← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18268

الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج

محمد الأمين الهرري

Полный текст (11 982 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ، ــ قوله: (حينَ رَجَعْتُ إلى تَدَبُّرهِ) وتَفَكُرِهِ متعلِّقٌ بالاستقرار الذي تَعَلَّقَ بهِ الخبرُ المذكورُ؛ أي: وللتلخيصِ المسؤول لك حين رَجَعْتُ وَوَجَّهْتُ قصدي إِلى التدبُّر والتأمُّل في كيفيته. وقولُه: (وما تَؤُولُ بهِ الحالُ) والشأنُ إِليه في محل الجرِّ معطوفٌ على الموصول في قوله: (وللَّذي سَأَلْتَ) أي: وللكتاب المُؤَلَّفِ الذي تَؤُولُ وتَرْجِعُ إِليهِ حالُ التلخيصِ المسؤولِ لك وشَأنُه ومآلُه. وقيّد بقوله: (إنْ شاءَ اللهُ) رجوعي إِليه؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقولُه: (عاقبةٌ محمودةٌ) مبتدأٌ مؤخَّرٌ للخبر المذكور، وهو راجعٌ إِلى قوله: (وللَّذِي سَألْتَ). وقولُهُ: (ومَنْفَعَةٌ موجودةٌ) معطوفٌ على هذا المبتدإ، وهو راجعٌ إِلى قوله: (وما تَؤُولُ به الحالُ)، والمعنى: ومآلٌ حسنٌ محمودٌ عندَ اللهِ وعندَ الناسِ حاصلٌ للتلخيص الذي سأَلتَنِيه حينَ رَجَعْتُ إِليه، وانتفاعٌ مرجؤٌ وُجُودُه عند الناس ثابتٌ للكتاب الذي تَؤُولُ إِليهِ حالُ التلخيصِ المسؤول لك حين رَجَعْتُ إِليه. وقولهُ: (وظَنَنْتُ) بضم التاء للمتكلِّم -أي: أيقنتُ- جملةٌ مستأنفةٌ، وبه يتعلَّقُ الظرفُ في قوله: (حينَ سَأَلْتَني تَجَشُّمَ ذلك) أي: تَكَلُّفَه والتزامَ مشقتِه، والتجشُّمُ: التكلُّفُ، وأرادَ به المؤلِّفُ رحمه الله تعالى مُجَرَّدَ الفعلِ وإِنْ كان الفعلُ لا يخلو عن التكلُّف، يُقال: جَشِمَ الأمرَ من باب فَهِمَ، وتَجَشَّمَه أي: تَكَلَّفَه على مشقةٍ، وجَشَّمَه الأمرَ تجشيمًا وأجشمه أي: كَلَّفه إِياه. اهـ "مختار". أي: وأيقنتُ أيُها السائلُ حين سألتَني تَكَلُّفَ مشقةِ ذلك التلخيص وتَحَمُّلَها، وأَنْ في قوله: (أنْ لو عُزِمَ) وقُضِيَ (لي عليه) أي: على ذلك التلخيص: مُخَفَّفَةٌ من الثقيلةِ، واسمُها ضميرُ الشأن؛ أي: وظننتُ حين سألتَني تَحَمُّلَ مشقةِ ذلك التلخيص أَنَّه لو قُدِّرَ لي من الله سبحانه العزمُ والجزمُ عليه؛ أي: على ابتداء ذلك التلخيص

стр. 72

وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ مِنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ؛ ــ (وقُضِيَ لي) أي: حُكِمَ لي من الله سبحانه (تمامُه) أي: تمامُ ذلك التلخيصِ الذي عَزَمْتُ على ابتدائه (. . كان أَوَّلُ مَنْ يُصِيبُه) ويَصِلُ إليه (نَفْعُ ذلك) التلخيصِ وثمرتُه وفائدتُه، برَفْعِ (أَوَّلُ) على أنه اسمُ كان (أيَّايَ) لا غيري، يعني نَفْسَه، وهو في محل نصب خبر كان. وقولُه: (خاصَّةً) مصدرٌ في محلّ الحال من ضمير إيَّاي، ولكنه على تأويل مشتق؛ أي: كان أولُ مَنْ يُصِيبُه نفعُ ذلك إياي حالةَ كوني مخصوصًا بوصول نفع ذلك التلخيص إليَّ أولًا (قبلَ) وصوله إِلى (غيري من) سائرِ (النَّاسِ) الذين أنتَ منهم أيها السائل لهذا التلخيص. وعبارة السنوسي هنا: (قولُه "عُزِمَ" بضم العين، وظاهرٌ أَنَّ الفاعلَ المُسْنَدَ إِليه العزمُ في الأصل هو الله تعالى؛ وتُعقّب بأنه لا يُسْنَدُ العزمُ إِلى الله تعالى؛ إِذِ المتبادرُ من العزم حصولُ خاطِر تصميمٍ في الذهن لم يكن قبلُ، قلتُ: ولهذا فَشَّرُوه بالجزم بعد التردُّد، وهذا مُحَالٌ في حقّه ، وأُجيبَ بأَنَّ المُرَادَ: لو سُهِّلَ لي سبيلُ العَزْمِ وخُلِقَ فيَّ قدرةٌ عليه، قلتُ: فيكون مجَازًا من باب التعبير بالمسبّب عن السبب، فإنَّ العَزْمَ ناشئٌ عن خَلْق الله تعالى ومسبّب له. وقيل: هو عبارةٌ عن الإِرادة فيكون المعنى: لو أراد اللهُ تعالى لي ذلك، وقيل معناه: المرادُ لو أُلْزِمْتُ؛ فإن العزيمة بمعنى اللُّزوم) اهـ (١). وجملةُ كان من اسمها وخبرها جوابُ لو الشرطيةِ، وجملةُ لو من فعلِ شرطِها وجوابِها خبرُ أنِ المخفَّفة، وجملةُ أنِ المخففة من اسمِها وخبرها في تأويلِ مصدرٍ سادٍّ مسدَّ مفعولَي ظَنَّ، تقديرُه: وظَنَنْتُ حين سألتَني تَحَمُّلَ مشقَّةِ ذلك التلخيصِ كوني خاصة أول مَنْ يُصِيبُه نَفْعُ ذلك لو عُزِمَ لي على ابتدائه وقُضِيَ لي تمامه من الله تعالى.

стр. 73

لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ، إِلَّا أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ الْقَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَإِتْقَانَهُ، أَيْسَرُ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الْكَثِيرِ مِنْهُ، ــ وإِنما كنتُ أوَّل من يصيبه نَفْعُ ذلك (لأسبابٍ) وأمورٍ (كثيرةٍ) تَخُصُّني عن غيري (يَطُولُ بذِكْرِها) أي: بذكر تلك الأسبابِ وتفصيلِها وتَعْدَادِها (الوَصْفُ) أي: الكلامُ، والمُرَادُ بـ (ذِكْرِها): ذِكْرُها على سبيل التفصيل، وإِلَّا. . فهو قد تَعَرَّضَ لها على سبيل الجملة. وتلك الأسبابُ كاعتنائي بذلك التلخيص، والبحثِ عن خَفِيّ معاني المتون وعِلَل الأسانيد، والفِكْرِ في ذلك، ودوامِ الاعتناء به، ومراجعةِ أهل المعرفة؛ فإنه يُثَابُ على ذلك كُلِّه. وكلمةُ إِلَّا في قوله: (إلَّا أَنَّ جُملَةَ ذلك) استدراكيةٌ بمعنى لكنْ، اسْتَدْرَكَ بها على جملة قوله: (أَنَّك هَمَمْتَ بالفَحْصِ عن تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأخبارِ. . .) إِلخ. وجملةُ أَنَّ في قوله: (أَنَّ ضَبْطَ القليلِ) في محلِّ جرٍّ بلام التعليل المقدّرة معطوفة على علَّةٍ محذوفةٍ لخبرِ أَن المحذوفِ من قوله: (أَنَّ جُمْلَة ذلك)، والتقديرُ: لكنْ أَنَّ تَعَرُّفَ جملة ذلك المذكور من الأخبار المأثورة عن رسول الله ﷺ ومعرفةَ جميعه غيرُ ضروري وغيرُ مطلوب؛ لعُسْرِه وصعوبتِه على كثيرِ من الناس. وَلِـ (أَنَّ ضَبْطَ القليلِ) وإِثباتَه في الصُّدُورِ والسُّطُورِ (من هذا الشَّأْنِ) والعلمِ يعني: علمَ الحديثِ روايةً (وإِتقانَه) أي: وإِتقانَ القليلِ منه وإِحكامَه وإِيقانَه بتحقيق مُتُونِه وأسانيدهِ صِحَّةً وضَعْفًا (أَيسَرُ) وأسهلُ (على المَرْءِ) والطالبِ؛ لِقِلَّتِه وخِفَّتِه على الأذهان (من مُعَالجَةِ الكثيرِ) أي: من محاولةِ الكثير ومطالبةِ جَمْعِه (منه) أي: من هذا الشأن والفنِّ؛ لكثرتِه وثقَلِ حِفْظِه على الأذهان. يُقال: ضَبَطَ الكلامَ يَضْبطُه من باب ضَرَبَ إِذا حَفِظَهُ حفظًا بليغًا، وضَبَطَ الكتابَ إِذا صَحَّحَه وشَكَلَه، والضَّبْطُ هنا قسمان: إِمَّا ضبطُ صَدْرٍ، وهو: أنْ يُثْبِتَ ما سمعه بحيث يتمكَّنُ من استحضاره متى شاء. أو ضبطُ كتابٍ، وهو: أن يَصُونَه لديه منذ سَمعَ فيه وصَحَّحَه إِلى أن يروي منه.

стр. 74

وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ مَنِ الْعَوَامِّ، إِلَّا بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ غَيْرُهُ، ــ ويُقال: أَتْقَنَ الأَمْرَ إِتْقانًا إِذا أَحْكَمَهُ وأجَادَهُ، ويُقال: عَالجَ الأمرَ معالجةً وعِلاجًا إِذا زاولَه ومارسَه وحاولَه وطَالبَه. (ولا سِيَّما) أي: ولا مِثْلَ ضبطِ القليل الذي استقرَّ (عندَ مَنْ لا تمييزَ) ولا تفصيلَ (عندَه) بين صحيحِ الأحاديث وسقيمِها موجودٌ، وقولُه: (من العَوَامِّ) بيانٌ لـ (مَنْ) الموصولةِ؛ أي: حالةَ كون مَنْ لا تمييزَ عنده من جنس العوامّ الذين لم يُرْزَقُوا بعضَ التيقُّظِ والمعرفةِ بأسبابِها وعِلَلِها. وكلمةُ (لا سِيَّما) تُفِيدُ أَنَّ ما بعدها أَوْلَى بالحُكْم ممَّا قبلها، فيكون ما بعدها كالمُخْرَج عن مساواة ما قبلها إِلى التفضيل، والمعنى هنا: واحتياجُ مَنْ لا تمييزَ عنده إِلى ضبطِ القليل وإِتقانِه أَشَدُّ وآكَدُ من احتياجِ غيره إِليه، وليسَتْ أداةَ استثناء. والسِّيُّ -بتشديد الياء وقد تُخَفَّفُ- بمعنى المِثْل، ولا عاملةٌ عملَ إِن، سِيَّ: اسمُها منصوبٌ، وما: موصولةٌ في محل الجرّ مضاف إِليه، وهي واقعةٌ على ضبطُ القليل كما أشرنا إِليه في الحلّ. والظرفُ في قوله: (عندَ مَنْ لا تمييزَ) صلةٌ لِما الموصولة، وخبرُ لا محذوفٌ تقديرهُ: ولا مِثْلَ ضبطِ القليل الذي اسْتَقَرَّ عندَ مَنْ لا تمييزَ عنده موجودٌ؛ أي: وضبطُ القليلِ عند مَنْ لا تمييزَ عنده آكَدُ وأَشَدُّ وأَهَمُّ في المطلوبية من ضبط القليل عند غيره. وقد بسطنا الكلام في (لا سِيَّما) إِعرابًا ومعنىً في كتابنا "جواهِر التعليمات في شرح التقريظات"، فراجعْه إِن شئتَ الخوضَ فيه. والعوامُّ: جمع عامّة، والعامَّةُ: اسمُ فاعلٍ من عَمَّ الثلاثي، وهو خلاف الخاصّ، والعامَّة مؤنّث العام، وعامَّةُ الناسِ خلافُ خاصّتهم كما ذكرناه في "الهداية". وكلمةُ إلا في قوله: (إلَّا بأَنْ يُوَقِّفَه) أداةُ استثناءٍ مُلْغَاةٌ لا عملَ لها، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (بأَنْ) متعلِّقٌ بالتمييز في قوله: (عندَ مَنْ لا تمييزَ عندَه) أي: لا تمييز عنده إِلا بواسطة أنْ يُوقِفَه ويُطْلِعَه (على التمييزِ) والتفصيلِ بين أنواع الأحاديث (غيرُه) من أرباب المعرفةِ والتمييزِ بينها.

стр. 75

فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالْقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ الْقَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ ــ وقوله: (يُوَقِّفَه) بفتح الواو وتشديد القاف المكسورة لا غير على الأفصح الأشهر، قال النوويُّ: (فلا يَصِحُّ أن يُقرأ هنا بالتخفيف؛ لأنَّ اللغةَ الفصيحةَ الشهيرةَ: وَقَّفْتُ فلانًا على كذا بالتشديد، فلو كان مخففًا. . لكان حَقُّه أن يُقال: بأنْ يَقفَه على التمييز، بخلاف ما قَدَّمناه في قوله: "تُوَقَّفَ على جُمْلَتِها") (١) أي: فإنه بالتخفيف والتشديد معًا. والفاءُ في قوله: (فإذا كان الأَمْرُ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جواب شرطٍ مُقَدَّرٍ، تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ ما ذكرتُه لك وأردتَ بيان ما هو الأَوْلَى والأَحْرَى. . فأقول لك: إِذا كان الأمرُ المرغوبُ والشأْنُ المطلوبُ (في هذا) الفنُ والشأنِ كائنًا (كما وَصَفْنا) هُ؛ أي: كائنًا كالحُكْم الذي ذَكَرْناه آنفًا مِن أَنَّ ضبطَ القليلِ أيسرُ على المَرْءِ من معالجة الكثير. وأَتَى المصنِّفُ بنون العظمة؛ إِشارةً إِلى استحقاقه العظمةَ؛ لكونه من أهل العلم على سبيل التحدُّث بالنِّعْمة، وجوابُ إِذا مذكورٌ بقوله: (فالقَصْدُ) أي: فالتوجُّهُ بالجَنَانِ والاشتغالُ باللِّسان. وقولُه: (منه) مُقَدَّمٌ على محلِّه؛ لأنه صفةٌ للقليل المذكور بعدَه، والجارُّ والمجرورُ في قوله: (إلى الصحيحِ) متعلِّقٌ بالقَصْد؛ أي: فالقصدُ والتوجُّهُ بالقلب إِلى الصحيح (القليلِ) الكائنِ منه؛ أي: من هذا الفنّ، والاشتغالُ به باللسان؛ أي: صرفُ الهمَّة إلى تحصيلِ القليل منه وضَبْطِه (أَوْلَى) وأَحْرَى وأَحَقُّ (بهم) أي: بالعوامِّ الذين لا تمييزَ عندهم؛ لسهولتِه عليهم (من ازديادِ) واستكثار الحديث (السَّقِيمِ) والضعيف؛ لعدم معرفتهم بأسبابِه وعِلَلِه، وعدمِ صلاحيتهم للتمييزِ بين مراتبه، (وإنَّما يُرْجَى) ويطمع (بعضُ المنفعةِ) أي: حصولُ شيءٍ من المنفعة والفائدة.

стр. 76

فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمْعِ الْمُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ ــ وقولُه: (في الاستكثارِ) متعلِّقٌ بـ (يُرْجَى)، أو بمحذوفٍ صفةِ لـ (المنفعة) على أَنَّ أَلْ في (المنفعة) جنسيةٌ، فهو بمنزلة النكرة، والسينُ والتاءُ في (الاستكثار) زائدتان أو للطلب؛ أي: وا نما يُرْجَى حصولُها في الاستكثار (من هذا الشَّأْنِ) والفنِّ، يعني: عِلْمَ الحديث. قال النوويُّ: (والمرادُ من عِلْم الحديث: تحقيقُ معاني المتون، وتحقيقُ علم الإِسناد، ومعرفةُ المُعَلَّل منه، لا مُجرَّدُ السماع والإِسماع والكتابة، والمرادُ بالإِكثارِ منه: الاعتناءُ بتحقيقه، والبحثُ عن خَفِيِّ معاني المتون وعِلَلِ الأسانيد، والفِكْرُ في ذلك، ودوامُ الاعتناء به، ومراجعةُ أهل المعرفة به، ومطالعةُ كُتُبِ أهل التحقيق فيه، وتقييدُ ما حَصَّلَ من نفائسه وغيرها، فيحفظُها الطالب بقَلْبِه، ويُقَيِّدُها بالكتابة، ثم يُدِيمُ مطالعةَ ما كتَبَه، ويتحرَّى التحقيق فيما يكتبُه ويَتَثبَّتُ فيه، فإنه فيما بعد ذلك يصيرُ معتمدًا عليه، ويُذَاكِرُ بمحفوظاته مِنْ ذلك منْ يشتغل بهذا الفنّ، سواءٌ كان مِثْلَه في المرتبة أو فوقَه أو تحتَه؛ فإنَّ بالمذاكرة يثبتُ المحفوظ ويتحرَّرُ ويتأكدُ ويتقرَّرُ ويزدادُ بحسب كثرة المذاكرة، ومذاكرةُ حاذِقٍ في الفن ساعةً أنفعُ من المطالعة والحفظ ساعاتٍ بل أيامًا. ولْيَكُنْ في مُذاكراتِه متحرِّيًا الإِنصافَ، قاصدًا الاستفادةَ أو الإفادةَ، غيرَ مُتَرَفِّعٍ على صاحبه بقَلْبه ولا بكلامه، ولا بغير ذلك من حالهِ، مُخَاطِبًا له بالعبارةِ الجميلةِ اللّينةِ، فبهذا ينموَ عِلْمُه، وتَزْكُو محفوظاتُه، والله أعلم) اهـ (١) وقوله: (وجَمْعِ المُكَرَّرات) معطوفٌ على (الاستكثار). وقوله: (منه) أي: من هذا الشأن والعلم. وقولهُ: (لخاصَّةٍ من الناس) متعلِّقٌ بـ (يُرْجَى) أي: وإِنما يُرْجَى حصولُ بعض المنفعةِ والفائدةِ في الاستكثار من هذا العلم وفي جميع الأحاديث المُكَرَّرات منه لخاصَّةٍ من الناس الذي هو ضدُّ العامة، وبيَّنَ الخاصَّةَ بقوله: حالة كون الخاصَّة

стр. 77

مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضُ التَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ يَهْجُمُ ــ (مِمَّنْ رُزِقَ) وأُعْطِيَ (فيه) أي: في هذا العلم (بعضَ التيقُّظِ والمعرفةِ)، أو الكائن ذلك الخاصّ ممَّن رُزِقَ وأُعْطِيَ في هذا العلم شيئًا من التيقُّظ والتنبُّه على غوامضه، وشيئًا من المعرفة والإِدراك (١) (بأسبابهِ وعِلَلِه) أي: بأسباب هذا العلم وعِلَلِه (٢). والمرادُ بـ (أسبابه): الواقعةُ التي وَرَدَ فيها الحديثُ، والمرادُ بـ (عِلَلِه): أسبابٌ خَفِيَّةٌ تقتضي ضَعْفَ الحديثِ مع أَن ظاهرَه السلامةُ منها، وتَقَعُ تارةً في الإسناد وهو الأكثرُ، وتارةً في المتن. قال ابنُ الصلاح: (معرفةُ عِلَلِ الحديثِ من أَجَلِّ علوم الحديث وأَدَقِّها وأَشْرَفِها، وإِنما يَضْطَلعُ بذلك أهلُ الحِفْظِ والخِبْرَةِ والفَهْمِ الثاقب) اهـ (٣) وسيأتي بيانُ حقيقة المُعَلَّل وبيانُ كونِ جَمْعِ طُرُقِ الحديث يُسْتَعَانُ به على معرفة عِلَلِه. (فذلك) الخاصُّ الذي رُزِقَ فيه بعضَ التيقُّظِ والمعرفةِ، وفي "السنوسي": (الإِشارةُ إِمَّا راجعة إِلى مَنْ رُزِقَ بعضَ التيقُّظ أو إِلى خاصَّةٍ من الناس بتأويله يالمذكور) (٤). (إنْ شاءَ اللهُ) هُجُومَه على الفائدة، وعَلَّقَ بالمشيئة؛ امتثالًا للآية السابقة. (يَهْجُمُ) بضم الجيم من باب دخل؛ أي: يُقْدِمُ ويقع، وفي "المختار":

стр. 78

بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْفَائِدَةِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ، فَأَمَّا عَوَامُّ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلَافِ مَعَانِي الْخَاصِّ ــ (هَجَمَ على الشيء بَغْتةً من باب دَخَلَ، وهَجَمَ غَيرَه يتعدَّى ويلزم، وهَجَمَ الشتاءُ: دَخلَ، وهَجْمَةُ الشتاءِ: شِدَّةُ بَرْدِه، وهَجْمَة الصيفِ: حَرُّهُ) اهـ وقال النوويُّ: (هو بفتح الياء وكسر الجيم، هكذا ضبطناه، وهكذا هو في نُسَخِ بلادنا وأصولها، وذَكَرَ القاضي عِيَاضٌ أنه رُوي كذا، ورُوي "ينهجم" بنون بعد الياء. ومعنى "يَهْجُمُ": يَقَعُ عليها وينال بُغْيَتَهُ منها، قال ابنُ دُريد: انْهَجم الخباءُ إِذا وَقَعَ) (١). (بما أُوتِيَ) وأُعْطِيَ (منْ ذلك) التيقُّظِ؛ أي: بسبب ما أعطاهُ اللهُ سبحانه من ذلك التيقُّظِ والمعرفةِ، وفي "السنوسي": (الباء سببيةٌ، والإِشارةُ راجعةٌ إِلى بعض التيقُّظِ والمعرفة، أو إِلى نفس التيقُّظ والمعرفة، وهو أظهر، و"مِنْ" على الأول لبيان الجنس، وعلى الثاني للتبعيض، والله تعالى أعلم) اهـ (٢) (على الفائدةِ) والمنفعةِ الكائنةِ (في الاستكثارِ مِنْ جَمْعِهِ) أي: في الإِكثار من جَمْعِ مُكَرَّراته؛ أي: مُكَرَّرات هذا العلم، ويبلغ إِلى تلك الفائدة وينال بُغْيَتَه منها. قال السنوسي: (وحاصلُ ما أشارَ إِليه الإِمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى: أَنَّ الصحيحَ القليلَ أعونُ على المقصود من الضبط والتفهُّم والدِّراية، بخلاف الكثير؛ فإنه يُوجبُ تَشَتُّتَ البالِ والسآمةَ، لا سيَّما إِنْ قَصُرَتْ درجتُه، وبالجملة: فليس العلمُ بكَثرة الرواية، وكثيرًا ما اشتغل بعضُ الناس بمُجَرَّدِ التكاثُر ففاته خيرٌ كثير حتى مات على أَرْدَأ جَهْلٍ، والعياذُ بالله) اهـ (٣). (فأمَّا عَوَامُّ الناسِ الذين) لم يُرْزَقُوا بعضَ التيقُّظِ والمعرفِةِ في هذا الفنّ: فـ (هُمْ) موصوفون (بخلافِ) أي: بضِدّ (معاني الخاصّ) وأوصافه الكائن ذلك

стр. 79

مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ» ــ الخاصّ (مِنْ أهلِ التيقُّظِ والمعرفةِ) فيه وأصحابهما (. . فلا مَعْنَى لهم) أي: فلا فائدةَ لهؤلاءِ العوامّ المذكورين (في طَلَبِ) جَمْع (الكثيرِ) من هذا العلم (و) الحالُ أنهم (قد عَجَزُوا عن معرفةِ القليلِ) منه، ولم يقدروا على إِدراكه فضلًا عن الكثير منه. قال السنوسي (١): (قوله: "وقد عَجَزُوا لا هو بفتحِ الجيم في الماضي وكسرِها في المستقبل، وهي اللغةُ الفصيحة، وحَكَى الأصمعي لغةً أُخرى بعكس الأُولى، وفي القرآن: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ فجاء على اللغة الفصيحة). فصل في ذكر نبذة من أقسام الحديث وبيان أنواعه (٢) قال ابنُ الصلاح: (الصحيح من الحديث: هو الحديث المُسْنَدُ الذي يَتَّصِلُ إِسنادُه بنَقْلِ العَدْلِ الضابطِ عن العَدْلِ الضابطِ إِلى مُنتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا مُعَلّلًا) (٣). وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسَل والمُنْقَطِع والمُعْضَل والشاذّ، وما فيه علّةٌ قادحةٌ، وما في راويه نوعُ جَرْح. أمَّا الحسن: فهو قسمان: أحدهما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إِسناده من مستورٍ لم تتحقَّق أهليتُه، غيرَ أنه ليس مُغَفَّلًا كثيرَ الخطإ فيما يرويه، ولا هو مُتَّهمٌ بالكذب في الحديث، ويكون متنُ الحديث مع ذلك قد عُرِفَ بأنْ رُويَ مِثْلُه أو نحوُه من وجهٍ آخرَ أو أكثرَ حتى اعْتَضدَ، فيَخْرُجُ بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكرًا، وكلامُ الترمذي على هذا القسم يُتنزّل.

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصِّدْقِ والأمانةِ غيرَ أنه لم يَبْلُغْ درجةَ رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُرُ عنهم في الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حالِ مَنْ يُعَدُّ ما يَتَفَرَّدُ به من حديثه منكرًا، ويُعْتَبَرُ في كل هذا -مع سلامة الحديث من أنْ يكونَ شاذًّا ومنكرًا- سلامتُه من أن يكون مُعَلّلًا، وعلى القسم الثاني يتنزّل كلام الخَطَّابي. وكتابُ أبي عيسى التِّرمذي رحمه الله تعالى أصلٌ في معرفة الحديث الحَسَن، وهو الذي نَوَّهَ باسمه وأَكْثَرَ من ذِكْره في "جامعه" (١)، ومن مَظَانِّه "سننُ أبي داود". وفي قول الترمذيِّ وغيرِه: (هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ) إِشكالٌ؛ لأن الحَسَنَ قاصرٌ عن الصحيح، ففي الجَمْعِ بينهما جَمْعٌ بين نَفْي ذلك وإِثباتِه، وجوابُه: أَنَّ ذلك راجعٌ إِلى الإسناد، فإذا رُويَ الحديثُ الواحدُ بإسنَادين أحدهما إِسنادٌ حَسَنٌ والآخرُ إِسنادٌ صحيحٌ. . فالمعنى أنه حَسَنٌ بالنِّسْبة إِلى إِسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إِلى إِسنادٍ آخر، أو أرادَ بالحَسَن معناه اللُّغَويّ، وهو ما تميلُ إِليه النفْسُ ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي. واعلم: أَنَّ الضعيفَ من الحديث: هو كُلُّ حديثٍ لم يجتمع فيه صفاتُ الحديثِ الصحيحِ ولا صفاتُ الحديث الحَسَن المذكوراتُ فيما تقدَّم، وتدخل تحته أقسامٌ كثيرةٌ نَفَاها أبو حاتم بن حِبَّان إِلى تسعةٍ وأربعين قسمًا، منها: الموضوع، والمقلوب، والشاذّ، والمُعَلَّل، والمُضْطَرِب، والمُرسَل، والمُنْقَطِع، والمعضَل، والمنكَر، إِلى غير ذلك من الأقسام المذكورة في علم الحديث. فالموضوع: شَرُّ الأحاديث الضعيفة، وحقيقتُه: هو المُخْتَلَقُ المصنوعُ، ولا تَحِلُّ روايتُه لأحدٍ في أيّ معنىً كان إِلَّا مقرونًا ببيان وَضْعِه، بخلاف غيره من

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأحاديث الضعيفة التي تحتملُ الصِّدْقَ في الباطن حيث جازَ روايتُها في الترغيب والترهيب. ويُعرف وَضْعُ الحديث بإِقرارِ وَضعِه، أو ما يتنزَّل منزلتَه من قرينةِ حال الراوي والمَرْويّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طِوالٌ يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها، والواضعون أصنافٌ، وأعظمُهم ضررًا قومٌ منسوبون إِلى الزُّهْدِ، وَضَعُوا الحديثَ احتسابًا فيما زَعَمُوا فتقَبَّلَ الناسُ موضوعاتِهم. وأمَّا المقلوب: فهو نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم جُعل عن نافع؛ ليصيرَ بذلك غريبًا مرغوبًا فيه. قال ابنُ الصلاح: (وكذلك ما رُوِّينا: أَنَّ البُخَارِيَّ رحمه الله تعالى قَدِمَ بغدادَ، فاجتمعَ قَبْلَ مجلسهِ قومٌ من أصحاب الحديث وعَمَدُوا إِلى مائة حديثٍ فَقَلَبُوا متونَها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا الإِسناد لإِسنادٍ آخر، وإسنادَ هذا المتن لمتنٍ آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلمَّا فَرَغُوا من إِلقاء تلك الأحاديث المقلوبة. . الْتَفَتَ إِليهم، فَرَدَّ كُلَّ متنٍ إِلى إِسناده، وكُلَّ إِسنادٍ إِلى مَتْنِه، فَأَذْعَنُوا له بالفَضْلِ) (١). وأمَّا الشاذُّ: فعن الشافعي: ليس معناه أن يرويَ الثقةُ ما لا يروي غيره، وإِنما الشاذُّ أنْ يرويَ الثقةُ حديثًا يُخَالِفُ ما روى الناسُ. وحكى الحافظُ أبو يعلى الخليليُّ نحوَ هذا عن جماعةٍ من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حُفَّاظُ الحديثِ: أَنَّ الشاذَّ من الحديث ما ليس له إِلا إِسنادٌ واحدٌ يَشُدُّ بذلك شيخٌ، ثقةً كان أو غيرَ ثقة، فما كان عن غير ثقةٍ. . فمتروكٌ لا يُقبل، وما كان عن ثقةٍ. . يُتوَقَّفُ فيه ولا يُحْتَجُّ به. وذَكَرَ الحاكمُ: (أَنَّ الشاذَّ هو الحديثُ الذي يَنْفَرِدُ بهِ ثِقَةٌ من الثقات، وذَكَرَ أنه

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يغاير المُعَلّل مِن حيثُ إِنَّ المعلّلَ وُقِفَ على علّتِه الدَّالةِ على جهة الوَهَم فيه، والشاذَّ لم يُوقَفْ فيه على ذلك) (١). قال ابنُ الصلاح: (أمَّا ما حَكَمَ بهِ الشافعيُّ بالشذوذ. . فلا إِشكال في أنه شاذٌ غيرُ مقبول، وأمَّا ما حُكِيَ عن غيرهِ. . فيُشكل بما يَنْفَرِدُ به العَدْلُ الحافظُ الضابطُ كحديث: "إِنما الأعمال بالنيات"؛ فإنه حديثٌ قد تَفَرَّدَ بهِ عُمَرُ بن الخَطَّاب ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تَفَرَّد به عن عُمَرَ: علقمةُ بن وَقَّاص، ثم عن علقمة محمدُ بن إِبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد) (٢). فهذا وأشباهُهُ يُبيِّنُ لك أنه ليس الأمرُ في ذلك على الإِطلاق الذي أَتَى به الخليليُّ والحاكمُ، بل الأمرُ في ذلك على تفصيلِ نُبَيِّنُه فنقول: إِذا انفردَ الراوي بشيءٍ. . يُنْظَرُ فيه: فإِنْ كان ما انْفَرَدَ به مخالفًا لما رواه مَنْ هو أَوْلَى منه بالحفظِ لذلك وأضبط. . كان ما انفردَ به شاذًّا مردودًا. وإِنْ لم تَكُنْ فيه مخالفةٌ لما رواه غيرهُ، وإِنما هو أمرٌ رواه هو ولم يَرْوه غيرُه. . فيُنْظَر: فإنْ كان عَدْلًا حافظًا موثوقًا بإِتقانهِ وحفظهِ. . قُبِلَ ما انْفَرَدَ بهِ، ولم يَقْدَح الانفرادُ فيه. وإِنْ لم يَكُنْ ممَّنْ يُوثَقُ بحِفْظِهِ وإِتقانهِ لذلك الذي انْفَرَدَ به. . كان انفرادُهُ به مُزَحْزِحًا له عن حَيِّزِ الصحيح. ثمَّ هو بعدَ ذلك دائرٌ بين مراتبَ متفاوتةِ بحَسَبِ الحال فيه، فإن كان المنفردُ به غيرَ بعيدٍ من درجة الحافظِ الضابط المقبولِ تفرُّده. . اسْتَحْسَنَّا حديثَه ذلك، ولم نَحُطَّهُ إِلى قَبيل الحديث الضعيف، وإِنْ كان بعيدًا من ذلك. . رَدَدْنا ما انْفَرَدَ به، وكانَ من قَبيلِ الشاذّ المنكر.

стр. 83

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيظهرُ بذلك أَن الشَّاذَّ المردودَ قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفَرْدُ الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يَقَعُ جابرًا لِمَا يُوجبُهُ التفرُّدُ والشُذُوذُ من النكارة والضَّعْف. وأمَّا المُنكَر: فهو الشاذُّ المردود. وأمَّا المُعَلَّل -ويُسمِّيه أهلُ الحديث المعلولَ؛ وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العِلَّة والمعلول، مَرْذُولٌ عند أهلِ العربيةِ واللغة-: فهو الحديثُ الذي اطُّلِعَ فيه على عِلَّةِ تَقْدَحُ في صحتهِ مع أَنَّ ظاهرَه السلامةُ منها، ويتطرقُ ذلك إِلى الإِسنادِ الذي رجالهُ ثِقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصحة من حيث الظاهرُ، ويُسْتَعانُ على إِدراكها بتفرُّدِ الراوي وبمخالفةِ غيره له مع قرائنَ تنضمُّ إِلى ذلك تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأن على إِرسالِ في الموصول، أو وَقْفٍ في المرفوع، أو دخولِ حديثٍ في حديثٍ، أو وَهَمِ واهمٍ بغير ذلك. وكثيرًا ما يُعلّلون الموصولَ بالمرسل، مثل: أنْ يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصولٍ، ويجيءَ أيضًا بإسنادٍ منقطعِ أقوى من إِسناد الموصول، ولهذا اشْتَمَلَتْ كُتُبُ عِلَلٍ الحديث على جَمْعِ طُرُقِه. قال الخطيبُ أبو بكر: السبيلُ إِلى معرفة علّة الحديث: أنْ يُجْمَعَ بين طُرُقهِ، ويُنْظَرَ في اختلافِ رُوَاتِهِ، ويُعتبر بمكانِهم في الحفظ ومنزلتِهم في الإِتقان والضبط. ورُوي عن عليّ بن المَدِيني قال: (البابُ إِذا لم يُجْمَعْ طُرُقُهُ لم يَتَبيَّنْ خطؤُه) (١). ثم قد تَقَعُ العِلَّةُ في إِسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تَقَعُ فِي مَتْنِهِ، ثم ما يَقَعُ في الإِسناد قد يَقْدَحُ في صِحَّة الإسنادِ والمتنِ جميعًا كما في التعليل بالإِرسال والوقف، وقد يَقْدَحُ في صحَّةِ الإسناد خاصَّةً من غير قَدْحٍ في صحة المتن. ومن أمثلة ما وقعت العلّةُ في إِسناده من غير قَدْحٍ في المتن: ما رواه الثقةُ يَعلي بن

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبيدِ عن سفيان الثَّوْري عن عَمْرو بن دِينارٍ عن ابن عُمَرَ عن النبي ﷺ قال: "البيِّعانِ بالخِيارِ. . ." الحديث، فهذا إِسنادٌ مُتَّصلٌ بنقْلِ العَدْل عن العَدْل، وهو معلَّل غير صحيح، والمتنُ على كُلِّ حالٍ صحيحٌ، والعِلَّةُ في قوله: (عن عَمْرو بن دينار)، إِنما هو (عن عبد الله بن دينار)، كذا رواه الأئمَّةُ من أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يَعلي بن عبيدِ في العُدُول إِلى عَمْرو بنِ دينارِ وإِنْ كان أيضًا ثقةً. ومثالُ العلَّة في المتن: ما انْفَرَدَ بهِ مسلمٌ بإخراجه في حديث أنسٍ من اللفظ المُصَرِّح بنَفْي قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فعَلَّل قوم روايةَ اللفظ المذكور لمَّا رأَوا الأكثرين إِنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ من غير تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ البسملة، وهو الذي اتَّفَقَ البخاريُّ ومسلم على إِخراجه في "الصحيح"، ورأَوْا أَن مَنْ رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وَقَعَ له، ففَهِمَ مِنْ قوله: كانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنهم كانوا لا يُبَسْمِلُون، فرواه كما فَهِمَ وأَخطأَ؛ لأن معناهُ: أَن السورة التي كانوا يستفتحون بها من السُّوَر هي الفاتحة، وليس فيه تَعَرُّضٌ لذِكْرِ التسمية. وانْضَمَّ لذلك أمورٌ، منها: أنه ثَبَتَ عن أنسٍ أنه سُئِلَ عن الافتتاح بالتسمية فذَكَرَ أنه لا يَحْفَظُ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ . وأمَّا المُضْطَرِبُ من الحديث: فهو الذي تختلف الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وَجْهٍ، وبعضُهم على وَجْهٍ آخَرَ مخالفٍ له، وإِنما يُسَمَّى مضطربًا إِذا تساوت الروايتان، أمَّا إِذا تَرَجَّحَتْ إِحداهما بحيث لا تُقاومها الأُخرى. . فالحكمُ للراجحة، ولا يُطْلَقُ عليه حينئذٍ وصفُ المضطرب ولا له حُكْمُه. ثم قد يقعُ الاضطرابُ في متن الحديث، وقد يقعُ في الإسناد، وقد يقعُ ذلك من راوٍ واحدٍ، وقد يقعُ من رواةٍ، والاضطرابُ مُوجِبٌ لضعف الحديث؛ لإِشعاره بأنه لم يُضْبَطْ. وأما المُرْسَلُ: فقيل: هو قول التابعي مطلقًا: (قال رسولُ اللهِ ﷺ ، وقيلَ بقَيدِ أن يكون التابعيُّ كبيرًا، وهو الذي لَقِيَ جُمْلَةً من الصحابة وجَالسَهُم.

стр. 85

ثُمَّ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَأْلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ ــ وقيل: المُرْسَلُ ما سَقَطَ من إِسناده راوٍ فأكثرُ مطلقًا، وحاصله قولان. وأمَّا المُنْقَطعُ: فقال الحاكم: هو الإِسنادُ الذي يسقط منه راوٍ قبلَ الوصول إِلى التابعي، ويُطْلَقُ أيضًا على ما ذُكِرَ فيه بعضُ رواته بلفظٍ مُبْهَمٍ نحو: عن رجلٍ أو شيخٍ أو غيرِهما، وقال أبو عُمر بن عبد البرّ: (المرسلُ مخصوصٌ بالتابعين، والمنقطعُ أعمُّ منه، وهو كُلُّ ما لا يَتَّصِلُ إِسنادهُ) (١). وأمَّا المُعْضَل -بفتح الضاد-: فهو عبارةٌ عمَّا سَقَطَ من إِسناده اثنان فصاعدًا، وهو أَخَصُّ من المنقطع، فكُلُّ معضَلٍ منقطعٌ، وليس كُلُّ منقطعٍ مُعْضَلًا، قال ابنُ الصلاح (٢): (وأصحابُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل بفتح الضاد، وهو اصطلاحٌ مُشْكِلُ المأخذ من حيث اللغةُ، وبَحَثْتُ فوجدتُ له قولَهم: أَمْرٌ عَضِيلٌ؛ أي: مُسْتَغْلِقٌ شديدٌ، ولا التفاتَ في ذلك إِلى مُعْضِل بكسر الضاد وإن كان مِثْلَ عَضِيل في المعنى) اهـ سنوسي. ثم وَعَدَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بما سيذكره في كتاب الإِيمان إِلى آخر الكتاب وبَيَّنَ طريقتَه في ذلك فقال: (ثُمَّ) بعد ما تقدَّم لك نَذْكُرُ ونقولُ: (إنَّا) نحن (إنْ شاءَ اللهُ) تعالى ابتداءَنا وشروعَنا فيما سيأتي (مُبْتَدِئوُن) أي: مفتتحون وشارعون (في تخريجِ) أي: في تلخيصِ وبيانِ (ما سألتَ) أيها الطالب تلخيصَه وبيانَه لك من جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله ﷺ ، يُقال: خَرَّج الشيءَ تخريجًا إِذا بَيَّنَ له وجهًا، وخرَّج اللبنَ إِذا أَخْرَجَ زُبْدَه وخلاصتَه، (و) شارعون في (تأليفِه) أي: في تأليفِ وجَمْعِ ما سألتَني جَمْعَه لك في كتابٍ مُؤَلَّفٍ من جملة الأخبار المأثورة. وقولُه: (على شَرِيطَةٍ) تنازَعَ فيه كُلٌّ من التخريج والتأليف، والشريطةُ لغةٌ في الشرط، معناها: إِلزامُ الشيء والتزامُه، يُقال: شَرطَ عليه كذا إِذا ألزمه، وشَرَطَه على نفسه إِذا التزمه، يَشرِطُه ويَشرُطُه بكسر الراء وضمّها لغتان، وجمع الشريطة:

стр. 86

سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، ــ شرائط، وجمع الشَّرْط: شُرُوط (١). وجملةُ قولهِ: (سوف أَذْكُرُها) وأُبيِّنُها (لكَ) قريبًا متصلًا بهذا الكلام، و (سوف) هنا بمعنى السين التي للاستقبال القريب في محلّ الجرّ صفة لشَرِيطةٍ. والمعنى: ثم إِنَّا شارعون في تخريج ما سألتَنيه وفي تأليفهِ حال كونه مقيّدًا بقيدٍ سأذكره لك متّصلًا بهذا الكلام؛ أي: مشتملًا على قيدٍ التزمتُه في ذلك التأليف. (وهو) أي: ذلك الشرطُ، وذَكَّرَ الضميرَ؛ لأنَّ التاءَ فيه ليستْ للتأنيث بل هي تاء المصدر؛ أي: وذلك الشرطُ ما يتضمّنه قولي (إنَّا) نحن (نَعْمِدُ) ونقصدُ في تأليفنا هذا (إِلى) ذِكْرِ (جُمْلَةِ) وبعضِ (ما أُسْنِدَ) ورُويَ بسندٍ متّصل من أوله إِلى آخره عن رسول الله ﷺ حالةَ كونهِ (من الأخبارِ) والأحاديثِ المرفوعةِ إِليه ﷺ . وقوله: (نَعْمِدُ) بكسر الميم من باب ضَرَبَ، يُقال: عَمَدَ إِلى الشيء يَعْمِدهُ إِذا قصده واهْتَمَّ به. قال النووي: (وليس المرادُ بالجملة جميعَ الأخبار المُسْندةِ؛ لِمَا عُلِمَ أنه لم يذكر الجميعَ بل ولا النِّصْف؛ لأنه قد قال: ليس كُل حديثٍ صحيحٍ وضعتُه ها هنا) (٢). وقولُه: (عن رسولِ اللهِ ﷺ متعلق بـ (أُسْنِدَ). وقولهُ: (فنقْسِمُها) معطوفٌ على (نَعْمِدُ) أي: نقسمُها باعتبار صحّتِها وضعفِها ونجعلُها (على ثلاثةِ أقسامٍ) وأنواع: الأولُ: ما رواه الحُفَّاظُ الْمتقِنُون.

стр. 87

وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ ــ والثاني: ما رواه المستورون المتوسّطون في الحِفْظ والإِتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء المتروكون. وأنه إِذا فَرَغَ من القسم الأول. . أَتْبَعَه الثانيَ، وأمَّا الثالث. . فلا يُعَرِّجُ عليه كما سيذكره فيما بعدُ. (و) نَقْسِمُها باعتبار حالِ رواتِها على (ثلاثِ طَبَقاتٍ) ودرجاتٍ كائناتٍ (من النَّاسِ) الراوين لها، الأول منها: الحُفَّاظ الْمُتقِنُون، والثاني: الحُفَّاظُ المستورون، الثالث: الضعفاء المتروكون. والطبقاتُ جمعُ طبقةِ، وهم القوم المتشابهون من أهل العصر الواحد (١). قال السنوسي: (وقد اختلف العلماءُ في إِتيانه في هذا الكتاب بالقسمين الأولين، فقال الإِمامان الحافظان أبو عبد الله الحاكمُ وصاحبُه أبو بكرٍ البيهقيُّ رحمهما الله تعالى: إِنَّ المنيَّة اخْتَرَمَتْ مسلمًا رحمه الله تعالى قبل إِخراج القسم الثاني، وإِنه إِنما ذَكَرَ القسمَ الأولَ فقط) (٢). وذَهَبَ القاضي عِيَاضٌ (٣) رحمه الله تعالى إِلى أنه أَتَى في أبواب هذا الكتاب

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بحديث الطبقتَين الأُوليَين، وأتَى بأسانيد الثانية منهما على طريق الإِتباعِ للأولى والاستشهادِ بها، أو حيث لم يَجِدْ في الباب من الأولى شيئًا، وكأَنَّ الحاكمَ تأوَّلَ أنه إِنما أراد أنْ يُفْرِدَ لكُلِّ طبقةِ كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصَّة منفردةً، وليس ذلك مرادَه (١).

стр. 89

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تنبيه: عاب عائبون على مسلم روايتَه في "صحيحه" عن جماعةٍ من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا على شرط الصحيح، وأُجيب بأَوْجُهٍ ذَكَرَها ابنُ الصلاح رحمه الله تعالى: الأول: أن يكون ذلك فيمَنْ هو ضعيفٌ عند غيره ثقةٌ عنده، ولا يُقال: الجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ ذلك حيث يكون الجَرْحُ مُفَسَّرَ السببِ. الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعاتِ والشواهدِ لا في الأُصول. الثالث: أن يكون ضَعْفُ الضعيفِ الذي احْتَجَّ به طَرَأَ بعد أَخْذِه عنه. الرابع: أنْ يَعْلُوَ بالشخص الضعيف إِسنادُه، وهو عنده من رواية الثقات نازلٌ،

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيقتصر على العالي، ولا يُطَوِّلُ بإضافة النازل إِليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن ذلك، والله أعلم. اهـ سنوسي (١) فائدة: وجملةُ الضعفاء المتروكين الذين أدخلهم مسلمٌ في "جامعه" على سبيل المتابعة والمقارنة ستةَ عَشَرَ رجلًا: (١) يحيى بن فلان في المقدمة: مجهول، (٢) مصعب بن شَيبة: لين الحديث، (٣) عِيَاض بن عبد الله الفِهْري المَدَني: فيه لين، (٤) الوليد بن أبي الوليد عثمان: فيه لين، (٥) زَمْعة بن صالح: ضعيفٌ (٢)، (٦) سُلَيمان بن قَرْم بن معاذ: ضعيف (٣)، (٧) عبد الله بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب: ضعيف، (٨) عبد الكريم بن أبي المُخَارِق البصري: ضعيف، (٩) عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة بن مَعْبَد الجُهني: ضعيف (٤)، (١٠) علي بن

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ زيد بن جُدْعان: ضعيف (١)، (١١) عُمر بن حمزة بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب: ضعيف (٢)، (١٢) محمد بن يزيد بن محمد بن كثير الرفاعي: ضعيف (٣)، (١٣) مُجَالِد بنَ سعيد بن عُمَير الهَمْداني: ضعيف (٤)، (١٤) النعمان بن راشد الجَزَري: ضعيف ولكن احْتَجَّ به مسلم (٥)، (١٥) أبو عَقِيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة: ضعيف، (١٦) يزِيد بن أبي زياد القُرشي الكوفي: ضعيف.

стр. 92

عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ، لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ، ــ وقولُه: (على غيرِ تَكْرَارٍ) ولا إِعادةٍ متعلِّقٌ بقوله: (نَعْمِدُ) و (على) فيه بمعنى مِنْ؛ أي: إِنَّا نَعْمِدُ إِلى ذِكْرِ جملة ما أُسْنِدَ من الأخبار من غير تكرارٍ ولا تَرْدَادٍ، ولا إِعادةٍ لتلك الأخبار مرَّةً بعد مرَّةٍ (إلَّا أنْ يأتيَ) ويَقَعَ في الكتاب (مَوْضِعٌ) وَمَحَلٌّ (لا يُسْتَغْنَى فيه) أي: في ذلك الموضع (عن تَرْدَادِ) وتكرار (حديثٍ) موصوفٍ بأنْ يكونَ (فيه) أي: في ذلك الحديثِ (زيادةُ مَعْنىً) وفائدةٍ؛ أي: موصوف بكون معنىً زائد على الحديث السابق فيه. وقولُه: (أو إسنادٌ) بالرفع معطوفٌ على قوله: (موضعٌ) أي: أو يأتي في الكتاب إِسنادٌ لاحقٌ (يَقَعُ) ويذكر (إلى جَنْبِ إسنادٍ) أي: بعد إِسنادٍ سابقٍ. وقولُه: (لِعِلَّةٍ) متعلِّقٌ بـ (يَقَعُ) أي: يذكر ذلك اللاحق بعد السابق لعلةٍ وفائدةٍ (تكونُ) وتُوجَدُ (هُنَاكَ) أي: في الإِسناد اللاحق دون السابق كتصريحه بالسماع والسابقُ مُعَنْعَنٌ، أو في اللاحق عُلُوٌّ وفي السابق نزولٌ. والحاصلُ: أَن التكرارَ تارةً يكونُ للحديث بزيادةٍ فيه، وتارةً يكون للإسناد، وإِن اتَّحَدَ الحديثُ. . ففي هاتين الحالتين يحصل التكرار؛ (لأنَّ المَعْنَى الزائدَ في الحديثِ) اللاحقِ. وقولُه: (المُحْتَاجَ إليه) بالنصب صفةٌ للمعنى، وجملةُ قولهِ: (يقومُ مَقَامَ حديثٍ تامٍّ) في محلّ الرفع خبر أَنَّ؛ أي: وإِنما حَصَلَ التكرارُ حينئذٍ؛ لأنَّ المعنى الزائدَ في الحديثِ الثاني المحتاجَ إِليه في إِثبات حُكْمٍ من الأحكام قائمٌ مقامَ حديثٍ تامٍّ مستقلٍّ في عدم الاستغناء عن ذِكْرِه. (فـ) حينئذٍ (لا بُدَّ) ولا غِنىً (من إعادةِ) وتكرارِ (الحديثِ الذي فيه) أي: في ذلك الحديث (ما وَصَفْنا) هُ وذَكَرناه آنفًا (من الزيادةِ) المحتاجِ إِليها بقولنا: (عَنْ

стр. 93

أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، ــ ترْدَادِ حديثٍ فيه زيادةُ معنىً). وقولهُ: (أو أنْ يُفَصَّلَ ذلكَ المَعْنَى) الزائدُ المحتاجُ إِليه في محل الجرّ معطوف على (إِعادةِ الحديث) أي: فلا بُدَّ من إِعادة الحديثِ الذي فيه ذلك المعنى الزائدُ بتمامه إِنْ لم يُمكن فَصْلُ ذلك المعنى الزائدِ من بَقِيَّةِ الحديث، بأن كان المعنى الزائدُ متعلِّقًا بالبقية من حيث المعنى أو الإِعرابُ، بحيث يختلُّ البيانُ وتختلُّ الدلالةُ بتَرْكِ بقية الحديث وذكرِ المعنى الزائد فقط، أو من فَصْل ذلك المعنى الزائد (من جُمْلَةِ الحديثِ) وبقيّتهِ، ويُذكر (على) حِدَتِه بلا إِعادة بقية الحديث مع (اختصارِهِ) أي: مع اختصار ذلك المعنى الزائد. والاختصارُ: إِيجازُ اللفظ مع استيفاء المعنى المرادِ، وقيل: رَدُّ الكلام الكثير إِلى القليل الذي فيه معنى الكثير (١) (إِذا أَمْكَنَ) فصْلُ ذلك المعنى الزائدِ من بقيّة الحديث، وذلك بأن كان الزائدُ غيرَ متعلِّقٍ بالباقي من حيث المعنى أو الإِعرابُ، بحيث لا يختلُّ البيانُ ولا تختلف الدلالة بتَرْكِه، سواءٌ جَوَّزْنا الروايةَ بالمعنى أم لا، وسواءٌ رواه قَبْلُ تامًّا أم لا. وحاصلُه: أَنَّ الحديثَ المُشْتَمِلَ على معنىً زائدٍ على ما ذُكِرَ أوَّلًا لا بُدَّ من إِعادته تامًّا إِنْ كان للمعنى الزائد منه تعلُّقٌ بما بقي تحقيقًا أو شكًا، أو من ذِكْرِ ذلك المعنى الزائدِ منه وَحْدَه إِنْ أمكنَ قَطْعُه وحدَه اختصارًا؛ لعدم تَعَلُّقِه بما بَقِيَ تحقيقًا (٢). فائدة: وهذه المسألةُ -أعني روايةَ بعض الحديث- اختلف العلماءُ فيها، فمنهم مَنْ مَنَعَهُ مطلقًا بناءً على مَنْعِ الرواية بالمعنى، ومنَعَه بعضهم وإِن جازت الرواية بالمعنى إِذا لم يكن رواه هو أو غيرُه بتمامه قبل هذا، وجَوَّزَه جماعة مطلقًا، ونَسَبَه القاضي عِيَاضٌ إِلى مسلم، والصحيحُ -الذي ذهب إِليه الجمهورُ والمحققون- التفصيلُ، فيجوزُ ذلك من العارف إِذا كان ما تَرَكَهُ غيرَ مُتَعلِّقٍ بما رواه، سواء جَوَّزْنا الروايةَ بالمعنى أم لا،

стр. 94

وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، ــ رواه قبلُ تامًّا أم لا، والمنعُ فيما تعلَّق معناه بالمتروك. هذا إِذا ارتفعتْ منزلتُه عن التُّهمة، فأمَّا مَنْ رواه تامًّا ثم خاف إِنْ رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتّهم بزيادةِ أوَّلًا أو بنسيانٍ لغفلةٍ أو قِلَّةِ ضَبْطٍ. . فلا يجوز له النقصان. قال النوويُّ: (وأمَّا تقطيعُ المصنِّفين الحديثَ الواحدَ في الأبواب. . فهو بالجواز أَوْلَى، بَلْ يَبْعُدُ طَرْدُ الخلاف فيه، وقد اسْتَمَرَّ عليهِ عملُ الأئمَّةِ الحُفاظِ الأَجِلَّةِ) (١). وحَمَلَ قومٌ قولَ مسلمٍ هنا على مذهب الجمهور من القول بالتفصيل، وهو ظاهر، والله أعلم. اهـ سنوسي (٢). وقولُه: (ولكنْ تفصيلُهُ رُبَّما عَسُرَ) استدراكٌ على قوله: (أو أَنْ يُفَصَّلَ ذلك المعنى. . . إِذا أَمْكَنَ)؛ رفعًا لتوهُّم ثبوت تفصيله إِذا أمكن مطلقًا؛ أي: سواءٌ عَسُرَ أم لا؛ أي: ولكنْ تفصيلُ ذلك المعنى الزائدِ (من جُمْلَتِه) أي: من جُمْلَةِ الحديثِ وبَقِيَّتِه قد يَعْسُرُ وَيشُقُّ في بعض الأحاديث مع إِمكانه، بأنْ كان الزائدُ مرتبطًا بالباقي، أو يُشكّ في ارتباطه به (٣). والجارُّ والمجرورُ في قوله: (مِنْ جُمْلَتِه) متعلِّقٌ بالمبتدإ لا بِعَسُرَ كما أشرنا إِليه في الحل. (فإعادتهُ) أي: فحينئذٍ إِعادةُ الحديثِ (بهَيئَتِهِ) أي: بتمامهِ (إذا ضَاقَ ذلك) أي: إِذا عَسُرَ وشَقَّ تفصيلُ الزائدِ من جُمْلَتِه، وهذه الجملة لا حاجةَ إِلى ذِكْرِها فهي حَشْوٌ، (أَسْلَمُ) من الخطإ والزَّللِ، وأَوْضَحُ في البيان والاستدلال. (فأمَّا ما وَجَدْنا بُدًّا) وغِنىً (مِنْ إعادتهِ) وذِكْرِهِ ثانيًا؛ أي: فأمَّا الحديثُ الذي وَجَدْنا بُدًّا وغِنىً من إِعادتهِ وتردادهِ (بجُمْلَتِه) وتمامهِ (من غيرِ) حصولِ (حاجةٍ مِنَّا إليه) أي: من غيرِ حصولِ حاجةٍ وعرض لنا إِلى إِعادته كبيان سماع راوٍ من شيخه؛

стр. 95

فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى " فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، ــ لأنَّ المؤلِّفَ ربما أخرج الحديثَ الذي لا حاجة إِلى ذِكْرِه وإِعادته أصلًا ليُبَيِّنَ سماع راوٍ من شيخه لكونه أَخْرَجَ له قبلَ ذلك مُعَنْعَنًا كما ذكره السيوطي في "التدريب" (١/ ٩٣). وقولُهم: (لا بُدَّ من هذا) معناه: لا عوضَ منه. اهـ سنوسي (١) (. . فلا نَتَوَلَّى فِعْلَه) أي: فلا نُلزم ولا نُوجِبُ على أنفسنا فعلَ إِعادةِ ذلك الحديث ولا نقصدُه، يُقال: تولَّى الشيء إِذا لزمه. (إنْ شاءَ اللهُ) سبحانه و (تَعَالى) أي: تَرَفَّع عن كُل ما لا يَلِيقُ بهِ عدمَ تولينا إِعادته، وعلَّقَ بالمشيئةِ لما مَرَّ. وهذا التفصيل هو ما الْتَزَمَ بهِ الإِمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى في "جامعه"؛ فإنه أعادَ أحاديثَ كثيرةً وكَرَّرَها، ولكنْ إِعادتُه وتكرارُه في كتابه كُلِّه متنًا أو سندًا لم تخلُ من فائدةِ وغَرَضٍ، فإِذا حَصَلَ التكرارُ في كتابه متنًا أو سندًا. . فلا بُدَّ من البحث عن غَرَضِه فيهِ. والفاءُ في قوله: (فأمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ) فاءُ الفصيحةِ؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ أنا نَعْمِدُ إِلى جُمْلَةِ ما أُسْنِدَ من الأخبار فنَقْسِمُها على ثلاثةِ أقسامٍ وثلاثِ طبقاتٍ، وأردتَ بيانَ تلك الأقسامِ الثلاثةِ. . فأقول لك: أمَّا القسمُ الأولُ من أقسام الحديث الثلاثة وأقسام الطبقات الثلاثة: (فـ) مذكورٌ في ضمن قولي: (إنَّا) نحن (نَتَوَخَّى) أي: نتَحَرَّى ونقصدُ، وفي "المختار": (تَوَخَّى مرضاتَه: تَحَرَّى وقَصَدَ) اهـ (أنْ نُقَدِّمَ) في كُلِّ بابٍ وحُكْمٍ من الأحكام (الأخبارَ) أي: ذِكْرَ الأخبارِ والأحاديثِ (التي هي أَسْلَمُ) باعتبار متونها؛ أي: أكثرُ سلامةً (من العُيُوبِ) أي: من أسباب الضعف كالشُّذوذ والنَّكارة والاضطراب (مِنْ) سلامة (غيرِها) منها، والعيوبُ جَمْعُ عَيبٍ، والعَيبُ: النَّقِيصةُ والفسادُ.

стр. 96

وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ، وَ ــ وقولهُ: (وأَنْقَى) -بالنون والقاف- معطوفٌ على قوله: (أَسْلَمُ) أي: ونُقَدِّم الأخبارَ التي هي أَنْقَى وأَصْفَى وأَخْلَصُ باعتبار أسانيدها من العيوب كالإرسال والانقطاع والتدليس والتخليط؛ أي: أكثرُ نقاءً من العيوب من نقاء غيرها منها. و(مِنْ) في قوله: (مِنْ أَنْ يكونَ نَاقِلُوها) تعليليةٌ (١) متعلِّقةٌ بـ (أَسْلَمُ) و (أَنْقَى) على سبيل التنازع. وعبارة السنوسي: (وهنا تمَّ الكلامُ على قوله: "أسلمُ" و"أنقى"، ثم ابتدأ ببيان سبب كونها أسلمَ وأنقى فقال: "مِنْ أنْ يكونَ ناقلوها أهل استقامةٍ" فالظاهرُ أَنَّ "مِنْ" تعليليةٌ، وعَدَلَ إِلى المضارع في قوله: "يكونَ"؛ لقَصْدِ الاستمرار، والله أعلم) اهـ (٢) أي: فإِنَّا نتَوَخَّى أن نُقَدِّمَ الأخبارَ التي هي أَسْلَمُ وأَنْقَى من العُيُوبِ؛ لأجل كون رواتِها وناقليها (أهلَ استقامةٍ) وعدالةِ وثباتِ وثقَةٍ (في) علم (الحديثِ، و) أهلَ

стр. 97

إِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمْ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، ــ (إتْقَانٍ) وإِحْكامٍ وضَبْطٍ (لِمَا نَقَلُوا) ورَوَوْا من الأخبار حال كَوْنهم (لم يُوجَدْ في رِوَايَتِهِم) ونَقْلِهم غالبًا (اختلافٌ شديدٌ) أي: كثيرٌ؛ أي: مخالفةٌ كثيرةٌ لرواية غيرهم من الثقات، فلا تَضُرُّ المخالفةُ النادرةُ ولا اليسيرةُ في ضَبْطِهم؛ لأنه لا يُمكن الاحترازُ منها. وقولُه: (ولا تخليطٌ فاحشٌ) معطوفٌ على (اختلافٌ شديدٌ) أي: وحال كونهم لم يُوجَدْ في رواياتِهم نفسِها غالبًا تغييرٌ فاحشٌ واضطرابٌ كثيرٌ بخلاف النادر أو اليسير. . فلا يَضُرُّ في ضَبْطهم؛ لتعذُّرِ الاحتراز منه. وهذا تصريحٌ من المؤلِّف بما قاله أئمَّةُ الحديث: إِنَّ ضَبْطَ الراوي يُعْرَفُ بأن تكونَ روايتُه، غالبًا كما رَوَى الثقاتُ، لا يُخَالِفُهم إِلَّا نادرًا؛ فإنَّ النادر لا يَقْدَحُ لعدم إِمكان التحرُّزِ منه وإن كَثُرَت روايتهُ، فأشارَ مسلمٌ إلى الأول بقوله: (أهلَ استقامةٍ)، وإلى الثاني بقوله: (اختلافٌ شديدٌ ولا تخليطٌ فاحشٌ). أفاده السنوسي (١). والكافُ في قوله: (كمَا) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ صفة لـ (اختلاف) و (تخليط)، وَ (ما) واقعةٌ على الاختلاف والتخليط. وقولُه: (قد عُثِرَ) بضم العين وكسر الثاء المثلثة مبنيًّا للمجهول بمعنى: اطُّلِعَ (٢). وقولُه: (فيه) بمعنى (عليه) نائبُ فاعلٍ لـ (عُثِرَ)، والضميرُ فيه عائدٌ إِلى (ما) الواقعةِ على الاختلاف والتخليط. وقولُه: (على كثيرٍ من المُحَدِّثين) على فيه بمعنى في، والمعنى: حالة كونهم

стр. 98

وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ. فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، ــ لم يُوجَدْ في رواياتهم اختلافٌ شديدٌ وتخليطٌ فاحشٌ كائنان كالاختلاف والتخليط الذي قد عُثِرَ واطُّلِعَ عليه في حديثِ كثيرٍ من المُحَدِّثين المتروكين. وقولُه: (وبَانَ ذلك في حديثِهم) معطوفٌ على قوله: (قد عُثِرَ)، والإِشارةُ في ذلك راجعة إِلى (ما) في قوله: (كَمَا) الواقعةِ على الاختلاف والتخليط، والمعنى: وكالاختلاف والتخليط الذي بَانَ وظَهَرَ في حديث كثيرٍ من المُحَدِّثين المتروكين، ويحتملُ أَنَّ قوله: (قد عُثِرَ فيه) راجعٌ للاختلاف فقط، وأَنَّ قولَه: (بَانَ ذلك) راجعٌ إِلى التخليط فقط على سبيل اللَّفِّ والنَّشْر المُرَتَّب. والمعنى حينئذ: لم يُوجَدْ في روايتهم اختلافٌ شديدٌ كالاختلاف الذي قد عُثِرَ عليه في حديثِ كثيرٍ من المحدِّثين، ولا تخليطٌ فاحشٌ كالتخليط الذي بَانَ وظَهَرَ في حديثهم. والفاءُ في قوله: (فإذا نحنُ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ القسمَ الأولَ من أقسامِ الحديثِ وأقسام الرواة وأردتَ بيانَ القسم الثاني منها .. فأقول لك: إذا نحن (تَقَصَّينا أخبارَ هذا الصِّنْفِ) الأولِ، و (تَقَصَّينا) هو بالقاف؛ أي: أَتَينا بها على الكمال (١)، وذَكَرْنا قُصْواها وغايَتها؛ أي: إِذا انتهينا إِلى أحاديث هذا الصِّنْفِ الذين هم القسمُ الأول (من) أقسام طبقات (الناسِ) الناقلين للأخبار والأحاديث -يعني بهم أهلَ الاستقامةِ والإِتقانِ- أي: إِذا أتينا بها وفَرَغْنا منها ( .. أَتْبَعْناها) أي: أَتْبَعْنا أخبارَ هذا الصِّنْفِ الأول وأَرْدَفناها وأَلْحَقْنا بها على سبيل المتابعة (أخبارًا) أي: أحاديثَ (يَقَعُ) ويُذْكَرُ (في أسانيدِها) ورجالِها (بعضُ مَنْ ليس بالموصوفِ بالحِفْظِ) والضَّبْطِ (والإِتْقَانِ) والتحقيق. والباءُ في قوله: (بالموصوفِ) زائدةٌ في خبر ليس. والمعنى: ذكرنا عقبها للمتابعة أخبارًا يَقَعُ في أسانيدها راوٍ ليس موصوفًا بالحفظ

стр. 99

كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ .. فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ ــ والإِتقان البالغَينِ نهايتهما؛ أي: ليس موصوفًا وصفًا (كـ) وَصْفِ (الصِّنْفِ المُقَدَّم قَبْلَهُمْ) بهما؛ أي: كوَصْفِ الصِّنْفِ الذي اسْتَحَقَّ التقديمَ قَبْلَ مَنْ ليس موصوفًا بهما، فالضميرُ في قوله: (قبلَهم) عائدٌ على مَنْ ليس موصوفًا بالحفظ والإِتقان، وهو القسم الثاني من أقسام الطبقات. والمرادُ بـ (الصِّنْفِ المُقَدَّم): القسمُ الأولُ المذكورُ سابقًا وقد تقدَّم ذِكْرُ الاختلافِ: هل وَفَّى بهذا، أمَ اخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ دونَه؟ والراجحُ الأول. اهـ سنوسي (١). و(على) في قوله: (على أَنَّهم) تعليليةٌ بمعنى اللام متعلقةٌ بقوله: (أتبعَنْاها)، والضميرُ في (أَنَّهم) عائدٌ على (مَنْ ليس موصوفًا بالحفظ والإِتقان)، وخبرُ أَنَّ محذوفٌ دَلَّ عليه السِّيَاقُ، والمعنى: وإِنما أَتْبَعْناها أخبارَ مَنْ ليس موصوفًا بالحِفْظِ والإِتقانِ؛ لأنهم حُفَّاظٌ عُدُول مقبولون. و(إِنْ) في قوله: (وإنْ كانوا) غائيةٌ لا جوابَ لها على الأصحّ؛ أي: وإِنْ كان أهلُ القسمِ الثاني من الطبقات، أعني بهم مَنْ ليس موصوفًا بالحِفْظِ والإِتقان (فيما وَصَفْنا) هـ؛ أي: ذَكَرناه من الحفظ والإِتقان (دُونَهم) أي: دونَ الصِّنْفِ المُقَدَّم قبلَهم، وهم أهلُ القسم الأول من الطبقات. والفاءُ في قوله: (فإنَّ اسمَ السَّتْرِ) تعليليةٌ بمعنى اللام المتعلقة بخبرِ أن المحذوفِ؛ أي: وإنما كانوا حُفَّاظًا مقبولين لأنَّ مُسَمَّى السَّتر أي: العِفَّةِ والخُلُوِّ من الرذائل وخوارم المُروءات، و (السَّتْر) بفتح السين مصدرٌ، قال النوويُّ: (ويوجَدُ في أكثرِ الرواياتِ والأصولِ مضبوطًا بكسر السين، قال: ويُمكن تصحيحُه بأن يكون السِّتْر بمعنى المستور كالذِّبْح بمعنى المذبوح) (٢)، والنِّقْض بمعنى المنقوض. (و) مُسَمَّى (الصِّدْقِ) في الأقوال والأخبار، والصدقُ نقيضُ الكذب والفضل

стр. 100

وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ؛ كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، ــ والصلاح، (و) مُسَمَّى (تَعَاطِي العِلْمِ) أي: تناولِه، يُقال: تعاطى الشيءَ تعاطيًا إِذا تَنَاوَلَه، ويحتملُ أَنَّ إِضافةَ اسم إِلى السَّتْر وما بعده للبيان. وقولُه: (يَشْمَلُهم) -أي: يَعُمُّهم- خبرُ إِنَّ؛ أي: وإِنما كانوا مقبولينَ لا متروكينَ؛ لشُمُولِ اسم السَّتْرِ والصِّدْق وتعاطي العلمِ إِياهم كالصِّنْفِ الأول، وذلك يقتضي قبولَ خَبَرِهم. قال السنوسيُّ: (وقولهُ: "يَشْمَلُهم" هو بفتح الميم على اللغة الفصيحة؛ أي: يَعُمُّهم، ويجوزُ ضمُّها في لغةٍ، وماضي الأول مكسورُ العين، والثاني مفتوحها) (١). والمرادُ بـ (السَّتْرِ): أن يكون الراوي مستورَ الحالِ، وقد شَمِلَ "صحيحُ مسلم" رجالًا مستورين ومَنْ قيل في حقه: صدوقٌ، كما يُبَيِّنُ ذلك مسلمٌ نفسه. وهؤلاء الذين ليسوا موصوفين بالحفظ والإِتقان (كعطاءِ بنِ السَّائبِ) بن مالك أبي محمد -ويُقال: أبو السائب- الثقفي الكوفي التابعي، ثقة إِلا أنه اختلط في آخر عمره، وقال في "التقريب": صدوقٌ من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، يروي عنه البخاريُّ (٢) وأصحابُ السُّنَن. اهـ، ولم يَرْو عنه مسلم. روى عن أبيه وعن أنس بن مالك وسعيد بن جُبَير والحَسَن البصري، ويروي عنه إِسماعيلُ بن أبي خالد، وأثنى عليه أيوب السَّخْتِياني، وقال أحمد: ثقةٌ ثقةٌ رجلٌ صالحٌ، وتَكَلَّمُوا فيه لاختلاطه بأَخَرَةٍ، وضَعَّفَه ابنُ معين في روايةٍ. وقال العِجْلِيُّ: كان شيخًا ثقةً قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، فمَنْ سَمِعَ منه قبل اختلاطه .. فهو صحيحُ السماع، ومَنْ سَمِعَ منه متأخرًا أو شُكَّ فيه .. فهو ساقطٌ.

стр. 101

وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، ــ ومن السامعين منه قبلَ الاختلاطِ: سفيانُ الثوري وشُعْبة، وأمَّا مَنْ سَمِعَ منه بأَخَرَةِ .. فهو مضطربُ الحديث، منهم هُشَيمٌ وخالدٌ الواسطيُّ، إلا أَنَّ عطاءً بأَخَرَةٍ كان يتلقَّن إِذا لَقَّنوه في الحديث؛ لأنه غيرُ صالح الكتاب. اهـ وعلى هذا التفصيل: وَثَّقَه النَّسائيُّ وغيرُه، وأكده ابنُ حِبَّان في "الثقات" (١). انظر "تهذيب التهذيب" (٧/ ٢٠٣)، و "التاريخ" لابن مَعِين (٣/ ٤٠٣)، و "سير أعلام النبلاء" (٦/ ١١٠)، و "الثقات" لابن حِبَّان (٧/ ٢٥١)، و "الكامل" لابن عدي (٥/ ١٩٩٩). فهو واللذان بعده وأضرابُهم من أمثلة الطبقة الثانية. (و) كـ (يَزِيدَ بن أبي زيادِ) القُرَشِيِّ الهاشميِّ مولاهم، أبي عبد الله الكوفي -ويُقال فيه أيضًا: يزيد بن زياد- رأى أنسًا، قال في "التقريب": ضعيفٌ كَبِرَ فَتَغَيَّرَ فصار يتلقَّن، وكان شِيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة، روى عنه مسلم وأصحاب السنن. اهـ وقال السنوسي: (لا يُكْتَبُ حديثُه، خلافًا للدارقطنيِّ وابنِ عَدِيّ؛ فإنهما قالا: يُكْتَبُ حديثُه) اهـ (٢) روى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وأبي جُحَيفة وإِبراهيم النَّخَعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي صالح السمَّان ومجاهد وعكرمة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وإِسماعيل بن أبي خالد وزائدة وشعبة وزُهَير بن معاوية وعبد العزيز بن مسلم وهُشَيم وأبو عَوَانة وجماعة. اهـ "خلاصة".

стр. 102

وَلَيثِ بْنِ أَبِي سُلَيمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ ــ وقال أحمد: ليس بذاك، وقال ابنُ مَعِين: ليس بالقَويِّ، وكذا قال أبو حاتم (١). (و) كـ (لَيثِ بنِ أبي سُلَيمِ) بن زُنَيم -بالزاي والنون مُصَغَّرًا- واسم أبيه: أيمن، وقيل: أَنَس، أبي بكر القرشي مولاهم، أحدِ العلماءِ والنُّسَّاك. روى عن عكرمة ومجاهد وطبقتهِ، ويروي عنه (م عم) ومَعْمَر وشُعْبة والثَّوْري وخَلْقٌ. ضَعَّفَه الجماهيرُ وقالوا: اختلط واضطربتْ أحاديثُه، وقالوا: هو ممن يُكتب حديثُه، وقال أحمد: مُضْطَربُ الحديث، وقال الفُضَيل بن عِياض: ليثٌ أعلمُ أهلِ الكوفة بالمناسك، وقال في "التقريب": صَدُوقٌ اختلط أخيرًا -وفي المطبوع: جدًّا- ولم يَتَمَيَّزْ حديثُه فتُرِكَ، من السادسة مات سنة ثمانٍ وأربعين ومائة (٢). قال السنوسي: (قوله: (وأَضْرَابِهم) أي: أشباهِهم وأمثالِهِم في الاختلاط، جمع ضَرْبٍ. قال أهل اللغة: يُقال ضَرْبٌ وضَرِيب بوزن كَرِيم بمعنى المِثْل، وجمعُ الأول: أضراب، وجمعُ الثاني: ضُرباء، وبهذا تعرفُ أَنَّ قول القاضي عياض في لفظ مسلم: إِن صوابَه "ضُربائهم" ليس بشيء) (٣).

стр. 103

مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ. فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ المعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ ــ كسعيد بن إِياس الجُرَيري، قال في "التقريب": ثقةٌ، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومائة. وسَعِيد بن أبي عَرُوبَةَ: مِهران اليَشْكُري، قال في "التقريب": ثقةٌ، حافظ، له تصانيفُ، كثيرُ التدليس واختلط، وكان من أَثْبَتِ الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست وخمسين ومائة. وأبي إِسحاق السَّبِيعي عَمْرو بن عبد الله الهَمْداني الكوفي، قال في "التقريب": مُكْثِرٌ ثقةٌ عابدٌ، من الثالثة، اختلط بأَخَرَةٍ، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك. وغيرهم (من حُمَّالِ الآثارِ) الموقوفةِ بضم الحاء وتشديد الميم جمع حامل (ونُقَّالِ الأخبارِ) المرفوعةِ بضم النون وتشديد القاف، ويحتمل أنه من عطف الرديف. والفاءُ في قوله: (فهُمْ) مُعَلِّلةٌ لمعلولٍ محذوفٍ تقديره: وإِنما مَثَّلْنا بهؤلاءِ الثلاثةِ لأنهم (وإنْ كانوا بما وَصَفْنا) وذَكَرْنا، و (إِنْ) هنا شرطيةٌ، والباءُ متعلِّقةٌ بخبرِ كان الآتي. (من) تعاطِي (العِلْمِ و) اسمِ (السَّتْرِ) والعِفَّةِ و (مِنْ) مُبَيِّنَةٌ لـ (ما). والظرفُ في قوله: (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفَنِّ مُتَعَلِّقٌ بقوله: (معروفين)

стр. 104

فَغَيرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا ــ الذي هو خبرُ كان، والمعنى: لأنهم وإِنْ كانوا معروفين ومشهورين بما ذَكَرْنا من العِلْم والسِّتْرِ عند أهل هذا الفنِّ. والفاءُ في قوله: ( .. فَغَيرُهُمْ) -أي: غيرُ هؤلاءِ الثلاثةِ- رابطةٌ لجواب "إِنْ" الشرطية، وقولُه: (مِنْ أقرانِهم) ونظائِرهم بيانٌ للغير، والأقرانُ: جمعُ قِرْن بكسر أوله وسكون ثانيه، والقِرْنُ: كُفْؤُك ونَظِيرُك في الشجاعة أو في العلم أو في غيرهما كالكرم، حالةَ كَوْنِ الأقران (مِمَّنْ) ثَبَتَ واسْتَقَرَّ واشْتَهَرَ (عندَهم ما ذَكَرْنا من الإِتقانِ) والتحقيقِ في الدِّراية (والاستقامةِ) والتثبُّتِ (في الروايةِ) والنَّقْلِ عن غيرِهم. وقولُه: (يَفْضُلُونَهُمْ) خبرٌ لقوله: (فغيرُهم) أي: يَفُوقُونَهم؛ أي: يفوقُ ويَفْضُلُ ذلك الغيرُ هؤلاءِ الثلاثةَ المذكورين وأَضْرَابَهم. (في الحالِ) أي: في العِفَّةِ والعدالةِ (والمرتبةِ) أي: في الحفظ وتعاطي العلم (١)، وإِنَّما فَضَلُوهم وفَاقُوهم (لأنَّ هذا) الذي ذَكَرْناه من الإِتقان والاستقامة

стр. 105

عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ. أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ سَمَّينَاهُمْ عَطَاءً وَيَزِيدَ وَلَيثًا بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ــ (عندَ أهلِ) هذا (العِلْم) والفنِّ (درجةٌ رفيعةٌ) أي: مرتبةٌ عاليةٌ وهذا راجعٌ إِلى الإتقان (وخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ) أي: حالةٌ شريفةٌ، وهذا راجعٌ إِلى الاستقامة. (أَلا تَرَى) وتَنْظُرُ بقَلْبِكَ (أَنَّك) أيُها الطالبُ (إذا وَازنْتَ) بالنون؛ أي: قَابَلْتَ -قال القاضي عياض: (ويُروى: "وَازَيتَ" بالياء أيضًا وهو بمعنى الأول) (١) - (هؤلاءِ الثلاثةَ) المذكورين (الذين سَمَّيناهم) أي: ذَكَرْنا أسماءَهم آنفًا بقولنا: (عطاءً) هو ابنُ السائب (ويَزِيدَ) بنَ أبي زيادٍ (ولَيثًا) هو ابنُ أبي سُلَيم. وقولُه: (بمنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وَازَنْتَ)، ومنصور هو ابنُ عبد الله السُّلَمي أبو عَتَّاب -بمثناة ثقيلة بعدها باء موحدة- الكوفي، أَحَدُ الأئمةِ الأعلامِ المشاهير. رَوَى عن إِبراهيم النَّخَعِي وأبي وائل والحَسَن البصري وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأيوب وحُصَين بن عبد الرحمن والأعمش وسُلَيمان التَّيمي والثَّوري وشعبة وخَلْقٌ ممن لا يُحصون. وقال العِجْلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، له نحو ألفَي حديث. وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّسُ، من طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. قال السنوسي: (وقد يُنْكَرُ على مسلمٍ بأَنَّ عادةَ أهلِ العلم إِذا ذَكَرُوا جماعةً في مِثْل هذا السِّياق .. قَدَّمُوا أجلَّهم مرتبةً، فيُقَدِّمون الصحابيَّ على التابعيِّ، والتابعيَّ على تابعهِ، وهنا عكس مسلمٌ؛ فإِنَّ إِسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ تابعيٌّ مشهورٌ رأى أنس بنَ مالكٍ وسلمةَ بنَ الأكوع، وسَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي أَوْفَى وغيرَه من الصحابة، وأمَّا الأعمشُ: فرأى أنس بنَ مالك فقط، وأمَّا منصورُ بن الْمُعْتَمِرِ: فليس هو بتابعيٍّ وإِنما هو من تابعي التابعين.

стр. 106

وَسُلَيمَانَ الأَعْمَشِ ــ وأُجيب بأنه ليس المراد به هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حَجْرَ في ترتيبهم، ويحتمل أن يكون مسلمٌ قَدَّمَ منصورًا لرُجْحَانِه في ديانتِه وعبادتِه وإِنْ كان كُلٌّ من الثلاثة راجحًا على غيره لكنْ منصورٌ أرجحُهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: منصورٌ أثبتُ أهلِ الكوفة. وقال سفيان: كنتُ لا أُحَدِّثُ الأعمشَ عن أحدٍ من أهل الكوفة إِلَّا رَدَّه، فإذا ذكرتُ منصورًا سَكَت. وقال أحمدُ بن حنبل: منصورٌ أثبتُ من إِسماعيل بن أبي خالد. وقال أبو حاتم: منصورٌ أثبتُ من الأعمش، وقالهُ يحيى بن مَعِينِ، ورُوي أنه صام ستين سنةً وقامها، وأمَّا عبادتُه وزُهْدُه وامتناعُه من القضاء حين أُكْرِهَ عليه فأكثرُ من أنْ يُحْصَى، وأشهرُ من أنْ يُذْكَرَ) اهـ (١). (و) بـ (سُلَيمَانَ) بنِ مِهْرَانَ المُلَقَّبِ بـ (الأعمشِ) (٢)؛ لضعف بصره مع سَيلان دَمْعها، الكاهليّ مولاهم، أبي محمد الكوفي، أحَدِ العلماءِ الحُفَّاظ والقُرَّاء، رأى أنسًا يَبُولُ. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وعكرمة -قال أبو حاتم: لم يسمع منهما- وزيد بن وهب وأبي وائل وإِبراهيم التَّيمي والشَّعْبي وخَلْق. ويروي عنه (ع) وأبو إِسحاق والحكم وزُبَيد -وهو من شيوخه- وسُلَيمان التَّيمي -وهو من طبقته- وشعبة وسفيان وزائدة ووكيع وخَلْقٌ. وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ألف حديث وثلاثمائة، وقال ابن عُيَينَة: كان أقرأهم وأحفظَهم وأعلمَهم، وقال العِجلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وقال النَّسائِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وعَدَّه في المُدَلِّسين.

стр. 107

وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ .. وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ لَا يُدَانُونَهُمْ، لَا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ؛ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ ــ وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءات وَرِعٌ لكنه يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة سبع أو ثمانٍ وأربعين ومائة، وكان مولده أول سنة إِحدى وستين. اهـ (و) بـ (إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ) البَجَليِّ الأحمسيِّ التابعيِّ المشهورِ، أبي عبد الله الكوفيِّ أَحَدِ الأئمَّةِ الأعلامِ. روى عن عبد الله بن أبي أَوْفَى وأبي جُحَيفَة وعَمْرو بن حُريث والشَّعْبي -وكان أعلمَ الناسِ به- وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والسُّفْيانان وابنُ إِدريس، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ثلاثِمائة حديث. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من الرابعة، مات سنة ستٍّ وأربعين ومائة. وقولُه: (في إتقانِ الحديثِ) مُتَعَلِّقٌ بـ (وَازَنْتَ) أيضًا؛ أي: قَابَلْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ بالثلاثةِ الأخيرةِ في إِتقانِ الحديث وحِفْظِه (و) في (الاستقامةِ) والتثبُّتِ (فيه) أي: في الحديث. وقولُه: (وَجَدْتَهُمْ) جوابُ (إِذا) أي: وَجَدْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ (مُبَايِنِينَ) أي: مُخَالِفِينَ (لهم) أي: للثلاثة الأخيرةِ في قُوَّةِ الإِتقانِ والاستقامةِ، بل (لا يُدَانُونَهم) ولا يُقَارِبُونَهم فَضْلًا عن المقابلة؛ أي: لا تُدَانِي الثلاثةُ الأُوَلُ الثلاثةَ الأخيرةَ في قوتهما، بل بينَهم بَوْنٌ بائنٌ وفَرْقٌ فَارقٌ، و (لا شَكَّ) أي: لا رَيبَ ولا تَرَدُّدَ موجودٌ (عندَ أهلِ العِلْمِ) والمعرفةِ (بالحديثِ) والأخبار (في ذلك) أي: في كون الثلاثةِ الأُوَل مباينين للثلاثة الأخيرة في عدم مداناتهم إِياهم في الإِتقان والاستقامة. وقولهُ: (لِلَّذي اسْتَفَاضَ) وشاع عندهم تعليلٌ لنَفْي الشكِّ؛ أي: وإِنما لم يشكّوا ولم يتردّدوا في ذلك للأمر الذي استفاض وشاع واشتهر (عندَهم) أي: عندَ أهلِ العلم بالحديث. وقولُه: (مِنْ صِحَّةِ) بيانٌ للذي استفاض عندهم؛ أي: حالة كون ما استفاض

стр. 108

حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيزِيدَ وَلَيثٍ. وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَينَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ ــ عندهم من صِحَّةِ وقُوَّةِ (حِفْظِ منصورٍ والأعمشِ وإسماعيلَ و) من صِحَّةِ (إتْقَانِهم) أي: إِتقانِ هؤلاء الثلاثة (لـ) نَقْلِ (حديثِهم) الذي رَوَوْه. والواوُ في قوله: (وأَنَّهُمْ) حاليةٌ؛ أي: والحالُ أَنَّ أهلَ العلمِ بالحديث (لم يَعْرِفُوا) ولم يَعْلَمُوا (مِثْلَ ذلك) أي: مِثْلَ ما استفاض عندَهم في منصورٍ وصَاحِبَيه من صِحَّةِ حفظِهم وإِتقانِهم. والجارُّ والمجرورُ في قوله: (من عَطَاءٍ ويزيدَ ولَيثٍ) متعلِّقٌ بمحذوف حالٍ من مفعول عرف، أو مفعولٌ ثانٍ له إِن كان بمعنى علم؛ أي: لم يعرفوا مِثْلَ ذلك حال كونه واقعًا من عطاء وصاحبيه وثابتًا لهم فضلًا عن الاستفاضة، والمعنى: لم يعرفوا وقوعَ مِثْلِ ذلك الحفظ والإِتقان من عطاءٍ وصاحبَيهِ فَضْلًا عن استفاضتهِ فيهم. وقولُه: (وفي مِثْلِ مَجْرَى هؤلاءِ) كلامٌ مستأنفٌ مفيدٌ لعموم الموازنة بين الأقران متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرهُ: (و) تجري الموازنةُ والمقابلَةُ بين الأقران (في) غير هؤلاء المذكورين آنفًا (مِثْلَ مَجْرَى هؤلاءِ) أي: مِثْلَ جَرَيانِها في هؤلاء الستة المذكورين آنفًا في التبايُنِ والتباعُدِ بينهم (إذا وَازَنْتَ) وقَابَلْتَ (بينَ الأقرانِ) والأشباه غير هؤلاء الستة المذكورين. والمَجْرَى: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الجري، يُقال: جَرَى الماءُ وغيرُه من باب رَمَى، وجريانًا أيضًا، وما أَشَدَّ جِرْية هذا الماء بالكسر والسكون، وقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ هما مصدران من أجريت السفينة وأرسيت، ومَجْراها ومرساها بالفتح من جرت السفينة ورست، والمَجْرَى: المَمَرُّ والطريق. وتلك الأقران (كابنِ عَوْنٍ) وهو عبد الله بن عَوْن بن أَرْطَبَان -بفتح فسكون ففتح- المزني مولاهم، أبو عون البصري أحدُ الأئمَّة الأعلام. روى عن عطاءٍ ومجاهدٍ وسالم والحَسَن والشَّعبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والثَّوْرِيُّ وابنُ عُلَيَّةَ ويحيى القطان وخلائقُ.

стр. 109

وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ مَعَ عَوْفِ بْنِ أبي جَمِيلَةَ ــ قال ابنُ مهدي: ما أحد أعلم بالسُّنَّة بالعراق من ابن عَوْن، وقال رَوْحُ بن عُبادة: ما رأيتُ أَعْبَدَ منه. وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة. (وأيوبَ) بنِ أبي تَمِيمةَ كَيسان (السِخْتِيانيِّ) بفتح المهملة أو كسرها (١)، بعدها معجمةٌ ساكنة، ثم مثناةٌ فوقانيةٌ مكسورةٌ، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، نسبة إِلى سِخْتِيان وهي الجلودُ؛ لأنه كان يبيعها (٢)، أبي بكر البصري الفقيه، أحدِ الأئمَّة الأعلام. روى عن عَمْرو بن سَلِمة والحَسَن وعطاء وابن سيرين وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُ سيرين من شيوخه وشعبة والسُّفْيانان والحَمَّادان وخَلْق. قال ابنُ عُلَيَّة: كُنَّا نقول عنده ألفا حديث، وقال شعبة: ما رأيتُ مِثْلَه، وقال حماد بن زيد: أيوبُ أفضلُ مَنْ جَالسْتُه وأَشَدُّه اتباعًا للسُّنَّة، وقال ابنُ عُيَينَة: ما لقيتُ مِثْلَه في التابعين، وقال ابنُ سعد: كان ثقةً ثَبْتًا حُجَّةَ جامعًا كثيرَ العِلْم، وُلِدَ سنة ستٍّ وستين. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ، من كبار الفقهاءِ العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة إِحدى وثلاثين ومائة. إِذا وازنتهما (مَعَ عَوْفِ بنِ أبي جَمِيلَةَ) -بفتح الجيم- العَبْدي أبي سَهْل الهَجَرِيِّ البصري، المعروف بالأعرابيّ - ولم يكن أعرابيًّا. روى عن أبي العالية وأبي رجاء وأبي عثمان النَّهْدِي، ويروي عنه (ع) وشُعْبة

стр. 110

وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ -وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا- إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ بَينَهُمَا وَبَينَ هَذَينِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيرَ مَدْفُوعَينِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَال مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ ــ وغُنْدَر والنَّضْر بن شُمَيل وخَلْق، وَثَّقَه النَّسائيُّ وجماعةٌ. قال في "التقريب": ثقةٌ رُمِيَ بالقَدَرِ وبالتشيُّع، من السادسة، مات سنة ستّ أو سبع وأربعين ومائة. (و) مع (أَشْعَثَ) بنِ عبد الملك (الحُمْرَانِيِّ) بضم الحاء المهملة منسوب إِلى حُمْران مولى عثمان بن عفان ﵁، أبي هانئ البصري، ثِقَة. قال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ روى عنه (خت ٤)، من السادسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. (وهُمَا) أي: عَوْفٌ وأَشْعَثُ (صاحبا الحَسَنِ) البصريِّ (و) محمدِ (ابن سيرينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وأيوبَ صاحباهُما) أي: صاحبا الحَسَنِ وابنِ سيرين (إلَّا أَنَّ البَوْنَ) أي: الفَرْقَ (بينَهما) أي: بين عَوْفٍ وأَشعَثَ (وبينَ هَذَينِ) أي: بين ابنِ عَوْنٍ وأيوبَ (بعيدٌ) أي: متباعدٌ. وقولهُ: (في كَمَالِ الفَضْلِ) والدِّيانةِ متعلِّقٌ بـ (البَوْن)، (و) في (صِحَّةِ النَّقْلِ) والرواية معطوفٌ على (كمالِ الفَضْلِ). و(إِنْ) في قوله: (وإنْ كان) غائيةٌ لا جوابَ لها؛ أي: وَإِنْ كان (عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: غيرَ محرومَينِ ومردودَينِ ومسلوبَينِ (عَنْ صِدْقٍ) في مقالٍ (وأمانةٍ) في حالٍ (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ، أو جوابُها معلومٌ ممَّا قبلها تقديره: وإِنْ كان عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مدفوعَينِ .. فالبَوْنُ حاصلٌ بينهما وبينَ هذين. وقولُه (ولكنَّ الحال) استدراكٌ على قوله: (غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: ولكنَّ الحال والشأن في هؤلاء الأربعة هو (ما وَصَفْنا) وذَكَرْنا فيهم (من) البَوْنِ والفَرْقِ بينَهم في (المنزلةِ) والدرجةِ الثابتةِ لهم (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ.
следующие страницы →