← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

٤٠ - (٢٤) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ ــ (٤٠) - س (٢٤) (وحدثني حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران أبو حفص (التجيبي) المصري صاحب الشافعي وتلميذه، روى عن ابن وهب نحو مائة ألف حديث، ومؤمل بن إسماعيل، ويروي عنه (م س ق) وحفيده أحمد بن طاهر وابن قتيبة العسقلاني والحسن بن سفيان، وقال في التقريب: صدوق من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٤) أربع وأربعين ومائتين، وروى عنه المؤلف في مواضع في كتاب الإيمان والصلاة والزكاة والحج وغيرها، قال حرملة (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه؛ أحد الأئمة ثقة حافظ عابد؛ من التاسعة، مات سنة (١٩٧) سبع وتسعين ومائة وله (٧٢) اثنان وسبعون سنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا (قال) عبد الله بن وهب (أخبرني يونس) بن يزيد بن مشكان القرشي مولاهم أبو يزيد الأيلي ثقة من كبار السابعة، مات بمصر سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا (عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني ثقة حافظ متقن من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة (١٢٥) خمس وعشرين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة وعشرين بابًا تقريبًا، قال ابن شهاب (أخبرني سعيد بن المسيب) بن حَزْن بفتح المهملة وسكون الزاي القرشي المخزومي أبو محمد المدني، أحد الأثبات الثقات، من كبار الثانية، مات بعد التسعين (٩٠) وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابًا تقريبًا (عن أبيه) مسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي أبي سعيد المدني له ولأبيه صحبة، له سبعة أحاديث اتفقا على حديثين وانفرد (ح) بآخر، روى عن النبي ﷺ وعن أُبى وأبي سفيان بن حرب، ويروي عنه (خ م د س) وابنه سعيد، وعده الأزدي وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والجهاد وهذا السند من سداسياته رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان مصريان وواحد أيلي (قال) مسيب بن حزن (لما حضرت) وحلت ونزلت (أبا طالب) عم رسول الله ﷺ (الوفاة) أي أمارات الموت ومقدماته ودلائله

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وذلك قبل معاينة المَلَك وبداية النزاع والقبض؛ ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي ﷺ ومع كفار قريش، كذا في النواوي، وأبو طالب هذا هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهو عم النبي ﷺ ووالد علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته والأول أصح، واسم عبد المطلب شيبة وكان يقال له: شيبة الحمد واسم هاشم: عمرو؛ وهاشم لقب له لأنه أول من هشم الثريد لقومه، واسم عبد مناف: المغيرة، واسم قصي: زيد، وقيل له مُجمِّعٌ لأنه جمع إليه قومه، وكان والد النبي ﷺ وهو عبد الله قد توفي ورسول الله ﷺ حملٌ في بطن أمه على الأصح فوُلد رسول الله ﷺ ونشأ في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي، فكفله عمه أبو طالب؛ ولم يزل يُحبه حُبًّا شديدًا ويحوطه ويحفظه إلى أن بعث الله سبحانه محمدًا ﷺ بالنبوة فنصره أبو طالب وأعانه وأجاره ممن يريد به سوءًا، وقام دونه وعادى في حقه قريشًا وجميع العرب إلى أن ناصبوه القتال، وجاهروا بالعداوة والأذى؟ وطلبوا أن يسلمه لهم فلم يفعل؛ ثم إن قريشًا وجميع أهل مكة تعاقدوا فيما بينهم وتحالفوا على هجره وجميع بني هاشم ومقاطعتهم وعلى أن لا يقاربوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يصلوهم بشيء من وجوه الرفق كلها حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ ؛ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة؛ فانحاز أبو طالب وبنو هاشم في شعبهم وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين في جهد جهيد وحال شديد؛ إلى أن نقض الله سبحانه أمر الصحيفة وأظهر أمر نبيه ﷺ على ما هو مذكور في كتب السيرة. وكان أبو طالب يَعرفُ صدق رسول الله ﷺ في كل ما يقوله ويقول لقريش تعلمون والله أن محمدًا لم يكذب قط، ويقول لابنه علي اتبعه فإنه على الحق؛ غير أنه لم يدخل في الإسلام ولم يتلفظ به، ولم يزل على ذلك إلى أن حضرته الوفاة؛ فدخل عليه رسول الله ﷺ طامعًا في إسلامه وحريصًا عليه باذلًا في ذلك جهده؛ مستفرغًا ما عنده؛ لكن عاقت دون ذلك عوائق الأقدار التي لا ينفع معها حرص ولا اقتدار.

стр. 773

جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَمِّ؛ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً .. أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، ــ أي لما حضرت وحلت أبا طالب أسبابُ الموت من المرض المُخَرِّف وما يتبعه (جاءه) وحضره (رسول الله ﷺ في منزله وبيته (فوجد) رسول الله ﷺ (عنده) أي عند أبي طالب (أبا جهل) عمرو بن هشام فرعون هذه الأمة (وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة) من صناديد قريش (فقال رسول الله ﷺ لعمه أبي طالب (يا عم) منادى مضاف حذفت منه ياء الإضافة اجتزاءً عنها بالكسرة، لأنه كان شقيق والده عبد الله بن عبد المطلب (قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها) يوم القيامة (عند الله) تعالى بالإيمان، وقوله (لا إله إلا الله) مقول محكي لقل، وقوله (كلمةً) أحسن إعراب فيها النصب على أنها بدل من لا إله إلا الله، ويجوز رفعها على إضمار المبتدأ أي هي كلمة، والجملة بدل من لا إله إلا الله أيضًا و (أشهد) بالرفع في محل النصب أو الرفع صفة لكلمة، ويجوز الجزم فيه على أنه جواب الأمر أي إن تقل أشهد لك، وكل ذلك ترغيب وتذكير لأبي طالب وحرص على نجاته، ويأبى الله إلا ما يريد. قال الأبي: قوله (قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تعالى) الأظهر أنها كناية عن الشهادتين، لأنه لا يثبت حكم الإسلام عندنا إلا بهما وتقدم ما للشافعية في ذلك، ويحتمل أنه لم يسأله إلا كلمة التوحيد لأنه كان يعلم صحة رسالته؛ حسبما دلت عليه السير والتعبير بلفظ أشهد، وفي الآخر بأحاجج بعثٌ لأبي طالب على أن يقول الكلمة المشرفة، وقال القاضي عياض: وشهادة رسول الله ﷺ بذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية، ولو وقعت شهادة أبي طالب لكان فيها تطييب لقلبه ﷺ لعلمه بموته على الإسلام كقوله في قتلى أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" ولقلْبِ عمِّه لما يرجو له من جزيل الثواب بشهادته له مع ما تقدم له من نُصرته والذب عنه، وإن كانت في الكفر غير نافعة لكن يرجى له نفعها لموته على الإسلام لمكانة رسول الله ﷺ ، وقد نالته بركته مع كفره وموته عليه فكيف بموته على الإسلام وسيأتي استيفاء الكلام على هذا الفصل إن شاء الله تعالى.

стр. 774

فَقَال أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ؛ أَتَرْغَبُ عَن مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيهِ، ويعِيدُ لَهُ تِلْكَ المَقَالةَ .. حَتى قَال أَبُو طَالِبٍ -آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ-: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ــ وشهادته ﷺ فضيلة لمن رزقها كما قال في الصابر على شدة المدينة "كنت له شهيدًا أو شفيعًا" (فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية) لأبي طالب (أترغب) وتعرض (عن ملة) أبيك (عبد المطلب) وعن دينه دين الإشراك إلى دين هذا الصابئ الذي هو التوحيد الذي يدعوك إليه وتريد الموت عليه وهذا لا ينبغي، ولم يقولا له لا تفعل وعدلا إلى هذا اللفظ لأنه أبعث لأبي طالب على الإباية (فلم يزل رسول الله ﷺ أي لم يبرح (يعرضها) أي يعرض كلمة التوحيد (عليه) أي على أبي طالب ويلقنها له ليقولها (ويعيد) رسول الله ﷺ (له) أي لأبي طالب (تلك المقالة) أي قوله يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله تعالى ويكررها له ليقولها، وجملة يعيد معطوفة على جملة يعرضها والمعنى أن النبي ﷺ أقبل على أبي طالب يعرض عليه الشهادة ويكررها عليه، قال القاضي عياض: وفي بعض النسخ (ويعيدان له) بضمير التثنية العائد على أبي جهل وابن أبي أمية أي يعيدان له مقالتهما له أترغب عن ملة عبد المطلب وهذا أشبه من ويعيد، والمعنى أنهما أعادا على أبي طالب قولهما له أترغب عن ملة عبد المطلب حتى أجابهما إلى ذلك. وقوله (حتى قال أبو طالب) غاية لقوله فلم يزل أي فلم يزل رسول الله ﷺ ملقنًا له ومكررًا عليه تلك المقالة حتى قال أبو طالب (آخر ما كلمهم) أي كلم الحاضرين عنده من النبي ﷺ والرجلين وغيرهم وآخر منصوب بنزع الخافض أي إلى أن قال أبو طالب في آخر كلامه إياهم (هو) مستمر (على ملة عبد المطلب) ودينه دين الشرك لم يقل أنا على الحكاية لحسن الأدب وهذا الشأن في نقل كل قبيح، وعبارة النواوي هنا فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع (وأبى) أي امتنع (أن يقول لا إله إلا الله) أي من قولها وإقرارها، قال الأبي: والحديث نص في أنه مات مشركًا وهو مفهوم قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وحديث وجدته في غمرات من نار

стр. 775

فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا وَاللهِ؛ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَم أُنْهَ ــ فأخرجته إلى ضحضاح، قال السهيلي: ورأيت في بعض كتب المسعودي وقيل: إنه مات مؤمنًا ولا يصح لما تقدم من الآي والأحاديث ولا يحتج لذلك بما في السير من قول العباس: والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها يا رسول الله، لأن النبي ﷺ قال: لم أسمعها، ولو أن العباس شهد بذلك بعد إسلامه قُبِلَتْ شهادته لأن العدل إذا قال سمعت وقال الأعدل لم أسمع أخذ بقول من أثبت لأن عدم السماع قد يكون لسبب (فإن قُلت) قد ذكرت أن السير تدل على أنه كان مصدقًا بقلبه، وقدمت الخلاف في صحة إيمان من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهل يدخل في إيمانه ذلك الخلاف. (قلت) لا يدخل لأنه صرح بالنقيض في قوله: (وهو على ملة عبد المطلب) اهـ. (فقال رسول الله ﷺ لأبي طالب (أما) أي انتبه واستمع ما أقول لك وقولي هذا (والله) أي أقسمت لك بالله الذي لا إله غيره (لأستغفرن لك) أي لأطلبنَّ لك من الله سبحانه غفران شركك وذنوبك (ما لم أُنْهَ) أي ما لم أُمنع (عنك) أي عن الاستغفار لك، أي ما لم يمنعني ربي من الاستغفار لك، أي مدة عدم منع ربي ونهيه عن الاستغفار لك، فما مصدرية ظرفية وأنه فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بحذف الألف، وقال النواوي (أَمَ والله) هكذا رويناه بإسقاط الألف وهي في كثير من الأصول بالألف، قال ابن الشجري: هي ما المزيدة للتوكيد رُكبت مع همزة الاستفهام ولها معنيان: أحدهما بمعنى حقًّا نحو أما والله، وثانيهما بمعنى الاستفتاح نحو أما إن زيدًا منطلق أي ألا، وأكثر ما يحذف معها الألف في القسم ليدلوا على شدة اتصال الحرف الثاني بالأول لأن الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها فعُلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتصال بالهمزة والله أعلم. وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبًا لنفس أبي طالب، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال ابن فارس؛ مات أبو طالب ولرسول الله ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. قال الأبي: الأظهر أن استغفاره عن اجتهاد لأن ابن العربي ذكر عن عمرو بن دينار أنه ﷺ قال استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه وهو مشرك لأستغفرن له

стр. 776

عَنْكَ"، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَال لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] ــ ما لم أُنه (فأنزل الله عز) أي اتصف بالعزة وجميع الكمالات (وجل) أي تنزه عن جميع النقائص (﴿مَا كَانَ﴾) ينبغي (﴿لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾) قال المفسرون: وهو خبر بمعنى النهي، ولو في قوله (﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾) أي أصحاب قرابة لهم غائية لا جواب لها (﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾) وظهر (﴿لَهُمْ﴾) أي للنبي والمؤمنين (﴿أَنَّهُمْ﴾) أي أن المشركين (﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾) أي النار بموتهم على الشرك. قال الأبي: (فإن قلت) لو كان استغفار النبي ﷺ عن اجتهاد لم تجئ الآية بخلافه لأنه ﷺ معصوم في اجتهاده (قلت) جاءت الآية على سبيل النسخ لا لتبيين ضد الخطإ (وأنزل الله) سبحانه و (تعالى) أيضًا النهي الضمني (في) خُصوص (أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ (﴿إِنَّكَ﴾) يا محمد (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) هدايته (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾) (﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾) ويريد هدايته (﴿وَهُوَ﴾) (﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾) أي عالم بمن سبقت لهم الهداية وقُدرت لهم أزلًا، قال النواوي فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب ولكنها عامة، فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى، قال الفراء وغيره معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ يكون على وجهين أحدهما من أحببته لقرابته، والثاني من أحببت أن يهتدي، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم معنى قوله ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي بمن قدر له الهدى والله أعلم. اهـ ويستفاد من الحديث أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو أقرب قريب، وأن الهداية بيد الله تعالى لا بيد أحد؛ ولو نبيًّا مرسلًا وملكًا مقربًا، ويجوز الاستغفار للمؤمنين والمسلمين الأحياء والأموات سواء كانوا أقرباء أو بعداء. وشارك المؤلف رحمه الله تعالى في رواية هذا الحديث البخاري (٤٦٧٥) والنسائي (٤، / ٩٠ - ٩١) وأورده استدلالًا به على الترجمة دون حديث أبي هريرة الآتي لكونه أصح منه لأنه من المتفق عليه بين الشيخين.

стр. 777

٤١ - (٠٠) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبراهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالا: أَخبَرَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، ح وَحَدَّثَنَا حَسَنْ الْحُلْوَانِيُّ ــ ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث مسيب بن حزن فقال: (٤١) - متا (٠٠) (وحدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه أبو يعقوب المروزي سكن نيسابور، ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد بن حنبل، من العاشرة، مات ليلة السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة (٢٣٨) ثمان وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد وثلاثين بابًا تقريبًا (و) حدثنا أيضًا (عبد بن حميد) الكشي بالسين المهملة أو الشين المعجمة أبو محمد ثقة ثبت من الحادية عشرة، مات سنة (٢٤٩) تسع وأربعين ومائتين، وليس من اسمه عبد في مسلم إلا هذا الثقة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في اثني عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه (قالا) أي قال إسحاق وعبد (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ من التاسعة، مات سنة (٢١١) إحدى عشرة ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة أبواب تقريبًا، قال عبد الرزاق (أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي الحداني مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن شهد جنازة الحسن البصري، روى عن ثابت البناني والزهري وهمام بن منبه في مواضع وعاصم الأحول وقتادة وعبيد الله بن عمر وأيوب وهشام بن عروة وخلق، ويروي عنه (ع) وعبد الرزاق وسفيان بن عيينة وابن المبارك وعيسى بن يونس وإسماعيل بن علية ويزيد بن زريع وخلائق، قال العجلي: ثقة صالح، وقال النسائي: ثقة مأمون وضعفه ابن معين في ثابت، وقال في التقريب: ثقة ثبت فاضل؛ من كبار السابعة، مات سنة (١٥٤) أربع وخمسين ومائة وله ثمان وخمسون سنة (٥٨)، روى عنه المؤلف في الإيمان في مواضع وفي الصلاة وفي الجنائز وفي الزكاة في ثلاثة مواضع وفي الحج والنكاح والفضائل في موضعين وفي الرفق وفي اللعان، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها تسعة أبواب. (ح وحدثنا حسن) أي حول المؤلف السند وقال: حدثنا حسن بن علي بن محمد بن علي الهذلي أبو علي (الحلواني) الريحاني الحافظ المكي روى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبي عاصم وعبد الصمد بن عبد الوارث وعبد الرزاق ورَوح بن عُبادة وجماعة ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إسحاق السراج، وقال في التقريب: ثقة حافظ له

стр. 778

وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ- قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ، ــ تصانيف، من الحادية عشرة، مات بمكة في ذي الحجة سنة (٢٤٢) اثنتين وأربعين ومائتين. روى عنه المؤلف في الإيمان في مواضع وفي الوضوء وفي الصلاة في ثلاثة مواضع وفي الحج في موضعين وفي الجهاد والأطعمة وفي ذكر الحوض وفي الفضائل في أربعة مواضع، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ثمانية أبواب (و) حدثنا (عبد بن حميد) أيضًا (قالا) أي قال حسن الحلواني وعبد بن حميد (حدثنا يعقوب) بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد، روى عن أبيه وعبد العزيز بن عبد المطلب وشعبة وابن أخي الزهري والليث وغيرهم، ويروي عنه (ع) والحسن الحلواني وعبد بن حميد وعمرو الناقد وأبو بكر بن النضر وزهير بن حرب ومحمد بن حاتم بن ميمون وحجاج بن الشاعر وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة فاضل من صغار التاسعة مات سنة (٢٠٨) ثمان ومائتين وأتى المؤلف رحمه الله تعالى بقوله (وهو ابن إبراهيم بن سعد) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخيه بل زادها من عنذ نفسه إيضاحًا للراوي كما مرت نظائره مرارًا (قال) يعقوب (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد وقاضيها؛ وأحد الأئمة الأعلام روى عن صالح بن كيسان والزهري وابن إسحاق، ويروي عنه (ع) وابنه يعقوب وعبد الصمد بن عبد الوارث ويزيد بن هارون ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وغيرهم، وثقه أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم والعجلي؛ وكان من كبار العلماء، وقال في التقريب: ثقة حجة من الثامنة، مات سنة (١٨٣) ثلاث وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان في موضعين والوضوء والصلاة في أربعة مواضع والصوم والأحكام والأطعمة وذكر الحوض والفضائل وصفة الجنة والفتن والبر والصلة والنكاح وفي فضائل الصحابة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذا التحويل بيان اختلاف صيغ مشايخه لأنه في السند الأول قال: قالا أخبرنا عبد الرزاق، وفي السند الثاني قال: قالا حدثنا يعقوب، وفي السند الأول قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، وفي السند الثاني قال يعقوب: حدثني أبي عن صالح، مع بيان كثرة طرقه (عن صالح) بن كيسان الغفاري

стр. 779

كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيرَ أَن حَدِيثَ صَالِحٍ انتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأنْزَلَ اللهُ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَتَينِ، وَقَال فِي حَدِيثِهِ: (وَيَعُودَانِ فِي تِلْكَ الْمَقَالةِ)، وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ مَكَانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ: (فَلَمْ يَزَالا بِهِ) ــ مولاهم أبي محمد أو أبي الحارث المدني روى عن الزهري والحارث بن فضيل والأعرج وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير، ويروي عنه (ع) وإبراهيم بن سعد ومالك وابن جريج وابن عيينة ومعمر وخلق؛ مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز تابعي رأى عبد الله بن عمر، وقال في التقريب: ثقة ثبت فقيه؛ من الرابعة مات بعد الأربعين ومائة (١٤٠). روى عنه المؤلف في الإيمان والصلاة والزكاة في موضعين والحج في أربعة مواضع وفي الفضائل فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة أبواب تقريبًا (كلاهما) أي كل من معمر بن راشد وصالح بن كيسان رويا (عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني والإشارة في قوله (بهذا الإسناد) راجعة إلى ما بعد شيخ المتابع بصيغة اسم المفعول والمتابَعُ يونس بن يزيد المذكور في السند الأول وشيخه ابن شهاب وما بعده هو سعيد التابعي ومسيب الصحابي والمعنى كلاهما رويا عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه (مثله) أي مثل ما روى يونس عن ابن شهاب فالضمير في مثله يرجع إلى يونس، وغرضه بسوق هذين السندين بيان متابعة معمر وصالح ليونس بن يزيد في رواية هذا الحديث عن ابن شهاب متابعة تامة، وقوله: مثله عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في جميع لفظه ومعناه إلا فيما استثناه بنحو غير أنه قال كذا وكذا، واستثنى هنا بقوله (غير أن حديث صالح) بن كيسان (انتهى) وتمَّ (عند قوله) أي عند قول الراوي الذي هو مسيب بن حزن (فأنزل الله فيه) أي في أبي طالب القرآن (ولم يذكر) صالح (الآيتين) (وقال) صالح (في حديثه) أي في روايته (ويعودان) أي يعود أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية (في) قول (تلك المقالة) التي قالا أولًا وهي قولهما لأبي طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب (وفي حديث معمر) بن راشد أي في روايته لهذا الحديث (مكان هذه الكلمة) أي بدل قوله: ويعودان في تلك الكلمة، وقوله (وفي حديث معمر) خبر مقدم لقوله (فلم يزالا به) وهو مبتدأ مؤخر محكي، أي فلم يبرح أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ملتبسين بأبي طالب يمنعانه عن قول: لا إله إلا الله حتى كان آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وهذان السندان من سداسياته: فالأول

стр. 780

٤٢ - (٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَأبْنُ أبِي عُمَرَ، قَالا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يزِيدَ - ــ منهما رجاله فيهم مروزي ثم صنعاني ثم بصري وثلاثة مدنيون، والثاني رجاله خمسة منهم مدنيون وواحد مكي، وفيه رواية تابعي عن تابعي وولد عن والد. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث مسيب بن حزن بحديث أبي هريرة ﵃ فقال: (٤٢) - ش (٢٥) (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان أبو عبد الله المكي سكن بغداد روى عن مروان بن معاوية وسفيان بن عيينة وحاتم بن إسماعيل وأنس بن عياض والدراوردي وغيرهم، ويروي عنه (خ م ت س ق) وأحمد بن سعيد الدارمي وسليمان بن توبة وأحمد بن علي المروزي وآخرون، وقال في التقريب: صدوق يهم؛ من العاشرة مات ببغداد في آخر ذي الحجة سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الصلاة في موضعين وفي البيوع في موضعين وفي الأشربة (و) حدثنا أيضًا محمد بن يحيى (بن أبي عمر) العدني سكن مكة أبو عبد الله المكي، روى عن مروان بن معاوية وبشر بن السري وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم، ويروي عنه (م ت س ق) وهلال بن العلاء وابنه عبد الله بن محمد بن أبي عمر وغيرهم، وقال في التقريب: صدوق، قال أبو حاتم كانت به غفلة، من العاشرة مات في آخر ذي الحجة بعد الموسم سنة (٢٤٣) ثلاث وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند لأن الراويين صدوقان كلاهما (قالا حدثنا مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة؛ مات قبل التروية بيوم فجأة سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وقال في التقريب: ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ؛ من الثامنة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا. (عن يزيد) بن كيسان اليشكري الأسلمي أبي إسماعيل أو أبي مُنين بنونين مصغرًا الكوفي، روى عن أبي حازم سلمان الأشجعي ومعبد أبي الأزهر، ويروي عنه (م عم) وخلف بن خليفة ومروان بن معاوية ويحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة وعبد الواحد بن زياد وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في التقريب: صدوق يخطئ من السادسة، ولم أرَ من أرخ وفاته، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان

стр. 781

وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ .. أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَأَبَى، فَأنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ــ والصلاة واللباس والأطعمة والنكاح والفضائل، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ستة أبواب تقريبًا. وأتى بقوله (وهو ابن كيسان) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه بل زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي وتورعًا من الكذب على شيخه (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي جالس أبا هريرة خمس سنين، روى عنه وعن الحسن والحسين وابن عمر، ويروي عنه (ع) ويزيد بن كيسان والأعمش وفضيل بن غزوان وأبو مالك الأشجعي وغيرهم، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الثالثة؛ مات على رأس المائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج وغيرها، فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها خمسة تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني الصحابي الجليل المكثر رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من خماسياته ثلاثة من رجاله كوفيون وواحد مكي وآخر مدني. (قال) أبو هريرة (قال رسول الله ﷺ لعمه) أبي طالب (عند) نزول أمارات (الموت) به (قل) يا عمِّ (لا إله إلا الله) كلمة (أشهد لك بها) على الإيمان (يوم القيامة) يوم العرض على الله للمحاسبة والمناقشة على الأعمال يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من الشرك (فأبى) وامتنع عمه أن يقولها خوفًا أن تعيره قريش على ذلك فتأسف النبي ﷺ على عدم إيمانه؛ حين مات على الشرك؛ لما كان يحوطه وينصره في حياته (فأنزل الله) عتابًا لنبيه على ذلك التأسف (﴿إِنَّكَ﴾) يا محمد (﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) وتمنيت هدايته لقرابته مثلًا؛ فإن الهداية بيدي أهدي من أشاء وأضل من أشاء لحكمة في ذلك وإنما عليك البلاغ أتم (الآية) من سورة القصص رقم (٥٦). ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال:

стр. 782

٤٣ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن حَاتِمِ بْنِ مَيمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأَشْجَعِيِّ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّهِ: "قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ .. أَشهَدُ لَكَ بِهَا يَومَ الْقِيَامَةِ"، قَال: لَولا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيشٌ -يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الجَزَعُ- لأَقرَرْتُ بِهَا عَينَكَ، فَأنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ــ (٤٣) - متا (٠٠) (حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون) أبو عبد الله البغدادي المؤدب، قال ابن عدي والدارقطني ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم؛ وكان فاضلًا؛ من العاشرة، مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أحد عشر بابًا تقريبًا، قال محمد بن حاتم (حدثنا يحيى بن سعيد) القطان التميمي مولاهم أبو سعيد البصري الأحول الحافظ الحجة، وقال في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة؛ من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٨) ثمان وتسعين ومائة. وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابًا تقريبًا، وغرض المؤلف بسوق هذا السند بيان متابعة يحيى بن سعيد لمروان بن معاوية في رواية هذا الحديث عن يزيد بن كيسان، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول لأن يحيى بن سعيد أوثق من مروان بن معاوية، لأن مروان بن معاوية مدلس؛ وإن كان ثقة، وروى أيضًا عن يزيد بن كيسان بالعنعنة ويحيى بصيغة الاتصال. قال يحيى (حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمه) أبي طالب عند موته (قل) يا عمِّ (لا إله إلا الله أشهد لك بها) الإيمان (يوم القيامة قال) أبو طالب (لولا) مخافة (أن ثعيرني) وتعيبني (قريش) حين قلتها حالة كونهم (يقولون) في تعييري (إنما حمله) أي إنما حمل أبا طالب وحثه (على) قول (ذلك) المذكور من كلمة لا إله إلا الله (الجزع) وفقد الصبر على سكرات الموت (لأقررت) وأبردت (بها) أي بكلمة لا إله إلا الله (عينك) وفرحتك بها، وإقرار العين وإبرادها كناية عن السرور، فتأسف النبي ﷺ لإبائه من الإيمان (فأنزل الله) في ذلك قوله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وكرر متن الحديث لما في هذه الرواية من الزيادة على الرواية الأولى. ومعنى قوله (لولا أن تعيرني قريش) أي لولا مخافة أن تسبني قريش وتقبح عليَّ

стр. 783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تلك الكلمة ولولا حرف امتناع لوجود، والمبتدأ مقدر بعدها والخبر محذوف وجوبًا لقيام جوابها مقامه لأنه من المواضع التي يجب حذف الخبر فيها كما بيناها في الفتوحات القيومية على متن الآجرومية والتقدير لولا مخافة تعيير قريش بها عليَّ موجودة لأقررت بها عينك وعَيَّر يتعدى بنفسه ومنه قول النابغة: وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وما عليَّ بأن أخشاك من عارِ ويقال عيرته بكذا تعييرًا والعامة تقول بالباء، والأول كلام العرب، وجملة قوله (يقولون) حال من قريش (إنما حمله) وبعثه وحثه (على ذلك) أي على النطق بالشهادتين (الجزع) بالجيم والزاي على الرواية الصحيحة لا يعرف غيرها في صحيح مسلم وهو بمعنى الخوف من الموت، وفي كتاب أبي عبيد (الخرع) بالخاء المعجمة والراء المهملة، وقال: يعني الضعف والخور وكذلك قال ثعلب وفسره به، قال شمر بن حمدويه الهروي يقال: خرع الرجل إذا ضعف وكل رخوٍ ضعيف خريع وخرع والخرع الفصيل الضعيف، قال: والخَرَعُ الدهش ومنه قول أبي طالب، وفي الصحاح: الخَرَعُ بالتحريك الرخاوة في الشيء وقد خَرعَ الرجل بالكسر أي ضعف فهو خرع ويقال لمشفر البعير إذا تدلى خريع، ومعنى (لأقررت بها عينك) أي سررتك بها وفرحتك بقولها وأبلغتك أمنيتك، قال ثعلب: أقر الله عينك أي بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه وتقر عيناه، ومنه قولهم فيمن أدرك ثاره: وقعت بقُرِّك أي أدرك قلبك ما كان يتمنى، وقال الأصمعي معناه برَّد الله دمعته؛ لأن دمعة الفرح باردة، قال غيره: ودمعة الحُزن حارة؛ ولذلك يقال: أسخن الله عينه، أي أراه ما يسوءه فيبكي فتسخن عينه، وقال ابن الأخضر: وما هنا منه؛ لأن المعنى أبرد الله عينه لأن الحزين يبكي فتسخن عينه، وغيره لا يبكي فتبقى عينه باردة، قال الأبي: فالمعنى على الأول: أراك الله ما يسرك وعلى الثاني لا أحزنك الله، ومعنى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية أي لا تقدر على توفيق من أراد الله خذلانه. وكَشْفُ ذلك بأن الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة وقبولها، وليس ذلك إلا لله تعالى، والهداية التي تصح نسبتها لغير الله تعالى بوجه ما هي الإرشاد والدلالة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ترشد وتبين كما قال تعالى ﴿إِنْ عَلَيكَ إلا الْبَلَاغُ﴾ وما ذكرناه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي تدل عليه

стр. 784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البراهين القاطعة وحديث أبي هريرة هذا شارك المؤلف في روايته الترمذي فقط في رقم (٣١٨٧). وجملة ما ذكر المؤلف في هذا الباب من الأحاديث اثنان فقط. الأول حديث مسيب بن حزن وذكر فيه متابعة واحدة وغرضه بذكره الاستدلال به على الترجمة واختاره للاستدلال لأنه أصح من حديث أبي هريرة لأنه من المتفق عليه. والثاني حديث أبي هريرة وذكر فيه أيضًا متابعة واحدة وغرضه بذكره الاستشهاد لحديث المسيب. ***

стр. 785

١١ - بَابُ مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالى عَالِمًا بِهِ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِ .. دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَوَّلًا: إِنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ الكَبَائِرِ، أَوْ عَمِلَهَا وَتَابَ عَنْهَا، أَوْ أَدْرَكَهُ الْعَفْوُ، أَوْ بَعْدَ عُقُوبَتِهِ عَلَيهَا إِنْ لَمْ يَتُبْ عَنْهَا وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْعَفْوُ مِنَ اللهِ تَعَالى وَحَرَّمَهُ اللهُ تَعَالى عَلَى النَّارِ ــ ١١ - بَابُ مَنْ لَقِيَ اللهَ تَعَالى عَالِمًا بِهِ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَوَّلًا: إِنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ الكَبَائِرِ، أَوْ عَمِلَهَا وَتَابَ عَنْهَا، أَوْ أَدْرَكَهُ الْعَفْوُ، أَوْ بَعْدَ عُقُوبَتِهِ عَلَيهَا إِنْ لَمْ يَتُبْ عَنْهَا وَلَمْ يُدْرِكْهُ الْعَفْوُ مِنَ اللهِ تَعَالى وَحَرَّمَهُ اللهُ تَعَالى عَلَى النَّارِ أي باب معقود في بيان أنه (من لقي الله تعالى) ومات حالة كونه (عالمًا) وموقنًا بوجوده بصفاته الكمالية (غير شاك فيه) أي في وجوده تعالى (دخل الجنة) جواب من الشرطية (أولًا) أي بلا سبق دخول نار (إن كان بريئًا من) الذنوب (الكبائر) الموبقات وغيرها (أو عملها) أي عمل الكبائر (و) لكن (تاب عنها) توبة نصوحًا (أو) لم يتب عنها ولكن (أدركه العفو) والغفران من الله تعالى بمحض فضله وكرمه (أو) دخل الجنة (بعد عقوبته) ومجازاته (عليها إن لم يتب عنها) أي عن تلك الكبائر (ولم يدركه العفو) والغفران (من الله تعالى). وحقيقة العلم هي وضوح أمر ما وانكشافه على غايته بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شك في أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك كان في أعلى درجات الجنة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصديقين ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك ألا يدخل الجنة فإن من اعتقد الحق وصدق به تصديقًا جازمًا لا شك فيه ولاريب دخل الجنة كما قدمناه وكما دل عليه قوله ﵊ في حديث أبي هريرة: "من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله غير شاك فيهما دخل الجنة" وكما قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" رواه أبو داود (٣١١٦) من حديث معاذ بن جبل ﵁ فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنة، غير أن هناك فرقًا بين الدرجتين كما بين الحالتين كما صرحت به الآيات الواضحات كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] اهـ قرطبي. وترجم النواوي لهذا الحديث بقوله: (باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا).

стр. 786

٤٤ - س (٢٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيرُ بْنُ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَن إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ــ وكذلك ترجم له السنوسي وكذلك في أكثر نسخ المتون، وترجم له الأبي بقوله: (باب أحاديث من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة). وفي بعض نسخ المتون (باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاكٍّ فيه دخل الجنة وحُرِّم على النار). وترجم له القرطبي بقوله: (باب من لقي الله تعالى عالمًا به دخل الجنة) وهذه قريبة إلى ترجمتنا السابقة والاختلاف بينهما، اختلاف لفظي مآلها واحد، ولكن ترجمتنا أوضح منها لما اشتملت عليه من القيود التي لا بد من اعتبارها المأخوذة من الأحاديث منطوقًا ومفهومًا والله أعلم. (٤٤) - س (٣٦) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الحافظ الكوفي ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة عشر بابًا تقريبًا (وزهير بن حرب) بن شداد الحرشي مولاهم أبو خيثمة النسائي، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في سبعة عشر بابا تقريبًا، وفائدة هذه المقارنة بيان كثرة طرقه لأن المتقارنين كلاهما ثقتان كلاهما) أي كل من أبي بكر وزهير بن حرب رويا (عن إسماعيل بن إبراهيم) بن سهم بن مقسم الأسدي مولاهم أبي بشر البصري المعروف بابن علية، وهي أمه مولاة لبني أسد بن خزيمة أيضًا، وكان يكره أن يقال له ابن علية، ثقة من الثامنة مات سنة (١٩٣) ثلاث وتسعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في خمسة عشر بابًا تقريبًا وجملة قوله (قال أبو بكر حدثنا ابن علية) أتى بها تورعًا من الكذب على أحد شيخيه، لأنه لو اقتصر على قوله عن إسماعيل بن إبراهيم لكان كاذبًا على شيخه أبي بكر، ولو اقتصر على قوله حدثنا ابن علية لكان كاذبًا على شيخه زهير، فبين صيغة كل من الشيخين تورعًا من الكذب على أحدهما، قال النواوي: وهذا من احتياط مسلم رحمه الله تعالى، فإن أحد الراويين قال: ابن علية، والآخر قال: إسماعيل بن إبراهيم فبينهما ولم يقتصر على أحدهما انتهى.

стр. 787

عَنْ خَالِدٍ، قَال: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حُمْرَانَ، ــ (عن خالد) بن مهران بكسر الميم المجاشعي مولاهم أبي المُنَازل بضم الميم وكسر الزاي البصري الحذاء بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة، قال النواوي: لم يكن خالدٌ حذاء قط، أي ما حذا نعلًا قط ولا باعها؛ ولكنه تزوج امرأة من الحذائين فنزل عليها بينهم فنسب إليهم هذا هو المشهور، وقال فهد بن حيان: بالفاء إنما كان يقول احذوا على هذا النحو فلُقب بالحذاء، وخالد يُعدُّ في التابعين انتهى بتصرف. روى عن الوليد بن مسلم أبي بشر وأبي عثمان النهدي وأبي قلابة وأبي معشر وأبي المنهال ومحمد وأنس وحفصة بني سيرين وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن علية وابن سيرين شيخه وشعبة والحمادان وعبد الوهاب الثقفي ووهيب وخلق، وقال في التقريب: ثقة يرسل، من الخامسة، مات سنة (١٤٢) اثنتين وأربعين ومائة، مات في أولها. روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الوضوء في موضعين وفي الصلاة في أربعة مواضع وفي الجنائز في موضعين والزكاة والصوم في موضعين والحج والبيوع والأحكام والجهاد وفي سن النبي ﷺ وفي الفتن في موضعين وفي القدر وفي آخر الكتاب، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها أربعة عشر بابًا تقريبًا. (قال) خالد الحذاء (حدثني الوليد بن مسلم) بن شهاب التميمي العنبري أبو بشر البصري روى عن حُمران بن أبان وأبي المتوكل الناجي وأبي الصديق الناجي وغيرهم، ويروي عنه (م د س) وخالد الحذاء ومنصور بن زاذان وسعيد بن أبي عروبة ويونس بن عبيد وجماعة، وثقه أبو حاتم وابن معين، وقال في التقريب: ثقة من الخامسة، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان وفي الصلاة في بابين فقط. قال النواوي: وربما اشتبه على بعض من لا يعرف الأسماء بالوليد بن مسلم الأموي مولاهم الدمشقي أبي العباس صاحب الأوزاعي ولا يشتبه ذلك على العلماء به فإنهما مفترقان في النسبة إلى القبيلة والبلدة والكنية كما ذكرنا؛ وفي الطبقة فإن الأول أقدم طبقة وهو في طبقة كبار شيوخ الثاني، ويفترقان أيضًا في الشهرة والعلم والجلالة فإن الثاني متميز بذلك كله قال العلماء انتهى علم الشام إليه وإلى إسماعيل بن عياش، وكان أجل من ابن عياش بن مسلم العنسي أبي عتبة الحمصي ثقة فيما رواه من الشاميين ضعيف في غيرهم روى عنه (عم) رحمهم الله تعالى أجمعين والله أعلم. اهـ نواوي. (عن حُمران) بضم أوله وسكون ثانيه بن أبان ويقال: ابن أبي مولى عثمان بن

стр. 788

عَنْ عُثْمَانَ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ: أَنهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ .. دَخَلَ الْجنَّةَ" ــ عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق كان من سبي عين التمر القرشي الأموي مولاهم أبي يزيد المدني، روى عن مولاه عثمان بن عفان ومعاوية، ويروي عنه (ع) والوليد بن مسلم أبو بشر وعطاء بن يزيد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة من الثانية، مات سنة (٧٥) خمس وسبعين، وقيل غير ذلك، وليس في مسلم حُمران إلا هذا، روى عنه المؤلف في بابين فقط الإيمان والوضوء (عن عثمان) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي الأموي أبي عمرو المدني ذي النورين؛ مجهز جيش العسرة؛ وأحد العشرة؛ وأحد الستة، هاجر الهجرتين له مائة وستة وأربعون حديثًا (١٤٦) يروي عنه (ع) وأبناؤه أبان وسعيد وعمرو وأنس، ومروان بن الحكم وخلق، قال ابن عمر: كنا نقول في عهد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يُحيي الليل كله بركعة، قال عمرو بن علي: قتل يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين (٣٥) وله اثنتان وثمانون سنة (٨٢) قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يُغلق إلى يوم القيامة ﵁ وأرضاه، روى عنه حمران وعمرو بن سعيد بن العاص وأبو أنس الأصبحي مالك وزيد بن خالد الجهني وعبد الله بن شقيق وأبان بن عثمان وسعيد بن العاص وسعيد بن المسيب وغيرهم ممن سبق آنفًا. روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء في ثلاثة مواضع وفي الصلاة وفي الحج في موضعين وفي القدر روى عنه في خمسة أبواب تقريبًا، وهذا السند من سداسياته ثلاثة منهم بصريون واثنان مدنيان وواحد كوفي، ومن لطائفه أن فيه رواية مولى عن مولى. (قال) عثمان رضي الله تعالى عنه (قال رسول الله ﷺ من مات وهو) أي والحال أنه (يعلم) ويوقن (أنه لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا الله) (دخل الجنة) أولًا إن كان بريئًا من الكبائر أو تاب عنها أو ستره الله عليها، وإلا فبعد المجازاة عليها. قوله (وهو يعلم) قال المازري: فيه الرد على من يقول من المرجئة إن النطق

стр. 789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالشهادتين دون اعتقادٍ كاف، وقال القاضي عياض: ويحتج به من يرى أن التصديق بالقلب دون النطق كافٍ، ولا يكفي عند أهل السنة إلا لمن بلسانه آفة، أو اخترمته المنية ولا حجة له فيه؛ لأنه قد فسره قوله في الحديث الآخر (من قال لا إله إلا الله) فلا بد من الجمع بين الاعتقاد والنطق عند أهل السنة. وحديث عثمان هذا انفرد به مسلم عن أصحاب الأمهات ولكن شاركه أحمد ورواه في (١/ ٦٥ و ٦٩) قال القاضي عياض: جاءت في هذا الباب أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة، للسلف فيها خبط كثير، ففي هذا (من مات وهو يعلم) وفي حديث معاذ (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وعنه في آخر (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة) وفي آخر (من لقيه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه حرمه الله تعالى على النار) وهو بمعنى حديث عبادة بن الصامت وحديث عتبان، وفي حديث أبي هريرة (لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاكٍّ إلا دخل الجنة) وفي آخر عنه (لا يحجب عن الجنة) وفي حديث أبي ذر وأبي الدرداء (ما من عبد قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) قال المازري: ولما دلت الظواهر على نفوذ الوعيد في طائفة من العصاة واقتضت هذه الأحاديث أمنهم تعين فيها التأويل صونًا لظاهر الشرع من التناقض، فأولها ابن المسيب بأن ذلك كان قبل نزول الفرائض، وأما بعد نزولها فالعاصي في المشيئة، وأولها الحسن بحملها على من مات ولم يعصِ، وحملها البخاري على من مات وهو تائب. قال النواوي: ويبعد فيها تأويل ابن المسيب لأن أبا هريرة أحد رواتها وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر وكانت الفرائض فُرضت، وأولها ابن الصلاح بأن إسقاط ما زاد على الشهادتين يجوز أن يكون من الرواة لا من النبي ﷺ ، قال الأبي (قلت): الأحاديث تدور على سبعة من أجلة الصحابة وعشرة من التابعين؛ فيبعد أن يسقطها الجميع، ثم لعل أبا هريرة تحمله قبل إسلامه، قال القاضي عياض: لا يمتنع حمل الأحاديث على ظاهرها وتستغني عن التأويل، فإن العاصي عندنا في المشيئة يجوز أن يُغفر له بدءًا فيلتحق بمن لم يعصِ فلا يدخل النار إلا دخول ورود، ويجوز أن ينفذ فيه الوعيد فيدخلها ثم لا بد له من دخول الجنة فأحاديث دخول الجنة وعد على ظاهره، إذ لا بد له من دخول الجنة بدءًا أو بعد الجزاء، وأحاديث حرَّم الله عليه النار يعني حرَّم

стр. 790

٤٥ - (٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، ــ الخلود فيها، وحديث من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة هو على ظاهره من أنه يدخلها بدءًا إما لأنه ختم كلامه بذلك كفَّر عنه أو كثَّر أجره حتى رجحت حسناته، وكذلك حديث يدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء لأن ما أضاف إلى الشهادتين من أمر عمن كفَّر أيضًا أو كَثَّر حسناتِه، قال النواوي والأصح في دخول الورود أنه الجواز على الصراط. قال المازري: مذهبنا في العاصي بالكبائر أنه تحت المشيئة كما تقدم، وقالت المرجئة: لا تضره مع الإيمان معصية، وكفرته الخوارج، وقالت المعتزلة: فاسق ليس بمؤمن ولا كافر مخلد في النار، وأحاديث الباب ترد على الخوارج والمعتزلة، وهي ظاهرة في مذهب المرجئة. قال الأبي: جواز المغفرة بدءًا يوجب أن لا يدخل أحدٌ من الأمة النار فتُخالف ما تقدم من أنه لا بد من نفوذ الوعيد في طائفة، ويجاب بأن الغرض من هذا الأصل مخالفة المعتزلة في قولهم: يجوز العفو ثم لا يلزم من الجواز الوقوع حتى يوجب ما ذكرتم، أو يقال إن ذلك مخصوص بالطائفة التي ينفذ فيها الوعيد اهـ من الأبي. ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: (٤٥) - متا (٠٠) (حدثنا محمد بن أبي بكر) بن علي العطار بن مُقدَّم (المقدمي) بضم الميم وفتح الدال المشددة، نسبة إلى جده مُقدَّم المذكور أبو عبد الله الثقفي مولاهم البصري، روى عن بشر بن المفضل ووهب بن جرير وأبي عوانة ويحيى بن سعيد القطان والمعتمر بن سليمان وعبد الرحمن بن مهدي وحماد بن زيد وأبي داود الطيالسي وغيرهم، ويروي عنه (خ م س) وأبو يعلى والحسن بن سفيان وأبو زرعة ووثقه، وقال في التقريب: ثقة من العاشرة مات سنة (٢٣٤) أربع وثلاثين ومائتين. روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في ثلاثة مواضع وفي الزكاة في ثلاثة مواضع وفي الحدود وفي الأطعمة، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها خمسة أبواب تقريبًا. قال محمد بن أبي بكر (حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق أبو إسماعيل الرقاشي

стр. 791

حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَال: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُول: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ... " مِثْلَهُ سَوَاءٌ ــ بالقاف مولاهم البصري، روى عن خالد الحذاء وأبي مسلمة وأبي ريحانة وابن عون ويحيى بن سعيد وداود بن أبي هند وغيرهم، ويروي عنه (ع) ومحمد بن أبي بكر المقدمي ونصر بن علي وحامد بن عمر البكراوي وأبو كامل الجحدري وأحمد وخلق وقال أحمد إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وقال ابن المديني: كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يومًا ويفطر يومًا، وقال في التقريب: ثقة عابد من الثامنة مات سنة (١٨٧) سبع وثمانين ومائة. روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء في موضعين وفي الصلاة في ستة مواضع والجنائز والنكاح في ثلاثة مواضع والصوم والبيوع والحج واللباس والعتاق والقسامة والطب وفي التوبة فجملة الأبواب التي روى عنه المؤلف فيها ثلاثة عشر بابًا تقريبًا قال بشر بن المفضل (حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) المجاشعي أبو المنازل البصري ثقة من الخامسة مات سنة (١٤٢) اثنتين وأربعين ومائة (عن الوليد) بن مسلم (أبي بشر) العنبري البصري ثقة من الخامسة ولم أر من أرخ موته (قال) الوليد بن مسلم (سمعت حُمران يقول سمعت عثمان) بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهذا السند من سداسياته أيضًا، ورجاله أربعة منهم بصريون واثنان مدنيان، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة بشر بن المفضل لإسماعيل بن إبراهيم في رواية هذا الحديث عن خالد الحذاء، وفائدة هذه المتابعة بيان كثرة طرقه لأن المتابع والمتابع ثقتان، وفيها أيضًا تصريح السماع في ثلاثة مواضع، حالة كون عثمان (يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول) من مات وهو يعلم ... الحديث. وقوله (مثله) مفعول ثان لقوله حدثنا بشر بن المفضل، والضمير فيه عائد إلى إسماعيل بن إبراهيم، أي وحدثنا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء مثل ما حدث إسماعيل بن إبراهيم عن خالد، وقوله (سواء) بالنصب حال من مثله لتخصصه بالإضافة مؤكدة لمعنى المماثلة، أي حالة كون ذلك المثل مساويًا لحديث إسماعيل بن إبراهيم لفظًا ومعنىً. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عثمان بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما فقال:

стр. 792

٤٦ - (٣٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللهِ الأشجَعِي عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، ــ (٤٦) - ش (٣٧) (حدثنا أبو بكر) محمد أو أحمد (بن النضر بن أبي النضر) هاشم بن القاسم البغدادي وأكثر ما ينسب أبو بكر إلى جده أبي النضر، وهنا نسبه المؤلف إلى أبيه النضر اسمه محمد أو أحمد كما قررناه، وقيل: اسمه كنيته، روى عن جده أبي النضر هاشم بن القاسم ويعقوب بن إبراهيم بن سعد وأبي عاصم النبيل ومحمد بن بشر وحجاج بن محمد وغيرهم، ويروي عنه (م ت س) وأبو قدامة السرخسي وابن أبي خيثمة وأبو يعلى والسراج وقال: سألته عن اسمه فقال اسمي وكنيتي أبو بكر وغيرهم، وقال في التقريب: ثقة من الحادية عشرة مات سنة (٢٤٥) خمس وأربعين ومائتين، روى عنه المؤلف في كتاب الإيمان والجهاد والمناقب والعلم والزهد والذبائح، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها ستة تقريبًا، (قال) أبو بكر (حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم) ابن مسلم بن مقسم التميمي، ويقال الليثي مولاهم الحافظ البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قيصر، خراساني الأصل، روى عن عبيد الله الأشجعي وسليمان بن المغيرة وعكرمة بن عمار، ويروي عنه (ع) وأبو بكر بن النضر وزهير بن حرب وغيرهم، وثقه العجلي، وقال في التقريب: ثقة ثبت من التاسعة، مات سنة (٢٠٧) سبع ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا، قال أبو النضر (حدثنا عبيد الله) بن عبد الرحمن (الأشجعي) ويقال ابن عبيد الرحمن بالتصغير الكوفي نزيل بغداد، روى عن مالك بن مغول وعبد الملك بن أبجر والثوري فأكثر وهشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد، ويروي عنه (خ م ت س ق) وأبو النضر هاشم بن القاسم وأبو كريب وأحمد بن جواس وعثمان بن أبي شيبة وخلق، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال في التقريب: ثقة مأمون من كبار التاسعة، أثبت الناس كتابًا في الثوري، مات سنة (١٨٢) اثنتين وثمانين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة وفي شرف النبي ﷺ والزهد والعلم والمداحين، فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ستة تقريبًا. (عن مالك بن مغول) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الواو البجلي أبي عبد الله الكوفي أحد علماء الكوفة، روى عن طلحة بن مُصرِّف وأبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتيبة وعون بن أبي جُحيفة وعبد الله بن بُريدة وسماك بن حرب وغيرهم، ويروي عنه (ع)

стр. 793

عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ــ وعبيد الله الأشجعي وعبد الله بن نمير وعبد الله بن المبارك ووكيع وشعبة والسفيانان ويحيى بن سعيد وطائفة، وثقه أحمد وابن معين، وقال في التقريب: ثقة ثبت من كبار السابعة، مات سنة (١٥٩) تسع وخمسين ومائة. روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصلاة في موضعين وفي الجنائز وفي الحج والفرائض والوصايا والجهاد والذبائح، فجملة الأبواب التي روى عنه فيها ثمانية. (عن طلحة بن مصرف) بضم الميم وفتح الصاد وكسر الراء المشددة -وغلط من فتحها بصيغة اسم المفعول- بن عمرو بن كعب بن جحدب بن معاوية الهمداني اليامي من بني يام بن دافع بن مالك بن همدان أبي محمد الكوفي أحد الأئمة الأعلام، روى عن أبي صالح السمان وأنس وابن أبي أوفى وسعيد بن جبير، ويروي عنه (ع) ومالك بن مغول والزبير بن عدي وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ومنصور بن المعتمر والأعمش ومسعر وشعبة وخلائق، وقال في التقريب: ثقة قارئ فاضل من الخامسة، وقال العجلي: كان من أقرأ أهل الكوفة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الأيمان وفي الزكاة في موضعين وفي الوصايا في موضعين، روى عنه في أربعة أبواب (عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني مولى جويرية بنت الحارث امرأةٍ من قيس، روى عن أبي هريرة وجابر، ويروي عنه (ع) وطلحة بن مصرف، ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا. (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي المدني؛ أحد الصحابة المكثرين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه أربعمائة حديث وثمانية عشر حديثًا وهذا السند من سباعياته، ورجاله اثنان منهم بغداديان وثلاثة كوفيون واثنان مدنيان، قال القاضي عياض: هذا السند استدركه الدارقطني بأن غير الأشجعي لم يروه من هذا الطريق إلا مرسلًا، فقالوا: مالك عن طلحة عن أبي صالح مرسلًا، قال النواوي: قال ابن الصلاح: الإرسال وإن قدح في السند لم يقدح في صحة المتن؛ لأن ما وصله الثقة وأرسله غيرُهُ الحُكْمُ فيه للوصل عند المحققين لأنه زيادة ثقة، ولذا قال الشيخ أبو مسعود إبراهيم بن

стр. 794

قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، قَال: فَنَفِدَت أَزْوَادُ الْقَوْمِ، قَال: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِم، ــ محمد الدمشقي في جواب هذا الاستدراك: الأشجعي ثقة مُجَوِّدٌ فإذا جود ما قصر فيه غيره حُكم له به ومع ذلك فالحديث له أصل ثابت عن رسول الله ﷺ برواية الأعمش له مُسْنَدًا، وبرواية يزيد بن أبي عبيد وإياس بن سلمة بن الأكوع عن سلمة، قال الشيخ ابن الصلاح: رواه البخاري عن سلمة عن رسول الله ﷺ وأما شك الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث فإنه شك في عين الصحابي الراوي؛ وذلك غير قادح لأن الصحابة ﵃ كلهم عدول. (قال) أبو هريرة (كنا) معاشر الصحابة (مع النبي ﷺ في مسير) أي في سفر غزوة تبوك كما سيأتي التصريح به، والمسير مصدر ميمي بمعنى السير يريد به السفر (قال) أبو هريرة (فنفدت) أي فرغت وفنيت من نفد ينفد من باب فرح ومنه قوله تعالى ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (أزواد القوم) جمع زاد وهو ما يتزود به المسافر لسفره من طعام وشراب وماء (قال) أبو هريرة فجاعوا وعطشوا (حتى هم) النبي ﷺ وقصد (بنحر) وتذكية (بعض حمائلهم) أي حمائل القوم ونوقهم وأبعرتهم التي يحملون عليها أمتعتهم ويركبونها في حال سيرهم، قال السنوسي: والضمير في هَمَّ يعود على النبي ﷺ ، قال القرطبي: وليس هذا الهم من وحي لما اتفق من عمر، وإنما هو عن اجتهاد، ومستند النظر فيه أنه من ارتكاب أخف الضررين، قال النواوي: وفي هذا الذي هم به النبي ﷺ بيان لمراعاة المصالح؛ وتقديم الأهم فالأهم، وارتكاب أخف الضررين لدفع أضرهما والله أعلم. قال الأبي: والهم وسط بين العزم والخطرات التي لا تندفع اهـ. قال في المفهم: كان هذا الهم من النبي ﷺ بحكم النظر المصلحي لا بالوحي، ألا ترى كيف عرض عمر بن الخطاب عليه مصلحة أخرى ظهر للنبي ﷺ رجحانها فوافقه عليها؛ وعمل بها ففيه دليل على العمل الصالح وعلى سماع رأي أهل العقل والتجارب، وعلى أن الأزواد والمياه إذا نفدت أو قلت جمع الإمام ما بقي منها وقوتهم به سواء، وهذا كنحو ما مدح به النبي ﷺ الأشعريين فقال: "الأشعريون إذا قل زادهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسوية

стр. 795

قَال: فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أزْوَادِ الْقَوْمِ .. فَدَعَوْتَ الله عَلَيهَا، قَال: فَفَعَلَ، قَال: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ ــ فهم مني وأنا منهم". والنحر طعن لَبَّة الإبل ونحوها من كل ما طال عنقه عند التذكية بدل ذبح ما قصر عنقه من البقر والغنم ونحوهما وقوله (حمائلهم) رُوي بالحاء المهملة وبالجيم وكلاهما صحيح والحمائل بالحاء المهملة جمع حمولة بفتح الحاء ومنه قوله تعالى ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ وهي الإبل التي تُحمل عليها الأثقال وتسمى رواحل لأنها يُرحل عليها، وتسمى نواضح إذا استُقي عليها والبعير ناضح والناقة ناضحة قاله أبو عبيد، وبالجيم جمع جمالة بكسرها مثل حجر وحجارة، والجمل هو الذكر دون الناقة (قال) أبو هريرة (فقال) عمر بن الخطاب للنبي ﷺ (يا رسول الله لو جمعت ما بقي) بكسر القاف على وزان رضي وبفتحها على وزان سعى، والكسر لغة أكثر العرب وبها جاء القرآن الكريم والفتح لغة طيء، أي لو أمرت بجمع ما بقي (من أزواد القوم) في أيديهم فجمعت عندك (فدعوت الله) أي سألت الله إنزال البركة (عليها) أي على تلك البقية المجموعة وجواب لو الشرطية محذوف تقديره لكان أصلح لهم وأبقى، ويصح كونها للتمني أي نتمنى جمعك إياها فدعوتك عليها بالبركة والبركة زيادة الخير معنىً، قال النواوي: وفي هذا بيان جواز عرض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحة لينظر الفاضل فيه فإن ظهرت له مصلحة فعله (قال) أبو هريرة (ففعل) النبي ﷺ ما استشار به عمر فنادى في الناس فجمعوا ما بقي في أيديهم من الأزواد عند رسول الله ﷺ على نطع مبسوطة عنده، قال النواوي: وفيه جواز خلط المسافرين أزودتهم وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وجعله بعض أصحابنا سُنة اهـ. قال الأبي: في هذا الأخذ نظر لأن هذا جمع خاص لضرورة مع أن الأكل لم يكن من الأزودة بل من الزيادة ولا حق فيها لأحد ويأتي الكلام على جمع الأزودة في حديث الأشعريين إن شاء الله تعالى. قال القرطبي: وفيه أن الأزودة والمياه إذا قلت يجمع الإمام ما بقي منها ويقوتهم منه بالسوية، قال الأبي وفيه من النظر ما تقدم (قال) أبو هريرة (فجاء ذو البر) أي

стр. 796

بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، قَال: وَقَال مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَال: كَانُوا يَمُصُّونَهُ ويشْرَبُونَ عَلَيهِ الْمَاءَ، ــ صاحب القمح (ببره) أي بما بقي عنده من بره وقمحه (و) جاء (ذو التمر) أي صاحبه (بتمره) أي بما بقي عنده من تمره (قال) طلحة بن مصرف (وقال مجاهد) بن جبر في روايته عن أبي هريرة أي زاد على ما رواه لنا أبو صالح لفظة (و) جاء (ذو النواة) أي صاحب نوى التمر (بنواه) أي بالنوى الذي بقي عنده، قال القرطبي: قوله (وذو النواة بنواه) كذا الرِّواية في النوى بالتأنيث في الأوَّل وهو بمعنى النوى، ومعناه (وذو النوى بنواه) كما قال: (وذو البُرِّ ببُرِّه، وذو التمر بتمره) اهـ. والنوى لب التمر الذي لا يؤكل، قال القاضي عياض قوله (قال وقال مجاهد) فاعل قال طلحة بن مصرف، وقال مجاهد مقول محكي لقال أي قال طلحة لفظة وقال مجاهد ... إلخ. قال النواوي: قال الشَّيخ أبو عمرو وجدته في كتاب أبي نُعيم المُخرج على صحيح مسلم وذو النواة بنواه، قال: وللواقع في كتاب مسلم وجه صحيح، وهو أن يجعل النواة عبارة عن جملة من النوى أفردت عن غيرها كما أطلق اسم الكلمة على القصيدة أو تكون النواة من قبيل ما يستعمل في الواحد والجمع اهـ. قال مجاهد (قلت) لأبي هريرة (وما كانوا) أي وأي شيء كان الأصحاب (يصنعون) ويفعلون (بالنوى) ويستفيدون منه، هل يدقونه ويأكلون دقيقه أو يأكلون بقايا لحوم التمر منه، و (ما) في قوله (وما كانوا) استفهامية في محل نصب مفعول مقدم وجوبًا ليصنعون، وكان زائدة بين الفعل ومفعوله، أي وأي شيء يصنعون بالنوى، ويحتمل أصالتها، وجملة يصنعون خبرها (قال) أبو هريرة لمجاهد (كانوا) أي كان الأصحاب (يمصونه) أي يمصون النوى ويلتذون ما بقي عليه من طعم التمر (ويشربون عليه) أي على النوى (الماء) العذب ويقتاتون بذلك لضيق حالهم وفراغ ما عندهم من الزاد. وقوله (يمصونه) في الميم الفتح والضم وهما معًا مضارع مصصت بكسر الصاد، وأمَّا مَصَصْتُ بفتحها فمضارعه بضم الميم لا غير، وفي الأمر من نحو مَصَّ الرمانة ومَصَّها خمس لغات على ما ذكره ثعلب فتح الميم مع فتح الصاد وكسرها وضم الميم مع الحركات الثلاث في الصاد، والمعروف في مصها مما اتصل بضمير المؤنثة المفردة فتح

стр. 797

قَال: فَدَعَا عَلَيهَا حَتَّى مَلأَ الْقَوْمُ أَزْودَتَهُمْ، ــ الصاد ويجوز كسرها وضمها اهـ أبي. وفي المختار مَصَّ الشيء يمصه بالفتح مصًا وامتصه أيضًا والتمصص المص في مهلة، وأمصه الشيء فمصه والمصمصة المضمضة ولكن بطرف اللسان والمضمضة بالفم كله وفي الحديث: "كُنَّا نمصمص من اللبن ولا نمصمص من التمر" اهـ. (قال) أبو هريرة (فدعا) رسول الله ﷺ (عليها) أي على تلك الأزودة المجموعة البركة، أي دعا الله إنزال البركة وجعلها فيها والبركة كثرة الشيء معنى لا حسًّا. وقوله (حتَّى ملأ القوم) غاية لمحذوف دل عليه ما سيأتي في الرّواية الآتية تقديره، فدعا عليها ثم قال خذوا منها في أوعيتكم فأخذوا منها في أوعيتهم حتَّى ملأ القوم أوعية (أزودتهم) الفارغة من الزاد، فالكلام على حذف مضاف ففيه مجاز بالحذف فالعلاقة المحلية. قال القرطبي: قوله (حتَّى ملأ القوم أزودتهم) هكذا الرِّواية وصوابه مزاودهم فإنَّها هي التي تملأ بالأزودة، وهي جمع زاد: وهو ما يحمله المسافر معه في السَّفر من الطَّعام والماء والمزاود جمع مزادة: وهي ما يحمل فيه الزاد من الأوعية والأزودة لا تملأ بل إنَّما تُملأ بها أوعيتها فسمى المزاود أزودة لأنها تُجعل فيها على عادتهم في تسمية الشيء باسم محله كقولهم: سأل الوادي، وإنَّما السائل السيل لا الوادي، وقد عبر عنها في الرِّواية الأخرى بالأوعية اهـ بتصرف. قال ابن الصلاح: الأزودة جمع زاد: وهي لا تملأ إنَّما تُملأ بها أوعيتها قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتَّى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه اهـ. قال القاضي عياض: قوله (أزودتهم) كذا الرِّواية وهي جمع زاد ولعلّه مزاودهم كما قال في الآخر أوعيتهم، أو يكون من تسمية الشيء باسم ما يحله كتسمية النساء ظعائن، وإنَّما الظعائن الهوادج التي تحملهن، وتسمية الأسقية الروايا، وإنَّما الروايا الإبل التي تحملها، قال الأبي: فيكون من مجاز المجاورة. قال القاضي عياض: تكثير القليل من أعلام نبوته ﷺ المتواترة،

стр. 798

قَال: فَقَال عِنْدَ ذَلِكَ: "أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَني رَسُولُ الله، لَا يَلقَى الله بِهِمَا عَبْدٌ غَيرَ شَاكٍّ فِيهِمَا .. إِلا دَخَلَ الْجَنةَ" ــ وقد استوفينا أحاديثه في "الشفا" وأيضًا فإن خبر صحابي بحضرة ملئهم عن واقع شاهده الجميع ولم ينكروه مع أنهم لا يقرون على منكر يتنزل منزلة التواتر لأنَّ سكوتهم كالنطق، قال الأبي: إلَّا أن الفرق بينه وبين التواتر؛ أن التواتر يفيد العلم بنفسه، والخبر المذكور يفيده بالعادة، ثم الأظهر في التكثير أنَّه إنَّما وقع في النوع المُقتات غالبًا، وكأن الشيخ يختار أن التكثير وقع في الجميع ولا يظهر لأنَّ غير المُقتات كالنوى إنَّما يُحتاج إليه عند الضرورة وقد ارتفعت، وكيفية التكثير يحتمل أنها بإعادة أمثال ما يُرفع أو أنها بتزييد الأمثال دفعة اهـ أُبي. قال السنوسي: قوله إنَّما يُحتاج إليه عند الضرورة كأنه قصر الحاجة في النوى على مصه عند الضرورة وكأنه لا فائدة له إلَّا ذلك، وقد تكون الفائدة فيه هنا التكثير من الخارق وعلامة النبوة. أو إعداده لعلف رواحلهم، وقول مجاهد: وذو النوى بنواه يدل على أن التكثير وقع في الجميع، كما ذكر عن الشَّيخ ابن عرفة، وقد يحتمل أن فائدة إحضار النوى أنَّه صار بدعوته ﷺ تمرًا كغيره، والفرق بين هذا الاحتمال والاحتمال الذي اختار الأبي ظاهرٌ، وهو أقرب من احتماله من حيث إنه ظهرت به الفائدة لإحضار ذي النوى نواه بخلاف احتماله ولا ينافي هذا الاحتمال قوله في الحديث: وما كانوا يصنعون بالنواة، قال يمصونه ويشربون عليه الماء لأنَّ المراد بقوله يمصونه حكاية ما مضى من فعلهم. (قال) أبو هريرة (فقال) رسول الله ﷺ (عند ذلك) أي عندما ملؤوا أوعيتهم (أشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله) حقًّا، تعجبًا من إجابة هذه الدعوة وظهور هذه البركة ثم قال (لا يلقى الله) سبحانه (بهما) أي بهاتين الشهادتين، ولقاؤه كناية عن موته كما مر (عبد) من عباد الله تعالى فاعل يلقى، حالة كونه (غير شاك) حال من عبد لتخصصه بصفة محذوفة كما قدرنا أي غير متردد (فيهما) أي في معناهما (إلَّا دخل الجنَّة) إن كان بريئًا من الكبائر أو تاب عنها أو عفا الله عنها وإلا فبعد العقوبة على ذنبه؟ وحديث أبي هريرة هذا ذكره المؤلف استشهادًا به لحديث عثمان

стр. 799

٤٧ - (٠٠) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَبُو كُرَيبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، قَال أَبُو كُرَيبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويةَ عَنِ الأعمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، ــ الذي استدل به على الترجمة، وهذا الحديث أعني حديث أبي هريرة مما انفرد المؤلف بروايته عن أصحاب الأمهات وغيرهم، ولذلك أورده على سبيل الاستشهاد لا على سبيل الاستدلال. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة ﵁ فقال: (٤٧) - متا (٠٠) (حدَّثنا سهل بن عثمان) بن فارس الكندي أبو مسعود العسكري نزيل الري روى عن أبي معاوية ويزيد بن زُريع وغيرهما، ويروي عنه (م) والحسن بن سفيان، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال في التقريب: أحد الحُفاظ له غرائب، من العاشرة مات سنة (٢٣٥) خمس وثلاثين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ستة أبواب تقريبًا. (و) حدَّثنا أيضًا (أبو كريب محمَّد بن العلاء) بن كُريب الهمداني الكوفيِّ مشهور بكنيته، أحد الأثبات المكثرين، ثقة من العاشرة مات سنة (٢٤٨) ثمان وأربعين ومائتين، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في عشرة أبواب تقريبًا. وفائدة هذه المقارنة تقوية السند، لأنَّ سهل بن عثمان صدوق أو ثقة له غرائب كما مر آنفًا وأكد بقوله (جميعًا) أي حالة كونهما مجتمعين في الرِّواية عن أبي معاوية إشعارًا بأنه شاك في بقاء من روي له عن أبي معاوية، أي كلاهما (عن أبي معاوية) محمَّد بن خازم التميمي مولاهم الضَّرير الكوفيِّ عَمِي وهو صغير ثقة من كبار التاسعة، مات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، وقد رُمي بالإرجاء، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في أربعة عشر بابا، وأتى بقوله (قال أبو كريب حدَّثنا أبو معاوية) تورعًا من الكذب على أبي كريب ببيان صيغته لأنَّه أتى بصيغة السماع لا بالعنعنة (عن) سليمان بن مهران الملقب بـ (ـالأعمش) الكاهلي مولاهم أبي محمَّد الكوفيِّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة ورعٌ لكنَّه يدلس من الخامسة مات في ربيع الأوَّل سنة (١٤٨) ثمان وأربعين ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثلاثة عشر بابا (عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات، مولى جُويرية بنت الحارث امرأة من قيس، المدني ثقة ثبت من الثالثة، مات سنة (١٠١) إحدى ومائة، وتقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف

стр. 800

عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -شَكَّ الأَعْمَشُ- قَال: لَما كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ ــ روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر قال الأعمش (أو) قال أبو صالح (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان بن خدرة بضم الخاء المعجمة له ولأبيه صحبة، مات بالمدينة سنة (٦٥) خمس وستين وقيل: أربع وسبعين، وقد تقدم البسط في ترجمته وأن المؤلف روى عنه في ثمانية أبواب تقريبًا (شك الأعمش) فيما سمعه عن أبي صالح هل قال عن أبي هريرة أو قال عن أبي سعيد الخدري، فأتى بالصيغتين لاحتمال وقوع كل منهما عن أبي صالح. قال القاضي عياض: وهذا السند أيضًا مما استدرك به الدارقطني على المؤلف بأن الأعمش شَكَّ، قال النواوي: أجاب ابن الصلاح بأن الشَّك في عين الراوي العدل لا يقدح في صحة الحديث لأنَّ القصد النقل عن ثقة وقد حصل، قال الخطيب البغدادي: وإذا قال الراوي حدثني فلان أو فلان قُبِلَ بلا خلاف، وإذا صح ذلك في غير الصحابي ففي الصحابي أجدر وأولى انتهى. وهذا السند من خماسياته، ورجاله ثلاثة منهم كوفيون واثنان مدنيان، وغرضه بسوق هذا السند بيان متابعة الأعمش لطلحة بن مصرف في رواية هذا الحديث عن أبي صالح، وكرر متن الحديث لما في هذه الرِّواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، وبالزيادة. (قال) أبو هريرة أو أبو سعيد (لما كان غزوة تبوك) أي زمن غزوة تبوك لا اليوم نفسه، قال النواوي: هكذا ضبطناه يوم غزوة تبوك، والمراد باليوم هنا الوقت والزمان لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشَّمس، وليس في كثير من الأصول أو أكثرها ذكر اليوم هنا، وأمَّا الغزوة فيقال فيها أيضًا الغزاة، وأمَّا تبوك فهي من أدنى أرض الشام إلى الحجاز (قال السهيلي) وكان سبب هذه الغزاة أن قومًا من اليهود أتوا النَّبيَّ ﷺ فقالوا يا أبا القاسم إن كنت صادقًا في أنك نبي فالحق بالشام فإنَّها أرض الأنبياء والمحشر فصدقهم فغزا لا يريد إلَّا الشام فبلغهم فلما بلغ تبوك أنزل الله سبحانه آيات من سورة بني إسرائيل بعدما ختمت ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ فأمر بالرجوع إلى المدينة فرجع وسميت تبوك باسم عين فيها هنالك وهي التي أمر النَّبيُّ ﷺ أن لا يمس أحدٌ من مائها شيئًا فسبق إليها رجلان وهي تَبِضُّ

стр. 801

أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ أَذِنْتَ لَنَا .. فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأكَلْنَا وَاذَهَنا، ــ بشيء من الماء فجعلا يُدخِلان فيها سَهمَيهِما ليكثر ماؤها فسبهما النَّبيُّ ﷺ وقال ما زِلْتُما تبوكَانها (١) منذ اليوم فسميت تبوك من ذلك اليوم اهـ الأبي. (أصاب النَّاس) أي أخذ الأصحاب الذين مع رسول الله ﷺ (مجاعة) وحلت بهم فاقة والمجاعة بفتح الميم مصدر ميمي وهو الجوع الشديد (فقالوا) بالفاء في نسخة شرحها الأبي وفي نسخة شرح النواوي وأكثر المتون (قالوا) بلا فاء أي قال النَّاس الذين معه ﷺ على سبيل المشاورة (يا رسول الله لو أذنت لنا) في نحر نواضحنا لنأكل لحومها لسد ما حل بنا من الجوعة (فنحرنا) وذكينا (نواضحنا) وإبلنا التي نركبها ونحمل عليها أمتعتنا (فأكلنا) لحومها (وادهنا) أي واتخذنا من شحومها دهنًا ندهن به ونستصبح به وجواب لو الشّرطيّة محذوف تقديره لكان خيرًا ومصلحة لنا، قوله (لو أذنت لنا) أي لو أمرتنا بنحرها وأكل لحمها والنواضح من الإبل التي يُستقى عليها قال أبو عبيد الذكر منها ناضح والأنثى ناضحة كما مر، قوله (وادهنا) ليس المقصود منه ما هو المعروف من الإدهان والتمسح بالدهن وإنَّما معناه اتخذنا دهنا من شحومها نتأدم منها ونستصبح بها، وعبارة الأبي ومعنى ادهنا أخذنا الشحم من لحومها وقولهم (لو أذنت لنا) هذا من أحسن آداب خطاب الكبار والسؤال منهم فيقال لو فعلت كذا أو أمرت بكذا لو أذنت في كذا وأشرت إلى كذا وجواب لو محذوف لعلمه من السياق تقديره لو أذنت لنا لكان خيرًا لنا أو لكان صوابًا ورأيًا متينًا أو مصلحة ظاهرة وما أشبه ذلك وهذا أجمل من قولهم للكبير افعل كذا بصيغة الأمر. وقوله هنا (لو أذنت لنا) يعارض ما مر في الرّواية السابقة من قولهم (حتَّى هم بنحر حمائلهم) لأنَّ الاستئذان المذكور هنا يدل على أنهم هموا أولًا قبل النَّبيُّ ﷺ وما سبق يدل على أن النَّبيَّ ﷺ هم أولًا فبينهما معارضة، فكيف يجمع بين الروايتين (قلت) يجمع بينهما بأنهم استأذنوا له أولًا فهم النَّبيُّ ﷺ بذلك.

стр. 802

فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "افْعَلُوا"، قَال: فَجَاءَ عُمَرُ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ إِنْ فَعَلْتَ .. قَلَّ الظهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ الله لَهُمْ عَلَيهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَل الله أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ"، ــ وفي الحديث أنَّه لا ينبغي للعسكر من الغزاة أن يضيعوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام ولا يأذن لهم إلَّا إذا رأى مصلحة أو خاف مفسدة ظاهرة لأنَّ في تضييعها إضعافًا لهم وكذلك ما يخاف من تضييعه في الحضر فوقه مصلحة عامة كبيع السلاح ونحوه (فقال) لهم (رسول الله ﷺ افعلوا) ما قلتم من نحرها وأكل لحمها والادهان بشحومها (قال) أبو هريرة أو أبو سعيد الخدري (فجاء عمر) بن الخطاب إلى النَّبيِّ ﷺ (فقال) له ﷺ على سبيل المشاورة (يا رسول الله إن فعلت) ما طلبوا منك وأذنت لهم فيه فنحروا وأكلوا لحمها (قل الظهر) والمركوب لهم، وفي ذلك ضياعهم، قال النواوي: وفي قول عمر هذا جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يُشير عليهم بإبطال ما أمروا بفعله، والمراد بالظهر هنا الدواب سميت بذلك لكونها يُركب على ظهرها أو لكونها يستظهر بها ويستعان بها على السَّفر انتهى. (ولكن ادعهم) يا رسول الله أي ادع النَّاس وناد فيهم بالإتيان إليك ببقايا أزوادهم فيأتوا إليك (بفضل أزوادهم) أي بما فضل وبقي عندهم من بقية أزوادهم (ثم) بعد إتيانهم إليك ببقايا أزوادهم وجمعها عندك (ادع الله) (لهم) أي لأجلهم (عليها) أي على تلك البقايا المجموعة (بالبركة) والزيادة فيها والإكثار منها معنىً، والبركة زيادة الشيء وكثرته معنى لا حسًّا (لعل الله) ونرجوه (أن يجعل في ذلك) المجموع من بقايا الأزواد بركة وزيادة وكثرة معنوية، فمفعول يجعل محذوف كما قدرناه لعلمه من السياق. قال النواوي (قوله أن يجعل في ذلك) هكذا وقع في الأصول التي رأينا وفيه محذوف تقديره يجعل في ذلك بركة أو خيرًا أو نحو ذلك فحذف المفعول به لأنَّه فضلة، وأصل البركة كثرة الخير وثبوته، وتبارك الله ثبت الخير عنده، وقيل غير ذلك اهـ. (فقال رسول الله ﷺ لعمر (نعم) حرف تصديق في الإثبات قائم

стр. 803

قَال: فَدَعَا بِنِطَع فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَال: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَال: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَال: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ يَسِيرٌ، قَال: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَيهِ ــ مقام الجواب تقديره أي سأفعل ما قلت لي على سبيل المشاورة من جمع بقايا الأزواد والدعاء عليها، قال الأبي: وهذا من النسخ قبل الفعل، لأنَّ إذنه الأوَّل إباحة، والإباحة حكم شرعي فرفعها نسخ انتهى. قال السنوسي: وفيه نظر لأنَّ الإباحة أولًا إنَّما كانت للضرورة وقد ارتفعت بما ظهر من البركة، وارتفاع الحكم لارتفاع سببه ليس بنسخ اهـ. (قال) أبو هريرة أو أبو سعيد (فدعا) النَّبيُّ ﷺ وطلب منهم (بنطع) أي بإحضار جلد مدبوغ وبسطه عنده ليجمع عليه الأزواد، والتطوع على وزان ضلع، بساط متخذ من أديم، وكانت الأنطاع تبسط بين أيدي الملوك والأمراء حين أرادوا قتل أحدٍ صبرًا ليصان المجلس من الدم وإليه أشار أبو الطَّيِّب بقوله: إذا ضرب الأمير رقاب قوم ... فما لكرامة مد النطوعا وفيه أربع لغات مشهورة أشهرها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهما، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء؛ أي فدعا بنطع فأحضر (فبسطه) أي فأمر ببسطه وفرشه (ثم دعا) ونادى في النَّاس (بفضل أزوادهم) أي بجمع بقايا أزوادهم على ذلك النطع (قال) أبو هريرة أو أبو سعيد (فجعل الرجل) منهم أي شرع أن (يجيء) ويحضر (بكف ذرة) وحفنتها ومدها ويحتمل كون جعل من أفعال الشروع كما فسرنا، وكونه من أخوات صار أي صار حاضرًا بكف ذرة والذرة بضم الذال وتخفيف الراء المفتوحة حب مقتات معروف لها أنواع كثيرة تصل إلى ثلاثين نوعًا، وهي في أصلها نوعان ذرة حبشية وهي كبار الحبوب وذرة شامية وهي صغار الحبوب، وأصغرها حبًا نوع يسمى بالدخن (قال) أبو هريرة (ويجيء) الرجل (الآخر بكف تمر) أي بمد تمر وحفنته (قال) أبو هريرة (ويجيء الآخر بكسرة) خبز وقطعتها، وقوله (حتَّى اجتمع) غاية لمحذوف أي فجمعوها حتَّى اجتمع (على النطع) المفروش (من ذلك) الطَّعام المجموع (شيء يسير) أي شيء قليل لا يسعهم عادة. (قال) أبو هريرة (فدعا رسول الله ﷺ عليه) أي على ذلك

стр. 804

بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَال: "خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُم"، قَال: فَأخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وعَاء إلا مَلَؤُوهُ، قَال: فَأَكَلُوا حتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَة، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى الله بِهِمَا عَبْدٌ غَيرَ شَاكٍّ .. فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ" ــ المجموع في النطع (بالبركة) أي طلب من الله تعالى بذل وافتقار بإنزال البركة والنماء المعنوي فيه بحيث يكفي ذلك الشيء اليسير كلهم ببركة دعائه ﷺ (ثم) بعد دعائه على ذلك المجموع (قال) رسول الله ﷺ لكل منهم (خذوا) من هذا المجموع اليسير كل بقدر حاجته واجعلوه (في أوعيتكم) أي في ظروفكم ومزاودكم وأوانيكم جمع وعاء وهو الإناء الذي يوعى ويحفظ فيه الطَّعام (قال) أبو هريرة (فأخذوا) أي فأخذ كل منهم من ذلك المجموع اليسير قدر حاجته وجعلوه (في أوعيتهم) ومزاودهم وملؤوا كل ما عندهم من الأواني والأوعية (حتَّى ما تركوا) أي حتَّى لم يتركوا (في العسكر) والجيش (وعاء) وإناء فارغًا (إلَّا ملؤوه) أي إلَّا ملؤوا ذلك الوعاء الفارغ من ذلك الطَّعام المجموع وجعلوه مملوءًا بالطعام (قال) أبو هريرة (فكلوا) أي عقب ما ملؤوا الأوعية أكلوا مما بقي على النطع (حتَّى شبعوا) وملؤوا بطونهم من أكل ذلك الطَّعام (وفضلت) بكسر الضَّاد وفتحها لغتان مشهورتان فيه أي بقيت (فضلة) وبقية أي شبعوا وفضل منهم شيء فاضل بعد أكلهم وشبعهم (فقال رسول الله ﷺ عند ذلك (أشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله) حقًّا إلى كافّة الثقلين، وقال أيضًا (لا يلقى الله) (بهما) أي بهاتين الشهادتين (عبد) من عباد الله تعالى حالة كونه (غير شاك) ولا متردد فيهما والفاء في قوله (فيحجب) أي يمنع، عاطفة سببية، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النفي والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره لا يكون لقاء عبد ربه بهما حالة كونه غير متردد فيهما فحجبه (عن الجنَّة) وهو بضم الياء وفتح الجيم على صيغة المبني للمفعول وعبارة المفهم هنا (قوله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنَّة) يعني كلمتي التوحيد المتقدمتين (ويحجب) يمنع ورويناه بفتح الباء ورفعها، فالنصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النفي وهو الأظهر والأجود وفي الرَّفع إشكال لأنَّه يرتفع على أن يكون

стр. 805

٤٨ - (٢٨) حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيدٍ، ــ خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره فهو يحجب وهو نقيض المقصود فلا يستقيم المعنى حتَّى تقدر لا النافية؛ أي فهو لا يحجب، ولا تحذف لا النافية في مثل هذا والله أعلم. وظاهر هذا الحديث أن من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله وحده دخل الجنَّة ولا يدخل النَّار، وهذا صحيح فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأمَّا من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة ولم يتب منها فهو في مشيئة الله تعالى التي دل عليها قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعي، أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النَّار ثم يخرجون منها بالشفاعة أو بالتفضل المعبر عنه بالقبضة في الحديث الصَّحيح المتفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري، أو بما شاء الله تعالى فدل ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره فيتعين تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان: أحدهما أن هذا العموم يراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر ممن يشاء الله تعالى أن يغفر له ابتداءً من غير توبة كانت منهم ولا سبب يقتضي ذلك غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دل عليه قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للمبتدعة المانعين تفضل الله تعالى بذلك، وهو مذهب مردود بالأدلة القطعيّة العقلية والنقلية وبسط ذلك في علم العقائد. وثانيهما: أنهم لا يُحجبون عن الجنَّة بعد الخروج من النَّار، وتكون فائدته الإخبار بخلود كل من دخل الجنَّة فيها، وأنَّه لا يُحجب عنها ولا عن شيء من نعيمها والله تعالى أعلم انتهى. ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عثمان بن عفَّان بحديث عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنهما فقال: (٤٨) - (٢٨) (حدَّثنا داود بن رُشيد) بالتصغير الهاشمي مولاهم أبو الفضل الخوارزمي نزيل بغداد، روى عن الوليد بن مسلم وصالح بن عمر ويحيى بن سعيد الأموي وهُشيم وإسماعيل بن عليه ومروان بن معاوية وغيرهم، ويروي عنه (م) و (خ) عن رجل فرد حديث و (د س ق) وقال في التقريب: ثقة من العاشرة، مات لستٍ خلت

стр. 806

حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنِ ابن جَابِرٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُمَيرُ بْنُ هَانِئٍ، ــ من شعبان سنة (٢٣٩) تسع وثلاثين ومائتين، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الوضوء وفي الصَّلاة في موضعين والجنائز والبيوع واللباس والصوم، فجملة الأبواب التي روى المؤلف عنه فيها سبعة. قال داود (حدَّثنا الوليد) بن مسلم القرشي الأموي مولاهم أبو العباس الدّمشقيّ عالم الشام، روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والأوزاعي وشيبان ومحمد بن مطرف وغيرهم، ويروي عنه (ع) وداود بن رُشيد وإسحاق بن موسى الأنصاري وزهير بن حرب ومحمد بن مهران الرَّازي وإسحاق الحنظلي وغيرهم، قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث، وقال في التقريب: ثقة لكنَّه كثير التدليس، أعني تدليس التسوية، وهو أن يسقط من سنده غير شيخه لكونه ضعيفًا أو صغيرًا، ويأتي بلفظ محتمل أنَّه عن الثقة الثَّاني تحسينًا للحديث، وهو شر أقسام التدليس، من الثامنة كان مولده سنة (١١٩) تسع عشرة ومائة، ومات سنة (١٩٥) خمس وتسعين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان وفي الصَّلاة في موضعين والجنائز في موضعين والعتق والجهاد في موضعين والفتن، روى عنه في ستة أبواب تقريبًا، وأتى بالعناية في قوله (يعني ابن مسلم) إشعارًا بأنه لم يسمع هذه النسبة من شيخه، (عن) عبد الرحمن بن يزيد (ابن جابر) نُسب إلى جده لشهرته به الأزدي أبي عتبة الدّمشقيُّ الداراني، روى عن عُمير بن هانئ والقاسم بن مخيمرة وبُسر بن عبيد الله ورُزيق بن حيان مولى ابن فزارة ومسلم بن عامر وطائفة ويروي عنه (ع) والوليد بن مسلم الدّمشقيُّ ويحيى بن حمزة وابن المبارك وابنه عبد الله بن عبد الرحمن وخلق، قال ابن أبي داود: ثقة مأمون، وقال في التقريب: ثقة من السابعة، مات سنة (١٥٣) ثلاث وخمسين ومائة، روى عنه المؤلف في الإيمان والجنائز والجهاد في ثلاثة مواضع وفي الأحكام وفي صفة الحشر والفتن، روى عنه في ستة أبواب (قال) ابن جابر (حدثني عُمير بن هانئ) العنسي بسكون النون ومهملتين أبو الوليد الدّمشقيُّ الداراني، روى عن جُنادة بن أبي أميَّة ومعاوية بن أبي سفيان وأبي هريرة، ويروي عنه (ع) وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وعبد الرحمن بن ثابت وثقه العجلي، قال أبو داود: قُتل صبرًا بداريا أيَّام يزيد بن الوليد سنة (١٢٧) سبع وعشرين ومائة، وقيل: المقتول ابنه، وقال في التقريب: ثقة من كبار الرابعة، روى عنه المؤلف في بابين فقط في الإيمان والجهاد.

стр. 807

قَال: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحْ مِنْهُ، ــ (قال) عمير (حدثني جنادة بن أبي أميَّة) الأزدي أبو عبد الله الدّمشقيُّ مختلف في صحبته واسم أبي أميَّة كثير روى عن عبادة بن الصَّامت وعمر وعلي في (ع) ويروي عنه (ع) وعمير بن هانئ وبُسر بن سعيد وابنه سليمان، قال العجلي: تابعي ثقة مات سنة (٦٧) سبع وستين، روى عنه المؤلف في بابين في الإيمان والجهاد، قال جنادة بن أبي أميَّة (حدَّثنا عبادة بن الصَّامت) بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وزيادة هاء في آخره بن قيس بن أصرم بن فهو بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري أبو الوليد الدّمشقيُّ شهد العقبتين وبدرًا وهو أحد النقباء له مائة وأحدٌ وثمانون حديثًا (١٨١) اتفقا منها على ستةٍ وانفرد (خ) بحديثين وكذا (م) يروي عنه جُنادة بن أبي أميَّة وعبد الرحمن بن عُسيلة الصنابحي ومحمود بن الرَّبيع وأبو إدريس الخولاني وأبو الأشعث الصنعاني وخلق، وقال في التقريب: يدري مشهور مات بالرملة سنة (٣٤) أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون سنة روى عنه المؤلف في الإيمان والجهاد والصلاة والبيوع والحدود في موضعين، روى عنه في خمسة أبواب، وهذا السند من سداسياته ورجاله كلهم شاميون إلَّا داود بن رشيد فإنَّه خوارزمي سكن بغداد (قال) عبادة بن الصَّامت (قال رسول الله ﷺ من قال) عن صميم قلبه (أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده) أي حالة كونه منفردًا في ذاته وصفاته وحالة كونه (لا شريك له) في أفعاله (و) أشهد (أن محمدًا عبده) لا شريكه (ورسوله) لا ابنه (و) أشهد (أن عيسى) ابن مريم (عبد الله) لا شريكه (وابن أمته) مريم بنت عمران لا ابنه كما تزعمه النصارى (وكلمته) أي كلمة الله سبحانه (ألقاها) أي أوصلها (إلى مريم) بنت عمران أي مخلوق بكلمة كن لا بواسطة أب كغيره من بني آدم ألقاها أي أوصل موجب تلك الكلمة، وهو ذات عيسى إلى رحم مريم وأوجده فيه (وروح) نفخ (منه) سبحانه في رحم مريم، قال النواوي: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمعُ أو من أجمعِ الأحاديث المشتملة على العقائد فإنَّه ﷺ جمع فيه ما يُخرِج عن جميع ملل الكفر على اختلافِ عقائدهم وتباعدِها فاختصر ﷺ في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم وسُمي عيسى عليه السَّلام

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلمةً لأنَّه كان بكلمة بن فحسب من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، قال الهروي: سُمي كلمة لأنَّه كان وحصل عن الكلمة فسُمي بها كما يقال للمطر رحمة لأنَّه حصل برحمة الله وإحسانه على عباده قال الهروي وقوله تعالى (وروح منه) أي رحمة منه، قال: وقال ابن عرفة أي ليس من أب إنَّما نفخ في أمه الروح، وقال غيره (وروح منه) أي مخلوقة من عنده وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف كناقة الله وبيت الله، وإلا فالعالمُ له ومِن عندِهِ والله أعلم انتهى. وقد بسطنا الكلام في هذا المقام في تفسيرنا حدائق الروح والريحان فراجعه إن أردت الخوض فيه، قال الأبي: قوله في حديث عُبادة بن الصَّامت (من قال أشهد أن لا إله إلَّا الله) إلخ لا يشترط في داخل الإسلام المنطق بلفظة أشهد ولا التعبير بالنفي والإثبات، فلو قال الله واحد ومحمد رسول الله كفى، وأمَّا كون المنطق بذلك شرطًا في حصول الثواب المذكور فمحتمل اهـ. وقوله (أن عيسى) إلى آخره قال القاضي عياض: سُمي عيسى كلمة لأنَّه كان عن كلمة الله تعالى ثم اختلف فيها، فقيل هي كلمة كُن، وقيل هي التي بشر بها الملك مريم، فمعنى ألقى على هذا الأخير أعلمها، وسُمي روح الله لأنَّه حدث عن نفخ جبريل ﵇ في درع أمه من أمر الله تعالى فنسبه الله إليه وسُمي الرِّيح روحًا لأنه ريح يخرج عن الروح، وقيل المراد بكونه روحًا أنَّه حياة، وقيل رحمة، وقيل برهان لمن اتبعه، وقيل لأنَّه نُفخت فيه الروح دون أبٍ كما قال في آدم ﵇ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. قال الأبي: قيل إن ذكر "عبده ورسوله" تعريض بالنصارى فيما ادعت من البنوة والتثليث وباليهود فيما قذفت به مريم ﵍ وأنكرت من رسالته. وسمع بعض عظماء النصارى قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقال: هذا دين النصارى، يعني هذا يدل على أنَّه بعض منه تعالى، فأجابه الحسن بن علي بن واقد صاحب كتاب النظائر بأن الله تعالى يقول ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ فلو أريد بروح منه أنَّه بعضه كان ما في السموات وما في الأرض بعضًا منه، وإنَّما يريد بروح منه أنَّه من إيجاده وخلقه فأسلم النصراني اهـ.

стр. 809

وَأَن الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ .. أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ" ــ وقال القرطبي: قوله (وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم) هذا الحديث مقصوده إفادة التَّنبيه على ما وقع للنصارى من الغلط في عيسى وأمه ﵉ والتحذير عن ذلك بأن عيسى عبد الله لا إله ولا ولد، وأمه أمة الله تعالى ومملوكة له، لا زوجة، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا. ويستفاد من هذا ما يلقنه النصراني إذا أسلم، وقد اختلف في وصف عيسى بكونه كلمة، فقيل لأنَّه تكوَّن بكلمة كن من غير أب، وقيل لأنَّ الملك جاء أمه بكلمة البشارة به عن الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل في ذلك، ومعنى ألقاها أي أعلمها بها، يقال: ألقيت عليك كلمة أي أعلمتك بها، وسُمي عيسى روح الله لأنَّه حدث عن نفخة الملك وإضافته إلى الله تعالى لأنَّ ذلك النفخ كان من أمره وقدره. وسُمي النفخ روحًا لأنه ريح يخرج من الروح، قاله المكيون، وقيل: سُمي عيسى بذلك لأنه روى لمن اتبعه، وقيل لأنَّه تعالى خلق فيه الروح من غير واسطة أبٍ كما قال في آدم ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. (و) أشهد (أن الجنَّة) دار الكرامة (حق) أي أمر ثابت موجود مخلوق (و) أشهد (أن النَّار حق) أي ثابت موجود مخلوق، قال السنوسي: ولعل فائدة ذكر الجنَّة والنار أيضًا التخلص من عقائد الدهرية ومن يقول بنفي المعاد البدني لأنَّه قد قال به بعض من يُعد نفسه من المسلمين وليس منهم، وعطف جملة قوله (وأن عيسى) إلخ شبه عطف خاص على عام اعتناء بشأنها لما عرض فيها من الجهالات ولأن استحضار الجزئيات في ضمن كلياتها، واللوازم الخفية عند حضور ملزوماتها مما يحتاج إلى زيادة تنبيه ودقة نظر، وإلا فذكر كلمتي الشهادة مع تحقُّق معناهما على ما يجب يتضمن جميع ذلك. وقوله (أدخله الله) جواب من الشّرطيّة في قوله (من قال) أي أدخل الله ذلك القائل دار الكرامة (من أي أبواب الجنَّة شاء) أي من إحدى الأبواب الثمانية في الجنَّة شاء الدخول منها تكرمة له بسبب هذا الذكر؛ أي يخير في الدخول من أيها شاء تكرمة له، ولكنه يدخل من الباب الذي سبق في علمه تعالى دخوله منه. قال الأبي: ولا يعارض هذا الحديث حديث إن في الجنَّة بابا يقال له باب الريان

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يدخله إلَّا الصائمون لأنَّه يقتضي أن هذا القائل لو أراد الدخول منه لم يمكن لأنَّه لا يلزم من التخيير الدخول فإنَّه قد يخير ولا يخلق الله تعالى عنده إيثار الدخول منه انتهى. قال القرطبي: قوله (أدخله الله من أي أبواب الجنَّة شاء) ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخول الجنَّة والتخيير في أبوابها وذلك بخلاف ما ظهر من حديث أبي هريرة الآتي في كتاب الزكاة فإن فيه ما يقتضي أن كل من كان من أهل الجنَّة إنَّما يدخل من الباب المعين للعمل الذي كان يعمله غالبًا الداخل فإنَّه قال فيه: فمن كان من أهل الصَّلاة دُعي من باب الصَّلاة ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الصيام وهكذا الجهاد، والجمع بين الظاهرين أن كل من يدخل الجنَّة مخير في الدخول من أي باب شاء غير أنَّه إذا عُرض عليه الأفضل في حقه دخل منه مختارًا للدخول منه من غير جبر عليه ولا منع له من الدخول من غيره ولذلك قال أبو بكر ﵁ ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، والله أعلم. (تنبيه): قالوا: والحكمة في كون أبواب الجنَّة ثمانية أنها على عدد خصال الإسلام المشهورة المذكورة في حديث جبريل ﵇ ويزاد عليه الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن أكثر مما يناسب واحدًا منها كان من أهل بابه، ومن أكثر مما يناسب الجميع كان من أهل الأبواب الثمانية، والأبواب الثمانية طرقٌ للجنات الثمانية، كل باب طريق لجنة منها كما أن أبواب النَّار السبعة طرق لطبقاتها السبع، (وحكمة) كون أبواب النَّار سبعة على ما قال بعضهم أنها بعدد الجوارح التي يعصي المكلف بها وهي الفم والأنف والعين والأذن واليد والرجل والفرج وباقي البدن يرجع إلى هذه وهي الأصل أعاذنا الله تعالى بفضله من جميعها وجعلنا ممن يكرم بالدعاء من أبواب الجنَّة كلها بلا سبق محنة ومناقشة. ووجه التنعم بأبواب الجنَّة المدخول منها: إما التنعم بالجنات التي كل باب طريق لواحدة منها أو لأنَّه أُعد في كل باب من أنواع النعيم والمسرات ما لم يُعد في الآخر أو لإظهار الاعتناء برفع الحجر عمن مُكن من الدخول من جميعها أو لجميع ما ذكر وهو أظهر والله تعالى أعلم. وهذا الحديث أعني حديث عبادة بن الصَّامت مما انفرد الإمام
следующие страницы →