعنى إلا أن يمنع حقًّا من حقوق الكلمة، ومن حقوقها أداء الزكاة، قال القرطبي: والحق المستثنى هو ما بينه في الحديث الآخر بقوله: "زِنىً بعد إحصان أو كفرٌ بعد إيمان أو قتل النفس التي حرم الله" رواه الدارمي في مسنده (٢/ ١٧١) (وحسابه) أي وحساب سرائره (على الله) لأنه تعالى هو المطلع عليها فمن أخلص في

стр. 749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيمانه وأعماله جازاه الله عليها جزاء المخلصين ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين وهو عند الله تعالى من أسوء الكافرين. ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجلية لا على الأسرار الخفية. (تنبيه) قال الأبي: هذا الحديث نصٌّ في أن رِدتهم كانت بعد موته ﷺ وللزمخشري خلافه قال: ارتدت مُذحج في حياته ﷺ ورئيسهم الأسود العنسي فاستولى على اليمن وأخرج عُمال رسول الله ﷺ فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ وسادات اليمن فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك فسر المسلمون ثم توفي رسول الله ﷺ من الغد ثم جاء علمه بعد شهر، وقال في مسيلمة الكذاب ارتدت بنو حنيفة ورئيسهم مسيلمة فكتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ﷺ أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك فأجابه رسول الله ﷺ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يُورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وتُوفي رسول الله ﷺ فحاربه أبو بكر وقُتل على يد وحشي قاتل حمزة، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشرها في الإسلام، يريد في جاهليتي، قال أعني الزمخشري: وإنما الذي ارتد في عهد أبي بكر فزارة وغطفان وبنو سُليم وبنو يربوع وبعض تميم قوم سجاح التي تنبأت، وغسان قوم جبلة بن الأيهم، قال الخطابي: وبسبي ذراريهم قال أبو بكر، ومنهم استولد عليٌّ أم ولده محمد ابن الحنفية، وبعدم سبيهم قال عمر؛ ولما وُلِّي رد عليهم ذريتهم وحكم فيهم بحكم المرتدين، قال القاضي عياض: وبرأي أبي بكر قال الأصبغ المالكي، وبرأي عمر قال الأكثر. ثم اختلف الصحابة في قتال الصنفين الآخرين، فرآه أبو بكر للأول منهما بكُفْرِه والثاني لامتناعه من دفع الزكاة، وأباه عمر وعذرهم بالتأويل والجهل لقرب عهدهم بالإسلام، وسيأتي احتجاج كل منهما، ولم تكن الصحابة تُسمي هذين الصنفين كفارًا لأنهم لم يرتدوا حقيقة وإنما هم بغاة، وكان القياس أن يسموا بغاة لكن لما عاصروا

стр. 750

فَقَال أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ؛ لأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلاةِ وَالزكَاةِ، فَإِن الزكَاةَ حَقُّ المَالِ، ــ المصنف الأول ودخلوا في غماره وكان هو الأكثر انسحب عليهم اسم الردة ألا ترى أن مقاتلة علي ﵁ لما انفردوا ولم يدخلوا في غمار المشركين كيف سموا بُغاة اهـ الأبي. واعلم أن ظاهر قول عمر لأبي بكر (كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) أن من نطق بكلمة التوحيد فقط حُكم له بحكم الإسلام، وهذا الظاهر متروك قطعًا إذ لا بد مع ذلك من النطق بالشهادة بالرسالة أو بما يدل عليها لكنه سكت عن كلمة الرسالة لدلالة كلمة التوحيد عليها لأنهما متلازمان فهي مرادة قطعًا ثم النطق بالشهادتين يدل على الدخول في الدين والتصديق بكل ما تضمنه وعلى هذا فالنطق بالكلمة الأولى يُفيد إرادة الثانية كما يقال قرأت (الحمد لله رب العالمين) والمراد جميع السورة، ويدل على صحة ما قلناه الروايات الأُخر التي فيها "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" وفي لفظ آخر "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به" غير أن أبا بكر وعمر لم يحضر لهما في وقت هذه المناظرة غير ذلك اللفظ الذي ذكره إذ لو حضر لهما قوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" لارتفع البحث بينهما لأن هذا اللفظ نص في المطلوب، وأوضح في الدلالة مما استدل به أبو بكر من قوله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة انتهى من القرطبي. (فقال أبو بكر) مجيبًا لعمر (والله) الذي لا إله غيره (لأقاتلن من فرق بين الصلاة) بأدائها (و) بين (الزكاة) بامتناعه من دفعها (فإن الزكاة حق) وجب في (المال) كما أن الصلاة حق على البدن يُريد بذلك لورودهما في القرآن موردًا واحدًا. وفي القرطبي: يعني أبو بكر بهذا والله أعلم: أن الله تعالى قد سوَّى بين الصلاة والزكاة في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وفي غيرها فقد جمع الله تعالى بينهما في الأمر بهما، والصلاة المأمور بها واجبة قطعًا فالزكاة مثلها فمن فرق بينهما قوتل؛ ويمكن أن نشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ودليل خطابها أن من لم يفعل جميع ذلك لم يُخل

стр. 751

وَاللهِ؛ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .. لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، ــ سبيله فيُقاتل إلى أن يُقتل أو يتوب، وبهذه الآية وبذلك الحديث استدل الشافعي ومالك ومن وافقهما على قتل تارك الصلاة وإن كان معتقدًا لوجوبها اهـ. قال النواوي: وفيه العمل بالقياس كما جاء في بعض الطرق: "أرأيت لو لم يصلوا" قال الخطابي: وهذا يدل على أن خطاب قتال الممتنع من الصلاة متفق عليه عندهم، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، قال الأبي: وبسْطُ احتجاجهما أن عمر رأى القتال منفيًّا بقول الكلمة فإذا قيلت وجب الكف ورأى أبو بكر: أن الاستثناء صيره موقوفًا عليها وعلى أداء الزكاة، والموقوف على أمرين ينعدم عند انعدام أحدهما، لأن المعنى عصموا إلا أن يمنعوا حقًّا من حقوق الكلمة ومن حقوقها أداء الزكاة ولعل عمر لم يخف عنه ذلك ولكن حمل الحق المستثنى على ما بينه في الحديث الآخر بقوله: "زِنىً بعد إحصان أو كفرٌ بعد إيمان أو قتل النفس التي حرم الله" اهـ. قال القاضي عياض: واقتصارهما على الاحتجاج على حديث الشهادتين يدل على أنهما لم يسمعا ما في حديث أبي هريرة من زيادة قوله: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة إذ لو سمعها عمر لم يحتج بالحديث لأنه حجة عليه، ولو سمعها أبو بكر لم يحتج بالعموم في قوله إلا بحقها ولا بالقياس لأنه نص في المطلوب، قال القرطبي: ولعلهما سمعا ونسيا، قال النواوي نقلًا عن الخطابي: أو يكون أبو هريرة هو الذي أسقط ذلك اتكالًا على فهم المخاطبين القضية وأنه لم يقصد إلا ذكر ما اتُّفِقَ عليه بين الشيخين، قال الأبي: العموم الذي في (بحقها) هو أن التقدير إلا أن يتركوا حقًّا أيَّ شيء كان اهـ. قال أبو بكر (والله) الذي بعث محمدًا ﷺ (لو منعوني عقالًا) وحبلًا يعقل به إبل الزكاة المدفوعة كانوا يؤدونه) ويدفعونه (إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم) أي لقاتلت الناس (على منعه) أي على منع ذلك العقال أي على امتناعهم من دفعه إليَّ، وهذا غايةٌ في تقليل ما يمنعونه، قال النواوي هكذا في مسلم عقالًا وكذا في بعض روايات البخاري، وفي بعضها عناقًا بفتح العين وبالنون هي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال في مرة

стр. 752

فَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ؛ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيتُ الله عَز ــ عقالًا وفي الأخرى عناقًا فروي عنه اللفظان فأما رواية العناق فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول فإذا حال حول الأمهات زكَّى السخال الصغار بحول الأمهات سواء بقي من الأمهات شيء أم لا، هذا هو الصحيح المشهور، وقال أبو القاسم الأنماطي من أصحابنا: لا يُزكي الأولاد بحول الأمهات إلا أن يبقى من الأمهات نصاب، وقال بعض أصحابنا: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصور ذلك فيما إذا مات معظم الكبار وحدثت صِغار وحال حول الكبار على بقيتها وعلى الصغار والله أعلم. وأما رواية عقالًا فقد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال أحدها: أنها الفريضة من الإبل رواه ابن وهب عن مالك، وثانيها: أنها صدقة عامٍ قاله الكسائي، وثالثها: أنها كل شيء يؤخذ في الزكاة من أنعام وثمار وحبوب لأنه يُعقل عن مالكه قاله أبو سعيد الضرير، ورابعها: ما يأخذه المصدق من الزكاة من عين المال المُزكى فإن أخذ عِوضها قيل أخذ نقدًا، وخامسها: أنها اسم لما يعقل به البعير ويربط به قوائمه لئلا يشرد قاله أبو عبيد، وقال: قد بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل قرينين عقالًا (أي حبلًا يربطهما به) ورِواءً (الحبل الذي تُربط به المزادتان والمزادة الراوية التي ينقل بها الماء) والأشبه بمساق قول أبي بكر أن يراد بالعقال ما يعقل به البعير ويُربط به ظلفه لئلا يشرد وفي هامش متن مسلم وهو ما شد به ظلف البعير بذراعه حال بروكه حتى لا يقوم فيشرد انتهى، لأنه خرج مخرج التقليل والله أعلم. وهو الصحيح الذي لا ينبغي العدول عنه، وعلى هذا اختلفوا في المراد بمنعوني عقالًا فقيل قدر قيمته وهو ظاهر متصور في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعادن والركاز وزكاة الفطر وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها كما إذا وجب عليه سن فلم يوجد عنده ونزل إلى سن دونها واختار أن يرد عشرين درهما فمنع من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالًا وفيها سخلة فمنعها وهي تساوي عقالًا ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وقيل معناه منعوني زكاة لعقال إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيح أيضًا اهـ نووي. (فقال عمر بن الخطاب فوالله ما هو) أي ما الشأن والحال (إلا أن رأيت الله عز

стр. 753

وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أبِي بَكرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أنهُ الْحَقّ ــ وجل قد شرح) وبسط (صدر أبي بكر) وقلبه (للقتال) أي لقتال مانعي الزكاة (فعرفت أنه) أي أن قتالهم هو الأمر (الحق) والرأي الصواب، ومعنى رأيت علمت وأيقنت، ومعنى شرح فتح ووسَّع وليَّن ومعناه علمت بأنه جازمٌ بالقتال لما ألقى الله في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك، ومعنى قوله: عرفت أنه الحق أي بما أظهر من الدليل وأقامه من الحجة فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق لا أن عمر قلد أبا بكر ﵄، فإن المجتهد لا يُقلد المجتهد، وقد زعمت الرافضة أن عمر ﵁ إنما وافق أبا بكر تقليدًا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم. اهـ نواوي قال الأبي: وإنما لم يمكن أنه قلده لأنه لا يحل لمجتهد أن يقلد غيره، لأنه ظنَّ نفسه أقوى لا سيما وقد قال: علمتُ، والمقلِّد غير عالم وإنما اشترط الروافض عصمة الإمام لأن الموجب عندهم لنصبه صون الأمة عن الخطأ، فإن لم يكن معصومًا لم يؤمن عليه الخطأ؛ فيفتقر إلى إمام وتسلسل، وعندهم أن الإجماع إنما كان حجة لاشتماله على قوله: فإذا أجمعت الأمة دل إجماعهم على حصول قوله معهم وإن لم يظهر، وقوله: حجة فيكون الإجماع حجة، وعندهم أن نصب الإمام واجب على الله؛ لأن نصبه لطف؛ ويجب على الله تعالى فعل اللطف، وكان لطفًا لأنه يوضح الدلائل ويدفع الشبهات ويحث على فعل الواجبات ويزجر عن المحرمات، وكل هذا مبني على قاعدة التحسين ووجوب الأصلح ولا يصحان عندنا، قال ابن التلمساني: وأقرب ما يرد به عليهم: أن المصلحة لا تظهر إلا بعصمة نوابه أيضًا وهم لا يشترطونها. اهـ ويعني بالحق الذي علم: قتال مانعي الزكاة لا ردَّ سبي ذراري المرتدين لأنه لم يوافقه على سبيهم إلا في الظاهر لما يجب عليه من طاعة الإمام ولذا لما وُلِّى ردهم، ولو وافقه في الباطن لم يردهم لأن بموافقته انعقد الإجماع إذ لا مخالف غيره، وإذا انعقد الإجماع لم تجز مخالفته وهذا هو الحكم في أصول الفقه أن المجتهد إذا رأى غير ما أفتى به الإمام العدل المجتهد؛ وسكت اتباعًا له لما يلزمه من طاعته ثم فقد ذلك الإمام تعين على ذلك المجتهد أن يرجع إلى رأي نفسه لكن بعد تجديد النظر لاحتمال أن يتغير اجتهاده.

стр. 754

٣٣ - (٠٠) وَحَدَّثَنا أَبُو الطاهِرِ ــ وفي الحديث فوائد من الفقه منها: أنه حُجة لقتال أهل البغي والتأويل، ومنها الرجوع عن الرأي لظهور الحق، ومنها عدم تخطئة أحد المتناظرين الآخر لأن عمر لم يُخَطِّئ أبا بكرٍ وإنما احتج عليه، ومنها أن فعل الإمام إذا اشتهر ولم يُعْلَم له مخالف إجماعٌ بشرط كون الحاضرين لا يداهنون في حق خلافًا لأكثر الأصوليين، ومنها أن الإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد؛ خلافًا لبعضهم، ومنها أن اتفاق أهل العصر عقب اختلافهم إجماع اهـ الأبي، ومنها أن الزكاة لا تسقط عن المرتد برِدَّته؛ بل يُؤخذ منه ما وجب عليه منها؛ فإن تاب وإلا قتل وكان ماله فيئًا اهـ قرطبي، ومنها أنه أدل دليل على شجاعة أبي بكر ﵁ وتَقَدُّمه في الشجاعة والعلم على غيره، وشدة حماسته للدين فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمةِ أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله ﷺ ، ومنها أنه استنبط ﵁ من العلم بدقيق نظره ورصانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره فلأجل هذا ولغيره مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحق على أنه أفضل أمة رسول الله ﷺ ومنها جواز مُراجعة الأئمة والأكابر ومناظرتهم لإظهار الحق، ومنها أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله ﷺ ، ومنها وجوب الجهاد، ومنها عصمة مالِ من أتى بهما ونفسه ولو كان عند السيف، ومنها جريان الأحكام الشرعية على الظاهر وتفويض ما في السرائر إلى الله تعالى، ومنها جواز القياس والعمل به، ومنها وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام قليلًا كان أو كثيرًا لقوله: (لو منعوني عقالًا أو عناقًا ... ) ومنها جواز التمسك بالعموم لقوله: (فإن الزكاة حق المال) ومنها وجوب الزكاة في السخال تبعًا للأمهات، ومنها اجتهاد الأئمة في النوازل وردِّها إلى الأصول ومناظرة أهل العلم ورجوع من ظهر له الحق إلى قول صاحبه، إلى غير ذلك من الفوائد الفقهية اهـ نووي بتصرف. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٣٣) - متا (٠٠) (وحدثنا أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السرح المصري القرشي الأموي مولى بني أُمية ثقة أو صدوق من العاشرة مات سنة (٢٥٥) خمس وخمسين

стр. 755

وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَال أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَال الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ــ ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأنه روى عن عبد الله بن وهب في الإيمان وغيره. (و) حدثنا أيضًا (حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري صاحب الشافعي وتلميذه، روى عن ابن وهب في مواضع، صدوق من الحادية عشرة مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومائتين (٢٤٤) (وأحمد بن عيسى) بن حسان المصري المعروف بالتُستَري بضم التاء وسكون السين وفتح التاء الأخيرة نسبة إلى تستر بلدة بالأهواز لكونه يتجر فيها، روى عن عبد الله بن وهب في الإيمان وغيره، والمفضل بن فضالة، وأزهر السمان وضِمام بن إسماعيل وعدة، ويروي عنه (خ م س ق) والفريابي والبغوي، وقال في التقريب: صدوق تُكلِّم في بعض سماعاته، من العاشرة مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين. وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن كلًّا من الرجال الثلاثة صدوق يُقوي بعضهم بعضًا، ولكن (قال أحمد) بن عيسى (حدثنا) ابن وهب (وقال الآخران) أبو الطاهر وحرملة (أخبرنا) عبد الله (ابن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، وإنما فرَّق بين صيغ مشايخه تورعًا من الكذب على بعضهم، لأن بين حدثنا وأخبرنا فرقًا في اصطلاح مسلم؛ ولوجمعهم فقال: قالوا حدثنا ابن وهب لكان كاذبًا على أبي طاهر وحرملة، ولو قال: قالوا أخبرنا لكان كاذبًا على أحمد بن عيسى، وهذا من ألطف لطائف السند فافهمه، روى عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد وعمرو بن الحارث وسليمان بن بلال ومالك وحيوة بن شريح ومخرمة بن بكير وليث بن سعد وجرير بن حازم وخلائق، ويروي عنه (ع) وأبو الطاهر وحرملة وأحمد بن عيسى وهارون بن سعيد الأيلي ومحمد بن سلمة المرادي وهارون بن معروف وعِدَّة، قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن صالح حدَّث بمائة ألف حديث، وقال أحمد بن حنبل: ما أصحَّ حديثه، وقال في التقريب: ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة (١٩٧) سبعٍ وتسعين ومائة وله اثنان وسبعون (٧٢) سنة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الصلاة في خمس مواضع والزكاة والحج والبيوع في أربعة مواضع وفي الطب والحدود في ثلاثة مواضع والعتق والأحكام في موضعين والجهاد في ثلاثة مواضع والفتن والصيد فجملة

стр. 756

قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ــ الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثلاثة عشر بابا تقريبًا (قال) ابن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان ويقال ابن أبي النجاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام أبو يزيد القرشي الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان، روى عن الزهري ونافع وهشام بن عروة وعكرمة والقاسم وعدة، ويروي عنه (ع) وابن وهب وحسان بن إبراهيم وابن المبارك والليث بن سعد وجرير بن حازم وسليمان بن بلال والأوزاعي وجماعة وثقه النسائي وغيره، وقال في التقريب: ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء وفي الصلاة في موضعين وفي الصوم وفي الحج والبيوع والوصايا فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها سبعة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو بكر المدني أحد الأئمة الأعلام، من رؤوس الطبقة الرابعة مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابا تقريبًا. (قال) ابن شهاب (حدثني سعيد بن المسيب) بن حَزْن بوزن سهل وبضد معناه بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أبو محمد المدني، كان ختن أبي هريرة على ابنته وأعلم الناس بحديثه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، روى عن عمر وعن أبي هريرة وأبيه المسيب بن حزن وعبد الله بن عمر وأبيّ وأبي ذر وأبي بكرة وغيرهم، ويروي عنه (ع) والزهري وداود بن أبي هند وعمرو بن مُرة وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلائق، وكان من أجلة فقهاء التابعين ونُسَّاكهم وخيارهم؛ وأعلم من بقي منهم بقضاء رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وقال في التقريب؛ كان من كبار الثانية مات سنة (٩٤) ثلاث أو أربع وتسعين، وقيل سنة خمس، وقال عمرو بن علي: مات سنة (٩٤) أربع وتسعين وقد ناهز الثمانين. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان في ثلاثة مواضع والصلاة في ثلاثة مواضع والجنائز والزكاة والصوم والحج في ثلاثة مواضع والنكاح والبيوع في موضعين والأشربة والإفك والفضائل في خمسة مواضع والهبة والضحايا واللباس وفي الحيوان وخُلُق النبي

стр. 757

أن أَبَا هُرَيرَةَ أَخْبَرَهُ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ .. عَصَمَ مِني مَالهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ". ٣٤ - (٠٠) حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ــ ﷺ والجهاد فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها سبعة عشر بابا تقريبًا (أن أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني (أخبره) أي أخبر سعيد بن المسيب (أن رسول الله ﷺ قال: أُمرت) أي أمرني ربي (أن أقاتل الناس) وأجاهدهم لإعلاء كلمة التوحيد (حتى يقولوا) ويُقروا بألسنتهم أن (لا إله إلا الله) وأني رسول الله ويعتقدوا معناها اعتقادًا جازمًا (فمن قال لا إله إلا الله) وأني رسول الله واعتقدها وعمل بمقتضاها فقد (عصم) وحقن وحفظ ومنع (مني ماله) من أن يؤخذ (ونفسه) من أن تقتل (إلا بحقه) أي إلا بحق الإسلام من غرامة المتلفات والقصاص والحدود (وحسابه) أي مناقشته وجزاؤه على ما في سرائره (على الله) خيرًا كان أو شرًّا إنما عليَّ البلاغ وعلى الله الحساب، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة سعيد بن المسيب لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وإنما كرر متن الحديث ولم يكتف بالرواية الأولى لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى بالاختصار، وفي هذه الرواية روى أبو هريرة عن النبي ﷺ مباشرة، وفي الأولى روى عنه بواسطة عمر ﵁، وهذا السند من سداسياته؛ ورجاله اثنان منهم مصريان وواحد أيلي وثلاثة مدنيون. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثانيًا في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٣٤) - متا (٠٠) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى (الضبي) نسبة إلى ضَبَّة بفتح الضاد وتشديد الباء المفتوحة بن أَدّ بن طابخة أبو عبد الله البصري بكسر الباء وفتحها نسبة إلى بَصرة بلدة بالعراق، وأما البُصري بضم الباء فنسبة إلى بُصرى بضم الباء مقصورًا بلدة بحوران بالشام روى عن عبد العزيز الدراوردي وحماد بن زيد وسُليم بن أخضر ويحيى القطان وسُفيان بن عيينة ويزيد بن زُريع وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وعبد الله بن محمد البغوي وابن خزيمة وخلق، وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال في التقريب: من العاشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، روى المؤلف عنه في الإيمان في

стр. 758

أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ -يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلاءِ، ح وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بن بِسْطَامَ وَاللَّفْظُ لَهُ، ــ موضعين وفي الصلاة وفي الزكاة في موضعين وفي الحج والطلاق وفضائل الصحابة في موضعين وفي الجنائز فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة أبواب، قال أحمد بن عبدة (أخبرنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي أبو محمد المدني الجُهني مولاهم؛ روى عن العلاء بن عبد الرحمن ويزيد بن الهاد والحارث بن فضيل وصفوان بن سليم وزيد بن أسلم ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد بن عبدة وابن أبي عمر وبشر بن الحكم وسعيد بن أبي مريم وقتيبة وعلي بن خَشرم وخلائق، قال النسائي ليس بالقوي، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال في التقريب: صدوق من الثامنة؛ كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، قرنه (خ) بآخر وكذا مسلم هنا، وأتى بالعناية في قوله (يعني الدراورديَّ) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي، نسبة إلى دراورد قيل: قرية بخراسان، وقيل: موضع بفارس، كان جده منها، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء في موضعين وفي الصلاة في موضعين وفي الجنائز في موضعين وفي الحج والنكاح والبيوع والنذور والفضائل فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب تقريبًا. (عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحُرقي مولى حُرَقَة، وحرقة بطن من جُهينة أبي شبل المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه عبد الرحمن ومعبد بن كعب وأنس بن مالك وعباس بن سهل بن سعد وعِدة، ويروي عنه (م عم) والدراوردي وإسماعيل بن جعفر ومالك بن أنس وشعبة ومحمد بن جعفر وسفيان بن عيينة وابن جريج وخلق، وثقه أحمد، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم؛ من الخامسة مات سنة بضع وثلاثين ومائة (١٣٣) في خلافة المنصور، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان في موضعين والوضوء والصلاة في ثلاثة مواضع والبيوع في أربعة أبواب تقريبًا كذا قال الأصبهاني. (ح وحدثنا أُمية بن بسطام) أي حوَّل المؤلف السند وقال حدثنا أمية بن بسطام بن المنتشر العيشي أبو بكر البصري، وقال في التقريب: صدوق من العاشرة مات سنة (٢٣١) إحدى وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في الإيمان والوضوء وغيرهما، وأتى بجملة قوله (واللفظ له) أي ولفظ الحديث الآتي

стр. 759

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ (١) حَتى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ويؤْمِنُوا بِي ــ لأمية بن بسطام تورعًا من الكذب على أحمد بن عبدة لأنه إنما روى معنى الحديث لا لفظه، قال أمية (حدثنا يزيد بن زُريع) مصغرًا التميمي العيشي أبو معاوية البصري وثقه ابن معين، وقال في التقريب: ثقة ثبت من الثامنة مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة؛ وهو ابن إحدى وثمانين سنة (٨١) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا تقريبًا، قال يزيد بن زريع (حدثنا روح) بن القاسم التميمي العنبري أبو غياث البصري الحافظ ثقة حافظ من السادسة مات سنة (١٤١) إحدى وأربعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابا. وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغتي شيخيه لأن أحمد بن عبدة قال: أخبرنا عبد العزيز وأمية بن بسطام قال: حدثنا يزيد بن زُريع، وبيان كثرة طرقه مع ما في السند الثاني من النزول. (عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني مولى الحرقة بضم الحاء وفتح الراء بعدها قاف بطن من جهينة المدني، روى عن أبي هريرة في الإيمان وغيره ويروي عنه (م عم) وابنه العلاء ومحمد بن إبراهيم النخعي، قال النسائي: لا بأس به، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، والسند الأول من خماسياته ورجاله كلهم مدنيون إلا أحمد بن عبدة فإنه بصري، والسند الثاني من سداسياته ورجاله ثلاثتهم بصريون وثلاثة منهم مدنيون، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة عبد الرحمن بن يعقوب لسعيد بن المسيب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة وإنما كرر متن الحديث لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، ولما فيها من الزيادة على الرواية الأولى فلا اعتراض على المؤلف في تكرار الحديث متنًا وسندًا لأنه لغرض (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ أنه (قال أُمرت) أي أمرني ربي (أن أقاتل الناس) وأجاهدهم كافة (حتى يشهدوا) ويقروا بألسنتهم ويذعنوا بقلوبهم (أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي) أي ويصدقوا برسالتي إلى الخلق كافةً (و) يقبلوا

стр. 760

وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُم إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". ٣٥ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ ــ (بما جئتـ) ـهم (به) من التكاليف الشرعية بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات (فإذا فعلوا ذلك) المذكور وأذعنوا به من الإقرار بالشهادتين وقبول ما جاء به رسول الله ﷺ من عند الله تعالى فقد (عصموا) وحقنوا (مني دماءهم) من الإراقة (وأموالهم) من الغنم والسلب (إلا بحقها) أي إلا بحق كلمة الشهادة وموجبها من القصاص والزكاة وغيرهما (وحسابهم) على ما في سرائرهم ومجازاتهم عليه (على الله) لا عليَّ، فإنما عليَّ البلاغ المبين. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة ثالثًا في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال: ٣٥ - متا (٠٠) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الحافظ الكوفي ثقة ثبت حافظ من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا تقريبًا. قال أبو بكر (حدثنا حفص بن غياث) بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي قاضي الكوفة، روى عن الأعمش وداود بن أبي هند وعاصم الأحول وهشام بن حسان وهشام بن عروة وخالد الحذاء وابن جريج وخلق، ويروي عنه (ع) وابن أبي شيبة وابنه عمر بن حفص ومحمد بن نمير وعمرو الناقد وأبو كريب وزهير بن حرب وخلائق، قال في التقريب: ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر بعد ما استقضِي، من الثامنة مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة؛ وقد قارب الثمانين روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والحج في موضعين والزكاة والنكاح والبيوع والنذور والأطعمة وفي المعروف وفي من مات له ثلاثة وفي صفة النار وفي الزهد وفي العاطس فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابا تقريبًا. (عن) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي المعروف

стр. 761

الأعمَشِ، عَن أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناسَ ... " بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ (١) ــ بـ (ـالأعمش) قال العجلي: ثقة ثبت وعَدَّه في المدلسين، وقال في التقريب: ثقة حافظ لكنه يدلس من الخامسة مات سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة عن (٨٤) أربع وثمانين سنة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابا تقريبًا. (عن) طلحة بن نافع القرشي المكي المعروف بـ (ـأبي سفيان) صدوق من الرابعة روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء وفي الصلاة في موضعين وغيرها وتقدم البسط في ترجمته (عن جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ثم السلمي بفتحتين أبي عبد الرحمن المدني الصحابي بن الصحابي مات في المدينة بعد السبعين (٧٠) وقال الفلاس مات سنة (٧٨) ثمان وسبعين عن (٩٤) أربع وتسعين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا تقريبًا وهذا السند من خماسياته رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مكي وواحد مدني. وقوله (وعن أبي صالح) المدني ذكوان السمان الزيات مولى جُويرية بنت الحارث امرأة من قيس، وقيل: مولى عبد الله بن غطفان، معطوف على قوله عن أبي سفيان ثقة من الثالثة مات ليالي الحرة سنة ثلاث وستين (٦٣) مقتولًا، وذكر العجلي أنه تابعي مدني موثوق به. وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر المدني فالأعمش له سندان سندٌ عن أبي سفيان عن جابر، وسند عن أبي صالح عن أبي هريرة. (قالا) أي قال جابر بن عبد الله وأبو هريرة (قال رسول الله ﷺ أُمرت أن أقاتل الناس) وساق أبو صالح عن أبي هريرة (بمثل حديث) سعيد (بن المسيب عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه فغرض المؤلف بسوق هذا السند بالنسبة إلى حديث أبي هريرة بيان متابعة أبي صالح لسعيد بن المسيب في رواية هذا الحديث عن أبي هريرة، وبالنسبة إلى حديث جابر الاستشهاد لحديث أبي هريرة. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية حديث أبي هريرة هذا أصحاب الأمهات

стр. 762

٣٦ - (٢١) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بن أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ- قَالا ــ الخمس وأحمد بن حنبل، رواه أحمد (٢/ ٣٧٧ و ٤٢٣ و ٤٧٥ و ٥٠٢ و ٥٢٧ و ٥٢٨) والبخاري (٢٩٤٦) وأبو داود (١٥٥٦) و (٢٦٤٠) والترمذي (٢٦١٠) والنسائي (٥/ ١٤) وابن ماجه (٣٩٢٧). ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث جابر فقال: (٣٦) - ش (٢١) (وحدثني أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) وفي بعض النسخ هنا زيادة حاء التحويل فالأولى إسقاطها لأن المحل ليس محل تحويل فهي تحريف من النساخ، وفي هامش متن مسلم علامة التحويل هنا ساقطة في بعض النسخ، قال أبو بكر (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ عابد من كبار التاسعة، مات في آخر سنة (١٩٦) ست وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية عشر بابا تقريبًا (ح وحدثني محمد بن المثنى) أي حول المؤلف السند وقال: حدثني محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس أبو موسى العنزي البصري ثقة ثبت من العاشرة مات سنة (٢٥٢) ثنتين وخمسين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابا تقريبًا، قال ابن المثنى (حدثنا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري، روى عن هَمَّام بن يحيى ومهدي بن ميمون وهشام بن أبي عبد الله وسفيان الثوري وشعبة وحماد بن سلمة وخلق، ويروي عنه (ع) وابن المثنى ومحمد بن حاتم وعبيد الله القواريري وأبو بكر بن نافع العبدي ويحيى بن يحيى وزهير بن حرب وخلائق، وقال في التقريب: ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن (٦٣) ثلاث وستين سنة، وكان يحج كل سنة، روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة في ثلاثة مواضع والزكاة وفي الوضوء في ثلاثة مواضع والصوم والحج والدلاثل والبيوع في موضعين والوصايا والجهاد في ثلاثة مواضع واللباس والشعر والفضائل والصيد وغيرها، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابا تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن مهدي) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه محمد بن المثنى بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي، وفائدة هذا التحويل بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال وكيع

стр. 763

جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ ــ وعبد الرحمن وقوله (جميعًا) حال من فاعل قالا أتى به تأكيدًا له، أي حالة كونهما مجتمعين في التحديث عن سفيان (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهب أبو عبد الله الكوفي الثوري ثور بن عبد مناة بن أدبن طابخة، ويقال: ثور تميم، كان من سادات أهل زمانه فقهًا وورعًا وحفظًا وإتقانًا، روى عن أبي الزبير وقيس بن مسلم والأعمش وسعد بن إبراهيم وسالم بن أبي النضر ومنصور وعلقمة وأيوب بن موسى وسماك بن حرب وخلائق، ويروي عنه (ع) وابن مهدي ووكيع ومعاوية بن هشام ويحيى بن سعيد وعبد الرزاق وأبو أسامة وعبدة بن سليمان وعِدة، قال العجلي: كان لا يسمع شيئًا إلا حفظه، وقال الخطيب: كان الثوري إمامًا من أئمة المسلمين وعلمًا من أعلام الدين، وقال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة (١٦١) إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة (٦٤)، وكان موته بالبصرة في دار عبد الرحمن بن مهدي. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء في ثلاثة مواضع والصلاة في تسعة مواضع وفي النكاح في ثلاثة مواضع وفي الحدود في خمسة مواضع وفي الجنائز في موضعين وفي الحج في أحد عشر موضعًا وفي الزكاة في موضعين وفي الصوم في ثلاثة مواضع وفي البيوع في أربعة مواضع والطلاق في خمسة مواضع وفي الوصايا وفي الجهاد في موضعين وفي الضحايا وفي الأشربة والأطعمة في موضعين وفي الطب في موضعين وفي ذكر الأنبياء وفي القدر في موضعين وفي الفتن والزهد في ثلاثة مواضع وفي العتق وفي الأدب وفي ملك اليمين، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها أربعة وعشرون بابا تقريبًا والمواضع قريب إلى مائة موضع (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم ثقة يدلس صدوق؛ من الرابعة مات سنة (١٢٦) ست وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في تسعة أبواب (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا تقريبًا. وهذان السندان من خماسياته، الأول منهما رجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد مكي وواحد مدني، والثاني منهما اثنان منهم بصريان وواحد كوفي وواحد مكي وواحد مدني.

стр. 764

قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ الناسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلا اللهُ .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ"، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]. ٣٧ - (٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِي مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، ــ (قال) جابر (قال رسول الله ﷺ أُمرت) أي أمرني ربي (أن أقاتل الناس) وأجاهدهم (حتى يقولوا) ويشهدوا أن (لا اله إلا الله) وأني رسول الله (فإذا قالوا لا إله إلا الله) مع عديلتها (عصموا) وحقنوا (مني دماءهم وأموالهم) من الإراقة والأخذ (إلا بحقها) أي إلا بحق كلمة لا إله إلا الله، وموجب شريعة الإسلام (وحسابهم) أي مناقشتهم ومجازاتهم على ما في سرائرهم (على الله) وإنما على البلاغ لا المحاسبة (ثم قرأ) رسول الله ﷺ استدلالًا على ما قاله (إنما أنت) يا محمد (مذكر) أي مخوف لهم من عذاب الله تعالى ومُرغب لهم في ثوابه من التذكير وهو كل ما اشتمل على الترغيب والترهيب (لست) يا محمد (عليهم بمسيطر) أي بمسلط عليهم فتجبرهم على الإيمان والإسلام؛ فإنما الهداية بيدي وعليك البلاغ، وعبارة النواوي هنا: معناه إنما أنت واعظ، ولم يكن ﷺ أُمر إذ ذاك إلا بالتذكير ثم أُمر بعد بالقتال، والمسيطر المسلط وقيل: الجبار وقيل الرب، وغرض المؤلف بسوق حديث جابر الاستشهاد لحديث أبي هريرة وإنما استدل على الترجمة بحديث أبي هريرة واستشهد بحديث جابر ولم يعكس لأن حديث أبي هريرة أصح من حديث جابر وحديث ابن عمر الآتي لأن حديث جابر شارك المؤلف في روايته الترمذي فقال: هذا حديث حسن صحيح. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر فقال: (٣٧) - ش (٢٢) (حدثنا أبو غسان) بالصرف وعدمه وهو أولى (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية وإسكان المهملة بينهما، منسوب إلى مسمع بن ربيعة أحد أجداده (مالك بن عبد الواحد) البصري، روى عن عبد الملك بن الصباح وأبي عاصم وعبد العزيز بن عبد الصمد ومعاذ بن هشام وبشر بن المفضل وغيرهم، ويروي عنه (م د

стр. 765

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا ــ وموسى بن هارون، وثقه ابن حبان وقال: يُغْرِبُ، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٠) ثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان في ثلاثة مواضع وفي الصلاة في أربعة مواضع وفي التثاؤب والنكاح والطلاق واللعان وفي حق الجار وصفة الجنة وفي الفتن، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب، قال المسمعي (حدثنا عبد الملك بن الصباح) المسمعي أبو محمد البصري روى عن شعبة وهشام الدستوائي وعبد الحميد بن جعفر وابن عون وثور، ويروي عنه (خ م س ق) وأبو غسان المسمعي ومحمد بن بشار وإسحاق الحنظلي، وقال في التقريب صدوق من التاسعة، مات سنة (١٩٩) تسع وتسعين ومائة له في (خ) فرد حديث (عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبي بسطام البصري ثقة حافظ متقن من السابعة مات سنة (١٦٠) ستين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثين بابا تقريبًا (عن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر) العدوي المدني روى عن أبيه وسعيد بن مرجانة ونافع وابن أبي مُليكة وصفوان بن سُليم وابن المنكدر، ويروي عنه (خ م د س) وابنه عثمان وأخوه عاصم بن محمد بن زيد وشعبة، وثقه أحمد وأبو داود وابن معين وأبو حاتم، وقال في التقريب: ثقة من السادسة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي العتق وفي الأطعمة في ثلاثة أبواب فقط (عن أبيه) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر القرشي العُمري المدني، روى عن جده عبد الله بن عمر وابن الزبير وابن عباس وسعيد بن زيد بن عمرو ويروي عنه (ع) وبنوه الخمسة عاصم وواقد وعمر وأبو بكر وزيد والأعمش وغيرهم، قال أبو زرعة: ثقة، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة، روى عنه المؤلف في خمسة أبواب في الإيمان والجهاد والطب وحق الجار والبيوع (عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي المدني الصحابي الجليل تقدم البسط في ترجمته وهذا السند من سداسياته ثلاثة منهم بصريون وثلاثة مدنيون (قال) ابن عمر (قال رسول الله ﷺ أُمرت أن أقاتل الناس) أي أمرني ربي بقتالهم (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) ففي رواية ابن عمر التصريح بالشهادتين فيدل على أنه لا بد من النطق

стр. 766

رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا .. عَصَمُوا مِني دِمَاءَهُم وَأَمْوَالهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". ٣٨ - (٢٣) وَحَدَّثَنَا سُوَيدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، ــ بالشهادتين، والسكوت عن شهادة الرسالة في حديث أبي هريرة لدلالة كلمة التوحيد عليها لأنهما متلازمتان فهي مُرادة قطعًا؛ كما يدل عليه حديث ابن عمر كما مر (ويقيموا الصلاة) المكتوبة بشرائطها وأركانها (ويؤتوا الزكاة) المفروضة في مصارفها المبينة في الكتاب (فإذا فعلوا) ذلك المذكور من النطق بالشهادتين وأداء الصلاة وإيتاء الزكاة فقد (عصموا) وحفظوا وحصنوا (مني دماءهم) من الإراقة (وأموالهم) من الأخذ (إلا بحقها) أي: إلا بحق ملة الإسلام وموجب الشريعة (وحسابهم) على ما في سرائرهم (على الله) وغرضه بسوق هذا الحديث الاستشهاد لحديث أبي هريرة، وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث البخاري (٢٥) فقط. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ثالثًا بحديث طارق بن أشيم فقال: (٣٨) - ش (٢٣) (وحدثنا سُويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الأنباري -نسبة إلى الأنبار بلدة على الفرات- ثم الحدثاني بفتحتات آخره نون -نسبة إلى الحديثة بلد آخر على الفرات- أبو محمد روى عن مروان بن معاوية وعلي بن مسهر وحفص بن ميسرة ومالك ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة ومعتمر بن سليمان وغيرهم، ويروي عنه (م ق) والفريابي والبغوي، قال أحمد: أرجو أن يكون صدوقًا، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس، وقال في التقريب: صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه وأفحش ابن معين فيه فكذبه، قال البخاري مات سنة (٢٤٠) أربعين ومائة وله مائة سنة (١٠٠) من قدماء العاشرة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي النكاح في موضعين وفي الأيمان وفي الجامع والجهاد واللباس والفضائل فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعةٌ. وقوله (وابن أبي عمر) معطوف على سويد أي وحدثنا أيضًا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أبو عبد الله الحافظ نزيل مكة، روى عن مروان بن معاوية وفُضيل بن عياض وأبي معاوية وخلق، ويروي عنه (م ت س ق) وهلال بن العلاء وابنه عبد الله بن

стр. 767

قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيِّ- عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ ــ محمد بن أبي عمر صدوق ولكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة مات سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر موضعًا، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن المتقارنين صدوقان (قالا) أي قال سويد ومحمد بن أبي عمر (حدثنا مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة الحافظ واسع الرواية جدًّا روى عن أبي مالك الأشجعي ويزيد بن كيسان وعاصم الأحول وإسماعيل بن أبي خالد وسليمان التيمي وغيرهم، ويروي عنه (ع) وسويد بن سعيد وابن أبي عمر ومحمد بن عباد وعمرو الناقد وابن نمير وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة مات فجاة قبل يوم التروية بيوم سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والحج والنكاح والبيوع في موضعين والأطعمة في موضعين والنذور والأدب والأحكام والجهاد والضحايا والأشربة والدعاء، فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ثلاثة عشر، وأتى بالعناية في قوله (يعنيان الفزاري) أي يعني سويد بن سعيد ومحمد بن أبي عمر بمروان مروان الفزاري إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي وتورعًا من الكذب على شيخيه. تتمة: (الفزاري) بفتح الفاء فزاي خفيفة فألف فراء كما في المغني نسبة إلى فزارة بن ذبيان، وكان ضربه أخ له ففزره فسُمي فزارة اهـ ابن الملقن. (عن أبي مالك) سعد بن طارق بن أشيم بوزن أكرم الأشجعي الكوفي ثقة من الرابعة، مات في حدود (١٤٠) مائة وأربعين سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب (عن أبيه) طارق بن أشيم بن مسعود الكوفي الأشجعي -نسبة إلى قبيلة مشهورة تدعى أشجع بن ريث بن غطفان- صحابي له أربعة عشر حديثًا انفرد له (م) بحديثين وله عند الباقي أيضًا حديثان آخران، روى عن النبي ﷺ في الإيمان والدعاء، ويروي عنه (م ت س ق) وابنه أبو مالك، وقال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه سعد بن طارق (قال) طارق بن أشيم (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قال) بلسانه (لا إله إلا الله) مع عديلتها محمد رسول الله موقنًا بها بقلبه (وكفر) أي جحد (بـ) ـجميع (ما) كان (يعبد من دون الله) حيوانًا كان أو جمادًا ميتًا

стр. 768

حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ". ٣٩ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأحمَرُ، ح وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ــ كان أو حيًّا مَلَكًا كان أو جنيًّا أو إنسيًّا (حَرُم ماله ودمه) أي مُنع شرعًا أخذ ماله وإراقة دمه بذمة الإيمان والإسلام (وحسابه) على ما في سرائره (على الله) وإنما عليَّ البلاغ المبين وهذا السند من رباعياته ورجاله ثلاثة منهم كوفيون وواحد هروي أو عدني أو مكي، وغرضه بسوق هذا الحديث الاستشهاد لحديث أبي هريرة. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث طارق بن أشيم بن مسعود ﵁ فقال: (٣٩) - متا (٠٠) (وحدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابا قال أبو بكر (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان بتحتانية الأزدي الكوفي، قال في التقريب: صدوق يخطئ من الثامنة، مات سنة (١٨٩) تسع وثمانين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابا تقريبًا (خ وحدثنيه زهير بن حرب) أي حول المؤلف السند وقال حدثني أيضًا هذا الحديث -حديث طارق بن أشيم- زهير بن حرب بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي ثقة ثبت من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابا تقريبًا، وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف سماعه من شيخيه، لأنه قال في أبي بكر حدثنا وفي زهير حدثني، قال زهير (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي أحد الأئمة الأعلام، روى عن أبي مالك الأشجعي وحماد بن سلمة وأبان بن يزيد وسليمان التيمي وداود بن أبي هند وحماد بن زيد وخلائق، ويروي عنه (ع) وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ومحمد بن حاتم وهارون بن عبد الله ويعقوب الدورقي، قال أحمد: كان حافظًا متقنًا، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم إمام لا يُسأل عن مثله، وقال في التقريب: ثقة متقن عابد، من التاسعة مات سنة (٢٠٦) ست ومائتين. روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة في موضعين والجنائز والزكاة والصوم والحج في ستة مواضع والزهد والفضائل في موضعين والبيوع في موضعين

стр. 769

كِلاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ النبِي ﷺ يَقُولُ: "مَن وَحَّدَ الله ... "، ثُم ذَكَرَا بِمِثْلِهِ (١) ــ والأدب في موضعين والحدود في موضعين والضحايا والأيمان واللباس والأشربة والأطعمة والفتن والبر، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة عشر بابا. (كلاهما) أي كلٌّ من أبي خالد ويزيد بن هارون (عن أبي مالك) سعد بن طارق الأشجعي الكوفي (عن أبيه) طارق بن أشيم الكوفي الأشجعي (أنه) أي أن طارق بن أشيم (سمع النبي ﷺ يقول: من وحدَّ الله) أي أقر بتوحيد الله وكفر بما يُعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله (ثم ذكرا) أي بعد قولهما (من وحد الله) ذكر أبو خالد الأحمر ويزيد بن هارون (بمثله) أي بمثل حديث مروان الفزاري، وفي أكثر النسخ إسقاط ألف ذكرا والأوضح إثباتها لأن المتابع اثنان، وغرض المؤلف بسوق هذين السندين بيان متابعة أبي خالد ويزيد بن هارون لمروان بن معاوية في رواية هذا الحديث عن أبي مالك الأشجعي، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابع والمتابَع ثقتان فلا يحتاج المُتابَع إلى تأكيده، وبيان اختلافهما في لفظ (من وحد الله) وفي لفظ (من قال لا إله إلا الله). وهذان السندان من رباعياته فالسند الأول منهما رجاله كلهم كوفيون، والثاني رجاله نَسائي وواسطي وكوفيان، وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات، وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث أربعةٌ الأول حديث أبي هريرة وذكر فيه ثلاث متابعات وغرضه بذكره الاستدلال على الترجمة واختاره للاستدلال لأنه أصح ما في الباب لأنه اتفق على روايته أحمد وأصحاب الأمهات الست، والثاني حديث جابر، وشارك المؤلف في روايته الترمذي، والثالث حديث عبد الله بن عمر وشارك المؤلف في روايته البخاري، والرابع حديث طارق بن أشيم وأخره لأنه مما انفرد به مسلم رحمه الله تعالى عن غيره، وذكر فيه متابعة واحدة، والله أعلم.

стр. 770

١٠ - بَابُ صِحَّةِ إيمَانِ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الْكُفَّارِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَالنَّهْي عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَكَوْنِ الْهِدَايَةِ بِيَدِ اللهِ تَعَالى لَا بِيَدِ أَحَدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَو نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ مَلَكًا مُقَرَّبًا ــ ١٠ - بَابُ صِحَّةِ إيمَانِ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الْكُفَّارِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَالنَّهْي عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَكَوْنِ الْهِدَايَةِ بِيَدِ اللهِ تَعَالى لَا بِيَدِ أَحَدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَو نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ مَلَكًا مُقَرَّبًا أي بابٌ في الاستدلال على صحة إيمان من كان آخر كلامه قبل الغرغرة لا إله إلا الله من الكفار، وبابٌ في النهي عن استغفار المؤمنين للمشركين ولو كانوا آباءهم أو أقاربهم بعد موتهم على الشرك، وبابُ كون هداية المرء بمشيئة الله تعالى وإرادته لا بيد غيره فلا ينفعه غيره ولو كان قريبًا له أو صديقًا، فليست الهداية بأيدي المرسلين ولا بمشيئة المقربين. وترجم النواوي لهذا الحديث بقوله: (بابُ الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل). أي باب ذكر الدليل على صحة إسلام وإيمان من حضره أمارات الموت ومقدماته ما لم يشرع في وقت النزع والقبض للروح وهو وقت الغرغرة، والغرغرة صوت ترديد النَفَسِ في الصدر، وصوت ترديد الماء في الحلق، يقال: غرغر المحتضر إذا جاد بنَفْسِهِ وباب الدليل على أن من مات على الشرك فهو في عداد أصحاب الجحيم والنار ولا ينقذه أي لا يخلصه من ذلك أي من دخول الجحيم وعذابها شيء من الوسائل والأسباب كاستغفار النبي والمؤمنين له والتصدق عنه في الدنيا وشفاعة الشافعين له في الآخرة. وترجم له السنوسي بهذه الترجمة، وفي نسخ المتون هكذا، وترجم له الأبي بقوله: (باب وفاة أبي طالب) وترجم له القرطبي بقوله: (باب في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) وقد تقدم لك أن سبب اختلاف تراجم صحيح مسلم عدم كونها من وضع المؤلف بل ترك مجالًا للناس في التراجم؛ فترجم كل من الشراح بما ظهر له من الحديث منطوقًا ومفهومًا والله أعلم.

стр. 771

٤٠ - (٢٤) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ــ (٤٠) - س (٢٤) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران أبو حفص (التجيبي) المصري صاحب الشافعي وتلميذه، روى عن ابن وهب نحو مائة ألف حديث، ومؤمل بن إسماعيل، ويروي عنه (م س ق) وحفيده أحمد بن طاهر وابن قتيبة العسقلاني والحسن بن سفيان، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، وروى عنه المؤلف في مواضع في كتاب الإيمان والصلاة والزكاة والحج وغيرها، قال حرملة (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه؛ أحد الأئمة ثقة حافظ عابد؛ من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة وله (٧٢) اثنان وسبعون سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان القرشي مولاهم أبو يزيد الأيلي ثقة من كبار السابعة، مات بمصر سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني ثقة حافظ متقن من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا، قال ابن شهاب (أخبرني سعيد بن المسيب) بن حَزْن بفتح المهملة وسكون الزاي القرشي المخزومي أبو محمد المدني، أحد الأثبات الثقات، من كبار الثانية، مات بعد التسعين (٩٠) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبيه) مسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي أبي سعيد المدني له ولأبيه صحبة، له سبعة أحاديث اتفقا على حديثين وانفرد (ح) بآخر، روى عن النبي ﷺ وعن أُبى وأبي سفيان بن حرب، ويروي عنه (خ م د س) وابنه سعيد، وعده الأزدي وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والجهاد وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (قال) مسيب بن حزن (لما حضرت) وحلت ونزلت (أبا طالب) عم رسول الله ﷺ (الوفاة) أي أمارات الموت ومقدماته ودلائله

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذلك قبل معاينة المَلَك وبداية النزاع والقبض؛ ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي ﷺ ومع كفار قريش، كذا في النواوي، وأبو طالب هذا هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهو عم النبي ﷺ ووالد علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته والأول أصح، واسم عبد المطلب شيبة وكان يقال له: شيبة الحمد واسم هاشم: عمرو؛ وهاشم لقب له لأنه أول من هشم الثريد لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قصي: زيد، وقيل له مُجمِّعٌ لأنه جمع إليه قومه، وكان والد النبي ﷺ وهو عبد الله قد توفي ورسول الله ﷺ حملٌ في بطن أمه على الأصح فوُلد رسول الله ﷺ ونشأ في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي، فكفله عمه أبو طالب؛ ولم يزل يُحبه حُبًّا شديدًا ويحوطه ويحفظه إلى أن بعث الله سبحانه محمدًا ﷺ بالنبوة فنصره أبو طالب وأعانه وأجاره ممن يريد به سوءًا، وقام دونه وعادى في حقه قريشًا وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروا بالعداوة والأذى؟ وطلبوا أن يسلمه لهم فلم يفعل؛ ثم إن قريشًا وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم وتحالفوا على هجره وجميع بني هاشم ومقاطعتهم وعلى أن لا يقاربوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يصلوهم بشيء من وجوه الرفق كلها حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ ؛ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة؛ فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شعبهم وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين في جهد جهيد وحال شديد؛ إلى أن نقض الله سبحانه أمر الصحيفة وأظهر أمر نبيه ﷺ على ما هو مذكور في كتب السيرة. وكان أبو طالب يَعرفُ صدق رسول الله ﷺ في كل ما يقوله ويقول لقريش تعلمون والله أن محمدًا لم يكذب قط، ويقول لابنه علي اتبعه فإنه على الحق؛ غير أنه لم يدخل في الإسلام ولم يتلفظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة؛ فدخل عليه رسول الله ﷺ طامعًا في إسلامه وحريصًا عليه باذلًا في ذلك جهده؛ مستفرغًا ما عنده؛ لكن عاقت دون ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرص ولا اقتدار.

стр. 773

جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَمِّ؛ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً .. أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، ــ أي لما حضرت وحلت أبا طالب أسبابُ الموت من المرض المُخَرِّف وما يتبعه (جاءه) وحضره (رسول الله ﷺ في منزله وبيته (فوجد) رسول الله ﷺ (عنده) أي عند أبي طالب (أبا جهل) عمرو بن هشام فرعون هذه الأمة (وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة) من صناديد قريش (فقال رسول الله ﷺ لعمه أبي طالب (يا عم) منادى مضاف حذفت منه ياء الإضافة اجتزاءً عنها بالكسرة، لأنه كان شقيق والده عبد الله بن عبد المطلب (قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها) يوم القيامة (عند الله) تعالى بالإيمان، وقوله (لا إله إلا الله) مقول محكي لقل، وقوله (كلمةً) أحسن إعراب فيها النصب على أنها بدل من لا إله إلا الله، ويجوز رفعها على إضمار المبتدأ أي هي كلمة، والجملة بدل من لا إله إلا الله أيضًا و (أشهد) بالرفع في محل النصب أو الرفع صفة لكلمة، ويجوز الجزم فيه على أنه جواب الأمر أي إن تقل أشهد لك، وكل ذلك ترغيب وتذكير لأبي طالب وحرص على نجاته، ويأبى الله إلا ما يريد. قال الأبي: قوله (قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تعالى) الأظهر أنها كناية عن الشهادتين، لأنه لا يثبت حكم الإسلام عندنا إلا بهما وتقدم ما للشافعية في ذلك، ويحتمل أنه لم يسأله إلا كلمة التوحيد لأنه كان يعلم صحة رسالته؛ حسبما دلت عليه السير والتعبير بلفظ أشهد، وفي الآخر بأحاجج بعثٌ لأبي طالب على أن يقول الكلمة المشرفة، وقال القاضي عياض: وشهادة رسول الله ﷺ بذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية، ولو وقعت شهادة أبي طالب لكان فيها تطييب لقلبه ﷺ لعلمه بموته على الإسلام كقوله في قتلى أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" ولقلْبِ عمِّه لما يرجو له من جزيل الثواب بشهادته له مع ما تقدم له من نُصرته والذب عنه، وإن كانت في الكفر غير نافعة لكن يرجى له نفعها لموته على الإسلام لمكانة رسول الله ﷺ ، وقد نالته بركته مع كفره وموته عليه فكيف بموته على الإسلام وسيأتي استيفاء الكلام على هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

стр. 774

فَقَال أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ؛ أَتَرْغَبُ عَن مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيهِ، ويعِيدُ لَهُ تِلْكَ المَقَالةَ .. حَتى قَال أَبُو طَالِبٍ -آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ-: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ــ وشهادته ﷺ فضيلة لمن رزقها كما قال في الصابر على شدة المدينة "كنت له شهيدًا أو شفيعًا" (فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية) لأبي طالب (أترغب) وتعرض (عن ملة) أبيك (عبد المطلب) وعن دينه دين الإشراك إلى دين هذا الصابئ الذي هو التوحيد الذي يدعوك إليه وتريد الموت عليه وهذا لا ينبغي، ولم يقولا له لا تفعل وعدلا إلى هذا اللفظ لأنه أبعث لأبي طالب على الإباية (فلم يزل رسول الله ﷺ أي لم يبرح (يعرضها) أي يعرض كلمة التوحيد (عليه) أي على أبي طالب ويلقنها له ليقولها (ويعيد) رسول الله ﷺ (له) أي لأبي طالب (تلك المقالة) أي قوله يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تعالى ويكررها له ليقولها، وجملة يعيد معطوفة على جملة يعرضها والمعنى أن النبي ﷺ أقبل على أبي طالب يعرض عليه الشهادة ويكررها عليه، قال القاضي عياض: وفي بعض النسخ (ويعيدان له) بضمير التثنية العائد على أبي جهل وابن أبي أمية أي يعيدان له مقالتهما له أترغب عن ملة عبد المطلب وهذا أشبه من ويعيد، والمعنى أنهما أعادا على أبي طالب قولهما له أترغب عن ملة عبد المطلب حتى أجابهما إلى ذلك. وقوله (حتى قال أبو طالب) غاية لقوله فلم يزل أي فلم يزل رسول الله ﷺ ملقنًا له ومكررًا عليه تلك المقالة حتى قال أبو طالب (آخر ما كلمهم) أي كلم الحاضرين عنده من النبي ﷺ والرجلين وغيرهم وآخر منصوب بنزع الخافض أي إلى أن قال أبو طالب في آخر كلامه إياهم (هو) مستمر (على ملة عبد المطلب) ودينه دين الشرك لم يقل أنا على الحكاية لحسن الأدب وهذا الشأن في نقل كل قبيح، وعبارة النواوي هنا فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع (وأبى) أي امتنع (أن يقول لا إله إلا الله) أي من قولها وإقرارها، قال الأبي: والحديث نص في أنه مات مشركًا وهو مفهوم قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وحديث وجدته في غمرات من نار

стр. 775

فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا وَاللهِ؛ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَم أُنْهَ ــ فأخرجته إلى ضحضاح، قال السهيلي: ورأيت في بعض كتب المسعودي وقيل: إنه مات مؤمنًا ولا يصح لما تقدم من الآي والأحاديث ولا يحتج لذلك بما في السير من قول العباس: والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها يا رسول الله، لأن النبي ﷺ قال: لم أسمعها، ولو أن العباس شهد بذلك بعد إسلامه قُبِلَتْ شهادته لأن العدل إذا قال سمعت وقال الأعدل لم أسمع أخذ بقول من أثبت لأن عدم السماع قد يكون لسبب (فإن قُلت) قد ذكرت أن السير تدل على أنه كان مصدقًا بقلبه، وقدمت الخلاف في صحة إيمان من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهل يدخل في إيمانه ذلك الخلاف. (قلت) لا يدخل لأنه صرح بالنقيض في قوله: (وهو على ملة عبد المطلب) اهـ. (فقال رسول الله ﷺ لأبي طالب (أما) أي انتبه واستمع ما أقول لك وقولي هذا (والله) أي أقسمت لك بالله الذي لا إله غيره (لأستغفرن لك) أي لأطلبنَّ لك من الله سبحانه غفران شركك وذنوبك (ما لم أُنْهَ) أي ما لم أُمنع (عنك) أي عن الاستغفار لك، أي ما لم يمنعني ربي من الاستغفار لك، أي مدة عدم منع ربي ونهيه عن الاستغفار لك، فما مصدرية ظرفية وأنه فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بحذف الألف، وقال النواوي (أَمَ والله) هكذا رويناه بإسقاط الألف وهي في كثير من الأصول بالألف، قال ابن الشجري: هي ما المزيدة للتوكيد رُكبت مع همزة الاستفهام ولها معنيان: أحدهما بمعنى حقًّا نحو أما والله، وثانيهما بمعنى الاستفتاح نحو أما إن زيدًا منطلق أي ألا، وأكثر ما يحذف معها الألف في القسم ليدلوا على شدة اتصال الحرف الثاني بالأول لأن الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها فعُلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتصال بالهمزة والله أعلم. وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبًا لنفس أبي طالب، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس؛ مات أبو طالب ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. قال الأبي: الأظهر أن استغفاره عن اجتهاد لأن ابن العربي ذكر عن عمرو بن دينار أنه ﷺ قال استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه وهو مشرك لأستغفرن له
следующие страницы →